٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
135
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين الدلائل التي تقدمت صحة دين الإسلام حكى بعدها أنواعاً من شبه المخالفين الطاعنين في الإسلام. الشبهة الأولى: حكى عنهم أنهم قالوا: {كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ } ولم يذكروا في تقرير ذلك شبهة، بل أصروا على التقليد، فأجابهم الله تعالى عن هذه الشبهة من وجوه. الأول: ذكر جواباً إلزامياً وهو قوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } وتقرير هذا الجواب أنه إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم، لأن هؤلاء المختلفين قد اتفقوا على صحة دين إبراهيم والأخذ بالمتفق أولى من الأخذ بالمختلف إن كان المعول في الدين على التقليد، فكأنه سبحانه قال: إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد فالرجوع إلى دين إبراهيم عليه السلام وترك اليهودية والنصرانية أولى. فإن قيل: أليس أن كل واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه السلام. قلنا: لما ثبت أن إبراهيم كان قائلاً بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتثليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه السلام، وأن محمداً عليه السلام لما دعا إلى التوحيد، كان هو على دين إبراهيم. ولنرجع إلى تفسير الألفاظ: أما قوله: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } فلا يجوز أن يكون المراد به التخيير، إذ المعلوم من حال اليهود أنها لا تجوز اختيار النصرانية على اليهودية، بل تزعم أنه كفر. والمعلوم من حال النصارى أيضاً ذلك بل المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية والنصارى إلى النصرانية، فكل فريق يدعو إلى دينه، ويزعم أنه الهدي فهذا معنى قوله: {تَهْتَدُواْ } أي أنكم إذا فعلتم ذلك اهتديتم وصرتم على سنن الاستقامة. أما قوله: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } ففي اتنصاب ملة أربعة أقوال. الأول: لأنه عطف في المعنى على قوله: {كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } وتقديره قالوا: اتبعوا اليهودية قل بل اتبعوا ملة إبراهيم. الثاني: على الحذف تقديره: بل نتبع ملة إبراهيم. الثالث: تقديره: بل نكون أهل ملة إبراهيم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه كقوله: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي أهلها. الرابع: التقدير: بل اتبعوا ملة إبراهيم، وقرأ الأعرج: {ملة إبراهيم} بالرفع أي ملته ملتنا، أو ديننا ملة إبراهيم، وبالجملة فأنت بالخيار في أن تجعله مبتدأ أو خبراً. أما قوله: {حَنِيفاً } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لأهل اللغة في الحنيف قولان. الأول: أن الحنيف هو المستقيم، ومنه قيل للأعرج: أحنف، تفاؤلاً بالسلامة، كما قالوا للديغ: سليم، والمهلكة: مفازة، قالوا: فكل من أسلم لله ولم ينحرف عنه في شيء فهو حنيف، وهو مروي عن محمد بن كعب القرظي. الثاني: أن الحنيف المائل، لأن الأحنف هو الذي يميل كل واحد من قدميه إلى الأخرى بأصابعها، وتحنف إذا مال، فالمعنى أن إبراهيم عليه السلام حنف إلى دين الله، أي مال إليه، فقوله: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } أي مخالفاً لليهود والنصارى منحرفاً عنهما، وأما المفسرون فذكروا عبارات، أحدها: قول ابن عباس والحسن ومجاهد: أن الحنيفية حج البيت. وثانيها: أنها اتباع الحق، عن مجاهد. وثالثها: اتباع إبراهيم في شرائعه التي هي شرائع الإسلام. ورابعها: إخلاص العمل وتقديره: بل نتبع ملة إبراهيم التي هي التوحيد عن الأصم قال القفال: وبالجملة فالحنيف لقب لمن دان بالإسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم عليه السلام. المسألة الثانية: في نصب حنيفاً قولان، أحدهما: قول الزجاج أنه نصب على الحال من إبراهيم كقولك: رأيت وجه هند قائمة. الثاني: أنه نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فانتصب، قاله نحاة الكوفة. أما قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } ففيه وجوه، أحدها: أنه تنبيه على أن في مذهب اليهود والنصارى شركاء على ما بيناه، لأنه تعالى حكى عن بعض اليهود قولهم: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وذلك شرك. وثانيها: أن الحنيف اسم لمن دان بدين إبراهيم عليه السلام ومعلوم أنه عليه السلام أتى بشرائع مخصوصة، من حج البيت والختان وغيرهما، فمن دان بذلك فهو حنيف، وكان العرب تدين بهذه الأشياء. ثم كانت تشرك، فقيل من أجل هذا: {حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } ونظيره قوله: {أية : حُنَفَاء للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } تفسير : [الحج: 31]، وقوله: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } تفسير : [يوسف: 106] قال القاضي: الآية تدل على أن للواحد منا أن يحتج على غيره بما يجري مجرى المناقضة لقوله: إفحاماً له وإن لم يكن ذلك حجة في نفسه لأن من المعلوم أنه عليه السلام لم يكن يحتج على نبوته بأمثال هذه الكلمات بل كان يحتج بالمعجزات الباهرة التي ظهرت عليه لكنه عليه السلام لما كان قد أقام الحجة بها وأزاح العلة ثم وجدهم معاندين مستمرين على باطلهم، فعند ذلك أورد عليهم من الحجة ما يجانس ما كانوا عليه فقال: إن كان الدين بالاتباع فالمتفق عليه وهو ملة إبراهيم عليه السلام أولى بالاتباع، ولقائل أن يقول: اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم، ومقرين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث، امتنع أن يقولوا بذلك، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد، ومتى كانوا قائلين بذلك لم يكن في دعوتهم إليه فائدة، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم أو كانوا مقرين به، لكنهم أنكروا كونه منكراً للتجسيم والتثليث لم يكن ذلك متفقاً عليه فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه فكان الأخذ به أولى. والجواب: أنه كان معلوماً بالتواتر أن إبراهيم عليه السلام ما أثبت الولد لله تعالى فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه السلام.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} دَعت كلّ فرقة إلى ما هي عليه؛ فردّ الله تعالى ذلك عليهم فقال: {بَلْ مِلَّةَ} أي قل يا محمد: بل نتّبع مِلّة؛ فلهذا نصب المِلّة. وقيل: المعنى بل نهتدي بملّة إبراهيم؛ فلما حذف حرف الجرّ صار منصوباً. وقرأ الأعرج وٱبن أبي عَبْلة: «بَلْ مِلَّةُ» بالرفع؛ والتقدير بل الهدى مِلّةُ، أو مِلّتنا دين إبراهيم. و «حَنِيفاً» مائلاً عن الأديان المكروهة إلى الحق دين إبراهيم؛ وهو في موضع نصب على الحال؛ قاله الزجاج. أي بل نتبع ملّة إبراهيم في هذه الحالة. وقال علي بن سليمان: هو منصوب على أعني، والحال خطأ، لا يجوز جاءني غلام هندٍ مسرعة. وسُمِّيَ إبراهيم حنيفاً لأنه حَنِف إلى دين الله وهو الإسلام. والحَنَف: المَيْل؛ ومنه رِجْلٌ حَنْفاء، ورَجُل أَحنف، وهو الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها. قالت أمّ الأَحْنَف:شعر : واللَّهِ لولا حَنَفٌ بِرجْلِه ما كان في فِتيانكم مِن مِثلِه تفسير : وقال الشاعر:شعر : إذا حوّل الظّل العشيّ رأيتَه حَنِيفاً وفي قَرْن الضحى يَتنصّرُ تفسير : أي الحِرْباء تستقبل القِبْلة بالعشيّ، والمَشْرِقَ بالغداة، وهو قِبلة النصارى. وقال قوم: الحَنَف الاستقامة؛ فسُمّيَ دين إبراهيم حنيفاً لاستقامته. وسُمّيَ المِعْوَجَ الرِّجلين أحنف تفاؤلاً بالاستقامة؛ كما قيل للدّيغ سليم، وللمهلِكة مفازة؛ في قول أكثرهم.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَو نَصَـٰرَىٰ } الضمير الغائب لأهل الكتاب وأو للتنويع، والمعنى مقالتهم أحد هذين القولين. قالت اليهود: كونوا هوداً. وقال النصارى كونوا نصارى {تَهْتَدُواْ} جواب الأمر. {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} أي بل تكون ملة إبراهيم، أي أهل ملته، أو بل نتبع ملة إبراهيم. وقرىء بالرفع أي ملته ملتنا، أو عكسه، أو نحن ملته بمعنى نحن أهل ملته. {حَنِيفاً} مائلاً عن الباطل إلى الحق. حال من المضاف، أو المضاف إليه كقوله تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا }تفسير : [الحجر: 47] {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون.
ابن كثير
تفسير : قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصاري مثل ذلك، فأنزل الله عز وجل: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ} وقوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا} أي: لا نريد ما دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع {مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا} أي: مستقيماً، قاله محمد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية، وقال خصيف عن مجاهد: مخلصاً، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: حاجاً، وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي، وقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلاً. وقال مجاهد والربيع بن أنس: حنيفاً أي: متبعاً. وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى أخرهم، وقال قتادة: الحنيفية شهادة أن لا إله إلا الله، يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وما حرم الله عز وجل، والختان.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تَهْتَدُواْ } (أو) للتفصيل وقائل الأوّل( يهود المدينة) والثاني( نصارى نجران) {قُلْ } لهم {بَلِ } نتبع {مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً } حال من (إبراهيم) مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين القيم {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {كُونُواْ هُوداً} قالت اليهود: "كونوا هوداً" وقالت النصارى: كونوا نصارى. {بَلْ مِلَّةَ} بل نتبع ملة، أو نهتدي بملة. أو الملة من الإملال يُملونها من كتبهم. {حَنِيفاً} مخلصاً، أو متبعاً، أو حاجاً، أو مستقيماً، أخذ الحنيف، من الميل، رجل أحنف: مالت كل واحدة من قدميه إلى الأخرى، سمى به إبراهيم، لأنه مال إلى الإسلام أو أخذ من الاستقامة، وقيل للرجل أحنف تفاؤلاً بالاستقامة، وتطيراً من الميل، كالسليم للديغ، والمفازة للمهلكة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ...} قال ابن عرفة: هذا قياس استثنائي (في) قوة كلامهم (فيه) أنهم قصدوا استثناء غير المقدم فينتج عَين التالي وينتفي الثاني لانتفاء الأول، أي إن لم تكونوا هودا لم تهتدوا لكنكم لستم بهود فلستم بمهتدين. وقاعدة الأصوليين استثناء عين التالي وينتفي/ الأول لانتفاء (الثاني) حسبما نص عليه ابن التلمساني في كتاب القياس فيجيء تركيبه: إن لم تهتدوا تكونوا هودا، وليس هو مرادهم بل مرادهم أن الهداية لازمة لدين اليهودية. والجواب: أنهما متساويان إذا انتفى أحدهما لزم منه انتفاء الآخر والإضراب بـ "بل" إبطال. فإن قلت: هلا قيل: وما كان مشركا، فهو الأخص لأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص لأنه يستلزم نفي الأخص؟ فالجواب أن النفي ورد على (وفق) دعواهم و(هم) ما ادعوا إلا أنهم متّبعون له وأنه كان على دينهم وهم مشركون لقولهم: عزير بن الله والمسيح ابن الله وادعائهم (التجسيم). والخطاب بقوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ...} لجميع الناس خوطب به كل واحد على حدته وهو أولى من جعله خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مقابل لقول أتباع موسى وعيسى فيقابلون بقول أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {أم تقولون} بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة. الوقوف: {تهتدوا} (ط) {المشركين} (ه) {ومن ربهم} (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين {منهم} (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه {مسلمون} (ه) {اهتدوا} (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف {شقاق} ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء {فسيكفيكهم الله} (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال {العليم} (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله {صبغة الله} محذوفة يدل عليها قوله {آمنا بالله} وقوله {فإن آمنوا} شرط معترض {صبغة الله} (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال {صبغة} (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا {عابدون} (ه) {وربكم} (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً {أعمالكم} (ج) {مخلصون} (ط) لمن قرأ {أم يقولون} بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في {أتحاجوننا} {أو نصارى} (ط) {أم الله} (ط) {من الله} (ط) {تعملون} (ه) {فدخلت} (ج) {ما كسبتم} (ج) {يعملون}. التفسير: إنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا {كونوا هوداً} تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله تعالى {أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة: 111] فأجابهم الله بقوله {قل بل ملة إبراهيم} أي نكون أهل ملته مثل {أية : وسئل القرية} تفسير : [يوسف: 82] أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول. فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف. وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله {وما كان من المشركين} لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء {قولوا} خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله {بل ملة إبراهيم} يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله {قل بل ملة إبراهيم} خطاب للنبي وقوله {قولوا} خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب. وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي صلى الله عليه وسلم فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل. {لا نفرق بين أحد منهم} لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب. ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً} تفسير : [الشورى: 13] وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه {ونحن له مسلمون} إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى. ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله {بمثل ما آمنتم به}؟ والجواب أن قوله {فإن آمنوا} بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد {فقد اهتدوا} لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم. وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود {فإن آمنوا بما آمنتم به} وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى. وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله تعالى والمؤمنين من كيدهم وقال {فسيكفيكهم الله} وناهيك به من كاف كافل. ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح {وهو السميع العليم} وعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك {صبغة الله} مصدر مؤكد منتصب عن قوله {آمنا بالله} مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من {ملة إبراهيم} أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام. والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة. والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس. وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله {أية : إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم}تفسير : [البقرة: 14 - 15] وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب. وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه. {أية : سيماهم في وجوههم من أثر السجود} تفسير : [الفتح: 29] من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان. وقيل: صبغة الله فطرته. أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به. وقيل: صبغة الله الختان. وقيل: حجة الله. وقيل: سنة الله. {ومن أحسن من الله صبغة} معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك. {ونحن له عابدون} عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً. {قل أتحاجوننا} أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه} تفسير : [المائدة: 18] وقولهم {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31] وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن {نحن له مخلصون} موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده. {أم تقولون} من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في {أتحاجوننا} واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم. وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟ ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات. {قل أأنتم أعلم أم الله} بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل. {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} قوله {من الله} إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله {براءة من الله ورسوله} والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم. {وما الله بغافل عما تعملون} كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟ {تلك أمة} إشارة إلى إبراهيم وبنيه. كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.
ابن عادل
تفسير : والكلام في "أو" [كالكلام فيها عند] قوله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة:111]. و "تهتدوا" جزم على جواب الأمر، وقد عرف ما فيه من الخلاف: أعني هل جزمه بالجملة قبله، أو بـ "إن" مقدرة. قوله: "مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ" قرأ الجمهور: "ملّة" نصباً، وفيها أربعة أوجه: أحدها: أنه مفعول فعل مضمر، أي بل نتبع ملة؛ [فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه] لأن معنى كونوا هوداً: اتبعوا اليهودية أو النصرانية. الثاني: أنه منصوب على خبر "كان"، أي: بل نكون ملّة أي: أهل ملّة كقول عدي ابن حاتم: "إني من دين" أي من أهل دين، وهو قول الزَّجَّاج، وتبعه الزمخشري. الثالث: أنه منصوب على الإغْرَاء، أي: الزموا ملّة، وهو قول أبي عبيدة، وهو كالوجه الأول في أنه مفعول به، وإن اختلف العامل. الرابع: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، والأصل: نقتدي بملّة إبراهيم، فلما حذف الحرف انتصب. وهذا يحتمل أن يكون من كلام المؤمنين، فيكون تقدير الفعل: بل نكون، أو نتبع، أو نقتدي كما تقدم، وإن يكون خطاباً للكفار، فيكون التقدير: كونوا أو اتبعوا أو اقتدوا. وقرأ ابن هرمز، وابن أبي عبلة "مِلَّةُ" رفعاً وفيها وجهان: أحدهما: أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: بل ملتنا ملّة إبراهيم، أو نحن ملة، أي: أهل ملة. الثاني: أنها مبتدأ حذف خبره، تقديره: ملة إبراهيم ملتنا. قوله: "حَنِيفاً" في نصبه أربعة أقوال: أحدها: أنه حال من "إبراهيم"؛ لأن الحال تجيء من المضاف إليه قياساً في ثلاثة مواضع على ما ذكر بعضهم. أحدها: أن يكون المضاف عاملاً عمل الفعل. الثاني: أن يكون جزءاً نحو: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً}تفسير : [الحجر:47]. الثالث: أن يكون الجزء كهذة الآية؛ لأن إبراهيم لما لازمها تنزلت منه منزلة الجزء. والنحويون يستضعفون مجيئها من المضاف إليه، ولو كان المضاف جزءاً، قالوا: لأن الحال لا بد لها من عامل، والعامل في الحال هو العامل في صاحبها، والعامل في صاحبها لا يعمل عمل الفعل، ومن جوز ذلك قدر العامل فيها معنى اللام، أو معنى الإضافة، وهما عاملان في صاحبها عند هذا القائل. ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه وشبهه بقولك: "رأيت وجه هند قائمة"، وهو قول الزجاج. الثاني: نصبه بإضمار فعل، أي: نتبع حنيفاً وقدره أبو البقاء، بـ "أعني"، وهو قول الأخفش الصغير، وجعل الحال خطأ. الثالث: أنه منصوب على القطع، وهو رأي الكوفيين، وكان الأصل عندهم: إبراهيم الحنيف، فلما نكره لم يمكن إتْباعه، وقد تقدم تحرير ذلك. الرابع: وهو المختار: أن يكون حالاً من "ملّة" فالعامل فيه ما قَدَّرناه عاملاً فيها، وتكون حالاً لازمة؛ لأن الملة لا تتغير عن هذا الوصف، وكذلك على القول بجعلها حالاً من "إبراهيم"؛ لأنه لم ينتقل عنها. فإن قيل: صاحب الحال مؤنث، فكان ينبغي أن يطابقه التأنيث، فيقال: حنيفة. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن "فعيلاً" يستوي فيه المذكر والمؤنث. والثاني: أن الملّة بمعنى الدين، ولذلك أبدلت منه في قوله {أية : دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}تفسير : [الأنعام:161] ذكر ذلك ابن الشَّجَرِيِّ في "أماليه". و "الحَنَفُ": الميل، ومنه سمي الأَحْنَفُ؛ لميل إحدى قدميه بالأصابع إلى الأخرى؛ قالت أُمُّهُ: [الرجز] شعر : 809ـ وَاللهِ لَوْلاَ حَنَفٌ بِرِجْلِهِ مَا كَانَ في فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ تفسير : ويقال: رجل أَحْنَفُ، وامرأة حَنْفَاءُ. وقيل: هو الاستقامة، وسمي المائل الرِّجْل بذلك تفاؤلاً؛ كقولهم لِلَّدِيغ "سَلِيم" ولِلْمَهْلكة: "مَفَازة" قاله ابن قتيبة [وهو مروي عن محمد بن كعب القرظيّ]. وقيل: الحَنيفُ لقب لمن تديَّن بالإسلام؛ قال عَمْرٌو: [الوافر] شعر : 810ـ حَمِدْتُ اللهَ حِينَ هَدَى فُؤَادِي إلى الإسْلاَمِ وَالدِّينِ الحَنِيفِ تفسير : [قاله القفال. وقيل: الحنيف: المائل عما عليه العامة إلى ما لزمه]. قاله الزجاج؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 811ـ وَلَكِنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا حَنِيْفاً دِينُنَا عَنْ كُلِّ دِيْنِ تفسير : وأما عبارات المفسرين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد رضي الله تعالى عنهم أجمعين: الحنيفية حج البيت. وعن مجاهد أيضاً: اتباع الحق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. وقيل: اتباع شرائع الإسلام. وقيل: إخلاص الدين قاله الأصم. وقال سعيد بن جبير: هي الحج الحسن، وقال قَتَادة: الحنيفية الختان، وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات، وإقامة المناسك. قوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تنبيه على أن اليهود والنصارى أشركوا؛ لأن بعض اليهود قالوا: عزيزٌ ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وذلك شرك. وأيضاً إن الحنيف اسم لمن دَانَ بدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومعلوم أنه ـ عليه السلام ـ أتى بشرائع مخصوصة، من حجّ البيت والخِتَان وغيرهما، فمن دَانَ بذلك فهو حنيف، وكانت العرب تدين بهذه الأشياء، ثم كانت تشرك، فقيل من أجل هذا "حنيفاً، وما كان من المشركين" ونظيره قوله: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ}تفسير : [يوسف:106]. فصل في الكلام على هذه الآية اعلم أن الله تعالى ذكر هذه الآية على طريق الإلزام لهم وهو قوله: "ملّة إبراهيم حنيفاً" وتقديره: إن كان طريق الدين التقليد فالأولى في ذلك اتباع ملة إبراهيم حنيفاً؛ لأن هؤلاء المختلفين قد "اتفقوا" على صحّة دين إبراهيم، والأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، فكأنه سبحانه وتعالى قال: إن كان المقول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المقول على التقليد، فالرجوع إلى دين إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ وترك اليهودية والنصرانية أولى. فإن قيل: اليهود والنصارى إن كانوا معترفين بفضل إبراهيم مقرّين أن إبراهيم ما كان من القائلين بالتشبيه والتثليث امتنع أن يقولوا بذلك، بل لا بد وأن يكونوا قائلين بالتنزيه والتوحيد، ومتى كانوا قائلين بذلك لمن يكن في دعوتهم إليه فائدة، وإن كانوا منكرين فضل إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ أو كانوا مقرين به، لكنهم أنكروا كونه منكراً للتجسيم والتثليث لم يكن ذلك متفقاً عليه، فحينئذ لا يصح إلزام القول بأن هذا متفق عليه، فكان الأخذ به أولى. فالجواب: أنه كان معلوماً بالتواتر أن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما أثبت الولد لله ـ تعالى ـ فلما صح عن اليهود والنصارى أنهم قالوا بذلك ثبت أن طريقتهم مخالفة لطريقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فإن قيل: أليس أن كلّ واحد من اليهود والنصارى يدعي أنه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فالجواب أن إبراهيم كان قائلاً بالتوحيد، وثبت أن النصارى يقولون بالتَّثْليث، واليهود يقولون بالتشبيه، فثبت أنهم ليسوا على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنّ محمداً عليه الصلاة والسلام لما ادعى التوحيد كان على دين إبراهيم. فصل [اعلم أن قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} ليس المراد منه التخيير، إذ من المعلوم من حال اليهود أنها لا تُجَوِّزُ اختيار النصرانية على اليهودية، بل تزعم أنه كفر، وكذلك أيضاً حال النصارى، وإنما المراد أن اليهود تدعو إلى اليهودية، والنصارى إلى النصرانية، فكل فريق يدعو إلى دينه، ويزعم أنه على الهدى].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور للنبي صلى الله عليه وسلم "ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله فيهم {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} الآية". وأما قوله تعالى: {حنيفاً} . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {حنيفاً} قال: حاجاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: الحنيف المستقيم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {حنيفاً} قال: متبعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن خصيف قال: الحنيف المخلص. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قلابة قال: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وأخرج ابن المنذر عن السدي قال: ما كان في القرآن حنيفاً مسلماً، وما كان في القرآن حنفاء مسلمين حجاجاً. وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : بعثت بالحنيفية السمحة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر عن ابن عباس قال "حديث : قيل: يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: الحنيفية السمحة ". تفسير : وأخرج أبو الترس في الغرائب والحاكم في تاريخه وأبو موسى المديني في الصحابة وابن عساكر عن سعد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ".
القشيري
تفسير : معناه إذا تجاذبتك الفِرَق، واختلفت عليك المطالبات بالموافقة، فاحكم بتقابل دعاواهم، وأَزِد من توجهك إلينا، جارياً على منهاج الخليل عليه السلام في اعتزال الجملة، سواء كان أباه، أو كان ممن لا يوافق مولاه، ولذا قال {أية : وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم: 48] للحق بالحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا كونوا هودا أو نصارى} نزلت فى رؤس يهود المدينة وفى نصارى نجران اى قالت اليهود كونوا هودا فان نبينا موسى افضل الانبياء وكتابنا التوراة افضل الكتب وديننا افضل الاديان وكفروا بعيسى والانجيل وبمحمد والقرآن وقالت النصارى كونوا نصارى فان نبينا عيسى افضل الانبياء وكتابنا الانجيل افضل الكتب وديننا افضل الاديان وكفروا بموسى والتوراة وبمحمد والقرآن {تهتدوا} جواب للامر اى ان تكونوا كذلك تجدوا الهداية من الضلالة {قل} يا محمد لهم على سبيل الرد وبيان ما هو الحق لا نكون ما تقولون {بل} نكون {ملة إبراهيم} اى اهل ملته ودينه على حذف المضاف اى بل نتبع ملته لان كونوا معناه اتبعوا اليهودية والنصرانية {حنيفا} اى مائلا عن كل دين باطل الى دين الحق ومنحرفا عن اليهودية والنصرانية وهو حال من المضاف اليه وهو ابراهيم كما فى رأيت وجه هند قائمة لان رؤية وجه هند يستلزم رؤيتها فالحال هنا تبين هيئة المفعول او من المضاف وهو الملة وتذكير حنيفا حينئذ بتأويل الملة بالدين لانهما متحدان ذاتا والتغاير بالاعتبار {وما كان من المشركين} تعريض بهم وايذان ببطلان دعواهم اتباع ابراهيم مع اشراكهم بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله. وفى الآية ارشاد الى اتباع دين ابراهيم وهو الدين الذى عليه نبينا عليه السلام واصحابه واتباعه.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الضمير في {قالوا} لأهل الكتاب، و {أو} للتفصيل، أي: قالت اليهود: كونوا هوداً، وقالت الصنارى: كونوا نصارى. و {تهتدوا} جواب الأمر، و {ملة} منصوب بفعل محذوف، على حذف مضاف، أي: بل نكون أهل ملة إبراهيم، أو نتبع او نلزم ملة إبراهيم، و {حنيفاً} حال من المضاف إليه، لأنه كجزئه، أي: مائلاً عن الباطل، إلى الحق. يقول الحقّ جلّ جلاله: وقالت اليهود للمسلمين: {كونوا} معنا هوداً {تهتدوا}؛ فإن ديننا أقدم، وقالت النصارى لهم أيضاً، كونوا {نصارى} معنا {تهتدوا} فإن ديننا أصوب، {قل} لهم يا محمد: {بل} نلزم {ملة إبراهيم} الذي كان مائلاً عن الباطل متبعاً للحق، ومشاهداً له وحده. ولم يكن من المشركين كما أشركتم بعُزير وعيسى وغيرهما، تعالى الله عن قولكم علواً كبيراً. الإشارة: قد سرى هذا الطبع في بعض المنتسبين، يُرَغِّبُون الناس في طريقهم، ويحرصون على اتباعهم والدخول معهم، وينقصون طريق غيرهم، وهو وصف مذموم، بل الواجب أن ينظر الإنسان بعين البصيرة، فمن وجده يدل على الله ويغيب عما سواه، ينهض حاله ويدل على الله مقاله، اتبعه وحطَّ رأسه له، ولزم ملته وطريقه إينما كان، وكيفما كان. ومن وجده على غير هذا الوصف، أعرض عنه، والتمس غيره، وليس من شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، أو الترغيب في اتباعهم، بل هم أزهد الناس في شأن الدعاة إلى الله الحرص على الناس، أو الترغيب في اتباعهم، بل هم أزهد الناس في الناس، من أتاهم دلّوه على الله، ومن لقيهم نصحوه في الله، هم على قدَم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قال له الحقّ تعالى:{أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [يُونس: 99]. {أية : لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ}تفسير : [الغاشية: 22]، {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشُّعَرَاء: 3] فكان صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يدل على الله وينظر ما يفعل الله. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : الضمير في قوله: {وقالوا كونوا} يرجع إلى اليهود، والنصارى، لان كل فريق منهم دعي إلى ما هو عليه ومعنى {تهتدوا} أي تصيبوا طريق الحق. كانهم قالوا: تهتدوا إلى الحق. وروي عن عبد الله بن عباس، انه قال: قال عبد الله بن صوريا الاعور لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى: مثل ذلك فانزل الله (تعالى) {وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} الآية وفى قوله: {بل ملة إبراهيم حنيفاً} حجة على وجوب اتباع ملة ابراهيم إذ كانت سليمة من التناقض. وكان في اليهودية والنصرانية تناقض، وذلك لا يكون من عند الله فصارت ملة ابراهيم احق بالاتباع من غيرها. والتناقض في اليهودية مثل منعهم من جواز النسخ مما في التوراة مما يدل على جواز ذلك وامتناعهم من العمل بما تقدمت به البشارة في التوراة من اتباع النبي الامي مع اظهارهم التمسك بها، وامتناعهم من الاذعان لما دلت عليه المعجزة: من نبوة عيسى، ونبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) مع اقرارهم بنبوة موسى من أجل المعجزة إلى غير ذلك من انواع التناقض. وأما النصارى أب وابن وروح قدوس إله واحد مع زعمهم ان الاب ليس هو الابن وان الاب إله والابن إله وروح القدوس إله. فاذا قيل لهم قولوا ثلاثة آلهة امتنعوا من ذلك. إلى ما يصفون به الباري تعالى مما يوجب الحاجة والحدث. ويقولون: مع ذلك انه قديم لم يزل إلى غير ذلك من مناقضاتهم التي لا تحصى كثيرة، وهي موجودة في الكتب عليهم نبهنا على جملها. وأما الحنيفية فهي الاستقامة. وانما قيل للذي يقبل باحدى قدميه على الاخرى أحنف تفاؤلا بالسلامة كما قيل للهلكة: مفازة تفاؤلا بالفوز، والنجاة، وهو قول الرياشي وابن قتيبة، واهل اللغة. وقال الزجاج: أصله الميل، وابراهيم حنيف إلى دين الاسلام، وقال: العادل إلى دين ربه عن اليهودية، والنصرانية. وقال ابو حاتم: قلت للاصمعي: من أين عرف في الجاهلية الحنيف؟ فقال: لانه من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عندهم، ولأن كل من حج البيت كانوا يسمونه حنيفاً وكانوا اذا أرادوا الحج قالوا: هلم نتحنف. وقال صاحب العين: الحنف ميل في صدر القدم. يقال رجل حنف، وسمي الأحنف لحنف كان به. وقالت حاضنته وهي ترقصه: شعر : والله لولا حنف برجله ما كان في صبيانكم كمثله تفسير : والحنيف: المسلم الذي يستقبل قبلة البيت الحرام على ملة ابراهيم {وكان حنيفا مسلما} وقال بعضهم: الحنيف كل من أسلم في أمر الله، ولم يلتو في شيء والجمع الحنفاء. قال بعضهم: قيل حنيف، لانه تحنف عن الاديان كلها: أي مال إلى الحق. وفي الحديث حديث : أحب الاديان إلى الله الحنفية السمحة، تفسير : وهي ملة ابراهيم لا حرج فيها، ولا ضيق. وأصل الباب الحنف، وهو الميل. ونصب {ملة إبراهيم} يحتمل اربعة اوجه، احدها ـ ان كونوا هوداً أو نصارى. قد تضمن معنى اتبعوا اليهودية والنصرانية، فعطف به على المعنى. والثاني ـ على الحال كأنه قال بل نتبع ملة ابراهيم. فالاول عطف والثاني [حذف]. والثالث ـ على معنى بل أهل ملة ابراهيم، فحذف المضاف واقيم المضاف اليه مقامه كقوله تعالى {واسأل القرية}. والرابع ـ على الاغراء.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال، قال ابراهيم (ع) ويعقوب (ع) كونوا مسلمين وقالوا {كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} اى قالت اليهود: كونوا هوداً وقالت النّصارى: كونوا نصارى فلفظة او ليست للتّخيير والاباحة بل هى للتفصيل {تَهْتَدُواْ قُلْ} لهم يا محمّد {بَلْ} كونوا مسلمين واتّبعوا {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} وكونوا اهل ملّة ابراهيم او على ملّة ابراهيم {حَنِيفاً} مستقيماً او مائلاً عن الاديان المعوّجة وهو حال عن الملّة او ابراهيم ولم يقل حنيفة لكون الملّة بمعنى الدّين او لكسبه التّذكير من المضاف اليه وروى انّ الحنيفيّة هى الاسلام {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تعريض بالمشركين كما انّ قوله تعالى بل ملّة ابرهيم كان ردّاً لاهل الكتاب فانّ المشركين أكثرهم مقرّون برسالة ابراهيم (ع).
اطفيش
تفسير : {وقالُوا كُونوا هوداً أو نَصَارى تَهْتدُوا}: أى قالت اليهود: كونوا هوداً تهتدوا، وقالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، قالت ذلك يهود المدينة، ونصارى نجران، والكلام فى هذه الآية مثله فى قوله عز وجل: {وقالُوا لنْ يدْخُل الجنَّة إلا منْ كانَ هُوداً أو نصارَى} قال ابن عباس رضى الله عنهما: نزلت فى رؤساء اليهود كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وابن يهودا، وأبى ياسر بن أخطب، وفى نصارى نجران السيد والعاقب وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا المؤمنين فى الدين، فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين الله، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن. وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفروا بموسى والتوراة ومحمد والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ديننا، وقلنا نحن معشر المسلمين محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفضل الرسل، والقرآن أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وهو دين إبراهيم المتفق على صحته، وآمنا بجميع أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وجميع كتبهم، فكذب الله ـ عز وجل ـ اليهود والنصارى وصدقنا فأنزل: {قُلْ بَل مِلَّة إبراهيم}: أى قل يا محمد: بل نتبع ملة إبراهيم، لأنه صواب مجمع عليه، والله أمرنا به، لا بيهوديتكم ونصرانيتكم، فملة معمول لمحذوف تقديره نتبع، كما علمت، ويدل له قوله تعالى: {أية : اتَّبعُوا ملة إبراهيم} تفسير : أو تقديره: نلزم ملة إبراهيم، أو تقديره: تكون ملة إبراهيم، أى أهل ملة إبراهيم كقول عدى بن حاتم: إنى من دين، أى من أهل دين، فيقدر المضاف آخراً كما رأيت، أو يقدر أولا أى نكون ملتنا ملة إبراهيم، وتقدير الكون أنسب بقوله: كونوا، ويجوز تقدير المحذوف خطاباً لليهود والنصارى، أى بل اتبعوا والزموا ملة إبراهيم، وقرئ ملة إبراهيم بالرفع، على أنهُ مبتدأ خبره محذوف، أى ملة إبراهيم ملتنا، أو خبر لمحذوف، أى ملتنا ملة إبراهيم، أو أمرنا ملة إبراهيم، أو نحن ملة إبراهيم، أى أهل ملة إبراهيم. {حنيفاً}: مائلا عن اليهودية والنصرانية وغيرهما من الأديان الباطلة، إلى دين الإسلام. والحنف الميل مطلقاً، والمراد هنا ما ذكرت. قال ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. قال الشاعر: شعر : ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفاً ديننا عن كل دين تفسير : والحنف ميل فى القدمين، وكانت العرب تسمى كل من احتجم أو اختتن حنيفا، تنبيها على أنه على دين إبراهيم، وقيل معنى حنيفا مختتنا مقيما للمناسك، وقيل: الحنيف فى الدين المستقيم على جميع طاعة الله. وقال الحسن: الحنيف المخلص. قال الكلبى: الحنيف المسلم، وليس ذلك خارجا عما ذكرنا من الميل عن الأديان إلى دين الإسلام، وحنيفا حال من إبراهيم، ولو كان مضافا إليه، لأن المضاف مثل جزء المضاف إليه هنا قال ابن هشام: يجئ الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف بعضه، نحو: أعجبنى وجهها مسفرة. وكقوله تعالى: {أية : ونزعْنا ما فى صدورهم من غِلٍّ إخواناً} {أية : أيحبّ أحدُكم أن يأكُل لَحْمَ أخيهِ مَيْتاً}، تفسير : أو كبعضه نحو: {مِلّةَ إبراهِيمَ} أو عاملا فى الحال.. إلخ وقوله: {ملة إبراهيم حنيفاً} يحتمل هذه الآية وغيرها، أو كلتاهما سواء، وأجاز بعض البصريين مجئ الحال من المضاف إليه بلا شرط، ومنع أبو حيّان مجئ الحال منه مطلقاً إلا إذا صح عمل المضاف فى الحال، بأن كان وصفا أو مصدراً، ليتحد عامل الحال وعامل صاحبها، قال: وأما ميتا فيحتمل أن يكون حالا من لحم، وإخوانا يحتمل أن يكون منصوبا على المدح، وحنيفا يحتمل أن يكون حالا من الملة، وذكر لأن الملة والدين بمعنى، أو من الضمير فى اتبع، يعنى اتبع المقدر فى الآية الأخرى غير آية البقرة، وكذا تحتمل آية البقرة لجواز أن يقدر، بل أتبع ملة إبراهيم أى أتبعها أنا حال كونى حنيفا، ولو خاطبت اليهود والنصارى المؤمنين، لأن اتباع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ملة إبراهيم مستلزم لاتباع المؤمنين إياها، ويجوز أن يكون وجه تذكير حنيفا مع جعله حالا من ملة، أنه فعيل بمعنى فاعل، وما كان هكذا يجوز تذكيره، ويجوز أن يكون حالا من الضمير فى نتبع أو نلزم، لأن ما كان هكذا يجوز إفراده، ولو جرى على جماعة، وقيل حنيفا مفعول لمحذوف، أى نتبع حنيفا أى رجلا حنيفاً أو ملة أو دينا حنيفا، وتقدير رجلا حنيفا فى هذا القول أولى لمضى ذكر الملة. {وما كانَ}: إبراهيم. {مِنَ المشركين}: الجملة حال ثانية لإبراهيم، إذا جعلنا حنيفا حالا، وإلا فالجملة حال منه غير ثانية، ويجوز أن يكون حنيفا حالا منه، وهذه الجملة معطوفة على الحال، أو حالا من الضمير فى حنيفا، ويجوز أن تكون مستأنفة، وعلى كل وجه فهى تعريض بأن اليهود والنصارى مشركون، وإبراهيم مسلم، فادعاؤهم اتباعه باطل، ومثلهم مشركو العرب. قال الحسن: ثم علم الله المؤمنين ما يقولون لليهود والنصارى إذا قالوا لهم كونوا هوداً أو نصارى، وهو تعليم لطريق الإيمان فقال: {قُولُوا آمنَّا...}
اطفيش
تفسير : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَٰرَىْ تَهْتَدُواْ} أو للتفصيل، قالت يهود المدينة، كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، ووهب بن يهوذا، وأبو يسار ابن أخطب، وعبدالله بن صوريا الأعور، وهم رؤساء يهود المدينة للمسلمين: كونوا هوداً تهتدوا، لا دين إلا دين اليهود، وأنكروا الإنجيل وعيسى والقرآن ومحمداً صلى الله عليه وسلم عليهما، وقالت نصارى نجران لهم: كونوا نصارى تهتدوا، وأنكروا التوراة وموسى والقرآن ومحمداً صلى الله عليه وسلم عليهما {قُلْ} يا محمد لهم {بَلْ} نتبع {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} كما جاء اتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً، أو نلزمها كما كنا، لا نفارقها، أو اتبعوا أنتم كما اتبعناها، وذلك مضمون الرد على قولهم: كونوا... الخ، أو بل نكون ملة إبراهيم، أى أهل ملة إبراهيم كما هو لفظ: كونوا هوداً، أو يقدر، بل كونوا أهل ملة إبراهيم كما كنا على ملته {حَنِيفاً} عن الأديان كلها إلا دين الإسلام {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} كما كان الشرك فى يهوديتكم ونصرانيتكم، إذ قلتم عزير بن الله، والمسيح بن الله، أو إله، ونحو ذلك، وكما أشركتكم بإنكار القرآن وبعض الرسل، واليهود بإنكار الإنجيل، والنصارى بإنكار التوراة، والآية تعريض بشرك العرب المشركين، إذ يعبدون الأصنام، كما أنها تعريض بشرك اليهود والنصارى.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ} الضمير الغائب لأهل الكتاب، والجملة عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة، والمراد منها رد دعوتهم إلى دينهم الباطل إثر رد ادعائهم اليهودية على يعقوب عليه السلام، و {أَوْ} لتنويع المقال ـ لا للتخيير ـ بدليل أن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، أي: قال اليهود للمؤمنين كونوا هوداً وقالت النصارى لهم كونوا نصارى و {تَهْتَدُواْ} جواب الأمر، أي إن كنتم كذلك تهتدوا. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في رؤوس يهود المدينة، كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وأبـي ياسر بن أحطب وفي نصارى أهل نجران، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله من غيرها، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن، وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء، وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا، فلا دين إلا ذلك في رواية ابن إسحٰق وابن جرير وغيرهما عنه أن عبد الله بن صوريا الأعور قال للنبـي صلى الله عليه وسلم: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى: مثل ذلك فأنزل الله تعالى فيهم الآية. {قُلْ} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي قل لأولئك القائلين على سبيل الرد عليهم،/ وتبيين ما هو الحق لديهم وإرشادهم إليه. {بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ} أي لا نكون كما تقولون، بل نكون ملة إبراهيم أي أهل ـ ملته ـ أو بل نتبع ملة إبراهيم. والأول: يقتضيه رعاية جانب لفظ ما تقدم ـ وإن احتاج إلى حذف المضاف والثاني: يقتضيه الميل إلى جانب المعنى إذ يؤل الأول إلى اتبعوا ملة اليهود أو النصارى مع عدم الاحتياج إلى التقدير، وجوّز أن يكون المعنى بل اتبعوا أنتم ملته، أو كونوا أهل ملته، وقيل: الأظهر بل نؤتي ملة إبراهيم ـ ولم يظهر لي وجهه ـ وقرىء {بَلْ مِلَّةَ} بالرفع، أي بل ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن ملته أي أهلها، وقيل: بل الهداية أو تهدي ملة إبراهيم وهو كما ترى. {حَنِيفاً} أي مستقيماً أو مائلاً عن الباطل إلى الحق ويوصف به المتدين والدين، وهو حال إما من المضاف بتأويل الدين أو تشبيهاً له بفعيل بمعنى مفعول كما قوله تعالى: {أية : إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 56] وهذا على قراءة النصب وتقدير (نتبع) ظاهر، وإما على تقدير تكون عليها فلأن {مِلَّةَ} فاعل الفعل المستفاد من الإضافة أي تكون ملة ثبتت لإبراهيم، وعلى قراءة الرفع تكون الحال مؤكدة لوقوعها بعد جملة اسمية جزآها جامدان معرفتان مقررة لمضمونها لاشتهار ملته عليه الصلاة والسلام بذلك فالنظم على حد ـ أنا حاتم جواداً ـ أو من المضاف إليه بناءاً على ما ارتضوه من أنه يجوز مجيء الحال منه في ثلاث صور: إذا كان المضاف مشتقاً عاملاً، أو جزءاً، أو بمنزلة الجزء في صحة حذفه كما هنا فإنه يصح ـ اتبعوا إبراهيم ـ بمعنى اتبعوا ملته، وقيل: إن الذي سوغ وقوع الحال من المضاف إليه كونه مفعولاً لمعنى الفعل المستفاد من الإضافة أو اللام ـ وإليه يشير كلام أبـي البقاء ـ ولعله أولى لاطراده في التقدير الأول، وقيل: هو منصوب بتقدير أعني. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} عطف على (حنيفاً) على طبق {أية : حُنَفَاء للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ }تفسير : [الحج: 31] فهو حال من المضاف إليه لا من المضاف إلا أن يقدر ـ وما كان دين المشركين ـ وهو تكلف، والمقصود التعريض بأهل الكتاب والعرب الذين يدعون اتباعه ويدينون بشرائع مخصوصة به من حج البيت والختان وغيرهما فإن في كل طائفة منهم شركاء فاليهود قالوا ـ عزيز ابن الله ـ والنصارى ـ المسيح ابن الله ـ والعرب عبدوا الأصنام وقالوا الملائكة بنات الله.
ابن عاشور
تفسير : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ}. الظاهر أنه عطف على قوله: {أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه}تفسير : [البقرة: 130]، فإنه بعد أن ذمهم بالعدول عن تلقي الإسلام الذي شمل خصال الحنيفية بين كيفية إعراضهم ومقدار غرورهم بأنهم حصروا الهدى في اليهودية والنصرانية أي كل فريق منهم حصر الهدى في دينه. ووجه الحصر حاصل من جزم {تهتدوا} في جواب الأمر فإنه على تقدير شرط فيفيد مفهوم الشرط أن من لم يكن يهودياً لا يراه اليهود مهتدياً ومن لم يكن نصرانياً لا يراه النصارى مهتدياً أي نفوا الهدى عن متبع ملة إبراهيم وهذا غاية غرورهم. والواو في {قالوا} عائدة لليهود والنصارى بقرينة مساق الخطاب في {أية : أم كنتم شهداء}تفسير : [البقرة: 133] وقوله: {أية : ولكم ما كسبتم}تفسير : [البقرة: 134]. و(أو) في قوله: {أو نصارى} تقسيم بعد الجمع لأن السامع يرد كلاً إلى من قاله، وجزم {تهتدوا} في جواب الأمر للإيذان بمعنى الشرط ليفيد بمفهوم الشرط أنكم إن كنتم على غير اليهودية والنصرانية فلستم بمهتدين. جردت جملة (قل) من العاطف لوقوعها في مقام الحوار مجاوبة لقولهم {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} على نحو ما تقدم أي بل لا اهتداء إلا باتباع ملة إبراهيم فإنها لما جاء بها الإسلام أبطل ما كان قبله من الأديان. وانتصب (ملة) بإضمار تتبع لدلالة المقام لأن {كونوا هوداً} بمعنى اتبعوا اليهودية، ويجوز أن ينصب عطفاً على {هوداً} والتقدير بل نكون ملة إبراهيم أي أهل ملته كقول عدي بن حاتم لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم: إني من دين أو من أهل دين يعني النصرانية. والحنيف فعيل بمعنى فاعل مشتق من الحنف بالتحريك وهو الميل في الرجل قالت أم الأحنف ابن قيس فيما ترقصه به:شعر : والله لولا حنف برجله ما كان في فتيانكم من مثله تفسير : والمراد الميل في المذهب أن الذي به حنف يميل في مشيه عن الطريق المعتاد. وإنما كان هذا مدحاً للملة لأن الناس يوم ظهور ملة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء فجاء دين إبراهيم مائلاً عنهم فلقب بالحنيف ثم صار الحنيف لقب مدح بالغلبة. والوجه أن يجعل (حنيفاً) حالاً من (إبراهيم) وهذا من مواضع الاتفاق على صحة مجيء الحال من المضاف إليه ولك أن تجعله حالاً لملة إلا أن فعيلاً بمعنى فاعل يطابق موصوفه إلا أن تؤول ملة بدين على حد {أية : إن رحمة الله قريب من المحسنين}تفسير : [الأعراف: 56] أي إحسانه أو تشبيه فعيل إلخ بمعنى فاعل بفعيل بمعنى مفعول. وقد دلت هذه الآية على أن الدين الإسلامي من إسلام إبراهيم. وقوله: {وما كان من المشركين} جملة هي حالة ثانية من إبراهيم وهو احتراس لئلا يغتر المشركون بقوله: {بل ملة إبراهيم} أي لا نكون هوداً ولا نصارى فيتوهم المشركون أنه لم يبق من الأديان إلا ما هم عليه لأنهم يزعمون أنهم على ملة إبراهيم وإلا فليس ذلك من المدح له بعد ما تقدم من فضائله وهذا على حد قوله تعالى: {وما صاحبكم بمجنون} غلط فيه صاحب «الكشاف» غلطاً فاحشاً كما سيأتي.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: تهتدوا: تصيبوا طريق الحق. ملة إبراهيم: دين إبراهيم الذي كان عليه. حنيفاً: مستقيماً على دين الله موحداً فيه لا يشرك بالله شيئاً. ما أوتي موسى: التوراة. وما أوتي عيسى: الإِنجيل. في شقاق: خلاف وفراق وعداء لك وحرب عليك. صبغة الله: دينه الذي طهرنا به ظاهراً وباطناً فظهرت آثاره علينا كما يظهر أثر الصبغ على الثوب المصبوغ. معنى الآيات: ما زال السياق في حجاج أهل الكتاب ودعوتهم إلى الإِسلام فقد قال اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. كونوا يهوداً تهتدوا إلى الحق، وقالت النصارى من وفد نجران كذلك كونوا نصارى تهتدوا فحكى الله تعالى قولهم، وعلم رسوله أن يقول لهم لا نتبع يهودية ولا نصرانية بل نتبع دين إبراهيم الحنيف المفضي بصاحبه إلى السعادة والكمال. وفي الآية الثانية [136] أمر الله تعالى رسوله والمؤمنين أن يعلنوا في وضوح عن عقيدتهم الحقة وهي الإِيمان بالله وما أنزل من القرآن، وما أنزل على الأنبياء كافة، وما أوتي موسى وعيسى من التوراة والإِنجيل خاصة، مع عدم التفرقة بين رسول ورسول والإسلام الظاهر والباطن لله رب العالمين. وفي الآية الثالثة [137] يقول تعالى لرسوله والمؤمنين إن آمن اليهود والنصارى إيماناً صحيحاً كإيمانكم فقد اهتدوا، وإن أبوا فتولوا وأعرضوا فأمرهم لا يعدو شقاقاً وحرباً لله ورسوله، والله تعالى سيكفيكهم بما يشاء وهو السميع لأقوالهم الباطلة العليم بأعمالهم الفاسدة، وقد أنجز تعالى وعده لرسوله فأخرج اليهود من المدينة بل ومن الحجاز مع ما جللهم به من الخزي والعار. وفي الآية الرابعة [138] يقول تعالى لرسوله والمؤمنين رداً على اليهود والنصارى قولوا لهم: نتبع صبغة الله التي صبغنا بها وفطرته التي فطرنا عليها وهي الإِسلام. ونحن له تعالى عابدون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لا هداية إلا في الإِسلام ولا سعادة ولا كمال إلا بالإِسلام. 2- الكفر برسول، كفر بكل الرسل فقد كفر اليهود بعيسى، وكفر النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم فأصبحوا بذلك كافرين، وآمن المسلمون بكل الرسل فأصبحوا بذلك مؤمنين. 3- لا يزال اليهود والنصارى في عداء للإِسلام وحرب على المسلمين، والمسلمون يكفيهم الله تعالى شرهم إذا هم استقاموا على الإِسلام عقيدة وعبادة وخلقاً وأدباً وحكماً. 4- الواجب على من دخل في الإِسْلام أن يغتسل غسلاً كغسل الجنابة إذ هذا من صبغة الله تعالى، لا المعمودية النصرانية التي هي غمس المولود يوم السابع من ولادته في ماء يقال له المعمودي وإدعاء أنه طهر بذلك ولا يحتاج إلى الختان.
القطان
تفسير : هودا: يهودا. حنيفا: مائلا عن الباطل الى الحق، ثم صار علَما للاستقامة. الأسباط: جمع سبط وهو ولد الولد. الاسباط من بني اسرائيل كالقبائل من العرب: تولوا: اعرضوا. في شقاق: في نزاع. صبغة الله: فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال اهل الكتاب: كونوا ايها المؤمنون يهوداً او نصارى تهتدوا الى الطريق السوي، فقل لهم يا محمد: بل نتبع ملة ابراهيم الذي لا تنازعون في هداه ولم يكن من المشركين. ودين ابراهيم الحنيف هو الدين الذي عليه محمد واتباعه المؤمنون. وذلك لأنهم يؤمنون بالله وبرسله وكتبه. لذلك قال بعد هذه الآية: قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا في القرآن، وآمنا بما أنزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى غير محرّفة، والانجيل الذي أنزله الله على عيسى غير محرف أيضاً. وآمنا بما أُوتي النبيون من ربهم، لا نفرّق بين أحد منهم فنكفر ببعضه ونؤمن ببعض، بل نشهد بأن الجميع رسل الله بعثهم بالحق والهدى، ونحن له مسلمون مذعنون بالطاعة والعبودية. فإن آمنوا بكل هذا وتركوا ما هم عليه من تحريف كتبهم وادعائهم حلول الله في بعض البشر، فقد اهتدوا الى الحق. اما إن اعرضوا عما تدعوهم اليه، وفرقوا بين رسل الله فاتركهم. فانهم في شقاق وعداوة، والله سوف يكفيك أمرهم ويريحك من لجاجهم ونزاعهم. إن ما ذُكر آنفاً هو الايمان الحقيقي، وهو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. اختار الله هذه الرسالة وجعَلها آخر رسالاته الى البشر لتقوم عليها وحدة انسانية واسعة الآفاق، كل الناس فيها سواء، أفضلهم أتقاهم وانفعهم. ومن أحسنُ من الله صبغة! وتختتم الآية بهذه العبارة اللطيفة "ونحن له عابدون" أي ان الله هدانا بهدايته، وارشدنا الى حجته، ونحن لا نخضع الا لله، ولا نتبع الا ما هدانا وأرشدنا اليه، فلا نتخذ الاحبار والرهبان اربابا يزيدون في ديننا وينقصون.
د. أسعد حومد
تفسير : {نَصَارَىٰ} {إِبْرَاهِيمَ} (135) - قَالَ يَهُودٌ لِلرَّسُولِ، عَلَيهِ السَّلاَمُ: مَا الهُدَى إلاَّ مَا نَحْنُ عَلَيهِ، فَاتَّبِعْنا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ يَرُدُّ بِهَا عَلَيِهْم. فَقَالَ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّنا لاَ نُرِيدُ اتِّبَاعَ مِلَّة اليَهُودِ، وَلا اتِّبَاعَ مِلَّةِ النَّصَارَى، لأِنَّ كِلتَا المِلَّتَيْنِ قَدْ حُرِّفَتا عَنْ أَصْلِهِمَا الصَّحِيحِ، وَبَعُدتَا عَنْ مِلَّةِ إِبراهِيمَ، وَلكِنّنا نَتَّبعُ الإِسْلاَمَ، مِلَّةَ إِبْراهِيمَ المُخْلِصِ المُسْتَقِيمِ (حَنِيفاً) الذِي لَمْ يَكُنْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَمِلَّتُهُ أَصْلُ مِلَّتِنا وَمِلَّتِكُمْ، فَهِي المِلَّةُ التِي لاَ انْحِرافَ فِيهَا وَلا زَيْعَ. حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ.
الثعلبي
تفسير : {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} قال ابن عبّاس: نزلت في رؤوس يهود أهل المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب وفي نصارى أهل نجران: السيّد والعاقب وأصحابهما وذلك إنّهم خاصموا المسلمين في الدين كلّ فرقة تزعم إنّها أحقّ بدين الله من غيرها فقالت اليهود ديننا خير الأديان ونبيّناً موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وكفرت بعيسى والأنجيل ومحمّد والقرآن. وقالت النصارى: نبينّا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الأنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمّد والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين إلاّ ذلك دعوهم إلى دينهم إلا الحنيفية. فقال الله تعالى: قل يا محمّد {بَلْ مِلَّةَ} أي بل نتبع ملّة {إِبْرَاهِيمَ} وقرأ الأعرج: (بل ملّ)ة رفعاً على الخبر. {حَنِيفاً} نصب على القطع. أراد بل ملّة إبراهيم الحنيف فلمّا اُسقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة. فانقطع منه فنصب قاله نُحاة الكوفة، وقال أهل البصرة: نصب على الحال قال ابن عبّاس: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصلها من الحنف وهو ميل وعوج في القدم ومنه سُمّي أحنف بن قيس. مقاتل: مُخلصاً. كثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية فقال: هي حج هذا البيت. الضحاك: إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن فهو المسلم. قتادة: من الحنيفية الختان، وترك نكاح الأخت. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} علم المسلمين مجرى التوحيد وطريق الأيمان. فقال {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} يعني القرآن {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} وهو عشر صحف. {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} يعني أولاد يعقوب واحدهم سبط. سمّوا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة من النّاس وسبط الرّجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين (عليهما السلام) سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب، والشعوب من العجم. وعن أبي سعيد الضرير: إنّ أصل السّبط في اللغة شجرة ملتفة كثيرة الأغصان فُسمّي الأسباط بها لكثرتهم. فكما إنّ الأغصان من شجرة واحدة كذلك الأسباط كانوا من يعقوب، وكان في الأسباط أنبياء، وكذلك قال {أية : وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ } تفسير : [آل عمران: 199] [المائدة: 66] وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلّهم أنبياء. {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} يعني التوراة. {وَعِيسَىٰ} الانجيل. {وَمَا أُوتِيَ} أُعطي. {ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} فلمّا نزلت هذه الآية قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى وقال: "حديث : إنّ الله أمرني بهذا"تفسير : فلمّا سمعت اليهود بذكر عيسى أنكروا وكفروا به وكفرت النصارى وقالوا: لأنّ عيسى ليس بمنزلة سائر الأنبياء ولكنّه ابن الله فأنزل الله تعالى {فَإِنْ آمَنُواْ} يعني اليهود النصارى. {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} أي بجميع ما آمنتم كإيمانكم، وقيل مثل صلة أي بما آمنتم به، وهكذا كان يقرأها ابن عبّاس ويقول: إقرؤا (فإن آمنوا بما آمنتم به) فليس لله مثل ونظيره قوله: و{أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]: أي كهو. قال الشاعر: شعر : يا عاذلي دعني من عذلكا مثلي لا يقبل من مثلكا تفسير : أي أنا لا أقبل منك. {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} قال ابن عبّاس وعطاء والأخفش: في خلاف يقال: شاقّ يشاقّ مشاقّة إذا خالف كانّ كل واحد أخذ في شقّ غير شقّ صاحبه دليله قوله {أية : لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ} تفسير : [هود: 89] أي خلافي وأُنشد: شعر : فكان إليها والّذي إصطاد بكرها شقاقاً وبعضهن أو لطم وأهجرا تفسير : وقال ابن سلمة والسّدي: في عداوة كان كلّ واحد منهما أخذ في شقّ صاحبه أي في جهده وما يشق عليه من قوله {أية : إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ} تفسير : [النحل: 7] دليله قوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأنفال: 13] أي عادوا الله ورسوله. قال بشر بن أبي حازم: شعر : وإلاّ فاعلموا انّا وأنتم بغاة ما حيينا في شقاق تفسير : أي في عداوة. مقاتل وابو عبيدة: في ضلال واختلاف بيانه قوله {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا} تفسير : [النساء: 35] أي اختلاف بينهما. قال الشاعر: شعر : إلى كم نقتل العلماء قسراً ونفجر بالشّقاق وبالنفاق تفسير : أي بالضلال والاختلاف. الكسائي: هي خلع الطّاعة بيانه قوله {أية : وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ} تفسير : [النساء: 115]. الحسن: في بعاد وفراق إلى يوم القيامة. {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} يا محمّد يعني اليهود والنصارى. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم. {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالهم وكفاهم الله تعالى أمرهم بالقتل والسبّي في بني قريظة والجلاء والنفي في بني النضير والجزية والذلّة في نصارى نجران.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عندما تأتي - قالوا - فمعناها أن الذين قالوا جماعة .. الذين قالوا هم اليهود والنصارى. ولكن كلا منهم قال قولاً مختلفاً عن الآخر .. قالت اليهود كونوا هوداً. وقالت النصارى كونوا نصارى.. ونحن عندنا عناصر ثلاثة: اليهود والنصارى والمشركون. ويقابل كل هؤلاء المؤمنون .. {وَقَالُواْ كُونُواْ} [البقرة: 135] من المقصود بالخطاب؟ المؤمنين .. أو قد يكون المعنى وقالت اليهود للمؤمنين والمشركين والنصارى كونوا هوداً .. وقالت النصارى لليهود والمشركين والمؤمنين كونوا نصارى .. لأن كل واحد منهما لا يرى الخير إلا في نفسه .. ولكن الإسلام جاء وأخذ من اليهودية موسى وتوراته الصحيحة، وأخذ من المسيحية عيسى وإنجيله الصحيح .. وكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى ذلك أن الإسلام أخذ وحدة الصفقة الإيمانية المعقودة بين الله سبحانه وبين كل مؤمن .. ولذلك تجد في القرآن الكريم قوله تعالى: {أية : لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ..} تفسير : [البقرة: 285]. ونلاحظ أن المشركين لم يدخلوا في القول لأنهم ليسوا أهل كتاب. قوله تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [البقرة: 135] .. أي رد عليهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنني سأكون تابعاً لدين إبراهيم وهو الحنيفية .. وهم لا يمكن أن يخالفوا في إبراهيم فاليهود اعتبروه نبياً من أنبيائهم .. والنصارى اعتبروه نبياً من أنبيائهم ولم ينفوا عنه النبوة ولكن كلا منهم أراد أن ينسبه لنفسه. ما معنى حنيفاً؟ إن الاشتقاقات اللفظية لابد أن يكون لها علاقة بالمعنى اللغوي .. الحنف ميل في القدمين أن تميل قدم إلى أخرى .. هو تقوس في القدمين فتميل القدم اليمنى إلى اليسار أو اليسرى إلى اليمين هذا هو الحنف .. ولكن كيف يؤتي بلفظ يدل على العوج ويجعله رمزاً للصراط المستقيم؟. لقد قلنا إن الرسل لا يأتون إلا عندما تعم الغفلة منهج الله .. لأنه ما دام وجد من أتباع الرسول من يدعو إلى منهجه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون هناك خير. النفس البشرية لها ألوان .. فهناك النفس اللوامة تصنع شراً مرة فيأتي من داخل النفس ما يستنكر هذا الشر فتعود إلى الخير .. ولكن هناك النفس الأمارة بالسوء وهي التي لا تعيش إلا في الشر تأمر به وتغري الآخرين بفعله .. إذا فسد المجتمع وأصبحت النفوس أمارة بالسوء ينطبق عليها قول الحق سبحانه: {أية : كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ..} تفسير : [المائدة: 79]. تتدخل السماء برسول يعالج اعوجاج المجتمع .. ولكن الله تبارك وتعالى وضع عنصر الخيرية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة. قال تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 110]. إذن فقد ائتمن الله تبارك وتعالى أمة محمد على المنهج .. وما دام فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلن يأتي رسول بعد محمد صلى الله عليه وسلم. نعود إلى قوله تعالى حنيفاً .. قلنا إن الحنف هو الاعوجاج .. ونقول إن الاعوجاج عن المعوج اعتدال .. والرسل لا يأتون إلا بعد اعوجاج كامل في المجتمع .. ليصرفوا الناس عن الاعوجاج القائم فيميلون إلى الاعتدال .. لأن مخالفة الاعوجاج اعتدال .. وقوله تعالى: "حنيفاً" تذكرنا بنعمة الله على الوجود كله لأنه يصحح غفلة البشر عن منهج الله ويأخذ الناس من الاعوجاج الموجود إلى الاعتدال .. والهداية عند اليهود والنصارى مفهومها تحقيق شهوات نفوسهم لأن بشراً يهدي بشراً .. والله سبحانه وتعالى قال: {أية : وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..} تفسير : [البقرة: 120]. ولقد تعايش رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة مع اليهود ولكنهم حاربوه ولم يرضوا عنه .. وإبراهيم عليه السلام كان مؤمناً حقاً ولم يكن مشركاً ..
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أن ملة إِبراهيم هي ملة الحنيفية السمحة، وأن من لم يؤمن بها ورغب عنها فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة والسفاهة، ذكر تعالى ما عليه أهل الكتاب من الدعاوى الباطلة من زعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية، وبيّن أن تلك الدعوى لم تكن عن دليل أو شبهة بل هي مجرد جحود وعناد، ثم عقب ذلك بأن الدين الحق هو في التمسك بالإِسلام، دين جميع الأنبياء والمرسلين. اللغَة: {حَنِيفاً} الحنيف: المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق، والحنفُ الميل وبه سمي الأحنف لميلٍ في إِحدى قدميه قال الشاعر: شعر : ولكنّا خُلقنا إِذ خُلقنا حنيفاً دينُنا عن كل دين تفسير : {الأَسْبَاطَ} جمع سِبْط وهم حفدةُ يعقوب أي ذريات أبنائه وكانوا اثني عشر سبطاً وهم في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب {شِقَاقٍ} الشقاق: المخالفة والعداوة وأصله من الشق وهو الجانب أي صار هذا في شق وهذا في شق {فَسَيَكْفِيكَهُمُ} من الكفاية بمعنى الوقاية {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} الصبغة مأخوذة من الصَّبْغ وهو تغيير الشيء بلونٍ من الألوان والمراد بها الدِّينُ {أَتُحَآجُّونَنَا} أتجادلوننا من المحاجّة وهي المجادلة {مُخْلِصُونَ} الإِخلاص أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. التفسِير: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} أي قال اليهود كونوا على ملتنا يهوداً تهتدوا وقال النصارى كونوا نصارى تهتدوا فكلٌ من الفريقين يدعو إِلى دينه المعوج {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} أي قل لهم يا محمد بل نتّبع ملة الحنيفية السمحة وهي ملة إِبراهيم حال كونه مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيم وما كان إِبراهيم من المشركين بل كان مؤمناً موحّداً وفيه تعريض بأهل الكتاب وإِيذان بأنَّ ما هم عليه إِنما هو شرك وضلال. {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله وما أنزل إِلينا من القرآن العظيم {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} أي وآمنا بما أنزل إِلى إِبراهيم من الصحف والأحكام التي كان الأنبياء متعبدين بها وكذلك حفدة إِبراهيم وإِسحاق وهم الأسباط حيث كانت النبوة فيهم {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} أي من التوراة والإِنجيل {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} أي ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعاً ونصدّق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} أي إِن آمن أهل الكتاب بنفس ما آمنتم به معشر المؤمنين فقد اهتدوا إِلى الحق كما اهتديتم {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي وإِن أعرضوا عن الإِيمان بما دعوتهم إِليه فاعلم أنهم إِنما يريدون عداوتك وخلافك، وليسوا من طلب الحق في شيء {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} أي سيكفيك يا محمد شرهم وأذاهم ويعصمك منهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} أي هو تعالى يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم من المكر والشر {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} أي ما نحن عليه من الإِيمان هو دين الله الذي صبغنا به وفطرنا عليه فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في الثوب، ولا أحد أحسن من الله صبغةً أي ديناً {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} أي ونحن نعبده جلّ وعلا ولا نعبد أحداً سواه {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} أي أتجادلوننا في شأن الله زاعمين أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأن الأنبياء منكم دون غيركم؟ {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي ربُّ الجميع على السواء وكلُّنا عبيده {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم لا يتحمل أحد وزر غيره {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي قد أخلصنا الدين والعمل لله {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}؟ أي أم تدّعون يا معشر أهل الكتاب أن هؤلاء الرسل وأحفادهم كانوا يهوداً أو نصارى {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} أي هل أنتم أعلم بديانتهم أم الله؟ وقد شهد الله لهم بملة الإسلام وبرأهم من اليهودية والنصرانية {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} تفسير : [آل عمران: 67] فكيف تزعمون أنهم على دينكم؟ {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي لا أحد أظلم ممّن أخفى وكتم ما اشتملت عليه آيات التوراة والإِنجيل من البشارة برسول الله، أو لا أحد أظلم ممن كتم ما أخبر الباري عنه من أن الأنبياء الكرام كانوا على الإِسلام {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي مطلع على أعمالهم ومجازيهم عليها وفيه وعيد شديد {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} كرّرها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إِذا كان أولئك الأنبياء على فضلهم وجلالة قدرهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، وقد تقدم تفسيرها فأغنى عن الإِعادة. البَلاَغَة: 1- {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} فيه إِيجاز بالحذف أي قال اليهود كونوا يهوداً وقال النصارى كونوا نصارى، وليس المعنى أن الفريقين قالوا ذلك لأن كل فريق يعدُّ دين الآخر باطلاً. 2- {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} فيه إِيجاز ظاهر أي يكفيك الله شرهم، وتصدير الفعل بالسين دون سوف مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب. 3- {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} من صيغ المبالغة ومعناه الذي أحاط سمعه وعلمه بجميع الأشياء. 4- {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} سمي الدين صبغةً بطريق الاستعارة حيث تظهر سمته على المؤمن كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. 5- {أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} الاستفهام وارد على جهة التوبيخ والتقريع. الفوَائِد: الفائدة الأولى: تكرر ورود هذه الآية في مواطن من القرآن {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال أبو حيان: ولا تأتي الجملة إِلا عقب ارتكاب معصية فتجيء متضمنة وعيداً ومعلمة أن الله لا يترك أمرهم سدى. الثانية: قال ابن عباس: إِن النصارى كان إِذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام صبغوه في ماءٍ لهم يقال له: المعمودي ليطهروه بذلك، ويقولون هذا طهور مكان الختان فإِذا فعلوا ذلك صار نصرانياً حقاً فأنزل الله هذه الآية. الثالثة: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإِسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إِلينا" تفسير : رواه البخاري.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ فالحَنِيفُ: المُسلِمُ، وكانَ الحَنيفُ فِي الجَاهليةِ مَنْ اخْتَتَنَ وَحَجَّ البيتَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: دعا كل من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم، زاعمين أنهم هم المهتدون وغيرهم ضال. قل له مجيبا جوابا شافيا: { بَلْ } نتبع { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } أي: مقبلا على الله، معرضا عما سواه، قائما بالتوحيد، تاركا للشرك والتنديد. فهذا الذي في اتباعه الهداية، وفي الإعراض عن ملته الكفر والغواية.
همام الصنعاني
تفسير : 134- عبد الرزّاق، قال معمر، وقال قتادة، وقد تكون حنيفيَّة في شركٍ. ومن الختان، وتحريم نكاح الأم والبنت والأخت، ولكن الله قال: {[حَنِيفاً] وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الآية: 135].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):