٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
136
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما أجاب بالجواب الجدلي أولاً، ذكر بعده جواباً برهانياً في هذه الآية وهو: أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء عليهم السلام ظهور المعجز عليهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد صلى الله عليه وسلم وجب الاعتراف بنبوته والإيمان برسالته، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وأنه ممتنع عقلاً، فهذا هو المراد من قوله: {قُولُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } إلى آخر الآية، وهذا هو الغرض الأصلي من ذكر هذه الآية. فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة، قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق، ثم نقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن الله تعالى لما حكى عنهم أنهم قالوا: {أية : كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 135] ذكروا في مقابلته للرسول عليه السلام: {أية : قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [البقرة: 135] ثم قال لأمته: {قُولُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ } وهذا قول الحسن وقال القاضي قوله: {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } يتناول جميع المكلفين، أعني النبي عليه السلام وأمته، والدليل عليه وجهان: أحدهما: أن قوله: {قُولُواْ } خطاب عام فيتناول الكل. الثاني: أن قوله: {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } لا يليق إلا به صلى الله عليه وسلم، فلا أقل من أن يكون هو داخلاً فيه، واحتج الحسن على قوله بوجهين. الأول: أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ }. الثاني: أنه في نهاية الشرف، والظاهر إفراده بالخطاب. والجواب: أن هذه القرائن وإن كانت محتملة إلا أنها لا تبلغ في القوة إلى حيث تقتضي تخصيص عموم قوله: {قُولُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ } أما قوله: {قُولُواْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ } فإنما قدمه لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالشرائع، فمن لا يعرف الله استحال أن يعرف نبياً أو كتاباً، وهذا يدل على فساد مذهب التعليمية والمقلدة القائلين بأن طريق معرفة الله تعالى: الكتاب والسنة. أما قوله: {وَالأسْبَاطَ } قال الخليل: السبط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، وقال صاحب «الكشاف» السبط، الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأسباط: الحفدة وهم حفدة يعقوب عليه السلام وذراري أبنائه الإثني عشر. أما قوله: {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } ففيه وجهان. الأول: أنا لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فإنا لو فعلنا ذلك كانت المناقضة لازمة على الدليل وذلك غير جائز. الثاني: لا نفرق بين أحد منهم، أي لا نقول: إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم مجتمعون على الأصول التي هي الإسلام، كما قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِنَ ٱلدّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ }. الوجه الأول: أليق بسياق الآية. أما قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فالمعنى أن إسلامنا لأجل طاعة الله تعالى لا لأجل الهوى، وإذا كان كذلك فهو يقتضي أنه متى ظهر المعجز وجب الإيمان به. فأما تخصيص بعض أصحاب المعجزات بالقبول، والبعض بالرد، فذلك يدل على أن المقصود من ذلك الإيمان ليس طاعة الله والانقياد له، بل اتباع الهوى والميل.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} خرّج البخاري حديث : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقُولُوا آمنّا بِاللَّهِ وما أُنزِل» الآيةتفسير : . وقال محمد بن سيرين: إذا قيل لك أنت مؤمن؟ فقل: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} الآية. وكره أكثر السلف أن يقول الرجل: أنا مؤمن حقًّا؛ وسيأتي بيانه في «الأنفال» إن شاء الله تعالى. وسُئل بعض المتقدّمين عن رجل قيل له: أتؤمن بفلان النبيّ؛ فسمّاه بٱسم لم يعرفه؛ فلو قال نعم، فلعلّه لم يكن نبِيًّا، فقد شهد بالنبوة لغير نبيّ، ولو قال لا، فلعلّه نبيّ، فقد جَحَد نبيًّا من الأنبياء؛ فكيف يصنع؟ فقال: ينبغي أن يقول: إن كان نبيًّا فقد آمنتُ به. والخطاب في هذه الآية لهذه الأمة، علّمهم الإيمان. قال ٱبن عباس: جاء نفر من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فسألوه عمن يؤمن به من الأنبياء، فنزلت الآية. فلما جاء ذكر عيسى قالوا: لا نؤمن بعيسى ولا من آمن به. قوله تعالى: {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} جمع إبراهيم براهيم، وإسماعيل سماعيل؛ قاله الخليل وسيبويه، وقاله الكوفيون، وحَكَوْا بَراهِمة وسَماعِلة، وحكَوْا براهِم وسماعِل. قال محمد بن يزيد: هذا غلط، لأن الهمزة ليس هذا موضع زيادتها، ولكن أقول: أبارِه وأسامع، ويجوز أباريه وأسامِيع. وأجاز أحمد بن يحيى بِراه، كما يقال في التصغير بُرَيْه. وجمع إسحٰق أساحيق، وحكى الكوفيون أساحقة وأساحق؛ وكذا يعقوب ويعاقيب، ويعاقبة ويعاقب. قال النحاس: فأما إسرائيل فلا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوّله، وإنما يقال أساريل، وحكى الكوفيون أسارلة وأسارِل. والباب في هذا كله أن يُجمع مسلماً فيقال: إبراهيمون وإسحاقون ويعقوبون، والمسلم لا عمل فيه. والأسباط: وَلَدُ يعقوب عليه السلام، وهم ٱثنا عشر ولدا، وُلِد لكل واحد منهم أُمّة من الناس؛ واحدهم سِبْط. والسِّبْط في بني إسرائيل بمنزلة القَبيلة في ولد إسماعيل. وسُمُّوا الأسباط من السَّبط وهو التتابع؛ فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصله من السَّبَط (بالتحريك) وهو الشجر؛ أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سَبَطة. قال أبو إسحٰق الزجاج: ويُبيّن لك هذا ما حدّثنا به محمد بن جعفر الأنباري قال حدّثنا أبو نُجَيدالدّقاق قال حدّثنا الأسود بن عامر قال حدّثنا إسرائيل عن سِماك عن عِكرمة عن ٱبن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوحاً وشعيباً وهوداً وصالِحاً ولوطاً وإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ وإسماعيلَ ومحمداً صلى الله عليه وسلم. ولم يكن أحد له ٱسمان إلا عيسى ويعقوب. والسِّبْط: الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد. وشَعر سَبْط وسَبِطَ: غير جَعْد. {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} قال الفرّاء: أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى.
البيضاوي
تفسير : {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ} الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى: {أية : فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ }تفسير : [البقرة: 137] {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} القرآن، قدم ذكره لأنه أول بالإضافة إلينا، أو سبب للإيمان بغيره {وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} الصحف، وهي وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضاً منزلة إليهم، كما أن القرآن منزل إلينا، والأسباط جمع سبط وهو الحافد، يريد به حفدة يعقوب، أو أبناءه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} التوراة والإِنجيل، أفردهما بالذكر بحكم أبلغ لأن أمرهما بالإِضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق، والنزاع وقع فيهما {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} جملة المذكورين منهم وغير المذكورين. {مّن رَّبّهِمُ} منزلاً عليهم من ربهم. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} كاليهود، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، وأحد لوقوعه في سياق النفي عام فساغ أن يضاف إليه بين. {وَنَحْنُ لَهُ} أي لله. {مُّسْلِمُونَ} مذعنون مخلصون.
ابن كثير
تفسير : أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مفصلاً، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملاً، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: {أية : وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلا أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً} تفسير : [النساء: 150 ـ 151] الآية، وقال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا عثمان بن عمرة، أخبرنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل الله»تفسير : . وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم عن سعيد بن يسار عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} الآية، والأخرى بـ {أية : ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}تفسير : [آل عمران: 52]، وقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب، اثنا عشر رجلاً، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط. وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل، وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر وقد نقله الرازي عنه وقررّه ولم يعارضه، وقال البخاري الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً}تفسير : [المائدة: 20] الآية، وقال تعالى: {أية : وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا}تفسير : [الأعراف: 160] قال القرطبي: وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة، وقيل: أصله من السبط، بالتحريك، وهو الشجر، أي: في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة سبطة، قال الزجاج: ويبين لك هذا ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد، عليهم الصلاة والسلام، قال القرطبي: والسبط: الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد، وقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله. وقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوارة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، أخبرنا مؤمل، أخبرنا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُولُواْ } خطاب للمؤمنين {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } من القرآن {وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ } من الصحف العشر {وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ } أولاده {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ } من التوراة {وَعِيسَى } من الإنجيل {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ } من الكتب والآيات {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كاليهود والنصارى {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا} فإن قيل: فهل للإيمان مثل لا يكون إيماناً؟ قيل معنى الكلام: فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدَّقوا مثل تصديقكم فقد اهتدوا، وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف. {وَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} يعني في مشاقة وعداوة، وأصل الشِّقَاقِ البُعْدُ، من قولهم قد أخذ فلان في شِقٍّ، وفلان في شِقٍّ آخر، إذا تباعدوا. وكذلك قيل للخارج عن الجماعة، قد شَقَّ عصا المسلمين لبُعْدِهِ عنهم. قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} فيه تأويلان: أحدهما: معناه دين الله، وهذا قول قتادة. وسبب ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء لهم، ويقولون هذا تطهير لهم كالختان، فرد الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: {صِبْغَةَ اللهِ} أي صبغة الله أحسن صبغة، وهي الإسلام. والثاني: أن صبغة الله، هي خلقة الله، وهذا قول مجاهد. فإن كانت الصبغة هي الدين، فإنما سُمِّيَ الدين صبغة، لظهوره على صاحبه، كظهور الصِّبْغِ عَلَى الثوبِ، وإن كانت هي الخلقة فلإحداثه كإحداث اللون على الثوب.
ابن عطية
تفسير : هذا الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، علمهم الله الإيمان، و {ما أنزل إلينا} يعني به القرآن، وصحت إضافة الإنزال إليهم من حيث هم المأمورون المنهيون فيه، و {إبراهيم وإسماعيل} يجمعان براهيم وسماعيل، هذا هو اختيار سيبويه والخليل، وقال قوم "براهم"، وقال الكوفيون: "براهمة وسماعلة"، وقال المبرد: "أباره وأسامع"، وأجاز ثعلب "براه" كما يقال في التصغير "بريه"، {والأسباط} هم ولد يعقوب، وهم روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وربالون ويشحر ودنية بنته وأمهم ليا، ثم خلف على أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين، وولد له من سريتين ذان وتفثالي وجاد وأشرو، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، فسموا الأسباط لأنه كان من كل واحد منهم سبط، و{ما أوتي موسى} هو التوراة وآياته، و"ما أوتي عيسى" هو الإنجيل وآياته، فالمعنى أنا نؤمن بجميع الأنبياء لأن جميعهم جاء بالايمان بالله، فدين الله واحد وإن اختلفت أحكام الشرائع، و {لا نفرق بين أحد منهم} أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما تفعلون، وفي الكلام حذف تقديره: بين أحد منهم وبين نظيره، فاختصر لفهم السامع، والضمير في {له} عائد على اسم الله عز وجل. وقوله تعالى: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} الآية، خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته. والمعنى إن صدقوا تصديقاً مثل تصديقكم، فالمماثلة وقعت بين الإيمانين، هذا قول بعض المتأولين، وقيل الباء زائدة مؤكدة، والتقدير آمنوا مثل، والضمير في {به} عائد كالضمير في {له}، فكأن الكلام فإن آمنوا بالله مثل ما آمنتم به، ويظهر عود الضمير على {ما}، وقيل {مثل} زائدة كما هي في قوله {أية : ليس كمثله شيء} تفسير : [الشورى: 11]، وقالت فرقة: هذا من مجاز الكلام، تقول هذا أمر لا يفعله مثلك أي لا تفعله أنت، فالمعنى فإن آمنوا بالذي آمنتم به، هذا قول ابن عباس، وقد حكاه عنه الطبري قراءة، ثم أسند إليه أنه قال: "لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما أمنتم به، فإنه لا مثل لله تعالى، ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم أو بما آمنتم به". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على جهة التفسير، أي هكذا فليتأول، وحكاهما أبو عمرو الداني قراءتين عن ابن عباس فالله أعلم. وقوله تعالى: {وإن تولوا} أي أعرضوا، يعني به اليهود والنصارى، والشقاق المشاقة والمحادة والمخالفة، أي في شقاق لك هم في شق وأنت في شق، وقيل: شاق معناه شق كل واحد وصل ما بينه وبين صاحبه، ثم وعده تعالى أنه سيكفيه إياهم ويغلبه عليهم، فكان ذلك في قتل بني قينقاع وبني قريظة وإجلاء النضير. وهذا الوعد وانتجازه من أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، و {السميع} لقول كل قائل، {العليم} بما يجب أن ينفذ في عباده. و {صبغة الله} شريعته وسنته وفطرته، قال كثير من المفسرين: وذلك أن النصارى لهم ماء يصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك: وقيل: سمي الدين {صبغة} استعارة من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر الصبغ في الثوب وغيره، ونصب الصبغة على الإغراء، وقيل بدل من ملة، وقيل نصب على المصدر المؤكد لأن ما قبله من قوله {فقد اهتدوا} هو في معنى يلبسون أو يتجللون صبغة الله، وقيل: التقدير ونحن له مسلمون صبغة الله، فهي متصلة بالآية المتقدمة، وقال الطبري من قرأ برفع "ملةُ" قرأ برفع "صبغةُ". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد ذكرتها عن الأعرج وابن أبي عبلة. و {نحن له عابدون} ابتداء وخبر.
الخازن
تفسير : فقال تعالى: {قولوا آمنا بالله} يعني قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لكم: كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا: آمنا بالله أي صدقنا بالله {وما أنزل إلينا} يعني القرآن {وما أنزل إلى إبراهيم} يعني وآمنا بما أنزل إلى إبراهيم وهو عشر صحائف {وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر واحدهم سبط وكانوا أنبياء، وقيل: السبط هو ولد الولد وهو الحافد ومنه قيل: للحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب من بني إسماعيل وكان في الأسباط أنبياء {وما أوتي موسى} يعني التوراة {وعيسى} يعني الإنجيل {وما أوتي النبيون من ربهم} والمعنى آمنا أيضاً بالتوراة والإنجيل والكتب التي أوتي جميع النبيين وصدقنا أن ذلك كله حق وهدى ونور وأن الجميع من عند الله وأن جميع ما ذكر الله من أنبيائه كانوا على هدى وحق {لا نفرق بين أحد منهم} أي لا نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض وكما تبرأت اليهود من عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأقرت ببعض الأنبياء وكما تبرأت النصارى من محمد صلى الله عليه وسلم وأقرت ببعض الأنبياء بل نؤمن بكل الأنبياء وأن جميعهم كانوا على حق وهدى {ونحن له مسلمون} أي ونحن لله تعالى خاضعون بالطاعة مذعنون له بالعبودية (خ) عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ". تفسير : {وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا}. الآية. قوله عز وجل: {فإن آمنوا} يعني اليهود والنصارى {بمثل ما آمنتم به} أي بما آمنتم به ومثل صلة فهو كقوله: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشوىى: 11] أي ليس مثله شيء وقيل: فإن أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد كتوحيدكم {فقد اهتدوا} والمعنى إن حصلوا ديناً آخر يساوي هذا الدين في الصحة، والسداد فقد اهتدوا ولكن لما استحال ان يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في الصحة والسداد استحال الاهتداء بغيره لأن هذا الدين مبناه على التوحيد والإقرار بكل الأنبياء وما أنزل إليهم وقيل معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا {وإن تولوا} أي أعرضوا {فإنما هم في شقاق} أي في خلاف ومنازعة وقيل: في عداوة ومحاربة وقيل: في ضلال، وأصله من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب عداوته وقيل هو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه {فسيكفيكهم الله} أي يكفيك الله يا محمد شر اليهود والنصارى وهو ضمان من الله تعالى لإظهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا تكفلّ بشيء أنجزه وهو إخبار بغيب نفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد أنجز الله وعده بقتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى {وهو السميع} لأقوالهم {العليم} بأحوالهم يسمع جميع ما ينطقون به، ويعلم جميع ما يضمرون من الحسد، والغل وهو مجازيهم، ومعاقبهم عليه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {قُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} قال ابن عرفة: فيه دليل على أن من قال: أنا مؤمن، لا يحتاج إلى زيادة: إن شاء الله، وهو قول سحنون. قلت: قال ابن بطال في أوائل شرح البخاري هو قول ابن عبد الرحمان السلمي، وعطاء، وسعيد بن جبير، وإبراهيم التميمي وعون ابن عبد الله، (ورأى) زيادة الاستثناء ابن عبد الحكم وحمديس وابن عبدوس وأحمد بن صالح الكوفي. قلت: ونقل لي بعض الطلبة عن الركراكي بالقيروان وكان صالحا أنه قال: لا أماته الله على الإسلام إن كان يعتقد أنه مسلم. (قال: فسألت الفقيه أبا عبد الله محمد بن محمد بن سلامة. فقال: مراده إن كان يعتقد أنّه كامل الإسلام. وقال لي شيخنا الفقيه أبو العباس أحمد بن إدريس: إنما أراد ما في حديث: حديث : المسلم من سلم الناس من لسانه ويده تفسير : قال ابن عرفة: والصواب أنه إن أراد: أنا مؤمن في الحال، لم يحتج إلى زيادة: إن شاء الله تعالى، وإن أراد المستقبل فلا بد من زيادة إن شاء الله، وهذه الآية إما خبر أو إنشاء فإن كانت خبرا فهو ماض لا يحتاج فيه إلا الاستثناء لأنه محقق عنده، وإن كان إنشاء فمدلولها حق صح الإخبار عنه على ما هو عليه من غير استثناء لأنه حق. (ابن عرفة). والمسألة المتقدمة مذكورة في الفقه وفي المعالم الفقهية. وقال أبو حيان: هنا في إبراهيم وإسماعيل (يجوز) أن يجمعا جمع سلامة فيقال: (ابراهيمون) وإسماعيلون. قال ابن عرفة: كان بعضهم يمنع ذلك (فيه) لأنه عجمي. والله أعلم. قال الزمخشري: والأسباط حفدة يعقوب عليه السلام (ذراري) أبنائه الاثني عشر. وقال ابن عطية: (هم أولاد) يعقوب وهم روبيل وشمعون ويهودا وداني ولاوى وكرد. قلت: وتقدم لنا في الختمة التي قبل هذه قال بعض الطلبة لابن عرفة: ما الحكمة في تخصيص أول الآية بلفظ الإنزال و(ثانيها) بالإيتاء؟ فقال: لفظ الإنزال صريح فيما أنزل من أعلى إلى أسفل، ولفظ الإيتاء محتمل لأن يكون من اليمين والشمال والأمام والعلو، والنصارى (مؤمنون) بما أنزل على عيسى، واليهود (مؤمنون) بما أنزل على موسى لأنهم لا احتمال عندهم فيه ولا شك، ولما كانوا شاكين في المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آل إبراهيم وما بعده وبعضهم يدعي أنهم (تلقوه) من الكهان، أتى فيه باللفظ الصريح الدال على نزوله من أعلى إلى أسفل ولهذا قال: {وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} لينفي هذا الاحتمال، فعورض بوجهين: - الأول قال بعض الطلبة: السحر إنما يتلقونه من الشياطين المسترقين للسمع فهو من أعلى إلى أسفل فلا احتمال في الإنزال كالاحتمال في الإيتاء. - الوجه الثاني: قلت: (إذاً) إنّ النصارى كافرون بما أنزل على موسى واليهود بما أنزل على عيسى فالاحتمال لم يزل أقال في هذه: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا} وفي آل عمران {أية : قُلْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا }. تفسير : قال ابن الخطيب: إنّ "على" صريحة في حصول الشيء من فوق "وإلى" يحتمل حصوله من إحدى الجهات السْبب. والخطاب في قوله "ءَامَنَّا" بالنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن أنزل عليه حقيقة من السماء. والخطاب هنا للمؤمنين، وإنما حصل لهم القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم (ولم يحصل) لهم من فوق. وأورده الزمخشري في آل عمران، وأجاب بأن الوحي يتنزل من فوق وينتهي للرسل، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر، قل ومن قال علينا لقوله قل: "إِلَيْنَا" لقوله "قُولُواْ" فقد تعسف، ألا ترى إلى قوله "بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ" وإلى قوله {أية : ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تفسير : وأجاب ابن عرفة بجواب آخر: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان خاطره إلى العالم العلوي أميل، إذ في السّماء الجنّة والعرش والكرسيّ والملائكة، ناسب تعدي الإنزال إليه بـ"على" ليشعر بإتيانه من الجهة الشريفة المحبوبة بخلاف هذه فإنّ فيها "قُولُوا" وهو خطاب له ولغيره. وأجاب ابن عرفة وبعض طلبته عن تخصيص أول الآية بالإنزال وآخرها بالإيتاء بأنه لما/ كان ظهور المعجزات الفعلية على يد موسى وعيسى أكثر (وأشهر) من ظهورها على يد إسحاق ويعقوب وإبراهيم لأن موسى ضرب البحر فانفلق، وألقى العصا فعادت ثعبانا، وأخرج يده فصارت بيضاء من غير سوء، (ورفع) من على البئر الصخرة لابنة شعيب، ووضع ثوبه على حجر، ودخل النهر فمضى الحجر به فتبعه وهو يقول: ثوبي حجر. وعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فناسب لفظ الإيتاء سَيدَنَا إبراهيم عليه السلام وأولاده فإن اشتهارهم بإنزال الوحي أكثر من اشتهارهم بالمعجزات.
ابن عادل
تفسير : "قولوا": في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه للمؤمنين، والمراد بالمنزل إليهم القرآن على هذا. والثاني: أنه يعود على القائلين كانوا هوداً أو نصارى. والمراد بالمُنزل إليهم: إما القرآن، وإما التوراة والإنجيل [قال الحسن رحمه الله تعالى: لما حكى الله ـ تعالى ـ عنهم أنهم قالوا: كونوا هوداً أو نصارى ذكر في مقابلته للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قل: بل "ملة" إبراهيم، قال: {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ}]. وجلمة "آمنَّا" في محلّ نصب بـ "قولوا"، وكرر الموصول في قوله: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} لاختلاف المُنزل إلينا، والمنزل إليه، فلو لم يكرر لأوهم أن المنزل إلينا هو المنزل إليهم، ولم يكرر في "عيسى"؛ لأنه لم يخالف شريعة موسى إلاّ في نزر يسير، فالذي أوتيه عيسى هو عَيْن ما أوتيه موسى إلا يسيراً، وقدم المنزل إلينا في الذكر، وإن كان متأخراً في الإنزال تشريفاً له. والأَسْبَاط جمع"سِبْط" وهم في ولد يعقوب كالقبائل في ولد إسماعيل والشّعوب في العجم. وقيل: هم بنو يعقوب لصلبه. وقال الزمخشري: "السبط هو الحَافِدُ". واشتقاقهم من السبط وهو التتابع، سموا بذلك؛ لأنهم أمة متتابعون. وقيل: من "السَّبط" بالتحريك جمع "سَبَطَة" وهو الشجر الملتف. وقيل لـ "الحَسَنَيْنِ": سِبْطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ذرّيتهم. ثم قيل لكل ابن بنت: "سِبْط". قال القرطبي رحمه الله تعالى: جمع إبراهيم براهم، وإسماعيل سماعيل، قاله الخليل وسيبويه والكوفيون، وحكوا: بَراهِمة وسَماعِلة، وحكوا براهِم وسماعِل. قال محمد بن يزيد: هذا غلط؛ لأنه الهمزة ليس هذا موضع زيادتها، ولكن أقول: أباره وأسامع، ويجوز أباريه وأساميع. وأجاز أحمد بن يحيى "بِراه"، كما يقال في التصغير "بريه". قوله: {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ} يجوز في "ما" وجهان: أحدهما: أن تكون في محل جر عطفاً على المؤمن به، وهو الظاهر. والثاني: أنها في محل رفع بالابتداء، ويكون {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} عطفاً عليها. وفي الخبر وجهان: أحدهما: أن يكون "من ربهم". والثاني: أن يكون "لا نُفَرِّقُ" هكذا ذكر أبو حيان، إلا أن في جعله "لا نُفَرِّقُ" خبراً عن "ما" نظر لا يخفى من حيث عدم عود الضمير عليها. ويجوز أن تكون "ما" الأولى عطفاً على المجرور، و "ما" الثانية مبتدأه، وفي خبرها الوجهان، وللشيخ أن يجيب عن عدم عود الضمير بأنه محذوف تقديره: لا نفرق فيه، وحذف العائد المجرور بـ "في" مطَّرِد كما ذكر بعضهم، وأنشد: [المتقارب] شعر : 812ـ فَيَوْمٌ علَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ تفسير : أي: نُسَاءُ فيه ونُسَرُّ فيه. قوله: "من ربِّهم" فيه ثلاثة أوجه: أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنه في محل نصب، و "من" لابتداء الغاية، ويتعلّق بـ "أوتي" الثانية إن أَعَدْنَا الضمير على النبيين فقط دون موسى وعيسى، أو بـ "أوتي" الأولى، وتكون الثانية تكراراً لسقوطها في "آل عمران" إن أعدنا الضمير على موسى وعيسى عليهما السلام والنبيين. الثاني: أن يكون في محلّ نصب على الحال من العائد على الموصول فيتعلّق بمحذوف تقديره: وما أوتيه كائناً من ربهم. الثالث: أنه في محل رفع لوقوعه خبراً إذا جعلنا "ما" مبتدأ. قوله: "بين أحد" متعلق بـ "لا نفرق"، وفي "أحد" قولان: أظهرهما: أنه الملازم للنفي الذي همزته أصلية، فهو للعموم وتحته أفراد، فلذلك صحّ دخول "بين" عليه من غير تقدير معطوف نحو: "المال بين الناس". والثاني: أنه الذي همزته بدل من "واو" بمعنى واحدٍ، وعلى هذا فلا بد من تقدير معطوف ليصح دخول "بين" على متعدد، ولكنه حذف لفهم المعنى، والتقدير: بَيْنَ أحدٍ منهم؛ ونظيره ومثله قول النابغة: [الطويل] شعر : 813ـ فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جَاءَ سَالِماً أبُو حُجُرٍ إلاَّ لَيَالٍ قَلاَئِلُ تفسير : أي: بين الخير وبَيْنِي. و "له" متعلِّق بـ "مُسْلِمُون"، قدم للاهتمام به لعود الضمير على الله ـ تعالى ـ أو لتناسب الفواصل. فصل في الكلام على الآية قدم الإيمان بالله؛ لأن من لا يعرف الله يستحيل أن يعرف نبيًّا أو كتاباً، فإذا عرف الله، وآمن به عرف أنبياءه، وما أنزل عليهم. وقوله: {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} فيه وجهان: الأول: لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بالكل، روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ..."تفسير : الآية. الثاني: لا نقول: إنهم متفرقون في أصول الديانات، بل هم يجتمعون على الأصول التي هي الإسلام كما قال تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الشورى:13]. [فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقّاً في زمانه، فلا تلزمنا المناقضة، وإنما تلزم المناقضة لليهود والنصارى؛ لاعترافهم بنبوة من ظهر المعجز على يده، ولم يؤمنوا]. وقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} يعني أن إسلامنا لأجل طاعة الله لا لأجل الهوى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : آمنوا بالتوراة والزبور والإِنجيل، وليسعكم القرآن ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا...} الآية. كلها، وفي الآخرة بـ {أية : آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون}تفسير : [آل عمران: 52]". وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال "أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم...} الآية. وفي الثانية {أية : قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة...}تفسير : [آل عمران: 64]". وأخرج وكيع عن الضحاك قال: علموا نساءكم وأولادكم وخدمكم أسماء الأنبياء المسمين في الكتاب ليؤمنوا بهم، فإن الله أمر بذلك فقال {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} إلى قوله {ونحن له مسلمون} . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الأسباط بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلاً، كل واحد منهم ولد سبطاً أمة من الناس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: الأسباط بنو يعقوب: يوسف، وبنيامين، وروبيل، ويهوذا وشمعون، ولاوي، ودان، وقهات، وكوذ، وباليوق. وأخرج الطبراني وأبو نعيم وابن عساكر عن عبد الله بن عبد الثمالي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لو حلفت لبررت أنه لا يدخل الجنة قبل الرعيل الأوّل من أمتي إلا بضعة عشر إنساناً: إبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى بن مريم ".
ابو السعود
تفسير : {قُولُواْ} خطابٌ للمؤمنين بعد خِطابه عليه السلام بردِّ مقالتِهم الشنعاءِ على الإجمال وإرشادٌ لهم إلى طريق التوحيد والإيمان على ضربٍ من التفصيل أي قولوا لهم بمقابلة ما قالوا تحقيقاً وإرشاداً ضمنياً لهم إليه {آمنَّا بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} يعني القرآن قُدِّم على سائر الكتب الإلٰهية مع تأخرُّه عنها نزولاً لاختصاصِه بنا وكونِه سبباً للإيمان بها {وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} الصُحُف وإن كانت نازلةً إلى إبراهيم عليه السلام لكن من بعده حيث كانوا متعبَّدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامِها جُعلت منزلة إليهم كما جعل القرآنُ منزلاً إلينا والأسباطُ جمعُ سِبْط وهو الحافِدُ والمرادُ بهم حَفَدةُ يعقوبَ عليه السلام أو أبناؤه الاثنا عشرَ وذراريهم فإنهم حفَدةُ إبراهيمَ وإسحاقَ {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الباهرةِ بأيديهما حسبما فُصّل في التنزيل الجليل، وإيرادُ الإيتاء لما أُشير إليه من التعميم، وتخصيصُهما بالذكر لما أن الكلام مع اليهود والنصارى {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} أي جملةُ المذكورين وغيرُهم {مّن رَّبّهِمُ} من الآيات البـيناتِ والمعجزاتِ الباهراتِ {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} كدأب اليهود والنصارى آمنوا ببعض وكفروا ببعض وإنما اعتُبر عدمُ التفريق بـينهم مع أن الكلامَ فيما أوتوه لاستلزام عدم التفريق بـينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريقِ بـين ما أوُتوه، وهمزةُ (أحداً) إما أصليةٌ فهو اسمٌ موضوع لمن يصلُح أن يخاطَب يستوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنث ولذلك صح دخولُ (بـين) عليه كما في مثل المالِ بـين الناس ومنه ما في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أُحِلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سُودِ الرُّؤوسِ غيرِكم»تفسير : حيثُ وصف بالجمع، وإما مبدلةٌ من الواو فهو بمعنى واحد وعمومُه لوقوعه في حيز النفي وصحةِ دخول (بـين) عليه باعتبار معطوفٍ قد حُذف لظهوره أي بـين أحد منهم وبـين غيره كما في قول النابغة [الطويل] شعر : فما كان بـين الخير لو جاء سالما أبو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ تفسير : أي بـين الخير وبـيني وفيه من الدلالة صريحاً عليه تحقيقُ عدمِ التفريقِ بـين كلِّ فردٍ منهم وبـين من عداه كائناً من كان ما ليس في أن يقال لا نفرِّق بـينهم، والجملة حالٌ من الضمير في آمنا وقوله عز وجل: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي مخلصون له ومُذعنون حالٌ أخرى منه أو عطفٌ على آمنا.
القشيري
تفسير : لمَّا آمن نبيُّنا صلى الله عليه وسلم بجميع ما أُنْزِلَ من قَبْلهِ أُكْرِمَ بجميع ما أَكْرَمَه من قبله، فلمَّا أظهر موافقة الجميع أَمَرَ الكُلَّ بالكَوْنِ تحت لوائه فقال: "حديث : آدمُ ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة ". تفسير : ولمَّا آمنت أُمتَّهُ بجميع ما أَنزل الله على رسله، ولم يفرقوا بين أحدٍ فهم ضربوا في التكريم بالسَّهم الأعلى فتقدموا على كافة الأمم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قولوا} ايها المؤمنون {آمنا بالله} وحده {وما أنزل إلينا} اى بالقرآن الذى انزل على نبينا والانزال اليه انزال الى امته لان حكم المنزل يلزم الكل {وما أنزل على إبراهيم} من صحفه العشر {و} ما انزل الى {إسماعيل وإسحاق ويعقوب} الى {الأسباط} جمع سبط وهو فى اصل شجرة واحدة لها اغصان كثيرة والمراد هنا اولاد يعقوب وهم اثنا عشر سموا بذلك لانه ولد لكل منهم جماعة وسبط الرجل حافده اى ولد ولده والاسباط من بنى اسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم وهم جماعة من اب وام وكان فى الاسباط انبياء والصحف وان كانت نازلة الى ابراهيم لكن من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت احكامها جعلت منزلة اليهم كما جعل القرآن منزلا الينا {وما أوتى موسى وعيسى} من التوراة والانجيل وتخصيصهما بالذكر لما ان الكلام مع اليهود والنصارى {وما أوتى النبيون} جملة المذكورين منهم وغير المذكورين {من ربهم} فى موضع الحال من العائد المحذوف والتقدير وبما اوتيه النبيون منزلا عليهم من ربهم {لا نفرق بين أحد منهم} كاليهود فنؤمن ببعض ونكفر ببعض وكيف نفعل ذلك والدليل الذى اوجب علينا ان نؤمن ببعض الانبياء وهو تصديق الله اياه بخلق المعجزات على يديه يوجب الايمان بالباقين فلو آمنا ببعضهم وكفرنا بالبعض لناقضنا انفسنا والجملة حال من الضمير فى آمنا وانما اعتبر عدم التفريق بينهم مع ان الكلام فيما اوتوه لا يستلزم عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريق بين ما اوتوه واحد فى معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه {ونحن له مسلمون} اى والحال انا مخلصون لله تعالى ومذعنون.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الأسباط: الأحفاد، والسِّبطُ في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في ولد إسماعيل، والباء في {بمثل}: يحتمل أن تكون زائدة كقوله تعالى:{أية : جَزَآءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا}تفسير : [يونس: 27]، أو {مثل} مُقْحَم، أي: فإن آمنوا بما آمنتم به، كقوله تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ}تفسير : [الأحقاف: 10]. والشقاق: المخالفة، كأن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر، و {صبغة الله}: مصدر مؤكد لآمنا؛ لأن الإيمان ينصبغ في القلوب، ويظهر أثره على الجوارح ظهور الصبغ على المصبوغ، ويتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ للثوب. أي: آمنا وصبغنا الله به صبغة. وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعبَّر عنها بالصبغ للمشاكلة؛ فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم، وبه تحق نصرانيتهم، فردَّ الله تعالى عليهم بأن صبغة، الله أحسن من صبغتهم وقيل: نصب على البدل من {ملة إبراهيم}، أو على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله. يقول الحق جلّ جلاله: {قولوا} يا معشر المسلمين في تحقيق إيمانكم: {آمنا بالله} أي: صدقنا بوجوده متصفاً بصفة الكمال، منزّهاً عن النقائص، {و} بما {أُنزل إلينا} وهو القرآن، {و} بما {أُنزل} من الصحف {إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب} ولد إسحاق، {والأسباط} أولاد يعقوب عليه السلام وهم: روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وربالون ويشحُرْ، ودنية بنته، وأمهم لَيَا، ثم خلف على أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وَوُلد له من سرِّيَّتينِ: دان ونفتالى وجاد وآشر. قال ابن حجر: اختلف في نبوتهم، فقيل: كانوا أنبياء، وقيل: لم يكن فيهم نبيّ، وإنما المراد بأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد كان فيهم من الأنبياء عدد كثير. هـ. وممن صرّح بنفي نبوتهم عياض وجمهور المفسرين. انظر: المحشي الفاسي. وقولوا: آمنا بما أنزل إلى {موسى} وهو التوراة، {وعيسى} وهو الإنجيل، وبما {أوتي النبيون} كلهم {من ربهم} من عرفنا منهم ومن لم نعرف، {لا نفرق بين أحد} واحد {منهم} كما فرقت اليهود والنصارى، فقد آمنا بالله وبجميع أنبيائه {ونحن له مسلمون} أي: منقادون لأحكامه الظاهرة والباطنة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {فإن آمنوا} أي: أهل الكتاب إيماناً مثل إيمانكم، {فقد اهتدوا} إلى الحق والصواب، وإن أعرضوا عن ذلك فاتركهم حتى نأمرك فيهم، {فإنما هم في شقاق} وخلاف لك، فلا تهتم بشأنهم، {فسيكفيكهم الله} أي سيكفيك شرهم وينصرك عليهم، {وهو السميع} لدعائكم، {العليم} بإخلاصكم، فالزموا {صبغة الله} التي صُبغتم بها، هي الإيمان بما ذكرت لكم؛ فإنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، {و} قولوا: {نحن له عابدون}. الإشارة: كما أوجب الله تعالى الإيمان بجميع الرسل في طريق العموم، كذلك أوجب الله التصديق بكل من ثبتت ولايته في طريق الخصوص، فمن فرق بينهم فقد كفر بطريقهم، ومن كفر بطريقهم طُرد عن بابهم، ومن طرد عن بابهم طرد عن باب الله، لأن إسقاطه من الولاية إيذاء له، ومن آذى ولياً فقد آذن الله بالحرب، فالواجب، على مَن أراد أن يرد مناهلهم، أن يصدق بجميعهم، ويعظم من انتسب إليهم، حتى تتصبغ في قلبه حلاوة الإيمان، وتشرق عليه شموس العرفان، فمن فعل هذا فقد اهتدى إلى الحق والصواب، واستحق الدخول مع الأحباب، ومن أعرض عن هذا فإنما هو في شقاق، وربما يخاف عليه من شؤم الكفر والنفاق، فسيكفي الله أولياءه سوءَ شره، والله غالب على أمره. قال القشيري: فللقلوب صبغة، وللأرواح صبغة، وللسرائر صبغة، وللظواهر صبغة، فصبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق. هـ. وقال الورتجبي: صبغة الله: صفته الخاصة التي خلق آدم عليها، وأورثت ذلك في أرواح ذريته من الأنبياء والأولياء. ثم قال: وسقاها من شراب الزلفة، وألهمها خصائص علوم الربوبية، فاستنارت بنور المعرفة، وخاضت في بحر الربوبية، وخرجت منها تجليات أسرار الوحدانية، وتكوّنت بصبغ الصفات. هـ. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قوله تعالى: {قولوا آمنا بالله} يحتمل ان يكون جوابا ـ على ما روي عن ابن عباس: أن نفراً من اليهود أتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال أؤمن بالله وما أنزل الينا وما انزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط.. إلى آخرها ـ، فلما ذكر عيسى جحدوا بنبوته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله فيهم {أية : قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون}. تفسير : والثاني ـ قال الحسن وقتادة: أمر الله المؤمنين أن يقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا} الآية، وجعل ذلك محنة فيما بينهم وبين اليهود والنصارى. اللغة: والاسباط جمع سبط. قال تغلب: يقال: سبط عليه العطاء والضرب: اذا تابع عليه حتى يصل بعضه ببعض وانشد الثوري في قطيع بقر: شعر : كأنه سبط من الاسباط تفسير : شبهه بالجماعة من الناس يتتابعون في أمر. والسبط: جماعة. ومن ثم قيل لولد يعقوب أسباط. وشعر سبط: سلس منبسط. ومنه سمي الساباط لانبساطه بين الدارين حتى يجمعهما. والسباطة: الكناسة بعضها إلى بعض. وقال ابن دريد: السبط واحد الاسباط، وهم أولاد اسرائيل. وقالوا: الحسن والحسين سبطا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي ولداه. والسباطة ما سقط من سقط الشعر اذا سرحته. واخذت فلاناً سباط: اذا اخذته الحمى. والسبط من اليهود بمنزلة القبيلة من قبائل العرب. ويقال هو سبط الكفين: اذا كان طويل الاصابع. والسبط: قناة جوفاء مضروبة بالقصب يرمى فيها سهام صغار ينفخ نفخاً لا يكاد يخطىء وأصل الباب: السبط وهو التتابع. وقال الزجاج: السبط الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد. والسبط: الشجر. والسبط: الذين من شجرة واحدة. وقال قتادة: الاسباط يوسف واخوته ولد يعقوب اثني عشر رجلا فولد كل واحد منهم أمة من الناس. فسموا الاسباط وبه قال السدي والربيع وابن إسحاق. واسماء الاثني عشر ذكروهم: يوسف ويامين، وروبيل، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، ودان، وقهاب، ويشجر، وتفنالى، وجاذ، واشر. ولا خلاف بين المفسرين انهم ولد يعقوب. وقال كثير من المفسرين: انهم كانوا انبياء. والذي يقتضيه مذهبنا انهم لم يكونوا أنبياء باجمعهم، لانه وقع منهم من المعصية ما فعلوه مع يوسف (ع) ما لا خفاء به، والنبي عندنا، لا يجوز عليه فعل القبائح: لا صغيرها، ولا كبيرها، فلا يصح مع ذلك القول بنبوتهم. وليس في ظاهر القرآن أنهم كانوا انبياء وقوله تعالى: {وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} لا يدل على انهم كانوا أنبياء لأن الانزال يجوز أن يكون على بعضهم ممن كان نبياً، ولم يقع منه ما ذكرناه من الافعال القبيحة. ويحتمل أن يكون المراد انهم امروا باتباعه. كما يقال: انزل الله إلى امة النبي (صلى الله عليه وسلم) القرآن. كما قال: {وما أنزل إلينا} وان كان المنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم)، لكن لما كانوا مأمورين بما فيه اضيف بانه انزل اليهم. ومعنى قوله: {لا نفرق بين أحد منهم} انا لا نؤمن ببعض الانبياء ونكفر ببعض، كما فعلت اليهود والنصارى، فكفرت اليهود بعيسى ومحمد (صلى الله عليه وسلم) وكفرت النصارى بسليمان ونبينا محمد صلى الله عليهما. وقوله تعالى: {ونحن له مسلمون} خاضعون بالطاعة. وقيل: مذعنون له بالعبودية وقيل مستسلمون لامره، ونهيه اعتقاداً وفعلا قيل داخلون في حكم الاسلام الذي هو دينه، كما قال: {إن الدين عند الله الإسلام} والفرق بين التفريق والفرق ان التفريق جعل الشيء مفارقا لغيره، والفرق نقيض الجمع، والجمع جعل الشيء مع غيره، والفرق جعل الشيء لا مع غيره والفرق بالحجة هو البيان الذي يشهد ان الحكم لاحد الشيئين دون الآخر، وفائدة الآية الامر بالايمان بالله والاقرار بالنبيين، وما انزل اليهم من الكتب ليتعبدوا به من الاحكام، والرد على من فرق بينهم فيما جمعهم الله عليه من النبوة.
الجنابذي
تفسير : {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ} خطاب للمؤمنين او للائمّة خاصّة كما ورد عن الباقر (ع) انّما عنى بذلك عليّاً (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) وجرت بعدهم فى الائمّة. ثمّ يرجع القول من الله فى النّاس فقال تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ} يعنى النّاس {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ}؛ الآية {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} من الاحكام والقرآن {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ} وهم اولاد اولاد يعقوب. سئل الباقر (ع): هل كان ولد يعقوب انبياء؟ - قال: لا ولكنّهم كانوا اسباطاً اولاد الانبياء؛ ولم يكونوا فارقوا الدّنيا الاّ سعداء، تابوا وتذكّروا ما صنعوا، وهذا يدلّ على أنّ السّبط أعمّ من الولد وولد الولد {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} المذكورون وغير المذكورين يعنى قولوا آمنّا بالله وما أنزل الينا من الاحكام والكتاب تفصيلٌ او آمنّا بما أنزل على سائر النّبيّين من الشّرائع والكتب اجمالاً لعدم اطّلاعهم على ما أنزل الى الانبياء تفصيلاً {مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} اضيف بين الى احدٍ لوقوعه فى سياق النّفى وعمومه {وَنَحْنُ لَهُ} لله {مُسْلِمُونَ} روى انّ أمير المؤمنين (ع) علّم اصحابه ان اذا قرأتم قولوا: {آمنّا فقولوا آمنّا بالله}، الآية، وهذا يدلّ على انّ القارئ ينبغى ان يقدّر لسانه لسان الله وان يتصوّرانّ الامر الجارى على لسانه انّما هو جارٍ من الله وفرض نفسه مأمورة وأوقعها موقع الامتثال والإِتمار فان كان المأمور به قولاً ذكره وكرّره، وان كان عملاً عمله مثل الأمر بالسّجدة فى آيات السّجدة.
اطفيش
تفسير : {قُولُوا}: أيها المؤمنون لليهود والنصارى إذ قالوا ذلك. {آمنَّا بالله}: صدقنا به. {وما أُنزلَ إلينَا}: من القرآن وسائر الوحى على محمد، صلى الله عليه وسلم، وقدم ما أنزل إلينا، لأن سيدنا محمدا أفضل الرسل، والقرآن أفضل الكتب، لأنهما أنسب بالمؤمنين المأمورين بالقول، ولأنهما سبب الإيمان بغيرهما من الرسل والأنبياء والكتب، ويدل على أن الخطاب للمؤمنين قوله تعالى: {أية : فإنْ آمنُوا بمثل ما آمنتم به}. تفسير : {وما أنزِلَ إلى إبراهيم}: من الصحف العشرة وسائر الوحى. {وإسْماعِيل وإسحاق ويَعْقُوب}: من الوحى صحف إبراهيم العشرة، لأنها وإن نزلت على إبراهيم لكن تعبدوا باتباعها، فهى منزلة إليهم، كما قال فى القرآن إنه أنزل إلينا، وهو منزل على رسول الله، صلى الله عليهِ وسلم، لكن لما أوجب الله العمل به، وندبنا إلى العمل لمندوباته قال إنه أنزل إلينا. {والأسْباط}: وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر، وكانوا أنبياء، وقيل النبى يوسف منهم فقط، والذى أنزل إليهم، هو صحف إبراهيم لتعبدهم بها وسائر ما يوحى إليهم إن كانوا أنبياء، وما يوحى إلى يعقوب ويوسف، لأنهم متعبدون به، وقيل السبط ولد الولد ويسمى: الحفيد والحافد، وهى أعنى السبط مفرده الأسباط، ويقال للحسن والحسين سبطا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنهما ولدا بنته فاطمة، وقيل الأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب من بنى إسماعيل، وكان فى الأسباط أنبياء، ويجوز أن يراد بالأسباط إبراهيم وإسحاق، وهم أولادهما وأولاد أولادهما، وإذا حكمنا بدخول داود فى الأسباط فقد علمت أنه له كتابا هو الزبور. {ومَا أوتىَ مُوسَى}: من التوراة والوحى، وما أنزل إليه قبل التوراة وعيسى من الإنجيل والوحى، وإنما أعاد الموصول والصلة مع موسى وعيسى فقال: وما أوتى ولم يقل والأسباط وموسى وعيسى، للتأكيد لأن أمرهما أبلغ ومغاير لما سبق، والنزاع فيهما، وذلك أن الكتب المنزلة على إبراهيم هى التى حكم بأن نزولها عليه نزول على من بعده، حتى كان موسى وعيسى، ونزل على كل منهما كتاب، وأن موسى نازعت فيه النصارى فكذبوه وكذبوا التوراة، وعيسى نازعت فيه اليهود فكذبوه وكذبوا الإنجيل، كما فصل ما أنزل إلى إبراهيم بموصول وملة لما كان ما أنزل إلينا كتاب آخر مصدق لهُ، وكان اليهود والنصارى أهانهم الله منازعين فيه، نفعنا الله به، وكذا فصل عنهما ما بعدهما فى الذكر لذلك فقال: {وما أوتِى النَّبيُّونَ مِنْ ربِّهم}: من الكتب والوحى والآيات، كداود إذا لم ندخله فى الأسباط، وآدم وشيث وغيرهما ممن لم يذكره فى الآيات، ويجوز أن يراد النبيون المذكورين، فيراد بما أوتى موسى وعيسى {وما أنزل إلى إبراهيم..} إلخ وما أنزل إلينا الكتب، وبما أوتى النبيون الوحى والآيات، أعنى المعجزات أو يراد بما تقدم الكتب والوحى، وبما أوتى النبيون المعجزات، وعائد ما فى قوله: {ما أوتى} فى الموضعين محذوف، أى وما أوتيه وهو أحد مفعولى آتى بالمد، والآخر موسى وعيسى والنبيون على أنه نائب الفاعل. {لا نفرِّق بين أحدٍ منْهُم}: فى الإيمان، بل نؤمن بهم كلهم كما تفرقون يا معشر اليهود والنصارى بينهم، فتؤمنون ببعض وتكفرون ببعض، وعديل أحد محذوف، أى بين أحد وأحد، أو بين أحد وآخر، ولك أن تقول أحد عام لوقوعه فى سياق النفى، فكان شاملا للعديلين بعد بين والمعنى بين متعدد منهم، أو بين اثنين منهم، كما اكتفى بالدخول لما اشتمل على مواضع فى قوله: بين الدخول فحومل، أى مواضع الدخول، وعموم أحد فيما يتبادر إلى الأذهان لوقوعه نكرة فى سياق النفى، ويحتمله قول الكشاف إن أحدا فى معنى الجماعة، وقال السعد إنه اسم لما يصلح أن يخاطب ويستوى فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وليس كونه فى معنى الجماعة، لكونه بعد النفى على ما سبق إلى كثير من الأوهام، ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرق بين رسول من الرسل إلا بتقدير عطف، أى بين رسول ورسول، ولستن كأحد من النساء ليس فى معنى كامرأة منهن، وهذا لازم للنفى ليس كالأحد الواقع فى أول العدد، مثل قوله تعالى: {أية : قلْ هُو الله أحدٌ} تفسير : ويختص بالنفى. انتهى. وأقول: لا مانع من كون عمومه لأجل النفى، ولا مانع من كون المعنى كامرأة منهن لجواز تشبيه جماعة بواحد، ولإمكان تشبيه كل واحدة منهن على حدة بالمرأة، وامتناع لا نفرق بين رسل إلا بتقدير عطف، إنما هو لعدم وروده فى كلام العرب، وقد ورد مثله نحو ما جاء رجل فأكرمتهم، بعود الهاء إلى رجل لوقوعه فى سياق السلب، فعم وورد هذا فى أحد كثيراً نحو: {أية : فما منكم من أحد عنه حاجزين } تفسير : {ونحْنُ له}: أى لله جل وعلا. {مسلمون}: أى مخلصون مذعنون، سئل بعض السلف فقيل له: إن قوماً يجالسوننا فيقولون لنا أمؤمنون أنتم؟. فقال: إذا قالوا لكم ذلك فقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم.. الآية، وهم قوم من أهل الكتاب، وروى البخارى عن أبى هريرة قال: حديث : كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولا آمنا بالله وما أنزل إلينا... الآية "
اطفيش
تفسير : {قُولُواْ} أيها المؤمنون، أو النبى والمؤمنون، وكل نبى أول من يؤمن بما أنزل عليه {ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} أى أخبروهم بأنا على الهدى مؤمنون بما يجب الإيمان به مما أنزل علينا، وهو القرآن، أو هذا القول من جملة ما حكى بقل، والخطاب لليهود والنصارى كأنه قيل: قل لهم، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا من التوراة والإنجيل والقرآن، فإنه نزل عليهم كغيرهم {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} من الصحف العشر {وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ} الخ، أنزلت على إبراهيم خاصة، لكن خوطبوا بالعمل بها، فهى منزلة إليهم، فهم كمن أرسل إليهم السلطان فى شأن بواسطة كبيرهم {وَيَعْقُوبَ} اجتمع هو وعيص فى بطن أمهما، فقال عيص: تأخر، أنزل قبلك، وإلا خرقت بطن أمى، فتأخر، فخرج عيص قبله، فخرج عقبه يعقوب، أو متصلا بعقبه، فسمى يعقوب، وهذا مما يقال {وَالأَسْبَاطِ} أولاد يعقوب، سماهم لأنهم أولاد الولد لإسحق وإبراهيم، والسبط ولد الولد، أو يراد أولاد أولاد يعقوب، والأسباط فى بنى إسرائيل كالقبائل فى العرب من بنى إسماعيل من السبوطة، وهى الاسترسال، أو من السبط، وهو شجر كثير الأغصان لكثرتهم، أو من السبط، فقلب لكثرتهم وليسوا كلهم أنبياء، بل بعضهم على الصحيح لصدور كبائر منهم، والصحيح أنها لا تصدر من نبى، ولو قبل البلوغ {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} من ربهم، فحذف لدلالة ما بعده، جمع التوراة والإنجيل بلفظ ما لشهرة التوراة لموسى والإنجيل لعيسى، واتصال ذكرهما إلى وقت الخطاب، ولأن الإنجيل مقرر للتوراة، وما نسخ منها إلا قليلا، وموسى وعيسى داخلان فى الأسباط، وخصهما بالذكر لعظمهما أو لتخصيصهما بكتابيهما، وكانت العبارة كذلك تحرزاً عما زاد اليهود والنصارى ونقضوا من الكتابين، وكذا فى قوله {وَمَا أُوتِيَ} من الكتب والمعجزات والدلائل {النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ} واحد فحذف العطف، أو أحد بمعنى الجمعة بعد السلب، أى لا نفرق بينهم، على أنه موضوع للواحد والاثنين فصاعدا بعد كل، أو النفى كما قال الفارسى {مِّنْهُمْ} بل نؤمن بهم كلهم، لا كاليهود والنصارى آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، وأما التفريق بتفضيل بعض على بعض تفضيلا لا يؤدى لنقض فجائز، تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .
الالوسي
تفسير : {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ} خطاب للمؤمنين لا للكافرين ـ كما قيل ـ لما فيه من الكلف والتكلف وبيان للاتباع المأمور به فهو بمنزلة بدل البعض من قوله سبحانه: {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ }تفسير : [البقرة: 135] لأن الاتباع يشمل الاعتقاد والعمل وهذا بيان الاعتقاد أو بدل الاشتمال لما فيه من التفصيل الذي ليس في الأول، وقيل: استئناف كأنهم سألوا كيف الاتباع؟ فأجيبوا بذلك وأمر أولاً: بصيغة الإفراد، وثانياً: بصيغة الجمع إشارة إلى أنه يكفي في الجواب قول الرسول صلى الله عليه وسلم من جانب كل المؤمنين بخلاف الاتباع فإنه لا بد فيه من قول كل واحد لأنه شرط الإيمان أو شطره قاله بعض المحققين، والقول بأنه بمنزلة البيان والتأكيد للقول الأول ـ ولذا ترك العطف ـ لا يخلو عن شيء وقدم الإيمان بالله سبحانه لأنه أول الواجبات ولأنه بتقدم معرفته تصح معرفة النبوات والشرعيات. {وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا} أي القرآن وهو وإن كان في الترتيب النزولي مؤخراً عن غيره لكنه في الترتيب الإيماني مقدم عليه لأنه سبب الإيمان بغيره لكونه مصدقاً له ولذا قدمه. {وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ} يعني الصحف وهي وإن نزلت على إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكن لما كان ما عطف عليه متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها صح نسبة/ نزولها إليهم أيضاً كما صحح تعبدنا بتفاصيل القرآن ودخولنا تحت أحكامه نسبة نزوله إلينا، والأسباط جمع سبط كأحمال وحمل وهم أولاد إسرائيل، وقيل: هم في أولاد إسحٰق كالقبائل في أولاد إسمٰعيل مأخوذ من السبط وهو شجرة كثيرة الأغصان فكأنهم سموا بذلك لكثرتهم، وقيل: من السبوطة وهي الاسترسال، وقيل: إنه مقلوب البسط، وقيل: للحسنين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ذريتهم ثم قيل لكل ابن بنت: سبط، وكذا قيل له: حفيد أيضاً. واختلف الناس في الأسباط أولاد يعقوب هل كانوا كلهم أنبياء أم لا؟ والذي صح عندي الثاني وهو المروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ـ وإليه ذهب الإمام السيوطي ـ وألف فيه لأن ما وقع منهم مع يوسف عليه الصلاة والسلام ينافي النبوة قطعاً وكونه قبل البلوغ غير مسلم لأن فيه أفعالاً لا يقدر عليها إلا البالغون، وعلى تقدير التسليم لا يجدي نفعا على ما هو القول الصحيح في شأن الأنبياء وكم كبيرة تضمن ذلك الفعل وليس في القرآن ما يدل على نبوتهم، والآية قد علمت ما ذكرنا فيها فاحفظ ذلك هديت. {وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ} أي التوراة والإنجيل، ولكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك، والمؤمنون ينكرونه اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر وبين طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السابق، ولأن أمرهما أيضاً بالنسبة إلى موسى وعيسى أنهما منزلان عليهما حقيقة، لا باعتبار التعبد فقط كما في المنزل على إسحٰق ويعقوب والأسباط ولم يعد الموصول لذلك في عيسى لعدم مخالفة شريعته لشريعة موسى إلا في النزر، ولذلك الاهتمام عبر ـ بالإيتاء ـ دون ـ الإنزال ـ لأنه أبلغ لكونه المقصود منه، ولما فيه من الدلالة على الإعطاء الذي فيه شبه التمليك والتفويض، ولهذا يقال: أنزلت الدلو في البئر، ولا تقول: آتيتها إياها، ولك أن تقول: المراد بالموصول هنا ما هو أعم من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيدي هذين النبيين الجليلين حسبما فصل في التنزيل الجليل، وإيثار ـ الإيتاء ـ لهذا التعميم، وتخصيص النبيين بالذكر لما أن الكلام مع ـ اليهود والنصارى ـ. {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ} وهي الكتب التي خصت من خصته منهم، أو ما يشمل ذلك والمعجزات، وهو تعميم بعد التخصيص كيلا يخرج من الإيمان أحد من الأنبياء {مّن رَّبّهِمُ} متعلق بـ {أُوتِيَ} قبله؛ والضمير ـ للنبيين ـ خاصة، وقيل: لموسى وعيسى أيضاً، ويكون {مَا أُوتِىَ} تكريراً للأولى، والجار متعلقاً بها، وهو ـ على التقديرين ـ ظرف لغو، وجوّز أن يكون في موضع الحال من العائد المحذوف، واحتمال أن يكون {مَا} مبتدأ والجار خبره بعيد. {لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} أي كما فرق أهل الكتاب، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ـ بل نؤمن بهم جميعاً ـ وإنما اعتبر عدم التفريق بينهم، مع أن الكلام فيما أوتوه لاستلزام - ذلك عدم التفريق - فيه بين ـ ما أوتوه ـ و {أَحَدٌ} أصله ـ وحد ـ بمعنى ـ واحد ـ وحيث وقع في سياق النفي عم واستوى فيه ـ الواحد والكثير ـ وصح إرادة كل منهما ـ وقد أريد به هنا الجماعة ـ ولهذا ساغ أن يضاف إليه (بين) ويفيد عموم الجماعات ـ كذا قاله بعض المحققين ـ وهو مخالف لما هو المشهور عند أرباب العربية من أن الموضوع في النفي العام أو المستعمل مع كل في الإثبات ـ همزته ـ أصلية بخلاف ما استعمل في الإثبات بدون كل فإن ـ همزته ـ منقلبة عن ـ واو ـ ومن هنا قال العلامة التفتازاني: إن (أحد) في معنى الجماعة بحسب الوضع لأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع، ويشترط أن يكون استعماله مع/ كلمة ـ كل ـ أو مع النفي، نص على ذلك أبو عليّ وغيره من أئمة العربية، وهذا غير ـ الأحد ـ الذي هو أول العدد في قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي ـ على ما سبق ـ إلى كثير من الأوهام، ألا ترى أنه لا يستقيم لا نفرق بين رسول من الرسل إلا بتقدير عطف أي رسول ورسول، و {أية : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء }تفسير : [الأحزاب: 32] ليس في معنى ـ كامرأة منهن ـ انتهى. وأنت ـ بعد التأمل ـ تعلم أن ما ذكره العلامة لا يرد على ذلك البعض، وإنما ترد عليه المخالفة في الأصالة وعدمها فقط ـ ولعل الأمر فيها سهل ـ على أن دعوى عدم تلك الاستقامة إلا بذلك التقدير غير مجمع عليه، فقد ذكر في «الانتصاف» أن النكرة الواقعة في سياق النفي تفيد العموم لفظاً عموماً شمولياً حتى ينزل المفرد فيها منزلة الجمع في تناوله ـ الآحاد ـ مطابقة، لا كما ظنه بعض الأصوليين من أن مدلولها بطريق المطابقة في النفي كمدلولها في الإثبات، وجعل هذا التعدد والعموم وضعاً هو المسوّغ لدخول (بين) عليها هنا، ومن الناس من جوّز كون (أحد) في الآية بمعنى واحد، وعمومه بدلي، وصحة دخول (بين) عليه باعتبار معطوف قد حذف لظهوره {بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ} وغيره، وفيه من الدلالة على تحقق التفريق بين كل فرد فرد منهم، وبين من عداه كائناً من كان ما ليس في أن يقال: (لا نفرق) بينهم، ـ ولا يخفى ما فيه ـ والجملة حال من الضمير في {آمنا}. {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أي خاضعون لله تعالى بالطاعة، مذعنون بالعبودية، وقيل: منقادون لأمره ونهيه، ومن جعل الضمير المجرور لما تقدم ذكره من الأنبياء فقد أبعد، والجملة حال أخرى، أو عطف على {آمنا}.
ابن عاشور
تفسير : بدل من جملة {أية : قل بل ملة}تفسير : [البقرة: 135] لتفصيل كيفية هاته الملة بعد أن أجمل ذلك في قوله: {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً}. والأمر بالقول أمر بما يتضمنه إذ لا اعتداد بالقول إلا لأنه يطابق الاعتقاد، إذ النسبة إنما وضعت للصدق لا للكذب، والمقصود من الأمر بهذا القول الإعلان به والدعوة إليه لما يشتمل عليه من الفضيلة الظاهرة بحصول فضيلة سائر الأديان لأهل هاته الملة ولما فيه من الإنصاف وسلامة الطوية، ليرغب في ذلك الراغبون ويكمد عند سماعه المعاندون وليكون هذا كالاحتراس بعد قوله: {قل بل ملة إبراهيم حنيفاً} أي نحن لا نطعن في شريعة موسى وشريعة عيسى وما أوتي النبيئون ولا نكذبهم ولكنا مسلمون لله بدين الإسلام الذي بقي على أساس ملة إبراهيم وكان تفصيلاً لها وكمالاً لمراد الله منها حين أراد الله إكمالها فكانت الشرائع التي جاءت بعد إبراهيم كمنعرجات الطريق سلك بالأمم فيها لمصالح ناسبت أحوالهم وعصورهم بعد إبراهيم كما يسلك بمن أتعبه المسير طريق منعرج ليهدأ من ركز السيارة في المحجة فيحط رحله وينام ثم يرجع به بعد حين إلى الجادة، ومن مناسبات هذا المعنى أن ابتدىء بقوله {وما أنزل إلينا}، واختتم بقوله {ونحن له مسلمون}، ووُسِّط ذكر ما أنزل على النبيئين بين ذلك. وجمع الضمير ليشمل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فهم مأمورون بأن يقولوا ذلك. وجعله بدلاً يدل على أن المراد من الأمر في قوله: {قل بل ملة} النبي وأمته. وأفرد الضمير في الكلامين اللذين للنبيء فيهما مزيد اختصاص بمباشرة الرد على اليهود والنصارى لأنه مبعوث لإرشادهم وزجرهم وذلك في قوله: {قل بل ملة إبراهيم} إلخ وقوله الآتي: {أية : قل أتحاجوننا في الله}تفسير : [البقرة: 139] وجمع الضمير في الكلام الذي للأمة فيه مزيد اختصاص بمضمون المأمور به في سياق التعليم أعني قوله: {قولوا آمنا بالله} إلخ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم ذلك من قبل فيما تضمنته علوم الرسالة، ولذلك لم يخل واحد من هاته الكلامات، عن الإيذان بشمول الأمة مع النبي، أما هنا فظاهر بجمع الضمائر كلها، وأما في قوله: {قل بل ملة} إلخ فلكونه جواباً موالياً لقولهم: {أية : كونوا هوداً}تفسير : [البقرة: 135] بضمير الجمع فعلم أنه رد عليهم بلسان الجميع، وأما في قوله الآتي: {قل أتحاجوننا} فلأنه بعد أن أفرد قل جمع الضمائر في {أتحاجوننا}، و{ربنا}، و{لنا}، و{أعمالنا}، و{نحن}، و{مخلصون}، فانظر بدائع النظم في هاته الآيات ودلائل إعجازها. وقدم الإيمان بالله لأنه لا يختلف باختلاف الشرائع الحق، ثم عطف عليه الإيمان بما أنزل من الشرائع. والمراد بما أنزل إلينا القرآن، وبما عطف عليه ما أنزل على الأنبياء والرسل من وحي وما أوتوه من الكتب، والمعنى أنا آمنا بأن الله أنزل تلك الشرائع، وهذا لا ينافي أن بعضها نسح بعضاً، وأن ما أنزل إلينا نسخ جميعها فيما خالفها فيه، ولذلك قدم {وما أنزل إلينا} للاهتمام به، والتعبير في جانب بعض هذه الشرائع بلفظ (أنزل) وفي بعضها بلفظ (أوتي) تفنن لتجنب إعادة اللفظ الواحد مراراً، وإنما لم يفرد أحد الفعلين ولم تعطف متعلقاته بدون إعادة الأفعال تجنباً لتتابع المتعلقات فإنه كتتابع الإضافات في ما نرى. والأسباط تقدم ذكرهم آنفاً. وجملة {لا نفرق بين أحد منهم} حال أو استئناف كأنه قيل كيف تؤمنون بجميعهم فإن الإيمان بحق بواحدمنهم، وهذا السؤال المقدر ناشىء عن ضلالة وتعصب حيث يعتقدون أن الإيمان برسول لا يتم إلا مع الكفر بغيره وأن تزكية أحد لا تتم إلا بالطعن في غيره، وهذه زلة في الأديان والمذاهب والنحل والأحزاب والأخلاق كانت شائعة في الأمم والتلامذة فاقتلعها الإسلام، قال أبو علي ابن سينا في «الإشارات» رداً على من انتصر في الفلسفة لأرسطو وتنقص أفلاطون «والمعلم الأول وإن كان عظيم المقدار لا يخرجنا الثناء عليه إلى الطعن في أساتيذه». وهذا رد على اليهود والنصارى إذا آمنوا بأنبيائهم وكفروا بمن جاء بعدهم، فالمقصود عدم التفرقة بينهم في الإيمان ببعضهم، وهذا لا ينافي اعتقاد أن بعضهم أفضل من بعض. وأحد أصله وحد بالواو ومعناه منفرد وهو لغة في واحد ومخفف منه وقيل هو صفة مشبهة فأبدلت واوه همزة تخفيفاً ثم صار بمعنى الفرد الواحد فتارة يكون بمعنى ما ليس بمتعدد وذلك حين يجري على مخبر عنه أو موصوف نحو {أية : قل هو الله أحد}تفسير : [الإخلاص: 1] واستعماله كذلك قليل في الكلام ومنه اسم العدد أحد عشر، وتارة يكون بمعنى فرد من جنس وذلك حين يبين بشيء يدل على جنس نحو خذ أحد الثوبين ويؤنث نحو قوله تعالى: {أية : فتذكر إحداهما الأخرى}تفسير : [البقرة: 282] وهذا استعمال كثير وهو قريب في المعنى من الاستعمال الأول، وتارة يكون بمعنى فرد من جنس لكنه لا يبين بل يعمم وتعميمه قد يكون في الإثبات نحو قوله تعالى: {أية : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره}تفسير : [التوبة: 6]، وقد يكون تعميمه في النفي وهو أكثر أحوال استعماله نحو قوله تعالى: {أية : فما منكم من أحد عنه حاجزين}تفسير : [الحاقة: 47] وقول العرب: أحَدٌ لا يقول ذلك، وهذا الاستعمال يفيد العموم كشأن النكرات كلها في حالة النفي. وبهذا يظهر أن أحد لفظ معناه واحد في الأصل وتصريفه واحد ولكن اختلفت مواقع استعماله المتفرعة على أصل وضعه حتى صارت بمنزلة معان متعددة وصار أحد بمنزلة المترادف، وهذا يجمع مشتت كلام طويل للعلماء في لفظ أحد وهو ما احتفل به القرافي في كتابه «العقد المنظوم في الخصوص والعموم». وقد دلت كلمة {بين} على محذوف تقديره وآخر لأن بين تقتضي شيئين فأكثر. وقوله: {ونحن له مسلمون} القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : إلٰهاً واحداً ونحن له مسلمون}تفسير : [البقرة: 133].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}. لم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بين في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف: {أية : بَلْ تُؤْثِرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} تفسير : [الأعلى: 16-17]، وذلك في قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 18-19]. قوله تعالى: {وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ}. لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه بينه في مواضع أخر، فذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله: {أية : صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 19]، وذلك كقوله: {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} تفسير : [الأنعام: 154] وهو التوراة بالإجماع. وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في قوله: {أية : وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ} تفسير : [الحديد: 27]. قوله تعالى: {ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}. أمر الله النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النَّبيين وأن لا يفرقوا بين أحد منهم حيث قال: {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ} ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا؟ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه، ولكنه بين كل ذلك في غير هذا الموضع، فصرح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِه} تفسير : [البقرة: 285] وذكر جزاءهم على ذلك بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 153].
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَّا} {إِبْرَاهِيمَ} {وإِسْمَاعِيلَ} {وإِسْحَاقَ} (136) - وَقُولُوا يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ لِهؤُلاءِ وَهؤُلاءِ: إِنّنا نُؤْمِنُ بمَا أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى جَميعِ الأَنبياءِ وَالمُرْسَلِينَ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ لِرَبِّنا. (كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ بِالعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَها لِلمُسْلِمينَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَقَالَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ".
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية الكريمة تعطينا تفسيراً لقوله تعالى: {أية : مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [البقرة: 135] .. إيمان بالله وحده لا شريك له .. إيمان بما أنزل إلينا وهو القرآن وما أنزل لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى أي التوراة وما أوتي عيسى أي الإنجيل وما أوتي النبيون بالإجمال .. فالبلاغ الصحيح عن الله منذ عهد آدم حتى الآن هو وحدة العقيدة بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. ووحدة الكون بأن الله هو الخالق وهو المدبر وكل شيء يخرج عن الألوهية لله الواحد الأحد .. وأن كل شيء يخرج عن ذلك يكون من تحريف الديانات السابقة هو افتراء على الله سبحانه لا نقبله. قوله تعالى: {قُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136] وهو القرآن الكريم. ولا يمكن أن يعطف عليه ما يصطدم معه .. ولذلك فإن ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط هذه ملة إبراهيم .. وهذا يؤكد لنا أن ملة إبراهيم من وحي الله إليه .. والرسالات كلها كما قلنا تدعو لعبادة الله الواحد الأحد الذي لا شريك له. وقوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136] .. أي أن إبراهيم كان مسلماً وكل الأنبياء كانوا مسلمين وكل ما يخالف ذلك من صنع البشر .. ومعنى الإسلام أن هناك مسلماً ومسلماً إليه هو الله عز وجل. ونحن نسلم له في العبودية - سبحانه - وفي اتباع منهجه .. والإنسان لا يسلم وجهه إلا لمن هو أقدر منه وأعلم منه وأقوى منه ولمن لا هوى له .. فإن تشككت في أحد العناصر فإسلامك ليس حقيقة وإنما تخيل .. وأنت لا تسلم زمامك لله سبحانه وتعالى إلا وأنت متأكد أن قدراته سبحانه فوق قدرات المخلوقين جميعاً، وأنه سبحانه غني عن العالمين، ولذلك فإنه غير محتاج إلى ما في يدك بل هو يعطيك جل جلاله من الخير والنعم ولا يوجد إلا الوجود الأعلى لتسلم وجهك له.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذه الآية الكريمة، قد اشتملت على جميع ما يجب الإيمان به. واعلم أن الإيمان الذي هو تصديق القلب التام، بهذه الأصول، وإقراره المتضمن لأعمال القلوب والجوارح، وهو بهذا الاعتبار يدخل فيه الإسلام، وتدخل فيه الأعمال الصالحة كلها، فهي من الإيمان، وأثر من آثاره، فحيث أطلق الإيمان، دخل فيه ما ذكر، وكذلك الإسلام، إذا أطلق دخل فيه الإيمان، فإذا قرن بينهما، كان الإيمان اسما لما في القلب من الإقرار والتصديق، والإسلام، اسما للأعمال الظاهرة وكذلك إذا جمع بين الإيمان والأعمال الصالحة، فقوله تعالى: { قُولُوا } أي: بألسنتكم، متواطئة عليها قلوبكم، وهذا هو القول التام، المترتب عليه الثواب والجزاء، فكما أن النطق باللسان، بدون اعتقاد القلب، نفاق وكفر، فالقول الخالي من العمل عمل القلب، عديم التأثير، قليل الفائدة، وإن كان العبد يؤجر عليه، إذا كان خيرا ومعه أصل الإيمان، لكن فرق بين القول المجرد، والمقترن به عمل القلب. وفي قوله: { قُولُوا } إشارة إلى الإعلان بالعقيدة، والصدع بها، والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه. وفي قوله: { آمَنَّا } ونحوه مما فيه صدور الفعل، منسوبا إلى جميع الأمة، إشارة إلى أنه يجب على الأمة، الاعتصام بحبل الله جميعا، والحث على الائتلاف حتى يكون داعيهم واحدا، وعملهم متحدا، وفي ضمنه النهي عن الافتراق، وفيه: أن المؤمنين كالجسد الواحد. وفي قوله: { قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ } إلخ دلالة على جواز إضافة الإنسان إلى نفسه الإيمان، على وجه التقييد، بل على وجوب ذلك، بخلاف قوله: "أنا مؤمن"ونحوه، فإنه لا يقال إلا مقرونا بالاستثناء بالمشيئة، لما فيه من تزكية النفس، والشهادة على نفسه بالإيمان. فقوله: { آمَنَّا بِاللَّهِ } أي: بأنه موجود، واحد أحد، متصف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص وعيب، مستحق لإفراده بالعبادة كلها، وعدم الإشراك به في شيء منها، بوجه من الوجوه. { وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا } يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى: {أية : وَأَنزلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } تفسير : فيدخل فيه الإيمان بما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله، من صفات الباري، وصفات رسله، واليوم الآخر، والغيوب الماضية والمستقبلة، والإيمان بما تضمنه ذلك من الأحكام الشرعية الأمرية، وأحكام الجزاء وغير ذلك. { وَمَا أُنزلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } إلى آخر الآية، فيه الإيمان بجميع الكتب المنزلة على جميع الأنبياء، والإيمان بالأنبياء عموما وخصوصا، ما نص عليه في الآية، لشرفهم ولإتيانهم بالشرائع الكبار. فالواجب في الإيمان بالأنبياء والكتب، أن يؤمن بهم على وجه العموم والشمول، ثم ما عرف منهم بالتفصيل، وجب الإيمان به مفصلا. وقوله: { لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } أي: بل نؤمن بهم كلهم، هذه خاصية المسلمين، التي انفردوا بها عن كل من يدعي أنه على دين. فاليهود والنصارى والصابئون وغيرهم - وإن زعموا أنهم يؤمنون بما يؤمنون به من الرسل والكتب - فإنهم يكفرون بغيره، فيفرقون بين الرسل والكتب، بعضها يؤمنون به وبعضها يكفرون به، وينقض تكذيبهم تصديقهم، فإن الرسول الذي زعموا، أنهم قد آمنوا به، قد صدق سائر الرسل وخصوصا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كذبوا محمدا، فقد كذبوا رسولهم فيما أخبرهم به، فيكون كفرا برسولهم. وفي قوله: { وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ } دلالة على أن عطية الدين، هي العطية الحقيقية المتصلة بالسعادة الدنيوية والأخروية. لم يأمرنا أن نؤمن بما أوتي الأنبياء من الملك والمال ونحو ذلك، بل أمرنا أن نؤمن بما أعطوا من الكتب والشرائع. وفيه أن الأنبياء مبلغون عن الله، ووسائط بين الله وبين خلقه في تبليغ دينه، ليس لهم من الأمر شيء. وفي قوله: { مِنْ رَبِّهِمْ } إشارة إلى أنه من كمال ربوبيته لعباده، أن ينزل عليهم الكتب، ويرسل إليهم الرسل، فلا تقتضي ربوبيته، تركهم سدى ولا هملا. وإذا كان ما أوتي النبيون، إنما هو من ربهم، ففيه الفرق بين الأنبياء وبين من يدعي النبوة، وأنه يحصل الفرق بينهم بمجرد معرفة ما يدعون إليه، فالرسل لا يدعون إلا إلى لخير، ولا ينهون إلا عن كل شر، وكل واحد منهم، يصدق الآخر، ويشهد له بالحق، من غير تخالف ولا تناقض لكونه من عند ربهم {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } . تفسير : وهذا بخلاف من ادعى النبوة، فلا بد أن يتناقضوا في أخبارهم وأوامرهم ونواهيهم، كما يعلم ذلك من سبر أحوال الجميع، وعرف ما يدعون إليه. فلما بيَّن تعالى جميع ما يؤمن به، عموما وخصوصا، وكان القول لا يغني عن العمل قال: { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أي: خاضعون لعظمته، منقادون لعبادته، بباطننا وظاهرنا، مخلصون له العبادة بدليل تقديم المعمول، وهو { لَهُ } على العامل وهو { مُسْلِمُونَ } . فقد اشتملت هذه الآية الكريمة - على إيجازها واختصارها - على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، واشتملت على الإيمان بجميع الرسل، وجميع الكتب، وعلى التخصيص الدال على الفضل بعد التعميم، وعلى التصديق بالقلب واللسان والجوارح والإخلاص لله في ذلك، وعلى الفرق بين الرسل الصادقين، ومن ادعى النبوة من الكاذبين، وعلى تعليم الباري عباده، كيف يقولون، ورحمته وإحسانه عليهم بالنعم الدينية المتصلة بسعادة الدنيا والآخرة، فسبحان من جعل كتابه تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):