٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
137
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين الطريق الواضح في الدين، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة: رغبهم في مثل هذا الإيمان فقال: {فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ }. / من وجوه: أحدها: أن المقصود منه التثبيت والمعنى: إن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا، لما استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه: هذا هو الرأي والصواب فإن كان عندك رأى أصوب منه فاعمل به وقد علمت أن لا أصوب من رأيك ولكنك تريد تثبيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه، وإنما قلنا: إنه يستحيل أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في السداد لأن هذا الدين مبناه على أن كل من ظهر عليه المعجز وجب الاعتراف بنبوته، وكل ما غاير هذا الدين لا بد وأن يشتمل على المناقضة، والمتناقض يستحيل أن يكون مساوياً لغير المتناقض في السداد والصحة. وثانيها: أن المثل صلة في الكلام قال الله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } تفسير : [الشورى: 11] أي ليس كهو شيء، وقال الشاعر: وصاليات ككما يؤثفين، وكانت أم الأحنف ترقصه وتقول:شعر : والله لولا حنف برجله ودقة في ساقه من هزله ما كان منكم أحد كمثله تفسير : وثالثها: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف فقد اهتدوا لأنهم يتصلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ورابعها: أن يكون قوله: {فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } أي فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين فقد اهتدوا، فالتمثيل في الآية بين الإيمانين والتصديقين، وروى محمد بن جرير الطبري أن ابن عباس قال: لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فليس لله مثل ولكن قولوا فإن آمنوا بالذي آمنتم به، قال القاضي: لا وجه لترك القراءة المتواترة من حيث يشكل المعنى ويلبس لأن ذلك إن جعله المرء مذهباً لزمه أن يغير تلاوة كل الآيات المتشابهات وذلك محظور والوجه الأول في الجواب هو المعتمد. أما قوله: {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ } فالمراد فقد عملوا بما هدوا إليه وقبلوه، ومن هذا حاله يكون ولياً لله داخلاً في أهل رضوانه، فالآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها وبين وجوه دلالتها، ثم بين على وجه الزجر ما يلحقهم إن تولوا فقال: {وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } وفي الشقاق بحثان: البحث الأول: قال بعض أهل اللغة: الشقاق مأخذو من الشق، كأنه صار في شق غير شق صاحبه بسبب العداوة وقد شق عصا المسلمين إذا فرق جماعتهم وفارقها، ونظيره: المحادة وهي أن يكون هذا في حد وذاك في حد آخر، والتعادي مثله لأن هذا يكون في عدوة وذاك في عدوة، والمجانبة أن يكون هذا في جانب وذاك في جانب آخر وقال آخرون: إنه من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } أي فراق بينهما في الاختلاف حتى يشق أحدهما على الآخر. البحث الثاني: قوله: {وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } أي إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طلب الدين والانقياد للحق وإنما غرضهم المنازعة وإظهار العداوة ثم للمفسرين عبارات. أولها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } في خلاف مذ فارقوا الحق وتمسكوا بالباطل فصاروا مخالفين لله. وثانيها: قال أبو عبيدة ومقاتل في شقاق. أي في ضلال. وثالثها: قال ابن زيد في منازعة ومحاربة. ورابعها: قال الحسن في عداوة قال القاضي: ولا يكاد يقال في المعاداة على وجه الحق أو المخالفة التي لا تكون معصية أنه شقاق وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنه وفي استحقاق النار فصار هذا القول وعيداً منه تعالى لهم وصار وصفهم بذلك دليلاً على أن القوم معادون للرسول مضمرون له السؤال مترصدون لإيقاعه في المحن، فعند هذا آمنه الله تعالى من كيدهم وآمن المؤمنين من شرهم ومكرهم فقال: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ } تقوية لقلبه وقلب المؤمنين لأنه تعالى إذا تكفل بالكفاية في أمر حصلت الثقة به قال المتكلمون: هذا أخبار عن الغيب فيكون معجزاً دالاً على صدقة وإنما قلنا إنه إخبار عن الغيب وذلك لأنا وجدنا مخبر هذا القول على ما أخبر به لأنه تعالى كفاه شر اليهود والنصارى ونصره عليهم حتى غلبهم المسلمون وأخذوا ديارهم وأموالهم فصاروا أذلاء في أيديهم يؤدون إليهم الخراج والجزية أو لا يقدرون ألبتة على التخلص من أيديهم وإنما قلنا: إنه معجز لأنه المتخرص لا يصيب في مثل ذلك على التفصيل، قال الملحدون: لا نسلم أن هذا معجز وذلك لأن المعجز هو الذي يكون ناقضاً للعادة، وقد جرت العادة بأن كل من كان مبتلى بإيذاء غيره فإنه يقال له: اصبر فإن الله يكفيك شره، ثم قد يقع ذلك تارة ولا يقع أخرى، وإذا كان هذا معتاداً فكيف يقال: إنه معجز وأيضاً لعله توصل إلى ذلك برؤيا رآها، وذلك مما لاسبيل إلى دفعه، فإن المنجمين يقولون: من كان سهم الغيب في طالعه فإنه يأتي بمثل هذه الأخبار وإن لم يكن نبياً. والجواب: أنه ليس غرضنا من قولنا أنه معجز أن هذا الإخبار وحده معجز، بل غرضنا أن القرآن يشتمل على كثير من هذا النوع، والإخبار عن الأشياء الكثيرة على سبيل التفصيل مما لا يتأتى من المتخرص الكاذب. ثم إنه تعالى لما وعده بالنصرة والمعونة أتبعه بما يدل على أن ما يسرون وما يعلنون من هذا الأمر لا يخفى عليه تعالى فقال: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } وفيه وجهان. الأول: أنه وعيد لهم والمعنى أنه يدرك ما يضمرون ويقولون وهو عليم بكل شيء فلا يجوز لهم أن يقع منهم أمر إلا وهو قادر على كفايته إياهم فيه. الثاني: أنه وعد للرسول عليه السلام يعني: يسمع دعاءك ويعلم نيتك وهو يستجيب لك ويوصلك إلى مرادك، واحتج الأصحاب بقوله: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات لأن قوله: {عَلِيمٌ } بناء مبالغة فيتناول كونه عالماً بجميع المعلومات، فلو كان كونه سميعاً عبارة عن علمه بالمسموعات لزم التكرار وأنه غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعاً أمراً زائداً على وصفه بكونه عليماً والله أعلم بالصواب. أما قوله: {بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } ففيه إشكال وهو أن الذي آمن به المؤمنون ليس له مثل، وجوابه.
القرطبي
تفسير : . قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمّته. المعنى: فإن آمنوا مثل إيمانكم، وصدّقوا مثل تصديقكم فقد ٱهتدوْا؛ فالمماثلة وقعت بين الإيمانيْن، وقيل: إن الباء زائدة مؤكدة. وكان ٱبن عباس يقرأ فيما حكى الطبري: «فإن آمنوا بِالذي آمنتم بِهِ فقدِ ٱهتدوْا» وهذا هو معنى القراءة وإن خالف المصحف؛ فـ «ـمِثْل» زائدة كما هي في قوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى:11] أي ليس كهو شيء. وقال الشاعر:شعر : فصُيِّروا مثل كَعصْف مأكول تفسير : وروى بَقِيّة حدّثنا شُعبة عن أبي حمزة عن ٱبن عباس قال: لا تقولوا فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإن الله ليس له مثل، ولكن قولوا: بالذي آمنتم به. تابعه عليّ بن نصر الجَهضَمِيّ عن شعبة؛ ذكره البيهقي. والمعنى: أي فإن آمنوا بنبيّكم وبعامة الأنبياء ولم يفرّقوا بينهم كما لم تُفرّقوا فقد ٱهتدوْا، وإن أَبَوْا إلا التفريق فهم الناكبون عن الدين إلى الشقاق {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ}. وحكي عن جماعة من أهل النظر قالوا: ويحتمل أن تكون الكاف في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} زائدة. قال: والذي روى عن ٱبن عباس من نَهْيه عن القراءة العامّة شيء ذهب إليه للمبالغة في نفي التشبيه عن الله عز وجل. وقال ٱبن عطية: هذا من ٱبن عباس على جهة التفسير؛ أي هكذا فليتأوّل. وقد قيل: إن الباء بمعنى على، والمعنى: فإن آمنوا على مثل إيمانكم. وقيل: «مثل» على بابها أي بمثل المنزَّل؛ دليله قوله: {أية : وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَابٍ}تفسير : [الشورى: 15] وقوله: {أية : وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ}تفسير : [العنكبوت: 46] قوله تعالى: {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} أي عن الإيمان {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} قال زيد بن أسلم: الشقاق المنازعة. وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتّعادي. وأصله من الشِّق وهو الجانب؛ فكأن كل واحد من الفريقين في شِقّ غير شِقّ صاحبه. قال الشاعر:شعر : إلى كم تقتل العلماء قسرا وتفجر بالشقاق وبالنفاق تفسير : وقال آخر:شعر : وإلاّ فاعلموا أنّا وأنتم بُغاةٌ ما بقينا في شِقاقِ تفسير : وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فِعل ما يَشُقّ ويصعُب؛ فكأن كل واحد من الفريقين يحرِص على ما يشقّ على صاحبه. قوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} أي فسيكفي اللَّهُ رسولَه عدوَّه. فكان هذا وعداً من الله تعالى لنبيّه عليه السلام أنه سيكفيه مَن عانده ومَن خالفه من المتولِّين بمن يَهديه من المؤمنين، فأنجز له الوعد؛ وكان ذلك في قتل بني قَيْنُقاع وبني قُريظة وإجلاء بني النَّضير. والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان. ويجوز في غير القرآن: فسيكفيك (إياهم). وهذا الحرف «فَسَيَكْفيكَهُمُ اللَّهُ» هو الذي وقع عليه دَمُ عثمان حين قُتل بإخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم إيّاه بذلك. و {ٱلسَّمِيعُ} لقول كل قائل {ٱلْعَلِيمُ} بما يُنفذه في عباده ويُجريه عليهم. وحكي أن أبا دُلاَمة دخل على المنصور وعليه قَلَنْسُوة طويلة، ودُرّاعةمكتوب بين كتفيها {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}، وسيف معلّق في وسطه؛ وكان المنصور قد أمر الجند بهذا الزّي، فقال له: كيف حالك يا أبا دُلاَمة؟ قال: بَشرّ يا أمير المؤمنين! قال: وكيف ذاك؟ قال: ما ظنّك برجل وجهه في وسطه، وسيفه في ٱسته، وقد نبذ كتاب الله وراء ظهره! فضحك المنصور منه، وأمر بتغيير ذلك الزيّ من وقته.
البيضاوي
تفسير : {فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} من باب التعجيز والتبكيت، كقوله تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ }تفسير : [البقرة: 23] إذ لا مثل لما آمن به المسلمون، ولا دين كدين الإسلام. وقيل: الباء للآلة دون التعدية، والمعنى إن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق، أو مزيدة للتأكيد كقوله تعالى: {أية : جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا }تفسير : [يونس: 27] والمعنى فإن آمنوا بالله إيماناً مثل إيمانكم به، أو المثل مقحم كما في قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ} أي عليه، ويشهد له قراءة من قرأ بما آمنتم به أو بالذي آمنتم به {وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } أي إن أعرضوا عن الإيمان، أو عما تقولون لهم فما هم إلا في شقاق الحق، وهو المناوأة والمخالفة، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ } تسلية وتسكين للمؤمنين، ووعد لهم بالحفظ والنصرة على من ناوأهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } إما من تمام الوعد، بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة، أو وعيد للمعرضين، بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: فإن آمنوا، يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، بمثل ما آمنتم به يا أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} أي: فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه {وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ} أي: عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ}، أي فسينصرك عليهم، ويظفرك بهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. قال ابن أبي حاتم: قرأ عليّ يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إلى بعض الخلفاء مصحف عثمان بن عفان ليصلحه، قال زياد: فقلت له: إن الناس ليقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية، وقد قدم. وقوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ}، قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله، وكذا روي عن مجاهد وأبي العالية وعكرمة وإبراهيم والحسن وقتادة والضحاك وعبد الله بن كثير وعطية العوفي والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، وانتصاب صبغة الله إما على الإغراء؛ كقوله: {فِطْرَتَ اللهِ} أي: الزموا ذلك، عليكموه، وقال بعضهم: بدلاً من قوله:{أية : مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ}تفسير : [البقرة: 135] وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: {ءَامَنَّا بِٱللَّهِ} كقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ}تفسير : [النساء: 122] وقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من رواية أشعث بن إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن بني إسرائيل قالوا: يا رسول الله هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم، أنا أصبغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي»تفسير : وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعاً، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه إن صح إسناده، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِنْ ءَامَنُواْ } أي اليهود والنصارى {بِمَثَلِ } (مثل) زائدة {مَا ءَامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ } عن الإيمان به {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } خلاف معكم {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ } يا محمد شقاقهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ } بأحوالهم، وقد كفاه إياهم بقتل قريظة ونفي النضير وضرب الجزية عليهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم} بما آمنتم به. {شِقَاقٍ} عداوة من البعد، أخذ فلان في شق، وفلان في شق تباعدا وشق فلان عصا المسلمين: خرج عليهم وتباعد منهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ...} قال ابن عرفة: الباء: إما للسبب والمراد أسباب إيمانكم وهي البراهين والمعجزات، أو للتعدية (به) والمراد متعلق الإيمان وهو الإلاه؛ فإن كان للسبب فواضح أي "فَإِنْ ءَامَنُوُاْ" بسبب مثل الأسباب التي أرشدتكم أنتم إلى الإيمان فقد اهتدوا، وإن أريد متعلق الإيمان فمشكل. قال ابن عطية: فقيل الباء زائدة (وقيل مثل الزائدة) وقيل: إنَّه مجاز والمراد (من مثل) الشيء ذات الشيء كقولك: مثلك لا يفعل هذا. زاد الزمخشري: أنه تبكيت لهم كقولك: هذا هو الرأي، فإن كان عندك أصوب منه فاعمل عليه وقد علمت أنه لا أصوب منه. فإن قلت: هلا قيل: فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنتُم بِهِ كما قيل: فَإِنَّمَا هم "مهتدون"، كما قيل {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}؟ قلنا هذا تأكيد في التنفير عن دين الكفر واهتمام لتخفيف جانب الخوف على جانب الرجاء. قوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ...} يتضمن كفاية شرهم وقتالهم (وكلّ ما) يصدر عنهم من المضار وهو أبلغ من (أن) لو قيل: فسيكفيك الله شرّهم. وقول الله كفايته إياهم بنفسه اعتناء بالنبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}. الزمخشري: وعيد لهم أو وعد للرسول عليه الصلاة والسلام. قال ابن عرفة: بل هما معا فهو وعد ووعيد.
ابن عادل
تفسير : "الباء" في قوله "بمثل" فيه أقوال: أحدها: أنها زائدة كهي في قوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [البقرة:195] وقوله: {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ}تفسير : [مريم:25]؛ وقوله: [البسيط] شعر : 814ـ................ سُودُ المَحَاجِرِ لاَ يَقْرَأْنَ باِلسُّوَرِ تفسير : والثاني: أنها بمعنى "على"، أي: فإن آمنوا على مثل إيمانكم بالله. والثالث: أنها للاستعانة كهي في "نجرت بالقدُّوم"، و "كتبت بالقلم"، والمعنى: فإن دخلوا في الإيمان بشهادةٍ مثل شهادتكم. وعلى هذه الأوجه، فيكون المؤْمَن به محذوفاً، و "ما" مصدرية، والضمير في "به" عائداً على الله ـ تعالى ـ والتقدير: فإن آمنوا بالله إيماناً مثل إيمانكم به، و "مثل" هنا فيها قولان: أحدهما: أنها زائدة، والتقدير: بما آمنتم به، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، وابن عباس [وذكر البيهقي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لا تقولوا بمثل ما آمنتم به، فإن الله ـ تعالى ـ ليس له مثل، ولكن قولوا بالذي آمنتم به، وهذا يروى قراءة أُبيّ] ونظيرها في الزيادة قول الشاعر: [السريع أو الرجز] شعر : 815ـ فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ تفسير : وقال بعضهم: هذا من مجاز الكلام تقوم: هذا أمر لا يفعله مثلك، أي: لا تفعله أنت. والمعنى: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، نقله ابن عطية، وهو يؤول إلى إلغاء "مثل" وزيادتها. والثاني: أنها ليست بزائدة، والمثليّة متعلقة بالاعتقاد، أي: فإن اعتقدوا بمثل اعتقادكم، أو متعلقة بالكتاب، أي: فإن آمنوا بكتاب مثل الكتاب الذي آمنتم به، والمعنى: فإن آمنوا بالقرآن الذي هو مصدق لما في التوراة والإنجيل، وهذا التأويل ينفي زيادة "الباء". قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: وفيها وجوه، وذكر في بعضها أن المقصود منه التثبيت، والمعنى: إن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم، ومساوياً له في الصحة والسداد، فقد اهتدوا، ولمَّا استحال أن يوجد دين آخر يساوي هذا الدين في الصواب والسَّدَاد استحال الاهتداء بغيره ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه: ها هو الرأي الصواب، فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به، وقد علمت أن لا أَصْوَبَ من رأيك، [ولكنك تريد تثبيت صاحبك، وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه]. وقيل: إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا بمثل ذلك، وهو التوراة من غير تصحيف وتحريف، فقد اهتدوا؛ لأنهم يتوصّلون به إلى معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: فإن صاروا مؤمنين بمثل ما به صرتم مؤمنين، فقد اهتدوا. و "ما" في قوله: {بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم} فيها وجهان: أحدهما: أنها بمعنى الذي، والمراد بها حينئذ: إما الله ـ تعالى ـ بالتأويل المتقدم عند من يجيز وقوع "ما" على أولي العلم نحو: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}تفسير : [الشمس:5]. وإما الكتاب المنزل. [والثاني: أنها مصدرية، وقد تقدم ذلك. والضمير في "به" فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه يعود على الله ـ تعالى ـ كما تقدم] والثاني: أن يعود على "ما" إذا قيل: إنها بمعنى الذي. قوله: "فَقَدِ اهْتَدَوا" جواب الشرط في قوله: "فَإِنْ ءَامَنُوا"، وليس الجواب محذوفاً، كهو في قوله: {أية : وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ}تفسير : [فاطر:4]، لأن تكذيب الرسل ماض محقق هناك، فاحتجنا إلى تقدير جواب. وأما هنا فالهداية منهم لم تقع بعد، فهي مستقبلة معنى، وإن أبرزت في لفظ المعنى. [قال ابن الخطيب: والآية تدل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء، وتلك الهداية لا يمكن حملها إلا على الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عنها، وبين وجوه دلالتها، ثم بيَّن وجه الزجر وما يلحقهم إن تولوا، فقال: {وإن تولوا فإنهم في شقاق}]. قوله: "فِي شِقَاقٍ" خبر لقوله: "هم"، وجعل الشقاق ظرفاً لهم، وهم مظروفون له مبالغة في الإخبار باستعلائه عليهم، وهو أبلغ من قولك: هم مُشَاقّونَ، وفيه: {أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ}تفسير : [الأعراف:66] ونحوه. والشِّقَاق: مصدر من شاقَّهُ يُشَاقّه نحو: ضاربه ضِراباً، ومعناه المخالفة والمعاداة. وفي اشتقاقه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من الشّق وهو الجانب. وذلك أن أحد المشاقين يصير في شقّ صاحبه، أي: جانبه؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 816ـ إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَوَّلِ تفسير : أي: بجانب. الثاني: أنه من المشقة، فإن كلاًّ منهما يحرص على ما يَشُقّ على صاحبه. الثالث: أنه من قولهم: "شققتُ العَصَا بيني وبينك"، وكانوا يفعلون ذلك عند تعاديهم. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: معناه إن تركوا مثل هذا الإيمان فقد التزموا المناقضة، والعاقل لا يلتزم المناقضة ألبتة، فحيث التزموها علمنا أنه ليس غرضهم طَلَب الدين، والانقياد للحق، وإنما غرضهم المنازعة، وإظهار العداوة. قال ابن عباس وعطاء رضي الله عنهما "فإنما هم في شِقَاقٍ" أي: في خلاف منذ فارقوا الحقّ، وتمسّكوا بالباطل، فصاروا مخالفين لله. وقال أبو عبيدة ومقاتل: "في شِقَاقٍ"، أي: في ضلال. وقال ابن زيد: في منازعة ومُحَاربة. وقال الحسن: في عداوة. قال القاضي: ولا يكاد يقال في المُعَاداة على وجه الحق، أو المخالفة التي لا تكون معصية: إنه شقاق، وإنما يقال ذلك في مخالفة عظيمة توقع صاحبها في عداوة الله وغضبه ولعنته وفي استحقاق النَّار، فصار هذا القول وعيداً منه تعالى لهم، وصارَ وَصْفُهُمْ بذلك دليلاً على أنهم معادون للرسول، مضمرون له السوء مترصّدون لإيقاعه في المِحَنِ، فعند هذا آمنه الله ـ تعالى ـ من كيدهم، وآمن المؤمنين من شرّهم ومكرهم، [فقال: "سَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ" تقوية لقلبه وقلوب المؤمنين]. و "الفاء" في قوله: "فَسَيْكَفِيْكَهُم" تشعر بتعقيب الكفاية عقب شقاقهم، وجيء بـ "السين" دون "سوف"؛ لأنها أقرب منها زماناً بوضعها، ولا بد من حذف مضاف أي: فسيكفيك شقاقهم؛ لأن الذوات لا تكفى إنما تكفى أفعالها، والمكفي به محذوف، أي: بمن يهديه الله، أو بتفريق كلمتهم. [ولقد كفى بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة، وبني قينقاع، وضرب الجزية على اليهود والنصارى]. قوله: {وهو السَّميع العليم} أي: السميع لأقوالهم، العليم لأحوالهم. وقيل: السميع لدعائك العليم بنيتك، فهو يستجيب لك ويوصلك لمرادك. [وروي أن عثمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان يقرأ في المصحف، فقتل فقطرت نقطة من دمه على قوله تعالى "فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللهُ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم، قد أخبره بذلك]. والكاف والهاء والميم في موضع نصب مفعولان؛ ويجوز في غير القرآن الكريم: "فسيكفيك". فصل في الكلام على سمع الله وعلمه واحتجوا بقوله تعال: {وهو السميع العليم} على أن سمعه تعالى زائد على علمه بالمسموعات، وإلا يلزم التكرار، وهو غير جائز، فوجب أن يكون صفة كونه تعالى سميعاً أمراً زائداً على وصفه بكونه عليماً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: لا تقولوا {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} فإن الله لا مثل له، ولكن قولوا: فإن آمنوا بالذي آمنتم به. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف والخطيب في تاريخه عن أبي جمرة قال: كان ابن عباس يقرأ {فإن آمنوا بالذي آمنتم به} . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {فإنما هم في شقاق} قال: فراق. وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: كنت قاعداً إذ أقبل عثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة، فتقع قطرة من دمك على {فسيكفيكهم الله}" تفسير : قال الذهبي في مختصر المستدرك: هذا كذب بحت، وفي إسناده أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتهم به. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف وأبو القاسم بن بشران في أماليه وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر عن أبي سعيد مولى بني أسد قال: لما دخل المصريون على عثمان والمصحف بين يديه فضربوه بالسيف على يديه، فجرى الدم على {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} فمد يده وقال: والله لإِنها أوّل يد خطت المفصل. وأخرج ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم قال: أرسل إلي بعض الخلفاء بمصحف عثمان بن عفان فقلت له: إن الناس يقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية. وقد تقدم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عمرة بنت أرطاة العدوية قال: خرجت مع عائشة سنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة ورأينا المصحف الذي قتل وهو في حجره، وكانت أوّل قطرة من دمه على هذه الآية {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} قالت عمرة: فما مات منهم رجل سوياً.
ابو السعود
تفسير : {فَإِنْ ءامَنُواْ} الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن ما تقدم من إيمانِ المخاطَبـين على الوجه المحرَّرِ مَظِنَّةٌ لإيمان أهلِ الكتابـين لما أنه مشتملٌ على ما هو مقبولٌ عندهم {بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ} أي بما آمنتم به على الوجهِ الذي فُصل على أن المِثْلَ مُقحَمٌ كما في قوله تعالى:{أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } تفسير : [الأحقاف، الآية 10] أي عليه، ويعضُده قراءةُ ابنِ مسعود بما آمنتم به وقراءة أُبـيّ بالذي آمنتم به ويجوزُ أن تكون الباء للاستعانة على أن المؤمَنَ به محذوفٌ لظهوره بمروره آنفاً، أو على أن الفعلَ مُجرىً مُجرىٰ اللازمِ أي فإن آمنوا بما مر مفصلاً أو فإنْ فعلوا الإيمانَ بشهادةٍ مثلِ شهادتكم، وأن تكون الأولى زائدةً والثانية صلةً لآمنتم و(ما) مصدرية أي فإن آمنوا إيماناً مثلَ إيمانِكم بما ذُكر مفصَّلاً وأن تكون للملابسة أي فإن آمنوا ملتبسين بمثل ما آمنتم ملتبسين به أو فإن آمنوا إيماناً ملتبساً به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بـين الأنبـياء عليهم السلام فإن ما وُجد فيهم وصدَر عنهم من الشهادة والإذعان وغير ذلك مثلُ ما للمؤمنين لا عينُه بخلاف المؤمَنِ به فإنه لا يُتصوَّرُ فيه التعدّد {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} إلى الحق وأصابوه كما اهتديتم وحصل بـينكم الاتحادُ والاتفاق، وأما ما قيل من أن المعنى فإن تحرَّوُا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثلِ طريقِكم فقد اهتدوا فإن وَحدَة المقصِد لا تأبىٰ تعددَ الطريق الحقِّ، وإرشادُهم إليه بعينه لا يلائم تجويزَ أن يكون له طريقٌ آخرُ وراءه {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الإيمان على الوجه المذكور بأن أخلّوا بشيء من ذلك كأن آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض كما هو دينُهم ودَيْدَنُهم {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ} المُشاقّة والشِقاقُ من الشِق كالمخالفة والخِلاف من الخُلف والمعاداة والعِداء من العَداوة أي التجانب، فإن أحدَ المخالِفين يُعرِض عن الآخر صورةً أو معنى ويُولِيه خَلفَه ويأخُذُ في شِقٍ غيرِ شِقّه وعَدْوةٍ غيرِ عَدْوَتِه، والتنوينُ للتفخيم أي هم مستوون في خلاف عظيمٍ بعيدٍ من الحق وهذا لدفع ما يُتوهم من احتمال الوِفاق بسبب إيمانِهم ببعضِ ما آمن به المؤمنونَ، والجملةُ إما جوابُ الشرط كما هي على أن المرادَ مُشاقّتُهم الحادثةُ بعد تولِّيهم عن الإيمان كجواب الشرطية الأولى، وإنما أُوثرت الجملةُ الاسميةُ للدلالة على ثباتِهم واستقرارِهم في ذلك، وإما بتأويل فاعلَموا إنما هم في شقاق. هذا هو الذي يستدعيه فخامةُشأنِ التنزيلِ الجليل، وقد قيل: قولُه تعالى: {فَإِنْ ءامَنُواْ} [البقرة، الآية: 137] الخ من باب التعجيز والتبكيتِ على منهاج قولِه تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ }تفسير : [البقرة، الآية: 23]، والمعنى فإن حصّلوا ديناً آخرَ مثل دينِكم مماثلاً له في الصِحة والسَّداد فقد اهتَدوا وإذ لا إمكانَ له فلا إمكانَ لاهتدائهم، ولا ريب في أنه مما لا يليق بحمل النظمِ الكريم عليه، ولمّا دل تنكيرُ الشِقاق على امتناعِ الوفاقِ وأن ذلك مما يؤدي إلى الجدال والقتالِ لا محالة عقَّب ذلك بتسلية رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتفريحِ المؤمنين بوعد النصر، والغَلَبة ضمانُ التأيـيد والإعزاز، وعبّر بالسين الدالةِ على تحقق الوقوعِ اْلبتَةَ فقيل: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} أي سيكفيك شِقاقَهم فإن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال، وقد أنجز عز وعلا وعدَه الكريمِ بقتل بني النضير، وتلوينُ الخطاب بتجريده للنبـي صلى الله عليه وسلم مع أن ذلك كفايةٌ منه سبحانه للكلِّ لما أنه الأصلُ والعُمدة في ذلك وللإيذانِ بأن القيامَ بأمورِ الحروب وتحمُّلَ المُؤَن والمشاقِّ ومقاساةَ الشدائد في مناهضة الأعداء من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصر في حقه عليه السلام أتم وأكملُ {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تذيـيلٌ لما سبق من الوعد وتأكيدٌ له والمعنى أنه تعالى يسمع ما تدعوه به ويعلم ما في نِيَّتك من إظهار الدينِ فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك أو وعيد للكفرة أي يسمع ما ينطِقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه ولا يخفى ما فيه من تأكيد الوعد السابقِ فإن وعيدَ الكفرة وعد المؤمنين.
القشيري
تفسير : إن سلكوا طريقتكم، وأخذوا بسبيلكم، أُكرِموا بما أُكْرمتم، ووصلوا إلى ما وصلتم، وإنْ أبَوْا إلا امتيازاً أبَيْنَا إلا هوانهم، فإنَّ نَظَرَنا لمن خدمك يا محمد بالوصلة، وأعراضنا عمن بَايَنَك وخالفك (...)، من خالفك فهو في شق الأعداء، ومن خَدَمَك فهو في شق الأولياء. {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ}: كفاية الله متحققة لأن عناية الله بكم متعلقة، فمن نابذكم قصمته أيادي النصرة، ومن خالفكم قهرته قضايا القسمة، وهو السميع لمناجاة أسراركم معنا على وصف الدوام، العليم باستحقاقكم (منا) خصائص اللطف والإكرام.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان آمنوا} اى اليهود والنصارى {بمثل ما} اى بمثل الدين الذى {آمنتم به} هذا من باب التعجيز والتبكيت اى الزام الخصم والجائه الى الاعتراف بالحق بارخاء عنانه وسد طرق المجادلة عليه والمثل مقحم والمعنى فان آمنوا بما آمنتم به وهو الله فانه ليس لله تعالى مثل وكذا لدين الاسلام {فقد اهتدوا} الى الحق واصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق {وإن تولوا} اى ان اغضوا عن الايمان على الوجه المذكور بان اخلوا بشئ من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو ديدنهم ودينهم {فانما هم فى شقاق} اى مستقرون فى خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب ايمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون فقوله فى شقاق خبر لقوله هم وجعل الشقاق ظرفا لهم وهم مظروفون له مبالغة فى الاخبار باستيلائه عليهم فانه ابلغ من قولك هم مشاقون والشقاق مأخوذ من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين فى شق غير شق صاحبه بسبب العداوة ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وان ذلك مما يؤدى الى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة وضمان التأييد والاعزاز بالسين للتأكيد الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل {فسيكفيكهم الله} الضميران منصوبا المحل على انهما مفعولان ليكفى يقال كفاه مؤنته كفاية وان كثر استعمالة معدى الى واحد نحو كفاك الشئ والظاهر ان المفعول الثانى حقيقة فى الآية هو المضاف المقدر اى فسيكفى الله اياك امر اليهود والنصارى ويدفع شرهم عنك وينصرك عليهم فان الكفاية لا تتعلق بالاعيان بل بالافعال وقد انجز الله وعده الكريم بالقتل والسبى فى بنى قريظة والجلاء والنفى الى الشام وغيره فى بنى النضير والجزية والذلة فى نصارى نجران {وهو السميع العليم} تذييل لما سبق من الوعد وتأكيد له والمعنى انه تعالى يسمع ما تدعو به ويعلم ما فى نيتك من اظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك الى مرادك.
الطوسي
تفسير : المعنى: اخبر الله تعالى ان هؤلاء الكفار متى آمنوا على حد ما آمن المؤمنون به، فقد اهتدوا إلى طريق الجنة. والباء في قوله {بمثل ما آمنتم} يحتمل ثلاثة اشياء: اولها ـ ان تكون زائدة والتقدير، فان آمنوا مثل الذي امنتم أي مثل ايمانكم كما قال: "كفى بالله" والمعنى كفى الله. قال الشاعر: شعر : كفى الشيب والاسلام للمرء ناهياً تفسير : والثاني ان يكون المعنى بمثل هذا ولا تكون زائدة. كأنه قال: فان آمنوا على مثل ايمانكم، كما تقول: كتبت على مثل ما كتبت، وبمثل ما كتبت كأنك تجعل المثال آلة يتوصل به إلى العمل، وهذا أجود من الاول. والثالث ـ أن تلغى مثل، كما ألغيت الكاف في قوله: {أية : فجعلهم كعصف مأكول} تفسير : وهذا أضعف الوجوه لانه اذا أمكن حمل كلام الله على فائدة، فلا يجوز حمله على الزيادة، وزيادة الاسم أضعف من زيادة الحرف، كزيادة ما ولا وما أشبه ذلك. وروي عن ابن عباس انه قال: لا تقولوا {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به} فانه ليس الله مثل ولكن قولوا {فإن آمنوا بالذي آمنتم به} وهذه رواية شاذة مخالفة لما أجمع عليه القراء، ومتى صحت فالوجه فيها أن يكون أراد أن يفسر المعنى فكانه قال: لا تتأولوه على الجعل لله عز وجل مثلا فانه شرك، لكن تأولوه على ما يصح تأويله من غير تمثيل للمعبود تعالى. وقال ابن عباس: ان الايمان هو العروة الوثقى وانه لا يقبل عملا إلا به، ولا تحرم الجنة إلا على تركه. وقوله تعالى: {وإن تولوا} معناه ان اعرضوا عن الايمان وجحدوه ولم يعترفوا به {فإنما هم في شقاق} معناه انهم في مفارقة. في قول قتادة والربيع، وقال ابن زيد الشقاق هو المنازعة والمجادلة. قال الحسن: معناه التعادي وأصل الشقاق يحتمل ان يكون مأخوذاً من الشق، لانه صار في شق غير شق صاحبه، للعداوة المباينة، ويحتمل أن يكون مأخوذاً من المشقة لانه يحرص على ما يشق على صاحبه، ويؤذيه. وفي الآية دلالة على نبوة النبي (صلى الله عليه وسلم)، لان الله تعالى وعده ان يكفيه من يعاديه من اليهود والنصارى الذين شاقوه بقوله: {فسيكفيكهم الله} فكان الامر على ما وعد به. اللغة: والكفاية والوقاية والسلامة نظائر تقول كفى يكفي كفاية: اذا قام بالامر واكتفى اكتفاء، واستكفى استكفاء، وتكفى تكفياً، وكفاك هذا الامر أي حسبك ورأيت رجلا كافيك من رجل أي كفاك به رجلا. وأصل الباب الكفاية، وهو بلوغ الغاية يقال يكفي ويجزي ويغني بمعنى واحد.
الجنابذي
تفسير : {فَإِنْ آمَنُواْ} اى النّاس غير الائمّة او أهل الكتاب غير المسلمين {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} الباء للآلة او للسّببيّة والمعنى فان اتّصفوا بالايمان بايمانٍ او بسبب ايمان مثل ايمانٍ آمنتم به او للمصاحبة والمعنى فان آمنوا مصاحبين بايمانٍ مثل ايمانٍ آمنتم به او الباء للآلة والمعنى فان آمنوا بطريقٍ مثل طريق ما آمنتم به، او لفظ الباء زائدة ولفظ المثل مقحم، او الكلام محمول على المبالغة بفرض المثل والمعنى فان آمنوا بمثل ما آمنتم به من الله وما أنزل الله على الانبياء لو فرض له مثل {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} فكيف يكون حالهم اذا آمنوا به نفسه {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} فلا تستغربوه {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} لكم او للايمان وليس لهم بسبب كونهم فى شقاق الاّ التولّى والانكار فهو من اقامة السّبب مقام الجزاء او المعنى ان تولّوا يقعوا فى شقاقٍ لكم او للاهتداء والتّأدية بالجملة الاسميّة للاشارة الى التأكيد والثّبات، والشّقاق المخالفة والعداوة {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} وعدله (ص) وللمؤمنين بالنّصر وكفايته تعالى مؤنة دفعهم وقد وفى {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لما قلتم وقالوا {ٱلْعَلِيمُ} بكم وبأعمالكم ونيّاتكم، وبهم وبأعمالهم ونيّاتهم.
اطفيش
تفسير : {فإن آمنوا}: أى اليهود والنصارى. {بمثل ما آمنتم}: أيها المؤمنون به. {فقد اهتدوا}: فلا يمكن أن يؤمنوا بمثل ما آمنتم به، فلم يمكن أن يكونوا على هدى، وذلك إنما آمن به المؤمنون هو القرآن، ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، والوحى، ولا يوجد مثل القرآن، ولا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولا لما أوحى إليه، فإن القرآن أفضل كتب الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، والرسل وما أوحى إليه أفضل ما أوحى إلى الأنبياء، فلا مثل لذلك، فضلاً عن أن يؤمنوا به فيهتدوا، والمعلق بالمشفى منتف، وذلك تعجيز. فالباء فى قوله: بمثل غير زائدة، ولفظ مثل غير زائد، بل الباء للتعدية، ويجوز أن يكون المراد: فإن آمنوا بدين غير دين الإسلام مماثل لدين الإسلام كونه حقا قد اهتدوا، وهذا لا يوجد، إذ لا يكون غير الإسلام حقا، فلا يوجد لهم اهتداء، وهم بحالهم، وهذا كالوجه الذى قبل هذا، والباء للتعدية، ومثل غير زائدة كذلك. ويجوز أن تكون الباء للسببية أو للآلة، ومثل غير زائدة بمعنى إن حصلوا الإيمان بالله ورسوله محمد، وما جاء به بسبب طريق، أو بواسطة طريق مثل الطريق الذى حصلتم به الإيمان، أو بواسطته فقد اهتدوا، لجواز أن يتوصل إلى الشئ الواحد من طريق متعددة، كالمسجد الواحد يتوصل إليه من طرق، ويجوز أن تكون الباء زائدة فى المفعول المطلق، أى فإن آمنوا بالله إيمانا مثل إيمانكم به، كما هو وجه فى قوله عز وجل: {أية : وجزاء سيئة بمثلها} تفسير : فهى للتأكيد، فتكون ما مصدرية والهاء عائدة إلى الله سبحانه وتعالى فى هذا الوجه، ولرسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو لدين الله أو لله {أية : وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم..}تفسير : إلى قوله تعالى {أية : وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون}تفسير : للتأويل بالمذكور، وأما الأوجه السابقة فما فيها اسم موصول أو نكرة موصوفة، والهاء عائدة إليها، ويجوز على مذهب الكوفيين فى زيادة الأسماء أن يكون لفظ مثل زائد، أى فإن آمنوا بما آمنتم به كما هو أحد الأوجه فى قوله: {أية : وشهد شاهد من بنى إسرائيل على مثله} تفسير : أى عليه، وتدل له قراءى أبى: (فإن آمنوا بالذى آمنتم به) وأدل من هذه القراءة على ذلك قراءة ابن عباس وابن مسعود: {بما آمنتم به} لأن فيها لفظ ما، وإسقاط مثل. وما: على هذا الوجه اسم موصول أو نكرة موصوفة، والهاء: عائدة إليها، ويجوز أن يقع المثل على القرآن ومحمد، وما على التوراة والإنجيل وموسى وعيسى، أى فإن آمنوا بالقرآن ومحمد اللذين هما مثل التوراة والإنجيل وموسى وعيسى، الذين آمنتم بهم، أو مثل على القرآن وما على التوراة والإنجيل، ووجه المماثلة فى هذين الوجهين كون كل حقا من الله جل وعلا، ولا ينافيان الوجه الأول، لأن المماثلة المنفية فيه بمعنى المساواة. {فإنْ تولَّواْ}: أعرضوا عن الإيمان، أو عما تقولون لهم، والضمير لليهود والنصارى. {فإنَّما هُمْ فى شِقاقٍ}: إنما للحصر، أى فما هم إلا فى شقاق، والشقاق مصدر شاقق بفتح القاف الأولى كالثانية كقاتل قتالا من شاققه بمعنى خالفه، فكان فى شق آخر غير الشق الذى فيه من خولف، والشِّق الجانب، أى فما هم إلا فى مخالفة لكم أو فى مخالفة للحق، وفى مخالفة لكم وللحق ومعاداة. قال الحسن: الشقاق التعادى إلى يوم القيامة، وفى معناه قول بعضهم: الشقاق الفراق، ونفى بذلك كونهم طالبين للحق، وأثبت عنادهم أو من شاققه بمعنى أوقعه فى مشقة، أو أرادها بهِ، فهم يريدون مشقة المؤمنين ويوقعونهم فيها بما أمكنهم، ولو بمجرد العناد والمكابرة، أو من شاققه بمعنى أزال وصل بينهما وشقة، فإن اليهود والنصارى لهم وصلة بالمؤمنين بالمجاورة، وبالكتابين اللذين نزلا من الله: التوراة والإنجيل، المصدقين للقرآن الكريم فقطعوها بالكفر، إذ لم يتبعوا التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن. واتباع واحد يوجب اتباع الآخرين. {فَسيكْفيكَهم الله}: عطف على {فإنَّما هُم فى شِقاقٍ} والفاء للسببية، فإن كونهم فى شقاق سبب لأن يكفيهم الله بالقتل والإجلاء والسبى وضرب الجزية والإذلال، وذلك وعد من الله لرسوله، صلى الله عليه وسلم، ووعيد لليهود والنصارى، وقد أنجزه له فهو معجزة، لأنهُ إخبار بالغيب، وذلك لأنهُ قتل بنى قينقاع وبنى قريظة وسباهم، وأجلى بنى النضير، وضرب الجزية على اليهود والنصارى، وكانوا تحت يده. فالآية تسكين للمؤمنين وتسلية لهم، ووعد بالحفظ والنصر على من عاداهم، لأن كفاية الله، عز وجل، اليهود والنصارى بذلك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كفاية عنهم، ويقدر مضاف بين الكاف والهاء أى فسيكفيك شرهم. وذكر الزمخشرى أن معنى هذه السين أن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين، وهكذا إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة. قال ابن هشام: وجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل بدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد، مقتضية لتوكيده وتثبيت معناه، ويأتى ذلك إن شاء الله، فى غير هذه السورة. {وهُو السَّمِيعُ}: لأقوالهم فيعاقبهم عليها، ولأقوالكم فيجازيكم بثوابها {العَليمُ}: بأفعالهم ونياتهم فيعاقبهم عليها، وبأفعالكم ونياتكم فيجازيكم بالثواب، وذلك من تمام الوعد بالكفاية للمؤمنين، وتمام الوعيد لليهود والنصارى بالكفاية، فإنها وعيد لهم ووعد للمؤمنين، وما ذكرته أولى من تخريج الآية على السمع بأقوال اليهود والنصارى، والعلم بأفعالهم ونياتهم. ويجوز تحريجها على السمع لكل قول، والعلم بكل فعل ونية.
اطفيش
تفسير : {فَإِنْ ءَامَنُواْ} أى اليهود والنصارى {بِمِثْلِ مَآ ءَامَنْتُمْ بِهِ فقَدِ اهْتَدَوْاْ} متعلق بقوله عز وجل... قولوا ءامنا، أو بقوله سبحانه، بل ملة إبراهيم، أى إن حصلوا الإيمان بمثل ما حصلتم الإيمان به، وهو الاعتقاد والنطق التعميم فى كتب الله وأنبيائه، أو إن حصلوا دينا مثل دينكم، وهو لا يوجد، فيكون تعجيزا عن أن يوجد دين صحيح غير دين الإسلام، مثل، فأْتوا بسورة، ولو ادعوا أن ما هم عليه الحق، لأنهم بين عالم أن دين الإسلام هو الحق وكنتم، وعاقل لو فكر لأدرك ذلك، وهاء به لما أو مثل زائد، أو الباء زائد، وعليه فما مصدرية، أى مثل إيمانكم بالله، وهاء به لله {وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الإيمان بالحق المذكور، وعن قوله صلى الله عليه وسلم لهم "قولوا آمنا بالله..." الخ... {فإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} عظيم، مخالفة لكم لأجل دينكم، أو مخالفة لكم للقول، والفعال على بابه، فإن المسلمين أيضا مخالفون لهم، فإنه فى معنى جازوكم على مخالفتكم لهم، وأنتم المحقون، وأصله الشق، وهو الجانب، أو المشقة، أو من شق العصا، إذا أظهروا العداوة {فَسَيَكْفِيكَهُمُ} مضرة شقاقهم {آللهُ} يا محمد، بقتل قريظة، وبنى قينقاع، وسبيهم، وإجلاء بنى النضير، وضرب الجزية قبل إجلائهم، وضرب الجزية على اليهود والنصارى {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوالهم، أى العليم بها {الْعَلِيمُ} بأحوالهم، فيعاقبهم عليها، وهو متعلق بشقاق، أو السميع لأقوالكم الحقة أيها المؤمنون، والعليم بأحوالكم الصالحة فيجازيكم عليها، فيتعلق بالكفاية الممتن بها، الموعود بها.
الالوسي
تفسير : {فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} متعلق بقوله سبحانه: {أية : قُولُواْ ءامَنَّا }تفسير : [البقرة: 136] الخ، أو بقوله عز شأنه: {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ}تفسير : [البقرة: 135] الخ، و ـ إن ـ لمجرد الفرض والكلام من باب الاستدراج وإرخاء العنان مع الخصم حيث يراد تبكيته، وهو مما تتراكض فيه خيول المناظرين ـ فلا بأس بحمل كلام الله تعالى عليه ـ يعني نحن لا نقول: إننا على الحق وأنتم على الباطل، ولكن إن حصلتم شيئاً مساوياً لما نحن عليه مما يجب الإيمان أو التدين به فقد اهتديتم ومقصودنا هدايتكم كيفما كانت، والخصم إذا نظر بعين الإنصاف في هذا الكلام وتفكر فيه علم أن الحق ما عليه المسلمون لا غير، إذ لا مثل لما آمنوا به، وهو ذاته تعالى وكتبه المنزلة على أنبيائه ـ ولا دين كدينهم؛ فـ {ءامَنُواْ} متعدية ـ بالباء ـ و ـ مثل ـ على ظاهرها، وقيل: {ءامَنُواْ} جار مجرى اللازم ـ والباء ـ إما للاستعانة والآلة والمعنى إن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل شهادتكم قولا واعتقاداً {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} أو فإن تحروا ـ الإيمان ـ بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم، فإن وحدة المقصد لا تأبـى تعدد الطرق، كما قيل: الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق، والمقام مقام تعيين الدين الحق لا مقام تعيين شخص الطريق الموصول إليه ليأتي هذا التوجيه، وإما زائدة للتأكيد؛ و {مَا} مصدرية؛ وضمير {بِهِ} لله، أو لقوله سبحانه: {أية : آمنا بِٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 136] الخ بتأويل المذكور، أو للقرآن، أو لمحمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: فإن آمنوا بما ذكر مثل إيمانكم به، وإما للملابسة، أي فآمنوا متلبسين بمثل ما آمنتم متلبسين به، أو فإن آمنوا إيماناً متلبساً بمثل ما آمنتم إيماناً متلبساً به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين الأنبياء عليهم السلام، وقيل: المثل مقحم كما في قوله تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } تفسير : [الأحقاف: 10] أي عليه، ويشهد له قراءة أبيّ {بالذي آمنتم بهِ} وقراءة ابن عباس {بما آمنتم بهِ} وكان رضي الله تعالى عنه يقول: اقرءوا ذلك فليس لله تعالى مثل، ولعل ذلك محمول على التفسير لا على أنه أنكر القراءة/ المتواترة ـ وخفي عليه معناها ـ ومن الناس من قال: يمكن الاستغناء عن جميع ذلك بأن يقال: فإن آمن اليهود بمثل ما آمنتم كمؤمنيهم قبل التحريف، فإنهم آمنوا بمثل ما آمن المؤمنون، فإن فيما أوتي به النبيون في زمن محمد صلى الله عليه وسلم ما أنزل إليه ـ ولم يكن ذلك قبله ـ إلا أن هذا التوجيه يقتضي إبقاء صيغة الماضي على معناها كما في قولهم: إن أكرمتني فقد أكرمتك، فتأمل انتهى. وأنت تعلم أن المؤمن به لا يتصور فيه التعدد وإبقاء الكلام على ظاهره، والاستغناء عن جميع ما ذكر يستدعي وجود ذلك التعدد المحال، فماذا عسى ينفع هذا سوى تكثير القيل والقال، وتوسيع دائرة النزاع والجدال فتدبر. {وَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الإيمان المأمور به، أو عن قولكم في جواب قولهم. {فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ} أي مخالفة لله تعالى ـ قاله ابن عباس ـ أو منازعة ومحاربة ـ قاله ابن زيد ـ أو عداوة ـ قاله الحسن ـ واختلف في اشتقاق ـ الشقاق ـ فقيل: من الشق أي الجانب، وقيل: من المشقة، وقيل: مأخوذ من قولهم: شق العصا إذا أظهر العداوة ـ والتنوين للتفخيم ـ والجملة جواب الشرط إما على أن المراد مشاقتهم الحادثة بعد توليهم عن الإيمان، وأوثرت الاسمية للدلالة على ثباتهم واستقرارهم على ذلك، وإما بتأويل فاعلموا. {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} تسلية له صلى الله عليه وسلم وتفريح للمؤمنين بوعد النصر والغلبة وضمان التأييد والإعزاز على أبلغ وجه للسين الدالة على تحقق الوقوع البتة، أو للتذييل الآتي حيث أن السين في المشهور لا تدل على أكثر من التنفيس عقب ذكر ما يؤدي إلى الجدال والقتال، والمراد سيكفيك كيدهم وشقاقهم لأن الكفاية لا تتعلق بالأعيان بل بالأفعال، وتلوين الخطاب بتجريده للنبـي صلى الله عليه وسلم مع أنه سبحانه أنجز وعده الكريم بما هو كفاية للكل من قتل بني قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير لما أنه صلى الله عليه وسلم الأصل والعمدة في ذلك وهو سلك حبات أفئدة المؤمنين ومطمح نظر كيد الكافرين، وللإيذان بأن القيام بأمور الحروب وتحمل المشاق ومقاساة الشدائد في مناهضة الأعداء من وظائف الرؤساء فنعمته تعالى في الكفاية والنصرة في حقه أتم وأكمل. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} تذييل لما سبق الوعد وتأكيد له أي: هو السميع لما تدعو به العليم بما في نيتك من إظهار دينه فيستجيب لك ويوصلك إلى مرادك أو وعيد للكفرة بمعنى ـ يسمع ـ ما يبدون ـ ويعلم ـ ما يخفون مما لا خير فيه وهو معاقبهم عليه، وفيه أيضاً تأكيد الوعد السابق فإن وعيد الكفرة وعد للمؤمنين.
ابن عاشور
تفسير : كلام معترض بين قوله: {أية : قولوا آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 136] وقوله: {أية : صبغة الله}تفسير : [البقرة: 138] والفاء للتفريع ودخول الفاء في الاعتراض وارد في الكلام كثيراً وإن تردد فيه بعض النحاة والتفريع على قوله: {قولوا آمنا بالله} والمراد من القول أن يكون إعلاناً أي أعلنوا دينكم واجهروا بالدعوة إليه فإن اتبعكم الذين قالوا: {أية : كونوا هوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 135] فإيمانهم اهتداء وليسوا قبل ذلك على هدى خلافاً لزعمهم أنهم عليه من قولهم: {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} فدل مفهوم الشرط على أنهم ليسوا على هدى ما داموا غير مؤمنين بالإسلام. وجاء الشرط هنا بحرف (إن) المفيدة للشك في حصول شرطها إيذاناً بأن إيمانهم غير مرجو. والباء في قوله: {بمثل ما آمنتم به} للملابسة وليست للتعدية أي إيماناً مماثلاً لإيمانكم، فالمماثلة بمعنى المساواة في العقيدة والمشابهة فيها باعتبار أصحاب العقيدة وليست مشابهة معتبراً فيها تعدد الأديان لأن ذلك ينبو عنه السياق، وقيل لفظ مثل زائد، وقيل الباء للآلة والاستعانة، وقيل: الباء زائدة، وكلها وجوه متكلفة. وقوله: {وإن تولوا فإنما هم في شقاق} أي فقد تبين أنهم ليسوا طالبي هدى ولا حق إذ لا أبين من دعوتكم إياهم ولا إنصاف أظهر من هذه الحجة. والشقاق شدة المخالفة، مشتق من الشق بفتح الشين وهو الفلق وتفريق الجسم، وجيء بفي للدلالة على تمكن الشقاق منهم حتى كأنه ظرف محيط بهم. والإتيان بإن هنا مع أن توليهم هو المظنون بهم لمجرد المشاكلة لقوله: {فإن آمنوا}. وفرع قوله: {سيكفيكهم الله} على قوله: {فإنما هم في شقاق} تثبيتاً للنبي صلى الله عليه وسلم لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم. والسين حرف يمحض المضارع للاستقبال فهو مختص بالدخول على المضارع وهو كحرف سوف والأصح أنه لا فرق بينهما في سوى زمان الاستقبال. وقيل إن سوف أوسع مدى واشتهر هذا عند الجماهير فصاروا يقولون سوّفه إذا ماطل الوفاء بالآخر، وأحسب أنه لا محيص من التفرقة بين السين وسوف في الاستقبال ليكون لموقع أحدهما دون الآخر في الكلام البليغ خصوصية ثم إن كليهما إذا جاء في سياق الوعد أفاد تخفيف الوعد ومنه قوله تعالى: {أية : قال سأستغفر لك ربي}تفسير : [مريم: 47] فالسين هنا لتحقيق وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيه سوء شقاقهم. ومعنى كفايتهم كفاية شرهم وشقاقهم فإنهم كانوا أهل تعصب لدينهم وكانوا معتضدين بأتباع وأنصار وخاصة النصارى منهم، وكفاية النبي كفاية لأمته لأنه ما جاء لشيء ينفع ذاته. {وهو السميع العليم} أي السميع لأذاهم بالقول العليم بضمائرهم أي اطمئن بأن الله كافيك ما تتوجس من شرهم وأذاهم بكثرتهم، وفي قوله: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} وعد ووعيد.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {آمَنْتُمْ بِهِ} (137) - فَإِن آمَنَ الكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ يَا أَيُّها المُؤْمِنُونَ، أي بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ، وَبِجَمِيعِ رُسُلِهِ، وَلَم يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَقَدِ اهْتَدَوْا لِلْحَقِّ، وَإِنْ تَوَلَّوْا عَنِ الحَقِّ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَيهِمْ، وَاتَّبَعُوا البَاطِلَ، فَإِنَّهُمْ مُشَاقُّونَ مُخَالِفُونَ، وَسَيَنْصُرُكَ اللهُ عَلَيهِمْ يَا مُحَمَّدُ، وَيُظْفِرُكَ بِهِمْ، وَهُوَ الذِي يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ وَيَعْلَمُ مَا يُدَبِّرُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نقول إن السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لهذه الآية .. هل لِما آمنا به مثل حتى يؤمنوا به؟ إنك لكي تؤمن لابد أن تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله .. فهل إذا قالها أحد بعدك يكون قال ما قلته أم مثل ما قلته؟ يكون قال مثل ما قلت. أي إنني حين أعلن إيماني وآخذ الشهادة التي قلتها أنت أكون قد قلت مثلها لأن ما نطقت به لا يفارقك أنت .. ولكني إذا صنعت شيئاً وقلت لغيري اصنع مثله، هو سيصنع شيئاً جديداً ولن يصنع ما صنعته أنا. نفس الشيء حين تقول لي: تصدق بمثل ما تصدق به فلان .. لن تكون الصدقة هي نفس المال بل تكون مثله. نقول لمن يردد هذا الكلام: إنك لم تفهم المعنى إيمانهم أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإيمان غيرهم أن يقولوا مثل هذه العبارة أي أن يعلنوا إيمانهم مثلنا بالله ورسوله .. فالمثل هنا يرتبط بالشهادة وكل من آمن بالإسلام نطق بالشهادتين مثل من سبقوه في الإيمان. فالمثلية هنا في العبارة وإيمانهم هو أن يقولوا مثل ما قلنا. يقول الحق تبارك وتعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} [البقرة: 137] أي اهتدوا إلى الحق .. {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137] وتولوا يعني أعرضوا. وشقاق يعني خلافاً معكم وخلافاً مع بعضهم البعض؛ فلكل منهم وجهة نظر يدعيها، وهداية اخترعها .. حتى إذا التقوا في الكفر فلن يلتقوا في أسباب الكفر كل واحد اتخذ سبباً ولذلك اختلفوا .. والشقاق من المشقة والنزاع والمشاجرة، والشق هو الفرقة بين شيئين. وقوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 137] أي لا تلتفت إلى معاركهم ولا إلى حوارهم فالله يكفيك بكل الوسائل عمن سواه واقرأ قوله سبحانه: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْـلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ} تفسير : [الزمر: 36]. الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا حاول اليهود والنصارى والمنافقون أن يكيدوا لك ويؤذوك والمؤمنين، فالله سبحانه وتعالى يكفيك لأنه عليم سميع بصير لا يخفى عليه شيء .. ولقد حاول اليهود قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة وحاولوا إيذاءه بالسحر فأبطل الله كيدهم وأظهر ما خفي منه وأطلع رسوله عليه .. فمهما استخدموا من وسائل ظاهرة أو خفية فسيكفيك الله شرها ولذلك قال تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 137] .. أي سميع بما يقال، عليم بما يدبرونه. بل يعلم ما في صدورهم قبل أن ينطقوا به .. فلا تعتقد أن شيئاً يفوت على الله سبحانه أو يفلت منه. إن كل حركة قبل أن تحدث يعلمها سبحانه، وكل كيد قبل أن يتم هو محبطه. فإذا كان الله سبحانه وتعالى معك فماذا تخشى؟ وممن تخاف؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يصل إليك؟. وأنت معك خالق هذا الكون ومدبره الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض .. عليم بكل ما سيحدث حتى يوم القيامة وبعد يوم القيامة .. وما دام معك القوي الذي لا يضعف أبداً والحي الذي لا يموت أبداً والعليم بكل شيء فلا تخشى أحداً لأنك في أمان الله سبحانه.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} معناهُ فِي عَداوةٍ وَحربٍ.
الأندلسي
تفسير : {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} أي بمثل إيمانكم. وما: مصدرية. وبه: بدل من بمثل يفيد التوكيد. {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن الإِيمان. {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} صار الشقاق ظرفاً لهم وهم مظروفون فيه مبالغة وإن كانت إنما للحصر فذلك أبلغ. والشقاق الخلاف والعداوة والمنازعة وهذا وعيد لهم. {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} أي يكفيك من شقاقهم وعداوتم بما حل بهم من القتل والسبي والنفي والجزية وتفريق كلمتهم. {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} لأقوالهم. {ٱلْعَلِيمُ} بنياتهم. {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} أي دين الله وكن عن الدين بالصبغة لظهور أثره على صاحبه ولزومه كظهور أثر الصبغ في الثوب ولزومه وانتصب انتصاب المصدر المؤكد لمضمون الجملة من قوله: قولوا آمنا، أي صبغنا الله بالإِيمان صبغته. {وَمَنْ أَحْسَنُ} استفهام. معناه: النفي أي لا أحد أحسن. {مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} والتفصيل هنا باعتبار من يظن أن في صبغة غير الله حسناً وصبغة تمييز منقول من المبتدأ نحو زيد أحسن من عمرو وجها والتقدير ومن صبغته أحسن من صبغة الله كما يقدر وجه زيد أحسن من وجه عمرو وقل ما ذكر النحاة هذا التمييز المنقول من المبتدأ روي أن اليهود والنصارى حاجوا المسلمين. فقالوا: كان الأنبياء منا وعلى ديننا ونحن أبناء الله وأحباؤه وأهل الكتاب الأول وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ولو كان نبياً لكان منا فنزلت. وقرىء {أَتُحَآجُّونَنَا} بنونين وبإِدغام نون الرفع في نون الضمير. والهمزة: للاستفهام ومعناه الانكار. {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} جملة حالية أي كلنا مربوبون له تعالى فلا محاجة فيما شاء من أفعاله واختصاص بعض المربوبين بما خصه من الشرف والزلفى وهو المجازي على الأعمال. {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي العمل لا نبتغي به غير وجهه تعالى وفيه تعريض لليهود والنصارى بالشرك الذي هم عليه.
الجيلاني
تفسير : {فَإِنْ آمَنُواْ} بعدما سمعوا منكم هذه الأقوال {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} بعد سماعكم طريق الإيمان من رسولكم {فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} إلى طريق التوحيد كما اهتديتم {وَّإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن أقوالكم لهم تذكيراً وعظة {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} أي: ما هم إلا في خلافهم وشقاقهم الأصلية وعداوتهم الجلية {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} المحيط بكم وبهم، المطلع على سرائرهم وضمائرهم مؤنة خلوفهم وشقاقهم {وَ} لا تشكو في كفايته؛ إذ هُوَ ٱلسَّمِيعُ{} لأقوالهم الكاذبة {ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 137] بكفرهم ونفاقهم الكامنة في قلوبهم. ثم قولوا لهم بعدما أظهروا الخلاف والشقاق: ما جئتنا به عن التوحيد الحاصل من متابعة الملة الحنيفية {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} المحيط بنا، صبغ بها قلوبنا؛ لنتهدي إلى صفاء تجريده وزلال تفريده {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} حتى نتبعه؛ إلا ذ وجود لغيره {وَ} إذ لم يكن للغير وجود {نَحْنُ لَهُ} لا لغيره {عَابِدونَ} [البقرة: 138] عائدون راجعون رجوع الظل إلى ذي ظل، والصور المرئية في المرآة إلى الرائي. ثم لما طال نزاع أحبار اليهود مع المؤمنين ومجادلتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أمر سبحانه لحبيبه بأن يتكلم بكلام ناشئ عن لب الحكمة، فقال: {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل كلاماً دالاً على توحيد الذات، مسقطاً لجميع الإضافات {أَتُحَآجُّونَنَا} وتجادلوننا {فِي اللَّهِ} المظهر للكل من كتم العدم، بإشراق تجليات أوصافه فيه، ورش من نوره عليه {وَ} الحال أنه ليس له اختصاص ببعض دون بعض بل {هُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} بإظهار ذواتنا وذواتكم من العدم، {وَ} بعد إظهاره إيانا {لَنَآ أَعْمَالُنَا} صالحها وفاسدها {وَلَكُمْ} أيضاً {أَعْمَالُكُمْ} الصالحة والفاسدة، لا تسري منكم إلينا ولا منا إليكم {وَنَحْنُ} المتبعون لملة إبراهيم {لَهُ} أي: لله المظهر الظاهر بجميع الأوصاف والأسماء لا لغيره من الأظلال {مُخْلِصُونَ} [البقرة: 139] متوجهون على وجه الإخلاص المنبئ عن المحبة المؤدية إلى الفناء في ذاته. جعلنا الله من خدام أحبائه المخلصين. أيسلم اليهود والنصارى ويذعنون بعدما أوضحنا لهم أنا على ملة إبراهيم دونهم؟ {أَمْ} تعاندون {تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تابعين لملتنا فإن كابروا وعاندوا وقالوا مثل هذا {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل مستفهماً مستوبخاً على وجه التنبيه: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} بحالهم {أَمِ ٱللَّهُ}؟ النافي عنهم اليهودية والنصرانية بقوله: {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً}تفسير : [آل عمران: 67] مائلاً منهما، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون {وَ} بعد ما ظهر عندهم حقية دين نبينا صلى الله عليه وسلم، وتحقق موافقة ملة أبيه إبراهيم بشهادة كتبهم ورسلهم {مَنْ أَظْلَمُ} على الله {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً} ثابتة في كتب الله التي صحت {عِندَهُ} أنها منزلة {مِنَ ٱللَّهِ} المنزل للرسل والكتب، مصدقاً بعضها بعضاً كتماناً ناشئاً عن محض العداوة والشقاق بعد جزمهم حقيتها ومع ذلك يتوهمون كتمانها من الله أيضاً {وَمَا ٱللَّهُ} المحيط بمخايلهم {بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] من الكتمان والنفاق حفظاً لجاههم وجاه آبائهم. قل لمن تبعك يا أكمل الرسل تذكيراً لهم وتحذيراً: {تِلْكَ أُمَّةٌ} صالحة أو طالحة {قَدْ خَلَتْ} مضت {لَهَا} في النشأة الأخرى جزاء {مَا كَسَبَتْ} من الحسنات والسيئات في النشأة الأولى {وَلَكُمْ} فيها جزاء {مَّا كَسَبْتُمْ} فيها {وَلاَ تُسْأَلُونَ} أنتم في يوم الجزاء {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141] من الصالحات والفاسدات كما لا يسألون عن أعمالكم بل كل مجزي بصنيعه، مقتضٍ ببضاعته. نعوذ بفضلك من عذابك يا دليل المتحيرين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {فَإِنْ آمَنُواْ} [البقرة: 137] يعني يهود الشيطان كما أسلم شيطان محمد صلى الله عليه وسلم ونصارى الهوى {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ} [البقرة: 137]، فإن الشيطان إذا آمن يكون للسالك بمثابة جبريل عليه السلام فيعرج به إلى سدرة المنتهى، وهي أعلى المراتب الروحانية فلا يستبعد هذا من الشيطان فإنه جبريل الأصل فبالإباء والاستكبار صار شيطاناً رجما، فإن أسلم وترك الإباء وسجد لآدم الروح، فرجع إلى أصل خلقته، ونصارى الهوى إذا رجما، فإن آمنت تكون المحبة والشوق والعشق وتكون للسالك بمثابة الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم فيها يصل السالك إلى الحق ويعرج من سدرة المنتهى. ولهذا قال بعض المشايخ: لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً على الله تعالى {وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137]، يعني العداوة والمخالفة من شر الشيطان والهوى {فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 137]، يا سالك شرهما وشرك من هو من قبليهما فلا تلتفت إليهم {وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ} [البقرة: 137]، بمقالاتكم {ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 137]، بحالاتكم ومعاملاتكم. ثم أخبر أن معالجة المؤمن بصبغة الله لا يغيرها بقوله تعالى: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} [البقرة: 138]، إلى قوله تعالى: {مُخْلِصُونَ} [البقرة: 139] والإشارة فيها أنه كما أن للكفر صبغة فللدين صبغة، وصبغة الدين هي صبغة الله فليس العبرة فيما يتكلفه الخلق، وإنما العبرة فيما يتصرفه الحق، فنصيب الأشباح من صبغة الله توفيق القيام بالأحكام وحظ القلوب تصديق المعارف بالعوارف في كفل الأرواح منها شهود الأنوار وكشوف الأسرار، وحق الأسرار منها فناء ليكون من صبغة الخلق بقاء التمكن في صبغة الله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} فإنها أزلية أبدية لا تغير فيها {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة: 138]، يعني لصبغة أحكام أزلته منقادون بصبغة أنوار أبديته مكاشفون {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} [البقرة: 139]، وأنتم بحجب الخلقية وأستار أوصاف البشرية تحتجبون. {وَهُوَ رَبُّنَا} [البقرة: 139]، يربينا بحجر العناية بألبان الهداية {وَرَبُّكُمْ} [البقرة: 139]، يريبكم بألبان الخذلان في حجر الكفر والعصيان من إغواء الشيطان {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا} [البقرة: 139]، مثمرة القبول والنجاة {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} [البقرة: 139]، مثمرة الرد والهلاك لأنه {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} [البقرة: 139]، لا غيره وأنتم مخلصون لغيره لا له، وما أمرنا نحن ولا أنتم إلا أن نعبد الله مخلصين لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}تفسير : [البينة: 5]. ثم أخبر عن إقرارهم وكتمان شهادتهم بقوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ} [البقرة: 140]، والإشارة فيها أن للنفس والشيطان تسويلات سولت لهم أنفسهم، فمنها: تخليهم أن إبراهيم الروح وأتباعه كانوا لركونهم إلى شيء من الدنيا وزينتها وشهوات النفس وهواها على ملة يهودية الشيطان ونصرانية النفس والهوى {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} [البقرة: 140]، بأحوال الروح وأتباعه {أَمِ ٱللَّهُ} [البقرة: 140]، الذي خلقهم وركب فيهم خاصية تنافي جبلة النفس والشيطان، وأما الروح وأتباعه فيتصرفون في الدنيا وزينتها والشهوات النفسانية ولذاتها عند بلوغهم حدود الرجال البالغين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله بقوة ربانية وبصيرة روحانية لا بشهوة حيوانية واستيفاء لذلة نفسانية {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ}تفسير : [الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممداً في العبودية ومجداً في طريق الربوبية. كما قال تعالى: {أية : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ}تفسير : [الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلماً وعدواناً كقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140]، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد. ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} [البقرة: 141]، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنت أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعداً وسحقاً لكم، ولما طلبتم فتلك {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 141]، و{وَلاَ تُسْأَلُونَ} [البقرة: 141]، كل فرقة منكم {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141]، فرقة أخرى كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأنعام: 164]. ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142]، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح. وقال تعالى: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} [البقرة: 142]، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله {يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 142]، من أوليائه وأحبائه {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]، لقائه بآلائه ونعمائه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: فإن آمن أهل الكتاب { بمثل ما آمنتم به } - يا معشر المؤمنين - من جميع الرسل، وجميع الكتب، الذين أول من دخل فيهم، وأولى خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وأسلموا لله وحده، ولم يفرقوا بين أحد من رسل الله { فَقَدِ اهْتَدَوْا } للصراط المستقيم، الموصل لجنات النعيم، أي: فلا سبيل لهم إلى الهداية، إلا بهذا الإيمان، لا كما زعموا بقولهم: "كونوا هودا أو نصارى تهتدوا "فزعموا أن الهداية خاصة بما كانوا عليه، و "الهدى "هو العلم بالحق، والعمل به، وضده الضلال عن العلم والضلال عن العمل بعد العلم، وهو الشقاق الذي كانوا عليه، لما تولوا وأعرضوا، فالمشاق: هو الذي يكون في شق والله ورسوله في شق، ويلزم من المشاقة المحادة، والعداوة البليغة، التي من لوازمها، بذل ما يقدرون عليه من أذية الرسول، فلهذا وعد الله رسوله، أن يكفيه إياهم، لأنه السميع لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم، بالغيب والشهادة، بالظواهر والبواطن، فإذا كان كذلك، كفاك الله شرهم. وقد أنجز الله لرسوله وعده، وسلطه عليهم حتى قتل بعضهم، وسبى بعضهم، وأجلى بعضهم، وشردهم كل مشرد. ففيه معجزة من معجزات القرآن، وهو الإخبار بالشيء قبل وقوعه، فوقع طبق ما أخبر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):