٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
138
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الجواب الثاني وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين ذكر بعده ما يدل على أن دلائل هذا الدين واضحة جلية فقال: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: الصبغ ما يلون به الثياب ويقال: صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغاً بفتح الصاد وكسرها لغتان. (والصبغة) فعلة من صبغ كالجلسة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال. الأول: أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوهً. أحدها: أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال: الآن صار نصرانياً. فقال الله تعالى: اطلبوا صبغة الله وهي الدين، والإسلام لا صبغتهم، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم: اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً مواظباً على الكرم، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ * ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 14، 15]، {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } تفسير : [النساء: 142]، {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 54]، {أية : وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]، {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } تفسير : [هود: 38]. وثانيها: اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم، عن قتادة قال ابن الأنباري: يقال: فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثواب وأنشد ثعلب:شعر : دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ تفسير : وثالثها: سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة، قال الله تعالى: {أية : سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ } تفسير : [الفتح: 29]. ورابعها: قال القاضي قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } متعلق بقوله: {أية : قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 136] إلى قوله: {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 46] فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم. القول الثاني: أن صبغة الله فطرته وهو كقوله: {أية : فِطْرَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ } تفسير : [الروم: 30] ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة. قال القاضي: من حمل قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } على الفطرة فهو مقارب في المعنى، لقول من يقول: هو دين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع، وهو الدين أيضاً، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله {قُولُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ } فكأنه تعالى قال في ذلك: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر ديناً ودنيا كظهور حسن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول: إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى في صبغ يستعملونه في أولادهم معنى، لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه فلا فائدة فيه ولنذكر الآن بقية أقوال المفسرين: القول الثالث: أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم فكذلك الختان تطهير للمسلمين عن أبي العالية. القول الرابع: إنه حجة الله، عن الأصم، وقيل: إنه سنة الله، عن أبي عبيدة، والقول الجيد هو الأول، والله أعلم. المسألة الثانية: في نصب صبغة أقوال. أحدها: أنه بدل من ملة وتفسير لها. الثاني: اتبعوا صبغة الله. الثالث: قال سيبويه: إنه مصدر مؤكد فينتصب عن قوله: {آمنا بِٱللَّهِ } كما انتصب وعد الله عما تقدمه. أما قوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً } فالمراد أنه يصبغ عباده بالإيمان ويطهرهم به من أوساخ الكفر، فلا صبغة أحسن من صبغته. أما قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدونَ } فقال صاحب «الكشاف»: إنه عطف على: {آمنا بِٱللَّهِ } وهذا يرد قول من يزعم أن صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} قال الأخفش وغيره: دين الله؛ وهو بدل من «ملّة». وقال الكسائي: وهي منصوبة على تقدير ٱتبعوا. أو على الإغراء أي ٱلزموا. ولو قُرئت بالرفع لجاز؛ أي هي صبغة الله. وروى شَيبان عن قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءهم يهودا، وإن النصارى تصبغ أبناءهم نصارى؛ وإن صبغة الله الإسلامُ. قال الزجاج: ويدلُّك على هذا أن {صِبْغَة} بدل من {مِّلَّةِ}. وقال مجاهد: أي فطرة الله التي فطر الناس عليها. قال أبو إسحٰق الزجاج: وقول مجاهد هذا يرجع إلى الإسلام؛ لأن الفطرة ٱبتداء الخلق، وٱبتداء ما خُلقوا عليه الإسلام. وروي عن مجاهد والحسن وأبي العالية وقتادة: الصّبغة الدِّين. وأصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمُّونه المعمودِيّة، ويقولون: هذا تطهير لهم. وقال ٱبن عباس: هو أن النصارى كانوا إذا وُلد لهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له ماء المعمودِيّة، فصبغوه بذلك ليطهّروه به مكان الخِتان؛ لأن الختان تطهير، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًّا حقًّا؛ فردّ الله تعالى ذلك عليهم بأن قال: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} أي صبغة الله أحسن صِبغة وهي الإسلام؛ فسُمِّيَ الدِّين صبغة ٱستعارة ومجازاً من حيث تظهر أعماله وسِمَته على المتديِّن، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. وقال بعض شعراء ملوك هَمْدان:شعر : وكلُّ أُناسٍ لهم صِبْغَةٌ وصبغةُ هَمْدان خير الصِّبَغْ صَبَغنا على ذاك أبناءَنا فأكْرِم بِصبغتنا في الصِّبغْ تفسير : وقيل: إن الصّبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام، بدلاً من معمودية النصارى؛ ذكره الماوردي. قلت: وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجباً تعبُّداً، وهي المسألة: الثانية: لأن معنى «صبغةَ الله» غُسل الله؛ أي ٱغتسلوا عند إسلامكم الغسل الذي أوجبه الله عليكم. وبهذا المعنى جاءت السُّنة الثابتة في قيس بن عاصم وثُمَامة بن أثَال حين أسلما. روى أبو حاتم البُسْتي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: «حديث : أن ثُمَامة الحنفي أُسِر فمرّ به النبيّ صلى الله عليه وسلم يوماً فأسلم؛ فبعث به إلى حائط أبي طَلْحة فأمره أن يغتسل فٱغتسل وصلّى ركعتين؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حَسُنَ إسلامُ صاحبكم»»تفسير : . وخرّج أيضاً: عن قيس بن عاصم أنه أسلم، فأمره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسِدْر. ذكره النسائي وصحّحه أبو محمد عبد الحق. وقيل: إن القُرْبة إلى الله تعالى يقال لها صِبْغة؛ حكاه ٱبن فارس في المُجْمَل. وقال الجوهري: «صبغة الله» دينه. وقيل: إن الصّبغة الخِتان، ٱختتن إبراهيم فجرت الصبغة على الختان لصبغهم الغلمان في الماء؛ قاله الفَرّاء. {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} ابتداء وخبر.
البيضاوي
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} أي صبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ، أو هدانا الله هدايته وأرشدنا حجته، أو طهر قلوبنا بالإِيمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب، أو للمشاكلة، فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون: هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله {آمنا}، وقيل: على الإغراء، وقيل: على البدل من ملة إبراهيم عليه السلام. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} لا صبغة أحسن من صبغته {وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدونَ} تعريض بهم، أي لا نشرك به كشرككم. وهو عطف على آمنا، وذلك يقتضي دخول قوله {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} في مفعول {قُولُواْ } ولمن ينصبها على الإغراء، أو البدل أن يضمر قولوا معطوفاً على الزموا، أو اتبعوا ملة إبراهيم و {قُولُواْ ءامَنَّا} بدل اتبعوا، حتى لا يلزم فك النظم وسوء الترتيب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } مصدر مؤكد لـ(آمنا) ونصبه بفعل مقدر أي صبغنا الله، والمراد بها دينه الذي فطر الناس عليه لظهور أثره على صاحبه كالصبغ في الثوب {وَمَنْ } أي لا أحد {أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً } تمييز {وَنَحْنُ لَهُ عَٰبِدونَ } قال اليهود للمسلمين نحن أهل الكتاب الأول وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ولو كان محمد نبياً، لكان منا فنزل:
ابن عبد السلام
تفسير : {صِبْغَةَ اللَّهِ} دين الله لظهوره كظهور الصبغ على الثوب، وكانت النصارى يصبغون أولادهم في مائهم تطهيراً لهم كالختان، فرد الله ـ تعالى ـ عليهم بأن الإسلام أحسن، أو صبغة الله ـ تعالى ـ خلقة الله لإحداثها كحدوث اللون على الثوب.
النسفي
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ } دين الله وهو مصدر مؤكد منتصب عن قوله: «آمنا بالله». وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس. والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون هو تطهير لهم فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال الآن صار نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: آمنا بالله وصبغنا الله بالإيمان صبغته ولم نصبغ صبغتكم. وجيء بلفظ الصبغة للمشاكلة كقولك لمن يغرس الأشجار إغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرم. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً } تمييز أي لا صبغة أحسن من صبغته يريد الدين أو التطهير. {وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدونَ } عطف على «آمنا بالله» وهذا العطف يدل على أن قوله: «صبغة الله» داخل في مفعول «قولوا آمنا» أي قولوا هذا وهذا «ونحن له عابدون» ويردّ قول من زعم أن صبغة الله بدل من «ملة إبراهيم» أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه. وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول ما قالت حذام. {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ } أي أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم وتقولون لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } نشرك جميعاً في أننا عباده وهو ربنا وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده {وَلَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } يعني أن العمل هو أساس الأمر وكما أن لكم أعمالاً فلنا كذلك {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } أي نحن له موحدون نخصه بالإيمان وأنتم به مشركون، والمخلص أحرى بالكرامة وأولى بالنبوة من غيره. {أَمْ تَقُولُونَ } بالتاء شامي وكوفي غير أبي بكر. و«أم» على هذا معادلة للهمزة في «أتحاجوننا» يعني أي الأمرين تأتون: المحاجة في حكم الله أم إدعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ أو منقطعة أي بل أتقولون. «يقولون»: غيرهم بالياء، وعلى هذا لا تكون الهمزة إلا منقطعة. {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ } ثم أمر نبيه عليه السلام أن يقول مستفهماً راداً عليهم بقوله: {قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: {أية : مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن حَنِيفًا مُّسْلِمًا }تفسير : [آل عمران: 67]. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ } أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية. والمعنى أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها، أو أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها. وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه السلام بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته. و«من» في قوله «من الله» مثلها في قولك «هذه شهادة مني لفلان» إذا شهدت له في أنها صفة لها. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } من تكذيب الرسل وكتمان الشهادة. {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْـئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } كررت للتأكيد أو لأن المراد بالأول الأنبياء عليهم السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى. {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء مِنَ ٱلنَّاسِ } الخفاف الأحلام فأصل السفه الخفة، وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ، أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء، أو المشركون لقولهم «رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم». وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم فقبل الرمي يراش السهم. {مَا وَلَّـٰهُمْ } ما صرفهم {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } يعنون بيت المقدس. والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها له {يَهْدِى مَن يَشَآءُ} من أهلها {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } طريق مستوٍ. أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه إليها، أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة إلى الكعبة وطوراً إلى بيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده. {وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ } ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم فالكاف للتشبيه و «ذا» جر بالكاف واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة إلى البعيد والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب. {أُمَّةً وَسَطًا } خياراً. وقيل: للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم، أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض. أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا {لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ} غير منصرف لمكان ألف التأنيث {عَلَى ٱلنَّاسِ } صلة شهداء {وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } عطف على «لتكونوا». روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد عليه السلام فيشهدون فتقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عليه السلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم. والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة. ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى: {أية : كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } تفسير : [المائدة: 17]. وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم. واستدل الشيخ أبو منصور رحمه الله بالآية على أن الإجماع حجة لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة، والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله. وأخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم. {وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَا } أي وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثاني مفعولي جعل. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود ثم حول إلى الكعبة. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ } أي وما جـعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أولاً بمكة إلا امتحاناً للناس وابتلاء لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقه يرجع فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله: معنى قوله «لنعلم» أي لنعلم كائناً أو موجوداً ما قد علمناه أنه يكون ويوجد، فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجوداً، فإذا صار موجوداً يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوماً له موجوداً كائناً، والتغير على المعلوم لا على العلم. أو لنميز التابع من الناكص كما قال تعالى: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيّبِ } تفسير : [الأنفال: 37] فوضع العلم موضع التمييز لأن العلم به يقع التمييز، أو ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب «فلنلقه في النار لنعلم أيذوب». {وَإِن كَانَتْ } أي التحويلة أو الجعلة أو القبلة. و«إن» هي المخففة، واللام في {لَكَبِيرَةً} أي ثقيلة شاقة وهي خبر «كان» واللام فارقة {إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ } أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } أي صلاتكم إلى بيت المقدس؛ سمى الصلاة إيماناً لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها في الجماعة دليل الإيمان. ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت. ثم علل ذلك فقال {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَؤُوفٌ } مهموز مشبع: حجازي وشامي وحفص. «رؤوف» غيرهم بوزن «فَعُل» وهما للمبالغة. {رَّحِيمٌ } لا يضيع أجورهم، والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {صبغة الله} قال ابن عباس: دين الله وإنما سماه الله صبغة لأن أثر الدين يظهر على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب وقيل: فطرة الله وقيل: سنة الله وقيل: أراد به الختان لأنه يصبغ المختتن بالدم قال ابن عباس: إن النصارى إذا ولد لأحدهم مولود وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يسمونه ماء المعمودية وصبغوه به ليطهروه به مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك به قالوا الآن صار نصرانياً حقاً، فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما تفعله النصارى {ومن أحسن من الله صبغة} أي ديناً وقيل تطهيراً لأنه يطهر من أوساخ الكفر {ونحن له عابدون} أي مطيعون {قل} يعني يا محمد لليهود والنصارى الذين قالوا إن دينهم خير من دينكم وأمروكم باتباعهم {أتحاجوننا في الله} أي أتخاصموننا وتجادلوننا في دين الله الذي أمرنا أن نتدين به والمحاجة المجادلة لإظهار الحجة، وذلك أنهم قالوا: إن ديننا أقدم من دينكم وإن الأنبياء منا وعلى ديننا فنحن أولى بالله منكم، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا لهم: أتحاجوننا في الله {وهو ربنا وربكم} أي ونحن وأنتم في الله سواء فإنه ربنا وربكم {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} يعني أن لكل أحد جزاء عمله {ونحن له مخلصون} أي مخلصو الطاعة والعبادة له وفيه توبيخ لليهود والنصارى والمعنى وأنتم به مشركون. والأخلاص أن يخلص العبد دينه، وعمله لله تعالى فلا يشرك في دينه ولا يرائي بعمله، قال الفضيل بن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما وهذا الآية منسوخة بآية السيف. قوله عز وجل: {أم تقولون} يعني اليهود والنصارى وهو استفهام ومعناه التوبيخ {إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى} يعني أتزعمون أن إبراهيم وبنيه كانوا على دينكم وملتكم وإنما حدثت اليهودية والنصرانية بعدهم فثبت كذبكم يا معشر اليهود والنصارى على إبراهيم وبنيه {قل} يا محمد {أأنتم أعلم} يعني بدينهم {أم الله} أي الله أعلم بذلك. وقد أخبر أن إبراهيم وبنيه لم يكونوا على اليهودية والنصرانية ولكن كانوا مسلمين حنفاء {ومن أظلم ممن كتم} يعني أخفى {شهادة عنده من الله} وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين وأن محمداً أحق بنعته وصفته وجدوا ذلك في كتبهم وكتموه وجحدوه، والمعنى ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فكتمها وأخفاها {وما الله بغافل عما تعملون} يعني من كتمانكم الحق فيما ألزمكم به في كتابه من أن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين حنفاء. وأن الدين هو الإسلام لا اليهودية والنصرانية، والمعنى وما الله غافل عن عملكم بل هو محصيه عليكم ثم يعاقبكم عليه في الآخرة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً...} قال ابن عرفة: هذا في معنى: الله أحسن صبغة من غيره مثل: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} تفسير : أي الله من أصدق من غيره. قال: وهذا التركيب يرد على وجهين تقول: زيد أحسن القوم، وتقول: لا أحسن من زيد في قومه، فيقتضي الأول نفي الأعلى والمساوي (ويقتضي) الثاني نفي الأعلى فقط. قال الزمخشري: وانتصاب "صِبْغَةً" على أنّه مصدر مؤكد وهو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حذام. قيل لابن عرفة: هذا هو معرفة الحق بالرجال؟ فقال: نعم الذين لا يعرف الحق إلا منهم، وهذا صواب. انتهى. قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} راجع للعمل {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} تفسير : للإيمان الاعتقادي التوحيدي فتضمنت الآية العلم والعمل.
ابن عادل
تفسير : قرأ الجمهور "صبغة" بالنصب. وقال الطبري رحمه الله: من قرأ: "ملّةُ إبراهيم" بالرفع قرأ "صبغة" بالرفع وقد تقدم أنها قراءة ابن هرمز، وابن أبي عبلة. فأما قراءة الجمهور ففيها أربعة أوجه: أحدها: أن انتصابها انتصاب المصدر المؤكد، وهذا اختاره الزمخشري، وقال: "هو الذي ذكره سيبويه، والقول ما قالت حَذَام" انتهى قوله. واختلف حينئذ عن ماذا انْتَصَبَ هذا المصدر؟ فقيل: عن قوله: "قولوا: آمنا". وقيل عن قوله: {ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. وقيل: عن قوله: "فَقَد اهْتَدُوا". الثاني: أن انتصابها على الإغراء أي: الزموا صبغة الله. وقال أبو حيان وهذا ينافره آخر الآية، وهو قوله: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [فإنه خبر والأمر ينافي الخبر] إلا أن يقدر هنا قول، وهو تقدير لا حاجة إليه، ولا دليل من الكلام عليه. الثالث: أنها بدل من "ملة" وهذا ضعيف؛ إذ قد وقع الفصل بينهما بجمل كثيرة. الرابع: انتصابها بإضمار فعل أي: اتبعوا صِبْغَةَ الله، ذكر ذلك أبو البقاء مع وجه الإغراء، وهو في الحقيقة ليس زائداً فإنَّ الإغراء أيضاً هو نصب بإضمار فعل. قال الزمخشري رحمه الله: هي ـ أي الصبغة ـ من "صَبَغَ" كالجِلْسَة من "جَلَس"، وهي الحالة التي يقع عليها الصَّبْغُ، والمعنى: تطهير الله؛ لأن الإيمان يطهر النُّفُوس. فصل في الكلام على الصّبغ الصّبغ ما يلون به الثياب ويقال: صبغ الثوب يصبغُهُ بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغاً بفتح الصاد وكسرها. و "الصِّبْغة" فعلة من صبغ كالجِلْسَة من جلس، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ. ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال: الأول: أنه دين الله، وذكروا في تسمية دين الله بالصبغة وجوهاً. أحدها: أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون: هو تطهير لهم. وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال: الآن صار نصرانياً فأمر المسملون أن يقولوا: آمنا وصبغنا الله صِبْغة لا مثل صِبْغتكم، وإنما جيء بلفظ الصِّبغة على طريق المُشَاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار: [اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلاً يصطنع الكرم. والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المُشَاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم]: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلاً مواظباً على الكرم. ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة:14ـ15]، {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء:142]، {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران:54]، {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40]، {أية : إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ}تفسير : [هود:38]. وثانيها: اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم، فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قُلُوبهم. عن قتادة قال ابن الأنباري رحمه الله يقال: فلان يصبغ فلاناً في الشيء، أي: يدخله فيه، ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب. وأنشد ثعلب: [الطويل] شعر : 817ـ دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بالنَّجَاةِ تَحَرُّزاً إِذا أنْتَ لَمْ يَصْبَغْكَ بِالشّرْعِ صَابِغُ تفسير : وثالثها: سمي الدين صبغة؛ لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطَّهَارة والصلاة قال الله تعالى: {أية : سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ}تفسير : [الفتح:29]. [وقال مجاهد والحسن وأبو العالية وقتادة رضي الله تعالى عنهم: أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم فيما يسمونه المعمودية، وصبغوه بذلك ليطهروه به، وكأنه الخِتَان، لأن الختان تطهير، فلما فعلوا ذلك قالوا: الآن قد صار نصرانياً حقًّا، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} وهي الإسلام فسمى الإسلام صبغة استعارة ومجازاً من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. قال بعض شعراء ملوك "همدان": [المتقارب] شعر : 818ـ وَكُلُّ أُنَاسٍ لَهُمْ صِبْغةٌ وَصِبْغَةُ هَمْدَانَ خَيْرُ الصِّبَغْ صَبَغْنَا عَلَى ذَاكَ أَبْنَاءَنَا فَأَكْرِمْ بِصِبْغَتِنَا في الصِّبَغْ] تفسير : ورابعها: قال القاضي: قوله: "صِبْغَةَ اللهِ" متعلّق بقوله: {أية : قُولُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:136] إلى قوله: {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة:136] فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تَعَالى؛ ليبيّن أن المُبَاينة بين هذا الدين الذي اختاره الله، بين الدِّين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحسّ السليم. القول الثاني: أن صبغة الله فطرته، وهو كقوله: {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم:30]. ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبِنْيَتِهِ بالعَجْزِ والفَاقَة، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق، فهذه الآثار كالصبغة له وكالسِّمَة اللاَّزمة. [قال القاضي رحمه الله تعالى: من حمل قوله تعالى: "صبغة الله" على الفطرة فهو مقارب في المعنى لقول من يقول: هو دين الله؛ لأن الفطرة التي أمروا بها هو الدين الذي تقتضيه الأدلّة من عَقْل وشرع، وهو الدين أيضاً الذي ألزمكم الله ـ تعالى ـ التمسّك به، فالنفع به سيظهر دُنيا ودِين، كاظهور حُسْن الصبغة، وإذا حمل الكلام على ما ذكرنا، لم يكن لقول من يقول إنما قال ذلك لعادة جارية لليهود والنصارى، وفي صبغ يستعملونه في أولادهم معنى؛ لأن الكلام إذا استقام على أحسن الوجوه بدونه، فلا فائدة فيه]. القول الثالث: أن صبغة الله هي الختان، الذي هو تطهير، أي كما أن المخصوص الذي للنصارى تطهير لهم، فكذلك الختان تظهير للمسلمين قاله أبو العالية. القول الرابع: قال الأصم رحمه الله تعالى: إنه حجة الله. القول الخامس: قال أبو عبيدة رحمه الله تعالى: إنه سُنة الله, وأما قراءة الرفع فتحتمل وجهين: أحدهما: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: ذلك الإيمان صبغة الله. والثاني: أن تكون بدلاً من "ملَّة"؛ لأن من رفع "صبغة" رفع "ملة" كما تقدم فتكون بدلاً منها كما قيل بذلك في قراءة النصب. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقيل: الصِّبْغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسْلاَم، بدلاً من مَعْمُودية النصارى، ذكر ذلك الماوردي رحمه الله تعالى. وعلى هذا التأويل يكون غسل الكافر واجباً، وبهذا المعنى جاءت السُّنة الثابتة في قيس بن عاصم وثمامة بن أثال حين أسلما. وقيل: إن القربة إلى الله تعالى يقال لها: صبغه؛ حكاه ابن فارس في "المجمل". قوله: "وَمَنْ أَحْسَنُ" مبتدأ وخبر، وهذا استفهام معناه النفي أي: لا أحد، و "أحسن" هنا فيها احتمالان: أحدهما: أنها ليست للتفضيل؛ إذ صبغة غير الله منتف عنها الحسن. والثاني: أن يراد التفضيل باعتبار من يظنّ أن في "صبغة" غير الله حسناً لا أن ذلك بالنسبة إلى حقيقة الشيء. و "من الله" متعلق بأحسن، فهو في محل نصب. و "صبغة" نصب على التمييز من أحسن، وهو من التمييز المنقول من المبتدأ والتقدير: ومن صبغته أحسن من صبغة الله، فالتفضيل إنما يجري بين الصّبغتين لا بين الصَّابغين. [وهذا غريب معنى، وغني عن القول كون التمييز منقولاً عن المبتدأ]. قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} جملة من مبتدأ خبر معطوف على قوله: {قُولُواْ آمَنَّا بِٱللهِ} فهي في محلّ نصب بالقول. قال الزمخشري: وهذا العطف يرد قول من زعم أن "صبغة الله" بدل من "ملّة"، أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فكّ النظم، وإخراج الكلام عن الْتِئَامِهِ واتساقه. قال أبو حيان: وتقديره في الإغراء: عليكم صبغة ليس بجيد؛ لأن الإغراء إذا كان بالظروف والمجرورات لا يجوز حذف ذلك الظرف ولا المجرور، ولذلك حين ذكرنا وجه الإغراء قدّرناه: بـ "الزموا صبغة الله" انتهى. كأنه لضعف العمل بالظّروف والمجرورات ضعف حذفها وإبقاء عملها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {صبغة الله} قال: دين الله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {صبغة الله} قال: فطرة الله التي فطر الناس عليها. وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يصبغ ربك فقل: نعم، أنا أصبغ الألوان الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها في صبغتي، وأنزل الله على نبيه {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}"تفسير : وأخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس موقوفاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، وإن النصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإِسلام، ولا صبغة أحسن من صبغة الله الإِسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً ومن كان بعده من الأنبياء. وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس في قوله {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} قال: البياض.
ابو السعود
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} الصِّبغة من الصِّبْغ كالجلسة من الجلوس وهي الحالة التي يقع عليها الصَّبْغُ عبر بها عن الإيمان بما ذكر على الوجه الذي فصل لكونه تطهيراً للمؤمنين من أوْ ضارِ الكفر وحليةً تُزَيِّنُهم بآثاره الجميلة ومتداخِلاً في قلوبهم كما أن شأن الصَّبْغ بالنسبة إلى الثوب كذلك وقيل للمشاكلة التقديرية فإن النصارى كانوا يغمِسون أولادَهم في ماء أصفرَ يسمونه المعمودية ويزعُمون أنه تطهيرٌ لهم وبه يحِق نصرانيتُهم وإضافتها إلى الله عز وجل مع استناده فيما سلف إلى ضمير المتكلمين للتشريفِ والإيذانِ بأنها عطية منه سبحانه لا يستقِلُّ العبدُ بتحصيلها فهي إذن مصدرٌ مؤكدٌ لقوله تعالى: {آمنا} داخل معه في حيز قولوا منتصبٌ عنه انتصابَ وعد الله عما تقدمه لكونه بمثابة فعلِه كأنه قيل: صَبَغنا الله صِبغةً وقيل: هي منصوبة بفعل الإغراء أي الزموا صبغةَ الله وإنما وُسّط بـينهما الشرطيتان وما بعدهما اعتناءً ببـيان أنه الإيمانُ الحقُّ وبه الاهتداءُ ومسارعةً إلى تسليته عليه الصلاة والسلام {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ} مبتدأ وخبر، الاستفهامُ للإنكار والنفي وقولُه تعالى: {صِبْغَةَ} نصبٌ على التميـيز من أحسنُ منقولٌ من المبتدأ والتقديرُ ومن صبغتُه أحسنُ من صبغته تعالى فالتفضيلُ جارٍ بـين الصِّبغتين لا بـين فاعليهما أي لا صبغةَ أحسنُ من صبغته تعالى على معنى أنها أحسنُ من كل صبغة على ما أشير إليه في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ } تفسير : [البقرة، الآية: 114] الخ وحيث كان مدارُ التفضيل على تعميم الحسن الحقيقي والفَرَضي المبني على زعم الكفرة لم يلزم منه أن يكون في صبغة غيرِه تعالى حُسْنٌ في الجملة، والجملةُ اعتراضية مقرِّرة لما في صبغة الله من معنى التبجّح والابتهاج {وَنَحْنُ لَهُ} أي لله الذي أولانا تلك النعمةَ الجليلةَ {عَـٰبِدُونَ} شكراً لها ولسائر نِعمِه، وتقديمُ الظرف للاهتمام ورعايةِ الفواصل، وهو عطفٌ على آمنا داخلٌ معه تحت الأمرِ وإيثارُ الاسميةِ للإشعار بدوام العبادةِ أو على فعل الإغراء بتقدير القول أي الزمَوا صِبغة الله وقولوا نحن له عابدون فقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} حينئذ يجري مَجرى التعليل للإغراء {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} تجريدُ الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم عقِبَ الكلام الداخلِ تحت الأمر الواردِ بالخطاب العام لما أن المأمورَ به من الوظائف الخاصةِ به عليه الصلاة والسلام وقُرىء بإدغام النونِ والهمزةُ للإنكار والتوبـيخ أي أتجادلوننا {فِى ٱللَّهِ} أي في دينه وتدّعون أن دينَه الحقَّ هو اليهوديةُ والنصرانية وتبنون دخولَ الجنة والاهتداءَ عليهما وتقولون تارة لن يدخلَ الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وتارة كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} جملة حالية وكذلك ما عليها أي أتجادلوننا والحالُ أنه لا وجه للمجادلة أصلاً لأنه تعالى ربُنا أي مالكُ أمرنا وأمرِكم {وَلَنَا أَعْمَـٰلُنَا} الحسنةُ الموافقةُ لأمره {وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} السيئةُ المخالفة لحُكمه {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهَه فأنّى لكم المُحاجّةُ وادعاء حقية ما أنتم عليه والطمعِ في دخول الجنة بسببه ودعوةِ الناس إليه.
القشيري
تفسير : معناه الزموا صبغةَ الله، فهو نصب بإضمار فعل. والإشارة أن العبرة بما وضع الحق لا بما جمع العبد، فما يتكلفه الخلْقُ فإلى الزوال مآله، وما أثبت الحقُّ عليه الفطرة فبإثباته العبرة. وللقلوب صبغة وللأرواح صبغة وللأسرار صبغة وللظواهر صبغة. صبغة الأشباح والظواهر بآثار التوفيق، وصبغة الأرواح والسرائر بأنوار التحقيق.
اسماعيل حقي
تفسير : {صبغة الله} الصبغ ما يلون به الثياب والصبغ المصدر والصبغة الفعلة التى تبنى للنوع والحالة من صبغ كالجلسة من جلس وهى الحالة التى يقع الصبغ عليها وهى اى الصبغة فى الآية مستعارة لفطرة الله التى فطر الناس عليها شبهت الخلقة السليمة التى يستعد بها العبد للايمان وسائر انواع الطاعات بصبغ الثوب من حيث ان كل واحدة منهما حلية لما قامت هى به وزينة له والتقدير صبغنا الله صبغة اى فطرنا وخلقنا على استعداد قبول الحق والايمان فطرته فهذا المصدر مفعول مطلق مؤكد لنفسه لانه مع عامله المقدر بعينه وقع مؤكدا لمضمون الجملة المقدمة وهو قوله آمنا بالله لا محتمل لها من المصادر الا ذلك المصدر لان ايمانهم بالله يحصل بخلق الله اياهم على استعداد اتباع الحق والتحلى بحلية الايمان ويحتمل ان يكون التقدير طهرنا الله تطهيره لان الايمان يطهر النفوس من اوضار الكفر وسماه صبغة للمشاكلة وهى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوع ذلك الشئ فى صحبة الغير اما بحسب المقال المحقق او المقدر بان لا يكون ذلك الغير مذكورا حقيقة ويكون فى حكم المذكور لكونه مدلولا عليه بقرينة الحال فهى كما تجرى بين فعلين كما هنا تجرى بين قولين كما فى تعلم ما فى نفسى ولا اعلم ما فى نفسك فانه عبر عن ذات الله تعالى بلفظ النفس لوقوعه فى صحبة لفظ النفس وعبر عن لفظ الفطرة بلفظ الصبغة لوقوعه فى صحبة صبغة النصارى اذ كانوا يشتغلون بصبغ اولادهم فى سابع الولادة مكان الختان للمسلمين بغمسهم فى الماء الاصفر الذى يسمونه المعمودية على زعم ان ذلك الغمس وان لم يكن مذكورا حقيقة لكنه واقع فعلا من حيث انهم يشتغلون به فكان فى حكم المذكور بدلالة قرينة الحال عليه من حيث اشتغالهم به ومن حيث ان الآية نزلت ردا لزعمهم ببيان ان التطهير المعتبر هو تطهير الله عباده لا تطهير اولادكم بغمسهم فى المعمودية وهى اسم ماء غسل به عيسى عليه السلام فمزجوه بماء آخر وكلما استعملوا منه جعلوا مكانه ماء آخر {ومن أحسن} مبتدأ وخبر والاستفهام فى معنى الجحد {من الله صبغة} نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن صبغته احسن من صبغته تعالى فالتفضيل جار بين الصبغتين لا بين فاعليهما والمعنى أى شخص تكون صبغته احسن من صبغة الله فانه يصبغ عباده بالايمان ويطهرهم به من اوضار الكفر وانجاس الشرك فلا صبغة احسن من صبغته {ونحن له} اى لله الذى اولانا تلك النعمة الجليلة {عابدون} شكرا له ولسائر نعمه وتقدم الظرف للاهتمام ورعاية الفواصل وهو عطف على آمنا داخل تحت الامر وهو قولوا فاذا كان حرفة العبد العبادة فقد زين نفسه بصبغ حسن يزينه ولا يشينه: وفى المثنوى شعر : كاورا رنك ازبرون مردرا ازدرون دان رنك سرخ وزردرا رنكهاى نيك ازخم صفاست رنك زشتان ازسياه آب جفاست صبغة الله نام آن رنك لطيف لعنة الله بوى اين رنك كثيف تفسير : وفى قوله تعالى {ونحن له عابدون} اشارة الى ان العارفين يعبدون ربهم لا لشوق الجنة ولا لخوف النار. قال الله تعالى فى الزبور ومن اظلم ممن عبدنى لجنة او نار فلو لم اخلق جنة ولا نارا لم اكن مستحقا لان اعبد. واعلم ان العابد هو العامل بحق العبودية فى مرضاة الله تعالى والعبادة دون العبودية وهى دون العبودة لان من لم يبخل بروحه فهو صاحب عبودة فالعبادة ببذل الروح فوق العبادة ببذل النفس. قال سهل بن عبد الله لا يصح التعبد لاحد حتى لا يجزع من اربعة اشياء من الجوع والعرى والفقر والذل. قال الشيخ ابو العباس رحمه الله اوقات العبد اربعة لا خامس لها الطاعة والمعصية والنعمة والبلية ولكل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية فمن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله تعالى ومن كان وقته البلية فسبيله الرضى والصبر فعليك ان تراقب الاوقات الى ان تصل اعلى الدرجات وغاية الغايات: وفى المثنوى شعر : كافرم من كر زيان كردست كس درره ايمان وطاعت يكنفس سرشكسته نيست اين سررا مبند يك دوروزه جهد كن باقى بخند تازه كن ايمان نه از كفت زبان اى هوارا تازه كرده درنهان تاهواتازه است ايمان تازه نيست كين هو اجز قفل آن دروازه نيست تفسير : ـ روى ـ ان السرى قدس سره قال مكثت عشرين سنة اخرس خلق الله تعالى فلم يقع فى شبكتى الا واحد كنت اتكلم فى المسجد الجامع ببغداد يوم الجمعة وقلت عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان يوم السبت وصليت الغداة اذا انا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابته فنزل وقال أيكم السرى السقطى فأومأ جلسائى الى فسلم على وجلس وقال سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما اردت به فقلت ما ضعيف اضعف من ابن آدم ولا قوى اقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه الى معصية الله تعالى قال فبكى ثم قال يا سرى هل يقبل ربك غريقا مثلى قلت ومن ينقذ الغرقى الا الله تعالى قال يا سرى ان على مظالم كثيرة كيف اصنع قال اذا صححت الانقطاع الى الله تعالى ارضى عنك الخصوم بلغنا عن النبى عليه السلام انه قال "اذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولى الله وكل لكل منهم ملكا يقول لا تروّعوا ولى الله فان حقكم اليوم على الله تعالى" فبكى ثم قال صف لى الطريق الى الله فقلت ان كنت تريد المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وان كنت تريد طريق الاولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق فبكى حتى بل منديلا له ثم انصرف وكان من امره كيت وكيت من ترك الاهل والعيال والسكون عند المقابر وتغيير الحال حتى توفى ذلك الشاب على الاحالة التى اقبل عليها قال السرى فحلمت يوما عيناى فاذا به يرفل فى السندس والاستبرق ويقول لى جزاك الله خيرا فقلت ما فعل الله بك قال ادخلنى الجنة ولم يسألنى عن ذنب انتهى.
الطوسي
تفسير : قوله تعالى: {صبغة الله} معناه فطرة الله. في قول الحسن وقتادة وابي العالية، ومجاهد وعطية وابن زيد والسدي. وقال الفراء والبلخي: انه شريعة الله في الختان الذي هو التطهير وقوله: {صبغة الله} مأخوذ من الصبغ، لان بعض النصارى كانوا اذا ولد لهم مولود جعلوه في ماء طهور يجعلون ذلك تطهيرا له، ويسمونه العمودية: فقيل: صبغة الله أي تطهير الله، لا تطهيركم بتلك الصبغة. وهو قول الفراء: وقال قتادة: اليهود تصبغ ابناءها يهوداً والنصارى تصبغ ابناءها نصارى، فهذا غير المعنى الاول، وانما معناه: انهم يلقنون اولادهم اليهودية والنصرانية، فيصبغونهم بذلك لما يشربون قلوبهم منه، فقيل صبغة الله التي امر بها ورضيها يعني الشريعة، لا صبغتكم. وقال الجبائي سمى الدين صبغة لانه هيئة تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة وغير ذلك من الآثار الجميلة التي هي كالصبغة وقال امية: شعر : في صبغة الله كان اذ نسي الـ ـعهد وخلى الصواب اذ عزما تفسير : اللغة: قال صاحب العين: الصبغ ما يلون به الثياب، والصبغ مصدر صبغت والصباغة حرفة الصباغ، والصبغ، والصباغ: ما يصطبغ به في الاطعمة. والاصبغ من الطير ما ابيض ذنبه أو بعضه. وأصل الباب الصبغ: وهو المزج للتلوين. الاعراب: ونصب {صبغة الله} في الآية يحتمل امرين: احدهما ـ أن يكون مردوداً على {بل ملة إبراهيم} بدلا منه وتفسيراً له. والثاني ـ اتبعوا صبغة الله. والاجود الاول. وكان يجوز الرفع بتقدير هي صبغة الله. المعنى: ومعنى قوله: {ومن أحسن من الله صبغة} واللفظ لفظ الاستفهام. وبه قال الحسن وغيره. وقوله {ونحن له عابدون} يجب أن نتبع صبغته لا ما صبغنا عليه الآباء والاجداد. وقيل معناه {ونحن له عابدون} في اتباعنا ملة ابراهيم صبغة الله للاعتراف بالوجه الذي اتبعوه.
الجنابذي
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} اى صبغنا الله صبغة فحذف الفعل وأضيف المصدر الى الفاعل بعد تأخيره والجملة حالٌ او مستأنفة جواب عن سؤال مقدّر كأنّهم بعد ما قالوا: {آمنّا بالله} قيل: ما فعل الله بكم؟ - قالوا: صبغنا الله صبغةً وفسّرت الصّبغة بالاسلام وبالايمان لانّ الصّبغ كما يظهر على الثّوب وينفذ فيه كذلك الاسلام والايمان يظهر أثرهما على البدن ويؤثّر فى القلب، او للتشبيه بما يفعله النّصارى بأولادهم من الغمس فى ماءٍ أصفر يسمّونه بالمعموديّة وبه يتحقّق نصرانيّتهم {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} تبجّحوا وباهوهم بهذه العبارة {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} لسنا مشركين فى عبادته مثلكم.
فرات الكوفي
تفسير : { صَبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً 138} فرات قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا الحسن بن جعفر بن إسماعيل الأفطس قال: حدثنا أبوموسى المسرقاني [ب: المشرقاني] عمران بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن عبيد القادسي قال: حدثنا محمد بن علي: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} قال: صبغة المؤمنين بالولاية في الميثاق.
الهواري
تفسير : قوله: {صِبْغَةَ اللهِ} أي دين الله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} أي: ومن أحسن من الله ديناً {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}. وقال بعض المفسّرين: صبغة الله الإِسلام، إلا أن اليهود تصبغ أولادها يهوداً وأن النصارى تصبغ أبناءها نصارى. وأن صبغة الله الإِسلام. قوله: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: إن ديننا هو الإِخلاص الذي لا شكَّ فيه. قوله: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ} يا محمد لهم {ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ} أي: لا أحد أظلم منه {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال الحسن: يعني بذلك علماءهم؛ إنهم كتموا محمداً ودينه، وفي دينه أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا مسلمين، ولم يكونوا مشركين. ذكروا عن الحسن قال: قد علم القوم أن عندهم من الله شهادة أن أنبياءهم بُرآء من اليهودية والنصرانية. وقال بعضهم: كتموا الإِسلام وهم يعلمون أنه دين الله، وكتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله. قوله: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} أي: لها ثواب ما عملت، ولكم ثواب ما عملتم {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} هم. يعني بذلك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.
اطفيش
تفسير : {صِبْغَة اللهِ}: مفعول مطلق كسبحان الله، قاله سيبويه، والأصل صبغنا الله صبغة، فحذف الفعل وأضيف اسم المصدر إلى فاعله، كما أن سبحان الله أصله سبحوا الله أو سبحنا الله أو نسبح الله، فحذف الفعل وأضيف اسم المصدر إلى مفعوله وهو لفظ الجلالة، والمصدر هنا مؤكد لآمنا، قدرنا صبغنا الله صبغة بمعنى الإخبار، أو قلنا إنه طلب ودعاء، وعلى الوجهين، فهو من مقول القول المتقدم فى قوله: {قُولوا آمنَّا} وكسر الصاد للنص على أن المراد نوع من الصبغ، كالجلسة بكسر الجيم لنوع من الجلوس، ومعنى صبغة الله، تطهير الله، لأن الإيمان يطهر النفوس، فصبغة الله مؤكد لآمنا، من توكيد المفعول المطلق لمضمون الجملة قبله، وكذا إن قلنا صبغة الله بمعنى فطرة الله التى فطر الناس عليها، أو بمعنى هدايته والمراد على معنى الفطرة الدعاء بالإدامة على الفطرة، أو الإخبار بأنه تعالى صبغهم صبغة باقية، وهى الفطرة بقيت بعد البلوغ، ويجوز أن تكون صبغة بدلا من ملة، وقيل منصوب على الإغراء، أن الزموا معشر اليهود والنصارى صبغة الله، أو نلزم معشر المؤمنين صبغة الله، أو الزموا يا معشر المؤمنين صبغة الله، وقيل صبغة الله دين الله، وهو مروى عن ابن عباس، أى دِنّا دينَ الله، أو نلزم دين الله، أو الزموا معشر المؤمنين دين الله، أو الزموا يا معشر اليهود والنصارى دين الله، أو بدل من ملة. وقيل سنة الله وهى دينه، أو سنتنا سنة الله، أو نلزم أو الزموا أو بدل كذلك، وما أصدق فى هذه الأقوال واحد، وسمى ذلك كله صبغة، لأنه زينة للإنسان، كما أن الصبغة زينة للمصبوغ، وزينة لمن يتزين بها، أو لظهور أثر ذلك لمن هو فيه، كظهور أثر الصبغ على المصبوغ، ولدخوله القلب كدخول الصبغ الثوب، وكل ذى دين باطنه مصبوغ بصبغ اعتقاده ودينه حقا. وقال بعض المفسرين اليهود تصبغ أولادها يهوداً، والنصارى تصبغ أولادها نصارى، وأن صبغة الله الإسلام. ولفظ صبغة فى تلك الأوجه والأقوال كلها استعارة تصريحية تحقيقية أصلية، ووجه الشبه الشهور أو الدخول أو كلاهما، والقرينة الإضافة إلى الله، وفيه المشاكلة البديعة. قال القزوينى والسعد: ومن الضرب المعنوى من المحسنات البديعة المشاكلة، وهى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوع ذلك الشئ فى صحبة ذلك الغير وقوعاً إما محققاً كقوله: شعر : وقالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه فقلت اطبخوا لى جبة وقميصا تفسير : ذكر خياطة الجبة والقميص بلفظ الطبخ لوقوعها فى صحبة طبخ الطعام فى قوله: نجد لك طبخه، أى اطلب شيئاً من غير تفكر ولو صعبا نطبخه لك طبخا جيداً، ونجد (بضم النون وكسر الجيم) من أجاد شيئاً، أى صيره جيدا وإما مقدرا كقوله: (صبغة الله) فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم فى ماء أصفر يسمونه المعمودية، ويقولون إن الغمس فى ذلك الماء تطهير لهم، فإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: الآن صار نصرانياً حقاً. فأُمِر المسلمون بأن يقولوا لهم قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله بالإيمان صبغة، ولم نصبغ صبغتكم أيها النصارى، فعبر عن الإيمان بالله بصبغة الله، للمشاكلة لوقوعه فى صحبة صبغة النصارى، تقديراً بهذه القرينة الحالية التى هى سبب النزول، من غمس النصارى أولادهم فى الماء الأصفر، وإن لم يذكر ذلك لفظا، وهذا كما تقول لمن يغرس الأشجار: اغرس كما يغرس فلان، تريد رجلا يصطنع إلى الكرام ويحسن إليهم، فعبرعن الاصطناع بلفظ الغرس للمشاكلة بقرينة الحال، وإن لم يكن له ذكر فى المقال، وأصل هذا للسكاكى والزمخشرى، وكفى وجوداً للصبغة فى أحد الفريقين اليهود والنصارى وهو فريق النصارى لأنها فيهما فى الجملة، ولو لم تكن فى كل فريق منها، ولا سيما أنهُ يجمعهما اسم أهل الكتاب، وقيل المراد بصبغة الله الاختتان الذى أمر الله تعالى به، لأنه يصبغ المختتن بالدم. قال ابن عباس: إن النصارى إذا ولد لأحدهم مولود وأتى عليه سبعة أيام غمسوه فى ماء لهم أصفر يسمونه ماء المعمودية، وصبغوه به ليطهروه به مكان الختان، فإذا فعلوا ذلك به قالوا: الآن صار نصرانياً حقا. فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما تفعله النصارى. {ومَنْ أحْسنُ}: استفهام تقرير للمؤمنين، ونفى أو توبيخ لليهود والنصارى، ونفى أى لا أحد أحسن. {مِنَ الله صِبْغَة}: تمييز محول عن الفاعل معنى، وعن المبتدأ والإضافة اصطلاحاً، أى صبغة الله أحسن من كل صبغة، ويجوز كونه محولا عن الفاعل صناعة، على أن يؤخذ ذلك من مسألة الكحل، أى لا ترون أحدا أحسن فى حكمة الصبغة منه فى حكم الله، وتطهير الله المؤمنين من اوساخ الكفر لا تساويه صبغة، ودينه لا يساويه شئ يصبغ به فى زينة الدنيا ولا فى أمر الآخرة. {ونَحْن لهُ عابِدُون}: لا نعبد غيره، ولا نشرك به شيئا، كما تشركون أنتم معشر اليهود والنصارى، فهذه الجملة تعريض بشركهم، كما إذا حضر من يترك الصلاة فقلت تعييراً له أنا لا أترك الصلاة، وهى معطوفة على جملة آمنا، فهى من مقول قالوا المتسلط على آمنا، وإن قلت إذا عطفت على جملة آمنا، فكيف يصح جعل صبغة بدل ملة أو منصوبا على الإغراء، مع ما فيه من فك أجزاء الكلام بأجنبى، وهو صبغة مبدل مما قبل قالوا: وهو ملة أو النصب بفعل مستقل مقدر على الإغراء؟ قلت إنما صح نصب صبغة على الإبدال من ملة أو على الإغراء من جهة تقدير القول قبل قوله: {نحن له عابدون}، ويعطف هذا القول على ناصب ملة مقدر، أى اتبعوا أو الزموا ملة إبراهيم.. إلخ. وقوله: {نحن له عابدون}، أى لله عابدون، فيكون قوله آمنا بدل اتبعوا أو الزموا المقدر الناصب لملة، فإذا عطفنا قولوا نحن له عابدون على الزموا ملة إبراهيم، فلا فصل وإذا عطفناه على اتبعوا ملة إبراهيم حنيفا فالفصل بالبدل، وهو صبغة المبدل من ملة، وهو غير أجنبى من المبدل منه. والله أعلم. ثم إن اليهود قالوا للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقبلنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب ونحن أولى بالله منكم، ولو كان محمد نبياً لكان منا، وخاطبوه بذلك وقالوا: لو كنت نبيا لكنت منا، ولو أنزل على أحد لأنزل علينا، لأن النبوة فينا والعرب عبدة أوثان، وكذا قالت النصارى، فنزل قوله تعالى {قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللهِ..}:
اطفيش
تفسير : {صِبْغَةَ اللهِ} قيل بدل من صلة، أو الزموا صيغة الله، أو صبغَتا الله صبغة، وحذف صبغنا، أو أضيف للفظ الجلالة، أو متعلق بقوله آمنا على حد قعدت جلوساً، وهى فطرة الله التى فطر الناس عليها، وهى الإسلام أو التوفيق أو الحجة؛ أو تطهير القلب من الكفر والمعصية، شبه بالصبغة فى كونه ظاهراً ظهور الصبغة وحلية، ومتداخلا فى أعماق المصبوغ، لأنه راسخ، فى كونه يمتاز به الإنسان عن سائر الحيوان، وعن الكفار امتياز الثوب المصبوغ، وهو استعارة تصريحية أصلية تحقيقية، أو سمى ذلك صبغة للمشاكلة لوقوعه فى جوار محذوف، هو صبغة النصارى أولادهم فى ماء المعودية، لتتحقق نصرانيتهم، وهو ماء أصفر وأصله اء غسل به عيسى عليه السلام فى اليوم الثالث من ولادته، وكلما انتقص زادوا فيه ماء، ويقولون، هو تطهير، ويقال: هو معرب معموذينا بإعجام الذال، ومعناه الطهارة، ماء يقدس بما يتلى من الإنجيل، ثم تغتسل به الحاملات، أمر الله المؤمنين أن يقولوا للنصارى، قولوا آمنا بالله، وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغة المعودية، والإبدال ضعيف لكثرة الفصل بالأجنبى {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً} لا أحسن من صبغة الله، ولا مساوى لها، لأنها الإسلام المنجى من خزى الدنيا والآخرة المورث لخيرهما {وَنَحْنُ لَهُ} لا لغيره كما تشركون معشر اليهود والنصارى غيره فى العبادة {عَٰبِدُونَ} قيل: أو داخل فيما أمر أن يقولوها أى قولوا معشر اليهود والنصارى نحن له عابدون، قالت اليهود: نحن أهل الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم، ولم تكن الأنبياء من العرب، ولو كان محمد نبيّاً لكان منا، فنزل قوله تعالى: {قُلْ} يا محمد، أو يا من يصلح للقول {أَتُحَآجُّونَنَا} أتجادلوننا جدالاً يقطعنا، والحج القطع، لا قدرة لكم على ذلك، لأنكم مبطلون {فِي اللهِ} شأنه وقضائه، إذ قضى وقدر أن يكون نبى من العرب، ولا سيما أنه مذكور فى التوراة والإنجيل، متداول ذكره من أوائلكم إلى الآن، وقد أتى قيدار ولد إسماعيل بالتابوت من الشام إلى مكة، دوره منه إما إسحاق أو يعقوب عليهما السلام، وقال: إن لكم نوراً واحداً آخر الأنوار {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} فله أن يختار من شاء منا أو منك {وَلَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ} فإن توهمتم أن النبوة بالعمل فلنا من الأعمال ما نستحق به النبوة، كما تدعون أن لكم أعمالاً إلا أنها باطلة بخلاف أعمالنا فصحيحة بالإخلاص كما قال {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} الدين والعمل، وأنتم جعلتم له شركاء، فنحن أولى بالنبوة، لكن النبوة لا تعطى صاحبها لعمل غيره، ولا لعمله بل اضطرارية، لا كسبية بالأعمال، أو بوصول نوع من الأعمال. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال، بعد أن سئل عن الإخلاص، قال: سألت جبريل عنه قال: سألت ربى عنه، فقال: سر من أسرارى أودعته قلب من أحببته من عبادى. وقال سعيد بن جبير، ألا تشرك فى دنيه ولا ترائى أحداً فى عمله وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما، وقيل: استاء أعمال العبد فى الظاهر والباطن، وقيل: كتم الحسنات كما تكتم السيئات، وقيل: احتقارك عملك. ومعنى كونه سرا من أسرار الله، أنه لا طاقة لأحد عليه باختياره، ومعنى كون الشرك رياء أنه راءى الناس أنه غير مراء، ومعنى أن العمل لهم شرك أنه رئاء أيضا زاد باسم الشرك؛ لأنه عمل لغير الله عز وجل.
الالوسي
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} الصبغة بالكسر فعلة من ـ صبغ ـ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها ـ الصبغ ـ عبر بها عن التطهير بالإيمان بما ذكر على الوجه الذي فصل لأنه ظهر أثره عليهم ظهور ـ الصبغ ـ على ـ المصبوغ ـ وتداخل في قلوبهم تداخله فيه وصار حلية لهم فهناك استعارة تحقيقية تصريحية والقرينة الإضافة والجامع ما ذكر، وقيل: للمشاكلة التقديرية فإن النصارى كانوا ـ يصبغون ـ أولادهم بماء أصفر يسمونه المعمودية يزعمون أنه الماء الذي ولد فيه عيسى عليه الصلاة والسلام ويعتقدون أنه تطهير للمولود كالختان لغيرهم، وقيل: هو ماء يقدس بما يتلى من الإنجيل ثم تغسل به الحاملات، ويرد على هذا الوجه أن الكلام عام لليهود غير مختص بالنصارى اللهم إلا أن يعتبر أن ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة ونصبها على أنها مصدر مؤكد لقوله تعالى: {أية : آمنا } تفسير : [البقرة: 136] وهي من المصادر المؤكدة لأنفسها فلا ينافي كونها للنوع والعامل فيها ـ صبغنا ـ كأنه قيل ـ صبغنا الله صبغته ـ وقدر المصدر مضافاً إلى الفاعل لتحقق/ شرط وجوب حذف عامله من كونه مؤكداً لمضمون الجملة إذ لو قدر منكراً لكان مؤكداً لمضمون أحد جزئيه أعني الفعل فقط نحو ضربت ضرباً، وقيل: إنها منصوبة بفعل الإغراء أي الزموا ـ صبغة الله ـ لا عليكم وإلا لوجب ذكره ـ كما قيل ـ وإليه ذهب الواحدي، ولا يجب حينئذ إضمار العامل لأنه مختص في الإغراء بصورتي التكرار أو العطف كالعهد العهد وكالأهل والولد، وذهب الأخفش والزجاج والكسائي وغيرهم إلى أنها بدل من {أية : مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ }تفسير : [البقرة: 135]. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار، وقوله تعالى: {صِبْغَةَ} تمييز منقول من المبتدأ نحو ـ زيد أحسن من عمرو وجهاً ـ والتقدير ـ ومن صبغته أحسن من صبغة الله تعالى ـ كما يقدر وجه زيد أحسن من وجه عمرو، والتفضيل جار بين الصبغتين لا بين فاعليهما أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى على معنى أنه أحسن من كل صبغة وحيث كان مدار التفضيل على تعميم ـ الحسن ـ للحقيقي والفرضي المبني على زعم الكفرة لم يلزم أن يكون في (صبغة) غيره تعالى حسن في الجملة، والجملة معترضة مقررة لما في صبغة الله تعالى من التبجح والابتهاج أو جارية مجرى التعليل للإغراء. {وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدونَ} أي موحدون أو مطيعون متبعون ملة إبراهيم أو خاضعون مستكنون في اتباع تلك الملة، وتقديم الجار لإفادة اختصاص العبادة له تعالى، وتقديم المسند إليه لإفادة قصر ذلك الاختصاص عليهم، وعدم تجاوزه إلى أهل الكتاب فيكون تعريضاً لهم بالشرك أو عدم الانقياد له تعالى باتباع ملة إبراهيم، والجملة عطف على {أية : آمنا}تفسير : [البقرة: 136] وذلك يقتضي دخولة صبغة الله في مفعول {أية : قُولُواْ}تفسير : [البقرة: 136] لئلا يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي، وإيثار الجملة الاسمية للإشعار بالدوام، ولمن نصب {صِبْغَةَ} على الإغراء أو البدل أن يضمر (قولوا) قبل هذه الجملة معطوفاً على الزموا على تقدير الإغراء، وإضمار القول سائغ شائع، والقرينة ـ السياق ـ لأن ما قبله مقول المؤمنين وأن يضمر اتبعوا في {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [البقرة: 135] لا نتبع ويكون {أية : قُولُواْ ءامَنَّا} تفسير : [البقرة: 136] بدلاً من {ٱتَّبَعُواْ} بدلاً من اتبعوا بدل البعض لأن الإيمان داخل في اتباع ملة إبراهيم فلا يلزم الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا بين البدل والمبدل منه بالأجنبي وما قيل: إنه يلزم الفصل ببدل الفعل بين المفعول، والمبدل منه ففيه أن {أية : قُولُواْ} تفسير : [البقرة: 136] ليس بدلاً من الفعل فقط بل الجملة بدل من الجملة فلا محذور، وأما القول ـ بأنه يمكن أن تجعل هذه الجملة حالاً من لفظة الله في قوله سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} أي صبغته بتطهير القلب أو الإرشاد أو حفظ الفطرة أحسن الاصباغ حال إخلاص العبادة له ـ فليس بشيء كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : هذا متصل بالقول المأمور به في {أية : قولوا آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 136] وما بينها اعتراض كما علمت والمعنى آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل الأنبياء من قبل إيماناً صبغة الله. وصبغة ـــ بكسر الصاد ـــ أصلها صِبغ بدون علامة تأنيث وهو الشيء الذي يصبغ به بزنة فِعل الدال على معنى المفعول مثل ذِبح وقِشر وكِسر وفِلق. واتصاله بعلامة التأنيث لإرادة الوحدة مثل تأنيث قشرة وكسرة وفلقة، فالصبغة الصبغ المعين المحضر لأن يصبغ به. وانتصابه على أنه مفعول مطلق نائب عن عامله أي صبغنا صبغة الله كما انتصب {أية : وعد الله لا يخلف الله وعده}تفسير : [الروم: 6] بعد قوله: {أية : ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم}تفسير : [الروم: 5] بتقدير وعدهم النصر. أو على أنه بدل من قوله: {أية : ملة إبراهيم}تفسير : [البقرة: 135] أي الملة التي جعلها الله شعارنا كالصبغة عند اليهود والنصارى، أو منصوباً وصفاً لمصدر محذوف دل عليه فعل {آمنا بالله} والتقدير آمنا إيماناً صبغة الله، وهذا هو الوجه الملائم لإطلاق صبغة على وجه المشاكلة، وما ادعاه صاحب «الكشاف» من أنه يفضي إلى تفكيك النظم تهويل لا يعبأ به في الكلام البليغ لأن التئام المعاني والسياق يدفع التفكك، وهل الاعتراض والمتعلقات إلا من قبيل الفصل يتفكك بها الألفاظ ولا تؤثر تفككاً في المعاني، وجعله صاحب «الكشاف» تبعاً لسيبويه مصدراًمبيناً للحالة مثل الجلسة والمشية وجعلوا نصبه على المفعول المطلق المؤكد لنفسه أي لشيء هو عينه أي إن مفهوم المؤكد (بالفتح) والتأكيد متحدان فيكون مؤكداً لآمنا لأن الإيمان والصبغة متلازمان على حد انتصاب {وعد الله} من قوله تعالى: {وعد الله لا يخلف الله وعده} توكيداً لمضمون الجملة التي قبله وهي قوله: {أية : ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء}تفسير : [الروم: 4، 5] وفيه تكلفان لا يخفيان. والصبغة هنا اسم للماء الذي يغتسل به اليهود عنواناً على التوبة لمغفرة الذنوب والأصل فيها عندهم الاغتسال الذي جاء فرضه في التوراة على الكاهن إذا أراد تقديم قربان كفارة عن الخطيئة عن نفسه أو عن أهل بيته، والاغتسال الذي يغتسله الكاهن أيضاً في عيد الكفارة عن خطايا بني إسرائيل في كل عام، وعند النصارى الصبغة أصلها التطهر في نهر الأردن وهو اغتسال سنه النبي يحيى بن زكرياء لمن يتوب من الذنوب فكان يحيى يعظ بعض الناس بالتوبة فإذا تابوا أتوه فيأمرهم بأن يغتسلوا في نهر الأردن رمزاً للتطهر الروحاني وكانوا يسمون ذلك «معموذيت» بذال معجمة وبتاء فوقية في آخره ويقولون أيضاً معموذيتا بألف بعد التاء وهي كلمة من اللغة الأرامية معناها الطهارة، وقد عربه العرب فقالوا معمودية بالدال المهملة وهاء تأنيث في آخره وياؤه التحتية مخففة. وكان عيسى بن مريم حين تعمد بماء المعمودية أنزل الله عليه الوحي بالرسالة ودعا اليهود إلى ما أوحى الله به إليه وحدث كفر اليهود بما جاء به عيسى وقد آمن به يحيى فنشأ الشقاق بين اليهود وبين يحيى وعيسى فرفض اليهود التعميد، وكان عيسى قد عمد الحواريين الذين آمنوا به، فتقرر في سنة النصارى تعميد من يدخل في دين النصرانية كبيراً، وقد تعمد قسطنطين قيصر الروم حين دخل في دين النصرانية، أما من يولد للنصارى فيعمدونه في اليوم السابع من ولادته. وإطلاق اسم الصبغة على المعمودية يحتمل أن يكون من مبتكرات القرآن ويحتمل أن يكون نصارى العرب سموا ذلك الغسل صبغة، ولم أقف على ما يثبت ذلك من كلامهم في الجاهلية، وظاهر كلام الراغب أنه إطلاق قديم عند النصارى إذ قال: «وكانت النصارى إذا ولد لهم ولد غمسوه بعد السابع في ماء معمودية يزعمون أن ذلك صبغة لهم». أما وجه تسمية المعمودية (صبغة) فهو خفي إذ ليس لماء المعمودية لون فيطلق على التلطخ به مادة ص ب غ وفي «دائرة المعارف الإسلامية» أن أصل الكلمة من العبرية ص ب ع أي غطس، فيقتضي أنه لما عرب أبدلوا العين المهملة غيناً معجمة لعله لندرة مادة صبع بالعين المهملة في المشتقات وأياً ما كان فإطلاق الصبغة على ماء المعمودية أو على الاغتسال به استعارة مبنية على تشبيه وجهه تخييلي إذ تخيلوا أن التعميد يكسب المعمد به صفة النصرانية ويلونه بلونها كما يلون الصبغ ثوباً مصبوغاً وقريب منه إطلاق الصبغ على عادة القوم وخلقهم وأنشدوا لبعض ملوك همدان:شعر : وكل أناس لهم صبغة وصبغة همْدانَ خيرُ الصِّبَغ صَبغْنا على ذلكَ أبناءنا فأكرم بصبغتنا في الصبغ تفسير : وقد جعل النصارى في كنائسهم أحواضاً صغيرة فيها ماء يزعمون أنه مخلوط ببقايا الماء الذي أهرق على عيسى حين عمده يحيى وإنما تقاطر منه جمع وصب في ماء كثير ومن ذلك الماء تؤخذ مقادير تعتبر مباركة لأنها لا تخلوعن جزء من الماء الذي تقاطر من اغتسال عيسى حين تعميده كما ذلك في أوائل الأناجيل الأربعة. فقوله: {صبغة الله} رد على اليهود والنصارى معاً أما اليهود فلأن الصبغة نشأت فيهم وأما النصارى فلأنها سنة مستمرة فيهم، ولما كانت المعمودية مشروعة لهم لغلبة تأثير المحسوسات على عقائدهم رد عليهم بأن صبغة الإسلام الاعتقاد والعمل المشار إليهما بقوله: {أية : قولوا آمنا بالله} تفسير : [البقرة: 136] إلى قوله: {أية : ونحن له مسلمون}تفسير : [البقرة: 136] أي إن كان إيمانكم حاصلاً بصبغة القسيس فإيماننا بصبغ الله وتلوينه أي تكييفه الإيمان في الفطرة مع إرشاده إليه، فإطلاق الصبغة على الإيمان استعارة علاقتها المشابهة وهي مشابهة خفية حسنها قصد المشاكلة، والمشاكلة من المحسنات البديعية ومرجعها إلى الاستعارة وإنما قصد المشاكلة باعث على الاستعارة، وإنما سماها العلماء المشاكلة لخفاء وجه التشبيه فأغفلوا أن يسموها استعارة وسموها المشاكلة، وإنما هي الإتيان بالاستعارة لداعي مشاكلة لفظ للفظ وقع معه. فإن كان اللفظ المقصود مشاكلته مذكوراً فهي المشاكلة، ولنا أن نصفها بالمشاكلة التحقيقية كقول ابن الرَّقعمق:شعر : قالوا اقتَرح شيئاً نُجِدْ لك طَبْخَه قلتُ اطبُخُوا لِي جُبَّةً وقميصاً تفسير : استعار الطبخ للخياطة لمشاكلة قوله نجد لك طبخه، وإن كان اللفظ غير مذكور بل معلوماً من السياق سميت مشاكلة تقديرية كقول أبي تمام:شعر : مَنْ مُبْلغٌ أفناءَ يعرُبَ كلها أَني بَنَيْتُ الجارَ قبل المَنزل تفسير : استعار البناء للاصطفاء والاختيار لأنه شاكل به بناء المنزل المقدر في الكلام المعلوم من قوله قبل المنزل، وقوله تعالى: {صبغة الله} من هذا القبيل والتقدير في الآية أدق من تقدير بيت أبي تمام وهو مبني على ما هو معلوم من عادة النصارى واليهود بدلالة قوله: {أية : كونوا هوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 135] على ما يتضمنه من التعميد. والاستفهام في قوله: {ومن أحسن من الله صبغة} إنكاري ومعناه لا أحسن من الله في شأن صبغته، فانتصب (صبغة) على التمييز، تمييز نسبة محول عن مبتدأ ثان يقدر بعد (من) في قوله: {ومن أحسن} والتقدير ومن صبغته أحسن من الله أي من صبغة الله قال أبو حيان في «البحر المحيط»: وقل ما ذكر النحاة في التمييز المحول عن المبتدأ. وقد تأتي بهذا التحويل في التمييز إيجاز بديع إذ حذف كلمتان بدون لبس فإنه لما أسندت الأحسنية إلى من جاز دخول من التفضيلية على اسم الجلالة بتقدير مضاف لأن ذلك التحويل جعل ما أضيفت إليه صبغة هو المحكوم عليه بانتفاء الأحسنية فعلم أن المفضل عليه هو المضاف المقدر أي ومن أحسن من صبغة الله. وجملة {ونحن له عابدون} عطف على {آمنا} وفي تقديم الجار والمجرور على عامله في قوله: {له عابدون} إفادة قصر إضافي على النصارى الذين اصطبغوا بالمعمودية لكنهم عبدوا المسيح.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَابِدونَ} (138) - لَقَدْ صَبَغنَا اللهُ وَفَطَرَنَا عَلَى الاسْتِعْدَادِ لِلْحَقِّ وَالإِيْمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ، وَهذِهِ هِيَ مِيزَتُنَا التِي نَتَحَلَّى بِهَا، كَمَا يَتَحَلَّى الثَّوبُ بِالصَّبْغِ، وَلا أَحَدَ تَكُوُن صِبْغَتُهُ أَحسَنَ مِن صِبْغَةِ اللهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الذِي يَصْبُغُ عِبَادَهُ بِالإِيمَانِ، وَنْحَن لاَ نَعْبُدُ غَيْرَه، وَلاَ نَخْضَعُ إِلاَّ لَهُ، وَلاَ نَتَّبعُ إِلاَّ مَا هَدَانا وَأَرْشَدنَا إِلَيهِ. صِبْغَةَ اللهِ - مَصْدرٌ مُؤَكَّدٌ فَهُوَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (الزَمُوا صِبْغَةَ اللهِ أي دِينَ اللهِ أَوْ فِطْرَتَهُ).
الثعلبي
تفسير : {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} قال أبو العالية : دين الله. مجاهد: الإسلام. ابن عبّاس: هي إنّ النّصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يُقال له : المعبودي وصبغوه به؛ ليطهّروه بذلك مكان الختان، وإذا فعلوا ذلك به قالوا: الآن صار نصرانياً حقاً. فأخبر الله تعالى : إنّ دينه الإسلام لا ما يفعل النصارى. ابن كيسان: صبغة الله: وجهة الله يعني القبلة. قال: ويُقال: حُجة الله التي احتج بها على عباده. أبو عبيدة والزجاج: خلقة الله من صبغت الثوب إذا غيّرت لونه وخلّقته. فيكون المعنى : إنّ الله أبتدأ الخلقة على الإسلام، دليلهُ قول مقاتل في هذه الآية {أية : فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}تفسير : [الروم: 30]. أي دين الله. ويوضحه ما روى همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مولود إلاّ وهو على هذه الفطرة. فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، كما تولد البهيمة (بهيمة جمعاء) فهل تجدون فيها من جدعاً حتّى تكون الأم تجدعونها". قالوا : يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين ". تفسير : أبو عبيدة: سنّة الله، وقيل: هو الختان لأنّه يصبغ صاحبه بالدم، وفي الخبر: الختان سنّة للرجال مكرمة للنساء، وهي نصب على الاغراء تقديره: اتبعوا وألزموا صبغة الله. وقال الأخفش: هي بدل من قوله {مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ}. {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} ديناً. {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} مطيعون. {قُلْ} يا محمّد لليهود والنصارى: {أَتُحَآجُّونَنَا} أتجادلوننا وتخاصمونا، وقرأ الأعمش. والحسن وابن محيصن : بنون واحدة مشدّدة. وقرأ الباقون : بنونين خفيفتين إتباعاً للخط. {فِي اللَّهِ} في دين الله وذلك بأن قالوا: يا محمّد إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا. {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} مقاتل والكلبي: لنّا ديننا ولكم دينكم. {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} موحدون، وهذه الآية منسوخة بآية السّيف. فصل في معنى الإخلاص سُئل الحسن عن الاخلاص ما هو؟ فقال: سألت حُذيفة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإخلاص ما هو؟ قال: "سألت ربّ العزة عن الإخلاص ما هو؟" قال: "سرٌ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي" . تفسير : وعن أبي أدريس الخولائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ لكلّ حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يحمد على شيء من عمل الله ". تفسير : وقال سعيد بن جبير: الاخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله ولا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله أحداً. محمّد بن عبد ربّه قال : سمعت الفضيل يقول : ترك العمل من أجل النّاس رياءً والعمل من أجل النّاس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال يحيى بن معاذ: الإخلاص تميّز العمل من العيوب كتميّز اللبن من بين الفرث والدم. أبو الحسن البوشجي: هو ما لا يكتبه الملكان ولا يفسده الشيطان ولا يطّلع عليه الإنسان. رؤيم: هو ارتفاع رؤيتك من الظّل. وقيل: ما يرى به الحق ويقصد به الصدق. وقيل: ما لا يشوبه الآفات ولا تتبعه رخص التأويلات. وقيل: ما استتر من الخلائق واستصفى من العلائق. حذيفة (الاخلاص): هو أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن. أبو يعقوب المكفوف: أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته. سهل بن عبد الله: ألاّ يُرائي. عن أحمد بن أبي الجماري قال: سمعت أبا سليمان يقول : للمُرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في النّاس، ويزيد في العمل إذا أُثني عليه. {أَمْ تَقُولُونَ} قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص : بالتاء واختاره أبو عبيد، وقرأ الباقون بالياء، واختاره أبو حاتم. فمن قرأ بالتاء فاللمخاطبة التي قبلها {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} والتي بعدها {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} ومن قرأ بالياء فهو أخبار عن اليهود والنّصارى. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} قال الله: {قُلْ} يا محمّد. {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} بدينهم. {أَمِ ٱللَّهُ} وقد أخبرني الله إنّه لم يكن يهوديّاً ولا نصرانيّاً ولكن كان حنيفاً مسلماً. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ} أخفى. {شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ} وهو علمهم إنّ إبراهيم وبنيّه كانوا مسلمين، وأن محمّداً صلى الله عليه وسلم حق ورسول. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ} الآية.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما هي الصبغة؟ الصبغة هي إدخال لون على شيء بحيث يغيره بلون آخر .. تصبغ الشيء أحمر أو أزرق أو أي لون تختاره. والصبغ ينفذ في المصبوغ خاصة إذا كان المصبوغ له شعيرات مسام كالقطن أو الصوف .. ولذلك فإن الألياف الصناعية لا يمكن أن تصبغ لماذا؟ لأن شعرة القطن أو الصوف أشبه بالأنبوبة في تركيبها. وإذا جئنا بقنديل من الزيت ووضعنا فيه فتيلاً من القطن بحيث يكون رأس الفتيل في الزيت ثم تشعله من أعلاه نجد أن الزيت يسري في الأنابيب ويشعل الفتيل .. فإذا جربنا هذا في الألياف الصناعية فلا يمكن أن يسري فيها الزيت وإنما النار تأكل الألياف لأنه ليس فيها أنابيب شعرية كالقطن والصوف .. ولذلك تجد الألياف الصناعية سهلة في الغسيل لأن العرق لا يدخل في مسامها بينما الملابس القطنية تحتاج لجهد كبير لأن مسامها مشبعة بالعرق والتراب. إذن الصبغة لابد أن تتدخل مادتها في مسام القماش .. أما الطلاء فهو مختلف. إنه طبقة خارجية تستطيع أن تزيلها .. ولذلك فإن الذين يفتون في طلاء الأظافر بالنسبة للسيدات ويقولون إنه مثل الحناء نقول لهم لا .. الحناء صبغة تتخلل المادة الحية وتبقى حتى يذهب الجلد بها أي لا تستطيع أن تزيلها عندما تريد .. ولكن الطلاء يمكن أن تزيله في أي وقت ولو بعد إتمامه بلحظات .. إذن فطلاء الأظافر ليس صبغة. قوله سبحانه: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} [البقرة: 138] فكأن الإيمان بالله وملة إبراهيم وما أنزل الله على رسله هي الصبغة الإلهية التي تتغلغل في الجسد البشري .. ولماذا كلمة صبغة؟ حتى نعرف أن الإيمان يتخلل جسدك كله .. إنه ليس صبغة من خارج جسمك ولكنها صبغة جعلها الله في خلايا القلب موجودة فيه ساعة الخلق .. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه ). تفسير : فكأن الإيمان صبغة موجودة بالفطرة .. إنها صبغة الله .. فإن كان أبواه مسلمين ظل على الفطرة. وإن كان أبواه من اليهود أو النصارى يهودانه أو ينصرانه أي يأخذانه ويضعانه في ماء ويقولون صبغناه بماء المعمودية .. هذا هو معنى صبغة الله. ويريد الحق سبحانه أن يبين لنا ذلك بأن يجعل من آيات قدرته اختلاف ألواننا .. هذا الاختلاف في اللون من صبغة الله .. اختلاف ألوان البشر ليس طلاء وإنما في ذات التكوين .. فيكون هذا أبيض وهذا أسمر وهذا أصفر وهذا أحمر، هذه هي صبغة الله .. وما يفعلونه من تعميد للطفل لا يعطي صبغة. لأن الإيمان والدين لا يأتي من خارج الإنسان وإنما يأتي من داخله .. ولذلك فإن الإيمان يهز كل أعضاء الجسد البشري. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} تفسير : [الزمر: 23]. هذا هو التأثير الذي يضعه الله في القلوب .. أمر داخلي وليس خارجيا .. أما إيمان غير المسلمين فهو طلاء خارجي وليس صبغة لأنهم تركوا صبغة الله .. ونقول لهم: لا. هذا الطلاء من عندكم أنتم، أما ديننا فهو صبغة الله .. وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً ..} [البقرة: 138] .. استفهام لا يمكن أن يكذبوه ولكن الجواب يأتي على وفق ما يريده السائل سبحانه من أنه لا يوجد من هو أحسن من الله صبغة. وقوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة: 138] أي مطيعون لأوامره والعابد هو من يطيع أوامر الله ويجتنب ما نهى عنه. والأوامر دائماً تأتي بأمر فيه مشقة يطلب منك أن تفعله والنهي يأتي عن أمر محبب إلى نفسك هناك مشقة أن تتركه .. ذلك أن الإنسان يريد النفع العاجل، النفع السطحي، والله سبحانه وتعالى يوجهنا إلى النفع الحقيقي .. النفع العاجل يعطيك لذة عاجلة ويمنحك نعيماً دائماً في الآخرة وتمتعاً بقدرات الله سبحانه وتعالى .. وأنت حين تسمع المؤذن ولا تقوم للصلاة لأنها ثقيلة على نفسك قد أعطيت نفسك لذة عاجلة كأن تشغل نفسك بالحديث مع شخص أو بلعب الطاولة أو بغير ذلك .. وتترك ذلك النفع الحقيقي الذي يقودك إلى الجنة .. ولذلك قال الله سبحانه: {أية : إِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ ..} تفسير : [البقرة: 45-46]. إذن العبادة أمر ونهي .. أمر يشق على نفسك فتستثقله، ونهي عن شيء محبب إلى نفسك يعطيك لذة عاجلة ولذلك تريد أن تفعله .. إذن فقوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة: 138] .. أي مطيعون لأوامره لأننا آمنا بالآمر إلهاً ورباً يعبد .. فإذا آمنت حبَّب الله إليك فعل الأشياء التي كنت تستثقلها وسهل عليك الامتناع عن الأشياء التي تحبها لأنها تعطيك لذة عاجلة .. هذه هي صبغة الله التي تعطينا العبادة .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلرَّاشِدُونَ} تفسير : [الحجرات: 7]. وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى بصبغة الإيمان يحبب إلينا الخير ويجعلنا نبغض الشر .. لا عن رياء ونفاق خارج النفس كالطلاء ولكن كالصبغة التي تتخلل الشيء وتصبح هي وهو شيئاً واحداً لا يفترقان ..
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} معناهُ دينُ الله. تفسير : وقولهُ تعالى: {أية : ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا} تفسير : [الروم: 30] معناهُ ابْتِداءُ خَلْقِهمْ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قياما تاما، بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة، وصفة من صفاتكم، فإذا كان صفة من صفاتكم، أوجب ذلك لكم الانقياد لأوامره، طوعا واختيارا ومحبة، وصار الدين طبيعة لكم بمنزلة الصبغ التام للثوب الذي صار له صفة، فحصلت لكم السعادة الدنيوية والأخروية، لحث الدين على مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومعالي الأمور، فلهذا قال - على سبيل التعجب المتقرر للعقول الزكية-: { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً } أي: لا أحسن صبغة من صبغته. وإذا أردت أن تعرف نموذجا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصبغ، فقس الشيء بضده، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانا صحيحا، أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتحلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخلق كامل، ونعت جليل، ويتخلى من كل وصف قبيح، ورذيلة وعيب، فوصفه: الصدق في قوله وفعله، والصبر والحلم، والعفة، والشجاعة، والإحسان القولي والفعلي، ومحبة الله وخشيته، وخوفه، ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود، والإحسان لعبيده، فقسه بعبد كفر بربه، وشرد عنه، وأقبل على غيره من المخلوقين فاتصف بالصفات القبيحة، من الكفر، والشرك والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدم العفة، والإساءة إلى الخلق، في أقواله، وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحسان إلى عبيده. فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما، ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة ممن انصبغ بغير دينه. وفي قوله: { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } بيان لهذه الصبغة، وهي القيام بهذين الأصلين: الإخلاص والمتابعة، لأن "العبادة "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة، ولا تكون كذلك، حتى يشرعها الله على لسان رسوله، والإخلاص: أن يقصد العبد وجه الله وحده، في تلك الأعمال، فتقديم المعمول، يؤذن بالحصر. وقال: { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار، ليدل على اتصافهم بذلك وكونه صار صبغة لهم ملازما.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 37: 133 - سفين في قوله {صِبْغَةَ ٱللَّهِ} قال، دين الله {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً} قال، دينا. [الآية 138].
همام الصنعاني
تفسير : 135- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {صِبْغَةَ ٱللَّهِ}: [الآية: 138] قال: دين الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):