٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
139
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في تلك المحاجة وذكروا وجوهاً. أحدها: أن ذلك كان قولهم أنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم والمعنى: أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسول من العرب لا منكم وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا. وثانيها: قولهم: نحن أحق بالإيمان من العرب الذين عبدوا الأوثان. وثالثها: قولهم؛ {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } وقولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وقولهم: {أية : كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ } تفسير : [البقرة: 135] عن الحسن. ورابعها: {أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ } أي: أتحاجوننا في دين الله. المسألة الثانية: هذه المحاجة كانت مع من؟ ذكروا فيه وجوهاً. أحدها: أنه خطاب لليهود والنصارى. وثانيها: أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا: {أية : لَوْلا أُنزِلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] والعرب كانوا مقرين بالخالق. وثالثها: أنه خطاب مع الكل، والقول الأول أليق بنظم الآية. أما قوله: {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } ففيه وجهان. الأول: أنه أعلم بتدبير خلقه وبمن يصلح للرسالة وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإن العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر بالكلية له. الثاني: أنه لا نسبة لكم إلى الله تعالى إلا بالعبودية، وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا لأنا مخلصون له في العبودية، ولستم كذلك، وهو المراد بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مخلصون} وهذا التأويل أقرب. أما قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } فالمراد منه النصيحة في الدين كأنه تعالى قال لنبيه: قل لهم هذا القول على وجه الشفقة والنصيحة، أي لا يرجع إلى من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر وإنما المراد نصحكم وإرشادكم إلى الأصلح، وبالجملة فالإنسان إنما يكون مقبول القول إذا كان خالياً عن الأغراض الدنيوية، فإذا كان لشيء من الأغراض لم ينجع قوله في القلب ألبتة فهذا هو المراد فيكون فيه من الردع والزجر ما يبعث على النظر وتحرك الطباع على الاستدلال وقبول الحق، وأما معنى الإخلاص فقد تقدم.
القرطبي
تفسير : قال الحسن: كانت المحاجة أن قالوا: نحن أوْلى بالله منكم؛ لأنّا أبناء الله وأحباؤه. وقيل: لتقدّم آبائنا وكتبنا، ولأنا لم نعبد الأوثان. فمعنى الآية: قل لهم يا محمد، أي قل لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وٱدّعُوا أنهم أوْلى بالله منكم لِقدم آبائهم وكتبهم: «أتحاجُّوننا» أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم والربُّ واحد، وكلٌّ مجازى بعمله؛ فأي تأثير لِقدم الدّين. ومعنى «في الله» أي في دينه والقُرْب منه والحظوة له. وقراءة الجماعة: {أَتُحَآجُّونَنَا}. وجاز ٱجتماع حرفين مثلين من جنس واحد متحركين؛ لأن الثاني كالمنفصل. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «ٱتحاجُّونَا» بالإدغام لاجتماع المثلين. قال النحاس: وهذا جائز إلا أنه مخالف للسّواد. ويجوز «أتحاجُّونِ» بحذف النون الثانية، كما قرأ نافع «أية : فَبِم تُبَشِّرُون»تفسير : [الحجر: 54]. قوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي مخلصون العبادة، وفيه معنى التوبيخ؛ أي ولم تُخلصوا أنتم فكيف تدّعون ما نحن أوْلى به منكم! والإخلاص حقيقته تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى يقول أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكاً فهو لشريكي يأيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالى فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرَّحِم فإنها للرَّحِم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء»تفسير : . رواه الضحاك بن قيس الفِهْري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... فذكره؛ خرّجه الدَّارَقُطْنِي. وقال رُوَيْم: الإخلاص من العمل هو ألا يريد صاحبه عليه عِوَضاً في الدارين ولا حظًّا من المَلَكين. وقال الجُنَيْد: الإخلاص سِرٌّ بين العبد وبين الله، لا يعلمه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيميله. وذكر أبو القاسم القشيري وغيره عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سألت جبريل عن الإخلاص ما هو فقال سألت رَبّ العزّة عن الإخلاص ما هو قال سِرٌّ من سِرِّي ٱستودعته قلب من أحببته من عبادي»
البيضاوي
تفسير : {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} أتجادلوننا. {فِى ٱللَّهِ} في شأنه واصطفائه نبياً من العرب دونكم، روي أن أهل الكتاب قالوا: الأنبياء كلهم منا، لو كنت نبياً لكنت منا. فنزلت: {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} لا اختصاص له بقوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء من عباده. {وَلَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ } فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص. وكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها، فلنا أيضاً أعمال. {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} موحدون نخصه بالإيمان والطاعة دونكم.
ابن كثير
تفسير : يقول الله تعالى مرشداً نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِى اللَّهِ} أي: تناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد واتباع أوامره وترك زواجره {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} المتصرف فينا وفيكم المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له {وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 41] وقال تعالى: {أية : فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ}تفسير : [آل عمران: 20] إلى آخر الآية، وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّوۤنِّى فِى ٱللَّهِ} إلى آخر الآية، وقال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِيمَ فِى رِبِّهِ}تفسير : [البقرة: 258] الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: {وَلَنَآ أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: نحن براء منكم كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون، أي: في العبادة والتوجه، ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط، كانوا على ملتهم إما اليهودية وإما النصرانية، فقال: {قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى كما قال تعالى: {أية : مَا كَانَ إِبْرَٰهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [آل عمران: 67] الآية والتي بعدها، وقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ} قال الحسن البصري: كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: أن الدين الإسلام، وأن محمداً رسول الله، وأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، كانوا براء من اليهودية والنصرانية، فشهدوا لله بذلك، وأقروا على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك، وقوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعلمكم، وسيجزيكم عليه. ثم قال تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أي: قد مضت، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم} أي لهم أعمالهم، ولكم أعمالكم، { وَلاَ تُسْـأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا منقادين مثلهم لأوامر الله واتباع رسله الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد، فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما بسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من المكلفين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {أَتُحَاجُّونَنَا } تخاصموننا {فِى ٱللَّهِ } أن اصطفى نبياً من العرب {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } فله أن يصطفي من عباده من يشاء {وَلَنَا أَعْمَٰلُنَا } نُجَازَى بها {وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ } تُجَازَوْنَ بها فلا يبعد أن يكون في أعمالنا ما نستحق به الإكرام {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } الدين والعملَ دونكم فنحن أولى بالاصطفاء والهمزة للإنكار والجمل الثلاث أحوال.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ} يعني قالوا: {إنَّ إبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وَإِسَحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ} وهم إثنا عشر سَبْطاً من ولد يعقوب، والسَبْطُ الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، والسَبْطُ في اللغة: الشجر الذي يرجع بعضه إلى بعض {كَانُوا هُوداً أوْ نَصَارَى قُلْ: أَأَنْتُم أَعْلَمُ أمِ اللهُ} يعني اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هوداً، والنصارى تزعم أنهم كانوا نصارى، فرد الله عليهم بأن الله تعالى أعلم بهم منكم، يعني بأنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى. {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من كتمان الشهادة، والارتشاء عليها من أغنيائهم وسفائهم.
ابن عطية
تفسير : معنى الآية: {قل} يا محمد لهؤلاء اليهود والنصارى الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وادعوا أنهم أولى بالله منكم لقدم أديانهم وكتبهم: {أتحاجوننا في الله}؟ أي أتجاذبوننا الحجة على دعواكم، والرب تعالى واحد وكل مجازى بعمله، فأي تأثير لقدم الدين؟، ثم وبخوا بقوله {ونحن له مخلصون} أي ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم؟. وقرأ ابن محيصن "أتحاجونا" بإدغام النون في النون، وخف الجمع بين ساكنين لأن الأول حرف مد ولين، فالمد كالحركة، ومن هذا الباب دابة وشابة، و {في الله} معناه في دينه والقرب منه والحظوة لديه. وقوله تعالى: {أم تقولون} عطف على ألف الاستفهام المتقدمة، وهذه القراءة بالتاء من فوق قرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم، وقرأ بن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم "أم يقولون" بالياء من أسفل، و {أم} على هذه القراءة مقطوعة، ذكره الطبري، وحكي عن بعض النحاة أنها ليست بمقطوعة لأنك إذا قلت أتقوم أم يقوم عمرو؟ فالمعنى أيكون هذا أم هذا؟. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا المثال غير جيد، لأن القائل فيه واحد والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان غيران، وإنما تتجه تتجه معادلة {أم} للألف على الحكم المعنوي كأن معنى {قل أتحاجوننا} أي أيحاجون يا محمد أم يقولون، وقيل أن {أم} في هذا الموضع غير معادلة على القراءتين، وحجة ذلك اختلاف معنى الآيتين وإنهما ليسا قسمين، بل المحاجة موجودة في دعواهم الأنبياء عليهم السلام، ووقفهم تعالى على موضع الانقطاع في الحجة، لأنهم إن قالوا إن الأنبياء المذكورين على اليهودية والنصرانية كذبوا، لأنه قد علم أن هذين الدينين حدثا بعدهم، وإن قالوا لم يكونوا على اليهودية النصرانية قيل لهم فهلموا إلى دينهم إذ تقرون بالحق. وقوله تعالى: {قل أأنتم أعلم أم الله} تقرير على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطور إلا أن الله تعالى أعلم، و {من أظلم} لفظه الاستفهام والمعنى لا أحد أظلم منهم، وإياهم أراد تعالى بكتمان الشهادة. واختلف في الشهادة هنا ما هي؟ فقال مجاهد والحسن والربيع: هي ما في كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم، وقال قتادة وابن زيد: هي ما عندهم من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم واتباعه، والأول أِبه بسياق معنى الآية، واستودعهم الله تعالى هذه الشهادة ولذلك قال: {من الله}، فــ {من} على هذا متعلقة بــ {عنده}، كأن المعنى شهادة تحصلت له من الله، ويحتمل أن تتعلق {من} بــ {كتم}، أي كتمها من الله. وقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون}، وعيد وإعلام أنه لا يترك أمرهم سدى، وأن أعمالهم تحصل ويجازون عليها، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغفل، وهي التي لا معلم بها. وقوله تعالى: {تلك أمة} الآية، كررها عن قرب لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأكيد، فلذلك كررها، ولترداد ذكرهم أيضاً في معنى غير الأول.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ...} سماها حجة مجازا وإنما هي شبهة وليست حجة بوجه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ...} الآية: معنى الآية: قل يا محمَّد لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَىٰ: أتحاجُّوننا في اللَّه، أي: أتجادلونَنَا في دِينِهِ، والقُرْب منه، والحُظْوة لديه سُبْحانه، والرب واحدٌ، وكلٌّ مجازًى بعمله، ثم وبَّخهم بقوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ }، أي: ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدَّعون ما نَحْن أولَىٰ به منْكُمْ. وقوله تعالَىٰ: {أَمْ تَقُولُونَ } عطْفٌ على ألف الاستفهامِ المتقدِّمة، وهذه القراءة بالتاء من فوق قراءةُ ابن عامر، وحمزةَ، وغيرهما، وقرأ نافعٌ وغيره بالياء من أسفل، «وأَمْ» على هذه القراءةِ مقطوعةٌ، ووقفهم تعالَىٰ على موضعِ الانقطاعِ في الحُجَّة؛ لأنهم إِنْ قالوا: إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا؛ لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا: لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلُمُّوا إِلى دينهم؛ إِذ تقرُّون بالحق. وقوله تعالى: {قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } تقريرٌ على فساد دعواهم؛ إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً }، أيْ: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ٱدَّعَوْه، وقال قتادةُ وغيره: هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيِّ صلى الله عليه وسلم والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ، «ومِن» متعلِّقةٌ بـــ «عِنْده»، ويحتمل أن تتعلق بـــ «كَتَمَ». {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ..} الآيةَ: فيه وعيد وإِعلام؛ أنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل: الذي لا يفطنُ للأمور إهْمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها. وقوله تعالى؛ {تِلْكَ أُمَّةٌ} الآية: كرَّرها عن قرب؛ لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضاً في معنى غيْر الأول.
ابن عادل
تفسير : الاستفهام في قوله: "أَتُحَاجُّونَنَا" للإنكار والتوبيخ. والجمهور: "أتحاجوننا" بنونين الأولى للرفع، والثانية نون "نا". وقرأ زيد والحسن والأعمش ـ رحمهم الله ـ بالإدغام. وأجاز بعضهم حذف النون الأولى. فأما قراءة الجمهور فواضحة. وأما قراءة الإدغام فلاجتماع مثلين، وسوغ الإدغام وجود حرف المد واللين قبله القائم مقام الحركة. وأما من حذف فبالحمل على نون الوقاية كقراءة: {أية : فَبِمَ تُبشِّرُونِ}تفسير : [الحجر:54]؛ وقوله [الوافر] شعر : 819ـ تَرَاهُ كَالثَّغَامِ يُعَلُّ مِسْكاً يَسُوءُ الفَالِيَاتِ إذَا فَلَيْنِي تفسير : يريد "فَليْنَنِي"، وهذه الآية مثل قوله: {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ}تفسير : [الزمر:64]، فإنه قرئت بالأوجه الثلاثة: الفَكِّ والإدغام والحذف، ولكن في المتواتر. وهنا لم يُقْرأ في المشهور كما تقدَّم إلا بالفكّ. ومَحَلُّ هذه الجملة النصب بالقول قبلها. والضمير في "قل" يَحْتَمِلُ أن يكون للنبي ـ عليه السَّلام ـ أو لكلّ من يصلح للخطاب، والضمير المرفوع في: "أتحاجُّوننا" لليهود والنصارى، أو لمشركي العرب أو للكلّ. و "المحاجّة" مفاعلة من حَجَّه يَحُجُّهُ. فصل في تحرير معنى المحاجّة اختلفوا في تلك المحاجة: فقيل: هي قولهم: إنهم أولى بالحق والنبوة لتقدم النبوة فيهم، والمعنى: أتجادلوننا في أن الله اصطفى رسوله من العرب لأمتكم، وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل عليكم، وترونكم أحق بالنبوة منا. وقيل: هي قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة:18] وقولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة:111]، وقولهم: {أية : كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ}تفسير : [البقرة:135] قاله الحسن رضي الله عنه. وقيل: {أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ} أي: أتجادلوننا في دين الله. وقوله: "في الله" لا بد من حذف مضاف أي: في شأن الله، أو دين الله. قوله: "وَهُوَ رَبُّنَا" مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال، وكذا ما عطف عليه من قوله: "وَلَنَا أعمالنا" ولا بد من حذف مضاف أي: جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم. فصل قوله: {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} فيه وجهان: الأول: أنه أعلم بتدبير خلقه، وبمن يصلح للرسالة، وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربكم، فإنّ العبد ليس له أن يعترض على ربه، بل يجب عليه تفويض الأمر إليه. الثاني: أنه لا نسبة لكم إلى الله ـ تعالى ـ إلا بالعبودية وهذه النسبة مشتركة بيننا وبينكم، فلم ترجّحون أنفسكم علينا، بل الترجيح من جانبنا؛ لأنا مخلصون في العبودية، ولستم كذلك، وهذا التأويل أقرب. قوله تعالى: {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} المراد منه النَّصيحة في الدين، كأنه تعالى قال لنبيه: قل لهم هذا القول على وجه الشَّفقة والنصيحة، أي: لا يرجع إليَّ من أفعالكم القبيحة ضرر حتى يكون المقصود من هذا القول دفع ذلك الضرر، وإنما المراد [نصحكم] وإرشادكم إلى الأصلح.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أتحاجوننا في الله} قال: أتخاصموننا؟ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {أتحاجوننا} تجادلوننا؟ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} قال: في قول يهود لإِبراهيم وإسمعيل ومن ذكر معهما أنهم كانوا يهوداً أو نصارى، فيقول الله لهم: لا تكتموا مني شهادة إن كانت عندكم، وقد علم الله أنهم كاذبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ومن أظلم ممن كتم شهادة...} الآية. قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية وكتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} قال: كان عند القوم من الله شهادة أن أنبياءه برآء من اليهودية والنصرانية. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله {تلك أمة قد خلت} قالا: يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي المليح قال: الأمة ما بين الأربعين إلى المائة فصاعداً.
القشيري
تفسير : كيف تصحُّ محاجة الأجانب وهم تحت غطاء الغيبة، وفي ظلال الحجبة. والأولياء في ضياءُ الكشف وظُهْر الشهود؟ ومتى يستوي حال من هو بنعت الإفلاس بِغَيْبَتهِ مع حال من هو حكم الاختصاص والإخلاص لانغراقه في قُرْبَتِه؟ هيهات لا سواء!
اسماعيل حقي
تفسير : {قل أتحاجوننا} المحاجة المجادلة ودعوى الحق واقامة الحجة على ذلك من كل واحد والهمزة للانكار والتوبيخ. وسبب نزول هذه الآية ان اليهود والنصارى قالوا ان الانبياء كانوا منا وعلى ديننا وديننا اقدم فقال الله تعالى قل يا محمد لليهود والنصارى أتجادلوننا وتخاصموننا {فى الله} اى فى دينه وتدعون ان دينه الحق هو اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما وتقولون تارة لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى وتارة كونوا هودا او نصارى تهتدوا {وهو ربنا وربكم} اى والحال انه لا وجه للمجادلة اصلا لانه تعالى مالك امرنا وامركم {ولنا اعمالنا} الحسنة الموافقة لامره {ولكم اعمالكم} السيئة المخالفة لحكمه فكيف تدعون انكم اولى بالله {ونحن له} اى لله تعالى {مخلصون} فى تلك الاعمال لا نبتغى بها الا وجهه فأنى لكم المحاجة وادعاء حقية ما انتم عليه والطمع فى دخول الجنة بسببه ودعوة الناس اليه وانتم به مشركون. والاخلاص تصفية العمل عن الشرك والرياء وحقيقته تصفية الفعل عن ملاحظه المخلوقين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الذي يظهر أن {أم} منقطعة، بمعنى بل، على قراءة الخطاب والغيبة؛ لأن المقصود إنكار وقوع الأمرين معاً، لا أحدهما. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد لأهل الكتاب: أتخاصموننا {في الله} وتقولون: أنتم أولى به منا {وهو ربنا وربكم}، لا يختص به واحد دون آخر، {ولنا أعمالنا} نتقرب بها إليه، {ولكم أعمالكم} تتقربون بها أيضاً، فكيف تختصون به دوننا {ونحن له مخلصون} في أعمالنا وقلوبنا دونكم فإنكم؛ أشركتم به غيره، فإن قلتم: إن الإنبياء كلهم منكم وعلى ملتكم فقد كذبتم، أتقولون {إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب} وأولاده {الأسباط كانوا هوداً} على دينكم يا معشر اليهود، {أو نصارى} على ملتكم يا معشر النصارى. {قل} لهم يا محمد: {أأنتم أعلم أم الله} وقد نفى الأمرين معاً عن إبراهيم فقال: {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِمَاً}تفسير : [آل عِمران: 67]، وقال:{أية : وَمَآ أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ}تفسير : [آل عِمرَان: 65]، وهؤلاء المعطوفون عليه: أتباعه في الدين، فليسوا يهوداً ولا نصارى، فكيف تدعون أنهم كلهم منكم، وعلى دينكم، وأنتم تشهدون أنهم لم يكونوا على دينكم؟ {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله}، وهي شهادة الحق لإبراهيم بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، أي: لا أحد أظلم منه، وليس الله تعالى {بغافل عما تعملون}، بل يجازيكم على النقير والقطمير، فإن اعتمدتم على نسبكم إليهم فقد اغتررتم. {تلك أمة} قد مضت، {لها ما كسبت} لا ينتفع به غيرها، {ولكم ما كسبتم} لا ينفعكم غيره، ولا تسألون عن عملهم كما لا يسألون عن أعمالكم، قال البيضاوي: كرره للمبالغة في التحذير، والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء، والاتكال عليهم، وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا، تحذيراً عن الاقتداء بهم، وقيل: المراد بالأمة في الأولى الأنبياء، وفي الثانية أسلاف اليهود والنصارى. هـ. الإشارة: كل من أقامه الحقّ في وجهه، ووجهه إليها، فهو عامل لله فيها، قائم بمراد الله منها، وما اختلفت الأعمال إلى من جهة المقاصد، وما تفاوت الناس إلى من جهة الإخلاص. فالخلق كلهم عبيد للملك المجيد، وما وقع الاختصاص إلا من جهة الإخلاص. فمن كان أكثر إخلاصاً لله كان أولى من غيره بالله، وبقدر ما يقع للعبد من الصفاء يكون له من الاصطفاء، فالصوفية والعلماء والعباد والزهاد وأهل الأسباب على اختلاف أنواعهم كلهم عاملون لله، ليس أحد منهم بأولى من غيره بالله إلا من جهة الإخلاص وإفراد القلب لله، فمن ادعى الاختصاص بالله من غير هذه الوجهة فهو كاذب، ومن اعتمد على عمل غيره فهو مغرور، يقال له: {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}. ولمّا أراد الله تعالى أن ينسخ القبلة من جهة الشام ويردها إلى الكعبة، أخبر أنه سيكرها قومٌ خَفَّتْ أحلامُهم، وفسدت بالتقليد الردي عقولُهم، وهم أحبار اليهود والمنافقون والمشركون.
الطوسي
تفسير : المعنى: أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يقول لهؤلاء الكفار {أتحاجوننا في الله} ومعناه: تخاصموننا وتجادلوننا فيه وهو تعالى الذي خلقنا وانعم علينا، وخلقكم وانعم عليكم. وكانت محاجتهم له (صلى الله عليه وسلم) انهم زعموا انهم أولى بالحق، لانهم راسخون في العلم، وفي الدين، لتقدم النبوة فيهم، والكتاب، فهم أولى بأن يكون الرسول منهم. وقال قوم: بل قالوا: نحن أحق بالايمان، لانا لسنا من العرب الذين عبدوا الاوثان، فبين الله تعالى وجه الحجة عليهم انه ربنا وربهم، فهو أعلم بتدبيرنا وتدبيرهم، ومصلحتنا ومصلحتهم، وانه لا حجة علينا في اجرام غيرنا ومعاصيهم. وقال الحسن: كانت محاجتهم أن قالوا: نحن اولى بالله منكم، وقالوا: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : وقالوا: {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} وقالوا {كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} وغرضهم بذلك الاحتجاج بان الدين ينبغي ان يلتمس من جهتهم، وأن النبوة اولى أن تكون فيهم وليس الامر على ما ظنوا، لان {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : ومن الذي يقوم باعبائها، ويتحملها على وجه يكون اصلح للخلق واولى بتدبيرهم. وقوله: {لنا أعمالنا} معناه الانكار لاحتجاجهم باعمالهم، لانهم مشركون، ونحن له مخلصون. وقيل معناه الانكار للاحتجاج بعبادة العرب للاوثان، فقيل: لا حجة في ذلك إذ لكل احد عمله، لا يؤخذ بجرم غيره. اللغة: والاعمال والافعال والاحداث نظائر. والاخلاص والافراد والاختصاص نظائر وضد الخالص المشوب. وقوله: {ونحن له مخلصون} فيه احتجاج بأن المخلص لله اولى بالحق من المشرك به. وقيل معناه: الرد عليهم بما احتجوا به من عبادة العرب للاوثان، بانه لا عيب علينا في ذلك اذا كنا مخلصين، كما لا عيب عليكم بفعل من عبد العجل من الاسلاف اذا اعتقدتم الانكار عليهم، بانهم على الاشراك بالله بالتشبيه له، والكفر بآياته. وقال ابن عباس: معنى "أتحاجوننا" أتجادلوننا. وقال مجاهد: معناه أتخاصموننا. وبه قال ابن زيد. ومعنى {في الله} في دين الله، والالف صورتها الاستفهام. ومعناه الانكار ويجوز في "أتحاجوننا" ثلاثة اوجه من العربية: الاظهار، والادغام، والحذف. فالادغام تشديد النون، والحذف تخفيف النون الواحدة.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا} اتخاصموننا مع علمكم بأنّ ديننا حقّ وانّ دينكم منسوخ او مع جهلكم بحقّيّة ديننا وبطلانه يعنى هل تكون محاجّتكم محض الغلبة علينا من غير اعتبار حقيّة ما تحاجّون به او بطلانه فان المحاجّه لا تستعمل الاّ فى المبالغة فى المخاصمة {فِي اللَّهِ} اضاف اليه قوله فى الله ليكون من القضايا الّتى قياساتها معها بالنّسبة الى انكار المحاجّة يعنى انتم تخاصمون فى فضل الله وانعامه على عباده، وكلّ من يخاصم فى فضل الله على عباده مطرود عن الخير؛ فأنتم مطرودون عن الخير ولذا أضاف اليه قوله تعالى {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} يعنى ينبغى لنا ولكم التّوافق والتّسليم لأمره لا المحاجّة فى أمره {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} يعنى ان كنتم تحاجّوننا فى الله فهو ربّكم كما أنّه ربّنا، وان كنتم تحاجّوننا لانكاركم علينا اعمالنا فلا ضرر من اعمالنا عليكم حتّى تخاصموننا بل نفعها لنا وضررها علينا ولا تنقصكم من أعمالكم شيئاً حتّى تحاجّونا لذلك {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} واقتضاء الاخلاص ان لا يتضرّر أحد بعملنا وان لا يخاصمنا من انتسب اليه تعالى.
اطفيش
تفسير : {قُلْ}: يا محمد لليهود والنصارى الذين قالوا ذلك وأمروكم باتباع دينهم. {أتُحاجُّونَنا فى اللهِ}: أتتعاطون حجة تغلبوننا بها فى أمر الله الذى قضاه واختاره، وهو إرسال محمد صلى الله عليه وسلم، واختيار دين الإسلام له الذى هو الحق وما سواه باطل، وحجتهم كون دينهم وكتابهم وقبلتهم أقدم، والأنبياء فيهم، وهى حجة أضعف من طنين جناح الذباب، وإنما هى فى بحبوحة البطلان، وبمعزل عن الصواب، لأن كتبهم وأنبياءهم تأمرهم باتباع محمد، صلى الله عليه وسلم، فهى حجة عليهم، ووخز متوجه إليهم، فكيف يفتخرون بأنبيائهم وكتبهم، وليسوا بمتبعيها، فمحاجتهم مخاصمة بالباطل، وهم فيها أقبح مجادل. وقرأ زيد بن ثابت أتحاجونا بإدغام نون الرفع فى نون المفعول. {وهُو رَبّنا وربكم}: مالكنا ومالككم وسيدنا وسيدكم، ومالك كل شئ وسيده يفعل ما يشاء، فله أن يختارنا ويختار محمداً ويخصنا ويخصه بما شاء، ويصيب برحمته من يشاء. {ولنَا أعْمالُنا}: نجازى بما نفعل، إن خيراً فخير، وإن شرا فشر، وعملهم على أمر الإسلام، وأمر الإسلام كله خير، لكن قولوا ذلك إرخاء للعنان وإظهاراً ليأسهم من أن يستقيم اليهود والنصارى، وذلك كقوله تعالى: {أية : وإنَّا أوإيَّاكم لعلَى هدًى أو فى ضَلالٍ مُبِينٍ}تفسير : {ولكُم أعمالُكم}: تجازون بما تفعلون إن خيراً فخير، وإن شراً فشر وعملهم على الباطل وأمر الباطل شر، ولكن قالوا ذلك للإرخاء والإظهار المذكورين كما أسرت إليه. {ونَحْن لَه مُخْلِصُون}: نخلص له ديننا وعملنا، وأنتم تشركون به فى دينكم وعملكم، فلنا ولبنينا الاصطفاء دونكم، ففى قولهم: {نحن له مخلصون} تعريض باليهود والنصارى، أنهم غير مخلصين. قال الفضيل ابن عياض: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما، ووجه كون الترك من أجلهم رياء فيما يظهر أنهُ يخاف أن يقول الناس: لو عمل أنه عمل للرياء فترك ليبقى عندهم رجلا حسنا غير متهم بالرياء، وهذا أيضاً شرك لحديث: إن الرياء شرك أصغر، ولم يرد عياض أنه غير شرك، ولكن خص العمل لأجلهم باسم الشرك، لأنه من الرياء النوع الأكبر، ويجوز أن يريدوا بأعمالنا وأعمالكم: ما نفعل من خير مما وافق أمر الإسلام، وشر مما خالفه من نزع الشيطان، وما تفعلون مما ليس باطلا، وما تفعلون مما هو باطل، ويحتمل أن يكون الكلام على سبيل الفرض، والتقدير فى أن أهل الكتاب مصيبون فى دينهم وأعمالهم، فكأنه قيل قولوا لهم هب أن دينكم وأعمالكم صواب، ولكن ذلك إما من فضل الله عليكم بلا عمل فلا مانع من أن يتفضل علينا كما تفضل عليكم بالتوفيق، وأما بأسباب العمل والتهيئ للخير فنستحقه إذا عملنا وتهيئنا وذلك فى سائر الخير، وأما النبوة فقيل: تكون بلا سبب من العبد، وقيل: تترتب على عمله الصالح، وفى هذا كلام ذكرته فى مختصر القواعد والحاشية، فإذا كنتم غير مختصين يا معشر اليهود والنصارى، ونحن أخلصنا فكيف تدعون ما نحن أولى به منكم، والهمزة فى (أتحاجوننا) للتوبيخ، وإنكار كو محاجتهم صوابا وجملة (هو ربنا) حال من لفظ الجلالة، أو من الواو فى أتحاجوننا، أو من قوله (نا) والواو للحال، وجملة (لنا أعمالنا) حال من الواو، ومن قوله (نا) أو من لفظ الجلالة، والواو للحال، ويجوز عطفها على جملة الحال، والواو للعطف، ويجوز أن تكون مستأنفة، والواو للاستئناف ولكم أعمالكم فيه. هذه الأوجه مع زيادة جواز عطفه على (لنا أعمالنا)، وكونه حال من ضمير الاستقرار فى لنا، وكذا نحن له مخلصون مع زيادة كونه معطوفا على (لكم أعمالكم)، وجوازه كونه حالا من قوله (نا) فى قوله (أعمالنا) والآية تتضمن المسالة وترك القتال، فهذا المعنى الذى تتضمن منسوخ عند بعض بآية القتال، وهذا لا غيره هو المراد بقول الخازن هذه الآية منسوخة بآية السيف فافهم.
الالوسي
تفسير : {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} تجريد الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم لما أن المأمور به من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام، والهمزة للإنكار، وقرأ زيد والحسن وغيرهما بإدغام النون أي تجادلونا. {فِى ٱللَّهِ} أي في دينه وتدعون أن دينه الحق اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما، وقيل: المراد في شأن الله تعالى واصطفائه نبياً من العرب دونكم بناءاً على أن الخطاب لأهل الكتاب وسوق النظم يقتضي أن تفسر المحاجة بما يختص بهم، والمحاجة في الدين ليست كذلك والقرينة على التقييد قوله سبحانه قبل: {أية : وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا }تفسير : [البقرة: 136] وبعد {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً }تفسير : [البقرة: 140] حيث إنه تعريض بكتمان أهل الكتاب شهادة الله سبحانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي في سبب النزول أن أهل الكتاب قالوا الأنبياء كلهم منها فلو كنت نبياً لكنت منا فنزلت، ولا يخفى عليك أن المحاجة في الدين على ما ذكرنا مختصة بهم على أن ظاهر السوق يقتضي ذمهم بما صار ديناً لهم وشنشنة فيهم حتى عرفوا فيه، ومشركو العرب وإن حاجوا في الدين/ أيضاً لكنهم لم يصلوا فيه إلى رتبة أهل الكتاب لما أنهم أميون عارون عن سائر العلوم جاهلون بوظائف البحث بالكلية نظراً إلى أولئك القائمين على ساق الجدال وإن القرينتين السابقة واللاحقة على التقييد في غاية الخفاء وأن ما روي في سبب النزول ليس مذكوراً في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المعتبرة كما نص على ذلك الإمام السيوطي وكفى به حجة في هذا الشأن. {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} جملة حالية أي أتجادلوننا والحال أنه لا وجه للمجادلة أصلاً لأنه تعالى مالك أمرنا وأمركم {وَلَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ} عطف على ما قبله أي لنا جزاء أعمالنا الحسنة الموافقة لأمره ولكم جزاء أعمالكم السيئة المخالفة لحكمه {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهه فأنى لكم المحاجة ودعوى حقيقة ما أنتم عليه والقطع بدخول الجنة بسببه ودعوة الناس إليه. والجملة حالية كالتي قبلها، وذهب بعض المحققين أن هذه الجملة كجملتي {أية : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } تفسير : [البقرة: 133] {أية : وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدونَ }تفسير : [البقرة: 138] اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى لا عطف، وتحريره أن {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} مناسب ـ لآمنا ـ أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه وقوله تعالى: {وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدونَ } ملائم لقوله تعالى: {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 138] لأنها بمعنى دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق، وهذه الآية موافقة لما قبلها، ولعل الذوق السليم لا يأباه، وأما القول بأن معنى {وَهُوَ رَبُّنَا} الخ أنه لا اختصاص له تعالى بقوم دون قوم فيصيب برحمته من يشاء فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كما أكرمكم بأعمالكم كأنه ألزمهم على كل مذهب يفتحونه إفحاماً وتبكيتاً فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله تعالى فالكل فيه سواء، وإما إفاضة حق على المستحقين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضاً أعمال ونحن له مخلصون بها لا أنتم، فمع بنائه على ما علمت ركاكته غير ملائم لسباق النظم الكريم وسياقه بل غير صحيح في نفسه كما أفتى به مولانا مفتي الديار الرومية لما أن المراد بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة ولا ريب أن أمر الصلاح والسوء يدور على موافقة الدين المبني على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبار تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادها المتقدم على البعثة بمراتب. هذا وقد اختلف الناس في الإخلاص، فروي عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سألت جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت رب العزة عنه فقال: سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي»تفسير : وقال سعيد بن جبير: الإخلاص أن لا تشرك في دينه ولا تراء أحداً في عمله، وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياءاً والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله تعالى منهما، وقال حذيفة المرعشي: أن تستوي أفعال العبد في الباطن والظاهر، وقال أبو يعقوب: المكفوف أن يكتم العبد حسناته كما يكتم سيآته، وقال سهل: هو الإفلاس، ومعناه احتقار العمل وهو معنى قول رويم ـ ارتفاع عملك عن الرؤية ـ قيل: ومقابل الإخلاص الرياء، وذكر[أبو] سليمان الداراني ثلاث علامات له: الكسل عند العبادة في الوحدة والنشاط في الكثرة وحب الثناء على العمل.
ابن عاشور
تفسير : استئناف عن قوله {أية : قولوا آمنا بالله}تفسير : [البقرة: 136] كما تقدم هنا لك، و{تحاجوننا} خطاب لأهل الكتاب لأنه جواب كلامهم السابق ولدليل قوله الآتي: {أية : أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 140]. والاستفهام للتعجب والتوبيخ، ومعنى المحاجة في الله الجدال في شؤونه بدلالة الاقتضاء إذ لا محاجة في الذات بما هي ذات والمراد الشأن الذي حمل أهل الكتاب على المحاجة مع المؤمنين فيه وهو ما تضمنته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من أن الله نسخ شريعة اليهود والنصارى وأنه فضله وفضل أمته، ومحاجتهم راجعة إلى الحسد واعتقاد اختصاصهم بفضل الله تعالى وكرامته. فلذلك كان لقوله {وهو ربنا وربكم} موقع في تأييد الإنكار أي بلغت بكم الوقاحة إلى أن تحاجونا في إبطال دعوة الإسلام بلا دليل سوى زعمكم أن الله اختصكم بالفضيلة مع أن الله ربنا كما هو ربكم فلماذا لا يمن علينا بما مَنَّ به عليكم؟. فجملة {وهو ربنا} حالية أي كيف تحاجوننا في هاته الحالة المعروفة التي لا تقبل الشك، وبهذه الجملة حصل بيان لموضوع المحاجة، وكذلك جملة {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} وهي عطف على الحال ارتقاء في إبطال مجادلتهم بعد بيان أن المربوبية تؤهل لإنعامه كما أهلتهم، ارتقى فجعل مرجع رضى الله تعالى على عباده أعمالهم فإذا كان قد أكرمكم لأجل الأعمال الصالحة فلعله أكرمنا لأجل صالحات أعمالنا فتعالوا فانظروا أعمالكم وانظروا أعمالنا تجدوا حالنا أقرب إلى الصلاح منكم. قال البيضاوي: «كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحونه إفحاماً وتبكيتاً فإن كرامة النبوءة إما تفضل من الله على من يشاء فالكل فيه سواء وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها فلنا أيضاً أعمال». وتقديم المجرور في {لنا أعمالنا} للاختصاص أي لنا أعمالنا لا أعمالكم فلا تحاجونا في أنكم أفضل منا، وعطف {ولكم أعمالكم} احتراس لدفع توهم أن يكون المسلمون مشاركين للمخاطبين في أعمالهم وأن لنا أعمالنا يفيد اختصاص المتكلمين بما عملوا مع الاشتراك في أعمال الآخرين وهو نظير عطف قوله تعالى: {أية : ولي دين على قوله: لكم دينكم}تفسير : [الكافرون: 6]. وهذا كله من الكلام المصنف مثل قوله تعالى: {أية : وإنا أوْ إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}تفسير : [سبأ: 24]. وجملة {نحن له مخلصون} عطف آخر على جملة الحال وهي ارتقاء ثالث لإظهار أن المسلمين أحق بإفاضة الخير فإنهم وإن اشتركوا مع الآخرين في المربوبية وفي الصلاحية لصدور الأعمال الصالحة فالمسلمون قد أخلصوا دينهم لله ومخالفوهم قد خلطوا عبادة الله بعبادة غيره، أي فلماذا لا نكون نحن أقرب إلى رضى الله منكم إليه؟. والجملة الاسمية مفيدة الدوام على الإخلاص كما تقدم في قوله: {أية : ونحن له مسلمون}تفسير : [البقرة: 136].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 139- قولوا لهم: أتجادلوننا فى الله زاعمين أنه لا يصطفى أنبياء إلا منكم! وهو ربكم ورب كل شئ، لا يختص به قوم دون قوم، يصيب برحمته من يشاء، ويجزى كل قوم بأعمالهم، غير ناظر إلى أنسابهم ولا أحسابهم، وقد هدانا الطريق المستقيم فى أعمالنا، ورزقنا صفة الإخلاص له. 140- قولوا لهم: أتجادلوننا فى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأبنائه الأسباط زاعمين أنهم كانوا يهودا أو نصارى مثلكم؟، مع أنه ما أنزلت التوراة والإنجيل اللذان قامت عليهما اليهودية والنصرانية إلا من بعد هؤلاء، وقد أخبرنا الله بذلك، أفأنتم أعلم أم الله؟، بل إن الله قد أخبركم أنتم بذلك فى أسفاركم فلا تكتموا الحق المدوَّن فى أسفاركم هذه، ومن أظلم ممن كتم حقيقة يعلمها من كتابه وسيجازيكم الله على ما تلجون فيه من باطل، فليس الله بغافل عما تعملون. 141- ثم ما لكم أيها اليهود والنصارى والجدل فى هؤلاء؟ فأولئك قوم قد مضوا لسبيلهم، لهم ما كسبوا فى حياتهم، ولن تُسألوا عن أعمالهم ولن يفيدكم شئ منها، ولن يكون لكم إلا ما كسبتم أنتم من أعمال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أتحاجوننا في الله: أتجادلوننا في دينه والإِيمان به وبرسوله، والإِستفهام للإِنكار. له مخلصون: مخلصون العبادة له، لا نشرك غيره فيها، وأنتم مشركون. شهادة عنده من الله: المراد بهذه الشهادة ما أخذ عليهم في كتابهم من الإِيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم عند ظهوره. الغافل: من لا يتفطن للأمور لعدم مبالاته بها. معنى الآيات: يأمر تعالى رسوله أن ينكر على أهل الكتاب جدالهم في الله تعالى إذ ادعوا أنهم أولى بالله من الرسول والمؤمنين وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، فعلّم الله رسوله كيف يرد عليهم منكراً عليهم دعواهم الباطلة. كما أفحمهم وقطع حجتهم في دعواهم أن إبراهيم والأنبياء بعده كانوا هوداً أو نصارى، إذ قال له قل لهم: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ؟} فإن قالوا نحن أعلم، كفروا وإن قالوا الله أعلم انقطعوا لأن الله تعالى أخبر أنهم ما كانوا أبداً يهوداً ولا نصارى، ولكن كانوا مسلمين، ثم هددهم تعالى بجريمتهم الكبرى وهي كتمانهم الحق وجحودهم نعوت الرسول والأمر بالإِيمان به عند ظهوره فقال ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله، وما الله بغافل عما تعملون. ثم أعاد لهم ما أدبهم به في الآيات السابقة مبالغة في تأديبهم وإصلاحهم لو كانوا أهلاً لذلك فأعلمهم أن التمسح بأعتاب الماضين والتشبث بالنسب الفارغة إلى الأولين غير مجد لهم ولا نافع فليقبلوا على إنقاذ أنفسهم من الجهل والكفر بالإِيمان والإِسلام والإِحسان، أما من مضوا فهم أمة قد أفضوا إلى ما كسبوا وسيجزون به، وأنتم لكم ما كسبتم وستجزون به، ولا تجزون بعمل غيركم ولا تسألون عنه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- فضيلة الإِخلاص وهو عدم الإِلتفات إلى غير الله تعالى عند القيام بالعبادات. 2- كل امرىء يجزى بعمله، وغير مسئول عن عمل غيره، إلا إذا كان سبباً فيه. 3- اليهودية والنصرانية بدعة ابتدعها اليهود والنصارى. 4- تفاوت الظلم بحسب الآثار المترتبه عليه. 5- حرمة كتمان الشهادة لا سيما شهادة من الله تعالى. 6- عدم الإتكال على حَسَبِ الآباء والأجداد، ووجوب الإِقبال على النفس لتزكيتها وتطهيرها بالإِيمان الصحيح والعمل الصالح.
القطان
تفسير : اتحاجوننا: اتجادلوننا. بعد ان بين الله تعالى ان الملة الصحيحة هي دين ابراهيم، وهي صبغة الله عز وجل، وان محمداً جاء متبعاً لها متمماً للرسالات التي سبقته ـ شرع هنا يبطل الشبهات التي تعترض سبيل الحق، فقال: قل يا محمد، اتجادلوننا في الله زاعمين انه لا يصطفي الأنبياء الا منكم، وهو ربكم ورب كل شيء لا يختص به قوماً دون قوم! ان رب العالمين يصيب برحمته من يشاء ويجزي كل قوم بأعمالهم، لنا اعمالنا، ولكم أعمالكم، ونحن له مخلصون. ام تقولون ان ابراهيم واسماعيل واسحاق والأسباط كانوا يهوداً او نصارى مثلكم مع أن الله ما انزل التوراة والانجيل اللذين قامت عليهما اليهودية والنصرانية الا من بعد هؤلاء! لقد اخبرنا الله بذلك، فهل انتم أعلم أم الله؟ بل انه اخبركم بذلك في أسفاركم، فلا تكتموا الحق. و من أظلمُ ممن كتم حقيقة يعلمها من كتابه! ان الله لا يترك امركم سدى فهو يعلم حقائق الأمور، وهو محيط بما تأتون وما تذرون. {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ...} اعاد القرآن الآية التي مرت منذ قليل للتأكيد على انه لا علاقة لهم بالأسلاف الماضين.. القراءات: قرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي وحفص "ام تقولون" بالتاء. والباقون: "ام يقولون" بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَعْمَالُنَا} {وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} (139) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لأَِهْلِ الكِتَابِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى إِنَّكُمْ تُجَادِلُونَنَا وَتَدَّعُونَ أَنَّ الدِّينَ الحَقَّ هُوَ دِينُكُمْ (اليَهُودِيَّةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ)، فَتَقُولُونَ حِيناً (لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)، وَتَقُولُونَ حِيناً آخَرَ: (كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ..) وَلكِنْ مِنْ أَيْنَ جَاءَكُمْ هذا القُرْبُ مِنَ اللهِ مِنْ دُونِنا؟ واللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَرَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً، فَهُوَ خَالِقُنَا جَمِيعاً، وَالنَّاسُ لاَ يَتَفَاضَلُونَ عِنْدَ اللهِ إِلاَّ بِأَعْمَالِهِمْ وَصَلاَحِهِمْ؛ وَآثارُ أَعْمَالِنا عَائِدَةٌ إِلينا، خَيْراً كَانَتْ أَوْ شَرّاً، وَآثَارُ أَعْمَالِكُمْ عَائِدَةٌ عَلَيْكُمْ. وَنَحْنُ مُخْلِصُونَ للهِ فِي أَعْمَالِنا لاَ نَبْتَغِي بِهَا إِلاَّ وَجْهَهُ الكَرِيمَ، أَمَّا أَنْتُمْ فَقَدِ اتَّكَلْتُمْ عَلَى أَسْلاَفِكُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ سَيَشْفَعُونَ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، مَعَ أَنَّكُمْ مُنْحَرِفُونَ عَنْ سِيرَتِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تحديد الأمر بِقُلْ إيقاظ لمهمة التكليف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .. والله سبحانه وتعالى حين يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام - قل - كان يكفي أن يقول ما يريده سبحانه .. فأنت إذا قلت لابنك اذهب إلى أخيك وقل له أبوك يأمرك بكذا فيذهب الولد ويقول هذا الكلام دون أن يقول كلمة قل .. ولكن خطاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة قل تلفتنا إلى أن هذا الأمر ليس من عنده ولكنه من عند الله سبحانه، ومهمة الرسول هي البلاغ. إن تكرار كلمة "قل" في الآيات هي نسبة الكلام المقول إلى عظمة قائله الأول وهو الله تبارك وتعالى .. فالكلام ليس من عند رسول الله ولكن قائله هو الله جل جلاله. قوله تعالى: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} [البقرة: 139] .. المحاجة معناها حوار بالحجة، كل من المتحاورين يأتي بالحجة التي تؤيد رأيه أو وجهة نظره .. وإذا قرأت قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ..} تفسير : [البقرة: 258]. أي قال كل منهما حجته .. ولابد أن يكونا خصمين كل منهما يعاند رأيه الرأي الآخر وكل يحاول أن يأتي بالحجة التي تثبت صدق كلامه فيرد عليه خصمه بالحجة التي تهدم هذا الكلام وهكذا. قوله تعالى: {أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} [البقرة: 139] .. وما دام الله رب الجميع كان من المنطق أن نلتقي لأنه ربي وربكم حظنا منه سواء .. ولكن ما دامت قد قامت الحجة بيننا فأحدنا على باطل .. واقرأ قوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} تفسير : [الشورى: 16]. والمحاجة لا يمكن أن تقوم بين حق وحق وإنما تقوم بين حق وباطل وبين باطل وباطل .. لأن هناك حقاً واحداً ولكن هناك مائة طريق إلى الباطل .. فما دامت المحاجة قد قامت بيننا وبينكم ونحن على حق فلابد أنكم على باطل .. وليحسم الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة ويمنع الجدل والجدال قال سبحانه: {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} [البقرة: 139] .. أي لا نريد جدلاً لأن الجدل لن يفيد شيئاً .. نحن لنا أعمالنا وأنتم لكم أعمالكم وكل عمل سيجازى صاحبه عليه بمدى إخلاصه لله .. ونحن أخلصنا العبادة لله وحدة وأنتم اتجهتم بعبادتكم إلى ما تحبه أهواؤكم. إن الله سبحانه وتعالى الذي هو ربنا وربكم لا يفضل أحداً على أحد إلا بالعمل الصالح المخلص لوجه الله .. ولذلك فنحن نضع الإخلاص أولاً وقد يكون العمل واحداً أمام الناس .. هذا يأخذ به ثواباً وذلك يأخذ به وزراً وعذاباً فالمهم هو أن يكون العمل خالصاً لله. قد يقول إنسان إن الإخلاص في العمل والعمل مكانه القلب .. وما دام الإنسان لا يؤذي أحداً ولا يفعل منكراً فليس من الضروري أن يصلي ما دامت النية خالصة .. نقول إن المسألة ليست نيات فقط ولكنها أعمال ونيات .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : إنما الأعمال بالنيات ). تفسير : فلابد من عمل بعد النية .. لأن النية تنتفع بها وحدك والعمل يعود على الناس .. فإذا كان في نيتك أن تتصدق وتصدقت انتفع الفقراء بمالك .. ولكن إذا لم يكن في نيتك فعل الخير وفعلته لتحصل على سمعة أو لترضي بشراً انتفع الفقراء بمالك ولن تنتفع أنت بثواب هذا المال .. والله سبحانه وتعالى يريد أن يقترن عملك بنية الإخلاص لله .. والعمل حركة في الحياة. والنية هي التي تعطي الثواب لصاحبه أو تمنع عنه الثواب ولذلك يقول الله جل جلاله: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تفسير : [البقرة: 271]. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نتصدق .. والفقير سينتفع بالصدقة سواء كانت نيتك أن يقال عنك رجل الخير المتصدق .. أو أن يقال عنك رجل البر والتقوى أو أن تخفي صدقتك .. فالعمل يُفْعل فينتفع به الناس سواء أردت أم لم ترد. أنت إذا قررت أن تبني عمارة، النية هنا هي التملك. ولكن انتفع ألوف الناس بهذا العمل ابتداء من الذي باع لك قطعة الأرض والذي أعد لك الرسم الهندسي وعمال الحفر والذي وضع الأساس ومن قام بالبناء وغيرهم وغيرهم .. هؤلاء انتفعوا من عملك برزق لهم .. سواء أكان في بالك الله أم لم يكن في بالك الله فقد انتفعوا. إذن فكل عمل فيه نفع للناس أردت أو لم ترد .. ولكن الله لا يجزي على الأعمال بإطلاقها وإنما يجزي على النيات بإخلاصها .. فإن كان عملك خالصاً لله جزاك الله عليه .. وإن كان عملك لهدف آخر فلا جزاء لك عند الله لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. إن الذين يتعجبون من أن إنساناً كافراً قدم كشفاً هاماً للبشرية، ولكنه لم يكن مؤمناً بالله .. يتعجبون أيعذب في النار؟ نقول نعم لأنه عمل وليس في قلبه الله .. ولذلك يجازى في الحياة الدنيا، فتقام له التماثيل ويطلق اسمه على الميادين ويخلد اسمه في الدنيا التي عمل من أجلها .. ولكن ما دام ليس في نيته الله فلا جزاء له عند الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : المحاجة هي: المجادلة بين اثنين فأكثر، تتعلق بالمسائل الخلافية، حتى يكون كل من الخصمين يريد نصرة قوله، وإبطال قول خصمه، فكل واحد منهما، يجتهد في إقامة الحجة على ذلك، والمطلوب منها، أن تكون بالتي هي أحسن، بأقرب طريق يرد الضال إلى الحق، ويقيم الحجة على المعاند، ويوضح الحق، ويبين الباطل، فإن خرجت عن هذه الأمور، كانت مماراة، ومخاصمة لا خير فيها، وأحدثت من الشر ما أحدثت، فكان أهل الكتاب، يزعمون أنهم أولى بالله من المسلمين، وهذا مجرد دعوى، تفتقر إلى برهان ودليل. فإذا كان رب الجميع واحدا، ليس ربا لكم دوننا، وكل منا ومنكم له عمله، فاستوينا نحن وإياكم بذلك. فهذا لا يوجب أن يكون أحد الفريقين أولى بالله من غيره؛ لأن التفريق مع الاشتراك في الشيء، من غير فرق مؤثر، دعوى باطلة، وتفريق بين متماثلين، ومكابرة ظاهرة. وإنما يحصل التفضيل، بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده، وهذه الحالة، وصف المؤمنين وحدهم، فتعين أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لأن الإخلاص، هو الطريق إلى الخلاص، فهذا هو الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بالأوصاف الحقيقية التي يسلمها أهل العقول، ولا ينازع فيها إلا كل مكابر جهول، ففي هذه الآية، إرشاد لطيف لطريق المحاجة، وأن الأمور مبنية على الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):