٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
140
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في الآية مسألتين: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: {أَمْ تَقُولُونَ } بالتاء على المخاطبة كأنه قال: أتحاجوننا أم تقولون، والباقون بالياء على أنه إخبار عن اليهود والنصارى فعلى الأول يحتمل أن تكون (أم) متصلة وتقديره: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟ وأن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون والهمزة للإنكار أيضاً، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: أتقولون إن الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هوداً أو نصارى. المسألة الثانية: إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه. أحدها: لأن محمداً صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته بسائر المعجزات، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة كذبهم فيه. وثانيها: شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية. وثالثها: أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم. ورابعها: أنهم ادعوا ذلك من غير برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون. أما قوله تعالى: {قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } فمعناه أن الله أعلم وخبره أصدق وقد أخبر في التوراة والإنجيل وفي القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية. فإن قيل: إنما يقال هذا فيمن لا يعلم وهم علموه وكتموه فكيف يصح الكلام؟ قلنا: من قال: إنهم كانوا على ظن وتوهم فالكلام ظاهر ومن قال: علموا وجحدوا فمعناه أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به فلا ينفعه ذلك مع إقراره بأن الله أعلم. أما قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ } ففيه ثلاثة أوجه. أحدها: أن في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير: ومن أظلم عند الله ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك: ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة والمعنى. لو كان إبراهيم وبنوه هود أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزهه عن الكذب، علمنا أنه ليس الأمر كذلك. وثانيها: ومن أظلم منكم معاشر اليهود والنصارى إن كتمتم هذه الشهادة من الله فمن في قوله: {مِنَ ٱللَّهِ } تتعلق بالكاتم على القول الأول وبالمكتوم منه على القول الثاني كأنه قال: ومن أظلم ممن عنده شهادة فلم يقمها عند الله بل كتمها وأخفاها. وثالثها: أن يكون: {مِنْ } في قوله: {مِنَ ٱللَّهِ } صلة الشهادة والمعنى: ومن أظلم ممن كتم شهادة جاءته من عند الله فجحدها كقول الرجل لغيره عندي شهادة منك، أي شهادة سمعتها منك وشهادة جاءتني من جهتك ومن عندك. أما قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } فهو الكلام الجامع لكل وعيد، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا يخفى عليه خافية أنه من وراء مجازاته إن خيراً فخير وإن شراً فشر لا يمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس لكان دائم الحذر والوجل مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} بمعنى قالوا: وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص «تقولون» بالتاء وهي قراءة حسنة؛ لأن الكلام متّسق، كأن المعنى: أتحاجوننا في الله أم تقولون إن الأنبياء كانوا على دينكم؛ فهي أم المتصلة، وهي على قراءة من قرأ بالياء منقطعة؛ فيكون كلامين وتكون «أمْ» بمعنى بل. {هُوداً} خبر كان، وخبر «إنّ» في الجملة. ويجوز في غير القرآن رفع «هودا» على خبر «إنّ»، وتكون كان ملغاة؛ ذكره النحاس. قوله تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} تقرير وتوبيخ في ٱدعائهم بأنهم كانوا هوداً أو نصارى. فردّ الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم؛ أي لم يكونوا هوداً ولا نصارى. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} لفظه الاستفهام، والمعنى: لا أحد أظلم. {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً} يريد علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام. وقيل: ما كتموه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم؛ قاله قتادة، والأوّل أشبه بسياق الآية. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وَعِيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سُدًى وأنه يجازيهم على أعمالهم. والغافل: الذي لا يَفْطُن للأمور إهمالاً منه؛ مأخوذ من الأرض الغُفْل وهي التي لا عَلَم بها ولا أثرَ عمارة. وناقةٌ غُفْل: لا سِمَة بها. ورَجل غُفْل: لم يجرّب الأمور. وقال الكسائي: أرض غُفْل لم تُمطر. غَفَلت عن الشيء غَفْلة وغُفولاً، وأغفلت الشيء: تركته على ذُكر منك.
البيضاوي
تفسير : {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ } أم منقطعة والهمزة للإنكار. وعلى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالتاء يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في {أية : أَتُحَاجُّونَنَا }تفسير : [البقرة: 139] بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة، أو ادعاء اليهودية، أو النصرانية على الأنبياء. {قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} وقد نفي الأمرين عن إبراهيم بقوله: {أية : مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا }تفسير : [آل عمران: 67] واحتج عليه بقوله: {أية : وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ }تفسير : [آل عمران: 65] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقاً. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ } يعني شهادة الله لإِبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية، والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب، لأنهم كتموا هذه الشهادة. أو منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه الصلاة والسلام بالنبوة في كتبهم وغيرها، ومن للابتداء كما في قوله تعالى: {أية : بَرَاءةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }تفسير : [التوبة: 1] {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد لهم، وقرىء بالياء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَمْ } بل أ {تَقُولُونَ } بالتاء والياء {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ } لهم {ءَأنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ } أي الله أعلم وقد برَّأ منهما إبراهيم بقوله: { أية : ما كان إبراهيمُ يهودياً ولا نصرانياً } تفسير : [67:3] والمذكورون معه تبعٌ له {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ } أخفى عن الناس {شَهَٰدَةً عِندَهُ } كائنة {مِنَ ٱللَّهِ }؟ أي لا أحد أظلم منه وهم اليهود كتموا شهادة الله في التوراة لإبراهيم بالحنيفية {وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالأَسْبَاطَ} الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، من السبط وهو الشجر الذي يرجع بعضه إلى بعض. {شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ} هم اليهود كتموا ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ...} "أَمْ" إما متصلة والمعنى: أي الأمرين تأتون المحاجة في حكم الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء، وخلط هنا مقالتهم مع أن اليهود ادعوا على الأنبياء دين اليهودية فقط؛ وإما منفصلة والإضراب انتقل إلى ما هو (أشد) وأشنع. قال ابن عرفة: وقوله: {قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ...} دليل على أنها منقطعة لأنه رد عليهم في المقالة الثانية فقط أي لم يكونوا كذلك. وقوله "أَمِ اللهُ" إما على ظاهره أو المراد به أمْ رسول الله، كما قال الله جل ذكره: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : وهو على سبيل التنزل معهم والإنصاف (أو) من باب تجاهل العارف. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ...} جمعه مع {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} تفسير : ومع {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ} تفسير : يقتضي التساوي إلا ما دل الدليل على (التفاوت) فيه (بل أقوالهم تضمنت كتم الشهادة فيقال: إنما علق الظلم على الكتم ليعلم أن شهادة الزور أعظم جريمة فقد وعده بالعذاب على الوجهين (ووبخوا) بفعل ما ارتكبوا من ذلك) والشهداء على ثلاثة أقسام: شاهد بالحق، وشاهد بالزور، وكاتم للشهادة، فلا يشهد بشيء) مع علمه بها. وهؤلاء شهدوا بالزور ولم يكتموا الشهادة فقالوا: {أية : كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : فعلق الحكم على الأخف ليفيد العقوبة على ما هو أشد منه من باب أحرى. قال الزمخشري: ويحتمل أن يرجع للمؤمنين، أي لو كتمنا الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا يكتمها. قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من باب السلب والإيجاب لا من باب العدم والملكة.
ابن عادل
تفسير : قال القرطبي رحمه الله: وجمع إسحاق: أساحيق. وحكى الكوفيون: أساحقة، وأساحق؛ وكذا يعقوب ويعاقيب ويعاقبة ويعاقب. قال النحاس رحمه الله: فأما إسرائيل فلا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوّله، وإنما يقال: "أساريل". وحكى الكوفيون "أسارلة"، و "أسارل". والباب في هذا كله أن يجمع مسلَّماً فيقال: "إبراهيمون"، و "إسحاقون"، و "يعقوبون"، والمسلَّم لا عمل فيه. قال القرطي رحمه الله تعالى وقوله تعالى: "أَمْ تَقُولُونَ": قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، وابن عامر بتاء الخطاب، والباقون بالياء. فأما قراءة الخطاب، فتحتمل "أم" فيها وجهين: أحدهما: أن تكون المتّصلة، والتعادل بين هذه الجملة وبين قوله: "أَتُحَاجُّونَنَا" فالاستفهام عن وقوع أحد هذين الأمرين: المُحَاجَّة في الله، أو ادعاء على إبراهيم، ومن ذكر معه اليهودية والنصرانية، وهو استفهام إنكار وتوبيخ كما تقدم، فإنّ كلا الأمرين باطلٌ. قال ابن الخَطِيبِ: إن كانت متّصلة تقديره: بأي الحُجّتين تتعلّقون في أمرنا؟ أَبِالتَّوْحِيدِ فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متّبعون؟ والثاني: أن تكون المنقطعة، فتتقدر بـ "بل" والهمزة على ما تقدر في المنقطعة على أصح المذاهب. والتقدير: بل أتقولون؟ والاستفهام للإنكار والتوبيخ أيضاً فيكون قد انتقل عن قوله: أتحاجوننا وأخذ في الاستفهام عن قضية أخرى، والمعنى على إنكار نسبة اليهودية والنصرانية إلى إبراهيم ومن ذكرمعه، [كأنه قيل: أتقولون: إن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ كانوا قبل نزول التوراة والإنجيل هوداً أو نصارى]. وأما قراءة الغيبة فالظاهر أن "أم" فيها منقطعة على المعنى المتقدم، وحكى الطبري عن بعض النحويين أنها متّصلة؛ لأنك إذا قلت: أتقوم أم يقوم عمرو؛ أيكون هذا أم هذا، أورد ابن عطية هذا الوجه فقال: هذا المثال غير جيّد؛ لأن القائل غير واحد، والمخاطب واحد، والقول في الآية من اثنين، والمخاطب اثنان غيران، وإنما تتّجه معادلة "أم" للألف على الحكم المعنوى، كأن معنى قل: أتحاجوننا: "أيحاجون يا محمد أم تقولون". وقال الزمخشري: وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلاَّ منقطعة. قال أبو حيان رحمه الله تعالى: ويمكن الاتصال مع قراءة الياء، ويكون ذلك من الالتفات إذا صار فيه خروج من خطاب إلى غيبة، والضمير لناس مخصوصين. وقال أبو البقاء: أم تقولون يقرأ بالياء ردًّا على قوله: "فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ"، فجعل هذه الجملة متعلّقة بقوله: "فَسَيَكْفِيكَهُم"، وحينئذ لا تكون إلا منقطعة لما عرفت أن من شرط المتصلة تقدم همزة استفهام أو تسوية مع أن المعنى ليس على أن الانتقال من قوله: "فسيكفيكهم" إلى قوله: "أم يقولون" حتى يجعله ردّاً عليه، وهو بعيد عنه لفظاً ومعنى. وقال أبو حيان: الأحسن في القراءتين أن تكون "أم" منقطعة، وكأنه أنكر عليهم محاجتهم في الله، ونسبة أنبيائه لليهودية والنصرانية، وقد وقع منهم ما أنكر عليهم ألا ترى إلى قوله: {أية : يَٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [آل عمران:65] الآيات. وإذا جعلناها متصلة كان ذلك غير متضمن وقوع الجملتين، بل إحداهما، وصار السؤال عن تعيين إحداهما، وليس الأمر كذلك إذ وقعا معاً. وهذا الذي قاله الشيخ حَسَن جداً. و "أو" في قوله: "هُوداً أو نصارى" كهي في قوله: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة:111] وقد تقدم تحقيقه. قوله تعالى: {قُلْ: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ}. معناه: أن الله أعلم، وَخَبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل، وفي القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية. فإن قيل: إنما يقال هذا فيمن لا يعلم، وهم علموه وكتموه، فكيف يصح الكلام؟ فالجواب: من قال: إنهم كانوا على ظَنّ وتوهم، فالكلام ظاهر، ومن قال: علموا وجحدوا، فمعناه: أن منزلتكم منزلة المعترضين على ما يعلم أن الله أخبر به، فلا ينفعه ذلك مع إقراره بأن الله ـ تعالى ـ أعلم. [و "أم" في قوله تعالى: "أم الله" متصلة، والجلالة، عطف على "أنتم"، ولكنه فصل بين المتعاطفين بالمسؤول عنه، وهو أحسن الاستعمالات الثلاثة؛ وذلك أنه يجوز في مثل هذا التركيب ثلاثة أوجه: تقدم المسؤول عنه نحو قوله: "أأعلم أم الله"، وتوسطه نحو "أأنتم أعلم أم الله"، وتأخيره نحو: أأنتم أم الله أعلم. وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: "أم الله" مبتدأ، والخبر محذوف أي: أم الله أعلم، و "أم" هنا متصلة، أي: ربكم أعلم، وفيه نظر؛ لأنه إذا قدر له خبراً صناعياً صار جملة، و "أم" المتصلة لا تعطف الجمل، بل المفرد وما في معناه. وليس قول أبي البقاء بتفسير معنى، فيغتفر له ذلك، بل تفسير إعراب، والتفصيل في قوله: "أعلم" على سبيل الاستهزاء، وعلى تقدير أن يظن بهم علم، فيكون من الجهلة، وإلا فلا مشاركة، ونظيره قول حسان: [الوافر] شعر : 820- أَتهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ تفسير : وقد علم أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ خير الكل]. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ}. في "من" من قوله: "مِنَ اللهِ" أربعة أوجه: أحدها: أنها متعلقة بـ "كتم"، وذلك على حذف مضاف أي: كتم من عباد الله شهادة عنده. الثاني: أن تتعلق بمحذوف على أنها صفة لشهادة بعد صفة؛ لأن "عنده" صفة لشهادة، وهو ظاهر قول الزمخشري رحمه الله، فإنه قال: و "من" في قوله: "شَهَادَةً مِنَ اللهِ" مثلها في قولك: "هذه شهادة مني لفلان" إذا شهدت له، ومثله: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [التوبة:1]. الثالث: أنها في محلّ نصب على الحال من المضمر في "عنده" يعني: من الضمير المرفوع بالظَّرف لوقوعه صفة، ذكره أبو البقاء رحمه الله تعالى. الرابع: أن يتعلّق بذلك المحذوف الذي تعلق به الظرف، وهو "عنده" لوقوعه صفة، والفرق بينه وبين الوجه الثاني أن ذلك له عامل مستقل غير العامل في الظرف. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تعلق "من" بشهادة لئلاّ يفصل بين الصلة والموصول بالصفة يعني: أن "شهادة" مصدر مؤول بحرف مصدري وفعل، فلو عَلّقت "مِنْ" بها لكنت قد فصلت بين ما هو في معنى الموصول، وبين أبعاض الصّلة بأجنبي، وهو الظرف الواقع صفة لشهادة. وفيه نظر من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن "شهادة" ينحل إلى الموصول وصلته فإن كل مصدر لا ينحل لهما. والثاني: سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم والحالة هذه أن الظرف صفة، بل هو معمول لها، فيكون بعض الصلة أجنبيًّا حتى يلزم الفصل به بين الموصول وصلته، وإنما كان طريق منع هذا بغير ما ذكر، وهو أن المعنى يأبى ذلك. و "كتم" يتعدّى لاثنين، فأولهما في الآية الكريمة محذوف تقديره: كتم النَّاس شهادةً، والأحسن من هذه الوجوه أن تكون "من الله" صفة لشهادة أو متعلّقة بعامل الظرف لا متعلقة بـ "كتم"، وذلك أن كتمان الشهادة مع كونها مستودعة من الله عنده أبلغ في الأظلمية من كتمان شهادة مطلقة من عبادة الله. وقال في "ري الظمآن": في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: ومن أظلم من الله ممن كتم شهادة حصلت له كقولك: "ومن أظلم من زيد من جملة الكلمتين للشهادة"، والمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه يهوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه، لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عن الكذب علمنا أن الأمر ليس كذلك. قال أبو حيان: وهذا متكلّف جدّاً من حيث التركيب، ومن حيث المدلول. أما التركيب فإن التقديم والتأخير من الضَّرائر عند الجمهور. وأيضاً فيبقى قوله: "مِمَّنْ كَتَمَ" متعلقاً: إما بـ "أظلم"، فيكون ذلك على طريق البدلية، ويكون إذ ذاك بدل عام من خاص، وليس بثابت، وإن كان بعضهم زعم وروده، لكن الجمهور تأولوه بوضع العامّ موضع الخاص، أو تكون "من" متعلقة بمحذوف، فتكون في موضع الحال، أي: كائناً من الكاتمين. وإمّا من حيث المدلول، فإن ثبوت الأظلمية لمن جُرَّ بـ "من" يكون على تقدير، أي: إن كتمها فلا أحد أظلم منه، وهذا كله معنى لا يليق به ـ تعالى ـ وينزه كتابه عنه. قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد وإعلام بأنه لم يترك أمرهم سُدى، وأنه يجازيهم على أعمالهم. والغافل الذي لا يفطن إلى الأمور إهمالاً منه؛ مأخوذ من الأرض الغُفْل، وهي التي لا عَلَم لها ولا أثر عمارة. وناقة غُفْل: لا سِمَةَ بها. ورجل غُفْل: لم يجرب الأمور. وقال الكسائي: "أرض غُفل لم تمطر"، غفلت عن الشيء غَفْلَةً وغُفُولَةً، وأغفلت الشيء: تركته على ما ذكر منك. فإن قيل: ما الحكمة في عدوله عن قوله: "وَاللهُ عَلِيمٌ" إلى {وَمَا ٱللهُ بِغَافِلٍ}. فالجواب: أن نفي النقائص وسلبها عن صفات الله ـ تعالى ـ أكمل من ذكر الصفات مجردة عن ذكر نفي نقيضها، فإن النقيض يستلزم إثبات النقيض وزيادة، والإثبات لا يستلزم نفي النقيض؛ لأن العليم قد يفضل عن النقيض، فلما قال الله تعالى: {وَمَا ٱللهُ بِغَافِلٍ} دلّ ذلك على أنه عالم، وعلى أنه غير غافل، وذلك أبلغ في الزجر المقصود من الآية. فإن قيل: قد قال تعالى في موضع آخر: {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}تفسير : [يوسف:19]. فالجواب: أن ذلك سيق لمجرد الإعلام بالقصّة لا للزجر، بخلاف هذه الآية، فإن المقصود بها الزجر والتهديد.
ابو السعود
تفسير : وكلمة (أم) في قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ} إما معادلة للهمزة في قوله تعالى: {أية : أَتُحَاجُّونَنَا} تفسير : [البقرة، الآية 139] داخلةٌ في حيز الأمر على معنى أيَّ الأمرين تأتون إقامةَ الحجة وتنويرَ البرهان على حقية ما أنتم عليه ـ والحال ما ذكر ـ أم التشبّثَ بذيل التقليد والافتراءِ على الأنبـياء وتقولون: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ} فنحن بهم مقتدون والمرادُ إنكارُ كِلا الأمرين والتوبـيخُ عليهما، وإما منقطعةٌ مقدرةٌ ببل والهمزة دالةٌ على الإضراب والانتقالِ من التوبـيخِ على المُحاجة إلى التوبـيخ على الافتراء على الأنبـياء عليهم السلام وقرىء أم يقولون على صيغة الغَيْبة فهي منقطعةٌ لا غير، غيرُ داخلةٍ تحت الأمر واردةٌ من جهته تعالى توبـيخاً لهم وإنكاراً عليهم لا من جهته عليه السلام على نهج الالتفات كما قيل. هذا، وأما ما قيل من أن المعنى أتحاجوننا في شأن الله واصطفائِه نبـياً من العرب دونكم؟ لما رُوي أن أهلَ الكتاب قالوا الأنبـياءُ كلُهم منا فلو كنت نبـياً لكنت منا فنزلت. ومعنى قوله تعالى: {أية : وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَـٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَـٰلُكُمْ }تفسير : [البقرة، الآية 139] أنه لا اختصاصَ له تعالى بقوم دون قومٍ يصيب برحمته من يشاء من عباده فلا يبعدُ أن يكرِمنا كما أكرمَكم بأعمالكم كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً، فإن كرامة النبوة إما تفضلٌ من الله تعالى على من يشاء فالكل فيه سواء، وإما إفاضةُ حقَ على المستحقين لها بالمواظبة على الطاعة والتخلِّي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضاً أعمالٌ ونحن له مخلصون أي لا أنتم، فمَعَ عدم ملاءمتِه لسياق النظم الكريم ولا سيما على تقدير كونِ كلمةِ أم معادلةً للهمزة غيرُ صحيح في نفسه لما أن المرادَ بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة، ولا ريب في أن أمرَ الصلاحِ والسوءِ يدورُ على موافقة الدين المبنيِّ على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبارُ تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادِها المتقدم على البعثة بمراتِبَ {قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} إعادةُ الأمر ليس لمجرد تأكيدِ التوبـيخِ وتشديدِ الإنكار عليهم بل للإيذان بأن ما بعده ليس متصلاً بما قبله بل بـينهما كلامٌ للمخاطبـين مترتب على ما سبق مستتبِعٌ لما أنه الحقُّ قد أُضرب عنه الذكرُ صفحاً لظهوره وهو تصريحُهم بما وُبِّخوا عليه من الافتراء على الأنبـياء عليهم السلام كما في قوله عز وجل قال:{أية : وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ } تفسير : [سورة الحجر، الآية 56 و57] وقولِه عز قائلاً: {أية : قَالَ ءأسجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىٰ } تفسير : [الإسراء، الآية: 61 و62] فإن تكريرَ قال في الموضعين وتوسيطَه بـين قولي قائلٍ واحد للإيذان بأن بـينهما كلاماً لصاحبه متعلقاً بالأول والثاني بالتبعية والاستتباع كما حُرر في محله أي كذِبُهم في ذلك ونُكثُهم قائلاً: إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون وقد نَفَى عن إبراهيم عليه السلام كلا الأمرين حيث قال: {أية : مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا } تفسير : [آل عمران، الآية 67] واحتُج عليه بقوله تعالى: {أية : وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } تفسير : [آل عمران، الآية 65] وهؤلاء المعطوفون عليه السلام أتباعُه في الدين وِفاقاً فكيف تقولون ما تقولون سبحان الله عما تصفون {وَمَنْ أَظْلَمُ} إنكارٌ لأن يكون أحدٌ أظلم {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً} ثابتة {عِندَهُ} كائنة {مِنَ ٱللَّهِ} وهي شهادتُه تعالى له عليه السلام بالحنيفية والبراءةِ من اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفاً، فعنده صفةٌ لشهادة وكذا (من الله) جيء بهما لتعليل الإنكار وتأكيدِه فإن ثبوتَ الشهادةِ عنده وكونَها من جانب الله عز وجل من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشدِّ الزواجر عن كِتمانها، وتقديمُ الأول مع أنه متأخرٌ في الوجود لمراعاة طريقةِ الترقي من الأدنى إلى الأعلى، والمعنى أنه لا أحدَ أظلمُ من أهل الكتاب حيث كتموا هذه الشهادةَ وأثبتوا نقيضَها بما ذُكر من الافتراء، وتعليقُ الأظلمية بمُطلق الكِتمان للإيماء إلى أن مرتبةَ مَنْ يردُّها ويشهد بخلافها في الظلم خارجةٌ عن دائرة البـيان أو لا أحدَ أظلمُ منا لو كتمناها، فالمرادُ بكتمها عدمُ إقامتها في مقامِ المُحاجة، وفيه تعريضٌ بغاية أظلمية أهلِ الكتابِ على نحو ما أشير إليه، وفي إطلاق الشهادة مع أن المرادَ بها ما ذكر من الشهادة المعينةِ تعريضٌ بكتمانها شهادةَ الله عز وجل للنبـي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من فنون السيئاتِ فيدخُل فيها كتمانُهم لشهادته سبحانه وافتراؤهم على الأنبـياء عليهم السلام دُخولاً أولياً أي هو محيطٌ بجميع ما تأتون وما تذرون فيعاقبُكم بذلك أشدَّ عقاب، وقرىء (عما يعملون) على صيغة الغَيْبة فالضميرُ إما لمن كَتَم باعتبار المعنى، وإما لأهلِ الكتاب، وقولُه تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ} تفسير : [البقرة، الآية: 114] إلى آخر الآية، مسوقٌ من جهته تعالى لوصفهم بغاية الظلمِ وتهديدِهم بالوعيد.
القشيري
تفسير : مَنْ نظر مِنْ نفسه إلى الخَلْقِ يتخيَّل كُلاًّ بِرَقمِه، ويحسب الجميع بنعت مثله؛ فلمَّا كانوا بحكم الأجنبِيَّة حَكَم الأنبياء - عليهم السلام - بمثل حالتهم، فردَّ الحقُّ - سبحانه - عليهم ظنَّهم و (...) فيهم رأيهم. وهل يكون المجذوب عن شاهده كالمحجوب في شاهده؟ وهل يتساوى المختطف عن كُلِّه بالمردود إلى مثله؟ ذلك ظن الذين كفروا فتعساً لهم!
اسماعيل حقي
تفسير : {أم تقولون} ام معادلة للهمزة فى قوله تعالى أتحاجوننا داخلة فى حيز الامر على معنى أى الامرين تأتون اقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما انتم عليه والحال ما ذكر ام التشبث بذيل التقليد والافتراء على الانبياء وتقولون {إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} وهى حفدة يعقوب وهم اولاد اولاده الاثنى عشر وعن الزجاج انه قال الاسباط فى ولد اسحق بمنزلة القبائل فى ولد اسماعيل فولد كل واحد من ولد اسحق سبط ومن ولد اسماعيل قبيلة {كانوا هودا أو نصارى} فنحن مقتدون بهم والمراد انكار كلا الامرين والتوبيخ عليهما اى كيف تحاجون وكيف تقولون فى حق الانبياء الذين بعثوا قبل نزول التوراة والانجيل انهم كانوا هودا او نصارى ومن المحال ان يقتدى المتقدم بالمتأخر ويستن بسنته {قل} يا محمد {ءانتم} الاستفهام للتقرير والتوبيخ {أعلم} بدينهم {أم الله} اعلم {ومن أظلم} انكار لان يكون احد اظلم فالاستفهام بمعنى النفى {ممن كتم} اى ستر واخفى عن الناس {شهادة} ثابتة {عنده} اى عند من كائنة {من الله} قوله عنده ومن الله صفتان لشهادة اى شهادة حاصلة عنده صادرة من الله تعالى يعنى يا اهل الكتاب قد علمتم بشهادة حصلت عندكم صادرة من الله تعالى بان ابراهيم وبنيه كانوا حنفاء مسلمين بان اخبركم الله بذلك فى كتابكم ثم انكم تكتمونها وتدعون خلاف ما شهد الله به فى حقهم فلا احد اظلم منكم حيث اجزأتم على تكذيب الله تعالى فيما اخبر به وتعليق الاظلمية بمطلق الكتمان للايماء الى ان مرتبة من يدريها ويشهد بخلافها فى الظلم خارجة عن دائرة البيان وعن ابن عباس اكبر الكبائر الاشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة قال تعالى {أية : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} تفسير : [ البقرة: 283]. والمراد مسخ القلب ونعوذ بالله من ذلك {وما الله بغافل عما تعملون} ما موصولة عامة لجميع ما يكتسب بالجوارح بالظاهرة والقوى الباطنة ويدخل فيه كتمان شهادة الله دخولا اوليا اى هو محيط بجميع ما تأتون وما تذرون فيعاقبكم بذلك اشد عقاب.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر {أم تقولون} بالتاء. ووافقهم ابن عامر ورويس. الباقون بالياء. المعنى: من قرأ بالياء جعله متصلا بما قبله من الاستفهام كأنه قال: اتحاجوننا في الله أم تقولون ان الانبياء كانوا على دينكم. والتقدير بأي الحجتين متعلقون في امرنا: أبا لتوحيد، فنحن موحدون، أم باتباع دين الانبياء، فنحن لذلك متبعون. ومن قرأ بالياء، فالوجه فيه انه عدل إلى حجاج آخر عن الحجاج الاول. كأنه قال: بل أتقولون ان الانبياء من قبل ان تنزل التوراة والانجيل كانوا هودا أو نصارى. ويكون قد اعرض عن خطابهم استجهالا لهم بما كان منهم، كما يقبل العالم على من بحضرته بعد ارتكاب مخاطبه جهالة شنعة: فيقول: قد قامت عليه الحجة أم يقول بابطال النظر المؤدي إلى المعرفة. وقد انكر الطبري القراءة بالياء، وقال هي شاذة لا تجوز القراءة بها وليس الامر على ما ظن بل وجهها ما بيناه. ومعنى الآية: الاحتجاج عليهم في قولهم: {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} فقيل لهم: كيف ذلك، والامر بخلافه من وجهين: احدهما ـ ما اخبر به نبينا عليه السلام مع ظهور المعجز الدال على صدقه. والآخر ما في التوراة والانجيل من أنهم كانوا على الحنيفية، لان عندهم اسم اليهودية يقع على من تمسك بشريعة التوراة والنصرانية اسم لمن تمسك بشريعة الانجيل. وقد قال الله تعالى: {أية : وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده} تفسير : وقيل ايضاً ان معناه التوبيخ لاهل الكتاب بادعائهم عليهم خلاف الاسلام بغير حجة ولا برهان. وقوله: {أأنتم أعلم أم الله} صورته صورة الاستفهام والمراد به التوبيخ ومثله قوله: {أية : أأنتم أشد خلقاً أم السماء}. تفسير : اللغة: والاعلم والاعرف والادرى بمعنى واحد. والاظلم والاجور والاعتى نظائر، فان قيل لم قال: {أأنتم أعلم أم الله} وقد كانوا يعلمونه وكتموه، وانما ظاهر هذا الخطاب لمن لا يعلم، قلنا من قال: انهم كانوا على ظن وتوهم: فوجه الكلام على قوله واضح. ومن قال: كانوا يعلمون ذلك وانما كانوا يجحدونه يقول: معناه ان منزلتكم منزلة المعترض على ما يعلم ان الله اخبر به فما ينفعه ذلك مع إقراره بان الله اعلم منه، وانه لا يخفى عليه شيء، لان ما دل على انه اعلم هو الدال على انه لا يخفى عليه شيء، وهو انه عالم لنفسه ويعلم جميع المعلومات. وقوله تعالى: {ومن أظلم ممن كتم} قيل في (من) في قوله: {من الله} ثلاثة اقوال: احدها ـ انها بمعنى ابتداء الغاية، لان الله تعالى ابتدأ الشهادة في التوراة والانجيل بصحة النبوة لمحمد صلى الله عليه وآله، ويكون ابتداء الشهادة بأن الانبياء كانوا على الحنيفية، فهذه شهادة من الله عندهم. والثاني ـ كتمها من عباد الله. والثالث ـ ما حكاه البلخي: انه بمنزلة من أظلم ممن يجور على الفقير الضعيف من السلطان الغني القوي: أي فلا احد أظلم منه. والمعنى انه يلزمكم ان لا أحد أظلم من الله، تعالى عن ذلك إذ ما يكتم ما فيه الغرور للعباد، ليوقعهم في الضلال وهو الغني بنفسه الذي لا يجوز أن يلحقه المنافع والمضار جل ثناؤه وتقدست اسماؤه، وهذا الذي ذكره يلزم اليهود والجهال. كما حكى الله تعالى عنهم {أية : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا}. تفسير : والشهادة التي كتموها قيل فيها قولان: احدهما ـ قال مجاهد والربيع وابن ابي نجيح: انهم كتموا الشهادة بانهم كانوا على الاسلام. والثاني ـ قال الحسن وقتادة وابن زيد واختاره الجبائي: انهم كتموا الشهادة بالبشارة التي عندهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم). فان قيل اذا كان الذي كتموه امر محمد صلى الله عليه وآله فكيف يتصل بما قبله: قيل قال الحسن: كتموا محمداً صلى الله عليه وآله ودينه لأن في دينه ان ابراهيم كان مسلما ولم يك من المشركين. والاحتجاج عليهم: {أأنتم أعلم أم الله} على وجه الالزام لهم بالجهالة كانه قيل: اذا زعمتم أن هؤلاء كانوا يهوداً أو نصارى، وقد اخبر الله بخلاف ذلك عنهم فقد لزمكم أن تكونوا أعلم من الله تعالى، وهذا غاية الخزي لمن بلغه. وقوله تعالى: {وما الله بغافل عما تعملون} فالغفلة والسهو والسنة نظائر ومعنى الآية يحتمل امرين: احدهما ـ ليس ألله بساه عن كتمان الشهادة التي لزمكم القيام بها لله تعالى. الثاني ـ ان يكون على عمومه والمعنى: أنه لا يخفى عليه شيء من المعلومات لا صغيرها، ولا كبيرها فكونوا على حذر من الجزاء على السيئات بما تستحقونه من العقاب، وكتم واخفى واسر معناها واحد والبينة والحجة واحد.
الجنابذي
تفسير : {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} اى تعتقدون ذلك وتثبتون بذلك على دينكم وتنكرون ما وراءه وتحتجّون علينا فيه {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} وقد أخبرنا الله بانّ ابراهيم ما كان يهوديّاً ولا نصرانيّاً واحتجّ عليه بما لا مردّ له من قوله ما انزلت التّوراة والانجيل الاّ من بعده وبهذين الكتابين ثبتت اليهوديّة والنّصرانيّة {وَ} قل تعريضاً بهم وبكتمانهم شهادة الله لمحمّد (ص) الّتى ثبتت فى كتبهم وأخبرهم بها اسلافهم {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ} اى ممّن كتم شهادة ثابتة من الله مودعة عنده فقوله {مِنَ ٱللَّهِ} ليس متعلّقاً بكتم بل هو صفة لشهادة ولفظة من ابتدائيّة داخلة على فاعل المصدر مثل زعماً منهم {وَ} قل {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} لتهديدهم او قوله ومن اظلم ممّن كتم ابتداء قولٍ من الله.
اطفيش
تفسير : {أمْ تَقُولون}: أم للإضراب الانتقالى والاستفهام التوبيخى، فهى منقطعة حرف ابتداء لا عاطفة، ويجوز أن تكون للإضراب الانتقالى فقط دون الاستفهام، ولا يصح أن تكون عاطفة على {أتحاجوننا} متصلة لتخالف تحاجوننا، ويقولون بالخطاب والغيبة: اللهم إلا على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، وهو هنا لا يحسن فلا يحسن اعتماده، وإنما يحسن فى المنقطعة دون المتصلة، وقرأ حفص وابن عامر وحمزة والكسائى تقولون بالتاء المثناة الفوقية وهى قراءة ابن عباس، وعليها فتكون (أم) عاطفة متصلة أو منقطعة على حد ما مر، والمعنى على العطف أنه قد ظهر بطلان أمركم فبماذا تتمسكون بالمحاجة فى الله، أم بأن تقولوا بيهودية إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط، أو نصرانيتهم وكل ذلك لا يصح، فإن فضل الله يؤتيه من يشاء، ويوفق من تأهل للتوفيق، ودين الأنبياء كلهم الإسلام لا كما يقولون. {إنَّ إبْراهِيم وإسْماعِيلَ وإسْحاق ويَعْقُوب والأسباط كانُوا هوداً أو نَصَارى}: الكلام فى أو وفى يقولون مثله، وفى قوله: {أية : وقالوأ لَنْ يدخُل الجنَّة إلاَّ من كان هوداً أو نَصَارى} تفسير : أى أم يقول اليهود: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً، أو يقول النصارى: إنهم كانوا نصارى، فواو يقولون ضمير لليهود والنصارى {قُلْ أأنْتُم أعْلَم}: بدين هؤلاء الأنبياء؟ {أم الله}: أم متصلة عاطفة على أنتم، وأعلم خبر للمعطوف والمعطوف عليه، والأصل أأنتم أم الله أعلم؟ ويجوز كون لفظ الجلالة مبتدأ خبره محذوف. والمعطوف جملة، أى أأنتم أعلم أم الله أعلم؟ ولا بد أن يقولوا الله أعلم، فحينئذ ينقطعون، لأن الله الذى هو أعلم قد نفى عن إبراهيم اليهودية والنصرانية بقوله: {أية : ما كانَ إبْراهيمُ يهوديّاً ولا نصرانيا ولكنْ كانَ حَنيفاً مُسْلماً}،تفسير : وبقوله: {أية : وما أُنزلت التَّوراة والإنْجيل إلاّ من بَعْده}تفسير : فاليهودية والنصرانية الخارجتان عن التوراة والإنجيل لا يكون عليهما إبرهيم قطعاً، لأنهما بدع ومعاص، والموافقتان لهما لم يكن عليهما أيضاً، بل على ما فى القرآن وما اتفقا عليه مع القرآن، فظهر أنهما حدثتا بعد إبراهيم، فكيف ينسب إليهما، ومن ذكر بعد إبراهيم كانوا تابعين لإبراهيم فى دينه، فالكلام عليه كلام عليهم. {ومَنْ أظْلَم ممَّن كَتَم شهادةً عِنْده من الله}: الاستفهام للإنكار والنفى، ومن واقعة على اليهود، أى لا أحد أظلم من اليهود الذين كتموا شهادة جاءتهُ من الله فى شأن إبراهيم أنه حنيف مسلم، لا يهودى ولا نصرانى، وكذا بنو إبراهيم وسائر الأنبياء، أو شهادة من الله فى شأن رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، أنه رسوله حقا بنعته الموجود فى كتبهم، المقرة به أنبياؤهم، وبالوجه الأول قال مجاهد وغيره. قال مجاهد: الذى كتموه هو ما فى كتبهم، من أن الأنبياء على الحنفية لا على ما ادعوه، وبالوجه الثانى قال قتادة وغيره. قال قتادة: الذى كتموه هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبى، صلى الله عليه وسلم، والأول أشبه بسياق الآية، ولا مانع من إرادتهما معاً، لأنهم كتموا ذلك كله، ويجوز أن تكون (من) واقعة على الصحابة على سبيل الفرض لا التحقيق، أى لا أحد أظلم منا معشر المؤمنين لو كتمنا ماعندنا من الشهادة لإبراهيم وبنيه، والأنبياء بأنهم ليسوا يهوديين ولا نصرانيين، بل مسلمون، أو من الشهادة لرسول الله محمد، صلى الله عليه وسلم، أنه رسول حق، أو من الشهادة بذلك كله، فيكون الكلام على وجه وقوع من على الصحابة تعريضا باليهود والنصارى، إذ كتموا ذلك، و (عنده) نعت لشهادة و (من الله) نعت ثان أو حال من شهادة، أو من ضميرها المستتر فى عند، إن قدر المتعلق عاما، أو من ضميرها فى المتعلق الخاص، أى شهادة ثابتة أو محفوظة عنده آتية أو ثابتة من الله، أو متعلق بما يعلق به قوله (عنده) ومن للابتداء. {وَمَا اللهُ بغَافِلٍ عمَّا تَعْملونَ}: يا معشر اليهود والنصارى، وقرئ بالتحتية وهم المعنيون أيضا، فهذا تهديد لهم على كذبهم ووعيد، أى هو رقيب عليكم فيجازيكم على عملكم، ولا يوصف الله بالغفلة، بل الغافل مأخوذ من الأرض الغفل، وهى التى لا علامة فيها. قال الحسن: قوله: {وما الله بغافلٍ عما تعملون}، يعنى بذلك علماءهم أنهم كتموا محمداً ودينه، وأن فى دينهم أن إبراهيم والانبياء كانوا مسلمين، وأن الله لا يغفل عن كتم ذلك، وأنه يعاقبهم على الكتم لا محالة.
اطفيش
تفسير : {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبْاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى} يا أهل الكتاب، لم تحاجون فى إبراهيم، وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون" وأم متصلة متعلقة بقوله أتحاجوننا، أو منقطعة للانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء، ووجه الاتصال ذمهم بجمعهم بين المحاجة فى الله والقول بأن إبراهيم ومن معه كانوا هوداً أو نصارى، مع كون واحد منهما كافيا فى القبح. وأبو حيان لما رأى أن الغالب فى المتصلة استداء ونوع إحدى الجملتين، والسؤال عن أحدهما، وما هنا ليس كذلك، اقتصر على المنقطعة، وهكذا عادته، يرى غير الغالب كأنه غير موجود، فيقتصر على الغالب، {قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ} بحال إبراهيم فى الدين {أَمِ اللهُ} عطف على أنتم، أو أم الله أعلم، والتفضيل استهزاء بهم، أو أعلم بمعنى عالم، أنتم الجهلاء والله هو العالم، قال: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، وإسماعيل وإسحاق ويعقوب تبع له {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ} أخفى على الناس {شَهَٰدَةً عِنْدَهُ} جاءت {مِنَ اللهِ} فى التوراة والإنجيل لإبراهيم بالحنيفية، لا باليهودية أو النصرانية، ولمحمد بالرسالة، والكاتمون هم اليهود والنصارى، لا أحد أظلم منهم، أو لا أحد أظلم منا لو كتمناها كما كتمتموها، وقدم ثبوتها عنده على كونها من الله مع أنها متأخر فى الوجود مراعاة لطريق الترقى {وَمَا اللهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فهو مجازيكم على مثاقيل الذر ككتمان شهادته تعالى، والافتراء على الأنبياء.
الالوسي
تفسير : {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَــٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} {أَمْ} إما متصلة معادلة للهمزة في {أية : أَتُحَاجُّونَنَا }تفسير : [البقرة: 139] داخلة في حيز الأمر والمراد بالاستفهام إنكارهما معاً بمعنى كل من الأمرين منكر ينبغي أن لا يكون إقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما أنتم عليه، والحال ما ذكر والتشبث بذيل التقليد والافتراء/ على الأنبياء عليهم السلام، وفائدة هذا الأسلوب مع أن العلم حاصل بثبوت الأمرين الإشارة إلى أن أحدهما كاف في الذم فكيف إذا اجتمعا كما تقول لمن أخطأ تدبيراً ومقالاً: أتدبيرك أم تقريرك، وبهذا يندفع ما قاله أبو حيان من أن الاتصال يستدعي وقوع إحدى الجملتين والسؤال عن تعيين إحداهما وليس الأمر كذلك إذ وقعتا معاً، وإما منقطعة مقدرة ببل والهمزة دالة على الإضراب والانتقال من التوبيخ على المحاجة إلى التوبيخ على الافتراء على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقرأ غير ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص {أَمْ يَقُولُونَ} ـ بالياء ـ ويتعين كون {أَمْ} حينئذ منقطعة لما فيها من الاضراب من الخطاب إلى الغيبة ولا يحسن في المتصلة أن يختلف الخطاب من مخاطب إلى غيره كما يحسن في المنقطعة ويكون الكلام استئنافاً غير داخل تحت الأمر بل وارد منه تعالى توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم، وحكى أبو جعفر الطبري عن بعض النحاة جواز الاتصال لأنك إذا قلت ـ أتقوم يا زيد أم يقوم عمرو ـ صح الاتصال، واعترض عليه ابن عطية بأن المثال غير جيد لأن القائل فيه واحد والمخاطب واحد والقول في الآية من اثنين والمخاطب اثنان غير أن [وإنما] يتجه معادلة {أَمْ} للهمزة على الحكم المعنوي كان معنى {أية : قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا} تفسير : [البقرة: 139] أي يحاجون يا محمد أم يقولون، ولا يخفى أن القول بالانقطاع إن لم يكن متعيناً فلا أقل من أنه أولى. {قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} أي لستم أعلم بحال إبراهيم عليه السلام في باب الدين بل الله تعالى أعلم بذلك وقد أخبر سبحانه بنفي اليهودية والنصرانية عنه، واحتج على انتفائهما عنه بقوله: {أية : وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ }تفسير : [آل عمران: 65] وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقاً فحالهم حاله فلم تدعون له ولهم. ما نفى الله تعالى؟ فما ذلك إلا جهل غال ولجاج محض. {وَمَنْ أَظْلَمُ} إنكار لأن يكون أحد أظلم {مِمَّنْ كَتَمَ شَهَـٰدَةً} ثابتة. {عِندَهُ} واصلة {مِنَ ٱللَّهِ} إليه وهي شهادته تعالى لإبراهيم عليه السلام بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية حسبما تلى آنفاً، وجيء بالوصفين لتعليل الإنكار وتأكيده فإن ثبوت ـ الشهادة عنده ـ وكونها من جانب جناب العلي الأعلى عز شأنه من أقوى الدواعي إلى إقامتها وأشد الزواجر عن كتمانها، وتقديم الأول مع أنه متأخر في الوجود لمراعاة طريق الترقي والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب ـ حيث كتموا هذه الشهادة وأثبتوا نقيضها بما ذكر من الافتراء ـ والجملة تذييل يقرر ما أنكر عليهم من ادعاء اليهودية والنصرانية وتعليق الأظلمية بمطلق الكتمان للإيماء إلى أن مرتبة من يردها ويشهد بخلافها في الظلم خارجة عن دائرة البيان، أو لا أحد ـ أظلم منا لو كتمنا هذه ـ الشهادة ـ ولم نقمها في مقام المحاجة، والجملة حينئذ تذييل مقرر ما أوقع في قوله تعالى: {أأنتم أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} من أنهم شاهدون بما شهد الله تعالى به مصدوقونه بما أعلمهم، وجعلها على هذا من تتمة {أية : قُولُواْ ءامَنَّا } تفسير : [البقرة: 136] لأنه في معنى إظهار الشهادة. وعلى الأول من تتمة {أية : قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا }تفسير : [البقرة: 139] لأنه في معنى كتمانها ظاهر التعسف. ولا يخفى أن في الآية تعريضاً بغاية أظلمية أهل الكتاب على نحو ما أشير إليه، وفي إطلاق الشهادة ـ مع أن المراد بها ما تقدم من الشهادة المعينة ـ تعريض بكتمانهم شهادة الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، وفي «ري الظمآن» ((أن ـ مَنْ ـ صلة {أَظْلَمَ} والكلام على التقديم والتأخير كأنه قيل: ومن أظلم (من الله) ممن كتم شهادة حصلت عنده كقولك ومن أظلم من زيد من جملة الكاتمين للشهادة، والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه يهوداً أو نصارى ثم إن الله تعالى كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم الشهادة أظلم منه لكن لما استحال ذلك مع عدله وتنزيهه عما لا يليق علمنا أن الأمر ليس كذلك))، وقيل: إن (من) صلة (كتم)/ والكلام على حذف مضاف ـ أي كتم من عباد الله شهادة عنده ـ ومعناه أنه تعالى ذمهم على منع أن يوصلوا إلى عباد الله تعالى، ويؤدوا إليهم شهادة الحق، ولا يخفى ما في هذين الوجهين من التكلف والتعسف وانحطاط المعنى فلينزه كتاب الله تعالى العظيم عنه، على أنك لو نظرت بعين الانصاف رأيت الوجه الثاني من الأولين لا يخلو عن بعد لأن الآية إنما تقدمها الإنكار لما نسب إلى إبراهيم عليه السلام، ومن ذكر معه فالذي يليق أن يكون الكلام مع أهل الكتاب لا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه لأنهم مقرون بما أخبر الله تعالى به وعالمون بذلك فلا يفرض في حقهم كتمانه والتذييل الذي ادعى فيه خلاف الظاهر أيضاً. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد وتهديد لأهل الكتاب أي إن الله تعالى لا يترك أمركم سدى بل هو محصل لأعمالكم محيط بجميع ما تأتون وتذرون فيعاقبكم بذلك أشد عقاب، ويدخل في ذلك كتمانهم لشهادته تعالى وافتراؤهم على أنبيائه عليهم السلام، وقرىء ـ (عما يعملون) ـ بصيغة الغيبة فالضمير إما لمن كتم باعتبار المعنى أو لأهل الكتاب.
ابن عاشور
تفسير : أم منقطعة بمعنى بل وهي إضراب للانتقال من غرض إلى غرض وفيها تقدير استفهام وهو استفهام للتوبيخ والإنكار وذلك لمبلغهم من الجهل بتاريخ شرائعهم زعموا أن إبراهيم وأبناءه كانوا على اليهودية أو على النصرانية كما دل عليه قوله تعالى: {قل أأنتم أعلم أم الله} ولدلالة آيات أخرى عليه مثل: {أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً}تفسير : [آل عمران: 67] ومثل قوله: {أية : يا أهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّون في إبراهيم وَما أنْزِلَتْ التوراة والإنجيل إلا من بعدهِ أَفَلا تعقلون}تفسير : [آل عمران: 65] والأمة إذا انغمست في الجهالة وصارت عقائدها غروراً ومن دون تدبر اعتقدت ما لا ينتظم مع الدليل واجتمعت في عقائدها المتناقضات، وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في الكعبة صورة إبراهيم يستقسم بالأزلام في الكعبة فتلا قوله تعالى: {ما كان إبراهيم} إلى قوله: {أية : وما كان من المشركين}تفسير : [آل عمران: 67] وقال الله: وإن استقسم بها قط، وقال تعالى في شأن أهل الكتاب: {وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون}. فرماهم بفقد التعقل. وقرأ الجمهور وأبو بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب بياء الغائب وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بتاء الخطاب على أن أم متصلة معادلة لقوله {أية : أتحاجوننا في الله}تفسير : [البقرة: 139] فيكون قوله: {قل أأنتم أعلم أم الله} أمراً ثانياً لاحقاً لقوله: {قل أتحاجوننا} وليس هذا المحمل بمتعين لأن في اعتبار الالتفات مناصاً من ذلك. ومعنى {قل أأنتم أعلم أم الله} التقدير، وقد أعلمنا الله أن إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وهذا كقوله في سورة آل عمران (65): {أية : قل يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون}تفسير : . وقد استفيد من التقرير في قوله: {قل أأنتم أعلم أم الله} أنه أعلمهم بأمر جهلته عامتهم وكتمته خاصتهم ولذلك قال: {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} يشير إلى خاصة الأحبار والرهبان الذين تركوا عامة أمتهم مسترسلين على عقائد الخطأ والغرور والضلالة وهم ساكتون لا يغيرون عليهم إرضاء لهم واستجلاباً لمحبتهم وذلك أمر إذا طال على الأمة تعودته وظنت جهالتها علماً فلم ينجع فيها إصلاح بعد ذلك لأنها ترى المصلحين قد أتوا بما لم يأت به الأولون فقالوا: {أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}تفسير : [الزخرف: 23]. هذا من جملة المقول المحكي بقوله: {قل ءأنتم أعلم أم الله} أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ذلك تذكيراً لهم بالعهد الذي في كتبهم عسى أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا النظر إن كانوا مترددين أو أن يفيئوا إلى الحق إن كانوا متعمدين المكابرة. و(من) في قوله {من الله} ابتدائية أي شهادة عنده بلغت من جانب الله على لسان رسله. والواو عاطفة جملة {ومن أظلم ممن كتم شهادة} على جملة {ءأنتم أعلم أم الله}. وهذا الاستفهام التقريري كناية عن عدم اغترار المسلمين بقولهم: إن إبراهيم وأبناءه كانوا هوداً أو نصارى وليس هذا احتجاجاً عليهم. وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون} بقية مقول القول وهو تهديد لأن القادر إذا لم يكن غافلاً لم يكن له مانع من العمل بمقتضى علمه وقد تقدمت نظائر هذا في مواضع.
الواحدي
تفسير : {أم تقولون} إنَّ الأنبياء من قبل أن تنزَّل التَّوراة والإِنجيل {كانوا هوداً أو نصارى} {قل أأنتم أعلم أم الله} أَيْ: قد أخبرنا الله سبحانه أنَّ الأنبياء كان دينهم الإِسلام، ولا أحدٌ أعلم منه {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} هذا توبيخٌ لهم، وهو أنَّ الله تعالى أشهدهم في التِّوراة والإِنجيل أنَّه باعثٌ فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريَّة إبراهيم عليه السَّلام، وأخذ مواثيقهم أَنْ يُبيِّنوه ولا يكتموه، ثمَّ ذكر قصَّة تحويل القبلة.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {إِسْمَاعِيلَ} {إِسْحَـاقَ} {أَوْ نَصَارَىٰ} {أَأَنْتُمْ} {شَهَادَةً} {بِغَافِلٍ} (140) - أَتَقُولُونَ إِنَّ قُرْبَكُمْ مِنَ اللهِ أَكثرَ منّا، كَانَ بِسَبَبِ امْتِيازِكُمْ بِاليَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ التِي كَانَ عَلَيهَا أَنْبياءُ اللهِ، إِبراهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ... فَإِنْ كَانَ هذَا مَا تَدَّعُونَ فَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا تَقُولُونَ، فَإِنَّ اليَهُودَيَّةَ لَمْ تَظْهَرْ كَاسمٍ إِلاَّ بَعْدَ مُوسَى، والنَّصْرَانِيَّةُ لَمْ تَظْهَرْ إِلاَّ بَعْدَ عِيسَى، فَكَيفَ تَزْعُمُونَ أَنَّ هؤُلاءِ الأَنْبِياءَ الذِين سَبَقُوا مُوسَى وَعيسَى بِكَثيرٍ مِنَ الوَقْتِ، كَانُوا يَهُوداً أَوْ نَصَارَى، والعَقْلُ شَاهِدٌ عَلَى كَذِبِكُمْ فِيما تَدَّعُونَ؟ وَهَلْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَرْضَى اللهُ عَنْهُم، أَمِ اللهُ هُوَ الأَعْلَمُ بِمَا يَرْتَضِيِهِ وَيَتَقَبَّلُهُ؟ وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيمُ بِذلِكَ، وَقَدِ ارْتَضَى للنَّاسِ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَْنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذلِكَ، وَتَعْتَرِفُونَ بِهِ، وَكُتُبُكُمْ تُصَدِّقُهُ، فَلِمَاذَا لا تَرْتَضُونَ لأَِنْفُسِكُمْ هذِهِ المِلَّةَ؟ وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظَلْماً مِمَّنْ كَتَمَ حَقِيقَةً مُثْبَتَةً فِي كِتَابِ اللهِ (شَهَادَةً). وَهذِهِ الحَقِيقَةُ وَرَدَتْ فِي التَّورَاةِ وَتَتَضَمَّنُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَيَبْعَثُ فِيهِم نَبِيّاً مِنْ بَنِي إِخْوَتِهِمْ (وَهُمُ العَرَبُ أَبْنَاءُ إِسْمَاعِيلَ) وَهُمْ لا يَزَالُونَ يَكْتُمُونَ ذلِكَ فَيُنْكِرُونَهُ عَلَى مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى التَّورَاةِ، وَيُحَرِّفُونَهُ عَلَى المُطَّلِعِ، وَلَنْ يَتْرُكَ اللهُ أَمْرَكُمْ بِلا عِقَابٍ، وَهُوَ مُحِيطٌ بِمَا تَأْتُونَ وَمَا تَذَرونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : اليهود والنصارى ادعوا أن الأنبياء السابقين لموسى وعيسى كانوا يهوداً أو نصارى. فاليهود ادعوا أنهم كانوا يهوداً .. والنصارى ادعوا أنهم كانوا نصارى، الله سبحانه وتعالى يرد عليهم بقوله: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} [البقرة: 140]. والسؤال هنا لا يوجد له إلا رد واحد؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم من الله .. وقلنا إنه إذا طرح سؤال في القرآن الكريم فلابد أن يكون جوابه مؤيداً بما يريده الحق سبحانه وتعالى ولا يوجد له إلا جواب واحد .. ولذلك فإن قوله تعالى: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} [البقرة: 140] والله لاشك أعلم وهذا واقع. إذن فكأن الله بالسؤال قد أخبر عن القضية .. ولكن يلاحظ في هذه الآية الكريمة ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط .. وفي ذكر إسماعيل دائماً مع إسحاق ويعقوب يدل على وحدة البلاغ الإيماني عن الله؛ لأن إسماعيل كان في أمة العرب وإسحاق ويعقوب كانا في بني إسرائيل. والحق سبحانه وتعالى يتحدث عن وحدة المصدر الإيماني لخلقه؛ لأنه لا علاقة أن يكون إسماعيل للعرب وإسحاق لغير العرب بوحدة المنهج الإلهي. ولذلك تقرأ قول الحق تعالى: {أية : قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 133]. والله الذي بعث إسماعيل هو الله الذي بعث إسحاق إله واحد أحد .. وما دام الإله واحداً فالمنهج الإيماني لابد أن يكون واحداً .. فإذا حدث خلاف فالخلاف من البشر الذين يحرفون المنهج ليحققوا شهوات ومكاسب لهم .. وكل نفس لها ما كسبت فلن ينفعكم نسبكم إليهم ولن يضيف إليكم شيئاً في الآخرة .. إن كانوا مؤمنين فلن ينفعكم أن تكفروا وأن تقولوا نحن ننتسب إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق .. وإن كانوا غير ذلك فلا يضركم شيئاً.
الأندلسي
تفسير : وقرىء {أَمْ تَقُولُونَ} بتاء الخطاب وبياء الغيبة والأحسن أن تكون أم منقطعة وتجويز الاتصال فيها وكونها معادلة. كقوله: أتحاجوننا. كما قاله بعضهم ليس بجيد لأن الاتصال يقتضي وقوع إحدى الجملتين وصار السؤال عن تعيين احداهما وليس الأمر كذلك بل وقعتا معاً أي المحاجة والمقالة فام منقطعة أنكر عليهم هذا القول كما أنكرت المحاجة. {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ} حيث نفى عن إبراهيم ومن ذكر معه ما نسبتم له من اليهودية والنصرانية وتوسط هنا المسؤول عنه وهو أحسن من تقدمه وتأخره وان كانا جائزين فنقول في الكلام: أأعلم أنت أم زيد، وأأنت أم زيد أعلم. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ} أي لا أحد أظلم ممن كتم شهادة استقرت عنده من الله أي من استرعاه الله لأن يشهدها وكتمها. ودل هذا على أن أحبارهم كانوا عالمين بأن إبراهيم ومن معه كانوا مباينين لليهودية والنصرانية وأنه تعالى كان ذكر في كتبهم ما يباين أقوالهم ولكنهم كتموا. {سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} وهم اليهود. وجاء بالمستقبل الصريح إخباراً بالشيء قبل وقوعه فهو معجز، إذ هو اخبار بالغيب. وسفههم: هو باعتراضهم على الله سبحانه في فعله ما يشاء أيْ أي مولي المؤمنين. {عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} وهي قبلة بيت المقدس وكان عليه السلام قد صلى إليها ستة عشر شهراً أو سبعة عشر وأضاف القبلة إليهم إذ كانوا قد استقبلوها طويلاً ومعنى عليها أي على استقبالها. {قُل} أمر لنبيه عليه السلام وتعليم لأبطال مقالتهم. {للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} كني بهما عن الجهات كلها فله أن يكلف عباده بما شاء من استقبال أي جهة شاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذه دعوى أخرى منهم، ومحاجة في رسل الله، زعموا أنهم أولى بهؤلاء الرسل المذكورين من المسلمين. فرد الله عليهم بقوله: { أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ } فالله يقول: {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } تفسير : وهم يقولون: بل كان يهوديا أو نصرانيا. فإما أن يكونوا، هم الصادقين العالمين، أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك، فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم، وهو في غاية الوضوح والبيان، حتى إنه - من وضوحه - لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق، ونحو ذلك، لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل: الليل أنور، أم النهار؟ والنار أحر أم الماء؟ والشرك أحسن أم التوحيد؟ ونحو ذلك. وهذا يعرفه كل من له أدنى عقل حتى إنهم بأنفسهم يعرفون ذلك، ويعرفون أن إبراهيم وغيره من الأنبياء، لم يكونوا هودا ولا نصارى، فكتموا هذا العلم وهذه الشهادة، فلهذا كان ظلمهم أعظم الظلم. ولهذا قال تعالى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } فهي شهادة عندهم، مودعة من الله، لا من الخلق، فيقتضي الاهتمام بإقامتها، فكتموها، وأظهروا ضدها، جمعوا بين كتم الحق، وعدم النطق به، وإظهار الباطل، والدعوة إليه، أليس هذا أعظم الظلم؟ بلى والله، وسيعاقبهم عليه أشد العقوبة، فلهذا قال: { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل قد أحصى أعمالهم، وعدها وادخر لهم جزاءها، فبئس الجزاء جزاؤهم، وبئست النار، مثوى للظالمين، وهذه طريقة القرآن في ذكر العلم والقدرة، عقب الآيات المتضمنة للأعمال التي يجازى عليها. فيفيد ذلك الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ويفيد أيضا ذكر الأسماء الحسنى بعد الأحكام، أن الأمر الديني والجزائي، أثر من آثارها، وموجب من موجباتها، وهي مقتضية له.
همام الصنعاني
تفسير : 136- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ}: [الآية: 140]، قال: الشهادةُ الشيء مكتوباً عندهم، وهو الذي كتموه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):