Verse. 1325 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَجَاۗءَ الْمُعَذِّرُوْنَ مِنَ الْاَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَہُمْ وَقَعَدَ الَّذِيْنَ كَذَبُوا اللہَ وَرَسُوْلَہٗ۝۰ۭ سَيُصِيْبُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۹۰
Wajaa almuAAaththiroona mina alaAArabi liyuthana lahum waqaAAada allatheena kathaboo Allaha warasoolahu sayuseebu allatheena kafaroo minhum AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وجاء المعذِّرون» بإدغام التاء في الأصل في الدال أي المعتذرون بمعنى المعذورين وقرئ به «من الأعراب» إلى النبي صلى الله عليه وسلم «ليؤذن لهم» في القعود لعذرهم فأذن لهم «وقعد الذين كذبوا الله ورسوله» في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار «سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم».

90

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال المنافقين الذين كانوا في المدينة ابتدأ في هذه الآية بشرح أحوال المنافقين من الأعراب في قوله: {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ } وقال: لعن الله المعذرين، وذهب إلى أن المعذر هو المجتهد الذي له عذر، والمعذر بالتشديد الذي يعتذر بلا عذر. والحاصل: أن المعذر هو المجتهد البالغ في العذر، ومنه قولهم: قد أعذر من أنذر، وعلى هذه القراءة فمعنى الآية: أن الله تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكاذبين، فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر. قيل: هم أسد وغطفان. قالوا: إن لنا عيالاً وإنا بنا جهداً فائذن لنا في التخلف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء علينا، فأذن رسول الله لهم. وعن مجاهد: نفر من غطفان اعتذروا. والذين قرؤوا {ٱلْمُعَذّرُونَ } بالتشديد وهي قراءة العامة فله وجهان من العربية. الوجه الأول: ما ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري: وهو أن الأصل في هذا اللفظ المعتذرون فحولت فتحة التاء إلى العين، وأبدلت الذال من التاء، وأدغمت في الذال التي بعدها، فصارت التاء ذالاً مشددة. والاعتذار قد يكون بالكذب، كما في قوله تعالى: { أية : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 94] فبين كون هذا الاعتذار فاسداً بقوله: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ } وقد يكون بالصدق كما في قول لبيد: شعر : ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : يريد فقد جاء بعذر صحيح. الوجه الثاني: أن يكون {ٱلْمُعَذّرُونَ } على وزن قولنا: مفعلون من التعذير الذي هو التقصير. يقال: عذراً تعذيراً إذا قصر ولم يبالغ. يقال: قام فلان قيام تعذير، إذا استكفيته في أمر فقصر فيه، فإن أخذنا بقراءة الخفيف، كان {ٱلْمُعَذّرُونَ } كاذبين. وأما إن أخذنا بقراءة التشديد، وفسرناها بالمعتذرين، فعلى هذا التقدير: يحتمل أنهم كانوا صادقين وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: المعذرون كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكرهم قال بعدهم: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فلما ميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا بكاذبين. وروى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو: أنه لما قيل له هذا الكلام قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل، فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ } وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبهة عذر جراءة على الله تعالى، فهم المرادون بقوله: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } والذي قاله أبو عمرو محتمل، إلا أن الأول أظهر. وقوله: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهم منافقو الأعراب الذين ما جاؤوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان. وقرأ أبي {كَذَّبُواْ } بالتشديد {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، وإنما قال: {مِنْهُمْ } لأنه تعالى كان عالماً بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب، فذكر لفظة من الدالة على التبعيض.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} قرأ الأعرج والضّحاك «الْمُعْذِرون» مخففاً. ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس. قال الجوهري: وكان ابن عباس يقرأ «وَجَاءَ المُعْذِرُون» مخففة، من أعذر. ويقول: والله لهكذا أنزلت. قال النحاس: إلا أن مدارها عن الكلبي، وهي من أعذر؛ ومنه قد أعذر من أنذر؛ أي قد بالغ في العذر من تقدّم إليك فأنذرك. وأما «المعذّرون» بالتشديد ففيه قولان: أحدهما أنه يكون المحقّ؛ فهو في المعنى المعتذر، لأن له عذراً. فيكون «المعذرون» على هذه أصله المعتذرون، ولكن التاء قلبت ذالاً فأدغمت فيها وجعلت حركتها على العين؛ كما قرىء «يَخَصِّمون» بفتح الخاء. ويجوز «المعِذّرون» بكسر العين لاجتماع الساكنين. ويجوز ضمها اتباعاً للميم. ذكره الجوهرىّ والنحاس. إلاَّ أن النحاس حكاه عن الأخفش والفراء وأبي حاتم وأبي عبيد. ويجوز أن يكون الأصل المعتذرون، ثم أدغمت التاء في الذال؛ ويكونون الذين لهم عذر. قال لَبيد:شعر : إلى الحَوْل ثم ٱسم السلام عليكما ومن يَبْك حَوْلاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : والقول الآخر أن المعذِّر قد يكون غير محق، وهو الذي يعتذر ولا عذر له. قال الجوهري؛ فهو المعَذِّر على جهة المُفَعِّل؛ لأنه المُمَرّض والمقصّر يعتذر بغير عذر. قال غيره؛ يُقال عذّر فلان في أمر كذا تعذيراً؛ أي قصّر ولم يبالغ فيه. والمعنى أنهم اعتذروا بالكذب. قال الجوهري: وكان ابن عباس يقول: لعن الله المعذِّرين. كأن الأمر عنده أن المعذّر بالتشديد هو المظهر للعذر، اعتلالاً من غير حقيقة له في العذر. النحاس: قال أبو العباس محمد بن يزيد ولا يجوز أن يكون الأصل فيه المعتذرين، ولا يجوز الإدغام فيقع اللبس. ذكر إسماعيل بن إسحاق أن الإدغام مجتنَب على قول الخليل وسيبويه، بعد أن سياق الكلام يدل على أنهم مذمومون لا عذر لهم، قال: لأنهم جاءوا ليؤذن لهم، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا أن يستأذنوا. قال النحاس: وأصل المعذرة والإعذار والتعذير من شيء واحد وهو مما يصعب ويتعذر. وقول العرب: مَن عَذِيري من فلان، معناه قد أتى أمراً عظيماً يستحقّ أن أُعاقبه عليه ولم يعلم الناس به؛ فمن يَعذِرُني إن عاقبته. فعلى قراءة التخفيف قال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر فأذن لهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقيل: هم رهط عامر بن الطُّفَيل قالوا: يا رسول الله، لو غزونا معك أغارت أعراب طَيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا؛ فعذرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم. وعلى قراءة التشديد في القول الثاني، هم قوم من غِفَار اعتذروا فلم يعذِرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لعلمه أنهم غير محقِّين، والله أعلم. وقعد قوم بغير عذر أظهروه جرأة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أخبر الله تعالى عنهم فقال: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} والمراد بكذبهم قولهم: إنا مؤمنون. و «لِيُؤْذَنَ» نصب بلام كَيْ.

ابن كثير

تفسير : ثم بين تعالى حال ذوي الأعذار في ترك الجهاد الذين جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، ويبينون له ما هم فيه من الضعف، وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة. قال الضحاك عن ابن عباس، إنه كان يقرأ: (وجاء المُعْذِرون) بالتخفيف، ويقول: هم أهل العذر. وكذا روى ابن عيينة عن حميد عن مجاهد سواء، قال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار، منهم خفاف بن إيماء بن رَحَضةَ، وهذا القول هو الأظهر في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: لم يأتوا فيعتذروا. وقال ابن جريج عن مجاهد: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ} قال: نفر من بني غفار، جاؤوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله، وكذا قال الحسن وقتادة ومحمد بن إسحاق، والقول الأول أظهر، والله أعلم؛ لما قدمنا من قوله بعده: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم، فقال: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ } بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي المعتذرون بمعنى (المعذورين)، وقرىء به {مِّنَ ٱلأَعْرَابِ } إلى النبي صلى الله عليه وسلم {لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } في القعود لعذرهم فأذن لهم {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } في ادعاء الإِيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }.

الشوكاني

تفسير : قرأ الأعرج والضحاك "المعذرون" بالتخفيف، من أعذر، ورواها أبو كريب عن أبي بكر عن عاصم، ورواها أصحاب القراءات عن ابن عباس. قال في الصحاح: وكان ابن عباس يقرأ "وجاء المعذرون" مخففة من أعذر، ويقول: والله هكذا أنزلت. قال النحاس: إلا أن مدارها على الكلبي، وهي من أعذر: إذا بالغ في العذر، ومنه: "من أنذر فقد أعذر» أي: بالغ في العذر. وقرأ الجمهور {المعذرون} بالتشديد ففيه وجهان، أحدهما: أن يكون أصله المعتذرون فأدغمت التاء في الذال، وهم: الذين لهم عذر، ومنه قول لبيد:شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : فالمعذرون على هذا: هم المحقون في اعتذارهم. وقد روي هذا عن الفراء، والزجاج، وابن الأنباري، وقيل: هو من عذّر، وهو الذي يعتذر ولا عذر له، يقال عذر في الأمر: إذا قصر واعتذر بما ليس بعذر، ذكره الجوهري وصاحب الكشاف؛ فالمعذرون على هذا: هم المبطلون، لأنهم اعتذروا بأعذار باطلة لا أصل لها. وروي عن الأخفش، والفراء، وأبي حاتم، وأبي عبيد، أنه يجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع. والمعنى: أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل على كلا التفسيرين؛ لأجل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف عن الغزو، وطائفة أخرى لم يعتذروا، بل قعدوا عن الغزو لغير عذر، وهم منافقو الأعراب الذين كذبوا الله ورسوله، ولم يؤمنوا ولا صدّقوا، ثم توعدهم الله سبحانه، فقال: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ } أي: من الأعراب، وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة، والذين لم يعتذروا، بل كذبوا بالله ورسوله {عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: كثير الألم، فيصدق على عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة. وقد أخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } أي: أهل العذر منهم. وروى ابن أبي حاتم، عنه، نحو ذلك. وأخرج ابن الأنباري في كتاب (الأضداد) عنه أيضاً أنه كان يقول: «لعن الله المعذرين» ويقرأ بالتشديد كأن الأمر عنده أن المعذر بالتشديد: هو المظهر للعذر اعتلالاً من غير حقيقة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن إسحاق، في قوله: {وَجَاء ٱلْمُعَذّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ } قال: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار، جاءوا فاعتذروا، منهم خفاف بن إيماء؛ وقيل: لهم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيىء على أهالينا، ومواشينا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل {وَجَآءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} فيها وجهان: أحدهما: أنهم المعتذرون بحق اعتذروا به فعذروا، قاله ابن عباس وتأويل قراءة من قرأها بالتخفيف. والثاني: هم المقصرون المعتذرون بالكذب، قاله الحسن وتأويل من قرأها بالتشديد، لأنه إذا خفف مأخوذ من العذر، وإذا شدد مأخوذ من التعذير، والفرق بينهما أن العذر حق والعذير كذب. وقيل إنهم بنو أسد وغطفان. قوله عز وجل {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى} الآية. وفي الضعفاء ها هنا ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم الصغار لضعف أبدانهم. الثاني: المجانين لضعف عقولهم. الثالث: العميان لضعف بصرهم. كما قيل في تأويل قوله تعالى في شعيب {أية : إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} تفسير : [هود: 91] أي ضريراً. {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} فيه وجهان: أحدهما: إذا برئوا من النفاق. الثاني: إذا قاموا بحفظ المخلفين من الذراري والمنازل. فإن قيل بالتأويل الأول كان راجعاً إلى جميع من تقدم ذكره من الضعفاء. والمرضى الذين لا يجدون ما ينفقون. وإن قيل بالتأويل الثاني كان راجعاً إلى الذين لا يجدون ما ينفقون خاصة. وقيل إنها نزلت في عائذ بن عمرو وعبد الله ابن مُغَفّل. {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه لم يجد لهم زاداً لأنهم طلبوا ما يتزودون به، قاله أنس بن مالك. والثاني: أنه لم يجد لهم نعالاً لأنهم طلبوا النعال، قاله الحسن. روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الغزاة وهي تبوك "حديث : أَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَزَالُ رَاكباً مَا كَانَ مُنْتَعِلاً ". تفسير : وفيمن نزلت فيه خمسة أقاويل: أحدها: في العرباض بن سارية، قاله يحيى بن أبي المطاع. والثاني: في عبد الله بن الأزرق وأبي ليلى، قاله السدي. والثالث: في بني مقرّن من مُزينة، قاله مجاهد. والرابع: في سبعة من قبائل شتى، قاله محمد بن كعب. والخامس: في أبي موسى وأصحابه، قاله الحسن.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْمُعَذِّرُونَ} مخفف الذين اعتذروا بحق، وبالتشديد الذين كذبوا في اعتذارهم فالعذر حق، والتعذير كذب، قيل هم بنو أسد وغطفان.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {المعذرون} من الأعذار: قتيبة ويعقوب. الباقون: بالتشديد {دائرة السوء} بضم السين وكذلك في الفتح: أبو عمرو وابن كثير. الآخرون بفتحها {قربة} بضم الراء: نافع غير قالون. الباقون بإسكانها وكلاهما بمعنى. الوقوف: {ورسوله} ط {أليم} ه {لله ورسوله} ط {من سبيل} ط {رحيم} ه لا للعطف، {ما ينفقون} ه {أغنياء} ج لاحتمال أن يكون {رضوا} مستأنفاً أو وصفاً. {مع الخوالف} لا لأن الواو إما للعطف أو للحال. {لا يعلمون} ه {إليهم} ط {من أخباركم} ط {تعملون} ه {لتعرضوا عنهم} ط {عنهم} ط {رجس} ز لاختلاف الجملتين مع شدة اتصال المعنى في إتمام الوعيد. {جهنم} ج لأن جزاء يصلح أن يكون مفعولاً له أو مفعولاً مطلقاً محذوف أي يجزون جزاء {يكسبون} ه {لترضوا عنهم} ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب. {الفاسقين} ه {على رسوله} ط {حكيم} ه {الدوائر} ط {دائرة السوء} ط {عليم} ه {الرسول} ط {لهم} ط {في رحمته} ط {رحيم} ه. التفسير: لما شرح أحوال منافقي المدينة شرع في أحوال المنافقين من أهل البدو فقال {وجاء المعذرون} من قرأ بالتخفيف فهو من أعذر إذا اجتهد في العذر وبالغ فيه ومنه قولهم: من أنذر فقد أعذر. فكأنه تعالى فصل بين أصحاب العذر وبين الكافرين؛ فالمعذرون هم الذين أتوا بالعذر وهم أسد وغطفان قالوا: إن لنا أتباعاً وعيالاً وإن بنا جهداً فأذن لنا في التخلف. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال صلى الله عليه وآله: سيغنيني الله عنكم. وعن مجاهد: نفر من غفار. ومن قرأ بالتشديد ففيه وجهان: الأوّل أن يكون من التعذير وهو التقصير في الأمر والتواني فيه وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له. الثاني وقد ذكره الفراء والزجاج وابن الأنباري أنه من الاعتذار والأصل فيه المعتذرون أدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين. والاعتذار قد يكون بالكذب كقوله تعالى: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا} وقد يكون صحيحاً كقول القائل: شعر : ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر تفسير : أي ما جاء بعذر صحيح. فإذا أخذنا بقراءة التخفيف كان المعذرون صادقين، وإذا أخذنا بقراءة التشديد وفسرناها بالمعتذرين فاحتمل الأمران. ومن المفسرين من رجح جانب صدقهم لأنه تعالى ميزهم من الكاذبين بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} ومنهم من مال إلى أنهم كاذبون. روى الواحدي بإسناده عن أبي عمرو أنه قال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل وهم الذين عناهم الله بقوله {وجاء المعذرون} وتخلف آخرون لا بعذر ولا بشبهة عذر جراءة على الله وهم الذين أرادهم الله بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} وهم منافقو الأعراب الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان. {سيصيب الذين كفروا منهم} أي من الأعراب {عذاب أليم} في الدنيا بالقتل وفي العقبى بالنار. وإنما قال: {منهم} لعلمه بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص من هذا العقاب. ثم ذكر أن تكليف الجهاد ساقط عن أصحاب الأعذار الحقيقية فقال {ليس على الضعفاء} وهم الذين في أبدانهم ضعف في أصل الخلقة أو لهرم {ولا على المرضى} ويدخل فيه أصحاب العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} في الغزو على أنفسهم {حرج} قيل: هم مزينة وجهينة وبنو عذرة، وفيه دليل على أنه لا يحرم عليه الخروج إذا أمكنه الإعانة بمقدار القدرة كحفظ متاع المجاهدين وتكثير سوادهم وإنما يكون ذلك طاعة مقبولة منه إذا لم يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم. ثم إنه شرط في جواز العقود النصح لله ورسوله ليحترزوا بعدهم عن إلقاء الإرجاف وإثارة الفتن ويقوموا على إصلاح مهمات بيوتهم. وبالجملة على كل ما له مدخل في طاعة الله ورسوله وموافقة السر العلن كما يفعل المولى الناصح بصاحبه. ثم قال: {ما على المحسنين} أي المعذورين الناصحين {من سبيل} للعتاب والمؤاخذة. قال بعض أهل الظاهر كداود الأصفهاني وغيره: إن المحسن هو الآتي بالإحسان ورأس الإحسان وسنامه هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله. فهذا يدل على أن الملكف إذا تكلم بهذه الكلمة برئت ذمته عن مطالبة نفسه وماله إلا بدليل منفصل كما أن السلطان لو قال لأهل مملكته تكليفي عليكم كذا وكذا وبعد ذلك لا سبيل لأحد على أحد كان ذلك دليلاً على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء ذلك لأن باب النفي لا نهاية له فلا ينضبط إلا بهذا الطريق. وعلى هذا لو ورد في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة فيها وفيما وراءها ليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ولا حاجة إلى التمسك بالقياس لأن هذا النص دل على أن الأصل براءة الذمة. فإن كان القياس مفيداً للبراءة أيضاً فضائع، وإن كان يفيد شغل الذمة صار مخصصاً لعموم النص، وإنه لا يجوز لأن النص أقوى من القياس. ولما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بيّن قسماً رابعاً وهم الذين لا يجدون الراحلة وإن قدروا على الزاد فقال: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} أي على المركوب. قلت: قال في الكشاف: هو حال من الكاف في {أتوك} بإضمار "قد" أي إذا ما أتوك قائلاً {لا أجد ما أحملكم عليه تولوا} وجوز أن يكون واسطة بين الشرط والجزاء كالاعتراض. قلت: ويحتمل أن يكون بدلاً من {أتوك}. قال مجاهد: هم أبناء مقرن معقل وسويد والنعمان، وقيل: أبو موسى الأشعري وأصحابه أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله يستحملونه ووافق منه غضباً فقال: والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه فتولوا وهم مدبرون يبكون فدعاهم وأعطاهم ذو داغر الذري. فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله فقال: أما إني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني. وقيل: هم البكاؤون سبعة نفر من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وعلبة بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن عنمة وعبد الله بن مغفل، أتوا رسول الله صلى الله عيه وآله فقالوا: يا نبي الله إن الله عز وجل قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فولوا وهم يبكون. وقوله {تفيض من الدمع} كقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كلها فائضة. و"من" للبيان والجار والمجرور في محل النصب على التمييز. {حزناً أن لا يجدوا} أي على أن لا يجدوا. {إنما السبيل} أي سبيل الخطاب والعتاب في أمر الغزو والجهاد {على الذين يستأذنونك} في التخلف وهم أغنياء. ثم قال على سبيل الاستئناف {رضوا} كأنه قيل ما لهم استأذنوا وهم قادرون على الاستعداد؟ فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف ومن جملة أسباب الاستئذان أن طبع الله تعالى على قلوبهم. قال لأهل العلم: لما قال في الآية الأولى و{أية : وإذا أنزلت سورة }تفسير : [التوبة: 86] قال هناك{أية : وطبع}تفسير : [التوبة: 87] ليكون المجهول مبنياً على المجهول بخلافه في هذه الآية. ثم إن العلم فوق الفقه فكان أنسب بالمقام الذي جرى فيه ذكر الله. أما قوله {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} فإنه علة المنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً فإذا علم بأن القوم يكذبونه وجب عليه تركه. وقوله {قد نبأنا الله} علة لانتفاء التصديق. {وسيرى الله عملكم} يعني رؤية وقوع أي سيقع أنكم هل تبقون على الحالة التي تظهرونها أم لا. وفي قوله {ثم تردّون على عالم الغيب} تخويف شديد وفيه أنه مطلع على بواطنهم الخبثة وضمائرهم المملوءة من النفاق والكذب. وإنما لم يقل في هذه الآية و "المؤمنون" كما في الآية التي تجيء، لأن هذه في المنافقين ولا يطلع على ما في باطنهم إلا الله ثم رسوله باطلاع الله إياه أو بنور نبوته كما قال {قد نبأنا الله من أخباركم} والآية الأخرى في المؤمنين وعباداتهم ظاهرة للكل. وختم آية المنافقين بقوله {ثم تردون} لأنه وعيد فقطعه عن الأول بخلاف آية المؤمنين حيث وصلها بالواو لأنه وعد من الله. ثم ذكر أن منافقي الأعراب سيؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة مثل ما حكى تعالى عن منافقي المدينة فقال: {سيحلفون بالله لكم} أي لأجلكم {إذا انقلبتم} أي رجعتم {إليهم} ولم يذكر المحلوف عليه. والظاهر أنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج ولكن بين غرضهم من الحلف فقال {لتعرضوا عنهم} أرادوا الصفح والعفو فأمر الله المؤمنين بإعطاء طلبتهم ولكن على سبيل المقت لا الصفح ولهذا قال ابن عباس: أراد ترك الكلام والسلام. وقال مقاتل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: لا تجالسوهم ولا تكلموهم وكانوا ثمانين رجلاً منهم جد بن قيس ومعتب بن قشير. ثم بين علة الاجتناب عنهم فقال: {إنهم رجس} فكأنهم نجس العين فلا سبيل إلى تطهيرهم بالعتاب والتوبيخ وفي أمثالهم إنما يعاتب الأديم ذو البشرة. المعاتبة المعاودة وبشرة الأديم ظاهره الذي عليه الشعر أي إنما يعاد الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته، يضرب لمن فيه مراجعة ومستعتب وإذا لم تكن المعاتبة نافعة فيهم فتركها هو الصواب {ومأواهم} جهنم منقلبهم النار عتاباً توبيخاً. ثم بين أنهم طلبوا إعراض الصفح بقوله {يحلفون لكم لترضوا عنهم} نهاهم عن الرضا بقوله {فإن ترضوا عنهم} الآية، ذلك أن إرادة المؤمن يجب أن تكون موافقة لإرادة الله، وأي فائدة في رضا المؤمنين إذا كان الله تعالى ساخطاً عليهم؟. ثم عدد مثالب الأعراب وأراد بهم جمعاً معينين كانوا يوالون منافقي المدينة. قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، ورجل أعرابي إذا كان بدوياً سواء كان من العرب أو من مواليهم وجمعه أعراب كالمجوسي والمجوس واليهودي واليهود. فالأعرابي إذا قيل له يا أعرابي فرح، وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي ومن نزل البادية فهو أعرابي ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب وإنما هم عرب. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تؤمنّ امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولا أعرابي مهاجراً" تفسير : قيل: إنما سمى العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشؤا بالعربة وهي من تهامة ونسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل: لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم لما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة، يحكى عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم. وإنما حكم على الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً لأنهم يشبهون الوحوش. سئل بعض الحكماء ما بال أهل البادية لا يحتاجون إلى الطبيب؟ فقال: كما لا يحتاج حمر الوحش الى البياطرة ولاستيلاء الهواء الحار عليهم الموجب لكثرة الطيش والخروج عن الاعتدال، وإن من أصبح وأمسى مشرفاً عليه أنوار النبوة ومشرفاً باستماع مواعظه وآدابه كيف يكون مساوياً لمن نشأ كما يشاء من غير سياسة سائس ولا تأديب مؤدب؟! وإن شئت فقس الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الجفاء والقسوة في الفدّادين" تفسير : أي الأكارين لأنهم يفدّون أي يصيحون. وقوله: {وأجدر} أي أولى وأحق {بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله} أي مقادير تكاليفه وأحكامه وما تنتهي إليه الأدلة العقلية والسمعية {والله عليم} بما في قلوب أهل البدو والحضر وأصحاب الوبر والمدر {حكيم} في كل ما قدر من الشرائع وما يتبعها من الجزاء. ثم نوع جنس الأعراب فقال: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} هو مفعول ثانٍ ليتخذ لأنه بمعنى الجعل والاعتقاد والزعم أي يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران. وقد عرفت أن أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه لزمه لأمر من خارج كتقية أو رياء ليس مما ينبعث من النفس، والمغرم إما مصدر أو موضع. {ويتربص بكم الدوائر} نوب الزمان وتصاريفه ودوله وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه تشبيهاً بالدائرة التي تحيط بما في ضمنها بحيث لا يوجد منها مخلص. ثم خيّب الله ظنونهم بالإسلام وذويه بأن دعا عليهم بقوله: {عليهم دائرة السوء} وإنها جملة معترضة كقوله{أية : غلت أيديهم}تفسير : [المائدة: 64] والسوء بالفتح مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك "رجل صدق". قال في الكشاف: وهو ذم للدائرة لأن من دارت عليه ذامّ لها وبالضم اسم بمعنى البلاء والعذاب، والمراد أنهم لا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم. {والله سميع} لأقوالهم {عليم} بنياتهم. قيل: هم أعراب أسد وغطفان وتميم. ثم ختم الكلام بذكر الصالحين منهم فقال: {ومن الأعراب من يؤمن} الآية. والمعنى أنهم يعتقدون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند الله وسبباً لصلوات الرسول عليهم لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله: اللهم صل على آل أبي أوفى. ثم إنه تعالى شهد لهم ولأمثالهم بصحة ما اعتقدوه فقال على طريق الاستئناف مؤكداّ بحرفي التنبيه والتحقيق {ألا إنها قربة لهم} ثم فسر القربة بقوله: {سيدخلهم الله في رحمته} والسين لتحقيق الوعد. قيل: هم عبد الله ذو البجاد بن ورهطه، أخذت أمه بجاداً وهو كساء مخطط فشقته نصفين فردّته بأحدهما وأزرته بالثاني وبعثته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان قائده والله أعلم. التأويل: الناس ثلاثة: المتضررون المعذرون المعترفون بتقصيرهم، والقاعدون الكذابون، والناصحون المخلصون في الطلب ولكن فيهم الضعفاء والمرضى والفقراء فلا حرج عليهم في القعود عن طلب الكمال بالظواهر مع اشتغال البواطن في الطلب بقدر الاستعداد. {ولا على الذين إذا ما أتوك} بطريق المتابعة {لتحملهم} على جناح الهمة النبوية وتوصلهم إلى مقامات لم يكونوا بالغيها بجناحي البشرية والروحانية {قلت لا أجد ما أحملكم عليه} ترفعاً ودلالاً واستيراء لزناد أشواقهم كما قيل لموسى لن تراني زيادة لشوقه وهم أغنياء لهم الاستعدادات الكاملة فلم يستعملوها في طلب الكمال كسلاً وميلاً إلى اللذات العاجلة. {الأعراب أشد كفراً} إن في عالم الإنسانية بدواً هو نفسه وحضراً هو قلبه، والكفر والنفاق للنفس مقتضى الذات كما أن الإيمان للقلب لذاته بالفطرة، وقد يصير القلب كافراً بسراية النفس وقد تصير النفس مؤمنه بسراية القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً من القلب الكافر كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس المؤمنة. {حدود ما أنزل الله على رسوله} يعني الواردات النازلة على الروح فإن القلب حضر الروح كما أن المدينة حضر الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن النفوس من يعتقد أن ما يصرف من أوقاته في طلب الكمال ضائع وخسار وينتظر بالقلب اشتغالاً وفترة. {عليهم دائرة السوء} باستيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها {والله سميع} يجيب هذا الدعاء {عليم} بمن ينبغي أن يسمع في حقه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَجَاءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ...} الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: هؤلاء كانوا مؤمنين، وكانَتْ أَعذارُهُم صادقة، وأصل اللفظة: «المُعْتَذِرُونَ»، فقلبت التاءُ ذالاً وأدغمتْ، وقال قتادة، وفرقةٌ معه: بل الذين جاؤوا كفرةٌ، وقولُهُمْ وعُذْرهم كَذِبٌ. قال * ص *: والمعنى: تكلَّفوا العُذْر، ولا عذر لهم، و{كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}، أي: في إيمانهم. انتهى. وقوله: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ...} الآية قوله: {مِنْهُمْ} يؤيِّد أن المعذِّرين كانوا مؤمنين، فتأمَّله، قال ابنُ إِسحاق: المعذِّرون: نَفَرٌ من بني غِفَارٍ؛ وهذا يقتضي أنهم مؤمنون. وقوله جلَّت عظمته: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ...} الآية: يقولُ: ليس على أهل الأعذار مِنْ ضَعْف بدنٍ أو مرضٍ أو عدمِ نفقةٍ إِثمٌ؛ والحَرَجُ: الإِثم. وقوله: {إِذَا نَصَحُواْ }: يريد: بنيَّاتهم وأقوالهم سرًّا وجهراً، {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}: أي: من لائمةٍ تناطُ بِهِمْ، ثم أكَّد الرجاءَ بقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقرأ ابنُ عبَّاس: « وَاللَّهُ لأَهْلِ الإِسَاءَة غَفُورٌ رَحِيم»، وهذا على جهة التفسيرِ أشبهُ منه على جهةِ التلاوةِ؛ لخلافه المُصْحَفَ، واختلف فيمَنْ المرادُ بقوله: {ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ}: فقالتْ فرقة: نَزلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ: ستَّة إِخوة، وليس في الصحابة ستَّة إِخوة غيرهم، وقيل: كانوا سبعةً. وقيل: نزلَتْ في عائِذِ بْنِ عمرو المُزَنيِّ؛ قاله قتادة، وقيل: في عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ المزَنِّي. قاله ابن عباس. وقوله عَزَّ وجلَّ: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} هذه الآيةُ نزلَتْ في البَكَّائين، واختلف في تعيينهم، فقيل: في أبي موسَى الأشعريِّ وَرَهْطِهِ، وقيل: في بني مُقَرِّنٍ؛ وعلى هذا جمهور المفسِّرين، وقيل: نزلَتْ في سبعة نَفَرٍ من بطونٍ شتَّى، فهم البَكَّاؤون، وقال مجاهد: البَكَّاؤون هم بنو مُقَرِّن من مُزَيْنة، ومعنى قوله: {لِتَحْمِلَهُمْ}: أيْ: عَلَى ظَهْر يُرْكَبُ، ويُحْمَل عليه الأثاثُ. * ت *: وقصة أبي موسَى الأشعريِّ ورَهْطِهِ مذكورةٌ في الصَّحيح، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»: القول بأن الآية نزلَتْ في أبي موسَى وأصحابه هو الصحيحُ، انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وجاء المعذرون من الأعراب‏} ‏ يعني أهل العذر منهم ليؤذن لهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وجاء المعذرون من الأعراب‏} ‏ قال‏:‏ هم أهل الأعذار، وكان يقرؤها ‏ {‏وجاء المعذرون‏} ‏ خفيفة‏. وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس‏.‏ أنه كان يقرأ ‏ {‏وجاء المعذرون من الأعراب‏} ‏ ويقول‏:‏ لعن الله المعذرين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ من قرأها ‏{‏وجاء المعذرون من الأعراب‏} ‏ خفيفة قال‏:‏ بنو مقرن، ومن قرأها ‏ {‏وجاء المعذرون‏} ‏ قال‏:‏ اعتذروا بشيء ليس لهم عذر بحق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن‏.‏ أنه كان يقرأ ‏ {‏وجاء المعذرون‏} ‏ قال‏:‏ اعتذروا بشيء ليس بحق‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن إسحق في قوله ‏ {‏وجاء المعذرون من الأعراب‏} ‏ قال‏:‏ ذكر لي أنهم نفر من بني غفار، جاؤوا فاعتذروا، منهم خفاف بن إيماء من خرصة‏.

القشيري

تفسير : وهم أصحاب الأعذار - في قول أهل التفسير - طلبوا الإذنَ في التأخرِ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فسقط عنهم اللَّوْمُ. أما الذين تأخروا بغير عُذْرٍ فقد توجَّه عليهم اللوم، وهو لهم في المستقبل الوعيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وجاء المعذورون من الأعراب ليؤذن لهم} من عذر فى الامر اذا قصر فيه وتوانى ولم يجدوا حقيقته ان يوهم ان له عذرا فيما يفعل ولا عذر له. فالمعذر اسم فاعل من باب التفعيل او من اعتذر اذا مهد العذر بادغام التاء فى الذال ونقل حركتها الى العين فيكون اسم فاعل من باب الافتعال والاعتذار قد يكون بالكذب وقد يكون بالصدق وذلك لان الاعتذار عبارة عن الاتيان بما هو فى صورة العذر سواء كان للمعتذر عذر حقيقة او لم يكن. والاعراب سكان البوادى من العرب لا واحد له والعرب خلاف العجم وهم سكان الامصار او عام والعربة ناحية قرب المدينة واقامت قريش بعربة فنسبت العرب اليها وهى باحة العرب وباحة دار ابى الفصاحة اسماعيل عليه السلام كما فى القاموس. والمراد بالمعذرين اسد واغطفان واستأذنوا فى التخلف حين الخروج الى غزوة تبوك معتذرين بالجهد اى ضيق العيش وكثرة العيال او رهط عامر بن الطفيل قالوا ان غزونا معك اغارت اعراب طى على اهالينا ومواشينا فقال عليه السلام "حديث : سيغنينى الله عنكم " .تفسير : واختلفوا فى انهم كانوا معتذرين بالتصنع او بالصحة والظاهر الثانى ويدل عليه كلام القاموس حيث قال قوله تعالى {وجاء المعذرون} بتشديد الذال المكسورة هم المعتذرون الذين لهم عذر وقد يكون المعذر غير محق فالمعنى المقصرون بغير عذر انتهى. اقول وعلى كل حال لا يثبت النفاق اذ المقصر وهو المعتذر للفتور والكسل لا يكون كافرا وان كان مذموما وقد اضطرب كلام المفسرين هناك فعليك بضبط المبنى واخذ المعنى {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} وهم منافقوا الاعراب الذين لم يجيبوا ولم يعتذروا ولم يستأذنوا فى القعود فظهر انهم كذبوا الله ورسوله فى ادعاء الايمان والطاعة. قال فى انسان العيون وجاء المعذرون وهم الضعفاء والمقلون من الاعراب ليؤذن لهم فى التخلف فاذن لهم وكانوا اثنين وثمانين رجلا وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر واظهار علة وجراءة على الله ورسوله وقد عناهم الله بقوله {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} انتهى. {سيصيب الذين كفروا منهم} اى من الاعراب او من المعذرين وعلى كل تقدير فمن تبعيضية لا بيانية اذ ليس كلهم كفرة وقد علم الله تعالى ان بعض الاعراب سيؤمن وان بعض المعذرين لكسله لا لكفره {عذاب اليم} بالقتل والاسر فى الدنيا والنار فى الآخرة. قال فى التأويلات النجمية الخلق ثلاث طبقات. الاولى المعذرون وهم المقصرون المعترفون بتقصيرهم وذنوبهم التائبون عن ذنوبهم المتداركون بالرحمة والمغفرة. والثانية القاعدون وهم الكاذبون الكذابون الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله من الكافرين والمنافقين المتداركون بالخذلان والعذاب الاليم كما قال {وقعد الذين} الآية. والثالثة المؤمنون المخلصون الصادقون الناصحون ولكن فيهم اهل العذر واليه الاشارة بقوله تعالى {ليس على الضعفاء بنيست برناتوانان وعاجزان] كالهرمى والزمنى جمع هرم بكسر الراء وهو كبير السن وجمع زمن وهو المقعد {ولا على المرضى} [ونه بربيماران ومعلول] جمع مريض {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} لفقرهم كمزينة وجهينة وبنى عذرة {حرج} اثم فى التخلف والتأخر عن الغزو ثم انه تعالى شرط فى انتفاء الحرج عنهم شرطا معينا فقال {إذا نصحوا لله ورسوله} قال ابو البقاء العامل فيه معنى الكلام اى لا يخرجون حينئذ. والنصح اخلاص العمل من الغش يقال نصح الشيء اذا خلص ونصح له فى القول اذا كلمه بما هو خير محض له والناصح الخالص وفى الحديث "حديث : الدين النصيحة الدين النصيحة " .تفسير : ذكرها ثلاث مرات قيل هذا الكلام مدار الاسلام لان النصيحة هى ارادة الخير معناه عماد الدين النصيحة كما يقال الحج عرفة اى عماده "حديث : قالوا لمن يا رسول الله قال لله " .تفسير : معنى نصيحته تعالى الايمان به واخلاص العمل فيما امر به "حديث : ولرسوله " .تفسير : نصيحته تصديقه بكل ما علم مجيئهه به واحياء طريقه "حديث : ولكتابه ".تفسير : نصيحته الاعتقاد بانه كلام الله والعمل بمحكمه. والتسليم لمتشابهه وفى الحقيقة هذه النصائح راجعة الى العبد "حديث : ولائمة المسلمين ".تفسير : نصيحتهم اطاعتهم فى المعروف وتنبيههم عند الغفلة "حديث : وعامتهم" تفسير : نصيحة عامة المسلمين دفع المضار عنهم وجلب المنافع اليهم بقدر الوسع كذا فى شرح المشارق لابن ملك. فمعنى الآية ان المتخلفين من اصحاب الاعذار لا اثم عليهم فى تخلفهم اذا اخلصوا الايمان لله ولرسوله وامتثلوا امرهما فى جميع الامور ومعظمها ان لا يفشوا ما سمعوه من الاراجيف فى حق الغزاة وان لا يثيروا الفتن وان يسعوا فى ايصال الخير الى المجاهدين ويقوموا باصلاح مهمات بيوتهم ويسعوا فى ايصال الاخبار السارة من بيوتهم اليهم {ما على المحسنين من سبيل} استئناف مقرر لمضمون ما سبق اى ليس عليهم جناح ولا الى معاتبتهم سبيل ومن زائدة لعموم النفى ووضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على انتظامهم بنصحهم لله ورسوله فى سلك المحسنين وقد اشتهر ان تعليق الحكم على الوصف المناسب يشعر بعلية الوصف له {والله غفور رحيم} يشير الى ان بهم حاجة الى المغفرة وان كان تخلفهم بعذر فان الانسان محل التقصير والعجز فلا يسعه الا العفو: وفى المثنوى شعر : شمس هم معده زمين را كرم كرد تا زمين باقى حدثهارى بخورد جزؤخاكى كشت ورست ازوى نبات هكذا يمحو الاله السيآت اى كه من زشت وخصالم نيز زشت جون شوم كل جون مرا اوخار كشت نوبهارا حسن كل ده خاررا زينت طاوس ده آن ماررا

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (المُعَذَرُون): أصله: المعتذرون، نقلت حركة التاء إلى العين، وأدغمت التاء في الذال. وقرأ يعقوب: "المُعذِرونَ": اسم مفعول، من أعذر، إذا بالغ في العذر. يقول الحق جل جلاله: {وجاء المُعذرون عن الأعراب} يعتذرون في التخلف عن الغزو؛ {ليُؤذَنَ لهم} في القعود، قيل: هم أسد وغطفان؛ استأذنوا في التخلف، معتذرين بالجهد وكثرة العيال. قيل: كاذبين، وقيل: صادقين. وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك غارت طيّئ على أهالينا ومواشينا، وقيل: نزلت في قوم من غِفار. {وقَعَدَ الذين كذبوا اللَّه ورسوله} من غير هؤلاء، وهم قوم لم يجاهدوا ولم يعتذروا في تخلفهم، فكذبوا في دعواهم الإيمان بالله ورسوله، يقال: كذبت فلاناً ـ بالتخفيف، أي: أخبرته بالكذب. ثم ذكر وعيدهم فقال: {سيُصيبُ الذين كفروا منهم عذابٌ أليم}؛ في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار. الإشارة: المتخلفون عن طريق الخصوص على ثلاثة أقسام: قسم: أقروا بها، وعرفوا صحتها، ثم شحوا بأنفسهم وبخلوا بأموالهم، فاعتذروا في التخلف عنها بأعذار باطلة، هؤلاء لا حجة لهم عند الله، وقوم أقبح منهم، لم يلتفتوا إلى من جاء بها ولم يرفعوا بذلك رأساً. قال تعالى في مثلهم: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم}. وقسم: أقروا بها، وطلبوا الدخول فيها، لكن غلبتهم الأقدار، وأظهروا غاية الاعتذار، وتحقق عذرهم عند الواحد القهار، وإليهم الإشارة بقوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ}.

الطوسي

تفسير : قرأ يعقوب وقتيبة {المعذرون} بسكون العين وتخفيف الذال. الباقون بفتح العين وتشديد الذال، وجه قراءة من قرأ بالتخفيف أنه اراد جاءوا بعذر. ومن قرأ بالتشديد احتمل أمرين: احدهما - انه اراد المعتذرون، كان لهم عذر أولم يكن، وإنما أدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما مثل قوله "يذكرون ويدّكرون" وغير ذلك، وأصله يتذكرون. الثاني - انه أراد المقصرون، والمعذر المقصر، والمعذر المبالغ الذي له عذر. وأما المعتذر فانه يقال لمن له عذر ولمن لا عذر له قال لبيد: شعر : إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر تفسير : معناه جاء بعذر. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعذرون الذين يعتذرون فيوهمون أن لهم عذراً ولا عذر لهم وروي عن ابن عباس انه قرأ بالتخفيف، وقال: لعن الله المعذرين أراد من يعتذر بغير عذر، وبالتخفيف من بلغ أقصى العذر. وأصل التعذير التقصير مع طلب إقامة العذر، عذر في الامر تعذيراً اذا لم يبالغ فيه. والفرق بين الاعتذار والتعذير، أن الاعتذار قد يكون بعذر من غير تصحيح الأمر، والتعذير تقصير يطلب معه اقامة العذر فيه. واختلفوا في معنى {وجاء المعذّرون} على قولين: قال قتادة واختاره الجبائي: انه من عذر في الأمر تعذيراً إذا قصر. وقال مجاهد: جاء أهل العذر جملة على معنى المعتذرين. وقال الحسن: اعتذروا بالكذب. وقال قوم: إنما جاء بنو عفار، خفاف بن ايماء بن رخصة وقومه. ومعنى الاية أن قوماً من الأعراب جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله يظهرون أنهم مؤمنون ولم يكن لهم في الايمان والجهاد نية فيعرفون نفوسهم عليه وغرضهم أن يأذن النبي صلى الله عليه وآله لهم في التخلف، فجعلوا عرضهم أنفسهم عليه عذراً في التخلف عن الجهاد. وقوله {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} يعني المنافقين، لأنهم الذين كذبوا الله ورسوله فيما كانوا يظهرون من الايمان، فقال الله {سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم} اي ينالهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة.

اطفيش

تفسير : {وجَاءَ المعَذرونَ} هو اسم فاعل عذّر بتشديد الذال، يقال: عذر بالتشديد فى الأمر إذا إذا قصر فيه، موهما أن له عذرا ولا عذر له، وهم منافقون لم يسروا الشرك، بدليل أنه قابلهم بقوله: {وقَعد الذين كذبوا الله ورسوله} وهم المنافقون الذين أسروا الشرك، فنفاق المعذرين بالكسل والكذب فى ادعاء العذر، مع أنه لا لهم عذر، أو اسم فاعل اعتذر، فأصله المتعذرون أبدلت التاء ذالا وسكنت بنقل فتحتها للعين وأدغمت. ويجوز فى سائر الكلام فى مثل هذا كسر الفاء، بأن يقال: وقع التسكين بلا نقل، فالتقى ساكنان وكسر الأول وهو الفاء وضمهما تبعا للميم، كما فى اسم فاعل يهدى ويخصم بفتح الياء وتشديد ما قبل الآخر، والمعنى جاء الذين اعتذروا، وكونهم غير صادقين فى العذر مستفاد من خارج لا من الصبغة، كما زعم بعض، وقيل هم منافقون أسروا الشرك، وإنما قابلهم بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} لأن هؤلاء القاعدين أظهروا شركهم بقعودهم بدون اعتذار، بخلاف المعذرين، أو كل منافقون، وخصهم لأنهم لم يعتذروا، وقيل: المعذرون مؤمنون عذرهم صحيح، فاعتذارهم الحق. ويجوز على هذا وجه آخر، وهو أن يكون من اعتذر بمعنى بالغ فى طلب اجتهاده، فهم بالغوا فى طلب الغزو معك ولم يقدروا، وبكونهم مؤمنين، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهم، وعليه قراءة الضحاك، والأعرج، وأبى صالح بإسكان العين، ونسبت ليعفوا من قولك: أعذر إذا جاء بعذر مقبول واجتهد فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد أعذر من أنذر" تفسير : أى لا لوم على من أعذر، أى جاء بعذر بين وهو الإنذار، وقرأ مسلمة بتشديد العين والذال، على أن الأصل المتعذرون، أبدلت التاء عينا، وأدغمت فى العين، وهو لحن مردود عليه ليعد مخرج التاء من العين، فلا تبدل وتدغم، وقرأ سعيد بن جبير: المتعذرون بتاء قبل العين وهو صحيح. {مِنَ الأعْرابِ} عرب البادية {ليؤذَنَ لَهم} فى القعود فأذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا من أسد وغطفان، يعتلون بقلة المال، وكثرة العيال، وقال مجاهد، وابن إسحاق: من غفار منهم خفاف بن إيماء بن رخصة، وهذا يقتضى أنهم مؤمنون، ونص مجاهد أن الله لم يعذرهم، وقال الضحاك: "حديث : من رهط عامر بن الطفيل، قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيىء على أهلينا أو مواشينا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيغنينى الله عنكم" ". تفسير : {وقَعَد الَّذين كَذبُوا اللهَ ورسُولَه} أى لم يأتوها بصدق ما فى ألسنتهم من أنهم غير مشركين، أو من أنهم آمنوا أو أخلصوا، وليسوا بمخلصين إذ قعدوا بلا عذر ولا استئذان، جرأة على الله ورسوله، وعن أبى عمرو بن العلاء: أنهم هم المعذرون، وعليه فقعدوهم بعد اعتذار، ويكون الذين حينئذ موضوعا موضع الضمير يشفع عليهم بما تضمنته الصلة من الكذب فى الاعتذار، كذا ظهر لى فى توجيه قوله، وقرأ أبىّ والحسن فى الرواية المشهورة عنه بتشديد الذال، وهو أنسب بالإشراك. {سيُصيبُ الَّذينَ كَفرُوا منْهُم} من للبيان، ويجوز أن تكون للتبعيض، فيعتبر فى الكفر الإصرار عليه، فيخرج البعض الذى لم يصر بأن تاب، والكفر يعم النفاق والشرك، ومن النفاق القعود عن الخروج لمجرد الكسل لا شكا، والهاء للمعذرين، أو للأعراب، أو للقاعدين {عَذابٌ أليمٌ} فى الآخرة بالنار، وبالقتل فى الدنيا أيضا لمن أشرك أو فعل موجب القتل، وبالأسر لمن أشرك.

الالوسي

تفسير : {وَجَاء ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ} شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة. والمُعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، وحقيقته أن يوهم أن له عذراً فيما يفعل ولا عذر له، ويحتمل أن يكون من اعتذر والأصل المعتذون فأدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين، ويجوز كسرها لالتقاء الساكنين وضمها إتباعاً للميم لكن لم يقرأ بهما، وقرأ يعقوب {المعذرون} بالتخفيف وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهو من أعذر إذا كان له عذر. وعن مسلمة أنه قرأ {المعذرون} بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر. وتعقب ذلك أبو حيان فقال: ((هذه القراءة إما غلط من القارىء أو عليه لأن التاء لا يجوز إدغامها في العين لتضادهما))، وأما تنزيل التضاد منزلة التناسب فلم يقله أحد من النحاة ولا القراء فالاستغال بمثله عيب، ثم إن هؤلاء الجائين كاذبون على أول احتمالي القراءة الأولى، ويحتمل أن يكونوا كاذبين وإن يكونوا صادقين على الثاني منهما وكذا على القراءة الأخيرة، وصادقون على القراءة الثانية. واختلفوا في المراد بهم فعن الضحاك أنهم حديث : رهط عامر بن الطفيل جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبـي الله إنا إن غزونا معك أغارت طي على أهالينا ومواشينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله سبحانه عنكم. تفسير : . وقيل: هم أسد وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال. وأخرج أبو الشيخ عن ابن إسحٰق أنه قال: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل العذر ولم يبين من هم؛ ومما ذكرنا يعلم وقوع الاختلاف في أن هؤلاء الجائين هل كانوا صادقين في الاعتذار أم لا؟ وعلى القول بصدقهم يكون المراد بالموصول في قوله سبحانه: {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} غيرهم وهم أناس من الأعراب أيضاً منافقون والأولون لا نفاق فيهم، وعلى القول بكذبهم يكون المراد به الأولين، والعدول عن الإضمار إلى الإظهار إظهار لذمهم بعنوان الصلة، والكذب على الأول بإدعاء الإيمان وعلى الثاني بالاعتذار، ولعل / القعود مختلف أيضاً. وقرأ أبـي {كذبوا} بالتشديد. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ} أي من الأعراب مطلقاً وهم منافقوهم أو من المعتذرين، ووجه التبعيض أن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره أي سيصيب المعتذرين لكفرهم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} وهو عذاب النار في الآخرة ولا ينافي استحقاق من تخلف لكسل، ذلك عندنا لعدم قولنا بالمفهوم ومن قال به فسر العذاب الأليم بمجموع القتل والنار والأول منتف في المؤمن المتخلف للكسل فينتفي المجموع، وقيل: المراد بالموصول المصرون على الكفر.

ابن عاشور

تفسير : عُطِفت جملة: {وجاء المعذرون} على جملة {أية : استأذنك أولوا الطول منهم}تفسير : [التوبة: 86]، وما بينهما اعتراض، فالمراد بالمعذّرين فريق من المؤمنين الصادقين من الأعراب، كما تدلّ عليه المقابلة بقوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله}. وعلى هذا المعنى فسَّر ابن عبّاس، ومجاهد، وكثير. وجعلوا من هؤلاء غِفَاراً، وخالفهم قتادة فجعلهم المعتذرين كَذِباً، وهم بَنو عامر رهطُ عامرٍ بن الطُفيل، قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم إن خرجْنا معك أغارت أعراب طيء على بيوتنا. ومن المعذّرين الكاذبين أسَد، وغَطَفان. وعلى الوجهين في التفسير يختلف التقدير في قوله: {المعذَرون} فإن كانوا المحقّين في العذر فتقدير {المعذرون} أنّ أصله المعتذرون، من اعتذر أدغمت التاء في الذال لتقارب المخرجين لقصد التخفيف، كما أدغمت التاء في الصاد في قوله: {أية : وهم يَخصّمون}تفسير : [يس: 49]، أي يختصمون. وإن كانوا الكاذبين في عذرهم فتقدير المعذرون: أنّه اسم فاعل من عَذَّر بمعنى تكلّف العذر فعن ابن عباس: لعن الله المعذّرين. قال الأزهري: ذهب إلى أنّهم الذين يعتذرون بلا عُذر فكأن الأمر عنده أنّ المعذّر بالتشديد هو المظهر للعذر اعتلالاً وهو لا عُذر له اهـــ. وقال شارح «ديوان النابغة» عند قول النابغة:شعر : وَدّعْ أمامة والتوديع تَعْذير تفسير : أي لاَ يجد عُذراً غير التوديع. ويجوز أن يكون اختيار صيغة المعذّرين من لطائف القرآن لتشمل الذين صدقوا في العذر والذين كذبوا فيه. والاعتذار افتعال من باب ما استعمل فيه مادة الافتعال للتكلّف في الفعل والتصرّف مثل الاكتساب والاختلاق. وليس لهذا المزيد فعل مجرّد بمعناه وإنّما المجرد هو عَذَر بمعنى قبل العذر. والعذر البيّنة والحالة التي يتنصل المحتج بها من تبعة أو مَلام عند من يعتذر إليه. وقرأ يعقوب {المُعْذِرون} ــــ بسكون العين وتخفيف الذال ــــ، من أعذر إذا بالغ في الاعتذار. والأعراب اسم جمع يقال في الواحد: أعرابي ــــ بياء النسب ــــ نسبة إلى اسم الجمع كما يقال مَجوسي لواحد المجوس. وصيغة الأعراب من صيغ الجموع ولكنّه لم يكن جمعاً لأنّه لا واحد له من لفظ جمعه فلذلك جعل اسمَ جمع. وهم سكان البادية. وأمّا قوله: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} فهم الذين أعلنوا بالعصيان في أمر الخروج إلى الغزو من الأعراب أيضاً كما يُنبىء عنه السياق، أي قعدوا دون اعتذار. فالقعود هو عدم الخروج إلى الغزو. وعلم أنّ المراد القعود دون اعتذار من مقابلته بقوله: {وجاء المعذرون من الأعراب}. وجملة: {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} عطف على جملة: {وجاء المعذرون من الأعراب} وهذا فريق آخر من الأعراب خليط من مسلمين ومنافقين {كذبوا} بالتخفيف، أي كانوا كاذبين، والمراد أنّهم كذبوا في الإيمان الذي أظهروه من قبلُ، ويحتمل أنّهم كذبوا في وعدهم النصر ثم قعدوا دون اعتذار بحيث لم يكن تخلّفهم مترقّباً لأنّ الذين اعتذروا قد علم النبي ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ أنّهم غير خارجين معه بخلاف الآخرين فكانوا محسوبين في جملة الجيش. وتخلّفُهم أشدّ إضرار لأنّه قد يَفُلّ من حِدّة كثير من الغزاة. وجملة: {سيصيب الذين كفروا} مستأنفة لابتداءِ وعيد. وضمير {منهم} يعود إلى المذكورين فهو شامل للذين كذبوا الله ورسوله ولمن كان عذره ناشئاً عن نفاق وكذب. وتنكير عذاب للتهويل والمراد به عذاب جهنّم.

الواحدي

تفسير : {وجاء المعذِّرون} المعتذرون، وهم قوم {من الأعراب} اعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التَّخلُّف فعذرهم، وهو قوله: {ليؤذن لهم} أَيْ: في القعود {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} لم يُصدِّقوا نبيَّه، واتَّخذوا إسلامهم جُنَّة، ثمًّ ذكر أهل العذر.

القطان

تفسير : المعذرون: المعتِذرون سواء كان العذر صحيحا ام غير صحيح. الاعراب: سكان البادية. نصحوا: اخلصوا. {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ}. كما تخلّف بعض المنافقين في المدينة عن الخروج للجهاد، جاء فريق من أهل البادية، ينتحلون الأعذارَ ليُؤذن لهم في التخلف، وقال بعضهم: يا نبي الله، إنّا إن غَزَوْنا معك أغارت طّيء على نسائنا وأولادنا وأنعامنا، فقال لهم رسول الله: قد أنبأَني اللهُ من أخباركم وسيُغني الله عنكم. {وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. وهؤلاء هم المنافقون. قعدوا عن كل من القتال والمجيء للاعتذار وتخلّفوا بلا عذرٍ كاذبين على الله ورسوله. {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. سيكون جزاء الذين كفروا بك‍ِذْبهم على اللهِ ورسولِه من المنافقين والكاذبين من المتعذرين، عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة. قراءات: قرأ يعقوب: "المعذرون" بسكون العين والذال المسكورة بدون تشديد. وبعد ان بيّن الله تعالى أحوالَ المنافقين والكاذبين، وما ينتظرهم من عذاب، ذكر هنا ثلاثة أصناف أعذارُهم مقبولة، فالإسلام دين يُسْرٍ، ولا يكلّف الله نفساً الا وُسْعَها. {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ}. ان التكليف بالغزو ساقِط عن أصناف ثلاثة: 1- الضعفاء: وهم من لا قوّة لهم تمكّنهم من الجهاد كالشيوخ المتقدمين في السنّ، والعجَزة، والصبيان وذوي العاهات التي لاتزول. 2- المرضى: وهم من أُصيبوا بأمراض أقعدتهم فلا يتمكّنون معها من الجهاد، ونتهي عذرهم اذا شفاهم الله. 3- الفقراء الذين لا يجِدون ما ينفقون منه على أنفسهم إذا خرجوا للجهاد ولا ما يكفي عيالهم. ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلّةٍ في تكوينهم، أو شيخوخة تقعهدهم، ولا المرضى الذين لا يستطيعون الحركةَ والجُهد، ولا المعدمين الذين لا يجدون ما يتزودون منه - أيُّ حَرجٍ اذا تخلفوا عن المعركة، وقلوبهم مخلصة لله ورسوله. {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ليس على المحسن في عمله وإيمانه أية مؤاخَذة ولا مسئولية، فالله كثيرُ المغفرة، واسع الرحمة يستر على المقصر في أداء واجبه ما دام مخلصا لله والرسول. نزلت هذه الآية في ابن أُم مَكتوم، واختُلف في اسمه أهو: عبد الله أم عمرو بن قيس بن زائدة وكان هذا ضريراً جاء الى الى رسول الله فقال: يا نبيّ الله، إني شيخ ضرير ضعيف الحال وليس لي قائد، فهل لي رُخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبي الكريم فأنزل الله "ليس على الضعفاء ولا على المرضى..." الآية. {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}. كذلك لا حرج ولا مسؤولية على القادرين على الحرب، لكنّهم لا يجدون الرواحِلَ التي تحمِلُهم الى أرض المعركة، واذا جاؤك يطلبون منك العون لتؤمَِّنَ لهم ما يركبون لم تجد أنت أيضاً ما تحمِلُهم عليه، فانصرفوا من عندك وهم يبكون، لأنهم حُرموا من الجهاد ولم يجدوا ما يُعينهم عليه. هؤلاء هم البكّاؤن نزلت فيهم الآية وهم سبعة أشخاص: عبد الرحمن بن كعب، وعلية بن زيد، وعمرو بن ثعلبة، وسالم بن عُبيد، ومَعْقل بن يَسار، وعبد الله بن عمرو بن عوف، وعبد الله بن مغفل.. جاؤوا الى الرسول الكريم فقالوا: يا رسول الله، احمِلنا فانه ليس لنا ما نَخرج عليه، فقال: لا أجدُ ما أحملكم عليه. وهناك روايات اخرى. {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. انما اللوم والمسؤلية على هؤلاء الذين يطلبون الإذنَ في القعود عن الجهاد، وهم أغنياءُ قادرون على الخروج معك، لكنهم مع قدرتهم رضوا بأن يقعدوا مع المتخلفين من العجزة والمرضى. هؤلاء ختم اللهُ عل قلوبهم فأغِلقت عن الحق، فهم لا يعلمون حقيقة أمرِهم، ولا سوءَ عاقبتهم في الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : (90) - وَجَاءَ ذَوُو الأَعْذَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مِنَ الْقَبَائِلِ الَّتِي تَعِيشُ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي القُعُودِ، وَأَبْدَوْا أَعْذَاراً، مِنْهُمُ الصَّادِقُ، وَمِنْهُمُ الْكَاذِبُ، وَلَمْ يَأْتِ آخَرُونَ مِمَّنْ قَعَدُوا لِيَعْتَذِرُوا، وَيُبَيِّنُوا أَسْبَابَ قُعُودِهِمْ عَنِ الجِهَادِ مَعَ الرَّسُولِ، وَسَيُصِيبُ الذِينَ قَعَدُوا مِنْهُمْ كُفْراً، وَجُرْأَةً مِنْهُمْ عَلَى اللهِ، عَذَابٌ أَلِيمٌ. المُعَذِّرُونَ - أَصْحَابُ الأَعْذَارِ (وَقِيلَ إِنَّهُم ذَوُو الأَعْذَارِ الكَاذِبَةِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحديث هنا المنافقين الذين كانوا يعيشون حول المدينة وكانوا يُسمَّون "الأعراب"، وقد تحدثت الآيات السابقة عن منافقي المدينة الذين جاء فيهم قول الحق: {أية : وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ...} تفسير : [التوبة: 101]. وهنا يأتي الحديث عن المنافقين الذين كانوا يسكنون في البوادي التي حول المدينة وهم الأعراب. والحق سبحانه وتعالى يقول: {ٱلْمُعَذِّرُونَ}، وهناك "مُعْذِرون" و "معتذرون"، والمعذِّرون هم المعتذرون؛ فالمعتذر جمعه معتذرون بفتحة فوق التاء، لكن إذا وُضعَتْ الفتحة فوق العين فالحرف الذي بعدها يُسكّن، وعندما يُسكّن ما بعد العين، فهذا يعني أن هناك افتعالاً. إذن: فالمعذّرون أو المعتذرون هم الذين يريدون أن يتخلفوا عن القتال بأعذار مفتعلة، وهم أرادوا القعود والسكون ولم يتحركوا للقتال، وقد فعلوا ذلك دون عذر حقيقي. ويقال: "المعذرون"، و "المُعَذّر"، و"أعذره" أي: أذهب عذره، مثل: "أعجم الكتاب" أي: أذهب عُجْمته. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} لقد كذبوا الرسول في الإيمان نفسه؛ لأنهم لم يكلفوا أنفسهم حتى مجرد الاعتذار وتخلفوا، ولو كانوا قد صدقوا في الإيمان لما تقاعسوا عن القتال، أو لاستأذنوا رسول الله في القعود. ثم يقول الحق: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والكفر - كما نعلم - هو ستر الإيمان. والمنافقون من الأعراب أظهروا الإيمان وكانت قلوبهم تمتلئ بالكفر. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ...} تفسير : [الحجرات: 14]. أي أنهم يؤدون أمور الإسلام الظاهرية بينما قلوبهم لم يدخلها الإيمان. ويعرفنا الحق سبحانه بالجزاء الذي ينتظر هؤلاء المتخلفين من الأعراب فيقول: {سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وعرفنا من قبل أن وصف العذاب في القرآن إما أن يكون أليماً، وإما أن يكون مهيناً، وإما أن يكون عظيماً، وإما أن يكون مقيماً. وأراد الحق سبحانه أن يعطي رخصة للذين لا يقدرون على القتال ولهم العذر في أن يتخلفوا عنه؛ فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ} وهم الذِينَ غَيرُ جَادينَ فِي الأَمرِ، يُظهرونَ بِاللسَانِ خِلافَ مَا فِي القَلبِ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } أي: جاء الذين تهاونوا، وقصروا منهم في الخروج لأجل أن يؤذن لهم في ترك الجهاد، غير مبالين في الاعتذار لجفائهم وعدم حيائهم، وإتيانهم بسبب ما معهم من الإيمان الضعيف. وأما الذين كذبوا اللّه ورسوله منهم، فقعدوا وتركوا الاعتذار بالكلية، ويحتمل أن معنى قوله: { الْمُعَذِّرُونَ } أي: الذين لهم عذر، أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعذرهم، ومن عادته أن يعذر من له عذر. { وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } في دعواهم الإيمان، المقتضي للخروج، وعدم عملهم بذلك، ثم توعدهم بقوله: { سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الدنيا والآخرة. لما ذكر المعتذرين، وكانوا على قسمين، قسم معذور في الشرع، وقسم غير معذور، ذكر ذلك بقوله: { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ } في أبدانهم وأبصارهم، الذين لا قوة لهم على الخروج والقتال. { وَلا عَلَى الْمَرْضَى }. وهذا شامل لجميع أنواع المرض الذي لا يقدر صاحبه معه على الخروج والجهاد، من عرج، وعمى، وحمى، وذات الجنب، والفالج، وغير ذلك. { وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ } أي: لا يجدون زادا، ولا راحلة يتبلغون بها في سفرهم، فهؤلاء ليس عليهم حرج، بشرط أن ينصحوا للّه ورسوله، بأن يكونوا صادقي الإيمان، وأن يكون من نيتهم وعزمهم أنهم لو قدروا لجاهدوا، وأن يفعلوا ما يقدرون عليه من الحث والترغيب والتشجيع على الجهاد. { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } أي: من سبيل يكون عليهم فيه تبعة، فإنهم -بإحسانهم فيما عليهم من حقوق اللّه وحقوق العباد- أسقطوا توجه اللوم عليهم، وإذا أحسن العبد فيما يقدر عليه، سقط عنه ما لا يقدر عليه. ويستدل بهذه الآية على قاعدة وهي: أن من أحسن على غيره، في [نفسه] أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان. { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ومن مغفرته ورحمته، عفا عن العاجزين، وأثابهم بنيتهم الجازمة ثواب القادرين الفاعلين. { وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } فلم يصادفوا عندك شيئا { قُلْتَ } لهم معتذرا: { لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ } فإنهم عاجزون باذلون لأنفسهم، وقد صدر منهم من الحزن والمشقة ما ذكره اللّه عنهم. فهؤلاء لا حرج عليهم، وإذا سقط الحرج عنهم، عاد الأمر إلى أصله، وهو أن من نوى الخير، واقترن بنيته الجازمة سَعْيٌ فيما يقدر عليه، ثم لم يقدر، فإنه ينزل منزلة الفاعل التام. { إِنَّمَا السَّبِيلُ } يتوجه واللوم يتناول الذين يستأذنوك وهم أغنياء قادرون على الخروج لا عذر لهم، فهؤلاء { رَضُوا } لأنفسهم ومن دينهم { بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ } كالنساء والأطفال ونحوهم. { و } إنما رضوا بهذه الحال لأن اللّه طبع على قلوبهم أي: ختم عليها، فلا يدخلها خير، ولا يحسون بمصالحهم الدينية والدنيوية، { فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } عقوبة لهم، على ما اقترفوا.