٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
91
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين الوعيد في حق من يوهم العذر، مع أنه لا عذر له، ذكر أصحاب الأعذار الحقيقية، وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط، وهم أقسام: القسم الأول: الصحيح في بدنه، الضعيف مثل الشيوخ. ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً، وهؤلاء هم المرادون بالضعفاء. والدليل عليه: أنه عطف عليهم المرضى، والمعطوف مباين للمعطوف عليه، فما لم يحمل الضعفاء على الذين ذكرناهم، لم يتميزوا عن المرضى. وأما المرضى: فيدخل فيهم أصحاب العمى، والعرج، والزمانة، وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة. والقسم الثالث: الذين لا يجدون الأهبة والزاد والراحلة، وهم الذين لا يجدون ما ينفقون، لأن حضوره في الغزو إنما ينفع إذا قدر على الإنفاق على نفسه. أما من مال نفسه، أو من مال إنسان آخر يعينه عليه، فإن لم تحصل هذه القدرة، صار كلاً ووبالاً على المجاهدين ويمنعهم من الاشتغال بالمقصود، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأقسام الثلاثة قال: لا حرج على هؤلاء، والمراد أنه يجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو، وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة. إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لايجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم، كان ذلك طاعة مقبولة. ثم إنه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطاً معيناً وهو قوله: {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } ومعناه أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إلقاء الأراجيف، وعن إثارة الفتن، وسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا، إما بأن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم، وإما بأن يسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم، فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد. ثم قال تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد، واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه؟ فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى، لأن هذه الآية نزلت فيهم، ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان، ورأس أبواب الإحسان ورئيسها، هو قول: لا إله إلا الله، وكل من قال هذه الكلمة واعتقدها، كان من المسلمين. وقوله تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } يقتضي نفي جميع المسلمين، فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة، وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله، فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل، إلا لدليل منفصل، والأصل في ماله حرمة الأخذ، إلا لدليل منفصل، وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف، إلا لدليل منفصل، فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلاً معتبراً في الشريعة، في تقرير أن الأصل براءة الذمة، فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص، في واقعة خاصة، قضينا بذلك النص الخاص تقديماً للخاص على العام، وإلا فهذا النص كاف في تقرير البراءة الأصلية، ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس. قال: لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة، وعدم الإلزام والتكليف، فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة، والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص، كان إثباتها بالقياس عبثاً. والثاني أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصاً لعموم هذا النص وأنه لا يجوز، لما ثبت أن النص أقوى من القياس. قالوا: وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة، معلومة، ملخصة، بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها، وذلك لأن السلطان إذا بعث واحداً من عماله إلى سياسة بلدة، فقال له: أيها الرجل تكليفي عليك، وعلى أهل تلك المملكة، كذا وكذا، وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلاً، ثم قال: وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل، كان هذا تنصيصاً منه على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء تلك الأقسام المائة المذكورة، ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالاً، لأن باب النفي لا نهاية له، بل كفاه في النفي أن يقول: ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت، فكذا ههنا أنه تعالى لما قال: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل، ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف، أو أقل أو أكثر، كان ذلك تنصيصاً على أن التكاليف محصورة في ذلك الألف المذكور، وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي، وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة، ويكون القرآن وافياً ببيان التكاليف والأحكام، ويكون قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } تفسير : [المائدة: 3] حقاً، ويصير قوله: { أية : لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [النحل: 44] حقاً، ولا حاجة ألبتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام أصلاً، فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب. واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء، بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله، وبين كونهم محسنين، وأنه ليس لأحد عليهم سبيل، ذكر قسماً رابعاً من المعذورين، فقال: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لآ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً ألاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ }. فإن قيل: أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } فما الفائدة في إعادته؟ قلنا: الذين لا يجدون ما ينفقون، هم الفقراء الذين ليس معهم دون النفقة، وهؤلاء المذكورون في الآية الأخيرة هم الذين ملكوا قدر النفقة، إلا أنهم لم يجدوا المركوب، والمفسرون ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً: الأول: قال مجاهد: هم ثلاثة إخوة: معقل، وسويد، والنعمان بنو مقرن، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الخفاف المدبوغة، والنعال المخصوفة، فقال عليه السلام: « حديث : لا أجد ما أحملكم عليه » تفسير : فتولوا وهم يبكون، والثاني: قال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعري وأصحابه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه، ووافق ذلك منه غضباً، فقال عليه السلام: « حديث : والله ما أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه » تفسير : فتولوا وهم يبكون فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهم ذوداً خير الذود، فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: « حديث : أما أني إن شاء الله لا أحلف بيمين فأرى غيرها خيراً منها، إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يمين » تفسير : . والرواية الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: سألوه أن يحملهم على الدواب فقال عليه السلام: « حديث : لا أجد ما أحملكم عليه » تفسير : لأن الشقة بعيدة. والرجل يحتاج إلى بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل عليه ماءه وزاده. قال صاحب «الكشاف»: قوله: {تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً } كقولك: تفيض دمعاً، وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} الآية. أصل في سقوط التكليف عن العاجز؛ فكل من عجز عن شيء سقط عنه، فتارة إلى بدل هو فعل، وتارة إلى بدل هو غرم، ولا فرق بين العجز من جهة القوة أو العجز من جهة المال؛ ونظير هذه الآية قوله تعالىٰ: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] وقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} تفسير : [النور: 61]. وروى أبو داود عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من وادٍ إلاَّ وهم معكم فيه». قالوا؛ يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال؛ «حبسهم العذر»تفسير : . فبيّنت هذه الآية مع ما ذكرنا من نظائرها أنه لا حرج على المعذورين، وهم قوم عرف عذرهم كأرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج، وأقوام لم يجدوا ما ينفقون؛ فقال: ليس على هؤلاء حرج. {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه قال العلماء: فعذر الحق سبحانه أصحاب الأعذار، وما صبرت القلوب؛ فخرج ابن أُم مكتوم إلى أُحُد وطلب أن يعطى اللواء فأخذه مصعب بن عمير، فجاء رجل من الكفار فضرب يده التي فيها اللواء فقطعها، فأمسكه باليد الأُخرى فضرب اليد الأُخرى فأمسكه بصدره وقرأ {أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}تفسير : [آل عمران: 144[. هذه عزائم القوم. والحق يقول: «لَيْسَ عَلَىٰ الأَعْمَىٰ حَرَجٌ» وهو في الأوّل. «وَلاَ عَلَىٰ الأَعْرَجِ حَرَجٌ» وعمرو بن الجَمَوح من نقباء الأنصار أعرج وهو في أوّل الجيش. قال له الرسول عليه السَّلام: «حديث : إن الله قد عذرك»تفسير : فقال: والله لأحفرن بعرجتي هذه في الجنة؛ إلى أمثالهم حسب ما تقدّم في هذه السورة من ذكرهم رضي الله عنهم. وقال عبد الله بن مسعود: ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {إِذَا نَصَحُواْ} النصح إخلاص العمل من الغش. ومنه التوبة النصوح. قال نَفْطَوَيْه: نصح الشيء إذا خلص. ونصح له القول أي أخلصه له. وفي صحيح مسلم عن تميم الدّاريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «الدين النصيحة» ثلاثاً. قلنا لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم»»تفسير : . قال العلماء: النصيحة لله إخلاص الإعتقاد في الوحدانية، ووصفُه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص والرغبة في مَحابّه والبعد من مساخطه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوّته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقه فيها والذبّ عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلّق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم. وكذا النصح لكتاب الله: قراءته والتفقه فيه، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به. والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق وتنبيههم فيما أغفلوه من أُمور المسلمين، ولزوم طاعتهم والقيام بواجب حقهم. والنصح للعامة: ترك معاداتهم. وإرشادُهم وحب الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم. وفي الحديث الصحيح: «حديث : مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».تفسير : الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} {مِن سَبِيلٍ} في موضع رفع اسم «ما» ٱي من طريق إلى العقوبة. وهذه الآية أصل في رفع العقاب عن كل محسن. ولهذا قال علماؤنا في الذي يقتص مِن قاطع يده فيفضي ذلك في السراية إلى إتلاف نفسه: إنه لا دية له؛ لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدِي عليه. وقال أبو حنيفة: تلزمه الدّية. وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه؛ وبه قال الشافعيّ. وقال أبو حنيفة؛ تلزمه لمالكه القِيمة. قال ابن العربيّ: وكذلك القول في مسائل الشريعة كلها. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} روي أن الآية نزلت في عِرباض بن سارِية. وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو. وقيل: نزلت في بني مُقَرِّن ـ وعلى هذا جمهور المفسرين ـ وكانوا سبعة إخوة، كلهم صحبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، وليس في الصحابة سبعة إخوة غيرهم، وهم النعمان ومعقِل وعقيل وسويد وسنان وسابع لم يُسَمّ. بنو مقرّن المُزنيون سبعة إخوة هاجروا وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشاركهم ـ فيما ذكره ابن عبد البر وجماعة ـ في هذه المكرمة غيرهم. وقد قيل: إنهم شهدوا الخندق كلهم. وقيل: نزلت في سبعة نفر من بطون شتّى، وهم البكّاءون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ليحملهم، فلم يجد ما يحملهم عليه؛ فـ {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} فسُمّوا البكائين. وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف وعُلْبة بن زيد أخو بني حارثة. وأبو ليلى عبد الرّحمٰن بن كعب من بني مازن بن النجّار. وعمرو بن الحُمَام من بني سلمة. وعبد الله بن المغَفّل المزنيّ، وقيل: بل هو عبد الله بن عمرو المزني. وهَرَميّ بن عبد الله أخو بني واقف، وعِرْبَاض بن سارية الفزاري، هكذا سماهم أبو عمر في كتاب الدرر له. وفيهم اختلاف. قال القشيريّ: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غَنَمة، وعبد الله بن مغَفّل وآخر. قالوا: يا نبي الله، قد ندبتنا للخروج معك، فٱحملنا على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة نَغْزُ معك. فقال: «حديث : لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ» تفسير : فتولّوْا وهم يبكون. وقال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب، وكان الرجل يحتاج إلى بعيرين، بعير يركبه وبعير يحمل ماءه وزاده لبعد الطريق. وقال الحسن: حديث : نزلت في أبي موسى وأصحابه أتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم ليستحملوه، ووافق ذلك منه غضباً فقال: «والله لا أحملكم ولا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا يبكون؛ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذَوْدا. فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: «إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلاَّ أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني».تفسير : قلت: وهذا حديث صحيح أخرجه البخارِيّ ومسلم بلفظه ومعناه. وفي مسلم: فدعا بنا فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ غرِّ الذُّرَى... الحديث. وفي آخره: «حديث : فانطلِقوا فإنما حملكم الله»تفسير : . وقال الحسن أيضاً وبكر بن عبد الله: نزلت في عبد الله بن مُغَفَّل المُزَنِيّ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستحمله. قال الجُرْجانيّ: التقدير أي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم وقلت لا أجد. فهو مبتدأ معطوف على ما قبله بغير واو، والجواب «تَوَلَّوْا». {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} الجملة في موضع نصب على الحال. {حَزَناً} مصدر. {أَلاَّ يَجِدُواْ} نصب بأن. وقال النحاس: قال الفراء يجوز أن لا يجدون؛ يجعل لا بمعنى ليس. وهو عند البصريين بمعنى أنهم لا يجدون. الخامسة ـ والجمهور من العلماء على أن من لا يجد ما ينفقه في غزوه أنه لا يجب عليه. وقال علماؤنا: إذا كانت عادته المسألة لزمه كالحج وخرج على العادة لأن حاله إذا لم تتغير يتوجه الفرض عليه كتوجهه على الواجد. والله أعلم. السادسة ـ في قوله تعالىٰ: {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} ما يستدل به على قرائن الأحوال. ثم منها ما يفيد العلم الضروريّ، ومنها ما يحتمل الترديد. فالأوّل كمن يمرّ على دار قد علا فيها النعي وخُمشت الخدود وحُلقت الشعور وسُلِقت الأصوات وخرقت الجيوب ونادوا على صاحب الدار بالثُّبور؛ فيُعلم أنه قد مات. وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحُكّام؛ قال الله تعالىٰ مخبراً عن إخوة يوسف عليه السَّلام: {أية : وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ}تفسير : [يوسف: 16]. وهم الكاذبون؛ قال الله تعالىٰ مخبراً عنهم: {أية : وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} تفسير : [يوسف: 18]. ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب فتبنى عليها الشهادات بناء على ظواهر الأحوال وغالبها. وقال الشاعر:شعر : إذا ٱشتبكتْ دموع في خدود تبيّن مَن بَكَى ممن تَباكَى تفسير : وسيأتي هذا المعنى في «يوسف» مستوفى إن شاء الله تعالىٰ.
ابن كثير
تفسير : ثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها عن القتال، فذكر منها ما هو لازم للشخص لا ينفك عنه، وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما، ولهذا بدأ به، ومنه ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج في سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهيز للحرب، فليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا، ولهذا قال: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقال سفيان الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة رضي الله عنه قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران، أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة، ثم تفرغ للذي للدنيا. وقال الأوزاعي: خرج الناس إلى الاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: اللهم نعم، فقال: اللهم إنا نسمعك تقول: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} اللهم وقد أقررنا بالإساءة، فاغفر لنا، وارحمنا، واسقنا، ورفع يديه، ورفعوا أيديهم فسقوا. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدثنا ابن جابر عن ابن فروة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني، إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} الآية. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني فقالوا: يارسول الله احملنا فقال لهم: «حديث : والله لا أجد ما أحملكم عليه» تفسير : فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملاً. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} إلى قوله: {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. وقال مجاهد في قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} نزلت في بني مقرن من مزينة، وقال محمد بن كعب: كانوا سبعة نفر: من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، ومن بني واقف: حرمي بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: سلمان بن صخر، ومن بني حارثة، عبد الرحمن بن يزيد أبو عبلة، وهو الذي تصدق بعرضه، فقبله الله منه، ومن بني سَلِمة: عمرو بن عنمة، وعبد الله بن عمرو المزني، وقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهَرَميّ بن عبد الله أخو بني واقف، وعِرْباض بن سارية الفزاري، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة، فقال: {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن الأودي، حدثنا وكيع عن الربيع عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد خلفتم بالمدينة أقواماً، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، ولا نلتم من عدو نيلاً، إلا وقد شركوكم في الأجر» تفسير : ثم قرأ: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} الآية، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن بالمدينة أقواماً، ما قطعتم وادياً، ولا سرتم سيراً، إلا وهم معكم» تفسير : قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «حديث : نعم، حبسهم العذر»تفسير : ، وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد خلفتم بالمدينة رجالاً، ما قطعتم وادياً، ولا سلكتم طريقاً، إلا شركوكم في الأجر؛ حبسهم المرض» تفسير : ورواه مسلم وابن ماجه من طرق عن الأعمش به، ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ } كالشيوخ {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } كالعمي والزمنى {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } في الجهاد {حَرَجٌ } إثم في التخلف عنه {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } في حال قعودهم بعدم الإِرجاف والتثبيط والطاعة {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } بذلك {مِّن سَبِيلٍ } طريق بالمؤاخذة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ } لهم {رَّحِيمٌ } بهم في التوسعة في ذلك.
الشوكاني
.تفسير : لما ذكر سبحانه المعذرين، ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة. فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء } وهم: أرباب الزمانة، والهرم، والعمى، والعرج، ونحو ذلك، ثم ذكر العذر العارض، فقال: {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ } والمراد بالمرضى: كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعاً. وقيل: إنه يدخل في المرضى: الأعمى والأعرج ونحوهما. ثم ذكر العذر الراجع إلى المال، لا إلى البدن فقال: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } أي: ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد، فنفى سبحانه عن هؤلاء الحرج، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم، مقيداً بقوله: {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } وأصل النصح: إخلاص العمل من الغش، ومنه التوبة النصوح. قال نفطويه: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول، أي أخلصه له. والنصح لله: الإيمان به، والعمل بشريعته. وترك ما يخالفها كائناً ما كان، ويدخل تحته دخولاً أوّلياً نصح عباده. ومحبة المجاهدين في سبيله، وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد. وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه؛ ونصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم: التصديق بنبوته وبما جاء به، وطاعته في كل ما يأمر به، أو ينهي عنه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، ومحبته وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الدين النصيحة"تفسير : ثلاثاً، قالوا: لمن؟ قال: "حديث : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» تفسير : وجملة: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } مقرّرة لمضمون ما سبق: أي ليس على المعذورين الناصحين من سبيل: أي طريق عقاب ومؤاخذة. و"من" مزيدة للتأكيد، وعلى هذا فيكون لفظ {ٱلْمُحْسِنِينَ } موضوعاً في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقاً. أو يكون المراد: ما على جنس المحسنين من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقاً من جملتهم، فتكون الجملة تعليلية. وجملة: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييلية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:{أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286]، وقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ } تفسير : [النور: 61]. وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين، لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذرهم الله عنه، مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد، وأصله في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لقد تركتم بعدكم قوماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلا وهم معكم فيه"تفسير : قالوا: يارسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال: "حديث : حبسهم العذر»تفسير : . وأخرجه أحمد، ومسلم، من حديث جابر. ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } والعطف على جملة {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ } أي: ولا على الذين إذا ما أتوك إلى آخره من سبيل. ويجوز أن تكون عطفاً على الضعفاء: أي ولا على إذا ما أتوك إلى آخره حرج. والمعنى: أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو، فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك. قيل: وجملة {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } في محل نصب على الحال من الكاف في {أتوك} بإضمار قد: أي إذا ما أتوك قائلاً لا أجد. وقيل: هي بدل من أتوك. وقيل: جملة معترضة بين الشرط والجزاء، والأوّل: أولى. وقوله: {تَوَلَّوْاْ } جواب "إذا"، وجملة: {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ } في محل نصب على الحال: أي تولوا عنك لما قلت لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، حال كونهم باكين، و{حَزَناً } منصوب على المصدرية، أو على العلية، أو الحالية، و{أَن لا يَجِدُواْ } مفعول له، وناصبه {حَزَناً } وقال الفراء: إن "لا" بمعنى ليس، أي حزناً أن ليس يجدوا. وقيل المعنى: حزناً على أن لا يجدوا. وقيل المعنى: حزناً أنهم لا يجدون ما ينفقون، لا عند أنفسهم ولا عندك. ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ } أي: طريق العقوبة والمؤاخذة {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك} في التخلف عن الغزو، و الحال أنهم {أَغْنِيَاء} أي: يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به، وجملة: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } مستأنفة كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء. وقد تقدّم تفسير الخوالف قريباً. وجملة: {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } معطوفة على {رَضُواْ } أي: سبب الاستئذان مع الغنى أمران: أحدهما: الرضا بالصفقة الخاسرة، وهي أن يكونوا مع الخوالف، والثاني: الطبع من الله على قلوبهم {فَهُمُ } بسبب هذا الطبع {لاَّ يَعْلَمُونَ } ما فيه الربح لهم، حتى يختاروه على ما فيه الخسر. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والدارقطني في الإفراد، وابن مردويه، عن زيد ابن ثابت، قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت براءة، فكنت أكتب ما أنزل عليه، فإني لواضع القلم عن أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال: أنزلت هذه الآية في عابد بن عمر المزني. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، قال: نزل من عند قوله: {عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ} إلى قوله: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } في المنافقين. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله:{مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} قال: ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين، ألم تسمع أن الله يقول: {أية : لاَّ يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِى ٱلضَّرَرِ }تفسير : [النساء: 95]. فجعل الله للذين عذر من الضعفاء، وأولي الضرر، والذين لا يجدون ما ينفقون من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } قال: والله لأهل الإساءة {غَفُورٌ رَّحِيمٌ }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ } الآية، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينبعثوا غازين معه، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا، فقال: والله ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء وعزيز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملاً، فأنزل الله عذرهم {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ } الآية. وأخرج ابن سعد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن عبد الله بن مغفل، قال: إني لا أجد ارهط الذين ذكر الله {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } الآية. وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب، قال: هم سبعة نفر من بني: عمر بن عوف سالم بن عمير، ومن بني: واقف حرميّ بن عمرو، ومن بني: مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بني: المعلى سلمان بن صخر، ومن بني: حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة، ومن بني: سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله بن عمرو المزني. وقد اتفق الرواة على بعض هؤلاء السبعة. واختلفوا في البعض، ولا يأتي التطويل في ذلك بكثير فائدة. وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم؛ أن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم: البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، ثم ذكروا أسماءهم، وفيه، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا أهل حاجة. قال: {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ }. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن الحسن، قال: كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك، في قوله: {لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } قال: الماء والزاد. وأخرج ابن المنذر، عن عليّ بن صالح، قال: حدّثني مشيخة من جهينة، قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان، فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن إبراهيم بن أدهم، عمن حدّثه في قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } قال: ما سألوه الدوابّ ما سألوه إلا النعال. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن بن صالح، في الآية قال: استحملوه النعال. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ } قال: هي وما بعدها إلى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} في المنافقين.
ابن عطية
تفسير : يقول تعالى ليس على أهل الأعذار الصحيحة من ضعف أبدان أو مرض أو زمانة أو عدم نفقة إثم، و"الحرج" الإثم، وقوله: {إذا نصحوا} يريد بنياتهم وأقوالهم سراً وجهراً، وقرأ حيوة " نصحوا الله ورسوله " بغير لام وبنصب الهاء المكتوبة، وقوله تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} الآية، في لائمة تناط بهم أو تذنيب أو عقوبة، ثم أكد الرجاء بقوله {والله غفور رحيم} وقرأ ابن عباس " والله لأهل الإساءة غفور رحيم". قال القاضي أبو محمد : وهذا على جهة التفسير أشبه منه على جهة التلاوة لخلافه المصحف، واختلف فيمن المراد بقوله: {الذين لا يجدون ما ينفقون}، فقالت فرقة: نزلت في بني مقرن. قال القاضي أبو محمد : وبنو مقرن ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الصحابة ستة إخوة غيرهم، وقيل كانوا سبعة، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل المزني، قاله ابن عباس، وقوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك} الآية، اختلف فيمن نزلت هذه الآية فقيل نزلت في عرباض بن سارية، وقيل نزلت في عبد الله بن مغفل، وقيل في عائذ بن عمرو، وقيل في أبي موسى الأشعري ورهطه، وقيل في بني مقرن، وعلى هذا جمهور المفسرين، وقيل نزلت في سبعة نفر من بطون شتى، فهم البكاؤون وهم سالم بن عمير من بني عمرو بن عوف، وحرمي بن عمرو من بني واقف، وأبو ليلى عبد الرحمن من بني مازن بن النجار، وسليمان بن صخر من بني المعلى، وأبو رعياة عبد الرحمن بن زيد من بني حارثة وهو الذي تصدق بعرضه فقبل الله منه، وعمرو بن غنمة من بني سلمة، وعائد بن عمرو المزني، وقيل عبد الله بن عمرو المزني قال هذا كله محمد بن كعب القرظي، وقال مجاهد: البكاؤون هم بنو مكدر من مزينة. ومعنى قوله: {لتحملهم} أي على ظهر يركب ويحمل عليه الأثاث، وقال بعض الناس: إنما استحملوه النعال، ذكره النقاش عن الحسن بن صالح، وهذا بعيد شاذ، والعامل في {إذا} يحتمل أن يكون {قلت}، ويكون قوله {تولوا} مقطوعاً. ويحتمل أن يكون العامل {تولوا } ويكون تقدير الكلام فقلت، أو يكون قوله {قلت لا أجد ما أحملكم عليه} بمنزلة وجدوك في هذه المحال. وفي الكلام اختصار وإيجاز ولا يدل ظاهر الكلام على ما اختصر منه، وقال الجرجاني في النظم له إن قوله {قلت } في حكم المعطوف تقديره وقلت، و {حزناً } نصب على المصدر، وقرأ معقل بن هارون " لنحملهم " بنون الجماعة.
ابن عبد السلام
تفسير : {الضُّعَفَآءِ} الصغار لضعف أبدانهم، أو المجانين لضعف عقولهم أو العميان لضعف تصرفهم {أية : وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً} تفسير : [هود: 91] ضريراً. {نَصَحُواْ} برئوا من النفاق، أو إذا قاموا بحفظ المخلفين والمنازل، فيرجع إلى من لا يجد النفقة خاصة، قيل نزلت في عائذ بن عمرو وعبد الله بن مغفل.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {ليس على الضعفاء} لما ذكر الله سبحانه وتعالى المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد واعتذروا بأعذار باطلة عقبه بذكر أصحاب الأعذار الحقيقية الصحيحة وعذرهم وأخبر أن فرض الجهاد عنهم ساقط فقال سبحانه وتعالى: ليس على الضعفاء والضعيف هو الصحيح في بدنه العاجز عن الغزو وتحمل مشاق السفر والجهاد مثل الشيوخ والصبيان والنساء ومن خلق في أصل الخلقة ضعيفاً نحيفاً ويدل على أن هؤلاء الأصناف هم الضعفاء أن الله سبحانه وتعالى عطف عليهم المرضى فقال سبحانه وتعالى: {ولا على المرضى} والمعطوف مغاير للمعطوف عليه فأما المرضى فيدخل فيهم أهل العمى والعرج والزمانة وكل من كان موصوفاً بمرض يمنعه من التمكن من الجهاد والسفر للغزو {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} يعني الفقراء العاجزين عن أهبة الغزو والجهاد، فلا يجدون الزاد والراحلة والسلاح ومؤنة السفر لأن العاجز عن نفقة الغزو معذور {حرج} أي ليس على هؤلاء الأصناف الثلاثة حرج أي إثم في التخلف عن الغزو. وقال الإمام فخر الدين الرازي: ليس في الآية أنه يحرم عليهم الخروج لأن الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم فإن ذلك طاعة مقبولة ثم إنه تعالى شرط على الضعفاء في جواز التخلف عن الغزو شرطاً معيناً وقوله سبحانه وتعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} ومعناه: أنهم إذا أقاموا في البلد احترزوا عن إفشاء الأراجيف وإثارة الفتن وسعوا في إيصال الخير إلى أهل المجاهدين الذين خرجوا إلى الغزو وقاموا بمصالح بيوتهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وتابعوا الرسول صلى الله عليه وسلم فإن جملة هذه الأمور تجري مجرى النصح لله ورسوله {ما على المحسنين من سبيل} أي ليس على من أحسن فنصح لله ولرسوله في تخلفه عن الجهاد بعذر قد أباحه الشارع طريق يتطرق عليه فيعاقب عليه والمعنى أنه سد بإحسانه طريق العقاب عن نفسه ويستنبط من قوله ما على المحسنين من سبيل أن كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله مخلصاً من قلبه ليس عليه سبيل في نفسه وماله إلا ما أباحه الشرع بدليل منفصل {والله غفور} يعني لمن تخلف عن الجهاد بعذر ظاهر أباحه الشرع {رحيم} يعني: أنه تعالى رحيم بجميع عباده. قال قتادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو وأصحابه. وقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر ولما ذكر الله عز وجل هذه الأقسام الثلاثة من المعذورين أتبعه بذكر قسم رابع وهو قوله تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك} يعني ولا حرج ولا إثم في التخلف عنك على الذين إذا ما أتوك {لتحملهم} يعني يسألونك الحملان ليبلغوا إلى غزو عدوك وعدوهم والجهاد معك يا محمد. قال ابن إسحاق: نزلت في البكائين وكانوا سبعة. ونقل الطبري عن محمد بن كعب وغيره قالوا: جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال: لا أجد ما أحملكم عليه فأنزل الله هذه الآية وهم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير ومن بني واقف جرمي بن عمير ومن بني مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان بن صخر ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد وهو الذي تصدق بعرضه فقبل الله منه ذلك ومن بني سلمة عمرو بن عنمة وعبد الله بن عمر المزني. وقال البغوي: هم سبعة نفر سموا البكائين معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عنمة، وعبد الله بن مغفل المزني، قال: أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الله عز وجل قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا. فقال: "حديث : لا أجد ما أحملكم عليه"تفسير : . وقال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ثلاثة إخوة. معقل، وسويد، والنعمان بنو مقرن. وقيل: نزلت في العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في كل ما ذكر. قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب. وقيل: بل سألوه أن يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال المخصوفة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أجد ما أحملكم عليه"تفسير : ، فولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين. فذلك قوله سبحانه وتعالى: {قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} قال صاحب الكشاف: وكقولك تفيض دمعاً وهو أبلغ من يفيض دمعها لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض ومن البيان كقولك أفديك من رجل {حزناً ألاّ يجدوا ما ينفقون} يعني على أنفسهم في الجهاد {إنما السبيل} لما قال الله سبحانه وتعالى: ما على المحسنين من سبيل. قال تعالى في حق من يعتذر ولا عذر له إنما السبيل يعني إنما يتوجه الطريق بالعقوبة {على الذين يستأذنونك} يا محمد في التخلف عنك والجهاد معك {وهم أغنياء} يعني قادرين على الخروج معك {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} يعني رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف وهم النساء والصبيان والقعود معهم {وطبع الله على قلوبهم} يعني ختم عليها {فهم لا يعلمون} ما في الجهاد من الخير في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو وأما في الآخرة فالثواب والنعيم الدائم الذي لا ينقطع.
ابن عادل
تفسير : ثمَّ ذكر أهل العذر فقال: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} قال ابنُ عبَّاسٍ: يعني: الزَّمنى، والمشايخ والعجزة. وقيل: هم الصُّبيان. وقيل: النِّسوان. {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} وهم أصحاب العمى، والعرج والزمانة ومن كان موصُوفاً بمرض يمنعه من التمكن من المحاربة، {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} يعني: الفقراء؛ لأنَّ حضورهُم يكون كلاًّ ووبالاً على المجاهدين، "حَرَجٌ" إثم. وقيل: ضيق عن القعود في الغزو. ثم إنَّه تعالى شرط في جواز هذا التأخير شرطاً مُعيَّناً، فقال {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ}. قرأ أبو حيوةَ: "نَصَحُوا اللهَ" بغير لام. وقد تقدَّم أن "نَصَحَ" يتعدَّى بنفسه وباللامِ. والنُّصح: إخلاص العملِ من الغِشّ. ومنه: التَّوبة النصُوح. قال نفطويه: نصح الشيء: إذا خلص، ونصح له القول: أي: أخلصه له. قال عليه الصلاة والسلام: حديث : "الدِّينُ النَّصيحَةُ" ثلاثاً. قالوا لمنْ؟ قال: "للهِ ولكتابِهِ ولرسُوله ولأئمَّةِ المسلمينَ وعامَّتهمْ". تفسير : قال العلماءُ: النَّصيحة للهِ: إخلاص الاعتقاد في الوحدانيَّةِ، ووصفه بصفات الألوهيَّةِ وتنزيهه عن النَّقائص، والرَّغبة في محابه، والبُعْد من مساخطه، والنَّصيحة لرسوله: التصديق بنُبُوَّتِهِ والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبَّتِهِ ومحبَّةِ آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنَّته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والنفقة فيها، والذب عنها، ونشرها، والدُّعاء إليها، والتخلُّق بأخلاقه الكريمة، وكذا النصح لكتاب الله قراءته، والتفقه فيه، والذَّب عنه، وتعليمه وإكرامه، والتخلُّق به. والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحقِّ، وتثبيتُهُمْ فيما أغفلوه من أمر المسلمين، ولزوم طاعتهم، والقيام بواجب حقهم. وأمَّا النصحُ للعامَّةِ: فهو ترك معاداتهم وإرشادهم، وحب الصَّالحين منهم، والدعاء لجميعهم، وإرادة الخير لكافتهم. والمعنى: أنَّهُمْ إذا أقاموا لا يلقوا الأراجيف، ولا يثيروا الفتنَ، ويسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين ويقوموا بإصلاح مهمَّات بيوتهم، ويسعوا في إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم، ويخلصوا الإيمان والعمل لله، فهذه أمورٌ جارية مجرى الإعانة على الجهادِ. ثم قال تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} فقوله "مِنْ سبيلٍ" فاعلٌ بالجار قبله لاعتماده على النَّفْي، ويجوز أن يكون مبتدأ، والجار قبله خبره. وعلى كلا القولين فـ "مِنْ" مزيدةٌ فيه، أي: ما على المحسنين سبيل. والمعنى: أنَّهُ لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد. {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قال قتادةُ: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه. وقال الضحاكُ نزلت هذه الآية في عبد الله ابن أم مكتوم، وكان ضريراً. فصل قال بعضهم: في هذه الآية نوعٌ من البديع، يُسمَّى التلميح، وهو أن يشارَ إلى قصةٍ مشهورةٍ، أو مثل سائرٍ، أو شعرٍ نادرٍ، في فحوى كلامك من غير ذكره؛ ومنه قوله: [البسيط] شعر : 2829- اليَوْمَ خَمْرٌ ويبْدُو في غدٍ خبرٌ والدَّهْرُ مِنْ بيْنِ إنعامٍ وإبْآسِ تفسير : يُشير إلى قول امرئ القيس لمَّا بلغه قتلُ أبيه: "اليوم خَمْرٌ، وغداً أمرٌ". وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2830- فواللهِ مَا أدْرِي أأحلامُ نَائِمٍ ألمَّتْ بِنَا أم كان في الرَّكْبِ يُوشَعُ؟ تفسير : يشير إلى قصَّة يوشع عليه الصلاة والسلام، واستيقافه الشَّمس. وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2831- لَعمرٌو مَعَ الرَّمضَاءِ والنَّارُ تَلتَظِي أرَقُّ وأحْفَى مِنْكَ في ساعةِ الكَرْبِ تفسير : أشار إلى البيت المشهور: [البسيط] شعر : 2832- المُسْتجيرُ بعمْرٍو عندَ كُرْبتِهِ كالمُسْتَجيرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بالنَّارِ تفسير : فكأنه قوله: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} اشتهر ما هو بمعناه بين النَّاس؛ فأشار إليه من غير ذكر لفظه. ولمَّا ذكر أبو حيان التلميح لم يُقَيِّدَهُ بقوله: "من غير ذكره". ولا بُدَّ منه لأنَّه إذا ذكره بلفظه كان اقتباساً وتضميناً. فصل اختلفوا في قوله: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} هل يفيدُ العموم؟ فقال بعضهم: لا؛ لأنَّ اللفظ مقصورٌ على أقوام مُعَيَّنينَ نزلت الآية فيهم. وقال آخرون: بلى؛ لأنَّ العبرةَ بعموم اللفظِ لا بخصوصِ السَّببِ، والمُحسن هو الآتي بالإحسان، ورأس الإحسان لا إله إلاَّ اللهَ، فكلُّ مَنْ قالها واعتقدها، كان من المسلمين، فاقتضت نفي جميع المسلمين؛ فدلَّ هذا اللفظ بعمومه على أنَّ الأصلَ حرمة القتلِ، وحرمة أخذ المالِ وأن لا يتوجه عليه شيء من التَّكاليفِ، إلاَّ بدليلٍ منفصل، فصارت هذه الآية بهذا الطريق أصلاً مُعتبراً في الشريعة، في تقرير أنَّ الأصل براءة الذِّمة، إلى أن يرد نص خاص. قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ}. فيه أوجه: أحدها: أن يكون معطوفاً على "الضُّعفاء"، أي: ليس على الضعفاءِ، ولا على الذين إذا ما أتوكَ، فيكونون داخلين في خبر "ليس" مُخْبراً بمتعلقهم عن اسمها، وهو "حَرَجٌ". الثاني: أن يكون معطوفاً على "المُحْسنينَ" فيكونون داخلين فيما أخبر به من قوله: "مِنَ سبيلٍ"، فإنَّ "مِنْ سبيلٍ" يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون اسم "ما" الحجازية، و "مِنْ" مزيدةٌ في الوجهين. الثالث: أن يكون "ولا علَى الَّذِينَ" خبراً لمبتدأ محذوف، تقديره: ولا على الذين إذا ما أتوكَ.. إلى آخر الصلة، حرجٌ، أو سبيلٌ وحذف لدلالةِ الكلامِ عليه، قاله أبُو البقاءِ. ولا حاجةَ إليه، لأنَّه تقديرٌ مُسْتغنًى عنه إذ قدَّر شيئاً يقومُ مقامهُ هذا الموجودُ في اللفظ والمعنى. وهذا الموصولُ، أعني قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ}، يحتملُ أن يكون مندرجاً في قوله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} وذكروا على سبيل نفي الحرج عنهم، وألا يكونوا مندرجين، بل أن يكون هؤلاء وجدوا ما ينفقونَ، إلاَّ أنَّهُمْ لمْ يَجدُوا مرْكُوباً. وقرأ معقل بنُ هارون "لنَحْملَهُمْ" بنون العظمة، وفيها إشكالٌ، إذ كان مقتضى التركيب: قلت: لا أجدُ ما يحملكم عليه الله. قوله: "قُلْتَ" فيه أربعة أوجهٍ، أحدها: أنَّهُ جواب "إذا" الشَّرطيَّة، و "إذَا" وجوابها في موضع الصِّلةِ، وقعت الصِّلةُ جملة شرطية، وعلى هذا؛ فيكونُ قوله: "تولَّوا" جواباً لسؤال مقدر كأنَّ قائلاً قال: ما كان حالهم إذا أجيبوا بهذا الجواب؟ فأجيب بقوله: "تَوَلَّوْا". الثاني: أنَّه في موضع نصب على الحال، من "أتوكَ"، أي: إذَا أتوكَ، وأنت قائلٌ: لا أجدُ ما أحملكم عليه، و "قَدْ" مقدرة، عند من يشترطُ ذلك في الماضي الواقع حالاً، كقوله: {أية : أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}تفسير : [النساء:90] في أحد أوجهه كما تقدَّم، وإلى هذا نحا الزمخشريُّ. الثالث: أن يكون معطوفاً على الشَّرط؛ فيكون في محلِّ جرٍ بإضافة الظرف إليه بطريق النسق وحذف حرف العطف، والتقدير: وقلت، وقد تقدَّم الكلام على هذه المسألة وإلى هذا ذهب الجرجاني، وتبعه ابنُ عطيَّة، إلا أنَّه قدَّر العاطف فاءً أي: فقلت. الرابع: أن يكون مستأنفاً. قال الزمخشريُّ "فإن قلت: هل يجُوزُ أن يكون قوله: "قلت لا أجدُ" استئنافاً مثله؟ - يعني مثل: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} [التوبة:93] - كأنَّه قيل: إذا ما أتوك لتحملهم تولَّوا، فقيل: ما لهُم تولَّوا باكينَ؟ قلت لا أجدُ ما أحملهم عليه إلاَّ أنَّه وسط بين الشرط والجزاء، كالاعتراض؟ قلتُ: نعم، ويحسنُ" انتهى. قال أبُو حيَّان "ولا يجوزُ، ولا يحسن في كلام العربِ، فكيف في كلام الله؟ وهو فهم أعجمي" قال شهابُ الدين: وما أدري ما سببُ منعه، وعدم استحسانه له مع وضوحه وظهوره لفظاً ومعنًى؟ وذلك لأنَّ تولِّيهم على حالة فيض الدَّمع ليس مرتباً على مجرَّد مجيئهم له عليه الصلاة والسلام ليحملهم، بل على قوله لهم: " لا أجدُ مَا أحْملكُمْ" وإذا كان كذلك فقوله - عليه الصلاة والسلام - لهم ذلك سببٌ في بكائهم؛ فحسن أن يجعل قوله: "قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ" جواباً لمنْ سأل عن علةِ تولِّيهم، وأعينُهم فائضةٌ دمعاً، وهو المعنى الذي قصده أبُو القاسم وعلى هذه الأوجه الأربعة المتقدمة في "قُلْتَ" يكون جواب الشَّرط قوله: "تولَّوا"، وقوله "لِتحْمِلهُمْ" علة لـ "أتَوْكَ". وقوله: "لا أجدُ" هي المتعديةُ لواحدٍ؛ لأنَّها من "الوُجْد"، و "مَا" يجوز أن تكون موصولةً، أو موصوفةً. فصل قال أبُو العباس المقرىء: ورد لفظ التَّولِّي في القرآن على أربعة أوجه: الأول: بمعنى الانصراف، قال تعالى: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} [التوبة:92] ومثله قوله تعالى {أية : ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى ٱلظِّلِّ}تفسير : [القصص:24] أي: انصرف. الثاني: بمعنى: "أبَى"، قال تعالى {أية : فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم}تفسير : [المائدة:49] أي: أبَوْا أن يؤمنوا؛ ومثله قوله تعالى {أية : فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ}تفسير : [النساء:89]. الثالث: بمعنى: "أعرض" قال تعالى {أية : وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً}تفسير : [النساء:80]. الرابع: الإعراض عن الإقبال، قال تعالى {أية : فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ}تفسير : [الأنفال:15]. قوله: {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل "تولَّوا". قال الزمخشريُّ "تفيضُ من الدَّمع، كقولك: تفيض دمعاً". وقد تقدَّم الكلام على هذا في المائدة مستوفًى عند قوله {أية : تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ}تفسير : [المائدة:83] وأنَّهُ جعل "من الدَّمع" تمييزاً، و "مِنْ" مزيدة وتقدَّم الرَّد عليه في ذلك هناك. قوله: "حَزَناً" في نصبه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، والعاملُ فيه "تَفِيضُ" قاله أبو حيان. لا يقال: إنَّ الفاعل هنا قد اختلف، فإنَّ الفيض مسند للأعين، والحزنَ صادرٌ من أصحاب الأعين، وإذا اختلف الفاعل وجب جرُّه بالحرف؛ لأنَّا نقول: إنَّ الحزنَ يُسندُ للأعين أيضاً مجازاً، يقال: عين حزينةٌ وسخينةٌ، وعين مسرورةٌ وقريرة، في ضد ذلك. ويجوز أن يكون النَّاصب له "تولَّوا"، وحينئذٍ يتَّحدُ فاعلا العلَّةِ والمعلولِ حقيقةً. الثاني: أنَّهُ في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: تولَّوا حزينين، أو تفيض أعينهم حزينةً، على ما تقدَّم من المجاز. الثالث: أنه مصدر ناصبُه مقدرٌ من لفظه، أي: يحزنون حزناً، قاله أبو البقاء. وهذه الجملةُ التي قدَّرها ناصبة لهذا المصدر هي أيضاً في محلِّ نصبٍ على الحال، إمَّا من فاعل "تولَّوا"، وإمَّا من فاعل "تَفِيضُ". قوله: "أَلاَّ يَجِدُوا" فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، والعامل فيه "حزناً" إن أعربناه مفعولاً له، أو حالاً. وأمَّا إذا أعربناه مصدراً فلا؛ لأنَّ المصدر لا يعملُ إذا كان مؤكداً لعامله. وعلى القول بأنَّ "حَزَناً" مفعول من أجله، يكون "ألاَّ يَجِدُوا" علة العلة يعني أن يكون علَّل فيض الدَّمع بالحزن، وعلَّل الحزن بعدم وجدان النَّفقة، وهو واضحٌ وقد تقدَّم نظيرُ ذلك في قوله: {أية : جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [المائدة:38]. الثاني: أنه متعلق بـ "تَفِيضُ". قال أبو حيان: ولا يجوز ذلك على إعرابه "حَزَناً" مفعولاً له والعاملُ فيه "تفيضُ"، إذ العاملُ لا يقتضي اثنين من المفعول له إلاَّ بالعطفِ، أو البدلِ. فصل قال المفسِّرون: هم سبعة نفر سموا البكائين، معقل بن يسار، وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعلية بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن معقل المزني، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله: إنَّ الله ندبنا للخروج معك، فاحملنا. واختلفوا في قوله "لِتحْمِلهُم" قال ابنُ عبَّاس: سألوه أن يحملهم على الدَّوابِّ، وقيل: سألوه أن يحملهم على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة ليغزوا معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أجِدُ ما أحملكُم عليهِ" تفسير : فتولَّوا وهم يبكُون وقال الحسنُ: حديث : نزلت في أبي موسى الأشعري، وأصحابه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه، ووافق ذلك منه غضباً فقال: "والله لا أحْملكُمْ ولا أجِدُ ما أحْملُكُم عليْهِ" فتولَّوا يبكون، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاهم ذوداً. فقال أبو موسى: ألست حلفت يا رسول الله؟ فقال: "أما إنِّي إن شاء الله لا أحْلِفُ بيمينٍ فأرَى غيرَها خيراً منها، إلاَّ أتَيْتُ الذي هُو خَيْرٌ وكفَّرتُ عنْ يَمِيني ". تفسير : ولمَّا قال تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} قال في هذه الآية: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} في التخلف: "وهُمْ أغنِيَاءُ". قوله: "... رضُوا" فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مستأنفٌ، كأنَّهُ قال قائلٌ: ما بالهم استأذنوا في القعودِ، وهُم قادرُون على الجهادِ؟ فأجيب بقوله: {رَضُوا بِأن يكونوا مع الخَوالفِ}، وإليه مال الزمخشريُّ. والثاني: أنَّه في محلِّ نصب على الحالِ، و "قَدْ" مقدَّرةٌ في قول. وتقدَّم الكلام في: "الخَوالفِ". "وطبعَ اللهُ على قُلوبِهِمْ" قوله: "وطبعَ" نسقٌ على "رَضُوا" تنبيهاً على أنَّ السَّبب في تخلُّفهم رضاهم بقُعُودهم، وطبعُ الله على قلوبهم، وقوله: "إنَّما السَّبيلُ على" فأتَى بـ "عَلَى"، وإن كان قد يصلُ بـ "إلَى"؛ لأنَّ "عَلى" تدلُّ على الاستعلاء، وقلة منعة من تدخل عليه، نحو: لي سبيل عليك، ولا سبيل لي عليك، بخلاف "إلى" فإذا قلت: لا سبيل عليك، فهو مُغايرٌ لقولك: لا سبيل إليك، ومن مجيء "إلَى" معه قوله: [الطويل] شعر : 2833- ألاَ ليْتَ شِعْرِي هَلْ إلى أمِّ سالمٍ سبيلٌ؟ فأمَّا الصَّبْرُ عَنْهَا فلا صَبْرَا تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 2834- هَلْ مِنْ سبيلٍ إلى خَمْرٍ فأشْربهَا أمْ مِنْ سبيلٍ إلى نصْرِ بنِ حجَّاجِ تفسير : قوله تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ}. روي أنَّ المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين نفراً، فلمَّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءوا يعتذرون بالباطل، فقال الله {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} لم نصدقكم. قوله: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنَّها المتعدِّيةُ إلى مفعولين. أولهما: "نا"، والثاني: "مِنْ أخْبارِكُمْ"، وعلى هذا ففي "مِنْ" وجهان: أحدهما: أنَّها غيرُ زائدةٍ، والتقدير، قد نبَّأنا اللهُ أخْبَاراً من أخباركم، أو جملة من أخباركم، فهو في الحقيقة صفةٌ للمفعول المحذوف. والثاني: أنَّ "مِنْ" مزيدةٌ عند الأخفشِ؛ لأنَّه لا يشترط فيها شيئاً، والتقدير: قد نبَّأنا الله أخباركم. الوجه الثاني - من الوجهين الأولين -: أنَّها متعديةٌ لثلاثة، كـ "أعْلَم"، فالأولُ، والثاني ما تقدَّم، والثالث محذوفٌ اختصاراً للعلم به، والتقدير: نبَّأنا الله من أخباركم كذباً، ونحوه. قال أبو البقاء: "قد يتعدَّى إلى ثلاثةٍ، والاثنان الآخران محذوفانِ تقديره: أخباراً من أخباركم مثبتة. و "مِنْ أخباركُم" تنبيه على المحذُوف وليست "مِنْ" زائدة، إذ لو كانت زائدة، لكانت مفعولاً ثانياً، والمفعول الثالث محذوفٌ، وهو خطأ، لأنَّ المفعول الثاني متى ذُكِر في هذا الباب لزم ذكرُ الثالث". وقيل: "مِنْ" بمعنى "عن". قال شهابُ الدِّين "قوله: إنَّ حذف الثالث خطأ" إن عنى حذف الاقتصارِ فمُسلَّم، وإن عنى حذف الاختصار فممنوعٌ، وقد تقدَّم مذاهب النَّاس في هذه المسألة. وقوله: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} علّة لانتفاءِ تصديقهم. ثم قال: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} فيما تستأنفون، أتتوبُون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}. فإن قيل: لمَّا قال: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} فلمَ لَمْ يقل، ثُمَّ تردُّونَ إليْهِ؟. فالجواب: أنَّ في وصفه تعالى بكونه {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} ما يدلُّ على كونه مطلعاً على بواطنهم الخبيثة، وضمائرهم المملوءة بالكذب والكيد، وفيه تخويف شديد، وزجر عظيم لهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم براءة، فكنت أكتب ما أنزل الله عليه، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه، إذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت {ليس على الضعفاء} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {ليس على الضعفاء...} الآية. قال نزلت في عائذ بن عمرو وفي غيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: نزل من عند قوله {أية : عفا الله عنك} تفسير : [التوبة: 43] إلى قوله {ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} في المنافقين. أما قوله تعالى: {إذا نصحوا لله ورسوله} . أخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة الصائدي قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا من الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ الذي للآخرة ثم تفرغ للذي الدنيا. وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ". تفسير : وأخرج ابن عدي عن ابن عمر "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم ". تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم". وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قال الله عز وجل: أحب ما تعبدني به عبدي إلى النصح لي ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه. أن راهباً قال لرجل: أوصيك بالنصح لله نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهم. أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {ما على المحسنين من سبيل} قال: ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين، ألم تسمع أن الله يقول {أية : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر} تفسير : [النساء: 95] فجعل الله للذين عذر من الضعفاء، وأولي الضرر، والذين لا يجدون ما ينفقون، من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزو تبوك، فأشرف على المدينة قال: لقد تركتم بالمدينة رجالاً ما سرتم في مسير، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، إلا كانوا معكم فيه. قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم وابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد خلفتم بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً، ولا سلكتم طريقاً، إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {ما على المحسنين من سبيل} والله لأهل الاساءة {غفور رحيم} .
ابو السعود
تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} كالهَرْمىٰ والزَّمْنى {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} لفقرهم كمُزَينةَ وجُهينة وبني عذرة {حَرَجٌ} إثمٌ في التخلف {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} وهو عبارةٌ عن الإيمان بهما والطاعةِ لهما في السر والعلنِ وتولِّيهما في السراء والضراءِ والحبِّ فيهما والبغضِ فيهما كما يفعل المَوْلى الناصحُ بصاحبه {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق أي ليس عليهم جناحٌ ولا إلى معاتبتهم سبـيلٌ، ومن مزيدةٌ للتأكيد، ووضْعُ المحسنين موضِعَ الضمير للدِلالة على انتظامهم بنُصحهم لله ورسولِه في سلك المحسنين، أو تعليلٌ لنفي الحرجِ عنهم، أي ما على جنس المحسنين من سبـيل وهم من جملتهم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذيـيلٌ مؤيدٌ لمضمون ما ذُكر مشيرٌ إلى أن بهم حاجةً إلى المغفرة وإن كان تخلُّفهم بعذر. {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} عطفٌ على المحسنين كما يُؤذِن به قولُه عز وجل فيما سيأتي: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} الآية، وقيل: عطفٌ على الضعفاء وهم البكّاؤون، سبعةٌ من الأنصار: معقِلُ بنُ يسارَ وصخرُ بنُ خنساءَ وعبدُ اللَّه بنُ كعبٍ وسالمُ بنُ عميرٍ وثعلبةُ بنُ غنمةَ وعبدُ اللَّه بنُ معقِلٍ وعلبةُ بنُ زيد أتوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نذرْنا الخروجَ فاحمِلنا على الخِفافِ المرقوعة والنعالِ المخصوفة نغْزُ معك فقال عليه السلام: «لا أجد»، فتولَّوا وهم يبكون، وقيل: هم بنو مُقرِّن معقِلٌ وسويدٌ ونُعمانُ وقيل: أبو موسى الأشعريُّ وأصحابُه رضي الله عنه تعالى عنهم {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} حالٌ من الكاف في أتوك بإضمار قد وما عامةٌ لِما سألوه عليه السلام وغيرَه مما يُحمل عليه عادة وفي إيثار (لا أجد) على ليس عندي من تلطيف الكلامِ وتطيـيبِ قلوبِ السائلين ما لا يخفى كأنه عليه السلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده {تَوَلَّوْاْ} جوابُ إذا {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} أي تسيل بشدة {مِنَ ٱلدَّمْعِ} أي دمعاً فإن من البـيانية مع مجرورها في حيز النصب على التميـيز وهو أبلغُ من يفيض دمعُها لإفادتها أن العينَ بعينها صارت دمعاً فيّاضاً والجملةُ حاليةٌ وقوله عزّ اسمُه: {حَزَناً} نُصب على العلية أو الحالية أوالمصدرية لفعل دل عليه ما قبله أي تفيض للحزن فإن الحزنَ يُسند إلى العين مجازاً كالفيض، أو تولوا له أو حزِنين أو يحزنون حزناً فتكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في تفيض {أَلاَّ يَجِدُواْ} على حذف لامٍ متعلقة بحَزَناً أو تفيض أي لئلا يجدوا {مَا يُنْفِقُونَ} في شراء ما يحتاجون إليه إذ لم يجدوه عندك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} [الآية: 91]. قال بعضهم: من لم نمكن من القدرة فقد رُفع عنه الحرج. وقال بعضهم: أفضل العصمة أن لا تقدر. قال أبو طاهر: لو لم يكن فى الفقر والقلة إلا إسقاط الحرج عن صاحبه، لكان ذلك عظيمًا قال الله تعالى: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} وقيل: ليس على من سُلب القيام بالخدمة بظاهر الجوارح من جرح فى تقصير يقع له فى نافله، إذا أصبحت له الفرائض وسكن قلبه وصلحت سريرته. قوله تعالى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}. قال القاسم: المحسن من يرى الإحسان كله من الله، فلا يكون لأحد عليه سبيل. وقال ابن عطاء: المحسن يحسن محاورة نعم الله. وقال فى موضع آخر: المحسن من يرى إحسان الله إليه، ولا يرى من نفسه مستجيبًا بحال. قال جعفر: المحسن الذى يحسن آداب خدمة سيده. وقال حمدون القصار: المحسن المطالب نفسه بعد حقوق الله بحقوق المسلمين عليه، والتارك حقه لهم، بل من لا يرى لنفسه على أحد حقًا.
القشيري
تفسير : قيمةُ الفقرِ تظهر عند سقوط الأمر، ولو لم يكن في القلة خيرٌ إلا هذا لكفي لها بهذا فضيلة؛ بقوا في أوطانهم ولم يتوجَّه عليهم بالجهادِ أمرٌ، ولا بمفارقة المنزل امتحان. واكتفى منهم بنصيحة القلب، واعتقادِ أَنْ لو قدروا لخرجوا. وأصحابُ الأموال امتُحِنوا - اليومَ - بِجَمْعِهَا ثم بِحِفْظِهَا، ثم مَلَكَتْهُم محنتُها حتى شقَّتْ عليهم الغيبةُ عنها، ثم توجَّه اللومُ عليهم في تَرْكِ إِنفاقها، ثم ما يعقبه - غداً من الحسابِ والعذاب يربو على الجميع. وإِنَّما رفع الحَرَجَ عن أولئك بشرطٍ وهو قوله: {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} فإذا لم يوجد هذا الشرطُ فالحرجُ غيرُ مرتفع عنهم. قوله: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}: المُحْسِنُ الذي لا تكون للشرع منه مطالبة لا في حقِّ الله ولا في حقِّ الخَلْق. ويقال هو الذي يعلم أَنَّ الحادثاتِ كلَّها من الله تعالى. ويقال هو الذي يقوم بحقوقِ ما نِيط به أَمْرُه؛ فلو كان طيرٌ في حكمه وقَصَّرَ في عَلَفِه - لم يكن محسناً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} وصف الله زمرة اهل المراقبات ومجالس المحاضرات والهائمين فى المشاهدات والمستغرقين فى بحار الازليات الذين انحلوا جسومهم بالمشاهدات وامرضوا نفوسهم بالرياضات واذابوا قلوبهم بدوام الذكر وجولانها فى الفكر وخرجوا بعقائدهم الصافية عن الدنيا الفانية بمشاهدته الباقية بأن رفع عنهم بفضله خرج الامتحان وابقاهم فى مجالس الانس ورياض الايقان وقال ليس على لاضعفاء يعنى الذين بأضعفهم حمل اوقار المحبة ولا على المرضى الذين امرضهم مرارة الصبابات ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون الذين يتجردون عن الاكوان بتجريد التوحيد وحقائق التفريد حرج عتاب من جهة العبودية والمجاهدة لانهم مقتولون بسيف المحبة المطروحون بباب الوصلة ضعفهم من الشوق ومرضهم من الحب وفقرهم من حسن الرضا ثم زاد فى وصفهم بالشفقة على دين الله وعلى سنة رسوله بقوله {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} اذا عرفوا عباد الله طريق الله والاسوة بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وصفهم بترائى قلوبهم هلال جلاله بنعت بذل ارواحهم ونفوسهم لله فى الحلوات وبين انهم === عن نكايات المكر والامتحان وجميع البليات والعقوبات بقوله {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} اى ما على المشاهدين جلاله وجماله سبيل الحجاب وقارعة العتاب لانه كان فى الازل اختارهم برحمته السابقة وغفر فى القدم تقصيرهم فى المعرفة بأنه علم ان الخلق يعجزون عن حمل بوادى عظمته واوايل كشف سلطان لكبر دائه قال {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال بعضهم فى قول ليس على الضعفاء من لم يكن من القدرة فقد رفع عنه الحرج قال ابن طاهر لو لم يكن فى الفقر والقلة اسقاط الحرج عن صاحبه لكان ذلك عظيما قال الله ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج وقال القسم فى قوله ما على المحسنين من سبيل من يرى الاحسان كله من الله فلا يكون لاحد عليه سبيل وقد وقع لى فى قوله ما على المحسنين من سبيل اى ما على من اصفاه الله فى سابق احسانه عليه تغيير لاصطفائيته قط واحسانه لله فيه وشهوده عليه وشهود العبد مشاهدته بشرط ان لا يرى لغير الله وزنا من نفسه وجميع الاكوان حتى لا يجد عليه احد سبيل المنة ثم وصف لهؤلاء المحسنين بالفقر والظرافة فيه بنعت بذل الوجود وصدق لقاء المحمود بقوله{وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} اى لترفعهم عن روية غير الله حتى رؤية ما وجدوا من الله من حظوظ حلاوة مشاهدته الى الفناء فيه حتى لا يبقى فيهم غير حظ الله منهم ايضاً اى لتحملهم بالله حتى يكونوا معك فى مشاهدة الله ابدا ولا يتقطعوا عنك طرفة عين ثم بين الله سبحانه وصف القوم برغبتهم فى بذل وجودهم لله وسرعة مسارعتهم الى الله وشدة شوقهم اليه وكثرة حزنهم بما فاتوا عنهم من حقوق الطريقة بتمام الاية مما اجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} اى لا اجد من العرش الى الثرى شيئا يحملكم غير الله ثم قال {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً} بيّن ان البكاء من الحزن وهو بكاء المريدين لان بكاء العارفين والمحبين من الفرح بالله قال النصرابادى فى قوله اذا ما اتوك لتحملهم اى يحملهم على الاقبال علينا والثقة بنا والرجوع وقال ايضا يحملهم اى فتحمل عنهم اثقال المخالفات ثم بيّن ان العتاب على من سكن الى الدنيا وفرح بها بقوله {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} وصف المتقاعدين عن الحق وعن السيرالى معارك شهدائ العشق الذين قتلوا بسيوف المحبة بأشتغالهم بنفوسهم الامارة وهواها القاطعة سبيل طلعت الله سبيل العار والشنار عليهم لانهم تركوا حظ الاكبر خطا الاصغر قال النصرابادى الزم الله الندم الاغنياء لانهم اعتمدوا املاكهم واموالهم واستغنوا بها ولو اعتمدوا الى الله واستغنوا به لما الزموا المذمة ثم وصف تكلف اهل الدنيا فى انفاقهم بالنفاق والرياء والسمعة ثم راعوا ذلك ايضاً ===لانهم لم يعرفوا مما يطلبون ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبدل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جواب "إذا" يحتمل أن يكون (تولوا)، وجملة (قُلتَ): حال من الكاف في (أتوك)، أي: أتوك قائلاً لا أجد... الخ، ويحتمل أن يكون الجوابُ: "قلتَ"، و(تولوا) استئناف لبيان حالهم حينئذٍ، و(من الدمع): للبيان، وهي مع المجرور، في محل نصب على التمييز، فهو أبلغ من تفيض دمعُها؛ لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً، و(حزناً): علة، أو حال، أو مصدر لفعل دل عليه ما قبله، (ألا يجدوا): متعلق به، أي: حزناً على ألاّ يجدوا ما ينفقون، و (إنما السبيل) راجع لقوله: (ما على المحسنين من سبيل). يقول الحق جل جلاله: {ليس على الضعفاءِ}؛ كالهرْمى، {ولا على المرضى}؛ كالزّمْنَى ومن أضناه المرض، {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} في الغزو {حَرَجٌ} أي: لا حَرج على هؤلاء في التخلف عن الغزو، {إذا نَصَحوا الله ورسوله} بالإيمان والطاعة في السر والعلانية. قيل: نزلت في بني مُقرن، وهم ستة إخوة صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل في عبد الله بن مُغفل. {ما على المحسنين من سبيل} أي: ليس عليهم جناح، ولا إلى معاتبتهم سبيل، وإنما وضع المحسنين موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين، غير معاتبين في ذلك، {والله غفور رحيم} بالمسيء فكيف بالمحسنين؟ {ولا على الذين إذا ما أتُوكَ لتحملَهم} معك إلى الغزو، وهم البكاؤون؛ سبعة من الأنصار: مَعقِل بن يَسَار، وصَخْر بن خنساء، وعبد الله بن كعب، وسالم بن عُمَيْر، وثَعْلَبَة بن غَنَمة، وعبد الله بن مُغفَّل، وعُلْية بن زيد. أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المَرْقُوعة والنِّعال المَخْصُوفَة، نغزو معك، فقال: لا أجد، فتولَّوا وهم يبكون. وقيل: هم بنو مُقَرِّن، وقيل: أبو موسى وأصحابه، وعليه اقتصر البخاري. {قلت لا أجِدُ ما أحملكم عليه}؛ وليس عندي ما أحملكم عليه، {تولَّوا} عنك {وأعيُنهم تفيضُ من الدمع} أي: يفيض دمعها؛ {حزناً} على {ألا يجدوا ما يُنفقون} في غزوهم. زاد البخاري: فلما رجع أبو موسى وأصحابه، أُتي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بِنَهَب إبل، فدعاهم وحملهم عليها، فقالوا: يا رسول الله، إِنَّكَ حَلَفتَ أَلا تِحْمِلنَا، فخفنا أن نكون أغفلناك يمينك، فقال: "حديث : ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم، وإنِّي والله، ما أحْلِفُ على يَمِينٍ فَأرَى خَيْراً مِنْها إلا كَفّرْتُ عن يَمِيني وأَتَيتُ الذي هُوَ خَيْر".تفسير : أو كما قال عليه الصلاة والسلام. قال تعالى: {إنما السبيلُ} أي: الحرج والمعاتبة {على الذين يستأذنونك} في القعود، {وهم أغنياء}؛ واجدون للأهبة، {رَضُوا بأن يكونوا مع الخوالِف}؛ كالنساء والصبيان، وهو استئناف لبيان ما هو السبب لاستثنائهم من غير عذر، وهو رضاهم بالدناءة، والانتظام في جملة النساء والصبيان؛ إيثار للدعة والكسل، {وطَبَعَ اللَّهُ على قلوبهم} بالكفر والغفلة؛ حتى غفلوا عن وخامة العاقبة، {فهم لا يعلمون} ما يؤول إليه حالهم من الندم والأسف. الإشارة: كل من لم ينهض إلى صحبة الخصوص؛ الذين جعلهم الله أدوية القلوب، توجه العتاب إليه يوم القيامة، إذ لا يخلو من لم يصحبهم من عَيب أو نقص أو خاطر سوء، حتى ربما يلقى الله بقلب سقيم. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: من لم يتغلغل في عملنا هذا، مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر. وقال الغزالي: دواء القلوب واجب عيناً على كل مسلم، فكل من قصر في ذلك عُوقب يوم القيامة، إلا من حبسه عذر صحيح: من مرض مزمن، أو كبر سن، أو فقر مدْلق. قال تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله}، فإن أحبوا أولياء الله، وصدقوهم وعظموهم، ودلّوا الناس على صحبتهم، فهؤلاء محسنون، {ما على المحسنين من سبيل والله غفور} لضعفهم، {رحيم} بهم. وقال الورتجبي: (إذا نصحوا لله ورسوله) أي: إذا عرّفوا عباد الله طريق الله، والأسوة بسنة رسول الله. هـ. وقد قال الحواريون: يا روح الله، ما النصيحة لله؟ قال: تقديم حق الله على حق الناس. هـ. ولا حرج أيضاً على من لم يجد ما ينفق على الأشياخ من الأموال، فإن من أعطى نفسه كفته عَن إعطاء المال. قال تعالى: {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} إلى حضرة {قلت لا أجد ما أحملكم عليه}؛ فإن بذل الأموال مع المهج أنهض من أحدهما، {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}؛ ليتحببوا به في قلوب المشايخ. قال بعض المشايخ: أردنا أن نجعل من يسوق مع من لا يسوق على حد سواء، فلم يعتدلوا. هـ. وقوله تعالى: {حزناً ألا يجدوا ما ينفقون}، ليس حزنهم على فوات الدنيا، وإنما حزنهم على تخلفهم عن رسول الله، وعن صحبة أهل الكمال. وقال القشيري: شقَّ عليهم أن يكون على قلب الرسول ـ عليه الصلاة السلام ـ منهم، أوبسببهم، شُغْلٌ، فَتَمنَّوا أن لو أزيحت علتهم، لا ميلاً إلى الدنيا؛ ولكن لئلا يعود إلى قلب الرسول من فعلهم كراهةٌ، ولقد قيل: شعر : مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديق لِقاؤه واخو الحوائج وجهه مَمْلولُ. هـ. ولما رجع ـ عليه الصلاة والسلام ـ من غزوة تبوك، جاء المنافقون يعتذرون بالأعذار الكاذبة، ففضحهم الله بقوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ}.
الطوسي
تفسير : عذر الله تعالى في هذه الآية من ذكره ووصفه، فقال {ليس على الضعفاء} وهو جمع ضعيف، وهو الذي قوته ناقصة بالزمانة وغيرها {ولا على المرضى} وهو جمع مريض وهم الاعلاء {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} يعني من ليس معه نفقة الخروج وآلة السفر {حرج} يعني ضيق وجناح. وأصل الضيق الذي يتعذر معه الامر. وقوله {إذا نصحوا لله ورسوله} شرط تعالى في رفع الجناح والاسم عن المذكورين ان ينصحوا الله ورسوله بأن يخلصوا العمل من الغش، يقال: نصح في عمله نصحاً، وناصح نفسه مناصحة، ومنه التوبة النصوح. ثم قال {ما على المحسنين من سبيل} أي ليس على من فعل الحسن الجميل طريق. والاحسان هو ايصال النفع إلى الغير لينتفع به مع تعريه من وجوه القبح. ويصح أن يحسن الانسان إلى نفسه ويحمل على ذلك، وهو إذا فعل الأفعال الجميلة التي يستحق بها المدح والثواب. وقوله {والله غفور رحيم} معناه ساتر على ذوي الاعذار بقبول العذر منهم {رحيم} بهم لا يلزمهم فوق طاقتهم. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في عابد بن عمرو المزني وغيره. وقال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن معقل المزني، فانه وجماعة معه جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له: احملنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لا أجد ما احملكم عليه.
اطفيش
تفسير : {لَيسَ عَلَى الضُّعفاءِ} كالشيوخ والصبيان والنساء، ومن هو فى أصل خليفته ضعيف أو نحيف لا يستطيع الغزو {ولا عَلَى المرْضَى} شامل للزمنى، والعرج، والعمى، وكل ذى علة حدثت فى بدنه تمنعه كمرض. {ولا عَلَى الَّذينَ لا يجدُونَ ما ينْفِقُون} فى مؤنة السفر والغزو، كزاد وراحلة، وسلاح وطعام، كجهينة ومزينة وعذرة قبائل فقراء، وقيل: نزلت فى بنى مقرن، وهم ستة إخوة صحبوا النبى صلى الله عليه وسلم وهم من مزينة، وليس فى الصحابة ستة إخوة غيرهم، وقيل فى عبد الله بن معقل المزنى، وقيل فى رجل من مزينة، سواء ثم أطلقت على اسمه وهو عائذ بن عمرو، واللفظ يشمل أيضا من ليس سببا فى النزول. {حَرجٌ} إثم فى التخلف، وإن خرج من كان كذلك منفعة كحفظ المتاع، وتكثير السواد لكان له أجر عظيم إن كان لا يلقى نفسه فى التهلكة، ولا يكون كَلاًّ {إذا نَصحُوا للهِ ورَسُولِه} بالإيمان والطاعة، سرا وعلانية، والحب والبغض فى الله ورسوله، أو يحفظ البلد، والتحرز عن إنشاء الأراجيف، وإثارة الفتنة، وإيصال الخير إلى أهل المجاهدين، والقيام بمصالح بيوتهم، وقرأ أبو حيوة بالنصب وإسقاط اللام، وعن قتادة: نزلت الآية فى ابن أم مكتوم وكان أعمى. {مَا عَلى المحْسِنينَ} الناصحين المعذورين، وأقام الظاهر مقام المضمر ليصفهم بالإحسان فلا يبقى للعتاب لهم وجه {مِنْ سَبيلٍ} طريق إلى عتابهم، أو تأثيمهم، فإنهم سدوا بإحسانهم تلك الطريق {واللهُ غَفورٌ رحيمٌ} للمسيئين إذا تابوا، فكيف بالمحسنين، أشار إليه ابن عباس رضى الله عنهما وقيل لهم: {ولا عَلَى الَّذينَ} عطف على قوله: {على الضعفاء} أو قوله: {ولا على الذين لا يجدون} أو قوله: {على المحسنين} {إذا ما} صلة مؤكدة لإثباتهم أنه حقيق صادقون فيه، والله أعلم {أتوْكَ لتحْمِلَهم} على الدواب لغزو، وعن بعضهم على الخفاف المرقعة، والنعال المخصوفة، وعن الحسن بن صالح: على النعال، قال بعض: إطلاق الحمل على التنعيل شاذ، وبالجملة أنهم لو وجدوا أدنى ما يركب ويحمل عليه ما يحتاجون إليه لخرجوا، وقرأ لتحملهم بالنون. {قُلتَ لا أجِدُ ما أحْمِلكُم علَيْه} الذى عندى أن جملة قلت بدل اشتمال من أتوك، فإن قوله قوله: {لا أجد ما أحملكم عليه} من سببيات إتيانهم للحمل، أو حال مقارنة، لأن المقارنة إما متعقبة لمعنى عاملها بلا فضل زمان كما هنا، وإما واقعة معه فى وقت واحد، وتقدر قد على هذا، ويجوز أن تقدروا أو معترضة على طريق الاستئناف البيانى، وأصلها بعد الجواب وهو قوله: {تَولَّوْا} كأنه لما قيل تولوا {وأعْينُهم تَفيضُ مِنَ الدَّمْع حَزَنا} قيل ما لهم: تولوا باكين حزنا، فأجيب بأنه قال لهم: لا أجد ما أحملكم عليه، ثم قدم على الجواب، وقال الجرجانى: معطوف بعاطف محذوف، أى وقلت: وقدر بعضهم الفاء وهو حمل على القليل إذ حذف العاطف وحده فى السعة قليل، ولا سيما على تقدير غير الواو، وأجاز بعضهم كون الجواب هو قلت، وتولوا مستأنف، ومن الدمع قال جار الله والقاضى: فى محل نصب على التمييز، ومن للبيان وهو باطل من حيث الصناعة، ولو صح من حيث المعنى، وقيل: من صلة، والدمع تمييز بتاء على جواز زيادة من مع المعرفة، وتعريف التمييز، وقيل: من صلة، والدمع بدل اشتمال من الضمير فى تفيض، وذلك أبلغ من قولك: يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأنها دمع، أى فائض، وحزنا مفعول لأجله ناصية تفيض، أو حال من الهاء مبالغة، أو بتقدير ذوى حزن أو بتأويله بحزنين أو مفعول مطلقا بمحذوف دل عليه تفيض {ألاَّ يَجدُوا} أى لئلا يجدوا متعلق بحزنا أو بتفيض، أى لأنهم لا يجدون إذا لم تحملهم وتنفق عليهم {ما ينْفِقُون} على تملك الحمولة وعليها وعلى أنفسهم، فيتعذر غزوهم وهم سبعة من الأنصار، سموا البكائين لبكائهم فى ذلك، معقل بن يسار، وعبد الله بن كعب، وعلبة بن يزيد، وصخر بن خنساء، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة، وعبد الله بن معقل. وقيل سبعة من بطون شتى: سالم بن عمير من بنى عمر، وابن عوف، وحضرمى بن عمرو من بنى واقف، وأبو ليلى عبد الرحمن من بنى مازن بن النجار، وسلمان بن صخر من بنى المعلا، وأبو رعيلة عبد الرحمن بن زيد من بنى حارثة، وعمرو بن غنمة من بنى سلمة، وعائذ بن عمرو المزنى، وقيل: عبد الله بن عمرو المزنى، وعبارة بعض عتبة بن زيد. وقال مجاهد: هم بنو مقرن الإخوة الستة، وقد مروا فى غير هذه الآية، وعزاه بعض للجمهور، وقيل: إنهم بنو مقرن، وإنهم ثلاثة: معقل، وسويد، والنعمان، والصحيح أنهم ستة، واسم الثلاثة الآخرين: عقيل، وسنان، وهند، وقيل: أحدهم عبد الرحمن، وقيل: نزلت فى عبد الله بن معقل، وقيل: عائذ بن عمرو، وقيل: فى العرباض بن سارية، وقيل: فى هؤلاء مع عمرو بن الحمام، وقيل: فى أبى موسى الأشعرى ورهطه، قال: "حديث : أرسلنى أصحابى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان، فقال: "والله لا أحملكم على شىء" فرجعت حزينا بمعنه، وللخوف وجد على فى نفسه، فأخبرتهم ولبثت سويعة، وسمعت بلالا ينادى: أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته، فقال: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته فقال: "خذ هاتين القرنيتين" وهاتين القرينتين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد {فانطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فاركبوهن" ". "حديث : وروى أن علبة بن زيد، صلى من الليل وبكى وقال: اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل فى يد رسولك ما يحملنى عليه، وإنى أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة فى مالى أو جسدى أو عرضى، ثم أصبح مع الناس، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "أين المتصدق بهذه الليلة؟" فلم يقم أحد، ثم قال: "أين المتصدق؟" فليقم فقام إليه فأخبره فقال صلى الله عليه وسلم: "أبشر فوالذى نفس محمد بيده لقد كتبت فى الزكاة متقبلة"".
اطفيش
تفسير : {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاَءِ} بكبر السن أَو بصغرها أَو بالخلقة كخلقه نحيفاً أَو ضعيف الصدر أَو مقعداً أَو بقطع عضو أَو عمى أَو عرج أَو بالأُنوثة {وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى} مرضاً لازماً أَو يرجى زواله كالحمى والرمد، ويجوز إِدخال العمى والعرج والقعود فى المرض كما قال زيد بن ثابت: كنت أَكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت براءَة فإِنى لواضع القلم على أُذنى إِذ أُمرنا بالقتال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه إِذ جاءَه أَعمى فقال: كيف بى يا رسول الله وأَنا أَعمى، فنزلت ليس على الضعفاءِ ولا على المرضى {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ} فى الجهاد من طعام وما يحتاج إِليه من دابة ونفقتها وآلة القتال ونحو ذلك، وهم جهينة ومزينة وعذرة ونحوهم ـ بضم الميم وفتح الزاى ـ {حَرَجٌ} ضيق بالنسبة للإِثم فى التخلف {إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} بالطاعة وإِخلاصها توحيدا وسائِر لوازمه من فعل وترك كما ينصح العبد الكريم سيده سراً وعلنا، فهم لا يخبرون خبر السوءِ عن الجند، ولو صح، ولا يفترونه ويخبرون بما يسر المؤمنين ويحيون الشريعة ويعلمونها من جهل، ويحبون الإِسلام وأَهله ويبغضون الكفر وأَهله، ويحبون آل النبى خصوصاً ويوقرونهم ويعنون بما هو صلاح للإِسلام ويقومون بمصالح عيال الغائب فى الجهاد، وإِن لم ينصحوا بذلك أَثموا بما لم ينصحوا فيه ولو من غير عدم الخروج ولا يَأْثمون بما لم يلزمه لكن من شأَن المسلم أَن يهتم بأَمر الإِسلام ولو عذر فى التخلف، حى أَنه إِذا لم يهتم به فإِنه لم ينصح لله ورسوله، وسبيل مبتدأٌ أَو فاعل ما على المحسنين، أَو فاعل لثابت أَغنى عن خبره {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} بفعل ذلك {مِنْ سَبِيلٍ} إِلى عتابهم عن التخلف، وهذا جار مجرى المثل، ومقتضى الظاهر وما عليهم ولكن ذكرهم باسم المحسن تلويحاً بأَنه كيف يكون سبيل على من انخرط فى سلك المحسنين، أَو أَراد بالمحسنين العموم، واحتج بعض بالآية على أَن لا ضمان على قاتل البهيمة الصائلة {وَاللهُ غَفُورٌ} فى التخلف لهم {رَحِيمٌ} فى التوسعة، وفى ذلك تغليظ ظاهرى كأَنه يشير إِلى أَنَّ الأَصل المؤاخذة ولو كان العذر غير حقيقى كما قيل إِن الذنب مهلك بحسب الأَصل ولو نسياناً أَو خطأَ فى الأَصل كالسم يقتل من لم يتعمده عمن تعمده لكن هذا أَظهر منه فى الآية، أَو الله غفور للمسىءِ رحيم به إِذا تاب فكيف هؤلاءِ الذين ليس التخلف منهم ذنبا.
الالوسي
تفسير : {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء} كالشيوخ ومن فيه نحافة خلقية لا يقوى على الخروج معها وهو جمع ضعيف ويقال: ضعوف وضعفان وجاء في الجمع ضعاف وضعفة وضعفى وضعافى {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} جمع مريض ويجمع أيضاً على مراض ومراضى وهو من عراه سقم واضطراب طبيعة سواء كان مما يزول بسرعة ككثير من الأمراض أو لا كالزمانة وعدوا منه ما لا يزول كالعمى والعرج الخلقيين فالأعمى والأعرج داخلان في المرضى وان أبيت فلا يبعد دخولهما في الضعفاء، ويدل لدخول الأعمى في أحد المتعاطفين ما أخرج ابن أبـي حاتم والدارقطني في «الأفراد» عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت براءة فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه إذ جاءه أعمى فقال: كيف بـي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ}. {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} أي الفقراء العاجزين عن أهبة السفر والجهاد قيل هم مزينة وجهينة وبنو عذرة {حَرَجٌ} أي ذنب في التخلف وأصله الضيق وقد تقدم الكلام فيه {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} بالإيمان والطاعة ظاهراً وباطناً كما يفعل الموالي الناصح فالنصح مستعار لذلك، وقد يراد بنصحهم المذكور بذل جهدهم لنفع الإسلام والمسلمين بأن يتعهدوا أمورهم وأهلهم وإيصال خبرهم إليهم ولا يكونوا كالمنافقين الذين يشيعون الأراجيف إذا تخلفوا، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال: نصحته ونصحت له، وفي «النهاية» ((النصيحة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة يجمعه غيرها))، والعامل في الظرف على ما قال أبو البقاء معنى الكلام أي لا يخرجون حينئذ. {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} أي ما عليهم سبيل فالإحسان النصح لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ووضع الظاهر موضع ضميرهم اعتناء بشأنهم ووصفاً لهم بهذا العنوان الجليل، وزيدت {مِنْ} للتأكيد، والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغ وجه وألطف سبك وهو من بليغ الكلام لأن معناه لا سبيل لعاتب عليهم أي لا يمر بهم العاتب ولا يجوز في أرضهم فما أبعد العتاب عنهم وهو جار مجرى المثل، ويحتمل أن يكون تعليلاً لنفي الحرج عنهم و {ٱلْمُحْسِنِينَ} على عمومه أي ليس عليهم حرج لأنه ما على جنس المحسنين سبيل وهم من جملتهم، قال ابن الفرس: ويستدل بالآية على أن قاتل البهيمة الصائلة لا يضمنها {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تذييل مؤيد لمضمون ما ذكر وفيه إشارة إلى أن كل أحد عاجز محتاج للمغفرة والرحمة إذ الإنسان لا يخلو من تفريط ما فلا يقال: إنه نفى عنهم الإثم أولاً فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب فإن أريد ما تقدم من ذنوبهم دخلوا بذلك الاعتبار في المسيء.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني لجواب سؤال مقدّر ينشأ عن تهويل القعود عن الغزو وما توجّه إلى المخلّفين من الوعيد. استيفاءً لأقسام المخلّفين من ملوم ومعذور من الأعراب أو من غيرهم. وإعادة حرف النفي في عطف الضعفاء والمرضى لتوكيد نفي المؤاخذة عن كلّ فريق بخصوصه. والضعفاء: جمع ضعيف وهو الذي به الضعف وهو وهن القوة البدنية من غير مرض. والمرضَى: جمع مريض وهو الذي به مرض. والمرض تغيّر النظام المعتاد بالبدن بسبب اختلال يطرأ في بعض أجزاء المزاج، ومن المرض المزمنُ كالعمى والزمانة وتقدم في قوله: {أية : وإن كنتم مرضى أو على سفر} تفسير : في سورة النساء (43). والحرج: الضِيق ويراد به ضيق التكليف، أي النهي. والنصح: العمل النافع للمنصوح وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم} تفسير : في سورة الأعراف (79) وتقدّم وجه تعديته باللام وأطلق هنا على الإيمان والسعي في مرضاة الله ورسوله والامتثال والسعي لما ينفع المسلمين، فإنّ ذلك يشبه فعل الموالي الناصح لمنصوحه. وجملة: {ما على المحسنين من سبيل} واقعة موقع التعليل لنفي الحرج عنهم وهذه الجملة نُظِمت نَظْم الأمثال. فقوله: {ما على المحسنين من سبيل} دليل على علّة محذوفة. والمعنى ليس على الضعفاء ولا على من عُطف عليهم حرج إذا نصحوا لله ورسوله لأنّهم محسنون غير مسيئين وما على المحسنين من سبيل، أي مؤاخذة أو معاقبة والمحسنون الذين فَعلوا الإحسان وهو ما فيه النفع التامّ. والسبيل: أصله الطريق ويطلق على وسائل وأسباب المؤاخذة باللوم والعقاب لأنّ تلك الوسائل تشبه الطريق الذي يصل منه طالب الحقّ إلى مكان المحقوق، ولمراعاة هذا الإطلاق جُعل حرف الاستعلاء في الخبر عن السبيل دون حرف الغاية. ونظيره قوله تعالى: {أية : فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً}تفسير : [النساء: 34] وقوله: {أية : فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً}تفسير : كلاهما في سورة النساء (90). فدخل في المحسنين هؤلاء الذين نصحوا لله ورسوله. وليس ذلك من وضع المظهر موضع المضمر لأنّ هذا مرمَى آخر هو أسمى وأبعد غاية. و{مِنْ} مؤكّدة لشمول النفي لكلّ سبيل. وجملة {والله غفور رحيم} تذييل والواو اعتراضية، أي شديد المغفرة ومن مغفرته أن لم يؤاخذ أهل الأعذار بالقعود عن الجهاد. شديد الرحمة بالناس ومن رحمته أن لم يكلّف أهل الأعذار ما يَشق عليهم.
الواحدي
تفسير : {ليس على الضعفاء} يعني: الزَّمنى والمشايخ والعجزى {ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} أخلصوا أعمالهم من الغِشِّ لهما {ما على المحسنين من سبيل} من طريق بالعقابِ، لأنَّه قد سُدَّ طريقه بإحسانه {والله غفور رحيمٌ} لمَنْ كان على هذه الخصال. {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} نزلت في سبعة نفرٍ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملهم على الدَّوابِّ، فقال: {لا أجد ما أحملكم عليه} فانصرفوا باكين شوقاً إلى الجهاد، وحزناً لضيق ذات اليد.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: على الضعفاء: أي كالشيوخ. ولا على المرضى: كالعمى والزَمْنَى. حرج: أي إثم على التخلف. إذا نصحوا لله ورسوله: أي لا حرج عليهم في التخلف إذا نصحوا لله ورسوله وذلك بطاعتهم لله ورسوله مع تركهم الإِرجاف والتثبيط. ما على المحسنين من سبيل: أي من طريق إلى مؤاخذتهم. لتحملهم: أي على رواحل يركبونها. تولوا: أي رجعوا إلى بيوتهم. تفيض من الدمع: أي تسيل بالدموع الغزيرة حزناً على عدم الخروج. معنى الآيتين: لما ندد تعالى بالمتخلفين وتوعد بالعذاب الأليم الذين لم يعتذروا منهم ذكر في هذه الآيات أنه لا حرج على أصحاب الأعزار وهم الضعفاء، كالشيوخ والمرضى والعميان وذوو العرج والفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون ولكن بشرط نصحهم لله ورسوله فقال عز وجل {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ} أي إثم {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} ومعنى النصح لله ورسوله طاعتهما في الأمر والنهي وترك الإِرجاف والتثبيط والدعاية المضادة لله ورسوله والمؤمنين والجهاد في سبيل الله وقوله تعالى {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} أي ليس على من أحسنوا في تخلفهم لأنه أولاً بعذر شرعي وثانياً هم مطيعون لله ورسوله وثالثاً قلوبهم ووجوههم مع الله ورسوله وإن تخلفوا بأجسادهم للعذر فهؤلاء ما عليهم من طريق إلى انتقاصهم أو أذيتهم بحال من الأحوال، كما ليس من سبيل {عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} إلى الجهاد معك في سيرك {قُلْتَ} معتذراً إليهم {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} أي رجعوا إلى منازلهم وهم يبكون والدموع تفيض من أعينهم حزناً {أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} في سيرهم معكم وهم نفر منهم العرباص بن سارية وبنو مقرن وهم بطن من مزينة. رضي الله تعالى عنهم أجمعين. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- لا حرج على أصحاب الأعذار الذين ذكر الله تعالى في قوله {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ} تفسير : [النور: 61] وفي هذه الآية {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} حرج وبشرط طاعة الله والرسول فيما يستطيعون والنصح لله والرسول بالقول والعمل وترك التثبيط والتخذيل والإِرجاف من الإِشاعات المضادة للإِسلام والمسلمين. 2- مظاهر الكمال المحمدي في تواضعه ورحمته وبره وإحسانه إلى المؤمنين. 3- بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار من الإِيمان واليقين والسمع والطاعة والمحبة والولاء ورقة القلوب وصفاء الأرواح. اللهم إنا نحبهم بحبك فأحببنا كما أحببتهم واجمعنا معهم في دار كرامتك.
د. أسعد حومد
تفسير : (91) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الأَعْذَارَ التِي لاَ حَرَجَ عَلَى مَنْ قَعَدَ مَعَهَا عَنِ الْجِهَادِ، فَذَكَرَ مِنْهَا مَا هُوَ مُلاَزِمٌ لِبُنْيَةِ الإِنْسَانِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، كَالضّعْفِ فِي الْبُنْيَةِ الْجَسَدِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ عَارِضٌ، كَالْمَرَضِ الَّذِي يَمْنَعُهُ مِنَ الخُرُوجِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ كَالفَقْرِ الَّذِي لاَ يُمَكِّنُهُ مِنَ التَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ، وَاقْتِنَاءِ السِّلاَحِ وَالْعُدَّةِ، وَالإِنْفَاقِ عَلَى النَّفْسِ وَالْعِيَالِ خِلاَلَ مُدَّةِ الجِهَادِ. وَيَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ هَؤُلاَءِ لاَ حَرَجَ عَلَيْهِمْ إِذَا قَعَدُوا وَنَصَحُوا للهِ، وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فِي حَالِ قُعُودِهِمْ، وَلَمْ يُرْجِفُوا بِالنَّاسِ، وَلَمْ يَبُثُّوا الشَّائِعَاتِ المُثبِّطَةِ لِلْهِمَمِ، فَإِذا الْتَزَمُوا بِذَلِكَ كَانُوا مِنَ المُحْسِنِينَ، وَاللهُ رَحِيمٌ بِمَنْ يَقْعُدُ وَهُوَ صَاحِبُ عُذْرٍ مَشْرُوعٍ. حَرَجٌ - ذَنْبٌ أَوْ إِثْمٌ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن نعلم أن الضعيف هو من لا يقدر على العمل، لا بسبب المرض، بل لكبر سنه، أو هو صغير السن لا يقدر على الحرب، وكذلك يعفي الحق المرضى من القتال؛ وهم من أصيبوا بعاهة طارئة تجعلهم غير قادرين على القتال. وكذلك أعفى الله الذين لا يجدون ما ينفقون؛ لأنهم من شدة فقرهم لا يستطيعون شراء دابة تحملهم أو معدات قتال يقاتلون بها. والنفقة - كما نعلم - هي أن تقدر أن تعول نفسك في الذهاب والإقامة مدة الحرب والعودة. وكان على كل مجاهد أن يُعِدَّ مطلوبات الحرب. فالله سبحانه قد رفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقونه، وجعل لهم وظيفة أخرى تخدم الجهاد، فقال سبحانه وتعالى: {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: ينصحون ويشجعون أولئك القادرين على الجهاد؛ ليُحَمِّسوهم على القتال، ثم يكونون في عون أهل المجاهدين، ويواجهون الإشاعات والأكاذيب التي يطلقها المنافقون في المدينة؛ للنيل من الروح المعنوية للمسلمين فيردون عليها ليُخْرِسوا ألسنة السوء. ثم يقول الحق: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والسبيل: هو الطريق، ومعناها: ما عليهم من إثم أو لوم أو توبيخ أو تعنيف. وكل هذا لا يجد سبيلاً على المحسنين، ولم يقل الحق: "مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ"؛ لأن السبيل يمر عليهم ولا ينتهي إليهم بلوم؛ لأن هناك فارقاً بين أن يمر عليهم وأن ينتهي إليهم، فالمرور أمر عادي، وليس هو الغاية؛ لذلك يوضح الحق أنه لا يوجد سبيل إليهم ولا إلى عتابهم؛ لأنهم أدوا كل ما تطلّبه الجهاد منهم، ولكنهم لم يذهبوا إلى ميدان القتال؛ لأسباب خارجة عن إراداتهم، وفعلوا كل ما يتطلّبه الإيمان. أما إذا كان المجاهد لديه ما ينفقه، ولكنه لا يملك راحلة يركبها، فعليه أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب منه راحلة، فإذا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فهذا إذن بالقعود، وفي هذا يقول الحق سبحانه: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ} الفاقدين استطاعة الحرب، ولو كانوا أصحاء، كالنسوان والصبيان والشيوخ {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} الفاقدين الاستطاعة بعروض العوارض، كالعمى والعرج والزمانة وغيرها {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} للزاد والسلاح والمركب وغيرها {حَرَجٌ} أي: إثم ومعصية في قعودهم وتخلفهم {إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: أخلصوا في الإيمان والإطاعة بالله ورسوله بلا مرض في قلوبهم، ودعوا المجاهدين والغزاة خيراً، وأحسنوا مع أهل بيتهم وأطفالهم وفعلوا معهم خيراً إن استطاعوا {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ} القاعدين المعذورين مع الله ورسوله، والمؤمنين {مِن سَبِيلٍ} في المعاتبة والحرج، فضلاً عن العقاب الأخروي؛ إذ هم من جملتهم وزمرتهم {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائرهم {غَفُورٌ} لذنوبهم {رَّحِيمٌ} [التوبة: 91] يجازيهم على قعودهم هذا خيراً؛ لكونهم معذورين فيهز {وَلاَ} حرج ولا عقاب أيضاً {عَلَى} المؤمنين المخلصين {ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ} حين صمم عزمك إلى الخروج {لِتَحْمِلَهُمْ} على الخفاف المرفوعة، والنعال المخصوفة، كمعقل بن يسار وصخر بن خنساء وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن زيد وعبد الله بن مغفل، وهم البكاؤون، وعبد الله بن كعب الأنصاري وغيرهم، حتى يبلغوا مكان العدو {قُلْتَ} لهم: {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا} وانصرفوا من عند آيسين {وَّأَعْيُنُهُمْ} حين توليهم {تَفِيضُ} وتسيل {مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً} وأسفاً {أَلاَّ يَجِدُواْ} لئلا يجدوا {مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92] حتى يبلغوا المعركة ويحضروا الوغى، فهؤلاء أيضاً لا عتاب لهم ولا عقاب، بل يرجى لهم الأجر الجزيل من الله؛ لإخلاصهم وأسفهم. {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} بالمعاتبة والمعاقبة، وأنواع العذاب {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} بالقعود معتذرين {وَ} الحال أنه {هُمْ أَغْنِيَآءُ} مستطيعون قادرون بالجسد والمال، غاية ما في الباب أنهم {رَضُواْ} من خبث باطنهم ومرض قلوبهم {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} المعذورين الغير االمستطيعين {وَ} ما ذلك إلا أن {طَبَعَ ٱللَّهُ} المذل والمضل لأهل الغفلة والعناد {عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} بالجهل والضلال {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 93] جهلهم وضلالهم حتى يتسببوا لإنزاحتها وإزالتها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):