٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
92
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} عطف على {ٱلضُّعَفَاء} أو على {ٱلْمُحْسِنِينَ}، وهم البكاؤون سبعة من الأنصار: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية ابن زيد، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك، فقال عليه السلام: «حديث : لا أجد ما أحملكم عليه»تفسير : فتولوا وهم يبكون. وقيل هم بنو مقرن معقل وسويد والنعمان. وقيل أبو موسى وأصحابه. {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} حال من الكاف في {أَتَوْكَ} بإضمار قد. {تَوَلَّوْاْ} جواب إذا. {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ} تسيل. {مِنَ ٱلدَّمْعِ} أي دمعاً فإن من للبيان وهي مع المجرور في محل النصب على التمييز وهو أبلغ من يفيض دمعها، لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً. {حَزَناً} نصب على العلة أو الحال أو المصدر لفعل دل عليه ما قبله. {أَلاَّ يَجِدُواْ} لئلا يجدوا متعلق بـ {حَزَناً} أو بـ {تَفِيضُ}. {مَا يُنْفِقُونَ} في مغزاهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } معك إلى الغزو وهم سبعة من الأنصار، وقيل بنو مُقَرِّن {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } حال {تَوَلَّوْاْ } جواب «إذا» أي انصرفوا {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ } تسيل {مِنْ } للبيان {ٱلدَّمْعِ حَزَناً } لأجل {أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ } في الجهاد.
ابن عبد السلام
تفسير : {لآ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} زاداً لأنهم طلبوه، أو نعالاً لأنهم طلبوها، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة: " حديث : أكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكباً ما كان منتعلاً " تفسير : ، نزلت في العِرْباض بن سارية، أو عبد الله بن الأزرق، أو في بني مقرن من مزينة، أو في سبعة من قبائل شتى، أو في أبي موسى وأصحابه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم وادياً، ولا نلتم من عدوّ نيلاً، إلا وقد شركوكم في الأجر، ثم قرأ {ولا على الذين إذا ما أتوك...} الآية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن معقل المزني، فقالوا: يا رسول الله احملنا؟ فقال "والله ما أجد ما أحملكم عليه. فتولوا ولهم بكاء وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملاً. فأنزل الله عذرهم {ولا على الذين إذا ما أتوك...} الآية" . تفسير : وأخرج ابن سعد ويعقوب بن سفيان في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن معقل قال: إني لمن الرهط الذين ذكر الله {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} الآية. وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال: حديث : جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال "لا أجد ما أحملكم عليه، فأنزل الله {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية. قال: وهم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني واقن حرميّ بن عمرو، ومن بني مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى، ومن بني المعلي سلمان بن صخر، ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة، وعبد الله بن عمرو المزني" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن حارثة قال: الذين استحملوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه سبعة نفر. علية بن زيد الحارثي، وعمر بن غنم الساعدي، وعمرو بن هرمي الرافعي، وأبو ليلى المزني، وسالم بن عمرو العمري، وسلمة بن صخر الزرقي، وعبد الله بن عمرو المزني. وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله {ولا على الذين إذا ما أتوك...} الآية. قال: منهم سالم بن عمير أحد بني عمرو بن عوف. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قال: أتينا العرباض بن سارية، وكان من الذين أنزل الله فيهم {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} قال: هم بنو مقرن من مزينة، وهم سبعة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: والله إني أحد النفر الذين أنزل الله فيهم {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الزهري ويزيد بن يسار وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم "حديث : أن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم. من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، ومن بني حارثة عتبة بن زيد، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، ومن بني سلمة عمرو بن عمرو بن جهام بن الجموح، ومن بني واقف هرمي بن عمرو، ومن بني مزينة عبد الله بن معقل، ومن بني فزارة عرباض بن سارية، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة؟ قال: لا أجد ما أحملكم عليه ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال: كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله {إذا ما أتوك لتحملهم...} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وبكر بن عبد الله المزني في هذه الآية {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} قالا: نزلت في عبد الله بن معقل من مزينة، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليحمله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة. أن أبا شريح الكعبي كان من الذين قال الله {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} . وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله {لا أجد ما أحملكم عليه} قال: الماء والزاد. وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان. فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم في قوله {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} قال: ما سألوه الدواب، ما سألوه إلا النعال. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: استحملوه النعال.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [الآية: 92]. قال النصر آباذى: تحملهم على الاقبال علينا والثقة بنا والرجوع إلينا. وقال أيضًا: تحملهم أى: تحمل عنهم أثقال المخالفات.
القشيري
تفسير : منَعَهم الفقرُ عن الحَرَاك فالتمسوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يحملهم معه ويهيئ أسبابَهم، ولم يكن في الحال للرسول عليه السلام سَعَةٌ ليوافقَ سُؤْلَهم، وفي حالة ضيق صدره - صلى الله عليه وسلم - حَلَفَ إنه لا يَحْمِلُهم، ثم رآهم صلى الله عليه وسلم يتأهبون للخروج، وقالوا في ذلك، فقال عليه السلام: "حديث : إنما يحملكم الله ". تفسير : فلمَّا رَدَّهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الإجابة في أن يحملهم رجعوا عنه بوصف الخيبة كما قال تعالى: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} كما قال قائلهم: شعر : قال لي مَنْ أُحِبُّ والبيْن قد حَلَّ ودمعي مرافِقٌ لشهيقي ما تُرى في الطريق تصنع بعدي؟ قلتُ: أبكي عليك طول الطريق تفسير : قوله: {حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} شقَّ عليهم أنْ يكونَ على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسببهم شُغْلٌ فَتَمَنَّوْا أن لو أُزِيجَ هذا الشغلُ، لا ميلاً إلى الدنيا ولكن لئلا تعودَ إِلى قلبه - عليه السلام - مِنْ قِبَلِهم كراهةً، ولهذا قيل: شعر : مَنْ عَفَّ خَفَّ على الصديقِ لِقاؤه وأخو الحوائجِ مُمْجِجُ مَمْلولُ تفسير : ثم إنَّ الحقَّ - سبحانه - لمَّا عَلِمَ ذلك منهم، وتمحضت قلوبُهم للتعلُّق بالله، وخَلَتْ عقائدُهم عن مُساكنةِ مخلوقِ تَدَارَكَ اللهُ أحوالَهم؛ فأمر اللهُ رسوله عليه السلام أَنْ يَحْمِلَهم.. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه، فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ}تفسير : [الشورى: 28].
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} عطف على المحسنين اى ليس شيء ثابتا على المحسنين ولا على الذين اذا ما اتوك [جون بيامدند بسوى تو ودرخواست كردند {لتحملهم} تاايشانرا دستورى دهى وياخود بحرب برى] وهم البكاؤن حديث : سبعة من الانصار معقل بن يسار وصخر بن الخنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عميرة وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعليه بن زيد اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة فنغزو معك فقال عليه السلام "لا اجد" فتولوا وهم يبكونتفسير : وقيل هم بنوا مقرن كمحدث وكانوا سبعة اخوة كلهم صحبوا النبى عليه السلام وليس فى الصحابة سبعة اخوة غيرهم كذا فى تفسير القرطبى {قلت لا اجد ما احملكم عليه} حال من الكاف فى اتوك باضمار قد اى اذا ما اتوك قائلا لا اجد وما عامة لما سالوه عليه السلام وغيره مما يحمل عليه عادة من النفقة والظهر وفى ايثار لا اجد على ليس عندى من تلطيف الكلام وتطييب قلوب السائلين ما لا يخفى كانه عليه السلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده {تولوا} جواب اذا [كشتند از بيش تو] {وأعينهم تفيض من الدمع} اى تسيل بشدة {من الدمع} [از اشك يعنى اشك از ديدهاى ايشان ميريخت] واسناد الفيض الى العين مجازى كسال الميزاب والاصل يفيض دمعها عدل الى هذه الصور للدلالة على المبالغة فى فيضان الدمع كان العين كلها دمع فياض {حزنا} نصب على العلية والعامل تفيض لا يقال فاعل الفيض مغاير لفاعل الحزن فكيف نصب لانا نقول ان الحزن يجوز اسناده الى العين مجازا فيقال عين حزينة وعين مسرورة {أن لا يجدوا} ان مصدرية بتقدير لام متعلقة بحزنا اى لئلا يجدوا {ما ينفقون} فى شراء ما يحتاجون اليه اذ لم يجدوه عندك. قال الكاشفى [عمر وعباس وعثمان رضى الله عنهم ايشانرا زاد وتوشه ومركب داده همراه بردند بس حق تعالى ميفرمايدكه بدين نوع مردم اكر تخلف كنند حرجى وعنابى نيست
الطوسي
تفسير : هذه الاية عطف على الاولى والتقدير ليس على الذين جاءوك - وسألوك حملهم حيث لم يكن لهم حملان، فقلت لهم يا محمد {لا أجد ما أحملكم عليه} اي ليس لي حملان فحينئذ {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} يبكون {حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون} في هذا الطريق ويتابعونك - حرج وأثم ولا ضيق وإنما حذف لدلالة الكلام عليه. والحمل إعطاء المركوب من فرس أو بعير أو غير ذلك تقول حمله يحمله حملا إذا أعطاه ما يحمل عليه. وحمل على ظهره حملا، وحمله الأمر تحميلا وتحمل تحملا، واحتمله احتمالا، وتحامل تحاملا. واللام في قوله {لتحملهم} لام الغرض، والمعنى جاؤك وأرادوا منك حملهم وتقول: وجدت في المال وجداً وجدة، ووجدت الضالة وجداناً ووجدت عليه - من الموجدة - وجداً. والفيض الجري عن امتلاء من حزن قلوبهم، والحزن ألم في القلب لفوت أمر مأخوذ من حزن الأرض وهي الغليظة المسلك. وقال مجاهد: نزلت هذه الاية في نفر من مزينة، وقال محمد بن كعب القرطي وابن اسحاق: نزلت في سبعة نفر من قبائل شتى. وقال الحسن: نزلت في ابي موسى واصحابه. وقال الواقدي: البكاؤن سبعة من فقراء الأنصار، فلما بكوا حمل عثمان منهم رجلين، والعباس بن عبد المطلب رجلين، ويامين بن كعب بن نسيل النصري من بني النضير ثلاثة، ومن جملة البكائين عبد الله بن معقل. وقال الواقدي: كان الناس بتبوك ثلاثين الفاً، وعشرة آلاف فارس.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} حيث يجدون ما ينفقون ويقوون فى ابدانهم لكن لا طاقة لهم بالّذهاب معك راجلين ولا قدرة لهم على الحمولة ويسئلونك الحمولة {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} الدّمع واقع موقع التّميز والتّميز قد يجرّ بمن وقد ينصب، او فى الكلام قلب والاصل والدّمع يفيض من اعينهم قلب للمبالغة فى كثرة الدّمع، او من للتّعليل والمعنى على المبالغة كأنّ اعينهم من كثرة الدّمع تذاب وتفيض.
الهواري
تفسير : { إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} يعني المنافقين { رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ} أي مع النساء { وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. قوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} من غزاتكم، وهي غزوة تبوك. { قُل لاَّ تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي لن نصدقكم { قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} يعني ما أنزل فيهم { وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} الغيب: السر، والشهادة: العلانية { فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: في الدنيا. قوله: { سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} من غزاتكم { لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} لا تقتلوهم ما أظهروا لكم الإِيمان واعتذروا { إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي يعملون. { يَحْلِفُونَ لَكُمْ} أي: بالكذب والعلل { لِتَرْضَوْاعَنْهُمْ} أي بما أظهروا لكم من الإِيمان والاعتذار. { فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ} بما أظهروا لكم من الإِيمان {فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفَاسِقِينَ}. أي لا يرضى عنهم بالفسق والنفاق الذي بطن منهم، ولم تطلعوا عليه أنتم منهم. قوله: { الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} يعني المنافقين من الأعراب. أي: هم أشد نفاقاً من نفاق أهل المدينة، وأشد كفراً من كفرهم. { وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} أي: أقل علماً بالسنن، وأجفى في الدين. { وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ} عطف على قوله على الضعفاءِ كأَنه قيل: وليس على الذين، وقد انسحب عليهم قوله حرج نفياً لأَنه وما بعد فى نية التقديم على حرج آخر لطول الكلام فيه، وهذا أَولى من تقدير حرج بعد قوله أَلا يجدوا ما ينفقون أَو قبله، هكذا، أَى ولا حرج على الذين، ومن عطفه على المحسنين لأَن المقام سيق للعذر لا للكلام على المحسنين {إِذا مَا} صلة للتأْكيد {أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} معك إِلى الغزو على ما تيسر من الدواب وهم السبعة البكاؤون؛ معقل بن يسار، وصخراءُ بن خنساءَ، وعبدالله بن كعب الأَنصارى، وسالم بن عمير، وثعلبة بن عتمة، وعبدالله بن مغفل المزنى، وعلبة بن زيد الأَنصارى ـ بضم العين المهملة وإِسكان اللام ـ أَخو بنى حارثة، وقيل معقل وسويد والنعمان أَولاد مقرن وهو قول مجاهد، ولمقرن أَولاد أَربعة غير هؤلاء، وقيل سالم بن عمير من بنى عمرو بن عوف وعلبة بن زيد وأَبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أَخو بنى مازن بن النجار، وعمرو بن الجموح أَخو بنى سلمة، وعبدالله بن مغفل المزنى وجرمى ابن عبدالله أَخو بنى واقف وعرباض بن سارية الفزارى، وذكر بعض عبدالرحمن بن زيد من بنى حارثة وهو الذى تصدق بعرضه فقبل الله تعالى منه، وينسب هذا التصدق لأَبى ضمضم وقيل أَبو موسى وأَصحابه، وهو قول الحسن {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} من الدواب ومطلوبهم الدواب ذوات الحافر أَو الإِبل، وقيل: سألوه النعال كما قالوا لمن أَدركهم وسأَلهم من جهينة عما طلبوا فقالوا: ما سأَلنا إِلا الحمل على النعال المخصوفة والخفاف المرفوعة، ولم يجد فلم يغزوا معه، وقيل أَعانهم المسلمون فخرجوا، وقيل إِن ابن يامين ابن عمير بن كعب لقى أَبا ليلى وابن معقل يبكيان لذلك فأَعطاهما ناضحاً وزودهما بتمر فخرجا، والجملة بدل اشتمال من قوله أتوك لتحملهم فإِن قوله قلت لا أجد ما أحملكم عليه من ملايمات إِتيانهم ليحملهم لا حال من كاف أَتوك، لأَن قوله لا أَجد ما أَحملكم عليه متأَخر عن إِتيانهم، اللهمَّ إِلا أَن يقال حال مقدرة لأَنه لمجرد إِتيانهم للحمل يقدر أَن لا يحملهم لعدم ما يحملهم، وقد عرف أَنهم أَتوا للحمل، أَو يعرف بأَول كلامهم والإِتيان غير قار، فلا يقال إِن زمان الإِتيان واسع، فيصح أَنها حال مقدرة لا يجوز هذا، وأَيضا فى جعلها حالا إِضمار قد على المشهور، ويجوز أَن يكون جواب إِذا فيكون قوله {تَوَلَّوْا} جواب سؤال مقدر، والأَولى أَنه جواب إِذا، وقلت بدل كما مر، ويجوز أَن يكون قلت لا أَجد إِلخ مقدرة من هاء تحملهم، لأَنهم يحضر فى قلوبهم أَنه لا يحملهم لقلة الإِبل والدواب الحاملة، وزعم السمين تلميذ أَبى حيان أَنه يجوز عطفه بواو محذوف أَى أَتوك وقلت {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} الواو للحال ومن بمعنى الباءِ، أَى تفيض بالدمع أَى يحصل الفيض منها بالدمع، والدمع من العين، أَو مصدر، وأما أَن يجعل الجار والمجرور فى محل التمييز وهو قول الكوفيين فلا يجوز. وفى الآية إِسناد الفيض للأَعين مبالغة فى كثرة دموعها وامتلائِها بالدموع حتى كَأَنها نفس الدموع السائلة، والتجوز فى المسند لأَن الفيض بمعنى الامتلاءِ الذى هو سبب الفيض أَو الفيض حقيقة والتجوز فى إِسناده إِلى العين من الإِسناد إِلى المحل، وأَجاز الكوفيون زيادة من فى الإِثبات والتعريف فيجوز عندهم كون الدمع تمييزا {حَزَناً} مفعول من أَجله مع اختلاف الفاعل لأَن فاعل الفيض العيون وفاعل الحزن أَصحابها ولكن اتحد معه لأَن المعنى يبكون حزناً أَو يفيضون الدموع حزناً، ويجوز جعله حالا تقديره بذوى حزن أَو حزنين أَو المبالغة بأَنهم نفس الحزن، وأَجيز كونه مفعولا مطلقاً ليحزنون محذوفاً مؤكدا لغيره وهو الجملة قبله، وجملة يحزنون حال من ضمير تولوا {أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} تعليل لحزنا أَى لأَجل أَنهم لا يجدون، أَو يقدر الباءُ أَى حزنا بأَن لا يجدوا أَو يتعلق بتفيض، أَو تعليل للفعل قبله وعامله أَى فيضا حزنا هو لأَجل أَن لا يجدوا، وإِنما الممنوع تعدد المفعول له بلا تبعية إِذا كان تعليلا له وللأَول لا إِذا كان تعليلا له ولعامله والمضارع للاستقبال كما لا يخفى؛ لأَنهم ظنوا أَنه لا يجدوا بعد رد النبى لهم. وفى الآية إِخبار بالغيب أَنهم سيأْتونك يطلبون الحمل وتقول لا أَجد ويتولون حزنين لذلك، وليست الآية على التجدد لأَنه لم يرد تجدد مجيئهم وردهم إِلا اَن يراد مجىءٌ عدد بعد عدد.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} عطف على {أية : ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [التوبة: 91] كما يؤذن به / قوله تعالى الآتي إن شاء الله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ } تفسير : [التوبة: 93] الخ، وهو من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنهم وجعلهم كانهم لتميزهم جنس آخر. وقيل: عطف على {أية : ٱلضُّعَفَآءِ} تفسير : [التوبة: 91] وهم ـ كما قال ابن إسحق وغيره ـ البكاءون وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير وعُلْبة بن زيد أخو بني حارث، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن معقل المزني. وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحملوه وكانوا أهل حاجة فقال لهم عليه الصلاة والسلام ما قصه الله تعالى بقوله سبحانه: {قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فتولوا وهم يبكون كما أخبر سبحانه، والظاهر أنه لم يخرج منهم أحد للغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن قال ابن إسحٰق: بلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وابن معقل وهم يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحاً له فارتحلا وزودهما شيئاً من تمر فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات أن الباقين أعينوا على الخروج فخرجوا. وعن مجاهد أنهم بنو مقرن: معقل وسويد والنعمان، وقيل: هم أبو موسى الأشعري وأصحابه من أهل اليمن وقيل وقيل: وظاهر الآية يقتضي أنهم طلبوا ما يركبون من الدواب وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال، ومثل هذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه أنه قال: ما سألوه الدواب ما سألوه إلا النعال، وجاء في بعض الروايات أنهم قالوا: احملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، ومن مال إلى الظاهر المؤيد بما روي عن الحبر قال: تجوز بالخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة عن ذي الخف والحافر فكأنهم قالوا: احملنا على ما يتيسر أو المراد احملنا ولو على نعالنا وأخفافنا مبالغة في القناعة ومحبة للذهاب معه عليه الصلاة والسلام. وأنت تعلم أن ظاهر الخبرين السابقين يبعد ذلك على أنه في نفسه خلاف الظاهر، نعم الأخبار المخالفة لظاهر الآية لا يخفى ما فيها على من له اطلاع على مصطلح الحديث، ومغايرة هذا الصنف بناءاً على ما يقتضيه الظاهر من أنهم واجدون لما عدا المركب للذين لا يجدون ما ينفقون إذا كان المراد بهم الفقراء الفاقدين للزاد والمركب وغيره ظاهرة وبينهما عموم وخصوص إذا أريد بمن لا يجد النفقة من عدم شيئاً لا يطيق السفر لفقده وإلى الأول ذهب الإمام واختاره كثير من المحققين، واختلف في جواب {إِذَا} فاختار بعض المحققين أنه {قُلْتَ} الخ فيكون قوله سبحانه: {تَوَلَّوْاْ} الخ مستأنفاً استئنافاً بيانياً، وقيل: هو الجواب و {قُلْتَ} مستأنف أو على حذفل حرف العطف أي وقلت أو فقلت وهو معطوف على {أَتَوْكَ} أو في موضع الحال من الكاف في {أَتَوْكَ} ـ وقد ـ مضمرة كما في {أية : جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } تفسير : [النساء: 90] وزمان الإتيان يعتبر واسعاً كيومه وشهره فيكون مع التولي في زمان واحد ويكفي تسببه له وإن اختلف زمانهما كما ذكره الرضي في قولك: إذا جئتني اليوم أكرمتك غداً أي كان مجيئك سبباً لإكرامك غداً؛ وفي إيثار {لا أَجِدُ} على ليس عندي من تلطيف الكلام وتطييب قلوب السائلين ما لا يخفى / كأنه عليه الصلاة والسلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده وذلك هو اللائق بمن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} في موضع الحال من ضمير {تَوَلَّواْ} والفيض انصباب عن امتلاء وهو هنا مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية، والدمع الماء المخصوص ويجوز إبقاء الفيض على حقيقته ويكون إسناده إلى العين مجازاً كجري النهر والدمع مصدر دمعت العين دمعاً و {مِنَ} للأجل والسبب، وقيل: إنها للبيان وهي مع المجرور في محل نصب على التمييز وهو محول عن الفاعل. وتعقبه أبو حيان بأن التمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جره بمن وأيضاً لا يجيز تعريف التمييز إلا الكوفيون. وأجيب عن الأول بأنه منقوض بنحو قوله: عز من قائل وعن الثاني بأنه كفى إجازة الكوفيين، وذكر القطب أن أصل الكلام أعينهم يفيض دمعها ثم أعينهم تفيض دمعاً وهو أبلغ لإسناد الفعل إلى غير الفاعل وجعله تمييزاً سلوكاً لطريق التبيين بعد الإبهام ولأن العين جعلت كأنها دمع فائض ثم {أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ} أبلغ مما قبله بواسطة ـ من ـ التجريدية فإنه جعل أعينهم فائضة ثم جرد الأعين الفائضة من الدمع باعتبار الفيض. وتعقب بأن {مِنَ} هنا للبيان لما قد أبهم مما قد يبين بمجرد التمييز لأن معنى تفيض العين يفيض شيء من أشياء العين كما أن معنى قولك: طاب زيد طاب شيء من أشياء زيد والتمييز رفع إبهام ذلك الشيء فكذا من الدمع فهو في محل نصب على التمييز وحديث التجريد لا ينبغي أن يصدر ممن له معرفة بأساليب الكلام وقد مر بعض الكلام في المائدة على هذه الجملة فتذكر. وقوله تعالى: {حَزَناً} نصب على العلية والحزن يستند إلى العين كالفيض فلا يقال: كيف ذاك وفاعل الفيض مغاير لفاعل الحزن ومع مغايرة الفاعل لا نصب، وقيل: جاز ذلك نظراً إلى المعنى إذ حاصله تولوا وهم يبكون حزناً وجوز نصبه على الحال من ضمير {تَفِيضُ} أي حزينة وعلى المصدرية لفعل دال عليه ما قبله أي لا تحزن حزناً والجملة حال أيضاً من الضمير المشار إليه وقد يكون تعلق ذلك على احتمالات بتولوا أي تولوا للحزن أو حزنين أو يحزنون حزناً. {أَلاَّ يَجِدُواْ} على حذف اللام وحذف الجار في مثل ذلك مطرد وهو متعلق بحزناً كيفما كان، وقيل: لا يجوز تعلقه به إذا كان نصباً على المصدرية لأن المصدر المؤكد لا يعمل ولعل من قال بالأول يمنع ذلك ويقول: يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره وجوز تعلقه بتفيض وقيل: وهذا إذا لم يكن {حَزَناً} علة له وإلا فلا يجوز لأنه لا يكون لفعل واحد مفعولان لأجله والإبدال خلاف الظاهر أي لئلا يجدوا {مَا يُنْفِقُونَ} في شراء ما يحتاجون إليه في الخروج معك إذا لم يجدوه عندك وهذا بحسب الظاهر يؤيد كون هذا الصنف مندرجاً تحت قوله سبحانه: {أية : وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } تفسير : [التوبة: 91].
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : الضعفاء} تفسير : [التوبة: 91] و {أية : المرضى} تفسير : [التوبة: 91] وإعادة حرف النفي بعد العاطف للنكتة المتقدّمة هنالك. والحَمل يطلق على إعطاء ما يُحمل عليه، أي إذا أتوك لتعطيهم الحُمولة، أي ما يركبونه ويحملون عليه سلاحهم ومُؤَنهم من الإبل. وجملة: {قلت لا أجد} إلخ إمّا حال من ضمير المخاطب في {أتوك} وإمّا بدل اشتمال من فعل {أتوك} لأن إتيانهم لأجل الحمل يشتمل على إجابة، وعلى منع. وجملة {تولوا} جواب {إذا} والمجموع صلة الذين. والتولّي الرجوع. وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ما ولاهم عن قبلتهم}تفسير : [البقرة: 142] وقوله: {أية : وإذا تولى سعى في الأرض}تفسير : في سورة البقرة (205). والفيض والفيضان: خروج الماء ونحوه من قراره ووعائه، ويسند إلى المائع حقيقة. وكثيراً ما يسند إلى وعاء المائع، فيقال: فاض الوادي، وفاض الإناء. ومنه فاضت العين دمعاً وهو أبلغ من فاض دمعها، لأنّ العين جعلت كأنّها كلّها دمع فائض، فقوله: {تفيض من الدمع} جرى على هذا الأسلوب. و{من} لبيان ما منه الفيض. والمجرور بها في معنى التمييز. وقد تقدّم في قوله تعالى: {أية : ترى أعينهم تفيض من الدمع} تفسير : في سورة المائدة (83). و{حَزَناً} نصب على المفعول لأجله، و{أن لا يجدوا ما يُنفقون} مجرور بلام جرّ محذوف أي حزنوا لأنهم لا يجدون ما ينفقون. والآية نزلت في نفر من الأنصار سبعة وقيل: فيهم من غير الأنصار واختلف أيضاً في أسمائهم بما لا حاجة إلى ذكره ولُقّبوا بالبكّائين لأنّهم بكَوا لمّا لم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الحُملان حزناً على حرمانهم من الجهاد. وقيل: نزلت في أبي موسى الأشعري ورهط من الأشعريين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يستحملونه فلم يجد لهم حمولة وصادفوا ساعة غضب من النبي صلى الله عليه وسلم فحلف أن لا يحملهم ثم جاءه نهب إبل فدعاهم وحملهم وقالوا: استغفلْنا رسولَ الله يمينَه لا نفلح أبداً، فرجعوا وأخبروه فقال: «حديث : ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم وإنّي والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلاّ كفَّرت عن يميني وفعلتُ الذي هو خير»تفسير : والظاهر أنّ هؤلاء غير المعنيين في هذه الآية لأنّ الأشعريين قد حملهم النبي ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وعن مجاهد أنّهم بنو مقرّن من مزينة، وهم الذين قيل: إنّه نزل فيهم قوله تعالى: {أية : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 99] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : (92) - جَاءَ سَبْعَةٌ مِنْ بَنِي مُقْرِنٍ مِنْ مُزِينَةَ إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَسَأَلُوهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى دَابَّةٍ لِيُجَاهِدُوا مَعَهُ، وَكَانُوا أهْلَ حَاجَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ: وَاللهِ مَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. فَتَوَلَّوا عَنْهُ يَبْكُونَ حُزْناً عَلَى أَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَهُ لِيَذْهَبُوا مَعَ الرَّسُولِ إِلَى الجِهَادِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:( "حديث : إِنَّ فِي المَدِينَةِ أَقْواماً مَا قَطَعْتُمْ وَادِياً، وَلا سِرْتُمْ سَيْراً إِلاَّ وَهُمْ مَعَكُمْ)، قَالُوا: وَهُمْ فِي المَدِينَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ"تفسير : ). (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمُ وَابْنُ مَاجَه). تَفِيضُ أَعْيُنُهُمْ - تَمْتَلِىءُ أَعْيُنُهُمْ بِالدَّمْعِ حَتَّى تَفِيضَ بِهِ.
الثعلبي
تفسير : قال قتادة نزلت في عايد بن عمرو وأصحابه، وقال الضحاك: في عبد الله بن زايد وهو ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر فقال: يا نبي الله إني شيخ ضرير البصر خفيف الحال نحيف الجسم وليس لي فائدة هل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} نزلت في البكائين وكانوا سبعة: معقل بن يسار وصخر بن خنساء وهو الذي واقع امرأته في رمضان فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفّر وعبد الله بن كعب الأنصاري وعلبة بن زيد الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن معقل أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إن الله عزّ وجلّ قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} فتولوا وهم يبكون فذلك قوله تعالى: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} قال مجاهد: نزلت هذه الآية (في عبد الله وعبد الرحمن وعقيل والنعمان وسويد وسنان) {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} الآية {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أن نصدّقكم {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} من المحسن والمسيء {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ} انصرفتم {إِلَيْهِمْ} عندهم {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} [لتصفحوا عن جرمهم ولا] تردونهم ولا تؤنبونهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} ودعوهم وما اختاروا لأنفسهم من الشأن والمعصية {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} نجس، قال عطاء: أن عملهم نجس {وَمَأْوَاهُمْ} في الآخرة {جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} قال ابن عباس: "حديث : نزلت في جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قدموا المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم ". تفسير : وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أُبي حَلَف النبي صلى الله عليه وسلم بالذي لا إله إلاّ هو أن لا يرضى عنهم بعدها، وليكون معه على عدوه وطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ * ٱلأَعْرَابُ} يعني أهل البدو {أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} من أهل الحضر {وَأَجْدَرُ} أحرى وأولى {أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} قال قتادة: هم أقل علماً بالسنن. وروى الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو مع أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند فقال الأعرابي: والله ما أدري إن حديثك ليعجبني وإنَّ يدك لترعبني فقال: أي يد من يدي إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} الآية {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} قال عطاء: لا يرجو على إعطائه ثواباً ولا يخاف على إمساكه لها إنما ينفق خوفاً رياءً {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} يعني صروف الزمان التي تأتي مرّة بالخير ومرّة بالشرّ. قال: أن متى ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} قرأ ابن كثير وابن محصن ومجاهد وأبو عمرو بضم السين ههنا وفي سورة الفتح، ومعناه الشر والضر والبلاء والمكروه، وقرأ الباقون على الفتح بالمصدر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم في هذه الآية {مِّنَ ٱلأَعْرَابُ} أسد وغطفان وتميم واعراب حاضري المدينة ثم استثنى فقال {وَمِنَ ٱلأَعْرَابُ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وقال الضحاك: يعني عبد الله ذا النجادين ورهطه. وقال الكلبي أسلم وغفار بنو جهينة {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ} جمع قرابة {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} يعني دعاءه واستغفاره {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ} الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم {وَٱلأَنْصَارِ} الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وأيّدوا أصحابه وقد كانوا آمنوا قبل أن يهاجروا إليهم بحولين {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} يعني الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة. وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين بالوفاء والترحّم والدعاء ويذكرون مجاورتهم ويسألون الله أن يجمع بينهم. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الواو وحذف الواو من الذين، قال له أُبيّ بن كعب: إنما هو والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وإنه قد كرّرها مراراً ثلاثة، فقال له: إني والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان، وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد، قال: حفظتم ونسينا وتفرغتم وشغلنا وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأُبيّ: أفيهم الأنصار؟ قال: نعم ولم يستأ من الخطاب ومن ثمّ قال عمر: قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي: بلى، تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ}تفسير : [الجمعة: 3] إلى آخره وقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ}تفسير : [الحشر: 10] إلى آخر الآية، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ}تفسير : [الأنفال: 75]، وقرأ الحسن وسلام ويعقوب: {وَٱلأَنْصَارِ} رفعاً عطفاً على السابقين ولم يجعلوهم منهم وجعلوا السبق للمهاجرين خاصة والمقاسة على الخبر نسقاً على المهاجرين. واختلف العلماء في السابقين الأولين من هم. فقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلّوا القبلتين جميعاً. وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدراً. وقال الشعبي: هم الذين شهدوا حجة الرضوان. واختلفوا أيضاً في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة بنت خويلد مع اتفاقهم أنها أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدّقته. فقال بعضهم: أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلّى معه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة الرأي وأبي حازم المدني. وقال الكلبي: أسلم علي وهو ابن تسع سنين، وقال مجاهد وابن إسحاق: أسلم وهو ابن عشر سنين. وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان نعمة الله على علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه) وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله للعباس وكانا من أيسر بني هاشم: "حديث : يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفيهما عنه ". تفسير : فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب [فقالا: إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب]: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً كرم الله وجهه فضمّه إليه وأخذ العباس جعفراً يضمّه إليه فلم يزل علي (رضي الله عنه) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيًّا فاتبعه علي (رضي الله عنه). فآمن به وصدقه ولم يزل جعفر مع العباس ذ حتى أسلم واستغنى عنه. وروى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف قال: كنت أمرءاً تاجراً فقدمت مكة أيام الحج فنزلت على العباس بن عبد المطلب وكان العباس لي صديقاً وكان يختلف إلى اليمن يشتري القطن فيبيعه أيام الموسم، فبينما أنا والعباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فلبث مستقبلها، حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب وركع الغلام والمرأة فخرّ الشاب ساجداً فسجدا معه فرفع فرفع الغلام والمرأة فقلت: يا عباس أمرٌ عظيم فقال: أمرٌ عظيم. فقلت: ويحك ما هذا؟ فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله تعالى بعثه رسولا وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذا الغلام ابن أخي علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد زوجة محمد قد تابعاه على دينه، ما على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء. قال عبد الله الكندي بعدما رسخ الإسلام في قلبه: ليتني كنت رابعاً. فيروي أن أبا طالب قال لعلي (رضي الله عنه): أي بني ما هذا الذي أنت عليه قال: آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء وصليت معه لله. فقال له: أما أن محمداً لا يدعو إلاّ إلى خير فالزمه. وروى عبد الله بن موسى عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عبّاد بن عبد الله قال: سمعت عليًّا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلاّ كذاب مفتر، صلّيت قبل الناس بسبع سنين. وقال بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر (رضي الله عنه) وهو قول إبراهيم النخعي وجماعة يدلّ عليه ما روى أبو أمامة الباهلي "حديث : عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بعكاظ، قلت: يا رسول الله من تبعك في هذا الأمر؟ قال صلى الله عليه وسلم: اتبعني رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال"تفسير : فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتي إذ ذاك ربع الإسلام. قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله البدخشي يقول سمعت أبا هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت غياث بن معاذ يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: عن إسماعيل بن خالد عن الشفهي قال: قال رجل لابن عباس: مَن أول الناس إسلاماً قال: أبو بكر (رضي الله عنه) أما سمعت قول حسان بن ثابت: شعر : إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبابكر بما فعلا خير البرية أزكاها وأعدلها بعد النبي وأوفاها بما حملا الثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدّق الرسلا تفسير : قال بعضهم: أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي جمع بين الأخبار فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة. قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلا مؤالفاً لقومه محباً سهلا وكان أنسب قريش لقريش، أعلم قريش بها وبما كان منها من خير أو شر، وكان رجلا (ناجياً) ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يهابونه ويأتونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه فيما بلغني عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الاسلام من المهاجرين. فأما سبّاق الأنصار فأهل بيعة العقبة الأولى فكانوا سبعة، والثانية كانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد الدار فعلّمهم القرآن، فهو أول من جمع الصلاة بالمدينة وكانت الأنصار تحبه فأسلم معه سعد بن معاذ وعمرو بن الجموح وبنو عبد الأشهل كلهم وخلقٌ من النساء الصبيان، "حديث : وكان مصعب بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد وكان وقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يوم أحد حيث انهزم الناس، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفذت المشاقص في جوفه، فاستشهد يومئذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عند الله أحتسبه ما رأيت قط أشرف منه لقد رأيته بمكة وإن عليه بردين ما يدري ما قيمتهما وإنّ شراك نعليه من ذهب، وإنّ عن يمينه غلامين وعن يساره غلامين بيد كل واحد منهما [جفنة] من [طعام] يأكل ويطعم الناس، فآثره الله بالشهادة ". تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا [أُهديت إليه طرفة حناها] لمصعب بن عمير فأنزل الله تعالى فيه: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ}تفسير : [النازعات: 40] الآية، وأُخذ أخوه يوم بدر أسيراً فقال: أنا أبو غدير بن عمير أخو مصعب فلم يشدد من الوثاق مع الأسرى وقالوا: هذا الطريق فاذهب حيث شئت، فقال: إني أخاف أن تقتلني قريش فذهبوا به إلى [...] فيمدّ يده بالخبز والتمر وكان يمدّ يده إلى التمر ويدع الخبز، والخبز عند أهل المدينة أعزّ من التمر، والتمر عند أهل مكة أعزّ من الخبز فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير وقالوا له: أخوك عندنا وأخبروه بما فعلوا به. فقال: ما هو لي بأخ ولا كرامة، فشدّوا وثاقه فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليًّا فأرسلت أمه في طلبه ثمّ أقبل يوم أحد فلما رأى أخاه مصعب بن عمير. قال في نفسه: والله لا يقتلك غيري فما زال حتى قتله وفيه أنزل الله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ * وَآثَرَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا * فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات: 37-39] ثمّ جمعهم في الثواب فقال {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} وقرأ أهل مكة: من تحتها الأنهار [وكذا هو في مصاحفهم] {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. قال الحسن بن الفضل: والفرق بينهما أن قوله {تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} معناه تجري من تحت الأشجار، وقوله: تجري من تحتها أي ينبع الماء من تحتها ثمّ تجري من تحت الأشجار. وروي في هذه الآية "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: أين السابقون؟ قال معاذ: قد مضى ناس فقال: السابقون المستهترون بذكر الله من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله تعالى"تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} نزلت في مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانت منازلهم حول المدينة {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} فيه اختصار وإضمار تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، أي مرّنوا وتربّوا عليه يُقال: تمرّد فلان على ربّه ومرد على معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ومنه: تمريد ومارد وفي المثل: تمرّد مارد وعزّ الإباق، وقال ابن إسحاق: لجّوا فيه وأبوا غيره، وقال ابن زيد وابان بن تغلب: أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون، وأنشد الشاعر: شعر : مرد القوم على حيهم أهل بغي وضلال وأشر تفسير : {لاَ تَعْلَمُهُمْ} أنت يا محمد {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} قال قتادة في هذه الآية: ما بال أقوام يتكلّفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري أخبرني أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبلك قال نبي الله نوح (عليه السلام): {أية : قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 112] وقال نبي الله شعيب (عليه السلام): {أية : وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}تفسير : [هود: 86] وقال الله لنبيه عليه السلام: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} واختلفوا في هذين العذابين وروي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: "حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: أخرج يا فلان فإنك منافق. اخرج يا فلان فإنك منافق". فأخرج من المسجد ناساً وفضحهم تفسير : فهذا العذاب الأول، والثاني عذاب القبر. وقال مجاهد: بالجوع وعذاب القبر، وعنه أيضاً: بالجوع والقتل وعنه بالجوع مرّتين، وعنه: بالخوف والقتل. وقال قتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر، وفيه قصة الأثني عشر في حديث حذيفة. وقال ابن زيد: المرّة الأولى المصائب في الأموال والأولاد، والمرة الأخرى في جهنم. وقال ابن عباس: إن المرة الأولى إقامة الحدود عليهم والثاني عذاب القبر. قال الحسن: إحدى المرتين أخذ الزكاة من أموالهم والأخرى عذاب القبر، فيقول تفسيره في سورة النحل {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ}. وقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم في الإسلام، ودخولهم من غير حسبة ثمّ عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ثمّ العذاب العظيم في الآخرة والخلد فيه. وفي بعض التفاسير: الاولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والأخرى عذاب القبر. وقيل: تفسيره في سورة النحل {أية : زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [النحل: 88]. وقال مقاتل بن حيان: الأول بالسيف يوم بدر والثاني عند الموت. معمر عن الزهري عن الحسن قال: عذاب النبي وعذاب الله. يعني بعذاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 61]. قال عطاء: الأمراض في الدنيا والآخرة فإن من مرض من المؤمنين كفّر الله سيّئاته ومحض ذنوبه فأبدله لحماً من لحمه ودماً كثيراً من دمه وأعقبه ثواباً عظيماً، ومن مرض من المنافقين زاده الله نفاقاً وإثماً وضعفاً كما قال في هذه السورة: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ} يريد أنهم يمرضون في كل عام مرة أو مرتين فيردّون إلى عذاب عظيم شديد فظيع. وقال الربيع: بلايا الدنيا وعذاب الآخرة ثم يردون الى عذاب عظيم عذاب جهنم. وقال إسماعيل بن زياد: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار، والثاني عند البعث يوكل بهم عتق من النار. وقال الضحاك: مرّة في القبر ومرّة في النار، وقيل: المرّة الاولى بإحراق مسجدهم مسجد ضرار والثانية بإحراقهم بنار جهنم، وقيل: مرّة بإنفاق أموالهم ومرّة بقتلهم بالسيف إن أظهروا مافي قلوبهم. {وَآخَرُونَ} يعني ومن أهل المدينة آخرون أو من الأعراب وليس براجع إلى المنافقين {ٱعْتَرَفُواْ} أقرّوا بك وبربّهم {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً} وهو إقرارهم وتوبتهم {وَآخَرَ سَيِّئاً} أي بعمل سيّء وضع الواو موضع الياء فكما يُقال: إستوى الماء والخبث أي بالخبث وخلطت الماء واللبن أي باللبن فالعمل السيء تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركهم الجهاد {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} وعسى ولعل من الله واجب وهما حرف ترجّ. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} نزلت هذه الآية في حديث : قوم كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا عليه وتذمموا، وقالوا: نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد والله لنوثقنّ أنفسنا بالقيود في أيدينا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا أو يعذبنا، وبقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بهم فرآهم فقال: مَن هؤلاء؟ قالوا: تخلّفوا عنك فعاهدوا الله ألاّ يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وتعذرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أقسم بالله لا أُطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين" فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم فلما أُطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك فتصدّق بها عنا وطهّرنا واستغفر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً" فأنزل الله عزّوجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية . تفسير : واختلفوا في أعداد هؤلاء الناس وأسمائهم فروى علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أبو (منية): منهم هلال وأبو لبابة وكردم ومرداس وأبو قيس، وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة منهم جد بن قيس وأبو لبابة وجدام وأوس، كلّهم من الانصار. وقال عطية عن ابن عباس: كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة، وقال آخرون: نزلت في أبي لبابة واختلفوا في ذنبه. فقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى رقبته، وقد مضت القصة في سورة الأنفال. فندم وتاب فأقرّ بذنبه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. قال الزهري: نزلت في تخلّفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية فقال:والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتّى خرّ مغشياً عليه فأنزل الله تعالى {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} الآية فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال: والله لا أحل نفسي منها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلّني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحلّهُ بيده، ثمّ قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أبرّ دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: "يجزيك يا أبا لبابة الثلث". قالوا جميعاً: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلث أموالهم وترك الاثنين لأن الله عزّ وجلّ قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ولم يقل: أموالِهم، فلذلك لم يأخذ كلها. وقال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلّفوا {تُطَهِّرُهُمْ} من ذنوبهم والقراءة بالرفع حالاً لاجواباً، أي خذ من أموالهم صدقة مطهرة ومزكّية كقول الحطيئة: شعر : متى تأته تعشو الى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقف تفسير : وقرأ مسلمة بن محارب: تطهرهم وتزكيهم بالجزم على الجواب، وقرأ الحسن: تطهرهم خفيفة من أطهر تطهير {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي تطهرهم، وقيل: تصلحهم، وقيل: ترفعهم من منازل المنافقين الى منازل المخلصين، وقيل: هي أموالهم. {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي استغفر لهم وادعُ لهم، وقيل: هو قول الوالي إذا أخذ الصدقة: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، والصلاة في اللغة الدعاء ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا دُعي أحدكم الى طعام فليجبه فإن كان مفطراً فليأكل وإن كان صائماً فليصلِ"تفسير : أي فليدع، وقال الأعشى: شعر : وقابلها الريح في دنّها وصلّي على دنّها وارتسم تفسير : أي دعا لها بالسلامة والبركة. وقال أيضاً: شعر : تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا تفسير : {إِنَّ صَلَٰوتَك} قرأ أهل الكوفة: صلاتك على الواحد هاهنا وفي سورة هود والمؤمنين بإضماره. أبو عبيد قال: لأن الصلاة هي من الصلوات، وروى ذلك عن ابن عباس، ألا تسمع الله يقول: {أَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} فهذه صلاة الأبد، والصلوات للجمع كقوله: صليت صلوات أربع وخمس صلوات، وقرأ الباقون كلها بالجمع واختاره أبو حاتم، قال: ومن زعم أنّ الصلوات من الصلاة لأن الجمع بالتاء قليل فقد غلط، لأن الله تعالى قال: {أية : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}تفسير : [لقمان: 27] {أية : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا}تفسير : [التحريم: 12]لم يرد القليل. {سَكَنٌ لَّهُمْ} قال ابن عباس: رحمة لهم، وقال قتادة: وقار لهم، وقال الكلبي: طمأنينة لهم إن الله قد قبل منهم، وقال معاذ: تزكية لهم منك، أبو عبيدة: تثبيت. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} شعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة: حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقاتهم قال: "اللهم صلّ عليهم"، فأتيته بصدقتي فقال: "اللهم صلّ على أبي أوفى" تفسير : قال ابن عباس: ليس هذا صدقة الفرض، إنما هو كصدقة كفارة اليمين، وقال عكرمة: هو صدقة الفرض. فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يذنبوا متخلّفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لايكلمون ولايجالسون فما لهم؟ فقال الله عزّ وجلّ: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الآية ومعنى أخذ الصدقات. قبولها. الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب قوته ولا يقبل الله [عمله] ولا يصعد الى السماء إلاّ طيّب إلاّ كان إنما يضعها في يدي الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أن [اللقمة] لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم".تفسير : ثم قرأ: {أنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}، وتصديق ذلك في كتاب الله المنزل {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ}تفسير : [البقرة: 276] إلى قوله {أية : إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 280]. وقال مجاهد: هذا وعيد لهم، وفي الخبر: لو أتى عَبَدَ الله في صخرة لا باب لها ولا كوّة لخرج عمله الى الناس كائناً ما كان.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إذن: فالمعفوْن من الجهاد هم: الضعيف والمريض، والذي لا يجد قوتاً، ولا يجد راحلة؛ فيطلبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له رسول الله: {لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} ومن في مثل هذه الحالة يحزن مرتين ولا يفرح؛ الحزن الأول: بسبب عجز المسلمين في ذلك الوقت أن يملكوا ما ينهض بنفقات المقاتلين أو أن يجهزوا لهم وسائل الانتقال إلى ميدان القتال، والحزن الثاني: بسبب عدم تواجده في ميدان القتال مشاركاً ومجاهداً، ولا يبقى له إلا مشاركة الاستطاعة بجهاد يختلف عن الجهاد في ميدان القتال. إنه جهاد حماية القاعدين من إشاعات المنافقين. ذلك أن المنافقين لن يسكتوا عن محاربة الإيمان، بل سيرجفون بنقل الأخبار الكاذبة إلى أهالي المقاتلين، وهم من نسميهم في الاصطلاح الحديث "الطابور الخامس"، وهم من يُثبِّطون همم ومعنويات أهالي المقاتلين. إذن: فمن قعد عن القتال بسبب عذر حقيقي فله جهاد آخر في حماية الجبهة الداخلية من أهالي المقاتلين في مواجهة حرب الإشاعات التي يقودها المنافقون. وهكذا نجد الجهاد فريضة من فرائض الإسلام، ومجاهدة غير المسلمين تكون لأمرين: الأمر الأول: حين يعارض غير المسلمين الدعوة إلى الإيمان، وأن يقفوا في سبيل الداعي ليسكتوه عن الدعوة إلى الله، والأمر الثاني: أن ينتشر المسلمون في الأرض ليُعْلوا كلمة الله، ليس إكراهاً عليها، فالدين لا إكراه فيه، والسيف الذي حُمل في الإسلام، لم يُحمل ليفرض ديناً، وإنما حُمل ليكفل حرية الاختيار للإنسان في أن يختار الدين الذي يريد اعتناقه بلا إكراه. وتحرير اختيار الإنسان؛ إنما ينشأ بإزاحة العقبات التي تفرض عليه ديناً آخر، ثم يستقبل الإنسان الأديان كلها، فيختار بحرية الدين الذي يرتضيه. إذن: فالإسلام لم يفرض بالسيف، وإلا فمن الذي فرض الإسلام على الذين سبقوا إليه حين كان ضعيفاً لا يملك أن يحمي من دخل فيه؟! وما دام الجهاد فريضة بهذا المعنى، فكل مسلم مكلف بأن يجاهد، إما فرض عين - إن غلب المؤمنون على أمر مكروه، وإما فرض كفاية - إن قام به البعض سقط عن الباقين. ولم يعذر الله من الجهاد إلا هذه الطوائف؛ الضعفاء بشيخوخة أو صغَر، والمرضى أصحاب الداءات، والذين لا يجدون ما ينفقون، وهم قسمان: قسم لا يجد ما ينفقه على نفسه، وقسم لا يجد ما ينفقه على الحرب، أي: لا يجد أدوات القتال أو الراحلة التي يركبها. ورفع الحق سبحانه الحرج عن هؤلاء، ووظَّفهم سبحانه في وظيفة إيمانية تخدم الجهاد بأن يكونوا في عون أهل المجاهدين، ويقمعوا المرجفين الذين يريدون النيل من الروح المعنوية للمسلمين، وأن يردوا عليها، ويخرسوا ألسنة السوء، هذا بالنسبة للذين لا يجدون ما ينفقونه على أنفسهم خلال الجهاد من طعام وسلاح وغير ذلك. أما الذي يجد ما ينفق، ولا يجد الوسيلة التي تنقله إلى ساحة القتال؛ فعليه أن يذهب إلى ولي الأمر ليسأله الراحلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قائد الجهاد في حياته، فإن قال لأحد: ليس عندي ما أنقلك عليه إلى مكان القتال. فهذا إذن بالقعود، لكنه إذن لا يكفي لرفع الحرج عنه، بل يجب أن يعلن بوجدانه انفعاله في حب الجهاد، وحزنه على أنه لم يكن مع الذين يجاهدون. ولذلك قال الحق: {تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ} وكلمة "تفيض أعينهم" توضح ما في قلب هؤلاء المؤمنين. والفيض دائماً للدموع، والدموع هي ماء حول العين؛ يهيجه الحزن فينزل، فإذا اشتد الحزن ونفد الدمع وجمدت العين عن البكاء؛ يؤخذ من سائل آخر فيقال: "بكيت دما". وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا شدة حزن المؤمنين على حرمانهم من الجهاد، فلم يقل سبحانه وتعالى: "فاضت دموعهم"، ولم يقل: "بكوا دماً بدل الدموع"، وإنما قال: {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ}، فكأن العين ليس فيها ماء، ولا دم، ولم يعد إلا أن تفيض العين على الخد، وذلك إظهار لشدة الحزن في القلب، وهذا المجاهد لا لوم عليه ولا ذنب؛ لأنه فعل ما في وسعه وما في طاقته وعبر عن ذلك بحرقة مواجيده على أنه لم يكن من أهل الجهاد. ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):