٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
93
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } قال في هذه الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } في أمر الغزو والجهاد، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم. قالوا: السبيل الذي نفاه عن المحسنين، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين، وهو الذي يختص بالجهاد، والمعنى: أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنونك في التخلف سبيل الله عليهم لازم، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه، ولا عذر لهم ألبتة في التخلف. فإن قيل: قوله: {رَضُواْ } ما موقعه؟ قلنا: كأنه استئناف، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء. فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد، هو أن الله طبع على قلوبهم، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا. ثم قال: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولاً. فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه، وجب عليه تركه. وقوله: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } علة لانتفاء التصديق، لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق، امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الأعذار. ثم قال: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حباً للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم، فقال تعالى: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء، أو لا تبقون عليها؟ ثم قال: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ }. فإن قيل: لماقال: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } فلم لم يقل، ثم تردون إليه، وما الفائدة من قوله: {ثُمَّ }. قلنا: في وصفه تعالى بكونه: {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } ما يدل على كونه مطلعاً على بواطنهم الخبيثة، وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد، وفيه تخويف شديد، وزجر عظيم لهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} أي العقوبة والمأثم. {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} والمراد المنافقون. كرر ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} بالمعاتبة. {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء} واجدون الأهبة. {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ} استئناف لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف إيثاراً للدعة. {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} حتى غفلوا عن وخامة العاقبة. {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} مغبته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ } في التخلُّف {وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } تقدّم مثله.
ابن عطية
تفسير : قوله في هذه الآية {إنما} ليس بحصر وإنما هي للمبالغة فيما يريد تقريره عل نحو ذلك إنما الشجاع عنترة ويقضي بذلك انَّا نجد السبيل في الشرع على غير هذه الفرقة موجوداً، و {السبيل } قد توصل بـ {على } و {إلى } فتقول لا سبيل على فلان ولا سبيل إلى فلان غير أن وصولها بـ {على } يقتضي أحياناً ضعف المتوصل إليه وقلة منعته، فلذلك حسنت في هذه الآية، وليس ذلك في إلى، ألا ترى أنك تقول فلان لا سبيل إلى الأمر ولا إلى طاعة الله ولا يحسن في شبه هذا على، و {السبيل } في هذه الآية سبيل المعاقبة، وهذه الآية نزلت في المنافقين المتقدم ذكرهم عبد الله بن أبيّ والجد بن قيس ومعتب وغيرهم، وقد تقدم نظير تفسير الآية، قوله: {يعتذرون إليكم} الآية، هذه المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وشرك معه المسلمون في بعض لأن المنافقين كانوا يعتذرون أيضاً إلى المؤمنين ولأن أنباء الله أيضاً تحصل للمؤمنين وقوله: {رجعتم} يريد من غزوة تبوك، وقوله: {لن نؤمن لكم} معناه لن نصدقكم، ولكن لفظة {نؤمن } تتصل بلام أحياناً كما تقدم في قوله {أية : يؤمن للمؤمنين} تفسير : [التوبة:61]، و"نبأ" في هذه الآية قيل هي بمعنى عرف لا تحتاج إلى أكثر من مفعولين، فالضمير مفعول أول، وقوله {من أخباركم} مفعول ثان على مذهب أبي الحسن في زيادة {من } في الواجب، فالتقدير قد نبأنا الله أخباركم، وهو على مذهب سيبويه نعت لمحذوف هو المفعول الثاني تقديره قد نبأنا الله جلية من أخباركم، وقيل " نبأ " بمعنى أعلم يحتاج إلى ثلاثة مفاعيل، فالضمير واحد و {من أخباركم} ثان حسب ما تقدم من القولين، والثالث محذوف يدل الكلام عليه، تقديره قد نبأنا الله من أخباركم كذباً أو نحوه. وحذف هذا المفعول مع الدلالة عليه جائز بخلاف الاقتصار، وذلك أن الاقتصار إنما يجوز إما على المفعول الأول ويسقط الاثنان إذ هما الابتداء والخبر، وإما على الاثنين الأخيرين ويسقط الأول، وإما أن يقتصر على المفعولين الأولين ويسقط الثالث دون دلالة عليه، فذلك لا يجوز، ويجوز حذفه مع الدلالة عليه والإشارة بقوله: {قد نبأنا الله} إلى قوله {أية : ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} تفسير : [التوبة: 47] ونحو هذا، وقوله {وسيرى الله} توعد معناه وسيراه في حال وجوده ويقع الجزاء منه عليه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وقوله {ثم تردون إلى عالم الغيب} يريد البعث من القبور، و {الغيب} والشهادة يعمان جميع الأشياء وقوله: {فينبئكم } معناه التخويف ممن لا تخفى عليه خافية.
ابن عبد السلام
تفسير : {السِّبِيلُ} الإنكار، أو المأثم. {الْخَوَالِفِ} المتخلفون بالنفاق، أو الذراري من النساء والأطفال.
النسفي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ} في التخلف { وَهُمْ أَغْنِيَاءُ } وقوله {رَضُواْ } استئناف كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ } أي بالانتظام في جملة الخوالف {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } يقيمون لأنفسهم عذراً باطلاً {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } من هذه السفرة {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ } بالباطل {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } لن نصدقكم وهو علة للنهي عن الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } علة لانتفاء تصديقهم لأنه تعالى إذا أوحى إلى رسوله الإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } أتنيبون أم تثبتون على كفركم {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي تردون إليه وهو عالم كل سر وعلانية {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم على حسب ذلك. {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } لتتركوهم ولا توبخوهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } فأعطوهم طلبتهم {إِنَّهُمْ رِجْسٌ } تعليل لترك معاتبتهم أي أن المعاتبة لا تنفع فيهم ولا تصلحهم لأنهم أرجاسٍ لا سبيل إلى تطهيرهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمَ } ومصيرهم النار يعني وكفتهم النار عتاباً وتوبيخاً فلا تتكلفوا عتابهم {جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي يجزون جزاء كسبهم {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } أي غرضهم بالحلف بالله طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطاً عليهم وكانوا عرضة لعاجل عقوبته وآجلها، وإنما قيل ذلك لئلا يتوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا الله عنهم. {ٱلأَعْرَابُ } أهل البدو {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من أهل الحضر لجفائهم وقسوتهم وبعدهم عن العلم والعلماء {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ } وأحق بأن لا يعلموا {حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } يعني حدود الدين وما أنزل الله من الشرائع والأحكام ومنه قوله عليه السلام: «حديث : إن الجفاء والقسوة في الفدادين»تفسير : يعني الأكرة لأنهم يفدون أي يصيحون في حروثهم والفديد الصياح {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوالهم {حَكِيمٌ } في إمهالهم {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } أي يتصدق {مَغْرَمًا } غرامة وخسراناً لأنه لا ينفق إلا تقيّة من المسلمين ورياء لا لوجه الله وابتاء المثوبة عنده {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ } أي دوائر الزمان وتبدل الأحوال بدور الأيام لتذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء } أي عليهم تدور المصائب والحروب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين. {ٱلسَّوْء } مكي وأبو عمرو وهو العذاب، و {ٱلسَّوْء } بالفتح ذم للدائرة كقولك «رجل سوء» في مقابلة قولك «رجل صدق» {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لما يقولون إذا توجهت عليهم الصدقة {عَلِيمٌ } بما يضمرونه. {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } في الجهاد والصدقات {قُرُبَـٰتٍ } أسباباً للقربة {عَندَ ٱللَّهِ } وهو مفعول ثان لـ {يَتَّخِذُ } {وَصَلَوٰتِ ٱلرَّسُولِ } أي دعاءه لأنه عليه السلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله «اللهم صل على آل أبي أوفى» {أَلا إِنَّهَا } أي النفقة أو صلوات الرسول {قُرْبَةٌ لَّهُمْ } {قُرْبَةٌ } نافع. وهذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه، والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ } أي جنته وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله من المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت النية من صاحبها {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } يستر عيب المخل {رَّحِيمٌ } يقبل جهد المقل {وَٱلسَّـٰبِقُونَ } مبتدأ {ٱلأَوَّلُونَ } صفة لهم {مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ } تبيين لهم وهم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدراً أو بيعة الرضوان {وَٱلأَنصَـٰرِ } عطف على {الْمُهَـٰجِرِينَ } أي ومن الأنصار وهم أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } من المهاجرين والأنصار فكانوا سائر الصحابة. وقيل: هم الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة والخبر {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بأعمالهم الحسنة {وَرَضُواْ عَنْهُ } بما أفاض عليهم من نعمته الدينية والدنيوية {وَأَعَدَّ لَهُمْ } عطف على {رَضِيَ } {جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } {مِن تَحْتِهَا }: مكي {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ...} الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في المنافقين المتقدِّم ذكْرُهُمْ: عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبٌ، وغيرهم. وقوله: {إِذَا رَجَعْتُمْ}: يريد: مِنْ غزوةَ تَبُوكَ، ومعنَى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ }: لن نصدِّقكم، والإِشارة بقوله: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } إِلى قوله: { أية : مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلَـٰلَكُمْ } تفسير : [التوبة:47]، ونحوه من الآيات. وقوله سبحانه: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ}: توعُّد، والمعنى: فيقع الجزاءُ عليه، قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: ٱعْمَلْ للدنيا بقَدْر مُقَامِكَ فيها، وٱعْمَلْ للآخرة بقَدْر بقائك فيها، وٱسْتَحْيِي مِنَ اللَّه تعالى بقَدْرِ قُرْبه منْكَ، وأَطِعْهُ بقَدْر حَاجَتِكَ إِليه، وخَفْهُ بقَدْر قُدْرته عليك، وٱعْصِهِ بِقَدْر صَبْرَكَ على النَّار. انتهى. من «سراج الملوك». وقوله: {ثُمَّ تُرَدُّونَ}: يريد البَعْثَ من القبور.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {إنما السبيل على الذين يستأذنونك} قال: هي وما بعدها إلى قوله {إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} في المنافقين. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {قد نبأنا الله من أخباركم} قال: أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالاً وفي قوله {فأعرضوا عنهم إنهم رجس} قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تكلموهم ولا تجالسوهم، فأعرضوا عنهم كما أمر الله ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {لتعرضوا عنهم} لتتجاوزوا.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} بالمعاتبة {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} في التخلف {وَهُمْ أَغْنِيَاء} واجدون لأُهبة الغزوِ مع سلامتهم {رَضُواْ} استئنافٌ تعليليٌّ لما سبق كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل: رضوا {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ} الذين شأنُهم الضَّعة والدناءة {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي خذلهم فغفَلوا عن وخامة العاقبة {فَهُمُ} بسبب ذلك {لاَّ يَعْلَمُونَ} أبداً غائلةَ ما رضُوا به وما يستتبعه آجلاً كما لم يعلموا بخساسة شأنِه عاجلاً. {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} استئنافٌ لبـيان ما يتصدَّوْن له عند القفولِ إليهم. روي أنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً فلما رجع عليه السلام إليهم جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضاً لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط أي يعتذرون إليكم في التخلف {إِذَا رَجَعْتُمْ} من الغزو منتهين {إِلَيْهِمُ} وإنما لم يقل إلى المدينة إيذاناً بأن مدارَ الاعتذار هو الرجوعُ إليهم لا إلى الرجوع إلى المدينة فلعل منهم مَنْ بادر إلى الاعتذار قبل الرجوعِ إليها {قُلْ} تخصيصُ هذا الخطابِ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تعميمِه فيما سبق لأصحابه أيضاً لِما أن الجوابَ وظيفتُه عليه السلام، وأما اعتذارُهم فكان شاملاً للمسلمين شمولَ الرجوعِ لهم {لاَ تَعْتَذِرُواْ} أي لا تفعلوا الاعتذارَ كقوله تعالى: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } تفسير : [المؤمنون: 108] أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير، وأما التعرُّضُ لعنوان كذبها فلا يساعُده قوله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي لن نصدِّقَكم في ذلك أبداً فإنه استئنافٌ تعليليٌّ للنهي مبنيٌّ على سؤال نشأ من قِبَلهم متفرّعٌ على ادعاء الصّدقِ في الاعتذار كأنهم قالوا: لمَ نعتذر؟ فقيل: لأنا لا نصدقكم أبداً فيكون عبثاً إذ لا يترتب عليه غرضُ المعتذِر وقوله عز وجل: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} تعليلٌ لانتفاء التصديقِ أي أُعلِمْنا بالوحي بعضَ أخباركم المنافيةِ للتصديق مما باشرتموه من الشر والفساد وأضمرتموه في ضمائركم وهيأتموه للإبراز في معرِض الاعتذارِ من الأكاذيب، وجمعُ ضميرِ المتكلم في الموضعين للمبالغة في حسم أطماعِهم من التصديق رأساً ببـيان عدمِ رواج اعتذارِهم عند أحدٍ من المؤمنين أصلاً فإن تصديقَ البعض لهم ربما يطمعهم في تصديق الرسولِ صلى الله عليه وسلم أيضاً بواسطة المصدِّقين وللإيذان بأن افتضاحَهم بـين المؤمنين كافة {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} فيما سيأتي أتُنيبون إليه تعالى مما أنتم فيه من النفاق أم تثبُتون وكأنه استتابةٌ وإمهالٌ للتوبة، وتقديمُ مفعول الرؤية على ما عطف على فاعله من قوله تعالى: {وَرَسُولُهُ} للإيذان باختلاف حالِ الرؤيتين وتفاوتِهما وللإشعار بأن مدارَ الوعيد هو علمُه عز وجل بأعمالهم {ثُمَّ تُرَدُّونَ} يوم القيامة {إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال، ووضعُ المُظهرِ موضعَ المضمرِ لتشديد الوعيدِ فإن علمَه سبحانه وتعالى بجميع أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ وإحاطتَه بأحوالهم البارزةِ والكامنةِ مما يوجب الزجرَ العظيم {فَيُنَبّئُكُمْ} عند ردِّكم إليه ووقوفِكم بـين يديه {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي بما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من الأعمال السيئةِ السابقةِ واللاحقة، على أن ما موصولةٌ والعائدُ إليها محذوفٌ أو بعملكم على أنها مصدريةٌ، والمرادُ بالتنبئة بذلك المجازاةُ به، وإيثارُها عليها لمراعاة ما سبق من قوله تعالى: {أية : قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ }تفسير : الخ، فإن المنبأَ به الأخبارُ المتعلِّقةُ بأعمالهم وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالِهم وإنما يعلمونها يومئذ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} [الآية: 93]. قال النصرآباذى: ألزم الله الذم الأغنياء، لأنهم اعتمدوا على أملاكهم وأموالهم واستغنوا بها، ولو اعتمدوا على الله واستغنوا به؛ لما ألزموا الخدمة. وقيل فى قوله: {أَغْنِيَآءُ} أى مظهرين الاستغناء عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم والقتال معه.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ}. يريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك في الخروج إلى الجهادِ ولهم الأُهبة والمُكْنَة، وتساعدهم على الخروج الاستطاعةُ والقدرةُ؛ فإِذا استأذنوك للخروج وأظهروا لم يَصْدقُوا، فهم مُسْتَوجِبُونَ للنكير عليهم، لأنَّ مَنْ صَدَقَ في الولاء لا يحتشم من مقاساةِ العناء، والذي هو في الولاءِ مما ذِقٌ وللصِّدقِ مفَارِقٌ يتعلَّلُ بما لا أصل له، لأنه حُرِمَ الخلوصَ فيما هو أَهْلٌ له، وكذا قيل: شعر : إنَّ الملولَ إذا أراد قطيعةً مَلَّ الوصَالَ وقال كان وكانا تفسير : قوله جلّ ذكره: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ}. قيل في التفسير: مع النساء في البيوت. والإسلام يثني على الشجاعة، وفي الخبر: "حديث : إنْ الله تعالى يحب الشجاعة، ولو على قتل حية"تفسير : ، وفي معناه أنشدوا: شعر : كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا وعلى المُحْصَنَاتِ جرُّ الذّيُولِ تفسير : ومَنْ استوطن مركبَ الكسلِ، واكتسى لِباسَ الفَشَلِ، ورَكَنَ إلى مخاريق الحِيَل - حُرِمَ استحقاقَ القُربة. ومَنْ أراد اللهُ - تعالى - هَوَانَه، وأذاقه خِذْلانَه، فليس له عن حكم الله مناصٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {انما السبيل} بالمعاتبة {على الذين يستأذنونك} فى التخلف {وهم اغنياء} واجدون لاهبة الغزو مع سلامتهم رضوا} استئناف تعليل لما سبق كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم اغنياء فقيل رضوا {بأن يكونوا مع الخوالف} اى النساء رضى بالدناءة وايثار للدعة {وطبع الله على قلوبهم} [ومهر نهاد خداى تعالى ازخذلان بردلهاى ايشان] حتى غفلوا عن وخامة العاقبة {فهم} بسبب ذلك {لا يعلمون} ابدا غائلة ما رضوا به وما يستتبعه آجلا كما لم يعلموا بخاسة شانه آجلا. قال ارسطوا الارتقاء الى السؤدد صعب والانحطاط الى الدناءة سهل. وسئل عيسى عليه السلام أى الناس اشرف فقبض قبضتين من تراب ثم قال أى هذين اشرف ثم جمعهما وطرحهما وقال الناس كلهم من تراب واكرمهم عند الله اتقاهم فالعلو والشرف فى التقوى واختيار المجاهدة على الراحة والحزن والبكاء على الفرح والسرور وفى الحديث "حديث : اقرب الناس الى الله يوم القيامة من طال حزنه وعطشه وجوعه ".تفسير : وقال حكيم الدنيا سوق الآخرة والعقل قائد الخير والمال رداء التكبر والهوى مركب المعاصى والحزن مقدمة السرور: قال الصائب شعر : هر محنتى مقدمه راحتى بود شد همز بان حق جوزبان كليم سوخت تفسير : وقد ذم الله تعالى اهل النفاق بالفرح والاستهزاء ومدح اهل الاخلاص بالحزن والبكاء وادى ضحك اولئك الى البكاء الكثير وبكاء هؤلاء الى الضحك الوفير: وفى المثنوى شعر : تانكريد ابركى خندد جمن تانكريد طفل كى جوشد لبن[1] هركجا آب روان سبزه بود هركجا اشك روان رحمت شود[2] باش جون دولاب نالان جشم تر تاز صحن جانت بررويد خضر تفسير : ثم ان الله تعالى انما يمنع المرء من مراده ليستعد له وليزداد شوقه الا ترى الى النبى عليه السلام كيف قال {أية : لا اجد ما احملكم عليه} تفسير : [التوبة: 92]. عزة وترفعا واستغناء ودلالا كما قال تعالى لموسى عليه السلام عند سؤاله بقوله {أية : رب أرنى انظر اليك قال لن ترانى} تفسير : [الاعراف: 143]. ليزيد بهذا المنع والتعزر شوق موسى عليه السلام فكان منع النبى عليه السلام منهم من هذا القبيل فزادهم الشوق والحرص على الغزو فلما غلب الشوق وزاد الطلب اعطوا مامولهم واجيب سؤلهم كاسبق وهذه حال الصورة وقس عليها حال المعنى فكما ان الفرح فى عالم الصورة لا يقدر على الطيران قبل نبات الجناح وهو من الشعر فكذا العاشق لا يقدر على الطيران فى عالم المعنى قبل وجود الجناح وهو من العلم والعمل والشوق الى المولى والتوجه الى الحضرة العليا وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت جعفر بن ابى طالب ملكا يطير فى الجنة ذا جناحين يطير بهما حيث شاء مخضوبة قوادمه بالدماء" تفسير : قال الامام المنذرى وكان جعفر قد ذهبت فى يداه فى سبيل الله يوم موته فابد له الله بهما جناحين فمن اجل ذا سمى جعفر الطيار. قال السهيلى ما ينبغى الوقوف عليه فى معنى الجناحين انهما ليسا كما سبق الى الوهم على مثل جناحى الطائر وريشه لان الصورة الآدمية اشرف الصور واكملها وفى قوله عيله السلام "حديث : ان الله خلق آدم على صورته" تفسير : تشريف لها عظيم وحاش لله من التشبيه والتمثيل ولكنها عبارة عن صورة ملكية وقوة روحانية اعطيها جعفر كما اعطيها الملائكة وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام {أية : واضمم يدك الى جناحك} تفسير : [طه: 22]. فعبر عن العضد بالجناح توسعا وليس ثمة طيران فكيف بمن اعطى القوة على الطيران مع الملائكة اخلق به اذن بوصف الجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية وقد قال اهل العلم فى اجنحة الملائكة ليست كما يتوهم من اجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم الا بالمعاينة واحتجوا بقوله تعالى {أية : أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع} تفسير : [فاطر: 1]. فكيف تكون كاجنحة الطير على هذا ولم ير طائر ثلاثة اجنحة ولا اربعة فكيف بستمائة جناح كما جاء فى صفة جبريل فدل على انها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد ايضا فى بيانها خبر فيجب علينا الايمان بها ولا يفيدنا اعمال الفكر فى كيفيتها علما وكل امرئ قريب من معاينة ذلك فاما ان يكون من الذين {أية : تتنزل عليهم الملائكة ان لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التى كنتم توعدون} تفسير : [فصلت: 30]. واما ان يكون من الذين تقول لهم الملائكة {أية : والملائكة باسطوا ايديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون} تفسير : [الأنعام: 93]. كذا فى فتح القريب والله يهدى كل مريب
الطوسي
تفسير : بين الله تعالى في هذه الآية ان السبيل والطريق بالعقاب والحرج انما هو للذين يطلبون الاذن من رسول الله في المقام، وهم مع ذلك اغنياء يتمكنون من الجهاد في سبيل الله، الراضين بكونهم مع الخوالف من النساء والصبيان ومن لا حراك به. ثم قال: وطبع الله على قلوبهم بمعنى وسم قلوبهم بسمة تعرفها الملائكة فيميزون بينهم وبين غيرهم من المؤمنين، ويحتمل أن يكون المراد انه بمنزلة المطبوع في أن لا يدخلها الايمان كما لو طبعوا على الكفر. ومثله قوله {صم بكم عمي} ومعناه لترك تلفظهم بالحق وعدولهم عن سماع الحق وانصرافهم عن النظر إلى الصحيح كأنهم صم بكم عمي، وهم لا يعلمون ذلك، ولا يدرون إلى ما يصير أمرهم من عقاب الابد، ولا يعرفون ما يلزمهم من احكام الشرع ما يعرفه المؤمنون. وقال البلخي: معناه لالفهم للخلاف والمعصية كأنهم لا يعلمون، والتقدير ان حكم هؤلاء المذكورين بهذه الاوصاف بخلاف من قد تحصن من العقاب بالايمان، لأنهم قد فتحوا على انفسهم ابواب العذاب.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} بدناً ومالاً {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} التّكرار لمطلوبيّة التّطويل والتّأكيد والتّكرير فى مقام التّغليظ {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قد اخذ فى مصداق العلم الاشتداد والتّأدية الى علم آخر اخروىّ كما أخذ ذلك فى مفهوم الفقه ولذا يثبت وينفى عن موضوعٍ واحدٍ باعتبار مفهومه العرفىّ ومصداقه الحقيقىّ، فالعلم والفقه مختلفان مفهوماً متّحدان مصداقاً فهذا ايضاً تكرار لما ذكر.
الأعقم
تفسير : {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء} حديث : الآية نزلت في جد بن قيس، ومعتب بن قشير وأصحابهما من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلاً فلما قدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك المدينة قال لأصحابه: "لا تجالسوهم ولا تواكلوهم" تفسير : وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي، وقوله: {إنما السبيل} يعني الاثم والعقاب {على الذين يستأذنونك} يطلبون إذنك في التخلف عنك {وهم أغنياء} قادرون على الخروج للجهاد بالنفس والمال {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} قيل: مع النساء والصبيان {وطبع الله على قلوبهم}، قيل: نكتة سوداء تقطع في قلب الكافر علامة له كما مرّ، وقيل: المراد التشبيه يعني أنه كالمطبوع، قوله تعالى: {يعتذرون اليكم} في التخلف {إذا رجعتم اليهم} الى المدينة {قل} يا محمد {لا تعتذروا} بالكذب والباطل {لن نؤمن لكم} أي لا نصدقكم {قد نبأنا الله من أخباركم} بذلك التخلف في هذه المعاذير {وسيرى الله عملكم ورسوله} هذا وعيد لهم يعني أن الله يطلع عليكم فيعلم ما يفعلون ويطلع رسوله على أسرارهم {سيحلفون بالله لكم} أي سيحلفون كذباً {إذا انقلبتم اليهم} إذا انصرفتم إليهم من الغزو {لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم} إعراض استخفاف وإهانة {إنهم رجس} أي نجس متى أردت معالجته ازداد نتناً، وقيل: إنهم أخسّة {يحلفون لكم} كذباً {لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم} أيها المؤمنون بالظاهر وبمعاذيرهم الكاذبة {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} لأنه عالم بباطنهم وظاهرهم وما انطووا عليه من الكفر والفاسقون الخارجون عن الطاعة والدين وهم منافقون {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً} من أهل الحصر لأنهم أبعد من مواضع العلم وسماع الآيات ومشاهدة الرسول {وأجدر} يعني وأخزى وأصله من جدر الحائط وأساسه، وقولهم ذلك أجدر أي أخزى وأحق بجهل حدود الدين، وقوله: {ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} يعني شرائعه وفرائضه، وقيل: هم أقل علماً، قوله تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} وصف الأولين بالكفر والجهل وهؤلاء بالكفر والبخل، ومعنى مغرماً لا يرجون عليه ثواباً وإنما ينفقون خوفاً ورياء فعدوه مغرماً {ويتربص بكم الدوائر} يعني ينتظر صروف الزمان وتقلب الأحوال بكم، وقيل: ينتظرون موت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) {عليهم دائرة السوء} أي يصيرون إلى ذلٍّ والمؤمنون إلى عزٍّ، وقيل: دائرة السُّوءِ العذاب والهلاك {ويتخذ ما ينفق قربات} يعني يتقربون به إلى الله تعالى بانفاق المال في سبيل الله {وصلوات الرسول}، قيل: دعاؤه بالخير، وقيل: استغفاره {ألا إنها قربة لهم} هذا الكلام من الله تعالى تصديقاً لهم.
اطفيش
تفسير : {إنَّما السَّبيلُ} بالمعاتبة والعاقبة {عَلَى الَّذينَ يسْتأذِنُونكَ} فى التخلف {وهُم أغْنياءُ} قادرون على الخروج معك، زعم بعض أن إنما هنا للمبالغة والتأكيد دون الحصر، قلت: بل هى للحصر الإضافى، كأنه قيل: على الأغنياء القادرين، لا على المعذورين، فليس عدم وجود السبيل إلى غير هذه الفرقة مانعا للحصر فافهم، بل يجوز أن يراد بالسبيل الكامل فى المعاملة، وهو يتوجه إلى من اتصف بالغناء، ولنا سبيل أخرى غير كاملة تتوجه إلى من له قدرة ما، ولكنه لا يتصف بالغناء، فالمراد على هذا حصر السبيل الكامل فى العتاب على الأغنياء فافهم، هذا ما ظهر لى فى ثبات الحصر، ثم استأنف ذمهم مبينا للسبب استئذانهم فى التخلف بلا عذر، وهو رضاهم بالدناءة إيثارا للراحة إذا قال: {رضُوا بأنْ يكُونُوا مَع الخوَالفِ وطَبعَ اللهُ على قُلوبهم} فغفلوا عن سوء العاقبة وما طبعه إلا خذلانه، وليس بخير {فَهُم لا يعْلمُون} ما فى الجهاد من الخير، وما التخلف من الضير، نزل ذلك فى الجد بن قيس، ومعتب وعبد الله ابنى أبى ونحوهم وقد مر.
اطفيش
تفسير : {إِنَّمَا السَّبِيلُ} أَى الذم {عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} فى القعود {وَهُمْ أَغْنِيَاءُ} أَى والحال أَن لهم ما ينفقون ذهاباً ورجوعاً عليهم وعلى عيالهم. {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ} رضوا بحالة خسيسة هى كونهم مع الخوالف جواب لقول القائلين ما بالهم يستأْذنون فى القعود، أَو حال من واو يستأْذنونك {وَطَبَع اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} حتى غفلوا عن سوءِ العاقبة {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تلك العاقبة.
الالوسي
تفسير : {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} أي بالمعاتبة والمعاقبة {عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ} في التخلف {وَهُمْ أَغْنِيَاء} واجدون للأهبة قادرون على الخروج معك {رَضُواْ} استئناف بياني كأنه قيل: لم استأذنوا أو لم استحقوا ما استحقوا؟ فأجيب بأنهم رضوا {بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ} تقدم معناه {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} خذلهم فغفلوا عن سوء العاقبة {فَهُمُ} بسبب ذلك {لاَّ يَعْلَمُونَ} أبداً وخامة ما رضوا به وما يستتبعه (آجلاً كما لم يعلموا بخساسة شأنه عاجلاً).
سيد قطب
تفسير : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الفقراء الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا يجد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يحملهم عليه إلى أرض المعركة.. من جناح ولا حرج إذا هم تخلفوا عن المعركة.. إنما الجناح والحرج على الذين يستأذنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القعود وهم أغنياء قادرون، لا يقعدهم عذر حقيقي عن الخروج.. إنما الجناح والحرج على هؤلاء القادرين الذين يرضون أن يقعدوا قعدة الخوالف في الدور.. هؤلاء هم المؤاخذون بتخلفهم عن الخروج، والاستئذان في القعود، ذلك أنهم ناكلون متثاقلون، لا يؤدون حق الله عليهم وقد أغناهم وأقدرهم؛ ولا يؤدون حق الإسلام وقد حماهم وأعزهم؛ ولا يؤدون حق المجتمع الذي يعيشون فيه وقد أكرمهم وكفلهم.. ومن ثم يختار الله - سبحانه - لهم هذا الوصف: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف}.. فهو سقوط الهمة، وضعف العزيمة، والرضا بأن يكونوا مع النساء والأطفال والعجزة الذين يخلفون في الدور لعجزهم عن تكاليف الجهاد.. وهم معذورون.. فأما أولئك فما هم بمعذورين! {وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون}.. فقد أغلق الله فيهم منافذ الشعور والعلم، وعطل فيهم أجهزة الاستقبال والإدراك، بما ارتضوه هم لأنفسهم من الخمول والبلادة والوخم، والاحتجاب عن مزاولة النشاط الحركي الحي المتفتح المنطلق الوثاب! وما يؤثر الإنسان السلامة الذليلة والراحة البليدة إلا وقد فرغت نفسه من دوافع التطلع والتذوق والتجربة والمعرفة، فوق ما فرغت من دوافع الوجود والشهود والتأثر والتأثير في واقع الحياة. وإن بلادة الراحة لتغلق المنافذ والمشاعر، وتطبع على القلوب والعقول. والحركة دليل الحياة، ومحرك في الوقت ذاته للحياة. ومواجهة الخطر تستثير كوامن النفس وطاقات العقل، وتشد العضل، وتكشف عن الاستعدادات المخبوءة التي تنتفض عند الحاجة، وتدرب الطاقات البشرية على العمل وتشحذها للتلبية والاستجابة.. وكل أولئك ألوان من العلم والمعرفة والتفتح يحرمها طلاب الراحة البليدة والسلامة الذليلة. ويمضي السياق يصف حال هؤلاء الأغنياء القادرين الذين رضوا بأن يكونوا مع الخوالف.. إن وراء حب الدعة وإيثار السلامة، سقوط الهمة، وذلة النفس، وانحناء الهامة، والتهرب من المواجهة والمصارحة: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم}. وهذا من إنباء الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين الخلص بما سيكون من أمر هؤلاء المتخلفين من المنافقين بعد الرجوع من الغزوة. مما يدل على أن هذه الآيات نزلت في أثناء العودة وقبل الوصول إلى المدينة. يعتذرون إليكم عن تخلفهم وقعودهم، ذلك أنهم يخجلون من الظهور بفعلتهم هذه عارية، ومن الكشف عن أسبابها الحقيقية؛ وهي ضعف الإيمان، وإيثار السلامة، والإشفاق من الجهاد! {قل: لا تعتذروا. لن نؤمن لكم. قد نبأنا الله من أخباركم}! قل: وفروا عليكم معاذيركم. فلن نطمئن إليكم، ولن نصدقكم، ولن نأخذ بظاهر إسلامكم كما كنا نفعل. ذلك أن الله قد كشف لنا حقيقتكم، وما تنطوي عليه صدوركم؛ وقص علينا دوافع أعمالكم؛ وحدثنا عن حالكم، فلم تعد مستورة لا نرى إلا ظاهرها كما كنا من قبل معكم. والتعبير عن عدم التصديق والثقة والائتمان والاطمئنان بقوله تعالى: {لن نؤمن لكم} ذو دلالة خاصة. فالإيمان تصديق وثقة وائتمان واطمئنان. تصديق بالقول وائتمان بالعقل واطمئنان بالقلب، وثقة من المؤمن بربه، وثقة متبادلة بينه وبين المؤمنين معه. وللتعبير القرآني دائماً دلالته وإيحاؤه. قل: لا تعتذروا. فلا جدوى للقول ولا معول على الكلام. ولكن اعملوا فإن صدق عملكم ما تقولون فذاك، وإلا فلا ثقة بالقول ولا ائتمان ولا اطمئنان: {وسيرى الله عملكم ورسوله}.. والله لا تخفى عليه الأعمال ولا النوايا المخبوءة وراءها؛ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيزن قولكم بعملكم. وعلى أساسه سيكون التعامل معكم في المجتمع المسلم. ولن ينتهي الأمر - على كل حال - بما يجري في هذه الأرض في فترة الحياة الدنيا. فوراء ذلك حساب وجزاء، يقومان على علم الله المطلق بالظواهر والسرائر: {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}.. والغيب ما غاب عن الناس علمه، والشهادة ما يشهدونه ويعرفونه. والله سبحانه عالم الغيب والشهادة بهذا المعنى. وبمعنى أشمل وأكبر. فهو سبحانه يعلم ما في هذا العالم المشهود ويعلم ما وراءه من العوالم المغيبة.. وفي قوله تعالى لأولئك المخاطبين: {فينبئكم بما كنتم تعملون}.. إيماءة مقصودة. فهم يعلمون ما كانوا يعملون. ولكن الله - سبحانه - أعلم منهم بها حتى لينبئهم هو بها! وكم من دافع خفي للعمل يخفى حتى على صاحبه وهو يفعله، والله أعلم به منه! وكم من نتيجة لهذا العمل لا يدري صاحبه وقوعها، والله يعلمها دون صاحبها!.. والمقصود - بطبيعة الحال - هو نتيجة الإنباء. وهي الحساب والجزاء الحق على الأعمال. ولكن هذه النتيجة لا ينص عليها، إنما ينص على الإنباء ذاته لمناسبة هذه الإيماءة في هذا السياق. {سيحلفون بالله لكم - إذا انقلبتم إليهم - لتعرضوا عنهم. فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم، جزاء بما كانوا يكسبون}.. وهذا إنباء آخر من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، عما سيكون من أمر القوم عندما يعود إليهم هو والمؤمنون الخلص معه سالمين آمنين. وكان المنافقون قد ظنوا أنهم لا يعودون من لقاء الروم! فقد علم الله وأخبر نبيه أنهم سيؤكدون معاذيرهم بالحلف بالله؛ لعل المسلمين يعرضون عن فعلتهم وتخلفهم عفواً وصفحاً؛ ولا يحاسبونهم عليها ويجازونهم بها. ثم يوجهه ربه إلى الإعراض عنهم فعلاً، لكن لا بمعنى العفو والصفح؛ إنما بمعنى الإهمال والاجتناب. معللاً ذلك بأنهم دنس يتجنب ويتوقى: {فأعرضوا عنهم، إنهم رجس}.. وهو التجسيم الحسي للدنس المعنوي. فهم ليسوا رجساً - أي دنساً - بأجسادهم وذواتهم؛ إنما هم رجس بأرواحهم وأعمالهم. ولكنها الصورة المجسمة أشد بشاعة وأبين قذارة، وأدعى إلى التقزز والاشمئزاز، وإلى الاحتقار كذلك والازدراء! والقاعدون في الجماعة المكافحة - وهم قادرون على الحركة - الذين يقعد بهم إيثار السلامة عن الجهاد.. رجس ودنس. ما في ذلك شك ولا ريب.. رجس خبيث يلوث الأرواح، ودنس قذر يؤذي المشاعر؛ كالجثة المنتنة في وسط الأحياء تؤذي وتعدي! {ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون}.. وهم يحسبون أنهم يكسبون بالتخلف؛ ويربحون بالقعود؛ ويجنون السلامة والراحة؛ ويحتفظون بالعافية والمال.. ولكن الحقيقة أنهم دنس في الدنيا، وأنهم يضيعون نصيبهم في الآخرة. فهي الخسارة المطبقة بكل ألوانها وأشكالها.. ومن أصدق من الله حديثاً؟ ثم يمضي السياق ينبئ عما سيقع من هؤلاء القاعدين بعد عودة المجاهدين: {يحلفون لكم لترضوا عنهم. فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين}.. إنهم يطلبون ابتداء من المسلمين أن يعرضوا عن فعلتهم صفحاً وعفواً. ثم يتدرجون من هذا إلى طلب رضى المسلمين عنهم ليضمنوا السلامة في المجتمع المسلم بهذا الرضى! ويضمنوا أن يظل المسلمون يعاملونهم بظاهر إسلامهم كما كانوا يعاملونهم؛ ولا يجاهدونهم ويغلظون عليهم كما أمرهم الله في هذه السورة أن يفعلوا؛ محدداً بذلك العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين فيهم. ولكن الله سبحانه يقرر أنهم فسقوا عن دين الله بهذا القعود الناشئ عن النفاق؛ وأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين. حتى ولو استطاعوا أن يحلفوا ويعتذروا حتى يرضى عنهم المسلمون!.. وحكم الله فيهم هو الحكم. ورضا الناس - ولو كانوا هم المسلمين - في هذه الحالة لا يغير من غضب الله عليهم، ولا يجديهم فتيلاً. إنما السبيل إلى إرضاء الله هو الرجوع عن هذا الفسق، والعودة إلى دين الله القويم! وهكذا كشف الله هؤلاء القاعدين - من غير عذر - في الجماعة المسلمة؛ وقرر العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين. كما قررها من قبل بين المسلمين والمشركين، وبين المسلمين وأهل الكتاب. وكانت هذه السورة هي الحكم النهائي الأخير.
ابن عاشور
تفسير : لما نفت الآيتان السابقتان أن يكون سبيلٌ على المؤمنين الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون والذين لم يجدوا حمولة، حصرت هذه الآية السبيل في كونه على الذين يستأذنون في التخلف وهم أغنياء، وهو انتقال بالتخلص إلى العودة إلى أحوال المنافقين كما دل عليه قوله بعدُ {أية : يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم}تفسير : [التوبة: 94]، فالقصر إضافي بالنسبة للأصناف الذين نُفي أن يكون عليهم سبيل. وفي هذا الحصر تأكيد للنفي السابق، أي لا سبيل عقابٍ إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء. والمراد بهم المنافقون بالمدينة الذين يكرهون الجهاد إذ لا يؤمنون بما وعد الله عليه من الخيرات وهم أولو الطول المذكورون في قوله: {أية : وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله}تفسير : [التوبة: 86] الآية. والسبيل: حقيقته الطريق. ومرّ في قوله: {أية : مَا على المحسنين من سبيل}تفسير : [التوبة: 91]. وقوله: {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء} مستعار لمعنى السلطان والمؤاخذة بالتبعة، شبه السلطان والمؤاخذة بالطريق لأن السلطة يَتوصل بها من هي له إلى تنفيذ المؤاخذة في الغير. ولذلك عُدّي بحرف (على) المفيد لمعنى الاستعلاء، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن من التصرف في مدخول (على). فكان هذا التركيب استعارةً مكنية رُمز إليها بما هو من مُلائمات المشبه به وهو حرف (على). وفيه استعارة تبعية. والتعريف باللام في قوله: {إنما السبيل} تعريف العهد، والمعهود هو السبيل المنفي في قوله تعالى: {أية : ما على المحسنين من سبيل}تفسير : [التوبة: 91] على قاعدة النكرة إذا أعيدت معرفة، أي إنما السبيل المنفي عن المحسنين مثبت للذين يستأذنونك وهم أغنياء. ونظير هذا قوله تعالى: {أية : إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} تفسير : في سورة الشورى (42). فدل ذلك على أن المراد بالسبيل العذاب. والمعنى ليست التبعة والمؤاخذة إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، الذين أرادوا أن يتخلفوا عن غزوة تبوك ولا عذر لهم يخولهم التخلف. وقد سبقت آية {أية : فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً}تفسير : من سورة النساء (90)، وأحيل هنالك تفسيرها على ما ذكرناه في هذه الآية. وجملة: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} مستأنفة لجواب سؤال ينشأ عن علة استيذانهم في التخلف وهم أغنياء، أي بعثهم على ذلك رضاهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء. وقد تقدم القول في نظيره آنفاً. وأسند الطبع على قلوبهم إلى الله في هذه الآية بخلاف ما في الآية السابقة {أية : وطُبع على قلوبهم}تفسير : [التوبة: 87] لعله للإشارة إلى أنه طبع غير الطبع الذي جبلوا عليه بل هو طبع على طبع أنشأه الله في قلوبهم لغضبه عليهم فحرمهم النجاة من الطبع الأصلي وزادهم عماية، ولأجل هذا المعنى فرع عليه {فهم لا يعلمون} لنفي أصل العلم عنهم، أي يكادون أن يساووا العجماوات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 93- إنما اللوم والعقاب على هؤلاء الذين يستأذنوك - أيها النبى - فى تخلفهم عن الجهاد، وهم واجدون المال والعتاد، قادرون على الخروج معك، لأنهم - مع قدرتهم واستطاعتهم - رضوا بأن يقعدوا مع النساء الضعيفات، والشيوخ العاجزين، والمرضى غير القادرين، ولأن قلوبهم أغلقت عن الحق، فهم لا يعلمون العاقبة الوخيمة التى تترتب على تخلفهم فى الدنيا وفى الآخرة. 94- سيعتذر هؤلاء المتخلفون المقصرون إليكم - أيها المؤمنون المجاهدون - إذا رجعتم من ميدان الجهاد والتقيتم بهم، فقل لهم - أيها الرسول -: لا تعتذروا فإنا لن نصدقكم، لأن اللَّه قد كشف حقيقة نفوسكم، وأوحى إلى نبيه بشئ من أكاذيبكم، وسيعلم اللَّه ورسوله ما يكون منكم بعد ذلك من عمل، ثم يكون مصيركم بعد الحياة الدنيا إلى اللَّه الذى يعلم السر والعلانية، فيخبركم بما كنتم تعملون، ويجازيكم بما تستحقون. 95- سيحلفون لكم باللَّه، حينما ترجعون إليهم، أنهم صادقون فى معاذيرهم، لكى يرضوكم فتغفلوا عن عملهم، فلا تحققوا لهم هذا الغرض، بل اجتنبوهم وامقتوهم، لأنهم فى أشد درجات الخبث النفسى والكفر، ومصيرهم إلى جهنم، عقاباً على ما اقترفوه من ذنوب وأوزار.. 96- يُقْسمون لكم طمعا فى رضائكم عنهم، فإن خُدِعْتم بأيمانهم ورضيتم عنهم، فإن رضاكم - وحدكم - لا ينفعهم، ذلك لأن الله ساخط عليهم لفسقهم وخروجهم على الدين. 97- الأعراب من أهل البادية أشد جُحودا ونفاقا، وقد بلغوا فى ذلك غاية الشدة، وذلك لبعدهم عن أهل الحكمة ومنابع العلم، وهم حقيقون بأن يجهلوا حدود اللَّه، وما أنزل على رسوله من شرائع وأحكام، واللَّه عليم بأحوال الفريقين، حكيم فيما يقدره من جزاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنما السبيل: أي الطريق إلى المعاقبة. أغنياء: واجدون لأُهبة الجهاد مع سلامة أبدانهم. الخوالف: أي النساء والأطفال والعجزة. إذا رجعتم إليهم: أي إذا عدتم إليهم من تبوك، وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً. لن نؤمن لكم: أي لن نصدقكم فيما تقولون. ثم تُرَدُّون: أي يوم القيامة. إذا انقلبتم: أي رجعتم من تبوك. لتُعرِضوا عنهم: أي لا تعاقبوهم. رجس: أي نَجَس لخُبْث بواطنهم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في المُخَلَّفين من المنافقين وغير المنافقين فقال تعالى {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ} أي الطريق إلى عقاب المخلَّفين على الذين يستأذنوك في التخلُّف عن الغزو وهم أغنياء ذو قُدرة على النفقة والسير {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} أي النساء {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} بسبب ذنوبهم فهم لذلك لا يعلمون أن تخلفهم عن رسول الله لا يُجديهم نفعاً وأنه يجرُّ عليهم البلاء الذي لا يطيقونه. هؤلاءِ هُم الذين لكم سبيل على عقابهم ومؤاخذتهم، لا على الذين لا يجدون ما ينفقون، وطلبوا منك حملاناً فلم تجد ما تحملهم عليه فرجعوا إلى منازلهم وهم يبكون حزنا، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [93] أما الآيات الثلاث بعدها فهي في المخلَّفين من المنافقين يخبر تعالى عنهم فيقول {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} يطلبون العذر منكم إذا رجعتم إلى المدينة من غزوكم. قل لهم يا رسولنا لا تعتذروا لأننا لا نؤمن لكم أي لا نصدقكم فيما تقولونه، لأن الله تعالى قد نَبَّأنَا من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله. إن أنتم تبتم فأخلصتم دينكم لله، أو أصررتم على كفركم ونفاقكم، وستُردُّون بعد موتكم إلى عالم الغيب والشهادة وهو الله تعالى فينبئكم يوم القيامة بعد بعثكم بما كنتم تعملون من حسنات أو سيئآت ويجزيكم بذلك الجزاء العادل. وقوله تعالى {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} يخبر تعالى رسوله والمؤمنين فيقول سيحلف لكم هؤلاء المخلَّفون إذا رجعتم إليهم أي إلى المدينة من أجل أن تعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم أي لا تؤاخذوهم ولا تلتفوا إليهم إنهم رجْس أي نَجَس، ومأواهم جهنم جزاء لهم بما كانوا يكسبونه من الكفر والنفاق والمعاصي. وقوله تعالى {يَحْلِفُونَ لَكُمْ} معتذرين بأنواع من المعاذير لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فلن ينفعهم رضاكم شيئاً لأنهم فاسقون والله لا يرضى عن القوم الفاسقين وما دام لا يرضى عنهم فهو ساخط عليهم، ومن سخط الله عليه أهلكه وعذبه فلذا رضاكم عنهم وعدمه سواء. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- لا سبيل إلى أذِيَّة المؤمنين الصادقين إذا تخلَّفوا فإنهم ما تخلفوا إلا لعذر. وإنما السبيل على الأغنياء القادرين على السير إلى الجهاد وقعدوا عنه لنفاقهم. 2- مشروعية الاعتذار على شرط أن يكون المرء صادقاً في اعتذاره. 3- المنافقون كالمشركين رجْس أي نَجَس لأن بواطنهم خبيثة بالشرك والكفر وأعمالهم الباطنة خبيثة أيضاً إذْ كلها تآمر على المسلمين ومكر بهم وكيد لهم. 4- حرمة الرضا على الفاسق المجاهر بفسقه، إذ يجب بُغْضه فكيف يُرضى عنه ويُحب؟
د. أسعد حومد
تفسير : {يَسْتَأْذِنُونَكَ} (93) - ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعَالَى المَلاَمَةَ وَجَعَلَهَا عَلَى الذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ فِي القُعُودِ مِنْ غَير عُذْرٍ وَلاَ ضَرُورَةٍ، وَهُمْ أَصِحَّاءُ أغْنِيَاءُ، قَادِرُونَ عَلَى الإِنْفَاقِ، وَوَبَّخَهُمْ لِرِضَاهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ العَجَزَةِ وَالمَرْضَى وَالنِّسَاءِ القَوَاعِدِ، وَقَالَ تَعَالَى إِنَّهُ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَأَحَاطَتْ بِهِمْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبُهُمْ، فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ سُوءَ عَاقِبَتِهِمْ فِي الآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هناك قال سبحانه: {مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ} الذين كانت لهم أعذارهم في التخلف عن الجهاد، ولكن كانوا محسنين في تخلفهم هذا فقال تعالى: {إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ}. إذن: فعلى من يكون السبيل؟ وهنا تأتي إجابة الحق سبحانه: {إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ}. أي: أن طريق الإثم واللوم والتعنيف والتوبيخ إنما يتجه إلى هؤلاء الأغنياء الذين استأذنوا في أن يقعدوا عن القتال، ونعلم أن الغني إذا أطلق ينصرف إلى غنى المال، ولكن الغنى إذا جاء بالمعنى الخاص، يكون معناه ما يدل عليه النص. فالذي لا يجد ما ينفقه أعْفيَ. إذن: فمن يجد ما ينفقه فهو غنيّ بطعامه. والضعيف قد أعفيَ، إذن: فالقويّ غنيّ بقوته. والمريض أعْفيَ، إذن: فالصحيح غنيّ بصحته، ومن لا يجد ما ينقله إلى مكان الجهاد قد أعفيَ، إذن: فمن يملك راحلة فهو غنيّ براحلته. وعلى ذلك لا تأخذ كلمة "الغنى" على المال فقط، بل انظر إلى من تنطبق عليه شروط الجهاد؟ إذن: فاللوم والتوبيخ والتعنيف والإثم على الأغنياء بهذه الأشياء، وطلبوا أن يقعدوا عن الجهاد. ولسائل أن يقول: ولماذا يستأذنون وهم أغنياء؟ نقول: لأنهم منافقون، وقد وضعهم نفاقهم في موضع الهوان، حتى قال الحق سبحانه وتعالى عنهم: {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ} ومن يَرضَ أن يكون وضعه مع الخوالف، فهو يتصف بدناءة النفس وانحطاط الهمة؛ فهم رضوا أن يُعاملوا معاملة النساء، والخوالف - كما نعلم - جاءت على مراحل، فهم قالوا: {أية : ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَاعِدِينَ} تفسير : [التوبة: 86]. وقلنا من قبل: إن القعود مقابل للقيام، والقيام من صفات الرجولة؛ لأن الرجل قَيِّم على أهله. والقعود للنساء، والخوالف ليست جمع خالف، وإنما هي جمع "خالفة"، ولا يجمع بها إلا النساء، وكذلك كلمة "القواعد" يقول سبحانه: {أية : وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ...} تفسير : [النور: 60]. أي: أنهم ارتضوا لأنفسهم دناءة وخسة؛ فتنازلوا عن مهام الرجال، وارتضوا أن يكونوا مع النساء هرباً من القتال، والشاعر يقول: شعر : وَمَا أدْرِي ولسْتُ إخَالُ أدْري أقوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نسَاءُ تفسير : أي: "القوم" في مقابل "النساء". ثم يعلمنا الحق سبحانه وتعالى بعقابهم، فيقول: {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. وفي الآية السابقة يقول سبحانه: {أية : وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ...} تفسير : [التوبة: 87]. ما الفرق بين النصين؟ إذا رأيت فعلاً تكليفيّاً مبنيّاً للمجهول، كقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ...} تفسير : [البقرة: 216]. وقوله سبحانه: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ...} تفسير : [البقرة: 183]. قد يقول قائل: كان المفروض أن يقال: "كتب الله عليكم القتال" و "كتب الله عليكم الصيام"، لأنه صار أمراً لازماً مفروضاً، فكان الأولى أن يقول: كتب الله، أي أن الذي يفرض هو الله. رغم أن الحق سبحانه هو الذي يكلف، إلا أن كل التكليفات تأتي بصيغة المبني للمجهول كقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِي ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلأُنثَىٰ بِٱلأُنْثَىٰ ...} تفسير : [البقرة: 178]. وقوله سبحانه: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ ...} تفسير : [البقرة: 180]. والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يكلف كافراً بأي تكليفات إيمانية؛ فسبحانه لم يكلف بأي حكم من أحكام الإيمان إلا من آمن به وأسلم له؛ لذلك فعندما يخاطب سبحانه بالتكليف يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ...} تفسير : [البقرة: 178]. ومن هذا نعلم أنه سبحانه لم يكتب فرضاً أو مهمة على من لم يؤمن، والإنسان يدخل في الإيمان باختياره، فإذا دخل في الإيمان كتب الله عليه. إذن: فالإيمان هو مدخل الفريضة. وما دُمْتَ قد آمنتَ فقد أصبحتَ طرفاً فيما فرضه الحق سبحانه وتعالى عليك؛ لأنك لو لم تؤمن فليست عليك فرائض، إذن: فأنت الذي ألزمتَ نفسك بحكم الله؛ لأنك آمنت به إلهاً خالقاً معبوداً. وبإيمانك أنت؛ فرض الله عليك، فأنت طرف في كل فريضة عليك. ورغم أنه سبحانه وتعالى هو الذي فرض، فقد أحبَّ فيك أنك دخلْتَ في نطاق التكليف بإيمانك؛ فبنى الفعل للمجهول. وإذا جئنا إلى قوله سبحانه وتعالى: {وَطَبَعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} نجد أن الحق يلفتنا هنا إلى أن المنافقين هم الذي جلبوا لأنفسهم هذا الطبع على القلوب؛ لأنهم وضعوا في قلوبهم الكفر، ثم أخذوا يتحدثون بألسنتهم عن الإيمان، ويحاولون خداع المؤمنين، ويخادعون الله؛ فأراد الله سبحانه وتعالى أن يوضح لهم: ما دمتم قد اخترتم النفاق والكفر في قلوبكم؛ فسنطبع على هذه القلوب، ونختم عليها حتى لا يخرج الكفر منها ولا يدخل إليها الإيمان. فسبحانه وتعالى - إذن - هو الذي طبع على قلوبهم، ولكن بعد أن ملأوا قلوبهم بالكفر ونافقوا، وهم الذين تسببوا بهذا الطبع لأنفسهم، بعد أن بدأوا بالكفر، فطبع الحق سبحانه وتعالى على قلوبهم بما فيها من مرض، ولو لم يبدأوا بالكفر لما طبع الله على قلوبهم؛ ولهذا جاء الفعل مبيّناً للمجهول، فهم مشتركون فيه. أما الآية التي نحن بصددها فيقول تعالى: {وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وساعة ينسب الطَّبْع إلى الله يكون أقوى طبع على القلوب، ويأتي الطبع من الله سبحانه وتعالى كحكم نهائي من أن الله قضى عليهم به، فلا يخرج من قلوبهم ولو كان قدراً ضئيلاً من النفاق، ولا تغادر قلوبهم ذرة من كفر، ولا يتسرب إلى قلوبهم ذرة من إيمان؛ لأنهم لا يعلمون قدر الإيمان الحق، والإنسان قد لا يفهم شيئاً، أي: لا يفقهه. ولكن قد يفهمه غيره ويعلمه هو عنه. لذلك فنفْي الفقه أو الفهم لا ينفي العلم، ولكن حين ينفي العلم فهو ينفي الفهم عن الذات، وينفي الفهم عن الغير، ولذلك حين يقال: {لاَ يَفْقَهُونَ} أي: لا يفهمون بذواتهم، ولكن قد يتعلمون العلم من غيرهم. أما إذا قلنا: {لاَ يَعْلَمُونَ} فالمقصود أنهم لا يفهمون ولا يتعلمون. إذن: نفي العلم ينسب إلى طبع الله على قلوبهم، أما نفي الفقه فينسب نسبة عامة للفعل المبني للمجهول. فعندما نفى الحق سبحانه وتعالى الفقه عنهم بالفعل المبني للمجهول أوضح أنهم بنفاقهم لا يفقهون، ولكنه سبحانه وتعالى لم يَنْف احتمال أن يعلموا من غيرهم في المستقبل. ولكن عندما قال الحق: {فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قد نفى عنهم - أيضاً - العلم بذواتهم، وكذلك نفى قدرتهم على العلم من غيرهم، وهذه أقوى أثراً، وبذلك يكون الطبع على قلوبهم أقوى؛ لأنهم رفضوا العلم من ذواتهم ورفضوه من غيرهم. ولذلك نجد {لاَ يَفْقَهُونَ} في موضع، ونجد {لاَ يَعْلَمُونَ} في موضع آخر، وكلٌّ تناسب موقعها الذي قيلت فيه. ثم يقول سبحانه: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):