Verse. 1329 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يَعْتَذِرُوْنَ اِلَيْكُمْ اِذَا رَجَعْتُمْ اِلَيْہِمْ۝۰ۭ قُلْ لَّا تَعْتَذِرُوْا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّاَنَا اللہُ مِنْ اَخْبَارِكُمْ۝۰ۭ وَسَيَرَى اللہُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوْلُہٗ ثُمَّ تُرَدُّوْنَ اِلٰى عٰلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّہَادَۃِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ۝۹۴
YaAAtathiroona ilaykum itha rajaAAtum ilayhim qul la taAAtathiroo lan numina lakum qad nabbaana Allahu min akhbarikum wasayara Allahu AAamalakum warasooluhu thumma turaddoona ila AAalimi alghaybi waalshshahadati fayunabbiokum bima kuntum taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يعتذرون إليكم» في التخلف «إذا رجعتم إليهم» من الغزو «قل» لهم «لا تعتذروا لن نؤمن لكم» نصدقكم «قد نبأنا الله من أخباركم» أي أخبرنا بأحوالكم «وسيرى الله عملَكم ورسوله ثم تُردون» بالبعث «إلى عالم الغيب والشهادة» أي الله «فينبئكم بما كنتم تعملون» فيجازيكم عليه.

94

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} يعني المنافقين. {لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} أي لن نصدقكم. {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أي أخبرنا بسرائركم. {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} فيما تستأنفون. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يجازيكم بعملكم. وقد مضى هذا كله مستوفى.

البيضاوي

تفسير : {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } في التخلف. {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} من هذه السفرة. {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ} بالمعاذير الكاذبة لأنه: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} لن نصدقكم لأنه: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد. {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} أتتوبون عن الكفر أم تثبتون عليه فكأنه استتابة وإمهال للتوبة. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} أي إليه فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم. {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بالتوبيخ والعقاب عليه.

ابن كثير

تفسير : أخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي: لن نصدقكم {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أي: قد أعلمنا الله أحوالكم {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} أي: سيظهر أعمالكم للناس في الدنيا {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: فيخبركم بأعمالكم خيرها وشرها، ويجزيكم عليها، ثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم معتذرين؛ لتعرضوا عنهم، فلا تؤنبوهم، فأعرضوا عنهم احتقاراً لهم، إنهم رجس، أي: خبث، نجسٌ بواطنُهم واعتقاداتهم، ومأواهم في آخرتهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون، أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم إن رضوا عنهم بحلفهم لهم، {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها للإفساد، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } في التخلف {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } من الغزو {قُلْ } لهم {لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } نصدقكم {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } أي أخبرنا بأحوالكم {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ } بالبعث {إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } أي الله {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فيجازيكم عليه.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } إخبار من الله سبحانه عن المنافقين المعتذرين بالباطل، بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا من الغزو، وهذا كلام مستأنف، وإنما قال: {إِلَيْهِمُ } أي: إلى المعتذرين بالباطل، ولم يقل إلى المدينة؛ لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها. ثم أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يجيب به عليهم، فقال: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } فنهاهم أوّلا عن الاعتذار بالباطل، ثم علله بقوله: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } أي: لن نصدقكم، كأنهم ادّعوا أنهم صادقون في اعتذارهم، لأن غرض المعتذر أن يصدّق فيما يعتذر به، فإذا عرف أنه لا يصدّق ترك الاعتذار، وجملة {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } تعليلية للتي قبلها: أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله قد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم، وإنما خصّ الرسول صلى الله عليه وسلم بالجواب عليهم، فقال: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ } مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين، لأنه صلى الله عليه وسلم رأسهم، والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير، ويحتمل أن يكون المراد بالضمير في قوله: {إِلَيْكُمْ } هو الرسول صلى الله عليه وسلم على التأويل المشهور في مثل هذا. قوله: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } أي: ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشرّ أم تبقون عليه؟. وقوله: {وَرَسُولُهُ } معطوف على الاسم الشريف، ووسط مفعول الرؤية إيذانا، بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شرّ هي التي يدور عليها الإثابة أو العقوبة، وفي جملة: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ } إلى آخرها تخويف شديد، لما هي مشتملة عليه من التهديد، ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر، لإشعار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به، وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه. ثم ذكر أن هؤلاءالمعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاءوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو، وغرضهم من هذا التأكيد هو: أن يعرض المؤمنون عنهم، فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم بالتخلف، ويظهرون الرضا عنهم، كما يفيده ذكر الرضا من بعد، وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدلّ عليه، وهو اعتذارهم الباطل، وأمر المؤمنين بالإعراض عنهم المراد به: تركهم والمهاجرة لهم. لا الرضا عنهم والصفح عن ذنوبهم، كما تفيده جملة {إِنَّهُمْ رِجْسٌ } الواقعة علة للأمر بالإعراض. والمعنى: أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة، فكأنها قد صيرت ذواتهم رجساً، أو أنهم ذوو رجس: أي ذوو أعمال قبيحة، ومثله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير، والتحذير من الشرّ، فليس لهم إلا الترك. وقوله: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } من تمام التعليل؛ فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء، ليلاً أو نهاراً. وقد أوى فلان إلى منزله، يأوي أوياً وإيواء. و{جَزَاء } منصوب على المصدرية، أو على العلية، والباء في {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } للسببية، وجملة: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ } بدل مما تقدّم. وحذف هنا المحلوف به لكونه معلوماً مما سبق، والمحلوف عليه لمثل ما تقدّم، وبين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين بالباطل، فقال: {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } كما هو مطلوبهم مساعدة لهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم الرضا على هؤلاء الفسقة العصاة، فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك، بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتدّ به، ولا مفيد لهم. والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم، نهي المؤمنين عن ذلك؛ لأن الرضا على من لا يرضى الله عليه مما لا يفعله مؤمن. قوله: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } لما ذكر الله سبحانه أحوال المنافقين بالمدينة، ذكر حال من كان خارجاً عنها من الأعراب، وبين أن كفرهم ونفاقهم أشدّ من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم، لأنهم أقسى قلباً وأغلظ طبعاً وأجفى قولاً، وأبعد عن سماع كتب الله، وما جاءت به رسله. والأعراب: هم من سكن البوادي بخلاف العرب، فإنه عام لهذا النوع من بني آدم، سواء سكنوا البوادي أو القرى، هكذا قال أهل اللغة، ولهذا قال سيبويه: إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة جمع العرب. قال النيسابوري: قال أهل اللغة: رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً، وجمعه عرب، كالمجوسيّ والمجوس، واليهوديّ واليهود؛ فالأعرابي إذا قيل له: يا عربي، فرح، وإذا قيل للعربي: يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي، ومن نزل البادية فهو أعرابي، ولهذا لا يجوز أن يقال لللمهاجرين والأنصار أعراب، وإنما هم عرب. قال: قيل: إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشئوا بالعرب، وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من يسكن جزيرة العرب، وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل: لأن ألسنتهم معربة، عما في ضمائرهم، ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة. انتهى. {وَأَجْدَرُ } معطوف على {أشد}، ومعناه: أخلق، يقال: فلان جدير بكذا: أي خليق به، وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع: جدر، أو جديرون، وأصله من جدر الحائط، وهو رفعه بالبناء. والمعنى: أنهم أحق وأخلق بـألا يعلموا حدود ما أنزل الله من الشرائع والأحكام، لبعدهم عن مواطن الأنبياء، وديار التنزيل {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوال مخلوقاته على العموم. وهؤلاء منهم: {حَكِيمٌ } فيما يجازيهم به من خير وشرّ. قوله: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } هذا تنويع لجنس إلى نوعين، الأوّل: هؤلاء، والثاني: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } والمغرم: الغرامة والخسران، وهو ثاني مفعولي يتخذ، لأنه بمعنى الجُعل، والمعنى: اعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران، وأصل الغرم والغرامة، ما ينفقه الرجل وليس بلازم له في اعتقاده، ولكنه ينفقه للرياء والتقية. وقيل: أصل الغرم: اللزوم، كأنه اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له النفس. و{ٱلدَّوَائِرَ } جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية، وأصلها: ما يحيط بالشيء، ودوائر الزمان: نوبه وتصاريفه، ودوله، وكأنها لا تستعمل إلا في المكروه، ثم دعا سبحانه عليهم بقوله: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء } وجعل ما دعا به عليهم مماثلاً لما أرادوه بالمسلمين، و{السوء} بالفتح عند جمهور القراء مصدر أضيفت إليه الدائرة للملابسة، كقولك رجل صدق. وقرأ أبو عمرو، وابن كثير، بضم السين، وهو المكروه. قال الأخفش: أي: عليهم دائرة الهزيمة والشرّ. وقال الفراء: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء}: العذاب والبلاء. قال: والسوء بالفتح مصدر سؤته سوءاً ومساءة، وبالضم اسم لا مصدر، وهو كقولك: دائرة البلاء والمكروه {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لما يقولونه {عَلِيمٌ } بما يضمرونه. قوله: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما تقدّم: أي: يصدّق بهما {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } أي: يجعل ما ينفقه في سبيل الله {قُرُبَـٰتٍ } وهي: جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله سبحانه، تقول منه قربت لله قرباناً، والجمع: قرب وقربات. والمعنى: أنه يجعل ما ينفقه سبباً لحصول القربات {عِندَ ٱللَّهِ} وسبباً لـ {صلوات الرسول} أي: لدعوات الرسول لهم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين، ومنه قوله: {أية : وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } تفسير : [التوبة: 103]، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» تفسير : .ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقرّباً إلى الله مقبول واقع على الوجه الذي أرادوه، فقال: {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } فأخبر سبحانه بقبولها خبراً مؤكداً باسمية الجملة، وحرفي التنبيه والتحقيق، وفي هذا من التطييب لخواطرهم، والتطمين لقلوبهم ما لا يقادر قدره، مع ما يتضمنه من النعي على من يتخذ ما ينفق مغرماً، والتوبيخ له بأبلغ وجه، والضمير في {إنها} راجع إلى «ما» في {ما ينفق} وتأنيثه باعتبار الخبر. وقرأ نافع، في رواية عنه «قُربة» بضم الراء، وقرأ الباقون: بسكونها تخفيفاً، ثم فسر سبحانه القربة بقوله: {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ } والسين لتحقيق الوعد. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } قال: أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالاً، وفي قوله: {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم، قال للمؤمنين "حديث : لا تكلموهم ولا تجالسوهم"تفسير : ، فأعرضوا عنهم كما أمر الله. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } قال: لتجاوزوا عنهم. وأخرج أبو الشيخ، عنه، في قوله: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } قال: من منافقي المدينة {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } يعني: الفرائض، وما أمر به من الجهاد. وأخرج أبو الشيخ، عن الكلبي، أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان. وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» تفسير : وإسناد أحمد هكذا: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. قال في التقريب: وأبو موسى عن وهب بن منبه مجهول من السادسة، ووهم من قال إنه إسرائيل بن موسى، وقال الترمذي بعد إخراجه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري. وأخرج أبو داود، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد أحد من سلطانه قرباً إلا ازداد من الله بعداً»تفسير : وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } قال: يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي من يعطي من الصدقات كرهاً {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ } الهلكات. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في الآية قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا، ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرماً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } قال: هم بنو مقرّن من مزينة، وهم الذين قال الله: {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن معقل، قال: كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَصَلَوٰتِ ٱلرَّسُولِ } يعني: استغفار النبي صلى الله عليه وسلم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيآءُ} في السبيل ها هنا وجهان: أحدهما: الإنكار. الثاني: الإثم. وقوله تعالى: {يَسْتَأْذِنُونَكَ} يعني في التخلف عن الجهاد. {وَهُمْ أَغْنِيَآءُ} يعني بالمال والقدرة. {رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم الذراري من النساء والأطفال. الثاني: أنهم المتخلفون بالنفاق.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} يعني يعتذر هؤلاء المنافقون المتخلفون عنك يا محمد إليك وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنهم اعتذروا إليه وإلى المؤمنين فلهذا قال تعالى يعتذرون إليكم يعني بالأعذار الباطلة الكاذبة إذا رجعتم إليهم يعني من سفركم {قل} أي قل لهم يا محمد {لا تعتذروا} قال البغوي: روي أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين فقال الله تعالى قل لا تعتذروا {لن نؤمن لكم} يعني لن نصدقكم فيما اعتذرتم به {قد نبأنا الله من أخباركم} يعني قد أخبرنا الله فيما سلف من أخباركم {وسيرى الله عملكم ورسوله} يعني في المستأنف أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه وقيل: يحتمل أنهم وعدوا بأن ينصروا المؤمنين في المستقبل فلهذا قال وسيرى الله عملكم ورسوله هل تفون بما قلتم أم لا {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم} يعني فيخبركم {بما كنتم تعملون} لأنه هو المطلع على ما في ضمائركم في الخيانة والكذب وإخلاف الوعد. قوله عز وجل: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} يعني إذا رجعتم من سفركم إليهم يعني إلى المتخلفين بالمدينة من المنافقين {لتعرضوا عنهم} يعني لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم ولا توبخوهم بسبب تخلفهم {فأعرضوا عنهم} يعني فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق. وقيل: يريد ترك الكلام يعني لا تكلموهم ولا تجالسوهم فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال لا تجالسوهم ولا تكلموهم قال أهل المعاني إن هؤلاء المنافقين طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر العلة في سبب الإعراض عنهم فقال تعالى: {إنهم رجس} يعني أن بواطنهم خبيثة نجسة وأعمالهم قبيحة {ومأواهم} يعني مسكنهم في الآخرة {جهنم جزاء بما كانوا يكسبون} يعني من الأعمال الخبيثة في الدنيا. قال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلاً من المنافقين فقال النبي: صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تجالسوهم ولا تكلموهم"تفسير : . وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم الذي لا إله إلا هو أنه لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه فأنزل الله عز وجل هذه الآية والتي بعدها {يحلفون لكم لترضوا عنهم} يعني: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم {فإن ترضوا عنهم} يعني فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا لكم وقبلتم عذرهم {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} يعني أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى عنهم أبداً. وقوله سبحانه وتعالى: {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً} نزلت في سكان البادية يعني أن أهل البدو أشد كفراً ونفاقاً من أهل الحضر. قال أهل اللغة: يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب. ورجل أعرابي إذا كان بدوياً يطلب مساقط الغيب والكلأ. ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب فمن استوطن القرى والمدن العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم الأعراب، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح بذلك. والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب والعرب أفضل من الأعراب، لأن المهاجرين والأنصار وعلماء الدين من العرب. والسبب في كون الأعراب أشد كفراً ونفاقاً بُعدهم عن مجالسة العلماء وسماع القرآن والسنن والمواعظ وهو قوله سبحانه وتعالى {وأجدر} يعني وأخلق وأحرى {ألا يعلموا} يعني بأن لا يعلموا {حدود ما أنزل الله على رسوله} يعني الفرائض والسنن والأحكام {والله عليم} يعني بما في قلوب عباده {رحيم} فيما فرض من فرائضه وأحكامه {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} يعني لا يرجو على إنفاقه ثواباً ولا يخاف على إمساكه عقاباً إنما ينفق خوفاً أو رياء. والمغرم: التزام ما لا يلزم. والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة لأنه لا ينفق ذلك إلا خوفاً من المسلمين أو مرآة لهم ولم يرد بذلك الإنفاق وجه الله وثوابه {ويتربص} يعني: وينتظر {بكم الدوائر} يعني بالدوائر تقلب الزمان وصروفه التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. قال يمان ابن رباب: يعني تقلب الزمان فيموت الرسول وتظهر المشركون {عليهم دائرة السوء} يعني: بل يتقلب عليهم الزمان ويدور السوء والبلاء والحزن بهم ولا يرون في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودينه إلا ما يسوءهم {والله سميع} يعني لأقوالهم {عليم} يعني بما يخفون في ضمائرهم من النفاق والغش وإرادة السوء للمؤمنين نزلت هذه الآية في أعراب أسد وغطفان.

البقاعي

تفسير : ثم شرع يخبر عن أشياء تقع منهم عند الرجوع دلالة على أن هذا كلامه وأنه عالم بالمغيبات كليها وجزئيها، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فقال مبيناً لعدم علمهم: {يعتذرون} أي يثبتون الأعذار لأنفسهم: وأشار إلى بعدهم بالقلوب بقوله: {إليكم} أي عن التخلف {إذا رجعتم إليهم} أي من هذه الغزوة، كأنه قيل: فماذا يقال في جوابهم؟ فقال للرأس الذي لا تأخذه في الله لومة لائم: {قل لا تعتذروا} أي فإن أعذاركم كاذبة، ولذلك علل النهي بقوله: {لن نؤمن لكم} أي نصدقكم في شيء منها، ثم علل عدم تصديقهم بما أوجب لهم القطع بذلك فقال: {قد نبأنا الله} أي أعلمنا الملك الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء إعلاماً جليلاً {من أخباركم} أي التي ظننتم جهلاً بالله أنها تخفى فقد علمناها؛ ثم هددهم بقوله: {وسيرى الله} أي لأنه عالم بكل شيء وإن دق قادر على كل شيء {عملكم} أي بعد ذلك أتتبينون أم تثبتون على حالكم هذا الخبيث كما رأى الذي قبل {ورسوله} أي بما يعلمه به سبحانه وحياً أو تفرساً، ولما كان الكلام في المنافقين، فكانت الرؤية لنفاقهم الذي يجتهدون في إخفائه، وكان المؤمنون لا اطلاع لجميعهم عليهم، لم يذكرهم بخلاف من يأتي بعد فإنهم مؤمنون. ولما كان هذا ربما أوهمهم أنه لا يعلم إلا ما أوقعوه بالفعل، نفى ذلك بإظهار وصفه في موضع الإضمار مهدداً بقوله مشيراً بأداة التراخي إلى استبعادهم لقيامهم إلى معادهم: {ثم تردون} أي براد قاهر لا تقدرون على دفاعه بعد استيفاء آجالكم بالموت وإن طالت ثم البعث {إلى عالم الغيب} وهو ما غاب عن الخلق {والشهادة} وهو ما اطلع عليه أحد منهم. فصار بحيث يطلعون عليه وهذا ترجمة عن الذي يعلم الشيء قبل كونه ما يعلم بعد كونه {فينبئكم} أي يخبركم إخباراً عظيماً جليلاً مستوعباً {بما كنتم} أي بجبلاتكم {تعملون*} أي مما أبرزتموه إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم، ولو تأخرتم لبرز، وهو تهديد عظيم، ووقع ترتيبهم للاعتذار على الأسهل فالأسهل على ثلاث مراتب: الأولى مطلق الاعتذار وقد مضى ما فيها؛ الثانية تأكيد ذلك بالحلف للإعراض عنهم فقال سبحانه: {سيحلفون بالله} أي الذي لا أعظم منه {لكم إذا انقلبتم إليهم} أي جهد إيمانهم أنهم كانوا معذورين في التخلف كذباً منهم إرادة أن يقلبوا قلوبكم عما اعتقدتم فيهم {لتعرضوا عنهم} أي إعراض الصفح عن معاتبتهم {فأعرضوا عنهم} إعراض المقت؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال" حديث : لا تجالسوهم ولا تكلموهم" تفسير : ثم علل وجوب الإعراض بقوله {إنهم رجس} أي لا يطهرهم العتاب فهو عبث. ولما كان من المقرر أنه لا بد لهم من جزاء، وأن النفس تتشوف إلى معرفته، قال: {ومأواهم} أي في الآخرة {جهنم جزاء} أي لأجل جزائهم {بما كانوا يكسبون*} أي فلا تتكلفوا لهم جزاء غير ذلك بتوبيخ ولا غيره؛ المرتبة؛ الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال: {يحلفون لكم} أي مجتهدين في الحلف بمن تقدم أنهم يحلفون به وهو الله {لترضوا عنهم} خوفاً من غائلة غضبكم {فإن ترضوا عنهم} أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم إيمانهم {فإن الله} أي الذي له الغنى المطلق {لا يرضى} عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: {عن القوم الفاسقين*} إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميماً لكل من اتصف بذلك، والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به مخالفين الله، فهو في الحقيقة نهي للمؤمنين عن الرضى عنهم، أبرز في هذا الأسلوب العجيب المرقص، وفي ذلك رد على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا عنهم يقتضي رضى الله، فإن ذلك رد نزعة مما يفعل الأحبار والرهبان في رضاهم وغضبهم وتحليلهم وتحريمهم الذي يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى. ولما ترتب سبحانه الاستئذان في العقود والرضى بما فيه من الدناءة على عدم الفقه تارة والعلم أخرى وختم بصنف الأعراب، بين أن الأعراب أولى بذلك لكونهم أعرق في هذا الوصف وأجرأ على الفسق لبعدهم عن معدن العلم وصرفهم أفكارهم في غير ذلك من أنواع المخازي لتحصيل المال الذي كلما داروا عليه طار عنهم فأبعد. فهم لا يزالون في همه قد شغلهم ذلك عن كل هم وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً فقال تعالى: {الأعراب} أي أهل البدو {أشد} أي من أهل المدر {كفراً ونفاقاً} لبعدهم عن دار الهجرة ومعدن العلم وجفائهم بأن مرائي قلوبهم لم تصقل بأنوار الكتاب والسنة {وأجدر أن} أي وأحق بأن {لا يعلموا} ولما كان الإحجام أصعب من الإقدام، وأطراف الأشياء المختلطة في غاية الإلباس، قال: {حدود ما أنزل الله} أي المحيط علماً وحكمة بكل شيء {على رسوله} أي الذي أعلم الخلق من القرآن والشرائع والأحكام لعدم إقبالهم عليه شغلاً بغيره فإن الله يعلم ذلك منهم {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {عليم} أي بالغ العلم بكل شيء {حكيم*} أي بالغ الحكمة فهو يضع الأشياء في أتم محالها. ولما أثبت هذا الوصف لهذا الصنف بين أن أفراده انقسموا إلى من ثبت على ما هو الأليق بحالهم، وقسم نزع إلى ما هو الأليق بأهل المدر، كما انقسم أهل المدر إلى مثل ذلك، وبدأ بالخبيث لأنه الأصل فيهم فقال: {ومن الأعراب} أي المذكورين {من يتخذ} أي يتكلف غير ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الأريحية والهمم العلية بأن يعد {ما ينفق مغرماً} أي فلا يبذله إلا كرهاً ولا يرى له فائدة أخروية بل يراه مثل الصنائع بالنهب ونحوه {ويتربص} أي يكلف نفسه الربص، وهو أن يسكن ويصبر وينتظر { بكم الدوائر} أي الدواهي التي تدور بصاحبها فلا يتخلص منها، وذلك ليستريح من الإنفاق وغيره مما ألزمه به الدين. ولما تربصوا هذا التربص، دعا عليهم بمثل ما تربصوا فقال: {عليهم دائرة السوء} أي دائماً لا تنفك إما بإذلال الإسلام وإما بعذاب الاصطلام، فهم فيما أرادوه بكم على الدوام، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم السين على أن معناه الشر والضر، وقراءة الباقين بالفتح على أنه مصدر، فهو ذم للدائرة. ولما كان الانتقام من الأعداء وإيقاع البأس بهم لا يتوقف من القادر غالباً إلا على سماع أخبارهم والعلم بها، جرت سنته تعالى في ختم مثل بقوله: {والله} أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الكاملة {سميع} يسمع ما يقولون {عليم*} أي فهو يعلم ما يضمرون عطفاً على نحو أن يقال: فالله على كل شيء قدير، ونحوه قوله {إنني معكما أسمع وأرى}.

القشيري

تفسير : أراد إذا تَقَوَّلُوا بما هم فيه كاذبون، وضللوا عما كانوا في تخلفهم به يتَّصِفون - فأَخْبِرُوهم أنَّا عَرَّفَنَا اللهُ كَذبَكم فيما تقولون، واتضحت لَنَا فضائحُكم، وتَمَيَّزَ - بما أظهره الله لنا - سَيِّئُكُم وصالِحُكم، فإِنَّ اللهَ تعالى لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِنْ أحوالكم، وسَتَلْقَوْنَ غِبَّ أعمالكم في آجلكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يعتذرون} اى يعتذر المنافقون {إليكم} فى التخلف وكانوا بضعة وثمانين رجلا والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه والآية نزلت قبل وقوع الاعتذار ولذا قال الكاشفى [القاء اعتذار خواهد كرد منافقان بسوى شما] {إذا رجعتم} من غزوة تبوك منتهين {اليهم} وانما لم يقل الى المدينة ايذانا بان مدار الاعتذار هو الرجوع اليهم لا الرجوع الى المدينة فلعل منهم من بادر بالاعتذار قبل الرجوع اليها {قل} يا محمد والتخصيص لما ان الجواب من وظيفته عليه السلام {لا تعتذروا} اى لا تفعلوا الاعتذار لانه {لن نؤمن لكم} لن نصدقكم فى اعتذاركم لانه {قد نبأنا الله من اخباركم} اى اعلمنا بالوحى بعض اخباركم المنافية للتصديق وهو ما فى ضمائرهم من الشر والفساد: وفى المثنوى شعر : از منافق عذررد آمد نه خوب زانكه درلب بود آن نى در قلوب[1] كذب جون خس باشدول جودهان خس نكردد دردهان هركز نهان[2] تفسير : {وسيرى الله عملهم} فيما سيأتى {ورسوله} أتتوبون عن الكفر والنفاق ام تثبتون عليه وكأنه استتابة وامهال للتوبة {ثم تردون} يوم القيامة {الى عالم الغيب} وهو ما غاب عن العباد {والشهادة} وهو ما علمه العباد {فينبئكم} عند ردكم اليه ووقوفكم بين يديه {بما كنتم تعملون} اى بما كنتم تعملونه فى الدنيا على الاستمرار من الاعمال السيئة السابقة واللاحقة والمراد بالتنبئة بذلك المجازاة به وايثارها عليها للايذان بانهم ما كانوا عالمين فى الدنيا بحقيقة اعمالهم وانما يعلمونها يومئذ حين يرونها على صورها الحقيقة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: مفعول (نبأ) الثاني: محذوف، أي: نبأنا جملة من أخباركم، و (جزاء): مصدر لمحذوف، أي: يجازون جزاء أو علة، أي: للجزاء بما كسبوا. يقول الحق جل جلاله: {يعتذرون إليكم} يعني: المنافقين، {إذا رجعتم إِليهم} من تبوك، {قل} لهم: {لا تعتذروا} بالمعاذير الكاذبة؛ لأنه {لن نؤمن لكم} أي: لن نصدقكم فيها؛ لأنه {قد نبأنا اللَّهُ من أخباركم}؛ أعلمنا بالوحي، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ببعض أخباركم، وهو ما في ضما ئركم من الشر والفساد. {وسيَرَى الله عملكم ورسولُه}: هل تتوبون من الكفر، أم تثبتون عليه؟ وكأنه استتابة وإمهال للتوبة، {ثم تُردُّون إلى عالم الغيب والشهادة} وهو الله، والأصل: ثم تردون إليه؛ فوضع هذا الوصف موضع الضمير؛ للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعَلانيتهم، لا يعزب عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم، {فينبئكم} أي: يخبركم {بما كنتم تعملون}؛ بالتوبيخ والعقاب عليه. {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم} من غزوكم؛ {لتُعرضوا عنهم} أي: عن عتابهم، {فأعرضوا عنهم}؛ لا توبخوهم؛ {إنهم رِِجْسٌ}؛ لخبث قلوبهم لا ينفع فيهم التأنيب، فإن المقصود من العتاب: التطهير بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير، فهو علة للإعراض وترك المعاتبة، {ومأواهم جهنمُ} أي: منقلبهم إليها، والمعنى: أن النار كفتهم عتاباً، فلا تتكلفوا عتابهم، وذلك {جزاءً بما كانوا يكسبون} من الكفر والنفاق. {يحلفُون لكم لتَرضَوا عنهم} بحلفهم، فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم من الستر والإرفاق، وإشراكهم في الغنائم، {فإن تَرْضَوا عنهم} بذلك {فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} أي: فإن رضاكم لا يستلزم رضى الله، ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه، أو إن أمكنهم أن يُلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله؛ فإنه يهتك سترهم وينزل الهوان بهم. والمقصود من الآية: النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم. قاله البيضاوي. الإشارة: قد يظهر لهذه الطائفة منافقون، إذا ظهر على أهل الله عز أو نصر جاؤوا يعتذرون عن تخلفهم عنه، ويحلفون أنهم على محبتهم؛ فلا ينبغي الاغترار بشأنهم، ولا مواجهتهم بالعتاب؛ بل الواجب الإعراض عنهم والغيبة في الله عنهم، فسيرى الله عملهم ورسوله، ثم يردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعملون. ثم ذكر منافقي البادية، فقال: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً}.

الطوسي

تفسير : اخبر الله تعالى ان هؤلاء القوم الذين تأخروا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله من غير عذر كان يبيحهم ذلك اذا عاد النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنون إنهم كانوا يجيؤن اليهم ويعتذرون اليهم عن تأخرهم بالأباطيل والكذب، فقال الله تعالى لنبيه: قل يا محمد لهم {لا تعتذروا} فلسنا نصدقكم على ما تقولون، فان الله تعالى قد اخبرنا من اخباركم واعلمنا من امركم ما قد علمنا به كذبكم {وسيرى الله عملكم ورسوله} أي سيعلم الله فيما بعد عملكم هل تتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ ويحتمل أن يكون المراد أنه يحل في الظهور محل ما يرى {ثم تردون} اي ترجعون إلى من يعلم الغيب والشهادة يعني السر والعلانية الذي لا يخفى عليه بواطن أموركم {فينبئكم بما كنتم تعملون} أي فيخبركم باعمالكم كلها حسنها وقبيحها فيجازيكم عليها أجمع. والاعتذار اظهار ما يقتضي العذر ويمكن ان يكون صحيحاً ويمكن ان يكون فاسداً كاعتذار هؤلاء المنافقين. والفرق بين الاعتذار والتوبة ان التوبة اقلاع عن سيئة قد وقعت، والاعتذار اظهار مايقتضي انها لم تقع، ولذلك يجوز ان يتوب إلى الله ولا يجوز ان يعتذر اليه. والاعتذار الذي له قبول هو ما كان صاحبه محقاً، فأما الاعتذار بالباطل فهو أسوء لحال صاحبه قال الشاعر: شعر : إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه وكل امرئ لا يقبل العذر مذنب

الجنابذي

تفسير : {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} يبالغون فى ايتاء العذر اليكم وابدائه لكم من غير حصول عذرٍ لهم بقرينة الرّدّ عليهم وان كان الاعتذار اعمّ من ابداء العذر من غير عذرٍ او مع عذرٍ وهو اخبارٌ بما سيقع {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} من غزوتكم هذه وهى غزوة تبوك {قُل} فى جوابهم بعد رجوعك واعتذارهم {لاَّ تَعْتَذِرُواْ} لا تبدوا العذر من غير حقيقةٍ {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} اى لن نصدّقكم {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} ومنه اعتذاركم هذا بالكواذب ولمّا كان اعتذارهم للتّدليس على النّبىّ (ص) واصحابه جميعاً ضمّ اصحابه الى نفسه واتى بلفظ المتكلّم مع الغير {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} وضع الظّاهر موضع المضمر للتّهديد وانّه لا يخفى عليه شيءٌ من اعمالكم تأكيداً لما قبله {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} اخبار عنهم قبل وقوعه ايضاً {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} ولا تخاطبوهم بما وقع منهم ولا تعاتبوهم بل تكونوا توافقونهم وترافقوهم كسائر المؤمنين {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} لا عن خطابهم وعتابهم فقط بل عن معاشرتهم وموافقتهم {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} بحسب اصل ذواتهم فلا يقبلون الطّهارة حتّى يؤذن لكم فى عتباهم او فى مرافقتهم باحتمال اصلاحهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} بدل من الاوّل نحو بدل الاشتمال، او تأكيد نحو التّأكيد المعنوىّ حيث انّ الغرض من الاعراض الاعراض عن المعاتبة والملامة المقارن للرّضا غالباً، ولذا عقّب الامر بالاعراض بقوله انّهم رجس للاشارة الى انّ الامر ليس لما قصدوه من الرّضا وترك السّخط، بل لعدم شأنيّتهم للمعاتبة والملامة {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} نهى عن الرّضا بألطف وجه وابلغه كأنّه قال: فان ترضوا كان رضاكم مخالفاً لرضا الله والايمان يقتضى ان يكون رضاكم تبعاً لرضا الله فلا ترضوا عنهم لانّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، ووضع الظّاهر موضع المضمر اشارةً الى ذمٍّ آخر واشعاراً بعلّة الحكم.

اطفيش

تفسير : {يعْتَذرونَ إليْكُم} عن تخلفهم {إذا رجَعْتُم} الخطابان للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، لأنهم يعتذرون أيضا للمؤمنين، وقيل: الخطابان للنبى صلى الله عليه وسلم والجمع تعظيم {إلَيْهم} من هذه الغزوة. {قُلْ} لهم {لا تَعْتَذرُوا} وعلل هذا بقوله: {لَنْ نُؤمنَ لكُم} أى لن نصغى ولن ننقاد إلى اعتذاركم لأنه كذب، وعلل هذا بقوله: {قَدْ نبَّأنا اللهُ} أى عرفنا بتشديد الراء فهو محتاج إلى مفعولين: الأول نا، والثانى محذوف منعوت بقوله: {مِنْ أخْباركُم} أى شيئا من أخباركم، أو هو إخبار ومن للتأكيد على قول أبى الحسن الأخفش، يجوز بزيادة من فى الإيجاب، ومع المعرفة أى قد نبأنا الله أخباركم، أو نبأ بمعنى أعلم، فالمفعولان الأولان هما ما ذكر، والثالث تقديره كذبا أو كاذبة، وأخبارهم على الوجه الأول هى ما فى قلوبهم من النفاق والفساد، والخيال والإيضاع، خلاف المؤمنين، وبفى الفتنة ونحو ذلك، وعلى الثانى هى كلامهم فى الاعتذار. {وسَيَرى اللهُ عَملكُم ورسُولُه} بعد ذلك أتتوبون عن النفاق أم لا؟ وهذا إمهال واستتابة، أو تفون بالوعد أم لا؟ وذلك أنه قيل: وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر، روى أن ابن أبىّ حلف بالله الذى لا إله إلا هو لا يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا، وطلبه أن يرضى عنه، فنزل ذلك إلى قوله: {أية : الفاسقين}تفسير : وإن قلت: لم قال: {وسيرى الله} وهو قد علم بما يعملون فى الأزل؟ قلت: لأن مراده بالرؤية الجزاء، وذلك أنها بمعنى العلم، والعلم بشىء يقتضى الجزاء عليه خيرا أو شرا، والجزاء إنما هو بعد العمل، أو لأن كما علمه فى الأزل، وبعد الأزل يعلمه إذا وقع أو لأن المراد سيراه الرسول، وذكر الله تعظيما وتأكيدا. {ثُمَّ تردُّونَ} بالبعث {إلى عَالمِ الغَيْبِ} كلما غاب عن الخلق {والشَّهادةِ} كلما شاهده الخلق، والأصل ثم تردون إليه فوضع الظاهر موضع الضمير ليدل على علمه بما أخفوا وما ظهروا {فَينبِّئكُم بما كُنتم تعْملونَ} بالتوبيخ والعقاب، وذلك أن المشركين يسألون فى بعض مواطن القيامة توبيخا، ولا يسألون فى بعض، ولا يسألون عتابا يعقبه رضا، أو أراد بالتنبيه الجزاء، فإن جزاءهم على أعمالهم كالإخبار بها، وإن لم يكونوا مشركين فلا إشكال، فإنهم يحاسبون حسابا يسيرا.

اطفيش

تفسير : {يَعْتَذِرُونَ} فى القعود، والمضارع لحكاية الحال الماضية وإِن نزلت الآية قبل دخول المدينة فالمضارع للاستقبال {إِلَيْكُمْ} إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإِلى الصحابة {إِذَا رَجَعْتُمْ} من غزوة تبوك {إِلَيْهِمْ} وهم بضعة وثمانون رجلا، اعتذروا حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَصحابه فى المدينة أَو قبلها أَو بعض فيها أَو بعض قبلها، وقيل نزلت فى عبدالله بن أُبى وله شيعة حلف أَن لا يتخلف أَبداً عن غزوة ونقض فلم يرض صلى الله عليه وسلم بعد {قُل} لم يقل قولوا كما قال إِليكم لأَنه صلى الله عليه وسلم هو الذى يقول لهم {لاَّ تَعْتَذِرُوا} بالأَعذار الكاذبة، وليس عندكم عذر صادق فإِن هذا ذنب آخر لانفع لكم فيه {لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} لن نذعن ولن نصغى لكم فى اعتذاركُمْ، وبين موجب ذلك وعلته بقوله {قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أَعلمنا بعضاً من أَخباركم المحرمة كالتكذيب بالنبوة وما ستره الله أَكثر وما استقصى كريم قط، وأَجاز الأَخفش زيادة من فى الإِثبات والتعريف، فيكون المعنى قد نبأَنا الله أَخباركم، ويجوز أَن يكون نبأَ تعدى الثالث تقديره كذباً أَو نحوه من أَعمال الجارحة واعتقاد الباطل {وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} سيعلم الله عملكم المستقبل أَهو التوبة أَم الإِصرار، وهو عالم به بلا أَول لعلمه، لكن ساق لهم الكلام مساق الإِمهال والاستتابة، أَو المراد عملهم السوءُ وأَنه سوف يعلمه عما يتعلق به الجزاءُ، ويجوز أَن يكون المعنى سيعذبكم فى الدنيا لأَن العلم بالشىءِ سبب للعقاب عليه وملزوم له، وذكر عذاب الآخرة فى قوله {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يعاقبكم بعملكم أَو بما كنتم تعملونه، والإِخبار بما يوجب العقاب كناية عن العقاب بالتوبيخ والعذاب. وإِنما قال ينبئكم مع أَنهم عالمون بما عملوا لأَنهم قد ينسونه أَو بعضه، أَو ذلك من لازم الفائدة كما تقول لمن علم بقيام زيد قام زيد ليعلم أَنك عالم بقيامه، وهذا كما وضع الظاهر موضع المضمر فى قوله عالم الغيب ومقتضى الظاهر ثم تردون إِليه فينبئكم بما كنتم تعملون ليعلموا أَنه تعالى عالم بسرهم كعلنهم فلا يفوت عذابهم وهذا أَشد عليهم.

الالوسي

تفسير : {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} بيان لما يتصدون له عند الرجوع إليهم، والخطاب قيل للنبـي صلى الله عليه وسلم، والجمع للتعظيم، والأولى أن يكون له عليه الصلاة والسلام ولأصحابه لأنهم كانوا يعتذرون للجميع أي يعتذرون إليكم في التخلف {إِذَا رَجَعْتُمْ} من الغزو منتهين {إِلَيْهِمُ} وإنما لم يقل سبحانه إلى المدينة إيذاناً بأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة فلعل منهم من بادر إلى الاعتذار قبل الرجوع إليها {قُلْ} خطاب له صلى الله عليه وسلم، وخص بذلك لما أن الجواب وظيفته عليه الصلاة والسلام {لاَ تَعْتَذِرُواْ} أي لا تفعلوا الاعتذار أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} استئناف لبيان موجب النهي. وقوله: { قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} استئناف لبيان موجب النفي كأنه قيل: لم نهيتمونا عن الاعتذار؟ فقيل: لأنا لم نصدقكم في عذركم فيكون عبثاً فقيل: لم لن تصدقونا؟ فقيل: لأن الله تعالى قد أنبأنا بالوحي بما في ضمائركم من الشر والفساد. و (نَبَّأ) عند جمع متعدية إلى مفعولين الأول الضمير والثاني {مِنْ أَخْبَارِكُمْ} إما لأنه صفة المفعول الثاني، والتقدير جملة من أخباركم أو لأنه بمعنى بعض أخباركم، وليست {مِنْ} زائدة على مذهب الأخفش من زيادتها في الإيجاب. وقال بعضهم: إنها متعدية لثلاثة {وَمِنْ أَخْبَـٰرَكُمْ} ساد مسد مفعولين لأنه بمعنى إنكم كذا وكذا أو المفعول الثالث محذوف أي واقعاً مثلاً، وتعقب بأن السد المذكور بعيد، وحذف المفعول الثالث إذا ذكر المفعول الثاني في هذا الباب خطأ أو ضعيف، ومعنى {نَبَّأَنَا} على الأول عرفنا كما قيل وعلى الثاني أعلمنا، وقيل: معناه خبرنا، و {مِنْ} بمعنى عن وليس بشيء، وجمع ضمير المتكلم في الموضعين للمبالغة في حسم أطماع المنافقين المعتذرين رأساً ببيان عدم رواج اعتذارهم. عند أحد من المؤمنين أصلاً فإن تصديق البعض لهم ربما يطمعهم في تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام أيضاً وللإيذان بافتضاحهم بين المؤمنين كافة وتعدية {نُؤْمِنُ} باللام مر بيانها. {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} أي سيعلمه سبحانه علماً يتعلق به الجزاء فالرؤية علمية، والمفعول الثاني محذوف أي أتنيبون عما أنتم فيه من النفاق أم تثبتون عليه، وكأنه لمكان السين المفيدة للتنفيس استتابة / وإمهال للتوبة، وتقديم مفعول الرؤية على الفاعل من قوله سبحانه: {وَرَسُولُهُ} للإيذان باختلاف حال الرؤيتين وتفاوتهما وللإشعار بأن مدار الوعيد هو علمه عز وجل بأعمالهم. {ثُمَّ تُرَدُّونَ} يوم القيامة {إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال، ووضع الوصف موضع الضمير لتشديد الوعيد فإن علمه سبحانه بجميع أعمالهم الظاهرة والباطنة وإحاطته بأحوالهم البارزة والكامنة مما يوجب الزجر العظيم. وتقديم الغيب على الشهادة قيل: لتحقيق أن نسبة علمه تعالى المحيط إلى سائر الأشياء السر والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده، كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء وتحققه في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأمور البارزة والكامنة انتهى. ولا يخفى عليك أن هذا قول بكون علمه سبحانه بالأشياء حضورياً لا حصولياً. وقد اعترضوا عليه بشمول علمه جل وعلا الممتنعات والمعدومات الممكنة والعلم الحضوري يختص بالموجودات العينية لأنه حضور المعلوم بصورته العينية عند العالم فكيف لا يختلف الحال فيه بين الأمور البارزة والكامنة مع أن الكامنة تشمل المعدومات الممكنة والممتنعة، ولا يتصور فيها التحقق في نفسها حتى يكون علماً له تعالى كذا قيل وفيه نظر، وتحقيق علم الواجب سبحانه بالأشياء من المباحث المشكلة والمسائل المعضلة التي كم تحيرت فيها أفهام وزلت من العلماء الأعلام أقدام، ولعل النبوة إن شاء الله تعالى تفضي إلى تحقيق ذلك. {فَيُنَبّئُكُمْ} عند ردكم إليه سبحانه ووقوفكم بين يديه {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي بما تعملونه على الاستمرار في الدنيا من الأعمال السيئة السابقة واللاحقة على أن (مَا) موصولة أو بعملكم المستمر على أن (مَا) مصدرية، والمراد من التنبئة بذلك المجازاة عليه، وإيثارها عليها لمراعاة ما سبق من قوله تعالى: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ} الخ وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالهم وإنما يعلمونها يومئذ.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي لأن هذا الاعتذار ليس قاصراً على الذين يستأذنون في التخلف فإن الإذن لهم يُغنيهم عن التبرؤ بالحلف الكاذب، فضمير {يعتذرون} عائد إلى أقرب معاد وهو قوله: {أية : وقعد الذين كذبوا الله ورسوله}تفسير : [التوبة: 90] فإنهم فريق من المنافقين فهم الذين اعتذروا بعد رجوع الناس من غزوة تبوك وجعل المسند فعلاً مضارعاً لإفادة التجدد والتكرير. و{إذا} هنا مستعملة للزمان الماضي لأن السورة نزلت بعد القفول من غزوة تبوك وجعل الرجوع إلى المنافقين لأنهم المقصود من الخبر عند الرجوع. والخطاب للمسلمين لأن المنافقين يقصدون بأعذارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويعيدونها مع جماعات المسلمين. والنهي في قوله: {لا تعتذروا} مستعمل في التأييس. وجملة: {لن نؤمن} في موضع التعليل للنهي عن الاعتذار لعدم جدوى الاعتذار، يقال: آمن له إذا صدقه. وقد تقدم في هذه السورة (61) قوله تعالى: {أية : ويؤمن للمؤمنين}تفسير : . وجملة: {قد نبأنا الله من أخباركم} تعليل لنفي تصديقهم، أي قد نبأنا الله من أخباركم بما يقتضي تكذيبكم، فالإبهام في المفعول الثاني لـــ {نبأنا} الساد مسد مفعولين تعويل على أن المقام يبينه. و{مِن} اسم بمعنى بعض، أو هي صفة لمحذوف تقديره: قد نبأنا الله اليقين من أخباركم. وجملة: {وسيرى الله عملكم} عطف على جملة {لا تعتذروا}، أي لا فائدة في اعتذاركم فإن خشيتم المؤاخذة فاعملوا الخيرَ للمستقبل فسيرى الله عملكم ورسوله إن أحسنتم؛ فالمقصود فتح باب التوبة لهم، والتنبيه إلى المكنة من استدراك أمرهم. وفي ذلك تهديد بالوعيد إن لم يتوبوا. فالإخبار برُؤية الله ورسوله عملهم في المستقبل مستعمل في الكناية عن الترغيب في العمل الصالح، والترهيب من الدوام على حالهم. والمراد: تمكنهم من إصلاح ظاهر أعمالهم، ولذلك أردف بقوله: {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة}، أي تصيرون بعد الموت إلى الله. فالرد بمعنى الإرجاع، كما في قوله تعالى: {أية : ثم ردّوا إلى الله مولاهم الحق}تفسير : في سورة الأنعام (62). والرد: الإرجاع. والمراد به هنا مصير النفوس إلى عالم الخلد الذي لا تصرف فيه لغير الله ولو في ظاهر الأمر. ولما كانت النفوس من خلق الله وقد أنزلها إلى عالم الفناء الدنيوي فاستقلت بأعمالها مدة العمر كان مصيرها بعد الموت أو عند البعث إلى تصرف الله فيها شبيهاً برد شيء إلى مقره أو إرجاعه إلى مالكه. والغيب: ما غاب عن علم الناس. والشهادة: المشاهدة. واللام في {الغيب} و{الشهادة} للاستغراق، أي كل غيب وكل شهادة. والعدول عن أن يقال: لم تردون إليه، أي إلى الله، لما في الإظهار من التنبيه على أنه لا يعزب عنه شيء من أعمالهم، زيادة في الترغيب والترهيب ليعلموا أنه لا يخفى على الله شيء. والإنباء: الإخبار. وما كنتم تعملون: علم كل عمل عملوه. واستعمل {فينبئكم بما كنتم تعملون} في لازم معناه، وهو المجازاة على كل ما عملوه، أي فتجدونه عالماً بكل ما عملتموه. وهو كناية؛ لأن ذكر المجازاة في مقام الإجرام والجناية لازم لعموم علم مَلك يوم الدين بكل ما عملوه.

الواحدي

تفسير : {يعتذرون إليكم} بالأباطيل {إذا رجعتم إليهم} من هذه الغزوة {قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم} لن نصدِّقكم {قد نبأنا الله من أخباركم} قد أخبرنا الله بسرائركم وما تخفي صدوركم {وسيرى الله عملكم ورسوله} فيما تستأنفون، تبتم من النِّفاق أم أقمتم عليه {ثمَّ تردون إلى عالم الغيب والشهادة} إلى مَنْ يعلم ما غاب عنّا من ضمائركم {فينبئكم بما كنتم تعملون} فيخبركم بما كنتم تكتمون وتسرون. {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم} إذا رجعتم {إليهم} من تبوك أنَّهم ما قدروا على الخروج {لتعرضوا عنهم} إعراض الصَّفح {فأعرضوا عنهم} اتركوا كلامهم وسلامهم {إنهم رجس} إنَّ عملهم قبيحٌ من عمل الشَّيطان.

القطان

تفسير : عالم الغيب: كل ما غاب عنا علمه. والشهادة: ما نشهده ونعرفه. اذا انقلبتم اليهم: اذا رجعتم اليهم. رجس: قذر يجب تجنبه. {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ}. سعيتذرُ إليكم أيها المؤمنون المجاهدون هؤلاء المتخلِّفون المقصّرون، عند رجوعكم من ميدان الجهاد. {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ}. قل لهم أيها الرسول: لا تعتذِروا، فإنّا لن نصدّقكم. ثم بيّن الله السببَ في عدمٍ تصديقهم فقال: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ}. فالله قد كشف حقيقةَ نفوسِكم وأوحى الى نبيّه بعض أخباركم التي تُسِرّونها في ضمائركم. {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. وسيرى اللهُ عملَكم ورسوله فيما بعد، ثم يكون مصيرُكم بعد الحياةِ الدنيا الى الله الذي يَعلم ما تكتُمون وما تُظهرون، فيُخبرك بما كنتم تعلمون، ويجازيكم عليه. ثم أكد ما سبق من نفاقهم بقوله: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ}. سيؤكدون لكم اعتذارَهم بما يحلِفون بالله لكم من الأيمان الكاذبة بأنهم صادقون في معاذيرِهم، إذا رجعتم من سفرِكم في غزوة تبوك، لكي يُرضوكم فَتغْفلوا عن عملهم.. لا تحقِّقوا لهم هذا الغرض. {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ}. فاجتنِبو وامقُتوهم. روى مقاتل أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال حين قدِم المدينة "حديث : لا تُجالسوهم ولا تكلّموهم، إنهم رجس" تفسير : فهم في أشد درجات الخبث النفسي والكفر. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }. ومصيرهم إلى جهنم، عقاباً على ما اقترفوه من نفقا وكذب. ثم ذاد في تأكيد نفاقهم فقال: "يحلِفون لكم لتَرضوا عنهم" أي إنهم سوف يحلفون لكم طمعاً في رضاكم عنهم، لتُعاملوهم معاملة المسلمين. {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. فان خُدعتم بأيمانهم ورضيتُم عنهم، فإن هذا لا ينفعُهم، لأن الله ساخطٌ عليهم لِفسْقِهم ونفاقهم، وخروجهم على الدين. روي عن ابن عباس ان هذه الآيات نزلت في الجدّ بن قيس بن قشير واصحابه. من المنافقين، وكانوا ثمانين رجلاً امر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين لَمّا رجعوا الى المدينة أن لا يجالسوهم لا يكلّموهم. وهكذا قرر الله العلاقات النهائية بين المسلمين والمنافقين، كما قررها من قبل بين المسلمين والمشركين، وبين اهل الكتاب والمسلمين، وكانت هذه السورة العظيمة هي الحكم النهائي الأخير.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَالِمِ} {وَٱلشَّهَادَةِ} (94) - أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ بِالجَيْشِ إِلَى المَدِينَةِ، فًَإِنَّ المُنَافِقِينَ الذِينَ قَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ أصحَّاءُ، سَيَأْتُونَ إليهِ مُعْتَذِرِينَ. وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: لاَ حَاجَةَ بِكُم لأِنْ تَعْتَذِرُوا فَلَنْ نُصَدِّقَكُمْ، وَلَنْ نَثِقَ بِكُمْ، لأنَّ اللهَ أَعْلَمَنَا بِأَحْوَالِكُمْ وَأَخْبَارُِكْم، وَسَيَرَى اللهُ وَرَسُولُهُ عَمَلَكُمْ فِيمَا بَعْدُ، وَهُوَ الذِي سَيُبَيِّنُ حَقِيقَةَ حَالِكُمْ: إِمَّا إِصْرَارٌ عَلَى النِّفَاقِ، وَإِمَّا تَوْبةٌ وَإِنَابةُ إِلى اللهِ. أَمَّا قَولُكُمْ بِالِّلسَانِ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ مَهْمَا أَكَّدْتُمُوهُ بِالأَيمَانِ. ثُمَّ يَتَوَلَّى اللهُ يومَ القِيَامَةِ إِخْبَارَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ خَيْرِها وَشَرِها، وَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهَا بِمَا تَسْتَحِقُّونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومعنى "يعتذر" أي: يبدي عذراً عن شيء يُخرجه من اللوم أو التوبيخ، ويقال: "اعتذر فلان" أي: فعل شيئاً مظنة أنه ذم، فيريد أن يعتذر عنه. والحق هنا يقول: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} وفي آية سابقة يقول مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ...} تفسير : [التوبة: 83]. وهكذا نلاحظ أنه سبحانه حين نسب الرجوع إلى الصحابة والمجاهدين قال: {رَجَعْتُمْ}، وعندما نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ} مما يدلنا على أن زمام محمد صلى الله عليه وسلم بيد ربه وحده، ولكن زمام أتباعه يكون باختيارهم. وهنا يقول الحق: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} ويأتي بعدها ذلك الرد الواضح على محاولة المنافقين في الاعتذار: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ}، وفي هذا رد حاسم، فأنت حين يعتذر إليك إنسان فقد تستمع لعذره ولكنك لا تقبله، ومجرد استماعك للعذر معناه أن هناك احتمالاً في أن يكون هذا العذر مقبولاً أو مرفوضاً، ولكن حين ترفض مجرد سماع العذر، فمعنى ذلك ألاَّ وجه للمعذرة. والحق سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} فكأنما ساعة أقبل المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ وتهيأوا للاعتذار؛ وقبل أن ينطقوا بالعذر؛ أوضح لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: لا تعتذروا، ورفض مجرد إبدائهم للعذر. ثم فاجأهم بالحكم في قوله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} ومادة "آمن" تدور حول عدة معان، نقول "آمن" أي: اعتقد وصدق مثل قولنا: "آمن بالله"، ويقال: "آمن بالشيء" أي: صدَّقه، و"آمن بكذا" أي: صدَّق ما قيل. والحق هو القائل: {أية : فَمَآ آمَنَ لِمُوسَىٰ ...} تفسير : [يونس: 83]. وقال إخوة يوسف لأبيهم: {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} تفسير : [يوسف: 17]. أي: لن تصدقنا. وآمن إذا تعدَّت بالباء فمعناها الاعتقاد، وإن تعدَّتْ باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بغير الباء وغير اللام فمعناها إعطاء الأمان، مثل قوله تعالى: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4]. وتجيء أيضاً "آمن" و "أمن" بمعنى الائتمان، مثل قول الحق سبحانه وتعالى على لسان يعقوب: {أية : هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ...} تفسير : [يوسف: 64]. إذن: فـ "آمن" إن تعدت بالباء فيكون معناها الاعتقاد الإيماني، وإنْ تعدَّتْ باللام فمعناها التصديق، وإن تعدَّتْ بنفسها إلى الفعل فهي إعطاء الأمان والسلام والاطمئنان، وإن تعدت بالمفعول أيضاً؛ فمعناها القدرة على أداء الأمانات، مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ...} تفسير : [آل عمران: 75]. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي: لن نصدقكم. فقد جاء المنافقون ليعتذروا بأعذار كاذبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض مجرد سماع الاعتذار، وأعلن لهم: لن نصدقكم. ولو امتلك المنافقون ذرة من ذكاء لفهموا أن رب محمد عليه الصلاة والسلام قد أخبره بكل شيء؛ حتى بما في قلوبهم قبل أن ينطقوه، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم، ولدخلوا في الإيمان، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس، فجاء الحق سبحانه وتعالى بالأمر واضحاً في قوله سبحانه: {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج، ولكنها وحي من الله. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}. ما هو العمل الذي سيراه الله سبحانه وتعالى ورسوله، بعد أن رفض رسول الله عذرهم، وأخبرهم بأن الله قد أخبره بما يُخْفونه من كذب في صدورهم؟ فسبحانه العالم بالسرائر كلها، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب المرجع إليه، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد صلى الله عليه وسلم لا تخفى عليه حتى نواياهم. وما دُمْتم قد علمتم صدق محمد صلى الله عليه وسلم في كل ما أبلغكم به، أصبح عليكم - إذن - أن ترجعوا وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان؛ وتراكم الدنيا من بعد ذلك وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان، أما إنْ أصررتم على ما أنتم فيه؛ فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ الله فيها رسوله بكذبكم. إذن: فقد فتح الله باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه، فانتهزوا هذه الفرصة؛ لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم. ولذلك يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94]. وما دام سبحانه عالم الغيب، فمن باب أوْلى أنه عليم بعالم الشهادة. والغيب - كما نعرف - هو ما غاب عنك، فلم تعرف عنه شيئاً. ولكن إنْ غاب عنك ولم يَغِبْ عن غيرك فهو غّيْبٌ نسبي؛ لأن هناك حجباً منعت عنك العلم، والمثَال: إن سُرق منك شيء فأنت لا تعرف السارق؛ ولكن السارق نفسه يعرف، ومن شاركه يعرف. والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف. والذي ابتاع المسروقات يعرف. إذن: فهو غيب عنك وليس غيباً على غيرك. أما الغيب المطلق فهو ما غاب عنك وعن غيرك، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدّعون قراءة الأفكار، ويسمونهم المنوِّمين المغناطيسيين، ويطلب المنوّم من أي واحد أن يُخرج ما في جيبه من نقود وأن يقوم بعدّها، ثم يخبره بعددها، وإن أردت أن تكشف ألاعيبه؛ ضع يدك في جيبك وأخرج كمية من النقود لا تعرف أنت مقدارها، واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف، لماذا؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد يعرفه غيرك إلى غيب مطلق. إذن: فالغيب المطلق هو ما غاب عنك عن غيرك، وهو أيضاً ما لا تكون له مقدمات توصلك إليه، فأنت إذا أعطيت ابنك تمريناً هندسيّاً ليحله؛ فالحل غيب عنه ساعة يقرأ المسألة، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى الحل، فكأن هناك أشياء لها مقدمات توصل إلى النتائج، وهذه ليست غيباً؛ لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء والذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما الغيب. فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين الموجودة بالفعل، لكنّنا لم نكُنْ نعرفها. وفي بعض التدريبات، نجد من يضع المسألة المطلوب حلّها، ويضع النتيجة الأخيرة بجانبها؛ لأنه لا يهدف إلى معرفة النتيجة، ولكنه يهدف لتعليم التلميذ كيف يصل إلى أسلوب الحل الصحيح. ولذلك إذا أردت أن تحلّ شيئاً في الهندسة مثلاً، فلا بد لك من معطيات توصلك إلى الحل؛ كأن يُطلب منك - مثلاً - إثبات أن الخطين متوازيان، وفي هذه الحالة يجب أن تكون كل زاويتين متناظرتين متساويتين، وكل زاويتين متبادلتين متساويتين. إذن: فانت قد أخذت مقدمات أو معطيات أوصلتك إلى النتيجة، وكذلك في تساوي ضلعي المثلث أو أضلاعه؛ يكون إثباته بتساوي الزوايا. فهل في هذه الحالة يقال: إنك اهتديت إلى الغيب؟ أم أنك استخدمت مقدمات أوصلتك إلى نتائج؟ وأنت حين تبرهن على صحة النظرية المباشرة، تقول: إن هذا يساوي هذا حسب النظرية رقم تسعة مثلاً، وإن هذا مقابل لهذا حسب النظرية الجديدة، وإذا وصلت في براهينك إلى نظرية رقم واحد فهي النظرية التي لا مقدمات لها، ولا بد أن تكون بديهية. وهكذا نجد أن كل علم في هذا الكون بُني على نظريات أو مقدمات بديهية، ثم تطورت بعد ذلك إلى اكتشاف ما أودعه الله في كونه من أسرار. أما الحق سبحانه وتعالى فهو يقول عن نفسه: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي أنه سبحانه عالم بالغيب المطلق، الذي لا توجد له مقدمات توصلنا إليه؛ ولذلك لا نستطيع أن نعرف الغيب المطلق؛ لأنه ليس معروفاً عند البعض، ومجهولاً عند غيرهم، وليس له مقدمات توصلنا إليه؛ لأنه الغيب الذي ينفرد به الحق عزّ وجلّ. ونجد الحق سبحانه يقول: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ...} تفسير : [الجن: 26-27]. فسبحانه عالم الغيب المطلق، وهو يختلف عن الغيب المستور عن البعض، ويقول الحق عن مواعيد الكشف عن أسرار الغيب المستور: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ...} تفسير : [البقرة: 255]. وحين يشاء الله أن يكشف عن بعض أسرار الغيب فهو يحدد الوقت الذي يشاؤه لذلك، وكل شيء في الكون له ميعاد ميلاد؛ مثل: الكهرباء، والذرة، والوصول إلى القمر، وغزو الفضاء، وهذه كلها أشياء لها مواعيد ميلاد. ويبحث العلماء عنها باستخدام المقدمات. ولكنهم لا يصلون إلى سر ميلاد أي اكتشاف إلا بإذن الله حين يلفتهم إلى هذا السرّ؛ إما بالبحث العلمي، وإما أن يتم معرفته صدفة. وهكذا نجد أن البشر يُحَاطون عِلْماً بهذه الأسرار بعد مقدمات وبإذن من الله. وما دام الحق سبحانه هو عالم الغيب؛ فيكون سبحانه عالماً بالشهادة من باب أولى، وقد يظن ظان أنه إن جلس في مكان معزول مستور ويفعل ما يريد، فلن يشهده الله؛ لأنه قد يفعل ما يريد دون أن يراه أحد، لكن ذلك غير حقيقي؛ لأن الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة، فلا يوجد مستور عنه في هذا الكون، فلا الغيب يغيب عن علمه، ولا العالم المشهود يغيب عن علمه. وما دام قد جاء الحق هنا بقوله: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} فلا بد أن يأتي من بعدها {يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: يخبركم مقدماً بجزاء ما ستفعلونه من خير أو شر حتى لا يقول أحد: إنه لم يكن يعرف، أو أنه لو علم أن فعله يؤدي إلى الشر لما فعل؛ وحتى يكون كل إنسان شهيداً على نفسه؛ لأن الله أبلغه بالجزاء، فيكون الجزاء عدلاً لا ظلماً. ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14]. فأنت الذي تحكم على نفسك. ويقول الحق بعد ذلك: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن المنافقين، الذين تخلفوا عن الجهاد وجاءوا يؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة، وقد ذكر تعالى من مكائد المنافقين "مسجد الضرار" الذي بنوه ليكون وكراً للتآمر على الإِسلام والمسلمين، وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه، لأنه لم يشيد على أساس من التقوى، وإِنما بني ليكون مركزاً لأهل الشقاق والنفاق، ولتفريق وحدة المسلمين، وقد اشتهر باسم مسجد الضرار. اللغَة: {ٱنْقَلَبْتُمْ} رجعتم {رِجْسٌ} الرجس: الشيء الخبيث المستقذر، وقد يطلق على النجس {وَمَأْوَاهُمْ} قال الجوهري: المأوى كل مكان يأوي إِليه ليلاً أو نهاراً {ٱلأَعْرَابُ} جمع أعرابي قال أهل اللغة: يقال رجل عربي إِذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب، ورجل أعرابي إِذا كان بدوياً يطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان من العرب أو من مواليهم، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب، ومن نزل البادية فهم أعراب {أَجْدَرُ} أولى وأحق {مََغْرَماً} المغرم: الغرم والخسران وأصله من الغرام وهو لزوم الشيء {مَرَدُواْ} ثبتوا واستمروا وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه رملة مرداء لا نبت فيها، وغصن أمرد لا ورق عليه، وغلام أمرد لا لحية له {مُرْجَوْنَ} الإِرجاء: التأخير يقال: ارجأته أي أخرته ومنه المرجئة لأنهم أخروا العمل {ضِرَاراً} الضرار: محاولة الضر وفي الحديث "حديث : لا ضرر ولا ضرار" تفسير : {إِرْصَاداً} الإِرصاد: الترقب والانتظار يقال أرصدت له كذا إِذا أعددته مرتقباً له به {شَفَا} الشفا: الحرف والشفير ومنه أشفى على كذا إذا دنا منه {جُرُفٍ}: ما تجرفه السيول من الأودية ويبقى على الأطراف طين مشرف على السقوط وأصله من الجرف وهو اقتلاع الشيء من أصله {هَارٍ} ساقط يقال: تهور البناء إِذا سقط وأصله هائر. سَبَبُ النّزول: حديث : روي أن "أبا عامر الراهب" قد تنصر في الجاهلية وترهب، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه لأنه ذهبت رياسته وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك إِلا قاتلتك معهم - وسماه النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق - فلما انهزمت هوازن في حنين خرج إِلى الشام، وأرسل إِلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنو لي مسجداً فإِني ذاهب إِلى قيصر فآتي بجند الروم فأُخرج محمداً وأصحابه، فبنوا مسجداً إِلى جانب مسجد قباء، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إِنا بنينا مسجداً لذي العِلة، والحاجة، والليلة المطيرة، وإِنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فدعا بثوبه ليلبسه فيأتيهم فنزل عليه القرآن، وأخبر الله رسوله خبر مسجد الضرار وما هموا به، فدعا صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة وقال لهم: انطلقوا إِلى هذا المسجد الظالم أهله واحرقوه، فذهبوا إِليه فحرقوه وهدموه وتفرق عنه أهله، وفيه نزلت {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً..} تفسير : الآية. التفسِيْر: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} أي يعتذر إِليكم هؤلاء المتخلفون عن غزوة تبوك إِذا رجعتم إِليهم من سفركم وجهادكم {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} أي قل لهم لا تعتذروا فلن نصدقكم فيما تقولون {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} أي قد أخبرنا الله بأحوالكم وما في ضمائركم من الخبث والنفاق {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} أي وسيرى الله ورسوله عملكم فيما بعد، أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي ثم ترجعون بعد مماتكم إِلى الله تعالى الذي يعلم السر والعلانية، ولا تخفى عليه خافية {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيخبركم عند وقوفكم بين يديه بأعمالكم كلها، ويجازيكم عليها الجزاء العادل {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} أي سيحلف لكم بالله هؤلاء المنافقون {إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} أي إِذا رجعتم إِليهم من تبوك معتذرين بالأعذار الكاذبة {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} أي لتصفحوا عنهم ولتعرضوا عن ذمهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} أي فأعرضوا عنهم إِعراض مقتٍ واجتناب، وخلُّوهم وما اختاروا لأنفسهم من الكفر والنفاق قال ابن عباس: يريد ترك الكلام والسلام ثم ذكر تعالى العلة فقال: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} أي لأنهم كالقذر لخبث باطنهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي مصيرهم إِلى جهنم هي مسكنهم ومأواهم {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي جزاءً لهم على نفاقهم في الدنيا، وما اكتسبوه من الآثام {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} كرره لبيان كذبهم وللتحذير من الاغترار بمعاذيرهم الكاذبة، أي يحلفون لكم بأعظم الأيمان لينالوا رضاكم {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} أي فإِن رضيتم عنهم فإِن رضاكم لا ينفعهم لأن الله ساخط عليهم قال أبو السعود: ووضع الفاسقين موضع الضمير للتسجيل عليهم بالفسق والخروج عن الطاعة {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} الأعراب - أهل البدو - أشد كفراً وأعظم نفاقاً من أهل الحضر، لجفائهم وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير والصلاح {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} أي وهم أولى بألا يعلموا ما أنزل الله على رسوله من الأحكام والشرائع قال في البحر: وإِنما كانوا أشد كفراً ونفاقاً لفخرهم وطيشهم وتربيتهم بلا سائس ولا مؤدب، فقد نشأوا كما شاءوا، ولبعدهم عن مشاهدة العلماء ومعرفة كتاب الله وسنة رسوله، فكانوا أطلق لساناً بالكفر من منافقي المدينة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بخلقه حكيم في صنعه {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} أي ومن هؤلاء الأعراب الجهلاء من يعدُّ ما يصرفه في سبيل الله ويتصدق به غرامة وخسراناً، لأنه لا ينفقه احتساباً فلا يرجو له ثواباً {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} أي ينتظر بكم مصائب الدنيا ليتخلص من أعباء النفقة {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} جملة اعتراضية للدعاء عليهم أي عليهم يدور العذاب والهلاك {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي ومن الأعراب من يصدِّق بوحدانية الله وبالبعث بعد الموت على عكس أولئك المنافقين {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ} أي ويتخذ ما ينفق في سبيل الله ما يقربه من رضا الله ومحبته {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} أي دعاء الرسول واستغفاره له {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} {أَلاۤ} أداة استفتاح للتنبيه على الاعتناء بالأمر أي ألا إِن هذا الإِنفاق قربة عظيمة تقربهم لرضا ربهم حيث أنفقوها مخلصين {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} أي سيدخلهم الله في جنته التي أعدها للمتقين {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي غفور لأهل طاعته رحيم بهم حيث وفقهم للطاعة {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} أي والسابقون الأولون في الهجرة والنصرة، الذين سبقوا إِلى الإِيمان من الصحابة {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} أي سلكوا طريقهم واقتدوا بهم في سيرتهم الحسنة، وهم التابعون ومن سار على نهجهم إِلى يوم القيامة {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} وعدٌ بالغفران والرضوان أي رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا أرقى المراتب التي يسعى إِليها المؤمنون، ويتنافس فيها المتنافسون أن يرضى الله تعالى عنهم ويرضيهم قال الطبري: رضي الله عنهم لطاعتهم إِياه وإِجابتهم نبيه، ورضوا عنه لما أجزل لهم من الثواب على الطاعة والإِيمان {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} أي وأعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي مقيمين فيها من غير انتهاء {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك هو الفوز الذي لا فوز وراءه قال في البحر: لما بيّن تعالى فضائل الأعراب المؤمنين، بيّن حال هؤلاء السابقين، ولكن شتان ما بين الثناءين فهناك قال {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} وهنا قال {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} وهناك ختم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهنا ختم {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} أي وممن حولكم يا أهل المدينة منافقون من الأعراب منازلهم قريبة من منازلكم {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} أي ومن أهل المدينة منافقون أيضاً {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} أي لجوا في النفاق واستمروا عليه قال ابن عباس: مرنوا عليه وثبتوا منهم ابن سلول، والجلاس، وأبو عامر الراهب {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} أي لا تعلمهم أنت يا محمد لمهارتهم في النفاق بحيث يخفى أمرهم على كثيرين، ولكن نحن نعلمهم ونخبرك عن أحوالهم {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} أي في الدنيا بالقتل والأسر، وعند الموت بعذاب القبر {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} أي ثم في الآخرة يردون إِلى عذاب النار، الذي أعده الله للكفار والفجار {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي وقوم آخرون أقروا بذنوبهم ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة قال الرازي: هم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا لنفاقهم بل لكسلهم، ثم ندموا على ما فعلوا وتابوا {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} أي خلطوا جهادهم السابق وخروجهم مع الرسول لسائر الغزوات بالعمل السيء وهو تخلفهم عن غزوة تبوك هذه المرة {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي لعل الله يتوب عليهم قال الطبري: وعسى من الله واجب ومعناه: سيتوب الله عليهم، ولكنه في كلام العرب بمعنى الترجي على ما وصفت {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي ذو عفوٍ لمن تاب، عظيم الرحمة لمن أناب {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي خذ يا محمد من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم صدقة تطهرهم بها من الذنوب والأوضار، وتنمي بتلك الصدقة حسناتهم حتى يرتفعوا بها إِلى مراتب المخلصين الأبرار {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} أي وادع لهم بالمغفرة فإِن دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم قال ابن عباس: {سَكَنٌ لَّهُمْ} رحمة لهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لقولهم عليم بنياتهم {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الاستفهام للتقرير أي ألم يعلم أولئك التائبون أن الله تعالى هو الذي يقبل توبة من تاب من عباده، {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} أي يتقبلها ممن أخلص النية {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي وأن الله وحده المستأثر بقبول التوبة والرحمة، لقوله {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} تفسير : [غافر: 3] {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} صيغة أمر متضمنة للوعيد أي اعملوا ما شئتم من الأعمال فأعمالكم لا تخفى على الله، وستعرض يوم الحساب على الرسول والمؤمنين {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي وستردُّون إِلى الله الذي لا تخفى عليه خافية {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي فيجازيكم على أعمالكم إِن خيراً فخير، وإِن شراً فشر {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} أي وآخرون من المتخلفين مؤخرون إِلى أن يظهر أمر الله فيهم قال ابن عباس: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، لم يسارعوا إِلى التوبة والاعتذار، وكانوا من أصحاب بدر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامهم والسلام عليهم، فصاروا مرجئين لأمره تعالى إلى أن يتجاوز عن سيئاتهم، فهو تعالى وحده الذي يقبل التوبة ويتوب على العبد دون غيره {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أي إِما أن يعذبهم إِن لم يتوبوا، وإِما أن يوفقهم للتوبة ويغفر لهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بأحوالهم حكيم فيما يفعله بهم، وهؤلاء الثلاثة المذكورون في قوله تعالى {أية : وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} تفسير : [التوبة: 118] وقد وقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} أي ومن المنافقين جماعة بالغوا في الإِجرام حتى ابتنوا مجمعاً يدبرون فيه الشر، وسموه مسجداً مضارة للمؤمنين، وقد اشتهر باسم "مسجد الضرار" {وَكُفْراً} أي نصرة للكفر الذي يخفونه {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين، ويصرفونهم عن مسجد قباء {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} أي ترقباً وانتظاراً لقدوم أبي عامر الفاسق الذي قال لرسول الله: لا أجد قوماً يقاتلونك إِلا قاتلتك معهم، وهو الذي أمرهم ببناء المسجد ليكون معقلاً له قال الطبري في رواية الضحاك: هم ناس من المنافقين بنوا مسجداً بقباء يضارون به نبي الله والمسلمين وكانوا يقولون: إِذا رجع أبو عامر صلى فيه، وإِذا قدم ظهر على محمد وتغلب عليه {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} أي وليقسمن ما أردنا ببنائه إِلا الخير والإِحسان، من الرفق بالمسكين، والتوسعة على المصلين {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي والله يعلم كذبهم في ذلك الحلف، وأتى بإِن واللام لزيادة التأكيد، ثم نهى تعالى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار فقال {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} أي لا تصل فيه يا محمد أبداً لأنه لم يُبْنَ إِلا ليكون معقلاً لأهل النفاق {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} اللام لام القسم أي لمسجد قباء الذي بني على تقوى الله وطاعته {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} أي من أول يوم ابتدئ في بنائه {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} أي أولى وأجدر بأن تصلي فيه من مسجد الضرار {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} أي في هذا المسجد رجال أتقياء - وهم الأنصار - يحبون أن يتطهروا من الذنوب والمعاصي {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} أي المبالغين في الطهارة الظاهرة والباطنة، ثم أشار تعالى إِلى فضل مسجد التقوى على مسجد الضرار فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} الاستفهام للإِنكار والمعنى: هل من أسس بنيانه على تقوى وخوف من الله تعالى وطلبٍ لمرضاته بالطاعة {خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} أي هل ذاك خير أم هذا الذي أسس بنيانه على طرف واد متصدع مشرف على السقوط؟ {فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} أي فسقط به البناء في نار جهنم {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يوفق الظالمين إِلى السداد، ولا يهديهم سبيل الرشاد، والآية الكريمة على سبيل التشبيه والتمثيل لعمل أهل الإِخلاص، والإِيمان، وعمل أهل النفاق والضلال، والمعنى هل من أسس بنيان دينه على التقوى والإِخلاص كمن أسسه على الباطل والنفاق الذي يشبه طرف الوادي أو الجبل الذي أشفى على السقوط؟ {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} أي لا يزال في قلوب أهل مسجد الضرار شكٌ ونفاقٌ، وغيظ وارتياب بسبب هدمه، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إِلى ذلك المسجد من هدمه وحرقه وأمر بإِلقاء الجيف والنتن والقمامة فيه إِهانة لأهله، فلذلك اشتد غيظ المنافقين وحقدهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي لا يزالون في ارتياب وغيظ إِلا أن تتصدع قلوبهم فيموتوا {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي والله سبحانه عليم بأحوال المنافقين، حكيم في تدبيره إِياهم ومجازاتهم بسوء نياتهم. البَلاَغَة: 1- {ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} بين الكلمتين طباق. 2- {لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} الإِظهار في موضع الإِضمار لزيادة التشنيع والتقبيح وأصله لا يرضى عنهم. 3- {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} فيه مجاز مرسل أي يدخلهم في جنته التي هي محل الرحمة وهو من إِطلاق الحال وإِرادة المحل. 4- {عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} بين {صَالِحاً وسَيِّئاً} طباق. 5- {إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} فيه تشبيه بليغ حيث جعل الصلاة نفس السكن والاطمئنان مبالغة وأصله كالسكن حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً. 6- {هَارٍ فَٱنْهَارَ} بينهما جناس ناقص وهو من المحسنات البديعية. 7- {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ} في الكلام استعارة مكنية حيث شبهت التقوى والرضوان بأرض صلبة يعتمد عليها البنيان وطوي ذكر المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو التأسيس. تنبيه: كلمة "عسى" من الله واجب قال الإِمام الرازي: وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إِذا التمس المحتاج منه شيئاً فإِنه لا يجيبه إِلا على سبيل الترجي مع كلمة "عسى" أو "لعل" تنبيهاً على أنه ليس لأحدٍ أن يلزمه بشيء، بل كل ما يفعله فإِنما هو على سبيل التفضل والتطول، وفيه فائدة أخرى وهو أن يكون المكلف على الطمع والإِشفاق لأنه أبعد من الإِتكال والإِهمال. لطيفَة: روى الأعمش أن أعرابياً جلس إِلى "زيد بن صوحان" وهو يحدث أصحابه - وكانت يده أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إِن حديثك ليعجبني، وإِن يدك لتريبني! فقال زيد: ما يريبك من يدي إِنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال فقال زيد: صدق الله {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ..} الآية، معنى تريبني أي تدخل إِلى قلبي الشك هل قطعت في سرقة وهذا من جهل الأعرابي.

الجيلاني

تفسير : ومع ذلك {يَعْتَذِرُونَ} أولئك المستأذنون، المستطيعون {إِلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {إِذَا رَجَعْتُمْ} من غزوتكم هذه {إِلَيْهِمْ} بالأعذار الكاذبة، الغير المطابقة للواقع تسليةً لكم وتغريراً؛ تتميماً لنفاقهم {قُل} يا أكمل الرسل تعليماً للمؤمنين في مقابلة أعذارهم: {لاَّ تَعْتَذِرُواْ} مراءً ومداهنةً، إنا {لَن نُّؤْمِنَ} ونصدق {لَكُمْ} سيما {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ} المطلع لضمائركم، وما يجري في صدوركم بالوحي على رسوله {مِنْ أَخْبَارِكُمْ} التي تكتمونها في نفوسك من الشر والفساد، وبالنسبة إلينا وإلى نبينا {وَ} كيف تعتذرون عن جرائمكم وتلبسونها {سَيَرَى ٱللَّهُ} الناقد البصير {عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} فتفضحون على رءوس الأشهاد {ثُمَّ تُرَدُّونَ} في النشأة الأخرى {إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} تحاسبون عنده عليها {فَيُنَبِّئُكُم} ويظهر عليكم مفصلاً {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94] في النشأة الأولى، فيجازيكم على مقتضى علمه. ومن جملة نفاقهم وتلبسيهم: إنهم {سَيَحْلِفُونَ} يقسمون {بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ} ورجعتم مشتكياً معاتباً {إِلَيْهِمْ} عن قعودهم وتخلفهم، إنما عرضهم من الحلف الكاذب تغريركم وتلبيسكم {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} وعن عتابهم، ولا تسألوا عن مخالفتهم وقعودهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} وعن عتابهم قبل حلفهم وتلبيسهم، ولا تلتفتوا إليهم {إِنَّهُمْ} في أنفسهم {رِجْسٌ} جبلتهم على الخباثة والنجاسة لا تقبل التطهير بالتأديب أصلاً {وَمَأْوَاهُمْ} أي: مرجعهم ومنقلبهم في النشأة الأخرى {جَهَنَّمُ} الطرد والخذلان {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [التوبة: 95] في النشأة الأولى من الكفر والنفاق، والإصرار على الشرك والشقاق. وإنَّما {يَحْلِفُونَ لَكُمْ} حين شكواكم وعتابكم {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} وتقبلوا إخلاصهم ومودتهم وتكونوا معهم كما كنتم {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} بمجرد حلفهم الكاذب، وتغريرهم الفاسد، لا يغني رضاكم عنهم شيئاً من سخط الله عليهم {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لما في ضمائرهم من الأكنة والنفاق {لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] الخارجين عن مقتضى الأوامر والنواهي الواردة؛ لتطهير النفوس الخبيثة عن أرجاس الطبيعة، وتصفيتها عن أدناس الأخلاق الذميمة، العائقة عن الوصول إلى مقر التوحيد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن اعتزاز المنافقين واعتذارهم بقوله تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} [التوبة: 94] إلى قوله: {ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96]، {إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ} [التوبة: 94] يشير إلى حال أهل الخذلان القاعدين عن طلب الكمال لو رجعتم إليهم وقلتم، لم تقعدون عن الطلب وتبطلون استعداد الكمال في طلب الشهوات واللذات الدنيوية والفانية؟ يعتذرون إليكم بالأكاذيب والأباطيل، {قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ} [التوبة: 94] بالأكاذيب، {لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ} [التوبة: 94] لن نصدقكم في ذلك، {قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: 94] بالفراسة الصادقة، كما قال تعالى: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ". تفسير : {وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 94] فإن الأعمال من نتائج الأحوال، {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [التوبة: 94] إلى من لا يخفى عليه خافية من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطنة، {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 94] بجزاء أعمالكم إن كانت حسنة فالبحسنات، وإن كانت سيئة فالبسيئات. قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} [التوبة: 95] يشير إلى منافقي أهل الطلب الذين يظهرون زي هذه الطائفة، ويعدون أنفسهم من جملتهم، ولا يسلكون مسلكهم ولا يتصفون بصفاتهم، فإذا انقلبتم إليهم أيها النصحاء بالنصيحة لئلا يقنعوا بالتشبه بهذه الطائفة؛ ليحلفون بالله كذباً ونفاقاً في إظهار الأعذار، {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} [التوبة: 95] أي: لتتركوا نصيحتهم ولومهم، {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} [التوبة: 95] أي: دعهم ونفاقهم إذا تحققتم أنهم غير قابلي النصيحة والصلاح، {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} [التوبة: 95] جبلوا على طينة خبيثة غير طيبة، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} [التوبة: 95] أي: مرجعهم إلى نيران البعد والحسرة. {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [التوبة: 95] يعني: طينتهم وإن كانت خبيثة في أصل الخلقة ما كانت مستحقة لكمال البعد فيما كسبوا بجناية تلك الطينة الذميمة صاروا مستحقين لكمال العبد لهذه النيران، {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} [التوبة: 96] أي: يطلبون رضاكم بسخط الله بحلفهم بالله كذباً، {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} [التوبة: 96] بأن لم تعلموا كذبهم ونفاقهم، {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] الخارجين عن الطاعة إلا بعد الرجوع إلى الطاعة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تخلف المنافقين الأغنياء، وأنهم لا عذر لهم، أخبر أنهم سـ { يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } من غزاتكم. { قُلْ } لهم { لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ } أي: لن نصدقكم في اعتذاركم الكاذب. { قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } وهو الصادق في قيله، فلم يبق للاعتذار فائدة، لأنهم يعتذرون بخلاف ما أخبر اللّه عنهم، ومحال أن يكونوا صادقين فيما يخالف خبر اللّه الذي هو أعلى مراتب الصدق. { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } في الدنيا، لأن العمل هو ميزان الصدق من الكذب، وأما مجرد الأقوال، فلا دلالة فيها على شيء من ذلك. { ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } الذي لا تخفى عليه خافية، { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر، ويجازيكم بعدله أو بفضله، من غير أن يظلمكم مثقال ذرة. وأعلم أن المسيء المذنب له ثلاث حالات: إما [أن] يقبل قوله وعذره، ظاهرا وباطنا، ويعفى عنه بحيث يبقى كأنه لم يذنب. فهذه الحالة هي المذكورة هنا في حق المنافقين، أن عذرهم غير مقبول، وأنه قد تقررت أحوالهم الخبيثة وأعمالهم السيئة، وإما أن يعاقبوا بالعقوبة والتعزير الفعلي على ذنبهم، وإما أن يعرض عنهم، ولا يقابلوا بما فعلوا بالعقوبة الفعلية، وهذه الحال الثالثة هي التي أمر اللّه بها في حق المنافقين، ولهذا قال: { سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ } أي: لا توبخوهم، ولا تجلدوهم أو تقتلوهم. { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } أي: إنهم قذر خبثاء، ليسوا بأهل لأن يبالى بهم، وليس التوبيخ والعقوبة مفيدا فيهم، { وَ } تكفيهم عقوبة جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. وقوله: { يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ } أي: ولهم أيضا هذا المقصد الآخر منكم، غير مجرد الإعراض، بل يحبون أن ترضوا عنهم، كأنهم ما فعلوا شيئا. { فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي: فلا ينبغي لكم -أيها المؤمنون- أن ترضوا عن من لم يرض اللّه عنه، بل عليكم أن توافقوا ربكم في رضاه وغضبه. وتأمل كيف قال: { فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } ولم يقل: "فإن اللّه لا يرضى عنهم" ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم، فإن اللّه يتوب عليهم، ويرضى عنهم. وأما ما داموا فاسقين، فإن اللّه لا يرضى عليهم، لوجود المانع من رضاه، وهو خروجهم عن ما رضيه اللّه لهم من الإيمان والطاعة، إلى ما يغضبه من الشرك، والنفاق، والمعاصي. وحاصل ما ذكره اللّه أن المنافقين المتخلفين عن الجهاد من غير عذر، إذا اعتذروا للمؤمنين، وزعموا أن لهم أعذارا في تخلفهم، فإن المنافقين يريدون بذلك أن تعرضوا عنهم، وترضوا وتقبلوا عذرهم، فأما قبول العذر منهم والرضا عنهم، فلا حبا ولا كرامة لهم. وأما الإعراض عنهم، فيعرض المؤمنون عنهم، إعراضهم عن الأمور الردية والرجس، وفي هذه الآيات، إثبات الكلام للّه تعالى في قوله: { قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } وإثبات الأفعال الاختيارية للّه، الواقعة بمشيئته [تعالى] وقدرته في هذا، وفي قوله: { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } أخبر أنه سيراه بعد وقوعه، وفيها إثبات الرضا للّه عن المحسنين، والغضب والسخط على الفاسقين.