٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
95
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى أنهم يعتذرون، ذكر في هذه الآية أنهم كانوا يؤكدون تلك الأعذار بالأيمان الكاذبة. أما قوله: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } فاعلم أن هذا الكلام يدل على أنهم حلفوا بالله، ولم يدل على أنهم على أي شيء حلفوا؟ فقيل: إنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج، وإنما حلفوا على ذلك لتعرضوا عنهم أي لتصفحوا عنهم، ولتعرضوا عن ذمهم. ثم قال تعالى: {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد ترك الكلام والسلام. قال مقاتل: قال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: « حديث : لا تجالسوهم ولا تكلموهم » تفسير : قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت، ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم، فقال: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ } والمعنى: أن خبث باطنهم رجس روحاني، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى، خوفاً من سريانها إلى الإنسان، وحذراً من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال. ثم قال تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } ومعناه ظاهر، ولما بين في الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم، بين أيضاً أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم، ثم إنه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم، فقال: {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } والمعنى: أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله لا يرضى عنهم، كانت إرادتكم مخالفة لإرادة الله، وأن ذلك لا يجوز. وأقول: إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة، وقد أعادها الله ههنا مرة أخرى، وأظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة، وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي، ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من أهل البادية، لا جرم كان الكلام معهم على مناهج متقاربة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} أي من تبوك. والمحلوف عليه محذوف؛ أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج. {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} أي لتصفحوا عن لومهم. وقال ابن عباس؛ أي لا تكلموهم. وفي الخبر أنه قال عليه السَّلام لما قدِم من تبوك: «حديث : ولا تجالسوهم ولا تكلموهم»تفسير : . {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} أي عملهم رجس؛ والتقدير: إنهم ذوو رجس؛ أي عملهم قبيح. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي منزلهم ومكانهم. قال الجوهري: المأوى كل مكان يأوِي إليه شيء ليلاً أو نهاراً. وقد أوى فلان إلى منزله يأوِي أوِيّاً، على فعول، وإواء. ومنه قوله تعالى: {أية : سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود: 43]. وآويته أنا إيواء. وأويته إذا أنزلته بك؛ فعلت وأفعلت، بمعنى؛ عن أبي زيد. ومأوِي الإبل (بكسر الواو) لغة في مأوى الإبل خاصة، وهو شاذ.
البيضاوي
تفسير : {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} فلا تعاتبوهم {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} ولا توبخوهم. {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} لا ينفع فيهم التأنيب فإن المقصود منه التطهير بالحمل على الإنابة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير فهو علة الإِعراض وترك المعاتبة. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} من تمام التعليل وكأنه قال: إنهم أرجاس من أهل النار لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة، أو تعليل ثان والمعنى: أن النار كفتهم عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم. {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يجوز أن يكون مصدراً وأن يكون علة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ } رجعتم {إِلَيْهِمُ } من تبوك أنهم معذورون في التخلف {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } بترك المعاتبة {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ } قَذَرٌ لخبث باطنهم {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }.
ابن عطية
تفسير : قيل إن هذه الآية من أول ما نزل في شأن المنافقين في غزوة تبوك وذلك أن بعض المنافقين اعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واستأذنوه في القعود قبل مسيره فأذن لهم فخرجوا من عنده وقال أحدهم والله ما هو إلا شحمة لأول آكل، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل فيهم القرآن، فانصرف رجل من القوم فقال للمنافقين في مجلس منهم: والله لقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فيكم قرآن، فقالوا له وما ذلك؟ فقال لا أحفظ إلا أني سمعت وصفكم فيه بالرجس، فقال لهم مخشي والله لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم، فخرج حتى لحق برسول الله صلى اله عليه وسلم، فقال له ما جاء بك؟ فقال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسفعه الريح وأنا في الكنّ، فروي أنه ممن تاب وقوله: {فأعرضوا عنهم} أمرنا بانتهارهم وعقوبتهم بالإعراض والوصم بالنفاق. وهذا مع إجمال لا مع تعيين مصرح من الله ولا من رسوله، بل كان لكل واحد منهم ميدان المغالطة مبسوطاً، وقوله {رجس} أي نتن وقذر، وناهيك بهذا الوصف محطة دنياوية، ثم عطف بمحطة الآخرة فقال {ومأواهم جهنم} أي مسكنهم، ثم جعل ذلك جزاء بتكسبهم المعاصي والكفر مع أن ذلك مما قدره الله وقضاه لا رب غيره ولا معبود سواه، وأسند الطبري عن كعب بن مالك أنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك جلس للناس فجاءه المخلفون يعتذرون إليه ويحلفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى وقوله {يحلفون لكم لترضوا عنهم }، هذه الآية والتي قبلها مخاطبة للمؤمنين مع الرسول، والمعنى يحلفون لكم مبطلين ومقصدهم أن ترضوا لا أنهم يفعلون ذلك لوجه الله ولا للبر، ولقوله {فإن ترضوا} إلى آخر الآية، شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم، وحكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة ونحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه ولا يرضى عنه لسبب من أسباب الدنيا، وقوله {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله } الآية، {الأعراب} لفظة عامة ومعناها الخصوص فيمن استثناه الله عز وجل، وهذا معلوم بالوجود وكيف كان الأمر، وإنما انطلق عليهم هذا الوصف بحسب بعدهم عن الحواضر ومواضع العلم والأحكام والشرع، وهذه الآية إنما نزلت في منافقين كانوا في البوادي، ولا محالة أن خوفهم هناك أقل من خوف منافقي المدينة، فألسنتهم لذلك مطلقة ونفاقهم أنجم، وأسند الطبري أن زيد بن صوحان كان يحدث أصحابه بالعلم وعنده أعرابي وكان زيد قد أصيبت يده اليسرى يوم نهاوند فقال الأعرابي والله إن حديثك ليعجبني وإن يدك لتريبني وقال زيد: وما يريبك من يدي وهي الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين تقطعون أم الشمال؟ فقال زيد صدق الله {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} ، {و أجدر} معناه أحرى وأقمن، و" الحدود " هنا السنن والأحكام ومعالم الشريعة.
الثعالبي
تفسير : وقوله عز وجل: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْـتُمْ إِلَيْهِمْ...} الآية: قيل: إِن هذه الآية من أول ما نَزَلَ في شأن المنافقين في غزوة تَبُوكَ. وقوله: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ}: أي: نَتَنٌ وقَذَر، وناهِيكَ بهذا الوَصْف مَحَطَّةً دنيويةً، ثم عطف بمحَطَّةِ الآخِرَةِ، فقال: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}، أي: مسكنهم. وقوله: {فَإِن تَرْضَوْاْ...} إِلى آخر الآية: شَرْطٌ يتضمَّن النهْيَ عن الرضا عنهم، وحُكْم هذه الآية يستمرُّ في كل مغموص عليه ببدْعَةٍ ونحوها. وقوله سبحانه: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا}: هذه الآيةُ نزلَتْ في منافقين كانوا في البوادِي، ولا محالة أنَّ خوفهم هناك كان أقلَّ من خوف منافِقِي المدينة، فألسنتهم لذلك مُطْلَقَةٌ، ونفاقهم أنْجَمُ و{أجْدَرُ}: معناه أحْرَى. وقال * ص *: معناه أحقُّ، والحُدُودُ هنا: السُّنَن والأحْكَام.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} الآية. لمَّا حكى عنهم أنَّهم يعتذرون إليكم، ذكر هنا أنَّهم يؤكدون تلك الأعذار بالأيمانِ الكاذبة "إذَا انقَلبْتُم" انصرفتم إليهم أنهم ما قدروا على الخروجِ. "لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ" أي: لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم. ثم قال تعالى: {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد ترك الكلام والسلام. وقال مقاتل: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: "لا تُجالسُوهم ولا تكلموهم". ثمَّ ذكر العلَّة في وجوب الإعراض عنهم، فقال: "إنَّهُم رجْسٌ" والمعنى: أن خبث بواطنهم رجس روحاني، فكما يجبُ الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية؛ فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية أولى. وقيل: إنَّ عملهم قبيحٌ. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} أي: منزلهم. قال الجوهريُّ: المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلاً أو نهاراً، وقد أوى فلانٌ إلى منزله يأوي أويًّا، على "فُعُول"، وإوَاءً، وأوَيْتُه إذا أنزَلْتَهُ بك، فعلتُ وأفعلتُ، بمعنى عن أبي زيدٍ. ومَأوِي الإبل - بكسر الواو - لغةٌ في مأوى الإبل خاصَّةً، وهو شاذ. قوله: "جَزَاءً..." يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل من لفظه مقدر، أي: يُجْزونَ جزاء، وأن ينتصب بمضمون الجملة السابقة؛ لأنَّ كونهُم يأوونَ في جهنم في معنى المجازاة، ويجوزُ أن يكون مفعولاً من أجله. قوله تعالى: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} الآية. لمَّا بيَّن في الآية الأولى أنَّهُم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم، بين ههنا أيضاً أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم، ثمَّ إنَّه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم، وذكر العلَّة في ذلك النهي وهي أن: {ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. قوله تعالى: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} الآية. لمَّا ذكر الله تعالى أحوال المنافقين في المدينة ذكر من كان خارجاً منها، ونائباً عنها من الأعراب فقال: كفرهم أشد. قال قتادةُ: "لأنَّهم أبعد عن معرفة السنن" وقيل: لأنَّهم أقسَى قلباً، وأكذبُ قولاً، وأغلظُ طبعاً، وأبعد عن استماع التنزيل، ولذا قال تعالى في حقِّهم: "وأجْدَرُ" أي: أخلق. "أَلاَّ يَعْلَمُواْ". ولمَّا دلَّ ذلك على نقصهم من المرتبة الكاملة عن سواهم، ترتب على ذلك أحكام: منها: أنَّهُ لا حقَّ لهم في الفيء والغنيمة، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريدة: "حديث : ... ولا يكُون لهُمْ فِي الغنيمةِ والفيءِ شيءٌ إلاَّ أنْ يُجاهدُوا مع المسلمينَ"تفسير : . ومنها: إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة، لتحقق التهمة. وأجازها أبو حنيفة؛ لأنَّها لا تراعى كل تهمة والمسلمون كلهم عنده عدول، وأجازها الشافعيُّ إذا كان عدلاً، وهو الصحيحُ. قوله: "ٱلأَعْرَابُ" صيغة جمعٍ، وليس جمعاً لـ "عَرَب" قاله سيبويه، وذلك لئلاَّ يلزم أن يكون الجمع أخصَّ من الواحد، فإنَّ العرب هذا الجيل الخاص، سواء سكن البوادي، أم سكن القرى. وأمَّا الأعراب، فلا يطلق إلاَّ على من كان يسكن البوادي فقط، وقد تقدَّم عند قوله تعالى: {أية : رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الفاتحة:2]، أوَّل الفاتحة. ولهذا الفرق نسب إلى "الأعْراب" على لفظه فقيل: أعرابي ويجمع على "أعَارِيب". قال أهلُ اللغة: "يقال: رجلٌ عربيّ، إذا كان نسبه في العربِ، وجمعه العربُ، كما يقال: يهُوديٌّ ومجُوسيٌّ، ثم تحذف ياء النسب في الجمع، فيقال: اليهُودُ والمجُوسُ، ورجلٌ أعرابي بالألف إذا كان بدوياً، ويطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان من العربِ، أو من مواليهم. ويجمع الأعرابي على الأعراب، والأعاريب، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي، فرح والعربي إذا قيل له: يا أعرابيّ، غضب، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب، ومن نزل البادية فهم أعرابٌ ويدلُّ على الفرق قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : حُبُّ العربِ من الإيمانِ" تفسير : وأما الأعرابُ فقد ذمَّهم الله تعالى في هذه الآية. وأيضاً لا يجُوزُ أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنَّما هُمْ عرب، وهم متقدِّمون في مراتب الدِّين على الأعراب، قال عليه الصلاة والسلام "حديث : لا تُؤُمَّنَّ امرأةٌ رجُلاً ولا فاسقٌ مُؤمناً ولا أعرابيٌّ مُهاجِراً ". تفسير : فصل قال بعضُ العلماء: الجمع المحلى بالألف واللاَّم الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق فإن لم يوجد المعهود السابق، حمل على الاستغراق للضرورة، قالوا: لأنَّ صيغة الجمع تكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها، والألف واللام للتعريف، فإن حصل جمع هو معهود سابق؛ وجب الانصراف إليه، وإن لم يوجد حمل على الاستغراق، دفعاً للإجمال. قالوا: إذا ثبت هذا فقوله: "الأعرابُ" المرادُ منه جمع مُعَيَّنُون من منافقي الأعراب، كانوا يوالون منافقي المدينة، فانصرف هذا اللَّفْظُ إليهم. فصل سمي العربُ عرباً، لأنَّ أباهُم: يعربُ بنُ قطعان، فهو أوَّلُ من نطق بالعربيَّةِ، وقيل: سمُّوا عرباً؛ لأنَّ ولد إسماعيل نشئوا بـ "عربة" وهي تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، وكلُّ من يسكن جزيرة العرب وينطقُ بلسانهم؛ فهو منهم؛ لأنَّهم إنَّما تولَّدُوا من ولد إسماعيل، وقيل: سمُّوا عرباً؛ لأنَّ ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، وهذه الأقوال ليست بشيء من الأول، فلأن إسماعيل حين ولدته هاجر نزلت عندهم "جُرهم" فربي بينهم، وكانوا عرباً قبل إسماعيل، ولأن "يعرب" من ولد إسماعيل، وكان حميلاً عربياً. وأمَّا الثاني لأن إسماعيل تعلَّم العربيَّة في "جُرهم" حين نزلوا عند هاجر بمكَّة. والصحيحُ أنَّ العرب العاربة قبل إسماعيل منهم: عادٌ وثمود، وطسْم، وجديس، وجرهم، والعماليق، وآدم يقال: إنَّه كان ملكاً، وأنه أول من سقف البيوت بالخشب المنشور، وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر، وبنوه قبيلة يقال لها "وبار" هلكوا بالرمل. انثال عليهم؛ فأهلكهم وطمَّ منازلهم، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: [الرجز] شعر : 2835- وكَرَّ دَهْرٌ على وَبَار فَهَلَكَتْ جَهْرَةً وبَارُ تفسير : وأمَّا الثالثُ، فكلُّ لسان معرب عمَّا في ضمير صاحبه، وإنَّما يظهر ما قاله النسابُون، أنَّ سام بن نوح أبو العرب، وفارس، والروم، فدل على أنَّ العرب موجودون من زمن سام بن نوح. قال بعضهم: والصحيحُ إن شاء الله تعالى - أن آدم نطق بالعربيَّة، وغيرها من الألسنةِ، لقوله تعالى: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة:31]. ولا شكّ أنَّ اللِّسان العربيّ مختصّ بأنواع الفصاحةِ والجزالة، لا توجدُ في سائرِ الألسنةِ. قال بعضُ الحكماءِ: حكمة الرُّوم في أدمغتهم؛ لأنَّهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمةُ الهندِ في أوهامهم، وحكمةُ اليونانِ في أفئدتهم لكثرةِ ما لهم من المباحث العقليَّةِ، وحكمة العرب في ألسنتهم بحلاوةِ ألفاظهم، وعذوبة عباراتهم. فصل اعلم أن الله تعالى حكم على الأعراب بحكمين: الأول: أنَّهُم أشدّ كفراً ونفاقاً، والسبب فيه وجوه: أحدها: أنَّ أهل البدو يشبهون الوحوش. وثانيها: استيلاءُ الهواء الحار اليابس عليهم، وذلك يزيدُ في التيه، والتَّكبر، والفخر، والطيش عليهم. وثالثها: أنَّهُم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب؛ فنشأوا كما شاءوا، ومن كان كذلك؛ خرج على أشدِّ الجهات فساداً. ورابعها: أنَّ من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبياناته الشافية، كيف يكون مُساوياً لمن لم يؤثر هذا الخير، ولم يسمع خبره؟ وخامسها: قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية، لتعرف الفرق بين أهل الحضرِ والباديةِ. و "أشَدّ" أصله: أشدد، وقد تقدم. وقوله "كُفْراً" نصب على الحال، و "نِفَاقاً" عطف عليه، و "أجْدَرُ" عطف على "أشَدّ". الحكم الثاني: قوله: {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ..} "أجْدَر" أي: أحَقُّ وأولى؛ يقال: هو جديرٌ وأجدرُ، وحقيقٌ وأحقُّ، وخليقٌ وأخلقُ، وقمنٌ بكذا، كلُّه بمعنى واحد، قال الليثُ: جَدَر يَجْدرُ جدارَةً، فهو جَديرٌ، ويُثَنَّى ويُجمع؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2836- بخيْلٍ عليْهَا جِنَّةٌ عبْقريَّةٌ جَديرُونَ يَوْماً أنْ ينَالُوا فَيسْتَعْلُوا تفسير : وقد نبَّه الرَّاغبُ على أصل اشتقاقِ هذه المادة، وأنَّها من الجدار، أي: الحائط، فقال: "والجديرُ: المُنتهى، لانتهاء الأمر إليه، انتهاءَ الشَّيء إلى الجدارِ". والذي يظهر أنَّ اشتقاقه من: "الجَدْر، وهو أصل الشجرة؛ فكأنَّه ثابتٌ كثبوتِ الجدر في قولك: جدير بكذا. وقوله: {أَلاَّ يَعْلَمُواْ} أي: بألاَّ يعلمُوا، فحذف حرف الجر؛ فجرى الخلافُ المشهور بين الخليل والكسائي، مع سيبويه والفراء. والمراد بالحدُودِ: ما أنزل الله على رسوله، وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ومعرفة السُّننِ. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بما في قلوب خلقه: "حَكِيمٌ" فيما فرض عليهم من فرائضه. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً}. نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم. "مَنْ" مبتدأ، وهي إما موصولةٌ، وإمَّا موصوفةٌ. و "مَغْرَماً" مفعول ثانٍ؛ لأنَّ "اتَّخَذَ" هنا بمعنى "صيَّر". والمَغْرَمُ: الخسران، مشتق من الغرام، وهو الهلاك؛ لأنَّه سببه، ومنه: {أية : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً}تفسير : [الفرقان:65]. وقيل أصله الملازمةُ، ومنه الغريمُ: للزومه من يطالبه، والمغرم: مصدر كالغرامةِ، والمغرم التزام ما لا يلزمُ. قال عطاءٌ: لا يرجُون على إعطائه ثواباً؛ ولا يخافون على إمساكه عقاباً، وإنَّما ينفقُ مغرماً ورياءً. و" يتربَّصُ" عطفٌ على "يتَّخِذ"، فهو إمَّا صلة، وإما صفة. والتَّربُّصُ: الانتظارُ. وقوله: {بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} فيه وجهان: أظهرهما: أنَّ الياء متعلقةٌ بالفعل قبلها. والثاني: أنها حالٌ من "الدَّوائر" قاله أبو البقاءِ وليس بظاهرٍ، وعلى هذا يتعلقُ بمحذوفٍ على ما تقرَّر. و "الدَّوائرِ" جمعُ "دائرةٍ" وهي ما يُحيط بالإنسان من مُصيبة ونكْبَةٍ، تصوُّراً من الدَّائرة المحيطة بالشَّيء من غير انفلاتٍ منها، وأصلها: "دَاوِرَة"؛ لأنَّها من دَارَ يدُورُ، أي: أحَاطَ، ومعنى "تَربُّص الدَّوائر" أي: انتظار المصائب؛ قال: [الطويل] شعر : 2837- تَربَّصْ بهَا رَيْبَ المنُونِ لعلَّها تُطلَّقُ يوْماً أو يَمُوتُ حليلُهَا تفسير : قال يمانُ بن رئابٍ: "يعني ينقلبُ الزَّمانُ عليكم فيموت الرسول صلى الله عليه وسلم ويظهر المشركون". قوله: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} هذه الجملةُ معترضةٌ بين جمل هذه القصَّةِ، وهي دعاءٌ على الأعراب المتقدمين، وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو هنا: "السُّوءِ"، وكذا الثانية في الفتحِ بالضَّم والباقون بالفتحِ. وأمَّا الأولى في الفتح، وهي "ظنَّ السوءِ". فاتفق على فتحها السبعةُ. فأمَّا المفتوح فقيل: هو مصدر. قال الفرَّاءُ: "فتحُ السِّين هو الوجه؛ لأنَّه مصدرٌ يقالُ: سُؤتُه سَوْءاً، ومَساءةً، وسَوائِيَةً، ومَسَائِيَةٌ، وبالضَّم الاسم، كقولك: عليهم دائرةُ البلاءِ والعذاب". قال أبُو البقاء: "وهو الضَّرَرُ، وهو مصدر في الحقيقة". يعني أنَّه في الأصل كالمفتوح، في أنَّهُ مصدرٌ، ثُمَّ أطلقَ على كل ضررٍ وشرٍّ. وقال مكي: "مَنْ فتح السِّين فمعناه الفساد والرَّداءة، ومنْ ضمَّها فمعناه الهزيمةُ والبلاءُ والضَّرر". وظاهرُ هذا أنَّهما اسمان لما ذكر. ويحتملُ أن يكونا في الأصل مصدراً ثم أطلقا على ما ذكر. وقال غيره: المضمومُ العذاب والضرر، والمفتوح: الذم، ألا ترى أنَّه أجمع على فتح {أية : ظَنَّ ٱلسَّوْءِ}تفسير : [الفتح:6] وقوله: {أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ}تفسير : [مريم:28]، إذ لا يليقُ ذكرُ العذاب بهذين الموضعين. وقال الزمخشري فأحسن: "المضمومُ: العذاب، والمفتوحُ ذمٌّ لـ "دائرة" كقولك: رجُل سوءٍ، في نقيض رجل عدل؛ لأنَّ منْ دَارتْ عليه يذُمُّهَا". يعني أنَّها من باب إضافة الموصوف إلى صفته، فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغةً، ثم أضيفَتْ لصفتها، كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ}تفسير : [مريم:28]. قال أبُو حيَّان "وقد حكي بالضَّمِّ"؛ وأنشد الأخفشُ: [الطويل] شعر : 2838- وكُنْتَ كَذِئْبِ السُّوءِ لمَّا رَأى دَماً بِصَاحبهِ يَوْماً أحَالَ عَلى الدَّمِ تفسير : وفي "الدائرة" مذهبان: أظهرهما: أنها صفةٌ على فاعلة، كـ "قائمة". وقال الفارسيُّ: "يجوز أن تكون مصدراً كالعافية، ولو لم تضف الدائرة إلى السوء، أو السوء لما عرف منها معنى السُّوء؛ لأنَّ دائرة الدَّهر لا تستعملُ إلاَّ في المكروهِ، والمعنى: يدور عليهم البلاءُ والحزنُ، فلا يرون في محمد، ودينه إلاَّ ما يَسُوؤهم". ثم قال: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لقولهم، {عَلِيمٌ} بنيَّاتهم. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. لمَّا بيَّن أنَّ في الأعرابِ من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مَغْرَماً، بيَّن هنا أنَّ منهم أيضاً من يؤمن بالله واليوم الآخر. قال مجاهدٌ: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبيُّ هم أسلم، وغفار، وجهينة. وروى أبو هريرة قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأسْلمُ وغفارٌ، وشيءٌ مِنْ مُزَيْنَة وجُهَيْنةَ، خَيْرٌ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، مِنْ أسَدٍ وغطفان وهوَازنَ وتَميمٍ ". تفسير : قوله: {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ} فـ "قُرُباتٍ" مفعولٌ ثانٍ لـ "يتَّخذَ" كما مرَّ في {مَغْرَماً} [التوبة:98] ولم يختلف قُرَّاء السبعة في ضمِّ الرَّاء من "قُربَات"، مع اختلافهم في راء "قُرْبة" كما سيأتي، فيحتملُ أن تكون هذه جمعاً لـ "قُرْبة" بالضَّم، كما هي قراءة ورشٍ عن نافعٍ، ويحتملُ أن تكون جمعاً للساكنها، وإنَّما ضُمَّت إتباعاً، كـ "غُرُفَات"، وقد تقدَّم التَّنبيه على هذه القاعدة، وشروطها عند قوله: {أية : فِي ظُلُمَاتٍ}تفسير : [البقرة:17] أول البقرة. قال الزجاجُ: يجوزُ في "القُرُبَات" أوجه ثلاثة، ضم الراء، وإسكانها، وفتحها. والمعنى: أنَّهم يتخذون ما ينفقونه سبباً لحصول القربات عند اللهِ. قوله: "عِندَ ٱللَّهِ" في هذا الظرف ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّه متعلقٌ بـ "يتَّخذ" والثاني: أنَّهُ ظرف لـ "قُرُبات"، قاله أبو البقاءِ. وليس بذلك. الثالث: أنه متعلقٌ بمحذُوفٍ، لأنَّه صفةٌ لـ "قربات". قوله: {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} فيها وجهان: أظهرهما: أنَّها نسق على "قُربات"، وهو ظاهرُ كلام الزمخشري، فإنَّه قال: "والمعنى أنَّ ما ينفقه سببٌ لحصول القربات عند اللهِ وصلوات الرسول، لأنَّهُ كان يدعو للمتصدِّقين بالخيرِ، كقوله: حديث : اللَّهُمَّ صلِّ على ألِ أبِي أوْفَى" تفسير : . والثاني - وجوَّزهُ ابنُ عطية ولم يذكر أبُو البقاءِ غيره -: أنها منسوقةٌ على "ما يُنفقُ"، أي: ويتَّخذ بالأعمال الصَّالحة صلوات الرسول قربة. قوله: {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ} الضمير في "إنَّها" قيل: عائدٌ على "صَلواتِ". وقيل: على النَّفقات أي: المفهومة من "يُنفِقُون". وقرأ ورشٌ "قُرُبَة" بضمِّ القاف والرَّاء، والباقون بسكونها، فقيل: لغتان. وقيل: الأصلُ السكون، والضَّم إتباع. وقد تقدَّم الخلاف بين أهل التصريف، هل يجوزُ تثقيل "فُعْل" إلى "فُعُل"؟ وأنَّ بعضهم جعل "يُسُرا، عُسُرا" بضمِّ السين فرعين على سكونها، وقيل: الأصلُ "قُرُبة" بالضَّمِّ، والسكون تخفيف، نحو: كتب ورسل، وهذا أجْرَى على لغة العرب، إذ مبناها الهرب من الثِّقل إلى الخفة. وفي استئناف هذه الجملة وتصدُّرها بحرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثباتِ الأمر وتمكُّنه شهادةٌ من الله بصحة ما اعتقده من إنفاقه. قال معناه الزمخشريُّ، قال: وكذلك سيدخلهم وما في السِّين من تحقيقِ الوعدِ. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} لسيِّآتهم "رَّحِيمٌ" بهم حيث وفقهم لهذه الطَّاعات. قوله تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ} الآية. "وَالسَّابقُون" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّه مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّه الجملة الدعائية من قوله: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ}. والثاني: أنَّ الخبر قوله: "الأوَّلون"، والمعنى: والسَّابقون إلى الهجرة الأوَّلُون من أهل هذه المِلَّةِ، أو السابقون إلى الجنَّة الأولون من أهل الهجرة. الثالث: أنَّ الخبر قوله: {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} والمعنى فيه الإعلام بأنَّ السابقين من هذه الأمَّةِ من المهاجرين والأنصار، ذكر ذلك أبو البقاءِ. وفي الوجهين الأخيرين تكلُّفٌ. الثاني من وجهي "السَّابقين": أن يكون نسقاً على "مَنْ يُؤمِنُ باللهِ"، أي: ومنهم السابقون، وفيه بعدٌ، والجمهور على جرِّ "الأنْصارِ" نسقاً على "المُهاجِرينَ" يعني أنَّ السابقين من هذين الجنسين. وقرأ جماعة كثيرة أجلاَّء: عمرُ بنُ الخطَّابِ، وقتادةُ، والحسنُ، وسلامُ، وسعيدُ ابنُ أبي سعيدٍ، وعيسى الكوفيُّ، وطلحة، ويعقوب "والأنصارُ" برفعها، وفيها وجهان: أحدهما: أنَّه مبتدأ، وخبره "رضِيَ الله عنهُم". والثاني: عطفه على "السَّابقُون"، وقد تقدَّم ما فيه، فيُحكم عليه بحكمه. قوله: "بإِحْسانٍ" متعلقٌ بمحذوف، لأنَّه حالٌ من فاعل "اتَّبَعُوهُم". وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرى أن الواو ساقطة من قوله: "وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم" ويقول: إنَّ الموصول صفةٌ لمن قبله، حتى قال له زيدُ بنُ ثابتٍ: إنَّها بالواو، فقال: ائتوني بأبيّ، فأتوه به، فقال له: تصديق ذلك في كتاب اللهِ في أول الجمعة {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ}تفسير : [الجمعة:2]، وأوسط الحشر {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ}تفسير : [الحشر:10] وآخر الأنفال {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ}تفسير : [الأنفال:75]. وروي أنَّهُ سمع رجلاً يقرؤها بالواو، فقال: من أقْرأكَ؟ فقال: أبيّ، فدعاه، فقال: أقرأنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنَّك لتبيع القرظ بالبقيع، قال: صَدقْتَ، وإن شئت قل: شهدنَا وغبْتُم، ونصَرْنَا وخذلْتُم، وآوَيْنَا وطَرَدْتم، ومن ثمَّ قال عمرُ: لقد كنتُ أرانا رُفِعْنَا رفعة، لا يبلغُها أحدٌ بعدنا. فصل لمَّا ذكر فضائل الأعراب الذين يتَّخذُونَ ما ينفقُون قربات عند الله، وما أعد لهم، بين أنَّ فوق منزلتهم منازل أعلَى وأعظم منها، وهي منازلُ السَّابقين الأولين. واختلفوا فيهم، فقال ابنُ عبَّاس، وسعيدُ بنُ المسيب، وقتادة، وابن سيرين، وجماعة: هم الذين صلُّوا إلى القبلتين، وقال عطاءُ بن أبي رباح: هم الذين شهدوا معه بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. وقال أبو مسلم: من تقدم موته بعد الإسلام من الشهداء وغيرهم. وقال ابنُ الخطيبِ: "والصحيحُ عندي أنَّهم السَّابقون في الهجرة، والنصرة، لكونه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً". واختلفوا هل يتناولُ جميع الصحابة الذين سبقوا إلى الهجرة، والنصرة أم يتناول بعضهم؟ فقال قومٌ: إنَّه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة وعلى هذا، فلا يتناول إلا قدماء الصحابة، لأنَّ كلمة "مِنْ" للتَّبعيض. ومنهم من قال: بل يتناولُ جميع الصحابةِ؛ لأنَّ جملة الصَّحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة "مِنْ" في قوله "مِنَ المُهاجرينَ والأنصَارِ" ليست للتَّبعيض، بل للتبيين، كقوله: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ}تفسير : [الحج:30]، وذهب إلى هذا كثيرٌ من النَّاس. روى حميدُ بن زيادٍ أنَّهُ قال: قلت يوماً لمحمَّدِ بن كعب القرظيِّ: ألا تُخْبرني عن أصحاب الرسول فيما كان بينهم؟ وأردت الفتن، فقال: إنَّ الله قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنَّة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أيّ موضع أوجب لهم الجنّة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} [التوبة:100] إلى آخر الآية؟ فأوجب الله لجميع أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - الجنَّة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً، قلت: وما ذاك الشَّرط؟ فقال: شرط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المرادُ أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو ألاَّ يقولوا فيهم سوءاً، وألاَّ يوجهوا الطَّعْنَ فيما أقدموا عليه. قال حميدُ بن زياد: فكأنِّي ما قرأتُ هذه الآية قط، قال أبو منصور البغداديُّ التميمي: أصحابنا مجمعون على أنَّ أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريُّون، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. فصل واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة مع اتفاقهم على أنَّها أوَّلُ من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جابر: أوَّل من أسلم وصلَّى عليُّ بن أبي طالبٍ. قال مجاهدٌ وابن إسحاق: أسلم وهو ابن عشر سنين. وقال ابنُ عباسٍ، وإبراهيم النخعي، والشعبي: أوَّلُ من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق. وقال الزهريُّ وعروة بنُ الزُّبير: أوَّلُ من أسلم زيدُ بن حارثة. وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بجمع بين هذه الأخبار فيقول: "أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساءِ خديجة ومن الصِّبيان عليّ، ومن العبيد زيد بن حارثة". قال ابن إسحاق: لمَّا أسلم أبُو بكر أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجُلاً محسناً سَهْلاً، وكان تَاجِراً، ذا خُلِقٍ، وكان رجال قومه يأتُونهُ ويألفونهُ، لعلمه وحُسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه فأسلم على يده فيما بلغني عثمان والزبيرُ بنُ العوام وعبدُ الرحمن بن عوفٍ وسعدُ بنُ أبي وقَّاص وطلحةُ بنُ عبيد الله؛ فجاء بهم إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلمُوا وصلُّوا معه، فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الإسلامِ، ثم تتابع النَّاسُ في الدُّخُولِ في الإسلامِ، أمَّا السابقُون من الأنصار الذين بايعُوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى وكانوا ستة نفر ثم أصحاب العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلاً، ثم العقبة الثالثة وكانوا سبعين فهلاء سباق الأنصار. ثمَّ بعثَ رسُول الله، مصعب بن عمير إلى أهل المدينة يعلِّمهم القرآن؛ فأسلم على يده خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان. والمراد بالمهاجرين الذين هاجروا قومه وعشيرتهم، وفارقُوا أوطانهم، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وآووا أصحابه. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [التوبة:100] قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين وعلى هذا أتي بـ "مِنْ" للتبعيض. وقيل: هم الذين سلكُوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة. وقال عطاءٌ: الذين يذكرُون المهاجرين والأنصار بالتَّرحم والدُّعاء. ثم جمع الله في الثَّواب فقال: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} وقرأ ابنُ كثير: "تَجْري من تحْتِهَا" بـ "مِن" الجارَّة، وهي مرسومةٌ في مصاحف مكَّة. والباقون "تَحْتها" بدونها ولم تُرسَمْ في مصاحفهم. وأكثرُ ما جاء القرآن موافقاً لقراءةِ ابنِ كثير في غير موضع. قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ...} خبر مقدَّم، و "مُنَافقُونَ" مبتدأ، و "مِنَ الأعْرابِ" لبيان الجنسِ. "ومِنْ أهْلِ المدينةِ" يجوزُ أن يكون نسقاً على "مَنْ" المجرورة بـ "مِنْ"، فيكون المجروران مشتركين في الإخبار عن المبتدأ، وهو "مُنافقُونَ" بهما، كأنَّه قيل: المنافقون من قوم حولكم، ومن أهل المدينة، وعلى هذا هو من عطف المفردات، إذ عطفت خبراً على خبر، وعلى هذا، فيكون قوله: "مَرَدُوا" مستأنفاً لا محلَّ له. ويجوز أن يكون الكلامُ تمَّ عند قوله: "مُنافقُونَ" ويكونُ قوله "ومِنْ أهْلِ المدينةِ" خبراً مقدماً، والمبتدأ بعده محذوفٌ قامت صفتُه مقامه وحذفُ الموصوفِ وإقامةُ صفته مقامه - وهي جملة - مُطَّردٌ مع "مِنْ" التَّبعيضية، وقد مرَّ تحريره، نحو: "مِنَّا ظعن، ومِنَّا أقامَ" والتقدير: ومن أهلِ المدينةِ قومٌ، أو أناسٌ مرَدُوا، وعلى هذا فهو من عطف الجمل. ويجوز أن يكون "مَرَدُوا" على الوجه الأوَّلِ صفةً لـ "مُنَافِقُون" وقد فُصل بينه وبين صفته بقوله: "ومِنْ أهلِ المدينةِ"، والتقدير: وممَّن حولكم، ومنْ أهْلِ المدينةِ منافقون ماردون. قال ذلك الزجاجُ، وتبعه الزمخشريُّ، وأبو البقاء، واستبعده أبو حيَّان، للفصل بين الصِّفة وموصوفها. قال: "فيصير نظيره في الدَّارِ زيدٌ، وفي القصر العاقل". يعني ففصلت بين "زيد"، و "العاقل" بقولك: "وفي القصر". وشبَّه الزمخشريُّ حذف المبتدأ الموصوف في الوجه الثَّاني، وإقامة صفته مقامه بقوله: [الوافر] شعر : 2839- أنَا ابْنُ جَلاَ.................. ....................... تفسير : قال أبُو حيَّان: "إن عنى في مطلق حذف الموصوف فحسنٌ، وإن كان شبَّهه به في خصوصيته فليس بحسنٍ؛ لأنَّ حذفَ الموصوف مع "مِنْ" مُطَّردٌ؛ وقوله: [الوافر] شعر : 2840- أنَا ابْنُ جَلاَ................. ....................... تفسير : ضرورة؛ كقوله: [الرجز] شعر : 2841- يَرْمِي بِكَفَّي كَان مِنْ أرمَى البَشَرْ تفسير : والبيت المشار إليه، هو قوله: [الوافر] شعر : 2842- أنَا ابنُ جَلاَ وطلاَّعُ الثَّنَايَا مَتَى أضَعِ العِمامةَ تَعرِفونِي تفسير : وللنُّحاة في هذا البيت تأويلات: أحدها: ما تقدم. والآخر: أنَّ هذه الجملة محكيّة؛ لأنَّها قد سُمِّي بها هذا الرَّجلُ، فإنَّ "جَلاَ" فيه ضمير فاعل، ثم سُمِّي بها وحُكيَتْ كما قالُوا: شَابَ قَرْنَاهَا، وذَرَّى حَبّاً، وقوله: [الرجز] شعر : 2843- نُبِّئْتُ أخْوالِي بَنِي يَزِيدُ ظُلْماً عليْنَا لهُمُ فَدِيدُ تفسير : والثالث: وهو مذهب عيسى بن عمر: أنَّهُ فعلٌ فارغ من الضَّمير، وإنَّما لم يُنوَّن؛ لأنَّه عنده غيرُ منصرفٍ، فإنه يُمْنَع بوزن الفعل المشترك، فلو سُمِّي بـ "ضرب، وقتل" منعهما، أمَّا مجردُ الوزن من غير نقل من فعل فلا يمنع ألْبَتَّة، نحو: جَمَل، وجَبَل. والمراد بأهل المدينةِ: الأوس والخزرج. و "مَرَدُوا" أي: مَهَرُوا، وتمرَّنُوا، وثبتوا على النفاق. وقال ابن إسحاق: لجوُّا فيه وأبوا غيره. وقال ابنُ زيدٍ: أقاموا عليه ولم يتوبوا. وقد تقدَّم الكلام على هذه المادَّة في النِّساءِ، عند قوله: {أية : شَيْطَاناً مَّرِيداً}تفسير : [النساء:117]. قوله: "لا تَعْلمُهُم" هذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ أيضاً صفةً لـ "مُنَافِقُون"، ويجوزُ أن تكون مستأنفةً، والعلم هنا يحتمل أن يكون على بابه؛ فيتعدَّى لاثنين، أي: لا تعلمهم منافقين فحذف الثَّاني للدلالة عليه بتقدُّم ذكر المنافقين؛ ولأنَّ النفاق من صفاتِ القلب، لا يطلع عليه. وأن تكون العرفانية فتتعدَّى لواحد، قاله أبُو البقاءِ. وأمَّا "نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ" فلا يجوزُ أن تكون إلاَّ على بابها، لما تقدَّم في الأنفال، وإن كان الفارسيُّ في إيضاحه صرَّح بإسناد المعرفة إليه تعالى، وهو محذُورٌ لما تقدَّم. قوله: "سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ" تقدَّم الكلامُ في نصب {أية : مَرَّةٍ}تفسير : [التوبة:13]، وأنَّه من وجهين، إمَّا المصدرية، وإمَّا الظرفية، فكذلك هذا، وهذه التثنيةُ يحتملُ أن يكون المرادُ بها شفعَ الواحد، وعليه الأكثر، واختلفُوا في تفسيرها، وألاَّ يُرادَ بها التثنية الحقيقية، بل يُراد بها التَّكثيرُ، كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ}تفسير : [الملك:4]، أي: كرَّاتٍ، بدليل قوله: {أية : يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ}تفسير : [الملك:4]، أي: مزدجراً، وهو كليلٌ، ولا يصيبه ذلك إلاَّ بعد كرَّات، ومثله "لبَّيْكَ، وسعْديكَ، وحنَانيْكَ". وروى عياشٌ عن أبي عمرو "سنُعذِّبْهُم" بسكون الباءِ، وهو على عادته في تخفيف توالى الحركاتِ كـ {أية : يَنصُرْكُمُ}تفسير : [آل عمران:160] وبابه، وإن كان باب "ينْصُركُم" أحسن تَسْكِيناً، لكون الرَّاءِ حرف تكرار؛ فكأنه توالى ضمَّتان، بخلاف غيره، وقد تقدَّم تحريره. وقال أبُو حيَّان: وفي مصحف أنس "سيُعذِّبهُم" بالياءِ، وقد تقدَّم أنَّ المصاحفَ كانت مهملة من النقط والضبط بالشكْلِ، فكيف يقال هذا؟! فصل وأمَّا اختلافهم في هذين العذابين: فقال السُّديُّ والكلبيُّ: قام النبيُّ صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: "حديث : اخْرُجْ يا فلانُ فإنَّك مُنافقٌ اخْرُجْ يا فُلانُ..." تفسير : فأخرج من المسجد ناساً، وفضحهم، فهذا هو العذابُ الأولُ. والثاني: عذاب القبر. وقال مجاهدٌ: الأولُ القتل والسبي، والثاني عذاب القبر، وعنه رواية أخرى عُذِّبُوا بالجوع مرَّتين. وقال قتادةُ: بالدبيلة في الدُّنيا، وعذاب القبر. وقال ابن زيد: الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدُّنيا، والأخرى عذاب القبر. وعن ابن عبَّاسٍ: الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر. وقال ابنُ إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام، ودخولهم فيه من غير حسبة، ثم عذاب القبر. وقيل: أحدهما ضرب الملائكة وجوههم، وأدبارهم عند قبض أرواحهم، ثم عذاب القبر، وقيل: الأولى إحراق مسجدهم مسجد الضّرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنَّم ثُمَّ يردُّون إلى عذابٍ عظيم أي: عذاب جهنم يخلدون فيه وقال الحسنُ: الأولى أخذ الزكاة من أموالهم، وعذاب القبر. قوله تعالى: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} الآية. "وآخرون" نسقٌ على "مُنافِقُون" أي: وممَّن حولكم آخرون، أو من أهلِ المدينة آخرون. ويجوزُ أن يكون مبتدأ، و "اعترفُوا" صفته، والخبر قوله: "خلطُوا". قوله: "وآخَرَ" نسقٌ على "عَمَلاً". قال الزمخشريُّ: "فإن قلت: قد جُعِلَ كُلُّ واحد منهما مخلُوطاً، فما المخلُوط به؟ قلتُ: كلُّ واحدٍ مخلوطٌ ومخلوطٌ به؛ لأنَّ المعنى: خلط كل واحدٍ منهما بالآخر، كقولك: خلَطْتُ الماءَ واللَّبن، تريدُ: خلطتُ كُلَّ واحدٍ منهما بصاحبه. وفيه ما ليس في قولك: خلطتْ الماءَ باللَّبَنِ؛ لأنَّك جعلت الماء مَخْلُوطاً، واللَّبنَ مخلوطاً به، وإذا قلته بالواو جعلتَ الماءَ واللَّبنَ مخلوطين، ومخلوطاً بهما، كأنَّك قلت: خلطتُ الماءَ باللبن، واللبن بالماءِ". ثمَّ قال "ويجوزُ أن يكون من قولهم: بِعْتُ الشَّاة: شاةً ودرهماً، بمعنى: شاة بدرهم". قال شهابُ الدِّينِ: "لا يريدُ أنَّ الواو بمعنى الباءِ، وإنَّما هذا تفسيرُ معنى" وقال أبُو البقاءِ: "ولو كان بالباءِ جاز أن تقول: خلطتُ الحنطة والشعير، وخلطت الحنطةَ بالشَّعير". قوله: "عَسَى ٱللَّهُ" يجوزُ أن تكون الجملةُ مستأنفةً، ويجوزُ أن تكون في محلِّ رفع خبراً لـ "آخرون" ويكون قوله "خلطُوا" في محلِّ نصب على الحالِ، و "قَدْ" معه مقدَّرةٌ، أي: قد خلطوا. فتلخَّص في: "آخرُونَ" أنَّهُ معطوف على "مُنافِقُون"، أو مبتدأ مخبر عنه بـ "خَلطُوا"، أو بالجملة الرجائية. فصل قيل: إنَّهم قوم من المنافقين، تابُوا عن النِّفاقِ؛ لأنَّهُ عطف على قوله {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} والعطفُ يوهم التَّشريكَ، إلاَّ أنَّهُ تعالى وفقهم للتوبة. وقيل: إنَّهُم قوم من المسلمين تخلَّفوا عن غزوة تبُوك، كسلاً، لا نفاقاً، ثم نَدِمُوا على ما فعلوا وتابوا. وروي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام. وروى عطية عن ابن عباس: كانوا خمسة، أحدهم أبو لبابة. وقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانية. وقال قتادةُ والضحاك: كانوا سبعة. وقالو جميعاً أحدهم أبو لبابة. وقال قومٌ: نزلت في أبي لبابة خاصة، وروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: أنهم كانوا عشرة، فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لمَّا بلغهم ما نزل في المتخلفين، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ودخل المسجد وصلى ركعتين، وكانت عادته كُلَّما قدم من سفرٍ، فرآهم موثقين، فسأل عنهم؛ فقالوا: هؤلاء تخلَّفُوا عنك، فعاهدُوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يطلقهم ويرضى عنهم، فقال: "حديث : وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم"تفسير : ؛ فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسُول الله هذه أموالنا التي خلَّفتنا عنك، فتصدق بها عنَّا وطهرنا، فقال: "حديث : ما أمرتُ أن آخذَ مِنْ أموالكُم شيئاً"تفسير : ؛ فنزل قوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}تفسير : [التوبة:103] الآية. والاعترافُ: عبارة عن الإقرار بالشَّيءِ عن معرفةٍ، ومعناه: أنَّهُم أقَرُّوا بذنبهم. والعمل الصَّالح: هو توبتهم واعترافهم بذنبهم وربطهم أنفسهم. والعمل السيّىء: هو تخلُّفهم. وقيل: العمل الصَّالح: خروجهم مع الرسُول - عليه الصلاة والسلام - إلى سائر الغزوات، والعمل السيّىء: تخلفهم عن غزوة تبوك. فصل قالوا: إنَّ الكلام ينزلُ على عرف النَّاسِ، فالسُّلطانُ إذا التمس المحتاج منه شيئاً؛ فإنه لا يجيب إلاَّ بالتَّرجي بـ "لعل، أو عسى"، تنبيهاً على أنَّه ليس لأحد أن يلزمني شيئاً؛ بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضّل، فهذا المعنى هو فائدة ذكر "عَسَى". والاعتراف بمجرَّدِهِ لا يكون توبة، إلاَّ إذا اقترن به النَّدم على الماضي، والعزم على تركه في المستقبل. فصل دلَّت هذه الآيةُ على عدم القولِ بالإحباط، وأنَّ الطَّاعة تبقى موجبة للمدح والثَّواب، والمعصية تبقى موجبة للذّم والعقاب؛ لأنَّ قوله تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} [التوبة:102] يدلُّ على أن كلَّ واحدٍ منهما يبقى كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، لأنه وصفه بالاختلاط، والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الوصفِ حال عدم الموصوف محال؛ فدلَّ على بقاء العملين حال الاختلاط. فصل قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} يقتضي أنَّ هذه التَّوبة إنَّما تحصل في المستقبل. وقوله: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} يدلُّ على أنَّ ذلك الاعتراف حصل في الماضي، وذلك يدلُّ على أن ذلك الاعتراف ما كان مقروناً بنفس التوبة؛ بل كان مقدماً على التوبةِ، والتوبة إنما حصلت بعده.
ابو السعود
تفسير : {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} تأكيداً لمعاذيرهم الكاذبةِ وتقريراً لها، والسين للتأكيد، والمحلوفُ عليه محذوفٌ يدل عليه الكلامُ وهو ما اعتذروا به من الأكاذيب، والجملةُ بدلٌ من يعتذرون أو بـيانٌ له {إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ} أي انصرفتم من الغزو {إِلَيْهِمُ} ومعنى الانقلابِ هو الرجوعُ والانصرافُ مع زيادة معنى الوصولِ والاستيلاء، وفائدةُ تقيـيدِ حَلفِهم به الإيذانُ بأنه ليس لدفع ما خاطبهم النبـي عليه السلام به من قوله تعالى: {أية : لاَ تَعْتَذِرُواْ} تفسير : الخ، بل هو أمرٌ متبدأ {لِتُعْرِضُواْ} وتصفحوا {عَنْهُمْ} صفحَ رضا فلا توبّخوهم ولا تعاتبوهم كما يُفصح عنه قوله تعالى: {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} لكن لا إعراضَ رضا كما هو طِلْبتُهم بل إعراضَ اجتنابٍ ومقتٍ كما يعرب عنه قوله عز وجل: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} فإنه صريحٌ في أن المرادَ بالإعراض عنهم إما الاجتنابُ عنهم لما فيهم من الرجس الروحاني، وإما تركُ استصلاحِهم بترك المعاتبةِ لأن المقصودَ بها التطهيرُ بالحمل على الإنابة، وهؤلاء أرجاسٌ لا تقبل التطهير، فلا يُتعرّضُ لهم بها وقوله عز وعلا: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} إما من تمام التعليلِ فإن كونَهم من أهل النارِ من دواعي الاجتناب عنهم وموجباتِ تركِ استصلاحِهم باللوم والعتاب، وإما تعليلٌ مستقلٌ أي وكفتْهم النارُ عتاباً وتوبـيخاً فلا تتكلفوا أنتم في ذلك {جَزَاء} نُصب على أنه مصدرٌ مأكدٌ لفعل مقدر من لفظه وقع حالاً أي يُجزَون جزاءً أو لمضمون الجملةِ السابقة فإنها مفيدةٌ لمعنى المجازاةِ قطعاً كأنه قيل: مجزيّون جزاءً {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} في الدنيا من فنون السيئاتِ أو على أنه مفعولٌ له {يَحْلِفُونَ لَكُمْ} بدلٌ مما سبق، وعدمُ ذكر المحلوفِ به لظهوره أي يحلِفون به لظهوره أي يحلفون به تعالى {لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم. {فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ} حسبما راموا وساعدتموهم في ذلك {فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي فإن رضاكم عنهم لا يُجديهم نفعاً لأن الله ساخطٌ عليهم ولا أثرَ لرضاكم عند سخطِه سبحانه، ووضعُ الفاسقين موضعَ ضميرِهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجبِ لما حل بهم من السُخط وللإيذان بشمول الحُكمِ لمن شاركهم في ذلك والمرادُ به نهيُ المخاطبـين عن الرضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم الكاذبةِ على أبلغ وجهٍ وآكدِه فإن الرضا عمن لا يرضىٰ عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدرُ عن المؤمن، وقيل ذلك لئلا يَتوهمَ متوهمٌ أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى. قيل: هم جدُّ بنُ قيس ومعتبُ بنُ قشير وأصحابُهما وكانوا ثمانين منافقاً فقال النبـي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حين قدم المدينةَ: «حديث : لا تجالسوهم ولا تكلموهم»تفسير : ، وقيل: جاء عبد اللَّه بن أبـي يحلف أن لا يتخلف عنه أبداً.
القشيري
تفسير : يريد أنهم في حَلفِهِم باللهِ لكم أن يدفع السوءَ مِنْ قِبَلِكم، وليس قصْدهم بذلك خلوصاً في اعتذارهم، ولا ندامةً على ما احتقبوه من أوزارهم، إنما ذلك لتُعْرِضُوا عنهم... فأَعْرِضوا عنهم؛ فإِنَّ ذلك ليس بمُنْجِيهم مما سيلقونه غداً من عقوبة الله لهم، فإِنَّ اللهَ يُمْهِلُ العاصيَ حتى يتَوهَّمَ أنه قد تَجَاوَزَ عنه، وما ذلك إلا مَكْرٌ عُومِل به، فإذا أذاقه ما يستوجِبُه عَلِمَ أن الأمرَ بخلاف ما ظنّه، وما ينفع ظاهرٌ مغبوطٌ، والحال - في الحقيقة - يأسٌ من الرحمة وقنوطٌ، وفي معناه قالوا: شعر : وقد حسدوني في قُرْبِ داري مِنْهُمُ وكم مِن قريبِ الدارِ وهو بعيدُ!
اسماعيل حقي
تفسير : {سيحلفون بالله لكم} تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة القائلين والله ما قدرنا على الخروج ولو قدرنا عليه لما تخلفنا {اذا انقلبتم} اى انصرفتم من الغزو {اليهم} وهم جد بن قيس ومعتب بن قشير واصحابهما {لتعرضوا عنهم} اعراض صفح وهو الاعراض عن الذنب وتتركوا لومهم وتعنيفهم {فاعرضوا عنهم} لكن الاعراض رضى كما هو طلبتهم بل اعراض اجتناب ومقت وتحقير {إنهم رجس} اى كالنتن الذى يجب الاجتناب عنه وفيهم رجس روحانى. وقال فى التبيان اى نجس وعملهم قبيح لا يتطهرون بالتقريع {ومأويهم} اى مصيرهم {جهنم} من تمام التعليل فان كونهم من اهل النار من دواعى الاجتناب. وموجبات ترك استصلاحهم باللوم والعتاب {جزاء} اى يجزون جزاء {بما كانوا يكسبون} فى الدنيا من فنون السيآت
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين يعتذرون بالباطل إلى النبي والمؤمنين في تأخرهم عن الخروج معهم أنهم سيقسمون أيضا على ذلك للمؤمنين {إذا انقلبتم إليهم} يعني اذا رجعتم اليهم {لتعرضوا عنهم} اي لتصفحوا عنهم ولا توبخوهم ولا تعنفوهم. ثم أمر الله تعالى المؤمنين والنبي صلى الله عليه وآله أن يعرضوا عنهم اعراض المقت وبين {إنهم رجس} اي هم كالنتن في قبحه وهم انجاس ويقال: رجس نجس على الاتباع، وان {مأواهم} يعني مصيرهم ومآلهم ومستقرهم {جهنم جزاء} اي مكافاة على ما كانوا يكسبونه من المعاصي. والجزاء مقابلة العمل بما يقتضيه من خير او شر. قال احمد بن يحيى ثعلب: اللام في قوله {لتعرضوا عنهم} ليست لام غرض وانما معناه لاعراضكم، وانما علق - ها هنا - بذلك لئلا يتوهم أنه اذا رضي المؤمنون فقد رضي الله عنهم أيضاً فذكر ذلك ليزول هذه الالباس لأن المنافقين لم يحلفوا لهم لكي يعرضوا، ولكنهم حلفوا تبرئاً من النفاق ولاعراض المسلمين عنهم وأنشد: شعر : سموت ولم تكن أهلا لتسمو ولكن المضيع قد يصاب تفسير : أراد ما كنت أهلا للسمو.
اطفيش
تفسير : {سَيحْلفُونَ باللهِ إذا انقَلبْتُم} رجعتم {إلَيهم لتُعرضُوا عَنْهم} أى لتتركوا عتابهم وتوبيخهم {فأعْرضُوا عَنْهم} كما يحبون، فإن العتاب لا يؤثر فيهم، وعلل ذلك بقوله: {إنَّهم رجْسٌ} أى لأنهم نفس الخبث والنجس، فلا يطهره شىء، بخلاف من أصله طاهر، فإنه اذا فرطت منه زلة أمكن تطهيرها وبقوله: {ومَأواهُم جَهنَّم} أى مصيرهم هى، والتعليلان مغيبان وكأنه قيل: لأنهم نفس الخبث والنجس، ولأن الله سبحانه قد أوعدهم النار فهى تكفيهم عتابا وتوبيخا فلا تتكلفوهما، أو هذا من تمام التعليل الأول، وقيل: معنى {فأعرضوا عنهم} فلا تجالسوهم ولا تكلموهم {جزاء} مفعول مطلق أو مفعول لأجله معلل لقوله اعرضوا أو للمحذوف أى اوعدتهم بجهنم جزاء {بمَا كانُوا يكْسبُونَ}. وعن بعضهم: إن هذه الآية {سيحلفون بالله} الخ أول ما نزل فى المنافقين فى غزوة تبوك، وذلك أن بعض المنافقين استأذنوه فى التخلف فأذن لهم، فخرجوا من عنده، وقال أحدهم: والله ما هو إلا شحمة لأول آكل، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فيهم القرآن، فانصرف رجل من القوم فقال للمنافقين فى مجلس منهم: والله لقد نزل على محمد فيكم قرآن، فقالوا له: وما ذلك؟ قال: لا أحفظ إلا أنى سمعت وصفكم بالرجس، فقال لهم مخشى: والله لوددت أن أجلد مائة جلدة ولا أكون معكم، فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما جاء بك" فقال: وجه رسول الله تسفه الريح، وأنا فى الكن، فروى أنه ممن تاب، وقيل: لما قدم من تبوك جلس للناس، فجاء المتخلفون يعتذرون ويحلفون، فقبل عنهم، وبايعهم واستغفر لهم، ورضى عنهم فنزل قوله تعالى: {يحْلفُونَ لكُم لترْضَوا عَنْهم ...}.
اطفيش
تفسير : {سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} من سفركم إِلى تبوك قائلين والله ما قعدنا عنكم إِلا لعذر كالفقر وكثرة العيال وخوف إِغارة العدو على أَهلنا وما لهم {لِتُعْرِضُوا عَنهُمْ} بترك التوبيخ {فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} إِعراض بغض وعدم اكتراث بهم وعدم أَهليتهم للخطاب بدل إِعراض الصفح الذى طلبوه فكانوا لا يتكلم معهم أَحد {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} باطنهم خبيث باعتقاد الباطل كخبث العذرة وسائر ما نجس بذاته لا يؤَثر فيهم العتاب. {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} والمعنى لأَنهم رجس ولأَنهم من أَهل النار أَشقياءُ لا يؤَثر فيهم وعظ، فهذا تعليل ثان أَو هو تتميم للتعليل الذى هو قوله إِنهم رجس {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} جزاءً بكونهم يكسبون ما لا يجوز أَو بأَشياءَ كانوا يكسبونها أَو بالأَشياء التى كانوا يكسبونها، والمعنى فعلنا بهم ذلك لأَجل الجزاءِ أَوْ أَعرضوا عنهم لأَجل الجزاءِ، أَو مصدر مؤكد لغيره، أَى جزيناهم جزاءً بما كانوا، وإِنما عمل المصدر المؤكد لأَن الجملة التى أَكدها مشتملة على معنى معموله.
الالوسي
تفسير : {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ} تأكيداً لمعاذيرهم الكاذبة وترويجاً لها. والسين للتأكيد على ما مر، والمحلوف عليه [محذوف] ما يفهم من الكلام وهو ما اعتذروا به الأكاذيب، والجملة بدل من{أية : يعتذرون }تفسير : [التوبة:94] أو بيان له {إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ} من سفركم {إِلَيْهِمُ} والانقلاب هو الرجوع والانصراف مع زيادة معنى الوصول والاستيلاء، وفائدة تقييد حلفهم - كما قال بعض المحققين - به الإيذان بأنه ليس لدفع ما خاطبهم النبـي صلى الله عليه وسلم به من قوله تعالى: {أية : لاَ تَعْتَذِرُواْ }تفسير : [التوبة:94] الخ بل هو أمر مبتدأ {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} فلا تعاتبوهم وتصفحوا عما فرط منهم صفح رضا كما يفصح عنه قوله تعالى: {أية : لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ }تفسير : [التوبة:96]{فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} لكن لا إعراض رضا كما طلبوا بل إعراض اجتناب ومقت كما ينبىء عنه التعليل بقوله سبحانه: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} فإنه صريح في أن المراد بالإعراض إما الاجتناب عنهم لما يفهم من القذارة الروحانية وإما ترك استصلاحهم بترك المعاملة المقصود منها التطهير بالحمل على التوبة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير، وقيل: إن {لِتُعْرِضُواْ} بتقدير للحذر عن أن تعرضوا على أن الإعراض فيه إعراض مقت أيضاً ولا يخفى أنه تكلف لا يحتاج إليه، وقوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} إما من تمام التعليل فإن كونهم من أهل النار من دواعي الاجتناب عنهم وموجبات ترك / استصلاحهم باللوم والعتاب وإما تعليل مستقل أي وكفتهم النار عتاباً على حد ـ عتابه السيف ووعظه الصفع ـ فلا تتكلفوا أنتم بذلك {جَزَآء} نصب على أنه مفعول مطلق مؤكد لفعل مقدر من لفظه وقع حالا أي يجزون جزاء أو لمضمون ما قبله فإنه مفيد لمعنى المجازاة كأنه قيل: مجزيون جزاء {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي بما يكسبونه على سبيل الاستمرار من فنون السيآت في الدنيا أو بكسبهم المستمر لذلك. وجوز أن يكون مفعولاً له وحالاً من الخبر عند من يرى ذلك.
ابن عاشور
تفسير : الجملة مستأنفة ابتدائية تعداد لأحوالهم. ومعناها ناشىء عن مضمون جملة {أية : لن نؤمن لكم}تفسير : [التوبة: 94] تنبيهاً على أنهم لا يرعَوُون عن الكذب ومخادعة المسلمين، فإذا قيل لهم {أية : لن نؤمن لكم}تفسير : [التوبة: 94]حلفوا على أنهم صادقون ترويجاً لخداعهم: وهذا إخبار بما سيلاقِي به المنافقون المسلمين قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو. و{إذا} هنا ظرف للزمن الماضي. وحذف المحلوف عليه لظهوره، ولتقدم نظيره في قوله: {أية : وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم}تفسير : [التوبة: 42] إلا أن ما تقدم في حلفهم قبل الخروج. والانقلاب: الرجوع، وتقدم في قوله {أية : انقلبتم على أعقابكم} تفسير : في آل عمران (144). وصرح بعلة الحلف هنا أنه لقصد إعراض المسلمين عنهم، أي عن عتابهم وتقريعهم، للإشارة إلى أنهم لا يقصدون تطييب خواطر المسلمين ولكن أرادوا التملّص من مسبة العتاب ولَذْعِه. ولذلك قال في الآيتين الأخريين {أية : يحلفون بالله لكم ليرضوكم}تفسير : [التوبة: 62] {أية : يحلفون لكم لترضَوا عنهم}تفسير : [التوبة: 96] لأنّ ذلك كان قبل الخروج إلى الغزو فلما فات الأمر وعلموا أن حلفهم لم يصدقه المسلمون صاروا يحلفون لقصد أن يُعرض المسلمون عنهم. وأدخل حرف (عن) على ضمير المنافقين بتقدير مضاف يدل عليه السياق لظهور أنهم يريدون الإعراض عن لومهم. ففي حذف المضاف تهيئة لتفريع التقريع الواقع بعده بقوله: {فأعرضوا عنهم}، أي فإذا كانوا يرومون الإعراض عنهم فأعرضوا عنهم تماماً. وهذا ضرب من التقريع فيه إطماع للمغضوب عليه الطالب بأنّه أجيبت طِلبته حتى إذا تأمّل وجد ما طمع فيه قد انقلب عكس المطلوب فصار يأساً لأنهم أرادوا الإعراض عن المعاتبة بالإمساك عنها واستدامة معاملتهم معاملةَ المسلمين، فإذا بهم يواجهون بالإعراض عن مكالمتهم ومخالطتهم وذلك أشد مما حلفوا للتفادي عنه. فهم من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه أو من القول بالموجَب. وجملة: {إنهم رجس} تعليل للأمر بالإعراض. ووقوع (إنّ) في أولها مؤذن بمعنى التعليل. والرجس: الخبث. والمراد تشبيههم بالرجس في الدناءة ودنس النفوس. فهو رجس معنوي. كقوله: {أية : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان}تفسير : [المائدة: 90]. والمأوى: المصير والمرجع. و{جزاء} حال من {جهنم}، أي مجازاة لهم على ما كانوا يعملون.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَمَأْوَاهُمْ} (95) - إِذَا رَجَعْتُمْ إِلى المَدِينَةِ مِنْ غَزَاتِكُمْ فَإِنَّ هؤُلاَءِ الذِينَ تَخَلَّفُوا مَعَ الخَوَالِفِ فِي المَدِينَةِ، وَقَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ، وَهُمْ أَغْنِيَاءُ أَصِحَّاءُ، سَيَأْتُونَ إِلَيْكُمْ مُعْتَذِرِينَ، وَسَيُؤَكِّدُونَ اعْتِذَارَهُمْ بِالأَيْمَانِ الكَاذِبَةِ، وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ تُعْرِضُوا عَنْهُمْ، وَتَكُفُّوا عَنْ تَوْبِيخِهِمْ، وَتَقْرِيعِهِمْ عَلَى قُعُودِهِمْ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِعْرَاضَ الاحْتِقَارِ وَالاسْتِصْغَارِ، لا إِعْراضَ الصَّفْحِ، وَقَبُولِ العُذْرِ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَدَنَسٌ مُؤْذٍ لِلنُّفُوسِ المُؤْمِنَةِ الكَرِيمَةِ، يَجِبُ الاحْتِرَاسُ مِنْهُمْ، وَالابْتِعَادُ عَنْهُمْ، لِكَيْلاً تَلْحَقَ عَدْواهُمْ بِالمُؤْمِنِينَ. وَسَتَكُونُ نَارُ جَهَنَّمَ مُسْتَقَرَّهُمْ، وَجَزَاءَهُمْ، وَمَأْوَاهُمُ الأَخِيرُ. إِنَّهُمْ رِجْسٌ - قَذَرٌ بَاطِناً وَظَاهِراً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكلمة {سَيَحْلِفُونَ} فيها سرّ إعجازي من الله؛ لأن حرف "السين" هنا تدلنا على أنهم لم يحلفوا بعد، أي أن الآية نزلت وقُرئت وسمعها المؤمنون والمنافقون قبل أن يحلف المنافقون، وآيات القرآن تُتْلى وتُقرأ في الصلاة، ولا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ولو كان للمنافقين قدرة على التدبر لما جاءوا وحلفوا. ولقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قرآن يوحى إليه: إننا سنأتي ونحلف، ونحن لن نأتي ولن نحلف؛ ولكن لأن الله هو القائل وهو الخالق وهو الفاعل، فقد شاء أن تغيب الفطنة عن أذهانهم، مثلما قال سبحانه من قبل: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ...} تفسير : [البقرة: 142]. وهم قد قالوا ذلك بعد نزول الآية. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} والانقلاب معناه التحول من حال إلى حال. ومعنى الانقلاب في هذه الآية مقصود به العودة إلى المدينة مقر السلام والأمن بعد الحرب، فكأن الاعتدال في القتال والانقلاب في العودة إلى المدينة. ولكن لماذا سيحلف المنافقون بالله للمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه: {لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ} أي: لتعرضوا عن توبيخهم ولومهم وتعنيفهم؛ لأنهم لم يجاهدوا معكم. فقال الحق: {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} أي أعطوهم مطلوبهم من الإعراض ولكنه لون آخر من الإعراض، فلا تلوموهم ولا توبخوهم ولا تؤثموهم، بل أعرضوا عنهم إعراض احتقار وإهانة، لا إعراض صفح ومغفرة؛ جزاءً لهم على ما فعلوا؛ لأن التأنيب والتوبيخ هما من ألوان الجزاء على المخالفة، ولكنه قد يحمل الأمل في المخالف ليعود إلى الصواب. فأنت إن لم يذهب ابنك إلى المدرسة مثلاً تُوبِّخه وتُعنِّفه، وأنت تفعل ذلك لأنك تأمل في أن ينصلح حاله، ولكن إذا استمر على مثل هذه الحال فأنت تهمله، والإهمال دليل على أنك فقدت الأمل في إصلاحه. كذلك كان الأمر بالنسبة للمنافقين، لو أن التوبيخ والإهانة كانت ستجعلهم يفيقون ويعودون إلى حظيرة الإيمان، فهذا دليل على أن هناك أملاً في الإصلاح، وهم لن ينصلح حالهم، وهم في ذلك يختلفون عن المؤمنين، فالمؤمن إن ارتكب إثماً فهو يستحق العتاب والتوبيخ من إخوته في الإيمان، وفي هذا إيلام له. والمؤمن عرضة أن تصيبه غفلة فيرتكب إثماً، فإذا حدث بعد هذا الإثم إيلام له من نفسه، أو بواسطة إخوانه المؤمنين، فهو يفيق ويشعر بالذنب، وشعوره بالذنب وصول به إلى التوبة. أما هؤلاء المنافقون فلا ينفع معهم التوبيخ أو الإيلام النفسي؛ لأنهم لن يعودوا أبداً إلى حظيرة الإيمان، ولذلك جاء الأمر: فأعرضوا عنهم؛ لأنهم لا يستحقون - حتى - اللوم، فالتوبيخ جزاء على ذنب قد يُقلع عنه من ارتكبه. ولكن هؤلاء لا أمل فيهم، والعلة يأتي بها القرآن: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} والرجس يطلق على معان متعددة، وقوله: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} أي: هم الخباثة بذاتها، ويقول العلماء: أي أن فيهم خبثاً وقذارة. وأقول: إن الرجس هو القذارة نفسها، فلا نقول: إنهم قذرون؛ لأننا إن قلنا ذلك فالمعنى يفيد أنهم طُهُرٌ أصابهم قذر، وهم ليسوا كذلك، إنهم "قذر" في حد ذواتهم، ولا يطهرهم شيء؛ لأن الذي يخرج من القذارة يكون مثلها؛ فهم خباثة لا يطهرها لَوْم أو توبيخ. وأطلق الرجس هنا مثلما قال الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ...} تفسير : [التوبة: 28]. ولم يقل: "نجسون" بل هم أنفسهم نجس. والرجس يطلق أيضاً على الشيء القذر حسيّاً؛ مثل الميتة، والحق سبحانه يقول: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ ...} تفسير : [الأنعام: 145]. إذن: فالميتة قذارة حسّية، كذلك الخمر التي يقول فيها الحق: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ...} تفسير : [المائدة: 90]. فالخمر نفسها رجس، أي: قذارة حسّية، وعطف عليها الحق - سبحانه - الميسر والأنصاب، والأزلام؛ وأخذوا حكم الخمر، وهكذا نفهم أن الخمر رجس حسّي، بينما الأنصاب والأزلام والميسر رجس معنوي. وهناك أيضا الرجز، ويطلق على وسوسة الشيطان، فالحق يقول: {أية : إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ ...} تفسير : [الأنفال: 11]. إذن: فالرجس له متعلقات؛ معناه هنا الكفر، والكافر هو قذارة في حَدِّ ذاته لا أنه إنسان أصابته قذارة. ويقول الحق: {فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} والمأوى: هو المكان الذي يؤويك من شر يلحقك، ويقال: "آوى إلى كذا" أي: هرب من شر يُراد به، فإذا كان المأوى الذي يفزعون إليه هو جهنم، فمعنى ذلك أنهم بحثوا عن منفذ فلم يجدوا منفذاً إلا أن يدخلوا جهنم، وهي بطبيعة الحال بئس المصير. وهل ذلك افتئات عليهم أم جزاء؟ يقول الحق: {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} ونعرف أن الحسنة يقال عنها: "كسب"، والسيئة يقال عنها "اكتسب"، والحق هو القائل: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ...} تفسير : [البقرة: 286]. وذلك لأن عمل الحرام المخالف لمنهج الله لا بد أن يشوبه الافتعال، أما عمل الحلال فهو أمر فطري لا يكلف النفس مشقة، ولا تتنازع فيه مَلَكَات، لكن بعض الناس الذين يعملون السيئات يألفونها إلْفَاً بحيث تصبح سهلة؛ فلا تكلفهم شيئاً، ويعتبر الواحد منهم السيئة كسباً، كأن تأتي لإنسان، فيحدثك بمغامراته في الخارج، ويروي عن رحلاته في باريس ولندن، وما فعل فيهما من منكرات. هو يظن أنه يحكي عن مكاسب، ولا يعلم أنه يحكي عن مصائب وقع فيها باختياره. مثل هذا الإنسان يفعل السيئة، وهو معتاد عليها؛ فتصير كَسْباً. وهو عكس إنسان آخر وقعت عليه المعصية؛ فيظل يبكي ويبكي ويبكي، ويندم، وقد يضرب نفسه كلما تذكر المعصية، ويندم عليها. فالأول فرح بخطاياه ومعاصيه واعتبرها كسباً, وصارت له دُرْبة وله رياضة وله إلْفٌ بتلك المعاصي. وهنا يقول الحق سبحانه: {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):