٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
97
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام، لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب، ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال العلماء من أهل اللغة، يقال: رجل عربي. إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب. كما تقول مجوسي ويهودي، ثم يحذف ياء النسبة في الجمع، فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي، بالألف إذا كان بدوياً، يطلب مساقط الغيث والكلأ، سواء كان من العرب أو من مواليهم، ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي: فرح، والعربي إذا قيل له: يا أعرابي، غضب له، فمن استوطن القرى العربية فهم عرب، ومن نزل البادية فهم أعراب، والذي يدل على الفرق وجوه: الأول: أنه عليه السلام قال: « حديث : حب العرب من الإيمان » تفسير : وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه الآية. والثاني: أنه لا يجوز أن يقال: للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب، وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب. قال عليه السلام: « حديث : لا تؤمن امرأة رجلاً ولا فاسق مؤمناً ولاأعرابي مهاجراً » تفسير : الثالث: قيل إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسمعيل نشأوا بعربة، وهي من تهامة. فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم، لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسمعيل وقيل: سموا بالعرب، لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم، ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة، ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة يونان في أفئدتهم. وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم، وذلك لحلاوة ألفاظهم وعذوبة عباراتهم. المسألة الثانية: من الناس من قال: الجمع المحلى بالألف واللام الأصل فيه أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإن لم يوجد المعهود السابق، حمل على الاستغراق للضرورة. قالوا: لأن صيغة الجمع يكفي في حصول معناها الثلاثة فما فوقها، والألف واللام للتعريف، فإن حصل جمع هو معهود سابق وجب الانصراف إليه، وإن لم يوجد فحينئذ يحمل على الاستغراق دفعاً للإجمال. قالوا إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {ٱلأَعْرَابُ } المراد منه جمع معينون من منافقي الأعراب، كانوا يوالون منافقي المدينة فانصرف هذا اللفظ إليهم. المسألة الثالثة: أنه تعالى حكم على الأعراب بحكمين: الحكم الأول أنهم أشد كفراً ونفاقاً، والسبب فيه وجوه: الأول: أن أهل البدو يشبهون الوحوش. والثاني: استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم، وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم، والثالث: أنهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدب، ولا ضبط ضابط فنشاؤا كما شاؤوا، ومن كان كذلك خرج على أشد الجهات فساداً. والرابع: أن من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير، ولم يسمع خبره. والخامس: قابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لتعرف الفرق بين أهل الحضر والبادية. الحكم الثاني قوله: {وَأَجْدَرُ ألا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } وقوله: {أجدر} أي أولى وأحق، وفي الآية حذف، والتقدير: وأجدر بأن لا يعلموا. وقيل في تفسير حدود ما أنزل الله مقادير التكاليف والأحكام. وقيل: مراتب أدلة العدل والتوحيد والنبوة والمعاد {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بمافي قلوب خلقه {حَكِيمٌ } فيما فرض من فرائضه. ثم قال: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } والمغرم مصدر كالغرامة، والمعنى: أن من الأعراب من يعتقد أن الذي ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران، وإنما يعتقد ذلك لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله وابتغاء ثوابه {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ } يعني الموت والقتل، أي ينتظر أن تنقلب الأمور عليكم بموت الرسول، ويظهر عليكم المشركون. ثم إنه أعاده إليهم فقال: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء } والدائرة يجوز أن تكون واحدة، ويجوز أن تكون صفة غالبة، وهي إنما تستعمل في آفة تحيط بالإنسان كالدائرة، بحيث لا يكون له منها مخلص، وقوله: {ٱلسَّوْء } قرىء بفتح السين وضمه. قال الفراء: فتح السين هو الوجه، لأنه مصدر قولك: ساء يسوء سوأ أو مساءة ومن ضم السين جعله اسماً، كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: { أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء } تفسير : [مريم: 28] ولا في قوله: { أية : وَظَنَنتُمْ ظَنَّ ٱلسَّوْء } تفسير : [الفتح: 12] وإلا لصار التقدير: ما كان أبوك امرأ عذاب، وظننتم ظن العذاب، ومعلوم أنه لا يجوز، وقال الأخفش وأبو عبيد: من فتح السين، فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء. ثم يدخل الألف واللام. فيقول: رجل السوء وأنشد الأخفش: شعر : وكنت كذئب السوء لما رأى دماً بصاحبه يوماً أحال على الدم تفسير : ومن ضم السين أراد بالسوء المضرة والشر والبلاء والمكروه، كأنه قيل: عليهم دائرة الهزيمة والمكروه، وبهم يحيق ذلك. قال أبو علي الفارسي: لو لم تضف الدائرة إلى السوء أو السوء عرف منها معنى السوء، لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه. إذا عرفت هذا فنقول: المعنى يدور عليهم البلاء والحزن، فلا يرون في محمد عليه الصلاة والسلام ودينه إلا ما يسوءهم. ثم قال: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لقولهم: {عَلِيمٌ } بنياتهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} فيه مسألتان: الأُولى ـ لما ذكر جل وعز أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجاً منها ونائياً عنها من الأعراب؛ فقال كفرهم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن. وقيل: لأنهم أقسى قلباً وأجفى قولاً وأغلظ طبعاً وأبعد عن سماع التنزيل؛ ولذلك قال الله تعالى في حقهم: {وَأَجْدَرُ} أي أخلق. {أَلاَّ يَعْلَمُواْ} «أن» في موضع نصب بحذف الباء؛ تقول: أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل؛ فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا بـ «أن»، وإن أتيت بالباء صلح بـ «أن» وغيره؛ تقول: أنت جدير أن تقوم، وجدير بالقيام. ولو قلت: أنت جدير القيام كان خطأ. وإنما صلح مع «أن» لأن أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف. {حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي فرائض الشرع. وقيل: حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم. الثانية ـ ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة: أوّلها ـ لا حق لهم في الفيء والغنيمة؛ كما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث بريدة، وفيه: «حديث : ثم ٱدعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحوّلوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين».تفسير : وثانيها ـ إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة؛ لما في ذلك من تحقق التهمة. وأجازها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعي كل تُهمَة، والمسلمون كلهم عنده على العدالة. وأجازها الشافعيّ إذا كان عدلاً مرضياً؛ وهو الصحيح لما بيناه في «البقرة». وقد وصف الله تعالى الأعراب هنا أوصافاً ثلاثة: أحدها ـ بالكفر والنفاق. والثاني ـ بأنه يتخذ ما ينفِق مغرماً ويتربص بكم الدوائر. والثالث ـ بالإيمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول؛ فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأوّل، وذلك باطل. وقد مضى الكلام في هذا في «النساء». وثالثها ـ أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره أبو مِجْلَز إمامة الأعرابي. وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم. وقال سفيان الثوريّ والشافعيّ وإسحاق وأصحاب الرأي: الصلاة خلف الأعرابي جائزة. واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة. قوله تعالى: {أَشَدُّ} أصله أشْدَد؛ وقد تقدّم. {كُفْراً} نصب على البيان. {وَنِفَاقاً} عطفٌ عليه. {وَأَجْدَرُ} عطف على أشدّ، ومعناه أخلق؛ يقال: فلان جدير بكذا أي خليق به، وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع جدراء وجديرون. وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء. فقوله: هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به. {أَلاَّ يَعْلَمُواْ} أي بألاّ يعلموا. والعرب: جيل من الناس، والنسبة إليهم عربِيّ بين العروبة، وهم أهل الأمصار. والأعراب منهم سكان البادِية خاصة. وجاء في الشعر الفصيح أعاريب. والنسبة إلى الأعْرَاب أعرابيّ لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعاً للعرب كما كان الأنباط جمعاً لنَبَط؛ وإنما العرب اسم جنس. والعرب العاربة هم الخلص منهم، وأخِذ من لفظه وأكِّد به؛ كقولك: لَيْل لائل. وربما قالوا: العرب العَرْبَاء. وتعرّب أي تشبه بالعرب. وتعرّب بعد هجرته أي صار أعرابياً. والعرب المستعرِبة هم الذين ليسوا بخلص، وكذلك المتعربة، والعربية هي هذه اللغة. ويَعْرُب بن قحطان أوّل من تكلم بالعربية، وهو أبو اليمن كلهم. والعُرْب والعَرَب واحد: مثل العُجْم والعَجَم. والعُرَيْب تصغير العرب؛ قال الشاعر:شعر : ومَكْن الضِّباب طعام العرَيْبِ ولا تشتهِيه نفوسُ العجَمْ تفسير : إنما صغرهم تعظيماً؛ كما قال: أنا جُذْيلُها المحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المرَجَّب كله عن الجوهرِيّ. وحكى القشيرِيّ وجمع العربي العَرَب، وجمع الأعرابي أعراب وأعاريب. والأعرابي إذا قيل له يا عَرَبِيّ فرِح، والعربيّ إذا قيل له يا أعرابي غضب. والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب. وسميت العرب عَرَباً لأن ولد إسماعيل نشَئوا من عَرَبة وهي من تهامة فنسبوا إليها. وأقامت قريش بعَربة وهي مكة، وٱنتشر سائر العرب في جزيرتها.
البيضاوي
تفسير : {ٱلأَعْرَابُ } أهل البدو. {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من أهل الحضر لتوحشهم وقساوتهم وعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب والسنة. {وَأَجْدَرُ أَن لا يَعْلَمُواْ} وأحق بأن لا يعلموا. {حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} من الشرائع فرائضها وسنتها. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر. {حَكِيمٌ} فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقاباً وثواباً.
ابن كثير
تفسير : أخبر تعالى أن في الأعراب كفاراً ومنافقين ومؤمنين، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم، وأشد وأجدر، أي: أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله؛ كما قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني. فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن أبي موسى عن وهب بن منبه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن» تفسير : ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به، وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الثوري، ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي، لم يبعث الله منهم رسولاً، وإنما كانت البعثة من أهل القرى؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ} تفسير : [يوسف: 103] ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه أضعافها حتى رضي، قال: «حديث : لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي»تفسير : ؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقاً من الأعراب؛ لما في طباع الأعراب من الجفاء. (حديث الأعرابي في تقبيل الولد) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة وابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأملك إن كان الله نزع منكم الرحمة» تفسير : وقال ابن نمير: «من قلبك الرحمة». وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل والإيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته، وأخبر تعالى أن منهم {مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} أي: في سبيل الله {مَغْرَمًا} أي: غرامة وخسارة {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} أي: ينتظر بكم الحوادث والآفات {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} أي: هي منعكسة عليهم، والسوء دائر عليهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان، وقوله: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ} هذا هو القسم الممدوح من الأعراب، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} أي: ألا إن ذلك حاصل لهم {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلأَعْرَابُ } أهل البدو {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من أهل المدن لجفائهم وغلظ طباعهم وبعدهم عن سماع القرآن {وَأَجْدَرُ } أولى {أ}ن أي بأن {لا يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ } من الأحكام والشرائع {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بخلقه {حَكِيمٌ } في صنعه بهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الأعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} فيه وجهان: أحدهما: أن يكون الكفر والنفاق فيهم أكثر منه في غيرهم لقلة تلاوتهم القرآن وسماعهم السنن. الثاني: أن الكفر والنفاق فيهم أشد وأغلظ منه في غيرهم لأنهم أجفى طباعاً وأغلظ قلوباً. {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ} ومعنى أجدر أي أقرب، مأخوذ من الجدار الذي يكون بين مسكني المتجاورين. وفي المراد بحدود الله ما أنزل الله وجهان: أحدهما: فروض العبادات المشروعة. الثاني: الوعد والوعيد في مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والتخلف عن الجهاد. قوله عز وجل {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} فيه وجهان: أحدهما: ما يدفع من الصدقات. الثاني: ما ينفق في الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم مغرماً، والمغرم التزام ما لا يلزم، ومنه قوله تعالى {أية : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 65] أي لازماً، قال الشاعر: شعر : فَمَا لَكَ مَسْلُوبَ العَزَاءِ كَأَنَّمَا تَرَى هَجْرَ لَيْلَى مَغْرَماً أَنْتَ غارِمُهُ تفسير : {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَآئِرَ} جمع دائرة وهي انقلاب النعمة إلى ضدها، مأخوذة من الدور ويحتمل تربصهم الدوائر وجهين: أحدهما: في إعلان الكفر والعصيان. والثاني: في انتهاز الفرصة بالانتقام. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} رد لما أضمروا وجزاء لما مكروا. قوله عز وجل {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} قال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: أنها تقربة من طاعة الله ورضاه. الثاني: أن ثوابها مذخور لهم عند الله تعالى فصارت قربات عند الله {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} فيها وجهان: أحدهما: أنه استغفاره لهم، قاله ابن عباس. الثاني: دعاؤه لهم،قاله قتادة. {أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن يكون راجعاً إلى إيمانهم ونفقتهم أنها قربة لهم. الثاني: إلى صلوات الرسول أنها قربة لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} كفرهم أكثر وأشد لجفاء طباعهم وغلظ قلوبهم، أو الكفر فيهم أكثر لعدم وقوفهم على الكتاب والسنة. {وَأَجْدَرُ} أقرب مأخوذ من الجدار بين المتجاورين. {حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ} من فروض العبادات، أو من الوعيد على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والتخلف عن الجهاد.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً} ثم استثنى منهم فقال {أية : من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 99] الآية. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وأجدر أَلاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} قال: هم أقل علماً بالسنن. وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: كان زيد بن صوحان يحدث فقال اعرابي: إن حديثك ليعجبني وأن يدك لتريبني. فقال: أما تراها الشمال؟ فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ قال زيد: صدق الله {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً} قال: من منافقي المدينة {وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} يعني الفرائض وما أمر به من الجهاد. وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي في الآية: أنها أنزلت في أسد وغطفان. وأخرج أبو الشيخ عن ابن سيرين قال: إذا تلا أحدكم هذه الآية {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً} فليتل الآية الأخرى ولا يسكت {أية : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 99]. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن . تفسير : وأخرج أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن، وما ازداد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعداً ".
ابو السعود
تفسير : {ٱلأَعْرَابُ} هي صيغةُ جمعٍ وليست بجمع للعرب قاله سيبويه لئلا يلزمَ كونُ الجمع أخصَّ من الواحد فإن العربَ هو هذا الجيلُ الخاصُّ سواء سكنَ البواديَ أم القرى، وأما الأعرابُ فلا يطلق إلا على من يسكن البواديَ ولهذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل: أعرابـيٌّ وقال أهلُ اللغة: رجلٌ عربـيٌ وجمعُه العَرَبُ كما يقال: مَجوسيٌّ ويهوديٌّ ثم يحذف ياء النسب في الجمع فيقال: المجوس واليهود ورجلٌ أعرابـي ويجمع على الأعراب والأعاريب أي أصحاب البدو {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من أهل الحضَر لجفائهم وقسوةِ قلوبهم وتوحُّشهم ونشئِهم في معزل من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم، وهذا من باب وصف الجنسِ بوصف بعض أفرادِه كما في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا }تفسير : [الإسراء: 67] إذ ليس كلُّهم كما ذُكر على ما ستحيط به خُبراً {وَأَجْدَرُ أَن لا يَعْلَمُواْ} أي أحقُّ وأخلقُ بأن لا يعلموا {حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} لبعدهم عن مجلسه صلى الله عليه وسلم وحِرمانِهم من مشاهدة معجزاتِه ومعاينةِ ما ينزل عليه من الشرائع في تضاعيف الكتابِ والسنة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوال كلٍّ من أهل الوَبر والمدَر {حَكِيمٌ} فيما يصيب به مسيئَهم ومحسنَهم من العقاب والثواب. {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ} شروعٌ في بـيان تشعّبِ جنسِ الأعرابِ إلى فريقين وعدم انحصارِهم في الفريق المذكورِ كما يتراءى من ظاهر النظم الكريم، وشرحٌ لبعض مثالبِ هؤلاء المتفرعةِ على الكفر والنفاق بعد بـيانِ تماديهم فيهما، وحملُ الأعراب على الفريق المذكورِ خاصةً وإن ساعده كونُ من يحكي حالَه بعضاً منهم وهم الذين بصدد الإنفاقِ من أهل النفاقِ دون فقرائِهم أو أعرابِ أسدٍ وغطفانَ وتميم كما قيل لكن لا يساعده ما سيأتي من قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ} تفسير : [التوبة: 99] الخ، فإن أولئك ليسوا من هؤلاء قطعاً وإنما هم من الجنس أي ومن جنس الأعرابِ الذي نُعت بنعت بعضِ أفردِه {مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} من المال أي يعُدّ ما يصرِفه في سبـيل الله ويتصدق به صورةً {مَغْرَمًا} أي غرامةً وخُسراناً لازماً إذ لا ينفقه احتساباً ورجاءً لثواب الله تعالى ليكون له مغنماً وإنما ينفقه رياءً وتقيّةً فهي غرامةٌ محضةٌ، وما في صيغة الاتخاذِ من معنى الاختيارِ والانتفاعِ بما يتخذ إنما هو باعتبار غرضِ المنفقِ من الرياء والتقيةِ لا باعتبار ذاتٍ منفِقَةٍ أعني كونَها غرامة {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} أصلُ الدائرة ما يحيط بالشيء والمرادُ ما لا محيص عنه من مصائب الدهرِ أي ينتظر بكم دوائرَ الدهرِ ونُوَبَه ودَوَلَه ليذهب غلَبتُكم عليه فليتخلص مما ابتُلي به {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء} دعاءٌ عليهم بنحو ما أرادوا بالمؤمنين على نهج الاعتراض كقوله سبحانه: {أية : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } تفسير : [المائدة: 64] بعد قول اليهود ما قالوا والسوءُ مصدرٌ ثم أطلق على كل ضُرَ وشر وأضيفت إليه الدائرةُ ذماً كما يقال: رجلُ سوءٍ لأن مَن دارت عليه يذمّها، وهي من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغةً ثم أضيفت إلى صفتِها كقوله عز وجل: {أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء }تفسير : [مريم: 28] وقيل: معنى الدائرةِ يقتضي معنى السَّوءِ فإنما هي إضافةُ بـيانٍ وتأكيدٍ كما قالوا: «شمسُ النهارِ ولَحْيا رأسِه» وقرىء بالضم وهو العذابُ كما قيل له سيئة {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لما يقولونه عند الإنفاقِ مما لا خيرَ فيه {عَلِيمٌ} بما يُضمِرونه من الأمور الفاسدةِ التي من جملتها أن يتربّصوا بكم الدوائرَ وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى.
القشيري
تفسير : جُبِلَتْ قلوبُهم على القسوةِ فلم تَقْرَعْها هواجِمُ الصفوة، وكانوا عن أشكالهم في الخِلْقَةِ مستأخرين بما (....) من سوء الخُلُق؛ فَهُمْ مِنَ استبانةِ الحقائق أبعد، ومن استيجاب الهوان أقرب.
اسماعيل حقي
تفسير : {الأعراب} جمع اعرابى كما ان العرب جمع عربى والمجوس جمع مجوسى واليهود جمع يهودى بحذف ياء النسبة فى الجمع والفرق بين العرب والاعراب ان العرب صنف خاص من بنى آدم سواء سكن البوادى ام القرى. واما الاعراب فلا يطلق الا على من يسكن البوادى فالعرب اعم. وقيل العرب هم الذين استوطنوا المدن والقرى والاعراب اهل البدو فيكونان متباينين اى اصحاب البدو {اشد كفرا ونفاقا} من اهل لان اهل البدو تشبه الوحوش من حيث انهم مجبولون على الامتناع عن الطاعة والانقياد لان استيلاء الهواء الحار اليابس عليهم يزيدهم قساوة لقلوبهم وهى تستتبع التكبر والفخر والطيش عن الحق ولان من لم يدخل تحت تأدب مؤدب ولم يخالط اهل العلم والمعرفة ولم يستمع كتاب الله ومواعظ رسوله كيف يكون مساويا لمن اصبح وامسى فى صحبة اهل العلم والحكمة مستمعا لمواعظ الكتاب والسنة ولذا ورد فى الحديث "حديث : اهل الكفور اهل القبور " .تفسير : الكفور جمع كفر وهى القرية لسترها الناس. والمعنى ان سكان القرى بمنزلة الموتى لا يشاهدون الامصاروالجمع. وفى الفردوس الاعلى يريد بها القرى البعيدة عن الامصار ومجتمع اهل العلم لكون الجهل عليهم اغلب وهم الى البدع اسرع: قال فى المثنوى. شعر : ده مرو ده مرد را احمق كند عقل را بى نور وبى رونق كند قول بيغمر شنو اى مجبتى كور عقل آمد وطن درروستا تفسير : وان شئت تعرف الفرق بين اهل الحضر والبادية فقابل الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية. قال فى الارشاد هذا من باب وصف الجنس بوصف بعض افراده كما فى قوله تعالى {أية : وكان الانسان كفورا} تفسير : [الاسراء: 67] اذ ليس كل الاعراب كما ذكر على ما ستحيط به خبرا. قال الكاشفى [مراد بنو تميم وبنو اسد وغطفان واعراب حوالى مدينة اند نه تمام اهل بادية بلكه ابن جمع مخصوص] {واجدر ان لا يعلموا} اى احق واولى ان لا يعلموا {حدود ما انزل الله على رسوله} اى حدود العبادات والشرائع المنزلة من الله تعالى على رسوله فرائضها وسننها وذلك لكونهم ابعد عن استماع القرآن والسنن ولذلك تكره امامة الاعرابى فى الصلاة كما فى الحدادى. قال العلماء اذا كان الامام يرتكب المكروهات فى الصلاة كره الاقتداء به وينبغى للناظر وولى الامر عزله كما فى فتح القريب {والله عليم} باحوال كل من اخل الوبر والمدر {حكيم} فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم من العقاب والثواب. قال فى التأويلات النجمية ان فى عالم الانسان بدوا وهو نفسه وحضرا وهو قلبه كما ان فى عالم الصورة بدوا وحضرا والاعراب اشارة الى النفس وهواها وهو الكفر والنفاق لها ذاتى كما ان الايمان للقلب ذاتى من فطرة الله التى فطر الناس عليها فيتحمل ان يصير القلب كافرا بسراية صفة النفس اليه فيتلون بلون النفس: وفى المثنوى شعر : اندك اندك آب را دزدد هوا وين جنين دزددهم احمق ازشما كرميت را دزدد وسردى دهد همجنان كوزير خود سنكى نهد تفسير : كما يتحمل ان تصير النفس مؤمنة لسراية صفة القلب فتلون بلون القلب شعر : مكو زنهار اصل عود جوبست ببين دودش جه مستثنى وخوبست تفسير : يعنى بسبب مجاورة كلاب وذلك مشهور والنفس تكون اشد كفرا ونفاقا من القلب وان كان كافرا كما ان القلب يكون اشد ايمانا من النفس وان كانت مؤمنة {وأجدر} يعنى النفس وصفاتها اولى من القلب {ان لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} اى من الواردات النازلة على الارواح فان الروح بمثابة الرسول فى عالم الصورة {والله عليم حكيم} فى ان يجعل بعض النفس الكافرة مؤمنة وبعض القلب المؤمن كافرا
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {الأعرابُ}، وهم سكان البادية، قال ابن عزيز: يقال: رجل أعرابي، إذا كان بدوياً. وإن لم يكن من العرب، ورجل عربي، إذا كان منسوباً إلى العرب، وإن لم يكن بدوياَ. أهل البوادي من المنافقين هم {أشدُّ كفراً ونفاقاً} من أهل الحاضرة، وذلك لتوحشهم وقساوتهم، وعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب، {وإجدَرُ} أي: أحق {ألاّ يعلموا حدود ما أنزل اللَّهُ على رسوله} من الشرائع وفرائضها وسننها، لبُعدهم عن مجالس العلم، {والله عليمٌ حكيم}؛ يعلم كل واحد من أهل الوبَر والمدَر، حكيم فيما يدبر من إسكان البادية، أو الحاضرة، ويختار لكم واحد بحكمته البالغة ما يليق به، وسيأتي بقية الكلام على سكنى الحاضرة أو البادية في الإشارة، إن شاء الله. {ومن الأعراب من يتخذ} أي: يعدُ {ما ينفقُ} من الزكاة وغيرها في سبيل الله، {مَغرَماً} أي: غرامة وخسراناً؛ إذ لا يحتسبه عند الله، ولا يرجوا عليه ثواباً، وإنما ينفقه لرياء أو تقية، فيثقل عليه ثقل المغرم الذي ليس بحق، {ويتربصُ بكم الدوائرَ} أي: دوائر الزمان ونُوبه، أو ينتظر بكم مصائب الزمان، لينقلب الأمر عليكم؛ فيتخلص من الإنفاق الذي كلف به. قال تعالى: {عليهم دائرةُ السَّوْءِ}، وهو دعاء عليهم بنحو ما يتربصونه ـ أي: عليهم يدور من الدهر ما يَسُوؤهم أو جعل الله دائرة السوء نازلة بهم. قال ابن عطية: كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله ـ عز وجل ـ فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء؛ لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قَبضته، ومن هذا قوله: {أية : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}تفسير : [الهمزة: 1]، {أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}تفسير : [المطففين: 1]، وهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى. هـ. أو إخبار عن وقوع ما يتربصونه عليهم. قال البيضاوي: الدوائر في الأصل: مصدر أضيف إليه السوء؛ للمبالغة، كقولك: رَجلُ صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: "السُّوء" هنا، وفي الفتح بضم السين. هـ. {والله سميعٌ} لما يقولونه عند الإنفاق {عليم} بما يضمرونه من الرياء وغيره. ثم ذكر ضدهم، فقال: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذُ ما يُنفق} أي: يعد ما ينفقه من الزكاة وغيرها {قرباتٍ عند الله}؛ تُقربهم إليه زلفى؛ لإخلاصهم فيها. {وصلواتِ الرسول} أي: ويتخذ ما ينفق سبَبَ صلوات الرسول؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان يدعو للمتصدقين، ويقول: اللهم صل على فلان، ويستغفر لهم. ولذلك سُن للمصدّق عليه أن يدعو للمتصدق عند أخذ صدقته، ولكن ليس له أن يصلي عليه، كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك منصبه، فله أن يتفضل به على غيره. {ألا إنها} أي: نفقاتهم، {قُربة لهم} تقربهم إلى حضرة ربهم، وهذا شهادة من الله لصحة معتقدهم وكمال إخلاصهم، {سَيُدخلهم اللهُ في رحمته}، وعدٌ من الله لهم بإحاطة الرحمة بهم، أو سيدخلهم في جنته التي هي محل رحمته وكرامته، والسين لتحقيق وقوعه. {إن الله غفور رحيم}؛ يغفرما فرط من الخلل، ويتفضل برحمته على ما نقص عن درجات الكمال. قيل: إن الآية الأولى نزلت في أسد وغطفان وبني تميم؛ فهم الذين يتخذون ما ينفقون مغرماً. والثانية نزلت في عبد الله ذي البجادين وقومه؛ فهم الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد ورد الترغيب في سكنى المدن؛ لأنها محل العلم وسماع الوعظ، وفيها من يستعان بهم على الدين، وورد الترغيب أيضاً في سكنى الجبال والفرارا بالدين من الفتن، وخصوصاً في آخر الزمان. ولهذا اختار كثير من الصحابة والتابعين سكنى البوادي؛ كأبي ذر؛ وسلمة بن الأكوع، وغيرهما ـ رضي الله عنهم ـ. والتحرير في المسألة: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد، فمن كان مراده تحقيق الشريعة، وتحرير مسائل العلم الظاهر، والقيام بوظائف الدين، ولم يجد في البادية من يعينه على ذلك؛ فسكنى المدن أفضل له، ومن كان مراده تصفية قلبه وتحقيق علم الطريقة، وتهيئة القلب لإشراق أنوار الحقيقة، فالاعتزال في البوادي، وقرون الجبال، أوفق له، إن وجد من يستعين بهم على ذلك؛ لأن شواغل المدن، وعوائدها كثيرة، وقد كثرت فيها الحظوظ والأهوية؛ فلا يجد فيها إلا من هو مفتون بدنيا أو مبتلى بهوى، بخلاف أهل البادية، هذه العوائد فيهم قليلة، وجُلّ أهلها على الفطرة. وأيضاً: هم مفتقرون إلى من يسوسهم بالعلم أكثر من غيرهم، فمن تصدى لتعليمهم وتذكيرهم لا يعلم قدره إلا الله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: أرحم الناس بالناس من يرحم من لا يرحم نفسه. أي: من يرحم الجاهل الذي لا يرحم نفسه؛ بأن يعلمه ما ينفع به نفسه ويرحمها. وقال الغزالي في الإحياء: يجب على العلماء أن يبعثوا من يعلم الناس في البوادي؛ فإن أخلوا بذلك الأمر عاقبهم الله، فمن تعرض لتعليمهم قام بهذا الواجب. والله تعالى أعلم. وأما يذكر حديثاً: "حديث : أمتي في المدن، وقليل في البادية" فلم يصح، بل قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ للرجل الذي أراد أن ينتقل إلى المدينة: "اعبد الله حيثما كنت، فإن الله لن يترك من أعمالك شيئاً"تفسير : . وكذلك قوله: إذا إراد الله بعبد خيراً نقله من البادية إلى الحاضرة؛ لم أقف عليه حديثاً. وبالله التوفيق. ثم ذكر فضل السابقين إلى الإسلام، فقال: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الاية أن الاعراب الجفاة الذين لا يعرفون الله ورسوله حق معرفتهما أشد كفراً ونفاقاً وجحوداً لنعم الله، وأعظم نفاقاً من غيرهم. وقيل: انها نزلت في اعراب كانوا حول المدينة من اسد وغطفان، فكفرهم اشد، لأنهم أقصى وأجفى من أهل المدن، ولأنهم أبعد عن سماع التنزيل ومخالطة أهل العلم والفضل، ويقال: رجل عربي إذا كان من العرب وإن سكن البلاد، وإعرابي اذا كان ساكناً في البادية. وروي أن زيد بن صوحان كانت يده اليسرى قد قطعت يوم اليمامة وكان قاعداً يوماً يروي الحديث والى جانبه إعرابي، فقال له: ان حديثك يعجبني وان يدك تريبني فقال زيد: إنها الشمال، فقال: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال، فقال زيد: صدق الله، وقرأ {الأعراب أشد كفراً} الآية. وقوله {وأجدر} معناه أخلق وأولى وأقرب إلى {أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} من الشرائع والأحكام. وموضع {أن} نصب لأن تقديره أجدر بأن، فحذف الباء فانتصب، وتقديره أجدر بترك العلم غير أن الباء لا تحذف مع المصدر الصريح، وإنما تحذف مع {أن} للزوم العلم بها وحملها على التأويل. و {أجدر} مأخوذ من جدر الحائط. وقوله {والله عليم حكيم} معناه عالم بأحوالهم وبواطنهم حكيم فيما يحكم به عليهم من الكفر وغير ذلك من أفعاله.
الجنابذي
تفسير : {ٱلأَعْرَابُ} الاعراب فى اهل البدو كالعرب بالضّمّ والتّحريك فى اهل البلاد كما سبق لكنّهما قد يعتبران فى العالم الصّغير فيطلق الاعراب على الواقف فى تيه النّفس الامّارة والعرب على السّاكن فى عمران النّفس المطمئنّة ومدينة القلب، ولذا سمّوا فى الاخبار اعداء اهل البيت اعرابيّين وان كانوا قرشيّين او مكّيّين او مدنيّين؛ وسمّوا شيعتهم عربيّين وان كانوا من اهل البدو واقصى بلاد الهند {أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} لقسوة قلوبهم وغلظة نفوسهم وعدم سماعهم لما يقرّبهم الى الحقّ ويرغّبهم فى الآخرة وعدم تفطّنهم بما خلقوا له {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} لعدم سماعهم لها وعدم تفطّنهم لمقصود المسموع وعدم اقتضاء حالهم لحفظ ما يتفطّنون به، والمراد بالحدود امّا الاحكام من العبادات والمعاملات او الغايات المقصودة من احكامه وآدابه وقصصه ومواعظه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} عطف على جملة الاعراب اشدّ كفراً ونفاقاً والجامع بين المتعاطفين هو تقابل مسنديهما فانّ المراد بالحكمة هنا هو الحكمة العمليّة الّتى هى الاتقان فى العمل والمداقّة فيه المستلزمة للمداقّة فى العلم ويعبّر عنها بالفارسيّة به "خورده كارى، وخورده بينى" والكفر والنّفاق ناشٍ عن عدم المداقّة فى العلم والعمل فبين ملزوم الكفر والحكمة تقابل السّلب والايجاب وهو الجامع، وبين العلم وعدمه ايضاً كذلك، والمعنى انّ الاعراب فى طرف والله ومظاهره فى طرفٍ آخر، فبينهما مباينة تامّة فلا يتفضّل الله عليهم ولا يتوجّهون اليه والمراد بالاعراب ظاهراً ما عرفت وتأويلاً منافقوا الامّة فقوله والله عليمٌ حكيمٌ ذمّ آخر لهم حيث يشير الى بعدهم عن الله وكان الموافق تأخير الكفر والنّفاق او تقديم الحكمة ليكون المتعاطفان على ترتيبٍ واحدٍ، لكن لمّا كان الكفر والنّفاق سبباً للجهل الخاصّ المأخوذ فى المعطوف عليه وان كانا مسبّبين عن الجهل المطلق، والحكمة بهذا المعنى مسبّبة عن العلم المطلق المأخوذ فى المعطوف، عكس التّرتيب مراعاة للترتيب بين مسندى كلٍّ.
اطفيش
تفسير : {الأعْرابُ} عرب البادية، والعرب يطلق أيضا على من سكن القرى والمدن، ممن نسبته عربية، وكلامه عربى، فهو أعم من الأعراب بالعموم المطلق، وقيل: العرب من سكن الحاضرة فقط، فبينهما مباينة، وكلاهما اسم جمع، والمفرد عربى وأعرابى، وليس الأعراب جمع للعرب كما قيل، وذكر بعض شيوخ ابن قاسم: أن العرب خلاف العجم، سكنوا البادية أو القرى، والأعراب سكان البادية، تكلموا بالعربية أولا فيهما عموم وخصوص من وجه، قال ابن قاسم: إن أريد بالعجم عجم النسب توقف العموم من وجه، على أن يراد بسكان البوادى من يشمل عجم النسب، وإن أريد عجم اللسان أو أعم من عجم النسب واللسان لم يتوقف على ذلك، وقال الغزى فى حاشية مطول السعد: الأعجمى منسوب إلى الأعجم، وهو الذى لا يفصح وإن كان من العرب، والعربى خلافه، وعليه فليس بين الأعراب والعرب عموم وخصوص من وجه، ويجمع الأعراب على أعاريب. {أشدُّ كُفْراً} شركاً {ونِفاقاً} من أهل الحضر لبعدهم عن مجالسة العلماء، وسماع القرآن والسنة والوعظ، ولذلك قست قلوبهم، ونجم نفاقهم، وأطلقوا ألسنتهم، كان زيد بن صوحان يحدث أصحابه بالعلم، وعنده أعرابى، وقد أصيبت يده اليسرى يوم نهاوند، فقال الأعرابى: والله إن حديثك ليعجبنى، وإن يدك لتريبنى، فقال: وما يريبك من يدى وهى اليسرى؟ فقال الأعرابى: والله ما أدرى اليمين تقطعون أم الشمال؟ فقال زيد: قال الله: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا}. {وأجْدرُ} أى أحق {أن لا يَعْلمُوا} يعرفوا {حُدودَ ما أنزلَ اللهُ على رسُولِه} الفرائض والسنن والأحكام ومعالم الشريعة، وفى الحديث: "حديث : الجفا والقسوة فى الفدادين" تفسير : وهم الحمالون والرعيان والبقارون والحمارون والفلاحون وأصحاب الوبر والذين تعلوا أصواتهم فى حروثهم ومواشيهم {والله عليمٌ} بحال أهل الوبر والمدر {حَكيمٌ} فيما يصيب به المسىء والمحسن عقابا وثوابا، وفى ما حد من الحدود.
اطفيش
تفسير : {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفراُ وَنِفَاقاً} من عرب الحضر ومن كفار العجم الحضريين لغلظ قلوبهم وجفائهم وإِبائِهم عن الانقياد وعدم مخالطتهم أَهل الأَدب والمعرفة والشرع، وتوحشهم، وقويت قسوتهم باستيلاءِ الهواءِ اليابس الحار عليهم، وأَهل الحضر يحتقرون أَهل البدو لجفائِهم وجهلهلم حتى أَنه يأنف الحضرى من العرب أَن يقال له أَعرابى، ولكن كثيراً ما يترفع البدوى بإِبائِه عن الانقياد على الحضرى وبمزيد شجاعة وكرم ومن ذلك قوله: شعر : هذا أَبو الصقر فردا فى محاسنه من نسل شيبان بين الضال والسلم تفسير : وهما شجر فى البدو، والمفرد بياءِ النسب وهو عربى كرومى وروم وبربرى وبربر، وأَهل البدو من العجم لا يقال لهم أَعراب ولا عرب كما لا يقال لأَهل الحضر منهم عرب، والعرب سكان الحضر من أَهل العربية والأَعراب سكان البدو، وقيل أَعم، والكفر هنا الشرك الصريح والنفاق الشرك المضمر {وَأَجْدَرُ} أَحق وأَصله من الجدار وهو الحائط والجدير المنتهى لانتهاءِ الآخر إِليه انتهاءَ الشىءِ إِلى الجدار، واختار السمين من تلامذة أَبى حيان أَن اشتقاقه من الجدر بمعنى أَصل الشجرة كأَنه ثبت كثبوت أَصلها {أَلاَّ يَعْلَمُوا} أَى بأَن لا يعلموا {حُدُودَ مَآ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} من الفرائض فعلا وتركا ومادونها، والإِضافة للبيان أَى حدوداً هى ما أَنزل الله، أَو على ظاهره بمعنى مقادير ما أَنزل وأَعيانه أَى لا يضبطونه، ولو فرضنا أَنهم علموا، وذلك أَنهم لا يجاورون أَهل الحضر النازل فيهم الوحى الحافظين له والعلماء ولا نبوة فى البدو، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل ومن أَتى السلطان افتتنتفسير : ، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : من الكبائر التعرب بعد الهجرةتفسير : ، أَى ينتقل من الحضر إِلى سكنى البدو، وذلك لجهل أَهله وقسوة قلوبهم {وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فهو يعلم حال أَهل الحضر والبدو ويجازيهم بما هو العدل من عقاب وثواب، وما ذكر فى أَهل البدو ليس على عمومهم فقد قال: "أية : ومن الأَعراب من يؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ"تفسير : [التوبة: 99] الآية.
الالوسي
تفسير : {ٱلاْعْرَابُ} هي صيغة جمع وليست بجمع للعرب على ما روي عن سيبويه لئلا يلزم كون الجمع أخص من الواحد، فإن العرب هذا الجيل المعروف مطلقاً والإعراب ساكن البادية منهم، ولذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل أعرابـي، وقيل: العرب سكان المدن والقرى والأعراب سكان البادية من هذا الجيل أو مواليهم فهما متباينان، ويفرق بين الجمع والواحد بالياء فيهما فيقال للواحد عربـي وأعرابـي وللجماعة عرب وأعراب وكذا أعاريب وذلك كما يقال الواحد مجوسي ويهودي ثم تحذف الياء في الجمع فيقال المجوس واليهود، أي أصحاب البدو {أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} من أهل الحضر الكفار والمنافقين لتوحشهم وقساوة قلوبهم وعدم مخالطتهم أهل الحكمة وحرمانهم استماع الكتاب والسنة وهم أشبه شيء بالبهائم، وفي الحديث عن الحسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن»تفسير : وجاء «ثلاثة من الكبائر» وعد منها التعرب بعد الهجرة وهو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجراً، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، وكان ذلك لغلبة الشر في أهل البادية والطبع سراق أو للبعد عن مجالس العلم وأهل الخير وإنه ليفضي إلى شر كثير. والحكم على الأعراب بما ذكر من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده كما في قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ كَفُورًا }تفسير : [الإسراء: 67] إذ ليس كلهم كما ذكر، ويدل عليه قوله تعالى الآتي: {أية : وَمِنَ ٱلأعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ } تفسير : [التوبة: 99] الخ، وكان ابن سيرين كما أخرج أبو الشيخ عنه يقول: إذا تلا أحدكم هذه الآية فليتل الآية الأخرى / يعنى بها ما أشرنا إليه، والآية المذكورة كما روي عن الكلبـي نزلت في أسد وغطفان، والعبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب. {وَأَجْدَرُ} أي أحق وأخلق، وهو على ما قال الطبرسي ((مأخوذ من جدر الحائط بسكون الدال وهو أصله وأساسه)) ويتعدى بالباء فقوله تعالى: {أَلاَّ يَعْلَمُواْ} بتقدير بأن لا يعلموا {حُدُودَ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} وهي كما أخرج أبو الشيخ عن الضحاك الفرائض وما أمروا به من الجهاد، وأدرج بعضهم السنن في الحدود، والمشهور أنها تخص الفرائض، أو الأوامر والنواهي لقوله تعالى: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا } تفسير : [البقرة: 229] و {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } تفسير : [البقرة:187]، ولعل ذلك من باب التغليب ولا بعد فيه فإن الأعراب أجدر أن لا يعلموا كل ذلك لبعدهم عمن يقتبس منه، وقيل: المراد منها بقرينة المقام وعيده تعالى على مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد، وقيل: مقادير التكاليف. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} يعلم أحوال كل من أهل الوبر والمدر {حَكِيمٌ} بما سيصيب به مسيئهم ومحسنهم من العقاب والثواب.
سيد قطب
تفسير : هذا الدرس بجملته تصنيف للمجتمع الإسلامي في ذلك الحين - إبان غزوة تبوك - يصور طوائفه وطبقاته الإيمانية الداخلة في تركيبه العضوي العام، مع تميز كل منها بصفاته وأعماله. ولقد فصلنا القول في الجزء العاشر عند تقديم السورة عن الأسباب التاريخية التي أنشأت هذه المستويات الإيمانية المتعددة في الجماعة المسلمة في المدينة. فنجتزئ هنا من ذلك التفصيل بالفقرات الأخيرة منه، لاستحضار الملابسات التي كانت تحيط بوجود هذه المستويات المتعددة في المجتمع الواحد: ... "لقد كانت وقفة قريش العنيدة الطويلة حاجزاً قوياً دون انسياح الإسلام في الجزيرة العربية. فقد كانت قريش هي صاحبة الكلمة العليا في الشؤون الدينية في الجزيرة - فوق ما كان لها من نفوذ اقتصادي وسياسي وأدبي كذلك - فكانت وقفتها في وجه الدين الجديد، بهذه الصورة العنيدة، مدعاة لصرف العرب في أنحاء الجزيرة عن الدخول فيه، أو على الأقل مدعاة للتردد والانتظار حتى تنجلي المعركة بين قريش وهذا النبي من أبنائها!... فلما دانت قريش بالفتح، ودانت بعدها هوازن وثقيف في الطائف؛ وكانت قبائل اليهود الثلاث القوية في المدينة قد خضدت شوكتها نهائياً، فأجليت بنو قينقاع وبنو النضير إلى الشام، وأبيدت بنو قريظة، واستسلمت خيبر الاستسلام الأخير.. كان ذلك إيذاناً بدخول الناس في دين الله أفواجاً، وانسياح الإسلام في أرجاء الجزيرة كلها في خلال عام واحد. "غير أن هذا الاتساع الأفقي في رقعة الإسلام قد أعاد معه جميع الأعراض والظواهر التي ظهرت في المجتمع بعد انتصار بدر - ولكن على نطاق أوسع - بعدما كاد المجتمع يبرأ منها بتأثير التربية الطويلة المدى، المستمرة التأثير، في خلال السنوات السبع بعد بدر الكبرى! ولولا أن المجتمع المدني بجملته كان قد تحول إلى أن يكون هو القاعدة الصلبة الخالصة لهذه العقيدة، والأساس الركين لهذا المجتمع؛ لكان هناك خطر كبير من هذا الاتساع الأفقي السريع في رقعة الإسلام في الجزيرة.. ولكن الله الذي كان يدبر لهذا الأمر ويرعاه، كان قد أعد العصبة المؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لتكون هي القاعدة الأمينة لهذا الدين بعد التوسع النسبي الذي جاء به انتصار بدر! كما أنه - سبحانه - كان قد أعد المجتمع المدني بجملته ليكون هو القاعدة الأمينة بعد التوسع الشديد السريع الذي جاء به فتح مكة.. والله أعلم حيث يجعل رسالته.. "وأول ما ظهر من ذلك كان يوم حنين الذي جاء عنه في هذه السورة: "التوبة":{أية : لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين }.. تفسير : "وكان من الأسباب الظاهرة لهذه الهزيمة في أول الأمر أن ألفين من "الطلقاء" الذين أسلموا يوم الفتح، قد خرجوا مع الآلاف العشرة من جند المدينة الذين فتحوا مكة. فكان وجود هذين الألفين - مع عشرة الآلاف - سبباً في اختلال التوازن في الصف - بالإضافة إلى عامل المفاجأة من هوازن - ذلك أن الجيش لم يكن كله من القاعدة الصلبة الخالصة التي تمت تربيتها وتناسقها في الزمن الطويل ما بين بدر والفتح. "كذلك كان ما ظهر في أثناء غزوة تبوك من الأعراض والظواهر المؤذية ثمرة طبيعية لهذا الاتساع الأفقي السريع؛ ودخول تلك الأفواج الجديدة، بمستوياتها الإيمانية والتنظيمية المخلخلة.. هذه الظواهر والأعراض التي تحدثت عنها سورة التوبة، والتي اقتضت تلك الحملات الطويلة المفصلة المنوعة الأساليب، التي أشرنا إليها في المقتطفات الممثلة لكل مقاطع السورة".. وفي ضوء هذا البيان المجمل نملك المضي مع نصوص هذا الدرس تفصيلاً: {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، والله عليم حكيم. ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء، والله سميع عليم. ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول. ألا إنها قربة لهم، سيدخلهم الله في رحمته، إن الله غفور رحيم}.. بدأ بتصنيف الأعراب - وهم البدو - وقد كانت قبائل منهم حول المدينة، وكانت لهم أدوار في الهجوم على دار الإسلام في المدينة - قبل إسلامهم - فلما أسلموا كانوا بوجه عام داخلين في الفئتين اللتين ورد وصفهما في هذه الآيات. وقد بدأ الحديث عنهما بتقرير قاعدة كلية عن طبيعة الأعراب: {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، والله عليم حكيم}.. والتعبير بهذا العموم يعطي وصفاً ثابتاً متعلقاً بالبدو وبالبداوة. فالشأن في البدو أن يكونوا أشد كفراً ونفاقاً، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله. والجدارة بعدم العلم بما أنزل الله على رسوله ناشئة من ظروف حياتهم، وما تنشئه في طباعهم من جفوة، ومن بعد عن المعرفة وعن الوقوف عند الحدود، ومن مادية حسية تجعل القيم المادية هي السائدة. وإن كان الإيمان يعدل من هذه الطباع، ويرفع من تلك القيم، ويصلهم بالأفق الوضيء المرتفع على الحسية. وقد وردت روايات كثيرة عن جفوة الأعراب.. ومما أورده ابن كثير في التفسير.. "قال الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان، وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم "نهاوند"، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني! فقال زيد: وما يربيك من يدي؟ إنها الشمال! فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال! فقال زيد ابن صوحان: صدق الله ورسوله: {الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله}. "وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"حديث : من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن ".. تفسير : ولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي لم يبعث الله منهم رسولاً، وإنما كانت البعثة من أهل القرى كما قال تعالى: {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى }. تفسير : "ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرد عليه أضعافها حتى رضي -، قال:"حديث : لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي أو ثقفي أو أنصاري أو دوسي"تفسير : لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن: مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقاً من الأعراب لما في طباع الأعراب من الجفاء. قال حديث مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم! قالوا: لكنا والله ما نقبل! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة؟ ".. تفسير : وكثير من الروايات يكشف عن طابع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب. حتى بعد الإسلام. فلا جرم يكون الشأن فيهم أن يكونوا أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، لطول ما طبعتهم البداوة بالجفوة والغلظة عندما يقهرون غيرهم؛ أو بالنفاق والالتواء عندما يقهرهم غيرهم؛ وبالاعتداء وعدم الوقوف عند الحدود بسبب مقتضيات حياتهم في البادية. {والله عليم حكيم}.. عليم بأحوال عباده وصفاته وطباعهم. حكيم في توزيع المواهب والخصائص والاستعدادات، وتنويع الأجناس والشعوب والبيئات. وبعد الوصف الرئيسي العام للأعراب يجيىء التصنيف حسبما أحدث الإيمان في النفوس من تعديلات؛ وما أنشأه كذلك من فروق بين القلوب التي خالطتها بشاشته والقلوب التي بقيت على ما فيها من كفر ونفاق؛ مما يمثل الواقع في المجتمع المسلم حينئذاك: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً، ويتربص بكم الدوائر. عليهم دائرة السوء، والله سميع عليم}.. وربما عجل بذكر المنافقين من الأعراب قبل المؤمنين منهم، إلحاقاً لهم بمنافقي المدينة الذين كان يتحدث عنهم في المقطع السالف كله؛ وليتصل جو الحديث عن المنافقين من هؤلاء ومن هؤلاء. {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً}.. فهو مضطر لأن ينفق من ماله في الزكاة، وفي غزوات المسلمين؛ تظاهراً بالإسلام، ليستمتع بمزايا الحياة في المجتمع المسلم؛ ومداراة للمسلمين وهم أصحاب السلطان اليوم في الجزيرة! وهو يعد ما ينفقه غرامة وخسارة يؤديها كارهاً، لا مساعدة للغزاة المجاهدين، ولا حباً في انتصار الإسلام والمسلمين. {ويتربص بكم الدوائر}.. وينتظر متى تدور الدائرة على المسلمين، ويتمنى ألا يعودوا من غزاة سالمين! وهنا يعاجلهم السياق بدعاء من الله - سبحانه - عليهم؛ ودعاء الله معناه وقوع مدلول الدعاء عليهم: {عليهم دائرة السوء}.. كأن للسوء دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم؛ وتدور عليهم فلا تدعهم. وذلك من باب تجسيم المعنوي وتخييله، الذي يعمق وقع المعنى ويحييه. {والله سميع عليم}. والسمع والعلم يتناسبان هنا مع جو التربص بالسوء من أعداء الجماعة المسلمة، والنفاق الذي تحتويه جوانحهم، وتخفيه ظواهرهم.. والله سميع لما يقولون عليم بما يظهرون وما يكتمون. وهناك الفريق الآخر ممن خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول. ألا إنها قربة لهم. سيدخلهم الله في رحمته. إن الله غفور رحيم}.. فهو الإيمان بالله واليوم الآخر باعث الإنفاق عند هذا الفريق، لا الخوف من الناس، ولا الملق للغالبين، ولا حساب الربح والخسارة في دنيا الناس! وهذا الفريق المؤمن بالله واليوم الآخر يبتغي بما ينفق أن يكون قربى من الله؛ ويتطلب صلوات الرسول.. أي دعواته.. الدالة على رضاه صلى الله عليه وسلم، المقبولة عند الله، وهو يدعو بها للمؤمنين بالله واليوم الآخر، المنفقين ابتغاء القربى من الله ورضاه. لذلك يبادر السياق فيقرر لهم أنها قربى مقبولة عند الله: {ألا إنها قربة لهم}.. ويبشرهم بحسن العاقبة وعداً من الله حقاً: {سيدخلهم الله في رحمته}.. ويجسم الرحمة كأنها دار يدخلونها فتحتويهم؛ وذلك في مقابل تجسيم {دائرة السوء} على الفريق الآخر، الذي يتخذ ما ينفق مغرماً، ويتربص بالمؤمنين الدوائر. {إن الله غفور رحيم}.. يقبل التوبة، ويتقبل النفقة، ويغفر ما كان من ذنب، ويرحم من يبتغون الرحمة.. وبعد تصنيف الأعراب على وجه الإجمال يستطرد السياق في تصنيف المجتمع كله.. حاضره وباديه.. إلى أربع طبقات إيمانية.. السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. والمنافقين الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة ومن الأعراب. والذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. والذين أرجىء الحكم في أمرهم حتى يقضي الله فيهم بقضائه: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم.. {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة، مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين، ثم يردون إلى عذاب عظيم. {وآخرون اعترفوا بذنوبهم. خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً. عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم. خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم. ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، وأن الله هو التواب الرحيم؟ وقل: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}. {وآخرون مُرجوْن لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، والله عليم حكيم}.. والظاهر أن هذا التصنيف قد نزلت به هذه الآيات بعد العودة من تبوك؛ وبعد اعتذار من اعتذر من المنافقين المتخلفين؛ ومن المؤمنين المتخلفين كذلك. سواء منهم من اعتذر صادقاً ومن ربط نفسه بسارية المسجد حتى يحله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن لم يعتذر بشيء راجياً أن يقبل الله توبته بصدقه، وهم الثلاثة الذين خلفوا فلم يحكم في شأنهم بشيء حتى تاب الله عليهم وقبل توبتهم - كما سيجيء - وكان مجموع هؤلاء مثل صنوف الناس من حول الدعوة في الجزيرة بعد غزوة تبوك. كان الله - سبحانه - يكشف أرض الحركة كلها وما عليها ومن عليها لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين الخلص، هذا الكشف النهائي الكامل قرب نهاية المطاف في الجولة الأولى لهذا الدين، في موطنه الأول، قبل أن ينطلق إلى الأرض كلها بإعلانه العام بالعبودية لله وحده والدينونة له وحده، وتحرير "الإنسان" في "الأرض" من العبودية للعباد في شتى الصور والأشكال. ولا بد للحركة الإسلامية حين تنطلق أن تتكشف لها أرض المعركة، وما عليها ومن عليها، فهذا التكشف ضروري لكل خطوة؛ حتى يعرف أصحاب الحركة مواضع أقدامهم في كل خطوة في الطريق. {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم}.. وهذه الطبقة من المسلمين - بمجموعاتها الثلاث: {السابقون الأولون من المهاجرين. والأنصار. والذين اتبعوهم بإحسان} - كانت تؤلف القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم في الجزيرة بعد الفتح - كما أسلفنا في الجزء العاشر في تقديم السورة. وكانت هي التي تمسك هذا المجتمع كله في كل شدة، وفي كل رخاء كذلك: فابتلاء الرخاء كثيراً ما يكون أصعب وأخطر من ابتلاء الشدة! والسابقون من المهاجرين نميل نحن إلى اعتبار أنهم هم الذين هاجروا قبل بدر، وكذلك السابقون من الأنصار. أما الذين اتبعوهم بإحسان - الذين يعنيهم هذا النص وهو يتحدث عما كان واقعاً إبان غزوة تبوك - فهم الذين اتبعوا طريقهم وآمنوا إيمانهم وأبلوا بلاءهم بعد ذلك، وارتفعوا إلى مستواهم الإيماني - وإن بقيت للسابقين سابقتهم بسبقهم في فترة الشدة قبل بدر، وهي أشد الفترات طبعاً. وقد وردت أقوال متعددة في اعتبار من هم السابقون من المهاجرين والأنصار. فقيل: هم الذين هاجروا ونصروا قبل بدر وقيل: هم الذين صلوا للقبلتين. وقيل: هم أهل بدر. وقيل: هم الذين هاجروا ونصروا قبل الحديبية. وقيل: هم أهل بيعة الرضوان... ونحن نرى من تتبعنا لمراحل بناء المجتمع المسلم وتكون طبقاته الإيمانية، أن الاعتبار الذي اعتبرناه أرجح.. والله أعلم.. ولعله يحسن أن نعيد هنا فقرات مما سبق أن فصلناه في الجزء العاشر عن مراحل بناء المجتمع المسلم وتكوُّن طبقاته الإيمانية، يكون حاضراً بين يدي قارئ هذا الجزء، خيراً من إحالته إلى الجزء السابق؛ لتكون هذه الحقيقة قريبة منه يتتبع على ضوئها ذلك التصنيف النهائي للمجتمع في الآيات التي نواجهها هنا: "لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة، فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطر الحقيقي الذي يتهددها من دعوة: "أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان الله؛ ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله. ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا التجمع الذي يدين منذ اليوم الأول بالطاعة لله ولرسول الله؛ ويتمرد ويخرج على القيادة الجاهلية الممثلة في قريش والأوضاع السائدة في هذه الجاهلية. "لم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش أول الأمر - تحس بهذا الخطر وذاك حتى شنتها حرباً شعواء على الدعوة الجديدة.. وعلى التجمع الجديد، وعلى القيادة الجديدة؛ وحتى أرصدت لها كل ما في جعبتها من أذى ومن كيد ومن فتنة ومن حيلة.. "لقد انتفض التجمع الجاهلي ليدفع عن نفسه الخطر الذي يتهدد وجوده بكل ما يدفع به الكائن العضوي خطر الموت عن نفسه. وهذا هو الشأن الطبيعي الذي لا مفر منه كلما قامت دعوة إلى ربوبية الله للعالمين، في مجتمع جاهلي يقوم على أساس من ربوبية العباد للعباد؛ وكلما تمثلت الدعوة الجديدة في تجمع حركي جديد، يتبع في تحركة قيادة جديدة، ويواجه التجمع الجاهلي القديم مواجهة النقيض للنقيض.. "وعندئذ تعرض كل فرد في التجمع الإسلامي الجديد للأذى والفتنة بكل صنوفها، إلى حد إهدار الدم في كثير من الأحيان.. ويومئذ لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والانضمام إلى التجمع الإسلامي الوليد، والدينونة لقيادته الجديدة، إلا كل من نذر نفسه لله؛ وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب، والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان. "بذلك تكونت للإسلام قاعدة صلبة من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربي؛ فأما العناصر التي لم تحتمل هذه الضغوظ فقد فتنت عن دينها وارتدت إلى الجاهلية مرة أخرى؛ وكان هذا النوع قليلاً، فقد كان الأمر كله معروفاً مكشوفاً من قبل؛ فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، وقطع الطريق الشائك الخطر المرهوب؛ إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التكوين. "وهكذا اختار الله السابقين من المهاجرين من تلك العناصر الفريدة النادرة، ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين في مكة؛ ثم ليكونوا هم القاعدة الصلبة لهذا الدين بعد ذلك في المدينة مع السابقين من الأنصار، الذين وإن كانوا لم يصطلوها في أول الأمر كما اصطلاها المهاجرون، إلا أن بيعتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (بيعة العقبة) قد دلت على أن عنصرهم ذو طبيعة أصيلة مكافئة لطبيعة هذا الدين. قال ابن كثير في التفسير::"وقال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يعني ليلة العقبة): اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال:"حديث : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً؛ وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"تفسير : . قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال:"حديث : الجنة"تفسير : . قالوا: ربح البيع، ولا نقيل ولا نستقيل". "ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول الله هذه البيعة؛ ولا يرتقبون من ورائها شيئاً إلا الجنة؛ ويوثقون هذا البيع، فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين؛ بل كانوا مستيقنين أن قريشاً وراءهم، وأن العرب كلها سترميهم؛ وأنهم لن يعيشوا في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة، وبين ظهرانيهم في المدينة".. ... "فقد كان الأنصار إذن يعلمون - عن يقين واضح - تكاليف هذه البيعة؛ وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئاً في هذه الحياة الدنيا - حتى ولا النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة.. ثم كان هذا مدى وعيهم بها ومدى حرصهم عليها.. فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بُنوا هذا البناء وأُعدوا هذا الإعداد - هم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم أول العهد بالمدينة.. "ولكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء.. لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظاً بمكانتهم فيهم.. حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء: عبد الله بن أبي بن سلول: هذا أمر قد توجه! وأظهر الإسلام نفاقاً. ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليداً - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه.. مما أنشأ تخلخلاً في بناء المجتمع المدني، ناشئاً عن اختلاف مستوياته الإيمانية. "وهنا أخذ المنهج القرآني التربوي الفريد، بقيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعمل عمله في هذه العناصر الجديدة؛ ويعمل كذلك على إعادة التناسق والتوافق بين المستويات العقيدية والخلقية والسلوكية للعناصر المختلفة الداخلة في جسم المجتمع الوليد. "وحين نراجع السور المدنية - بترتيب النزول التقريبي - فإننا نطلع على الجهد الكبير الذي بذلك في عملية الصهر الجديدة المستمرة للعناصر المتنوعة في المجتمع المسلم؛ وبخاصة أن هذه العناصر ظلت تتوارد على هذا المجتمع - على الرغم من وقفة قريش العنيدة وتأليبها لكل قبائل الجزيرة؛ ومن وقفة اليهود البشعة وتأليبهم كذلك للعناصر المعادية للدين الجديد والتجمع الجديد - وظلت الحاجة مستمرة لعمليات الصهر والتنسيق بصورة دائمة لا تفتر ولا تغفل لحظة. "ومع هذا الجهد كله كانت ما تزال تظهر بين الحين والحين - وبخاصة في فترات الشدة - أعراض من الضعف والنفاق والتردد، والشح بالنفس والمال، والتهيب من مواجهة المخاطر.. وبصفة خاصة أعراض من عدم الوضوح العقيدي الذي يحسم في العلاقة بين المسلم وقرابته من أهل الجاهلية.. والنصوص القرآنية في السور المتوالية تكشف لنا عن طبيعة هذه الأعراض التي كان المنهج القرآني يتعرض لها بالعلاج بشتى أساليبه الربانية الفريدة. ... "إلا أن قوام المجتمع المسلم في المدينة كان يظل سليماً في جملته بسبب اعتماده أساساً على تلك القاعدة الصلبة الخالصة من السابقين من المهاجرين والأنصار؛ وما تحدثه من تماسك وصلابة في قوامه في وجه جميع الأعراض والظواهر والخلخلة أحياناً، والتعرض للمخاطر التي تكشف عن هذه العناصر التي لم يتم بعد صهرها ونضجها وتماسكها وتناسقها. "وشيئاً فشيئاً كانت هذه العناصر تنصهر وتتطهر وتتناسق مع القاعدة، ويقل عدد الناشزين من ضعاف القلوب ومن المنافقين، ومن المترددين كذلك والمتهيبين ومن لم يتم في نفوسهم الوضوح العقيدي الذي يقيمون على أساسه كل علاقتهم مع الآخرين. حتى إذا كان قبيل فتح مكة كان المجتمع الإسلامي أقرب ما يكون إلى التناسق التام مع قاعدته الصلبة الخالصة، وأقرب ما يكون بجملته إلى النموذج الذي يهدف إليه المنهج التربوي الرباني الفريد.. "نعم إنه كانت في هذا المجتمع ما تزال هناك أقدار متفاوته أنشأتها الحركة العقيدية ذاتها؛ فتميزت مجموعات من المؤمنين بأقدارها على قدر بلائها في الحركة وسبقها وثباتها.. تميز السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار. وتميز أهل بدر. وتميز أصحاب بيعة الرضوان في الحديبية. ثم تميز بصفة عامة الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا. وجاءت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والأوضاع العملية في المجتمع المسلم، تؤكد هذه الأقدار التي أنشأتها الحركة بالعقيدة، وتنص عليها... ". ... "ولكن تميز هذه الطبقات بأقدارها الإيمانية التي أنشأتها الحركه الإسلامية، لم يكن مانعاً أن تتقارب المستويات الإيمانية وتتناسق في مجتمع المدينة قبيل الفتح؛ وأن يتوارى الكثير من أعراض الخلخلة في الصف، والكثير من ظواهر الضعف والتردد، والشح بالنفس والمال، وعدم الوضوح العقيدي، والنفاق.. من ذلك المجتمع. بحيث يمكن اعتبار المجتمع المدني بجملته هو القاعدة الإسلامية. "إلا أن فتح مكة في العام الثامن الهجري، وما أعقبه من استسلام هوازن وثقيف في الطائف - وهما آخر قوتين كبيرتين بعد قريش في الجزيرة - قد عاد فصب في المجتمع المسلم أفواجاً جديدة كثيرة دخلت في الدين مستسلمة على درجات متفاوتة من المستويات الإيمانية وفيهم كارهون للإسلام منافقون؛ وفيهم المنساقون إلى الإسلام الظاهر القاهر؛ وفيهم المؤلفة قلوبهم دون انطباع بحقائق الإسلام الجوهرية ولا امتزاج بروحه الحقيقية...". ومن هذه المقتطفات يتضح لنا مركز السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بعد ذلك {بإحسان} يصل بهم إلى مستواهم الإيماني وبلائهم الحركي. وندرك حقيقة دورهم الباقي في بناء الإسلام وترجمته إلى واقع عملي يبقى مؤثراً في التاريخ البشري كله، كما نستشرف حقيقة قول الله سبحانه فيهم. {رضي الله عنهم ورضوا عنه}.. ورضى الله عنهم هو الرضى التي تتبعه المثوبة، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة؛ ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه سبحانه، والثقة بقدره، وحسن الظن بقضائه، والشكر على نعمائه، والصبر على ابتلائه.. ولكن التعبير بالرضى هنا وهناك يشيع جو الرضى الشامل الغامر، المتبادل الوافر، الوارد الصادر، بين الله سبحانه وهذه الصفوة المختارة من عباده؛ ويرفع من شأن هذه الصفوة - من البشر - حتى ليبادلون ربهم الرضى؛ وهو ربهم الأعلى، وهم عبيده المخلوقون.. وهو حال وشأن وجو لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه؛ ولكن يُتنسم ويُستشرف ويستجلى من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحس الموصول! ذلك حالهم الدائم مع ربهم: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}. وهناك تنتظرهم علامة هذا الرضى: {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً}.. {ذلك الفوز العظيم}.. وأي فوز بعد هذا وذلك عظيم؟؟؟ ذلك مستوى.. وفي مقابله مستوى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة، مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين، ثم يردون إلى عذاب عظيم}.. ولقد سبق الحديث والكشف عن المنافقين عامة - سواء من منافقي المدينة أو منافقي الأعراب - ولكن الحديث هنا عن صنف خاص من المنافقين. صنف حذق النفاق ومرن عليه، ولجّ فيه ومرد، حتى ليخفى أمره على رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع كل فراسته وتجربته! فكيف يكون؟ والله سبحانه يقرر أن هذه الفئة من الناس موجودة في أهل المدينة وفي الأعراب المحيطين بالمدينة. ويطمئن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين معه، من كيد هذه الفئة الخفية الماكرة الماهرة؛ كما ينذر هؤلاء الماكرين المهرة في النفاق بأنه سبحانه لن يدعهم، فسيعذبهم عذاباً مضاعفاً في الدنيا والآخرة: {لا تعلمهم نحن نعلمهم. سنعذبهم مرتين. ثم يردون إلى عذاب عظيم}.. والعذاب مرتين في الدنيا، الأقرب في تأويله أنه عذاب القلق النازل بهم من توقع انكشاف أمرهم في المجتمع المسلم؛ وعذاب الموت والملائكة تسألهم أرواحهم وتضرب وجوههم وأدبارهم. أو هو عذاب الحسرات التي تصيبهم بانتصار المسلمين وغلبتهم؛ وعذاب الخوف من انكشاف نفاقهم وتعرضهم للجهاد الغليظ.. والله أعلم بما يريد.. وبين المستويين المتقابلين، مستويان بين بين.. أولهما: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور رحيم. خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم. ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات؟ وأن الله هو التواب الرحيم؟ وقل: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون..}. وأمر الله لرسوله بإجراء معين مع هذه الطائفة دليل على أنها كانت معينة بأشخاصها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر. وقد روي أن الآيات نزلت في جماعة خاصة معينة فعلاً، ممن تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، ثم أحسوا وطأة الذنب، فاعترفوا بذنوبهم، ورجوا التوبة. فكان منهم التخلف وهو العمل السيء. وكان منهم الندم والتوبة وهو العمل الصالح. قال أبو جعفر بن جرير الطبري: حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد ابن سلمان قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً}. نزلت في أبي لبابة وأصحابه، تخلفوا عن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك. فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته، وكان قريباً من المدينة، ندموا على تخلفهم عن رسول الله، وقالوا: نكون في الظلال والأطعمة والنساء. ونبي الله في الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا بالسواري، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يطلقنا ويعذرنا! وأوثقوا أنفسهم، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسواري. فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوته، فمر في المسجد، وكان طريقه، فأبصرهم! فسأل عنهم، فقيل له: أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يا نبي الله، فصنعوا بأنفسهم ما ترى، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم! فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين! فأنزل الله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} إلى {عسى الله أن يتوب عليهم} و {عسى} من الله واجب.. فأطلقهم نبي الله وعذرهم. ووردت روايات متعددة أخرى منها: أنها في أبي لبابة وحده لما وقع في غزوة بني قريظة من تنبيههم لما يراد بهم، وأنه الذبح، بالإشارة إلى عنقه! ولكن هذا مستبعد فأين هذه الآيات مما وقع في بني قريظة! كذلك ورد أنها في الأعراب.. وقد عقب ابن جرير على هذه الروايات كلها بقوله: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخفلهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم أبو لبابة. "وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب في ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم}.. فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم، ولم يكن المعترف بذنبه، الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة، غير أبي لبابة وحده. فإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تبارك وتعالى قد وصف في قوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} بالاعتراف بذنوبهم جماعة، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست بالواحد، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة. وكان لا جماعة فعلت ذلك - فيما ينقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل - إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك، صح ما قلنا في ذلك. وقلنا: "كان منهم أبو لبابة" لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك". ولما ذكر الله - سبحانه - صفة هذه الجماعة من الناس المتخلفين المعتذرين التائبين عقب عليها بقوله: {عسى الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور رحيم}.. وكما قال ابن جرير: "وعسى من الله واجب".. فهو رجاء من يملك إجابة الرجاء سبحانه! والاعتراف بالذنب على هذا النحو، والشعور بوطأته، دليل حياة القلب وحساسيته، ومن ثم فالتوبة مرجوة القبول، والمغفرة مرتقبة من الغفور الرحيم.. وقد قبل الله توبتهم وغفر لهم.. ثم قال الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم، والله سميع عليم}.. ولقد كانت تلك الحساسية التي بعثت الندم والتوبة في تلك القلوب، جديرة بالطمأنينة، حقيقة بالعطف الذي يسكب فيها الأمل، ويفتح لها أبوب الرجاء.. وإن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقود حركة، ويربي أمة، وينشئ نظاماً، قد رأى الأخذ بالحزم في أمرهم حتى يأتيه أمر من ربه في شأنهم.. قال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال، حدثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما أطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة وصاحبيه، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا.. يقولون: استغفر لنا.. وطهرنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حديث : لا أخذ منها شيئاً حتى أومرتفسير : . فأنزل الله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم}. يقول: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا. فلما نزلت الآية أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزءاً من أموالهم، فتصدق به عنهم". وهكذا منَّ الله عليهم لما علمه سبحانه من حسن سريرتهم، وصدق توبتهم، فأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ بعض أموالهم يتصدق بها عنهم، وأن يصلي عليهم - أي يدعو لهم، فالأصل في الصلاة الدعاء - ذلك أن أخذ الصدقة منهم يرد إليهم شهورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة، فهم يشاركون في واجباتها، وينهضون بأعبائها، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها؛ وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية، وفي دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم طمأنينة وسكن. {والله سميع عليم}.. يسمع الدعاء، ويعلم ما في القلوب. ويقضي بما يسمعه ويعلمه قضاء السميع العليم. وهو وحده الذي يقضي في شأن العباد، فيقبل منهم توبتهم ويأخذ منهم صدقاتهم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينفذ ما يأمره به ربه، ولا ينشئ شيئاً من هذا من عنده.. وتقريراً لهذه الحقيقة يقول تعالى في الآية التالية: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، وأن الله هو التواب الرحيم؟}. وهو استفهام تقريري يفيد: فليعلموا أن الله هو يقبل التوبة؛ والله هو يأخذ الصدقة، والله هو يتوب ويرحم عباده.. وليس شيء من هذا لأحد غيره سبحانه.. "وأن نبي الله حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزة معه؛ وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق الله عنهم حين أذن له في ذلك، إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه - صلى الله عليه وسلم - وأن ذلك إلى الله تعالى ذكره دون محمد. وأن محمداً إنما يفعل ما يفعل من ترك وإطلاق وأخذ صدقة وغير ذلك من أفعاله بأمر الله".. كما يقول ابن جرير: وفي النهاية يتوجه الحديث إلى المتخلفين التائبين: {وقل: اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}.. ذلك أن المنهج الإسلامي منهج عقيدة وعمل يصدق العقيدة. فمحك الصدق في توبتهم إذن هو العمل الظاهر، يراه الله ورسوله والمؤمنون. فأما في الآخرة فمردهم إلا عالم الغيب والشهادة الذي يعلم فعل الجوارح وكوامن الصدور. إن الندم والتوبة ليسا نهاية المطاف. ولكنه العمل الذي يعقب الندم والتوبة. فيصدق أو يكذب تلك المشاعر النفسية ويعمقها أو يكتسحها بعد أن تكون! إن الإسلام منهج حياة واقعية، لا تكفي فيه المشاعر والنوايا، ما لم تتحول إلى حركة واقعية. وللنية الطيبة مكانها؛ ولكنها هي بذاتها ليست مناط الحكم والجزاء. إنما هي تحسب مع العمل، فتحدد قيمة العمل. وهذا معنى الحديث:"حديث : إنما الأعمال بالنيات"تفسير : .. الأعمال.. لا مجرد النيات! والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره، وقد وكل أمره إلى ربه: {وآخرون مُرجَون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، والله عليم حكيم}.. وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء. وكان أمرهم موكولاً إلى الله، لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد.. وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال ابن أمية، الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً إلى الدعة واسترواحاً للظلال في حر الهاجرة! ثم كان لهم شأن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي. روى ابن جرير بإسناده - عن ابن عباس - قال: لما نزلت هذه الآية.. يعني قوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}.. أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من أموالهم.. يعني أموال أبي لبابة وصاحبيه.. فتصدق بها عنهم، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة، ولم يوثقوا ولم يذكروا بشيء، ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهم الذين قال الله: {وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم}.. فجعل الناس يقولون. هلكوا! إذ لم ينزل لهم عذر. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم! فصاروا مرجئين لأمر الله، حتى نزلت: {أية : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة}.. تفسير : الذين خرجوا معه إلى الشام.. {أية : من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم}.. تفسير : ثم قال: {أية : وعلى الثلاثة الذين خلفوا} -تفسير : يعني المرجئين لأمر الله - نزلت عليهم التوبة فعموا بها، فقال: {أية : حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم}.. تفسير : إلى قوله: {أية : إن الله هو التواب الرحيم}.. تفسير : (وكذلك روى - بإسناده - عن عكرمة وعن مجاهد، وعن الضحاك وعن قتادة. عن ابن إسحاق). فهذه الرواية أرجح والله أعلم. ولما كان أمرهم مرجأ، فإننا نحب أن نرجئ الحديث فيه حتى يجيء في موضعه. إن شاء الله تعالى. {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً، وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبداً، لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير؟ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟ والله لا يهدي القوم الظالمين. لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم، إلا أن تَقطع قلوبهم، والله عليم حكيم}. وقصة مسجد الضرار قصة بارزة في غزوة تبوك، لذلك أفرد المنافقون الذين قاموا بها من بين سائر المنافقين، وخصص لهم حديث مستقل بعد انتهاء الاستعراض العام لطوائف الناس في المجتمع المسلم حينذاك. قال ابن كثير في التفسير: سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية. وقرأ علم أهل الكتاب؛ وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير. فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجراً إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرِق اللعين أبو عامر بريقه وبارز بالعداوة وظاهر بها، وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش يمالئهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أُحد فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله عز وجل، وكانت العاقبة للمتقين. وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأصيب في ذلك اليوم، فجرح وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشج رأسه - صلوات الله وسلامه عليه - وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله! ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر! وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يموت بعيداً طريداً، فنالته هذه الدعوة.. وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي - صلى الله عليه وسلم - فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويغلبه، ويرده عما هو فيه؛ وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك؛ فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك؛ وجاءوا فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم، فيحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته؛ وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية! فعصمه الله من الصلاة فيه، فقال:"حديث : إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا - إن شاء الله -"تفسير : فلما قفل - عليه السلام - راجعاً إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلى يوم أو بعض يوم، نزل جبريل بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم - مسجد قباء - الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة.. (وكذلك روى - بإسناده - عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة). فهذا هو مسجد الضرار الذي أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يقوم فيه، وأن يقوم في المسجد الأول - مسجد قباء - الذي أقيم على التقوى من أول يوم، والذي يضم رجالاً يحبون أن يتطهروا. {والله يحب المطهرين}.. هذا المسجد - مسجد الضرار - الذي اتخذ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيدة للإسلام والمسلمين، لا يراد به إلا الإضرار بالمسلمين، وإلا الكفر بالله، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة، الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين.. هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين. تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها لتتترس ورائها وهي ترمي هذا الدين! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق!... وتتخذ في صور شتى كثيرة.. ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزل اللافتات الخادعة عنها؛ وبيان حقيقتها للناس وما تخفيه وراءها. ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك البيان القوي الصريح: {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً، وكفراً، وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل. وليحلفن: إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون. لا تقم فيه أبداً. لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين. أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير؟ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟ والله لا يهدي القوم الظالمين. لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم، إلا أن تقطع قلوبهم، والله عليم حكيم}. والتعبير القرآني الفريد يرسم هنا صورة حافلة بالحركة، تنبئ عن مصير كل مسجد ضرار يقام إلى جوار مسجد التقوى، ويراد به ما أريد بمسجد الضرار، وتكشف عن نهاية كل محاولة خادعة تخفي وراءها نية خبيثة؛ وتطمئن العاملين المتطهرين من كل كيد يراد بهم، مهما لبس أصحابه مسوح المصلحين: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير؟ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم؟ والله لا يهدي القوم الظالمين}.. فلنقف نتطلع لحظة إلى بناء التقوى الراسي الراسخ المطمئن.. ثم لنتطلع بعد إلى الجانب الآخر! لنشهد الحركة السريعة العنيفة في بناء الضرار.. إنه قائم على شفا جرف هار.. قائم على حافة جرف منها.. قائم على تربة مخلخلة مستعدة للانهيار.. إننا نبصره اللحظة يتأرجح ويتزحلق وينزلق!.. إنه ينهار! إنه ينزلق! إنه يهوي! إن الهوة تلتهمه! يا للهول! إنها نار جهنم.. {والله لا يهدي القوم الظالمين}.. الكافرين المشركين. الذين بنوا هذه البنية ليكيدوا بها هذا الدين! إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة المثيرة ترسمه وتحركه بضع كلمات!.. ذلك ليطمئن دعاة الحق على مصير دعوتهم، في مواجهة دعوات الكيد والكفر والنفاق! وليطمئن البناة على أساس من التقوى كلما واجهوا البناة على الكيد والضرار! ومشهد آخر يرسمه التعبير القرآني الفريد لآثار مسجد الضرار في نفوس بُناته الأشرار؛ وبناة كل مساجد الضرار: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم، إلا أن تقطع قلوبهم، والله عليم حكيم}.. لقد انهار الجرف المنهار. انهار ببناء الضرار الذي أقيم عليه. انهار به في نار جهنم وبئس القرار! ولكن ركام البناء بقي في قلوب بناته. بقي فيها {ريبة} وشكاً وقلقاً وحيرة. وسيبقى كذلك لا يدع تلك القلوب تطمئن أو تثبت أو تستقر. إلا أن تتقطع وتسقط هي الأخرى من الصدور! وإن صورة البناء المنهار لهي صورة الريبة والقلق وعدم الاستقرار.. تلك صورة مادية وهذه صورة شعورية.. وهما تتقابلان في اللوحة العجيبة التي يرسمها التعبير القرآني الفريد. وتتقابلان في الواقع البشري المتكرر في كل زمان. فما يزال صاحب الكيد الخادع مزعزع العقيدة. حائر الوجدان، لا يطمئن ولا يستقر، وهو من انكشاف ستره في قلق دائم، وريبة لا طمأنينة معها ولا استقرار. وهذا هو الإعجاز الذي يرسم الواقع النفسي بريشة الجمال الفني، في مثل هذا التناسق؛ بمثل هذا اليسر في التعبير والتصوير على السواء.. وتبقى وراء ذلك كله حكمة المنهج القرآني في كشف مسجد الضرار وأهله، وفي تصنيف المجتمع إلى تلك المستويات الإيمانية الواضحة؛ وفي كشف الطريق للحركة الإسلامية، ورسم طبيعة المجال الذي تتحرك فيه من كل جوانبه.. لقد كان القرآن الكريم يعمل في قيادة المجتمع المسلم، وفي توجيهه، وفي توعيته، وفي إعداده لمهمته الضخمة.. ولن يفهم هذا القرآن إلا وهو يدرس في مجاله الحركي الهائل؛ ولن يفهمه إلا أناس يتحركون به مثل هذه الحركة الضخمة في مثل هذا المجال.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي رجع به الكلام إلى أحوال المعذّرين من الأعراب والذين كذبوا الله ورسوله منهم، وما بين ذلك استطراد دعا إليه قرن الذين كذبوا الله ورسوله في الذكر مع الأعراب. فلما تقضَّى الكلام على أولئك تخلص إلى بقية أحوال الأعراب. وللتنبيه على اتصال الغرضين وقع تقديم المسند إليه، وهو لفظ (الأعراب) للاهتمام به من هذه الجهة، ومن وراء ذلك تنبيه المسلمين لأحوال الأعراب لأنهم لبعدهم عن الاحتكاك بهم والمخالطة معهم قد تخفى عليهم أحوالهم ويظنون بجميعهم خيراً. و(أشد) و(أجدر) اسما تفضيل ولم يذكر معهما ما يدل على مفضل عليه، فيجوز أن يكونا على ظاهرهما فيكون المفضل عليه أهل الحضر، أي كفار ومنافقي المدينة. وهذا هو الذي تواطأ عليه جميع المفسرين. وازديادهم في الكفر والنفاق هو بالنسبة لكفار ومنافقي المدينة. ومنافقوهم أشد نفاقاً من منافقي المدينة. وهذا الازدياد راجع إلى تمكن الوصفين من نفوسهم، أي كفرهم أمكن في النفوس من كفر كفار المدينة، ونفاقهم أمكن من نفوسهم كذلك، أي أمكن في جانب الكفر منه والبعدِ عن الإقلاع عنه وظهور بوادر الشر منهم، وذلك أن غلظ القلوب وجلافة الطبع تزيد النفوس السيئة وحشة ونفوراً. ألا تعلم أن ذا الخويصرة التميمي، وكان يدعى الإسلام، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرع بن حابس ومن معه من صناديد العرب من ذهب قَسمَه قال ذو الخويصرة مواجهاً النبي صلى الله عليه وسلم «اعدل» فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ويحك ومَن يعدل إن لم أعْدِل»تفسير : . فإن الأعراب لنشأتهم في البادية كانوا بعداء عن مخالطة أهل العقول المستقيمة وكانت أذهانهم أبعد عن معرفة الحقائق وأملأ بالأوهام، وهُم لبعدهم عن مشاهدة أنوار النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وآدابه وعن تلقي الهدى صباحَ مساءَ أجهلُ بأمور الديانة وما به تهذيب النفوس، وهم لتوارثهم أخلاق أسلافهم وبعدهم عن التطورات المدنية التي تؤثّر سُمّوا في النفوس البشرية، وإتقاناً في وضع الأشياء في مواضعها، وحكمة تقليدية تتدرج بالأزمان، يكونون أقرب سيرة بالتوحش وأكثر غلظة في المعاملة وأضيع للتراث العلمي والخلقي؛ ولذلك قال عثمان لأبي ذرّ لما عزم على سكنى الربذة: تَعَهَّد المدينةَ كيلا ترتَدَّ أعرابياً. فأما في الأخلاق التي تحمد فيها الخشونة والغلظة والاستخفاف بالعظائم مثل الشجاعة؛ والصراحة وإباء الضيم والكرم فإنها تكون أقوى في الأعراب بالجبلة، ولذلك يكونون أقرب إلى الخير إذا اعتقدوه وآمنوا به. ويجوز أن يكون {أشد} و{أجدر} مسلوبَيْ المفاضلة مستعملين لقوة الوصفين في الموصوفِين بهما على طريقة قوله تعالى: {أية : قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}تفسير : [يوسف: 33]. فالمعنى أن كفرهم شديد التمكن من نفوسهم ونفاقهم كذلك، من غير إرادة أنهم أشد كفراً ونفاقاً من كفار أهل المدينة ومنافقيها. وعلى كلا الوجهين فإن {كفراً ونفاقاً} منصوبان على التمييز لبيان الإبهام الذي في وصف {أشد}. سلك مسلك الإجمال ثم التفصيل ليتمكن المعنى أكمل تمكن. والأجدر: الأحق. والجَدارة: الأولوية. وإنما كانوا أجدر بعدم العلم بالشريعة لأنهم يبعدون عن مجالس التذكير ومنازل الوحي، ولقلة مخالطتهم أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذفت الباء التي يتعدى بها فعل الجدارة على طريقة حذف حرف الجر مع (أن) المصدرية. والحدود: المقادير والفواصل بين الأشياء. والمعنى أنهم لا يعلمون فواصل الأحكام وضوابط تمييز متشابهها. وفي هذا الوصف يَظهر تفاوت أهل العلم والمعرفة. وهو المعبر عنه في اصطلاح العلماء بالتحقيق أو بالحكمة المفسرة بمعرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه، فزيادة قيد (على ما هي عليه) للدلالة على التمييز بين المختلطات والمتشابهات والخفيات. وجملة: {والله عليم حكيم} تذييل لهذا الإفصاح عن دخيلة الأعراب وخلقهم، أي عليم بهم وبغيرهم، وحكيم في تمييز مراتبهم.
الواحدي
تفسير : ثمَّ نزل في أعاريب أسدٍ وغطفان: {الأعراب أشدُّ كفراً ونفاقاً} من أهل المدر، لأنَّهم أجفى وأقسى {وأجدر} وأولى [وأحقُّ] {ألا يعلموا حدود ما أنزل الله} من الحلال والحرام. {ومن الأعراب مَنْ يتخذ ما ينفق مغرماً} لأنَّه لا يرجو له ثواباً {ويتربَّص بكم الدوائر} وينتظر أن ينقلب الأمر عليكم بموت الرَّسول عليه السَّلام {عليهم دائرة السوء} عليهم يدور البلاء والخزي، فلا يرون في محمد ودينه إلاَّ ما يسوءهم، ثمَّ نزل في مَنْ أسلم منهم: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله} يتقرَّب بذلك إلى الله عزَّ وجلَّ {وصلوات الرسول} يعني: دعاءه بالخير والبركة، والمعنى: أنَّه يتقرَّب بصدقته ودعاء الرَّسول إلى الله {ألاَ إنّها قربة لهم} أَيْ: نورٌ ومكرمةٌ عند الله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الأعراب: جمع أعرابي وهو من سكن البادية. أشد كفراً ونفاقاً: أي من كفار ومنافقي الحاضرة. وأجدر: أي أحق وأولى. حدود ما أنزل الله: أي بشرائع الإِسلام. مغرما: أي غرامة وخسراناً. ويتربص: أي ينتظر. الدوائر: جمع دائرة: ما يحيط بالإِنسان من مصيبة أو نكبة. دائرة السوء: أي المصيبة التي تسوءهم ولا تسرهم وهي الهلاك. قربات: جمع قربة وهي المنزلة المحمودة. وصلوات الرسول: أي دعاؤه لهم بالخير. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الكشف عن المنافقين وإعدادهم للتوبة أو للقضاء عليهم ففي الآية الأولى [97] يخبر تعالى أن الأعراب وهم سكان البادية من العرب أشد كفراً ونفاقاً من كفار الحَضَر ومنافقيهم. وإنهم أجدر أي أخلق وأحق أي بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله أي من الأحكام والسنن وذلك لبعدهم عن الاتصال بأهل الحاضرة وقوله تعالى {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بخلقه حكيم في شرعه فما أخبر به هو الحق الواقع، وما قضى به هو العدل الواجب. وقوله تعالى في الآية الثانية [98] {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} أي من بعض الأعراب من يجعل ما ينفقه في الجهاد غرامة لزمَتْه وخسارة لحقَتْه في ماله وذلك لأنه لا يؤمن بالثواب والعقاب الأخروي لأنه كافر بالله ولقاء الله تعالى. وقوله عز وجل {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} أي وينتظر بكم أيها المسلمون الدوائر متى تنزل بكم فيتخلص منكم ومن الانفاق لكم والدوائر جمع دائرة المصيبة والنازلة من الأحداث وقوله تعالى {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} هذه الجملة دعاء عليهم. جزاء ما يتربصون بالمؤمنين. وقوله {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوالهم عليم بنياتهم فلذا دعا عليهم بما يستحقون. وقوله تعالى في الآية الثالثة [99] {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} إخبار منه تعالى بأن الأعراب ليسوا سواء بل منهم من يؤمن بالله واليوم الآخر، فلذا هو يتخذ ما ينفق من نفقة في الجهاد قربات عند الله أي قرباً يتقرب بها إلى الله تعالى، ووسيلة للحصول على دعاء الرسول له، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه المؤمن بزكاته أو صدقته يدعو له بخير، كقوله لعبد الله بن أبي أوفى: اللهم صل على آل أبي أوفى، وقوله تعالى {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} إخبار منه تعالى بأنه تقبلها منهم وصارت قربة لهم عنده تعالى، وقوله تعالى {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} بشرى لهم بدخول الجنة، وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يؤكد وعد الله تعالى لهم بإدخالهم في رحمته التي هي الجنة فإنه يغفر ذنوبهم أولاً، ويدخلهم الجنة ثانياً هذه سنته تعالى في أوليائه، يطهرهم ثم ينعم عليهم بجواره. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أن سكان البادية يُحرمون من كثير من الآداب والمعارف فلذا سكن البادية غير محمود إلا إذا كان فراراً من الفتن. 2- من الأعراب المؤمن والكافر والبر والتقي والعاصي والفاجر كسكان المدن إلا أن كفار البادية ومنافقيها أشد كفراً ونفاقاً لتأثير البيئة. 3- فضل النفقة في سبيل الله والإِخلاص فيها لله تعالى.
القطان
تفسير : الأعراب: سكان البادية من العرب. مَغرما: غرامة الدوائر: مفردها دائرة المصيبة. قربات: واحدها قربة، طلب الثواب، والكرامة من الله. صلوات من الرسول: دعوات منه. كان يجاور المؤمنين السابقين المخلصين من المهاجرين والانصار، جماعاتٌ اخرى: الأعراب: وفيهم المخلِصون والمنافقون؛ والمنافقون من أهل المدينة، وقد كشفهم الله تعالى بهذه السورة المباركة؛ وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولم ينصهِروا في بوتقة لاسلام تماما؛ وطائفة مجهولة الحال لا تُعرف حقيقة مصيرها، أمرُها متروك لله؛ ومتآمرون يتستّرون باسم الاسلام، ويدبّرون المكايدَ ويتَّصِلون بأعداء الاسلام في الخارج. والقرآن الكريم يتحدث عن هذه الجماعات كلِّها باختصار مفيد، ويقرر كيف يجب ان تُعامل هذه الجماعات. وهو يقسِم الناسَ على أساس التقوى والإيمان الخالص بالله والعملِ الصالح، فقد تحدّث عن أحوال العرب مؤمنيهم ومنافقيهم، وبيّن في هذه الآيات الثلاثِ أحوالَ الأعراب مؤمنيهم ومنافقيهم فقال: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. الأعراب من أهل البادية اشدُّ كفراً ونفاقا من أمثالهم أهلِ الحضر، لأنهم يقضون جُلَّ أعمارهم في البادية يخدمون مواشيَهم وأنعامهم، بعيدين عن أهل العلم والحكمة. وهم حقيقون أن يجهَلوا حدودَ الله، وما أنزلَ على رسوله من شرائع واحكام، واللهُ عليم حكيم، واسعُ العلم بشئون عباده وأحوالهم، حيكم فيما يقدِّره من جزاء ومن نعيم. وقد وردت أحاديث كثيرة تشير الى جَفاء الاعراب، وغِلْظَتِهم، وبُعدهم عن الآداب والمعرفة. قال ابن كثير في تفسيره: "جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان، أحدِ التابعين العلماء الشجعان، وقد شهِد الفتوحَ وقُطعت يده في نَهاوَنْد، فقال له الاعرابي: واللهِ إن حديثك لَيُعجبني، وإن يَدك لتُريبني. فقال زيد: وما يريبك من يدي، إنها الشِّمال! فقال الاعرابي: واللهِ ما أدري اليمينَ يقطعون أو الشمال فقال زيد بن صوحان: صدق الله ورسوله: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ}. وعن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سكنَ الابديةَ جفا" تفسير : وهناك روايات كثيرة تكشف عن طابَع الجفوة والفظاظة في نفوس الأعراب حتى بعد الاسلام. وبعد هذا الوصف العام للأعراب يقسِمهم القرآن قسمين فيقول تعالى: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. هنا بدأ بذِكر المنافقين من الأعراب، لأن الحديث أصلاً كان من المنافقين عامة. ومعناه: ان بعض المنافقين من اهل البادية يعتبرون الإنفاق في سبيل الله غرامةً وخسرانا، فالرجل منهم مضطر لأن ينفِق من ماله في الزكاة وغيرها تظاهراً بالإسلام وهو كاره لذلك. وهو لا يفعل حُبّاً في انتصار الاسلام والمسلمين، وإنما ليستمتعَ بمزايا الحياة في المجتمع المسلم. ومثلُ هذا المنافق البدوي ينتظِر متى تدور الدوائر على المسلمين، فعليه وعلى أمثاله وحدهم ستحلّ دائرة السَّوء والمصيبة. ان الشر ينتظرونه لكم، أيها المسملون سيكون محيطاً بهم، فاللهُ سميع لما يقولون عنكم، عليمٌ بأفعالهم ونيّاتهم تجاهكم. وبعد اؤلئك الأعراب المنافقين، يذكر الكتابُ حال المؤمنين الصادقين ممن خالطت قلوبهم بشاشةُ الإيمان: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. أما المؤمنون بالله واليوم الآخر، والّذين يتخذون الانفاق في سبيل الله وسيلةً يتقربون بها إلى الله، وسبباً لدعاء الرسول لهم (اذ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم) فإن ما ينفقونه في، الخير وصلوات الرسول عليهم - قُربةٌ عظيمة قد تقبّلها الله وأثاب عليها، وسيُدخلُهم في رحمته الواسعة، فهو واسع المغفرة لمن يخلصون في أعمالهم. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو: "السوء" بضم السين. والباقون: "السوء" بفتح السين. وقرأ ورش واسماعيل عن نافع: "انها قربة" بضم القاف والراء والباقون: "قربة" باسكان الراء.
د. أسعد حومد
تفسير : (97) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي الأَعْرَابِ (وَالأَعْرَابُ هُمْ رِجَالُ البَادِيَةِ مِنَ العَرَبِ) كُفّاراً وَمُنَافِقِينَ، وَأَنَّ الكُفْرَ وَالنِّفَاقَ فِيهِمْ أَشَدُّ وَأَغْلَظُ مِمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ المُدُنِ، نَظَراً لِجَفَاءِ طِبَاعِهِمْ، وَغِلْطَةِ قُلُوبِهِمْ، وَلِبُعْدِهِمْ عَنِ الحِكْمَةِ، وَمَنَابِعِ العِلْمِ، وَلِذَلِكَ فَحَرِيٌّ بِهِمْ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ، وَلاَ أَحْكَامَ الإِسْلاَمِ، لأَنَّهُمْ لاَ يَجِدُونَ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ إِيَّاهَا، وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ. أَجْدَرُ - أَحَقُّ وَأَحْرَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد تكلم الحق من قبل في المنافقين من غير الأعراب، وهم العرب الذين نزل لهم وللناس كافة منهج الله، وهنا يتكلم سبحانه عن الأعراب، فما الفرق بين العرب والأعراب؟ العرب هم سكان القرى المتوطنون في أماكن، يذهبون منها أو فيها إلى مصالحهم؛ ويأوون إليها؛ وهذه مظهرها البيوت الثابتة، والتأهيل المستقر، لكن الأعراب هم سكان البوادي، وليس لهم استقرار في مكان، إنما يتتبعون مواضع الكلأ؛ وليس لهم توطُّن، ولا أنس لهم بمقام ولا بمكان. ومعنى ذلك أن كلاّ منهم ليس له سياسة عامة تحكمه في تلك البادية، وكل واحد منهم - كما يقال - صوته من دماغه، أو من دماغ رئيس القبيلة، وما داموا بهذا الشكل، وليس عندهم توطن؛ يوحي بالمعاشرة التي تقتضي لين الجانب وحسن التعامل؛ لذلك يقال عن كل واحد منهم "مستوحش" أي: ليس له ألفة بمكان أو جيران أو قانون عام. أما الذي يحيا في القرية ويتوطنها فله جيران، وله قانون يحكمه، وله إلف بالمكان، وإلف بالمكين، ويتعاون مع غيره، ويتطبع بسكان القرية ويألفهم ويألفونه ومع الإلف والائتلاف يكون اللين في التعامل، عكس من يحيا في البادية، فهو يمتلئ بالقسوة، والفظاظة، والشراسة؛ لأن بيئته نضحت عليه والوحدة عزلته. فإذا سمعت "أعراب" فاعلم أنهم سكان البادية المشهورون بالغلظة؛ لأنه لا يوجد لهم تجمع يوحي لهم بلطف سلوك، وأدب تعامل، وكلمة "الأعراب" مفردها "أعرابيّ". وهناك أشياء الفرق بين مفردها وجمعها التاء، مثل "عنب" و "عنبة" هي المفرد، وقد يفرق بين الجمع والمفرد "ياء" مثل "روم" والمفرد "رومي". فـ "أعراب" - إذن - هي جمع "أعرابي" وليس جمع عرب. وهؤلاء مقسومون قسمين: قسم له إلف بالحضر؛ لأن كل أهل حضر قد يكون لهم بادية يلجأون إليها، أي أن الأعرابي حين يذهب إلى البادية فهو ينزل ضيفاً عليهم، ويسمون "المعارف"، وكل واحد في البادية قد يكون له واحد في الحضر، إذا اضطر للذهاب للمدينة أو للقرية فهو ينزل عنده. وهناك قسم آخر لا بادية لهم ولا حاضرة. وبعد أن تكلم الحق عن العرب ونفاقهم، يتكلم هنا عن الأعراب فيقول: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ولماذا هم أشد كفراً ونفاقاً؟ لأنهم بعيدون عن مواطن العلم والدعوة، وعندهم غِلْظة، وعندهم جفاء، وقوله سبحانه: {وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} يعني: أحق ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله؛ لأن عرفان حدود ما أنزل الله من الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، يأتي من التواصل مع العلم، وهذا لا يتأتَّى بالتنقل من مكان إلى آخر، بل لا بد من الاستقرار. والعلم - كما نعرف - ألا تغيب عن العالم قضية من قضايا الكون؛ وكل واحد منا يعلم علماً على قدر تجربته ومراسه في الحياة، وعلى قدر جلوسه إلى العلماء، لكن الله وحده يعلم علم الجميع. والعلم عند البشر قد يوظّف، وقد لا يوظّف، وكثير من الناس عندهم العلم لكنهم لا يُوظِّفونه، ومن لا يُوظِّف علمه يصير علمه حُجة عليه. أما من يُوظِّف علمه، ويضع الأمر في محله، والنهي في محله، والحلال في محله، والحرام في محله، والمشتبه يضع له حكماً مناسباً، فهو يوصف بالحكيم؛ لأنه وضع كل شيء في محله. فإذا شرع الله أمراً، فسبحانه قد شرع عن "علم" وعن "حكمة"، وما دام قد شرع يجب ألا نخالفه؛ لأن كل تشريع ينزله الله على رسوله إنما هو لتنظيم حركة الحياة؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وخلق كل المخلوقات، وإياك أن تدس أنت أنفك فتشرِّع ما يغضب الحق؛ لأن فساد الكون كله قد جاء من الذين أرادوا أن يُقِّننوا للخلق، رغم أنهم لم يخلقوهم. ونقول لهم: دعوا التقنين للخلق لمن خلق الخلق، فهو الصانع العالم بحدود ما صنع ووضع قوانين صيانة ما خلق، وهو سبحانه الذي يمكنه أن يصلحها إن أصابها عطب أو فساد. ومن هؤلاء الأعراب - الذين هم أشد كفراً ونفاقاً، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله - قوم آخرون يقول عنهم الحق: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ ...}.
الأندلسي
تفسير : {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} الآية، نزلت في أعراب من أسد وتميم وغطفان، {وَأَجْدَرُ} أحق ألا يعلموا، أي بأن لا يعلموا. والحدود هنا الفرائض. {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} الآية، نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم وكانوا يتخذون ما يؤخذ منهم من الصدقات مغرماً والمغرم الغرم والخسر. {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الآية. نزلت في بني مُقَرّن من مُزَينة، قاله مجاهد. ولما ذكر تعالى من يتخذ ما ينفق مغرماً ذكر مقابله وهو من يتخذ ما ينفق مغنماً. وذكر هنا الأصل الذي يترتب عليه إنفاق المال في القربات وهو الإِيمان بالله واليوم الآخر إذ جزاء ما ينفق إنما يظهر ثوابه الدائم في الآخرة. وفي قصة أولئك اكتفى بذكر نتيجة الكفر وعدم الإِيمان وهو اتخاذه ما ينفق مغرماً، وتربصه بالمؤمنين الدوائر والأجود تعميم القربات من جهاد وصدقة. والمعنى يتخذه سبب وصل عند الله وأدعية الرسول وكان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم صل على آل أبي أوْفَىتفسير : . وقال تعالى: {أية : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة: 103]. والظاهر عطف وصلوات على قربات. والسابقون: مبتدأ، ورضي الله عنهم: الخبر.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {ٱلأَعْرَابُ} أي: أهل الوبر المترددون في البوادي، المنهمكون في الغي والضلال والعتو والفساد {أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} من أهل المدر المستأنسين مع العقلاء، المستفيدين منهم {وَ} لشدة شكيمة أولئك الأعراب وجهلهم، وعدم قابليتهم {أَجْدَرُ} اي: أحق أليق {أَلاَّ يَعْلَمُواْ} أي: ألا يعلموا {حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ} المدبر المصلح لأحوال عباده {عَلَىٰ رَسُولِهِ} النائب عنه، المتكلف لإرشاد عباده بإقامة حدوده المنزلة من الأوامر والنواهي المستلزمة؛ لتأديبهم في معاشهم ومعادهم؛ إذ هم في غاية البعد عن الهداية والصلاح وتحمل التكاليف الإلهية {وَٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده {عَلِيمٌ} باستعداداتهم الكامنة فيهم {حَكِيمٌ} [التوبة: 97] في إلزام التكليف عليهم. {وَمِنَ} منافقي {ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ} أي: بعد ويحسب {مَا يُنفِقُ} بأمر الله في سبيله {مَغْرَماً} أي: غرامةً وخسراناً؛ لعدم إيمانه واعتقاده بترتب الثواب عليه، بل إنما ينفق رياءً وتقيةً {وَ} من خباثة باطنه {يَتَرَبَّصُ} أي: يترقب وينتظر {بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} أي: نوائب الزمان الدائرة عليكم؛ لينقلب الأمر ويتحول الحال، ويخلص من الإنفاق بالنفاق، بل يدور {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} على عكس مرامهم دائماً متجدداً، مستمراً {وَٱللَّهُ} الرقيب عليهم {سَمِيعٌ} لمناجاتهم {عَلِيمٌ} [التوبة: 98] بنياتهم وحاجاتهم تدبر عليهم ما يتربصون بكم من الدوائر. {وَمِنَ} مخلصي {ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} أي: يوقن ويذعن بتوحيده {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: يصدق باليوم الآخر المعد لجزاء الأعمال، وترتب المثوبات بالقربات والصدقات {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} في سبيل الله {قُرُبَاتٍ} ونيل مثوبات ورفع درجات {عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} أي: بسبب استغفاره ودعائه له {أَلاۤ إِنَّهَا} أي: ما يتصدقون بها أولئك المؤمنون، المخلصون، المتقربون {قُرْبَةٌ لَّهُمْ} وسبب وصولهم إليه {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ} الموفق له، الرقيب عليهم {فِي} سعة {رَحْمَتِهِ} وجوده بعد انقضاء النشأة الأولى {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالهم {غَفُورٌ} لما صدر عنه من المعاصي قبل إيمانهم {رَّحِيمٌ} [التوبة: 99] لهم، يقبل منهم بعد إيمانهم وإخلاصهم ما يتقربون به لمرضاته. {وَٱلسَّابِقُونَ} في الإيمان، المبادرون إلى التصديق وقبول الأحكام {ٱلأَوَّلُونَ} الأقدمون بمتابعة الرسول {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ} الذين هاجروا من مألوفات نفوسهم ومتشهيات طباعهم إلى الفناء في الله {وَٱلأَنْصَارِ} الأبرار الذين سلكوا نحو الحق بالرياضات المجاهدات الشاقة المزيحة لدرن التعلقات ورين الإضافات، المانعة من التوجه الحقيقي. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم} واقتفوا أثرهم من أهل الطلب والإرادة {بِإِحْسَانٍ} أي: بلا تمايل إلى الرياء والسمعة والعجب، أولئك المبرورون، المقبولون {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} لتحققهم بمرتبة الإخلاص والتسليم {وَرَضُواْ عَنْهُ} لإصالهم إلى مقر التوحيد وفضاء الفناء المثمر للبقاء الأبدي والحياة السرمدية {وَأَعَدَّ لَهُمْ} سبحانه في حوزة حمايته وروضة بقائه {جَنَّاتٍ} منتزهات {تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} من العلوم والمعارف {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} لا يتحولون عنها أصلاً {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 100] واللطف الجسيم لأهل العناية من أرباب الولاية والمحبة، المنخلعين عن جلباب ناسوتهم مطلقاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن نفاق الأعراب ووفاق بعضهم بقوله تعالى: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} [التوبة: 97] إلى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 99] الإشارة فيه إلى أن في عالم الإنسان بدواً وهو نفسه، وحضراً هو قلبه، كما أن في العالم بدواً وحضراً. وقوله تعالى: {ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً} يشير إلى النفس وهواها، فإن الكفر بها ذاتية كما أن الإيمان للقلب ذاتي من فطرة الله التي فطر الناس عليها، فيحتمل أن يصير القلب كافراً بسراية صفاته إليه فيتلون بلون النفس، كما يحتمل أن تصير النفس مؤمنة بسراية صفة القلب إليها فتتلون بلون القلب، ولكن النفس تكون أشد كفراً ونفاقاً من القلب وإن كان كافراً، كما أن القلب يكون أشد إيماناً من النفس وإن كانت مؤمنة، {وَأَجْدَرُ} [التوبة: 97] يعني: النفس صفاتها أولى من القلب. {أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ} [التوبة: 97] من الواردات النازلة على الروح، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 97] في أن يجعل بعض النفس الكافرة مؤمنة، وبعض القلب المؤمن كافراً، {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} [التوبة: 98] أي: من النفوس من يعتقد أن ما ينفق من الجد والاجتهاد في طلب الكمال. {مَغْرَماً} أي: لا حاصل أو سعيه صلاح وهذه خصائص النفس الأمارة بالسوء، فإن أنفق أن تكون مقهورة تحت سطوات الشريعة والطريقة فيصدر منها اختياراً واضطراراً بذل جهد وسعي في طلب الكمال على خلاف طبعها؛ لتتحسر على ذلك وتحتال في إبطائها والخلاص منها طلباً للاستراحة وتتبع شهواتها ولذاتها، {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} [التوبة: 98] أي: ينتظر آفة تفتح للقلب، ويترصد فترة مانعة للقلب على الاشتغال بطلب الكمال، {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} [التوبة: 98] أي: على النفوس يدرو البلاء من استيلاء القلب عليها وقهرها بما يخالف هواها وطبعها، {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} [التوبة: 98] سمع في الأزل، وأجاب هذا الدعاء في حقها وألزمها مطاوعة الشرع ومخالفة الهوى، {عَلِيمٌ} [التوبة: 98] بمن يسمع في حقه الدعاء. {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ} [التوبة: 99] أي: ومن النفوس، {مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} [التوبة: 99] أي: من يؤمن بنور الله بعد أن تجلى الله سبحانه على قلبه فتنور وأشرقت أرض النفس بنور ربها، فتؤمن من بالله بنوره وترى الدرجات الأخروية بهذا النور فتؤمن بها، {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} [التوبة: 99] من الجد والاجتهاد في طلب الكمال، {قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ} [التوبة: 99] على قضية: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت منه ذراعاً ". تفسير : {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} [التوبة: 99] أي: موجب بعمليات الروح، فإن السالك مهما يسلك في مهامه النفس وأودية القلوب كل خطوة يخطوها كما تقربه إلى الله يتقرب الله إليه بأصناف ألطافه بقربة تقربه إلى الروح، ويتقرب الروح إليه بتجليات صفاته وتصرفات أوصافهم، {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} [التوبة: 99] بجذبات ألطافه يأخذهم منهم ويهديهم برحمته إليه، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [التوبة: 99] أي: ستار بصفته ومغفرته للصادق السالك الطالب العاش، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 99] بطالبية؛ إذ لا يصلون إليه إلا بجذبات رحمته. ثم أخبر عن السابقين الصادقين العاشقين بقوله تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ} [التوبة: 100] أي: الذين سبقت لهم العناية الأزلية كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 101] الأولون في سبق العناية لهم أيضاً، والسابقون في الخروج من العدم، الأولون عند الخروج، وهم أهل الصف الأول في عالم الأرواح؛ إذ كانت الأرواح صفوفاً كالجنود المجندة، وأيضاً السابقون في الخروج عن صلب آدم عليه السلام عند أخذ ربهم وعند سماع خطاب ربهم حين قال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] والسابقون الأولون في جواب: {أية : بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]. وأيضاً السابقون الأولون في تجلي ربهم بصفة ربوبيته لهم حتى عرفوه بهذه الصفة فأجابوه بقولهم: {بَلَىٰ} فلهم السبق في استماع الخطاب والرؤية والمعرفة والإقرار والإجابة، وأيضاً السابقون في استحقاق المحبة نداء اختصاصهم بتشريف {يُحِبُّهُمْ} في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر {وَيُحِبُّونَهُ}، وأيضاً السابقون الأولون في تجديد عهد المحبة عند تجلي صفة الربوبية يوم الميثاق، وأيضاً السابقون الأولون عند تخمر طينة آدم بيده أربعين صباحاً ومماساة الحضرة الربوبية على أقرانهم الأولون بالوصال إلى سرادقات الجلال، وأيضاً السابقون في مقامات الوصول عن أقرانهم الأولون من الذين وصلواتك المقامات. واعلم أن هذه السبق مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وأمته كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن الآخرون السابقون"تفسير : أي: الآخرون خروجاً في الصورة، السابقون دخولاً في المقامات المذكورة كلها، قوله تعالى: {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ} [التوبة: 100] أي: الذي هاجروا عن أوطان البشرية إلى أوطان الروحانية، وعن الروحانية إلى كمال الإنسانية، وعن الإنسانية إلى الصفات الربانية، وعن الناسوتية إلى اللاهوتية، {وَٱلأَنْصَارِ} [التوبة: 100] أي: الذين كانوا أنصار الله في طلب الله مع الإخوان في الله. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} [التوبة: 100] أي: الذين اتبعوا أهل السبق وبذلوا جهدهم في الوصول إليهم والإلحاق بهم بقدر الإمكان، كما كان حال أبي بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الطلب بالمسابقة معه قبل بعثته حيث قال: "حديث : كنت أنا وأبو بكر كفرسي رهان"تفسير : كما قال تعالى: {أية : أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُم}تفسير : [الطور: 21]، وكقول يوسف عليه السلام: {أية : وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [يوسف: 101] يعني: أنا متابع لهم فالحقني بهم. {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ}[التوبة: 100] عن السابقين في الأزل؛ إذ هم السابقون بنيل الرضوان فرضي عنهم بأن يكونوا من أهل محبته وقربته والوصول إليه فأعطاهم ما به رضي الله عنهم وارتضى لهم بنيل ما أعطاهم وارتضى لهم من الكمالات، ورضي أيضاً عنهم بإعطاء حق الطلب بما ارتضاه لهم ببذل الجهود في الصبر على الصراط المستقيم ورضي عن المتابعين لهم ببذل التوفيق والاتباع السابقين إذ اتبعوهم بالإحسان والإمكان وحسب الاستعداد. {وَرَضُواْ عَنْهُ} [التوبة: 100] إذ بلغهم أعلى درجات السابقين بقدر وهو علو الهمة في الطلب وبذل الجد والاجتهاد على قوم المتابعة، والوصول إلى أعلى درجات مقامات السابقين بقدر استعدادهم ونالوا منه مأمولهم وأعطى لهم سؤلهم، {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} [التوبة: 100] في قلوبهم بساتين أشجارها الإيمان واليقين والصدق والإخلاص والتوكل والتسليم والرضا، {تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ} [التوبة: 100] من ماء العناية والمواهب الربانية. {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [التوبة: 100] أي: لا تنقطع عنهم العناية، ويزيد في أثمار تلك الأشجار من المشاهدات والمكاشفات الربانية إلى أبد الآباد، {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 100] وهو الفناء عن الأوصاف الإنسانية، والبقاء بالصفات الربانية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { الأعْرَابِ } وهم سكان البادية والبراري { أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من الحاضرة الذين فيهم كفر ونفاق، وذلك لأسباب كثيرة: منها: أنهم بعيدون عن معرفة الشرائع الدينية والأعمال والأحكام، فهم أحرى { وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } من أصول الإيمان وأحكام الأوامر والنواهي، بخلاف الحاضرة، فإنهم أقرب لأن يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله، فيحدث لهم -بسبب هذا العلم- تصورات حسنة، وإرادات للخير، الذي يعلمون، ما لا يكون في البادية. وفيهم من لطافة الطبع والانقياد للداعي ما ليس في البادية، ويجالسون أهل الإيمان، ويخالطونهم أكثر من أهل البادية، فلذلك كانوا أحرى للخير من أهل البادية، وإن كان في البادية والحاضرة، كفار ومنافقون، ففي البادية أشد وأغلظ مما في الحاضرة. ومن ذلك أن الأعراب أحرص على الأموال، وأشح فيها. { 98 } فمنهم { مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ } من الزكاة والنفقة في سبيل اللّه وغير ذلك، { مَغْرَمًا } أي: يراها خسارة ونقصا، لا يحتسب فيها، ولا يريد بها وجه اللّه، ولا يكاد يؤديها إلا كرها. {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ } أي: من عداوتهم للمؤمنين وبغضهم لهم، أنهم يودون وينتظرون فيهم دوائر الدهر، وفجائع الزمان، وهذا سينعكس عليهم فعليهم دائرة السوء. وأما المؤمنون فلهم الدائرة الحسنة على أعدائهم، ولهم العقبى الحسنة، { وَاللَّهُ سميع عليم } يعلم نيات العباد، وما صدرت عنه الأعمال، من إخلاص وغيره. وليس الأعراب كلهم مذمومين، بل منهم { مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فيسلم بذلك من الكفر والنفاق ويعمل بمقتضى الإيمان. { وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ } أي: يحتسب نفقته، ويقصد بها وجه اللّه تعالى والقرب منه { و } يجعلها وسيلة لـ { صَلَوَاتِ الرَّسُولِ } أي: دعائه لهم، وتبريكه عليهم، قال تعالى مبينا لنفع صلوات الرسول: { أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ } تقربهم إلى اللّه، وتنمي أموالهم وتحل فيها البركة. { سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ } في جملة عباده الصالحين إنه غفور رحيم، فيغفر السيئات العظيمة لمن تاب إليه، ويعم عباده برحمته، التي وسعت كل شيء، ويخص عباده المؤمنين برحمة يوفقهم فيها إلى الخيرات، ويحميهم فيها من المخالفات، ويجزل لهم فيها أنواع المثوبات. وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم اللّه على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر اللّه، وأنهم في مظنة ذلك. ومنها: أن الكفر والنفاق يزيد وينقص ويغلظ ويخف بحسب الأحوال. ومنها: فضيلة العلم، وأن فاقده أقرب إلى الشر ممن يعرفه، لأن اللّه ذم الأعراب، وأخبر أنهم أشد كفرا ونفاقا، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله. ومنها: أن العلم النافع الذي هو أنفع العلوم، معرفة حدود ما أنزل اللّه على رسوله، من أصول الدين وفروعه، كمعرفة حدود الإيمان، والإسلام، والإحسان، والتقوى، والفلاح، والطاعة، والبر، والصلة، والإحسان، والكفر، والنفاق، والفسوق، والعصيان، والزنا، والخمر، والربا، ونحو ذلك. فإن في معرفتها يتمكن من فعلها -إن كانت مأمور بها، أو تركها إن كانت محظورة- ومن الأمر بها أو النهي عنها. ومنها: أنه ينبغي للمؤمن أن يؤدي ما عليه من الحقوق، منشرح الصدر، مطمئن النفس، ويحرص أن تكون مغنما، ولا تكون مغرما.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):