٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
98
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ} «من» في موضع رفع بالابتداء. {مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} مفعولان؛ والتقدير ينفقه، فحذفت الهاء لطول الاسم. «مَغْرَماً» معناه غرما وخسراناً؛ وأصله لزوم الشيء؛ ومنه:{أية : إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 65] أي لازماً، أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرماً ولا يرجون عليه ثواباً. {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} التربص الانتظار؛ وقد تقدّم. والدوائر جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية، أي يجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوء الدخلة وخبث القلب. {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} قرأه ٱبن كثير وأبو عمرو بضم السين هنا وفي الفتح، وفتحها الباقون. وأجمعوا على فتح السين في قوله: {أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ}تفسير : [مريم: 28]. والفرق بينهما أن السُّوء بالضم المكروه. قال الأخفش: أي عليهم دائرة الهزيمة والشر. وقال الفرّاء: أي عليهم دائرة العذاب والبلاء. قالا: ولا يجوز ٱمرأ سوء بالضم؛ كما لا يقال: هو ٱمْرُؤ عذاب ولا شر. وحكي عن محمد بن يزيد قال: السَّوء بالفتح الرداءة. قال سيبويه: مررت برجل صدقٍ، ومعناه برجل صلاحٍ. وليس من صدق اللسان، ولو كان من صدق اللسان لما قلت: مررت بثوبِ صدقٍ. ومررت برجل سَوْء ليس هو من سُؤْته، وإنما معناه مررت برجل فسادٍ. وقال الفراء: السَّوء بالفتح مصدر سُؤْته سَوْءاً ومساءة وسوائية. قال غيره: والفعل منه ساء يسوء. والسُّوء بالضم ٱسم لا مصدر؛ وهو كقولك: عليهم دائرة البلاء والمكروه.
البيضاوي
تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ} يعْدُّ. {مَا يُنفِقُ} يصرفه في سبيل الله ويتصدق به. {مَغْرَمًا} غرامة وخسراناً إذ لا يحتسبه قربة عند الله ولا يرجو عليه ثواباً وإنما ينفق رياء أو تقية. {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ } دوائر الزمان ونوبه لينقلب الأمر عليكم فيتخلص من الانفاق. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء} اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون أو الإِخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم، والدائرة في الأصل مصدر أو اسم فاعل من دار يدور وسمي به عقبة الزمان، و {ٱلسَّوْء} بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك رجل صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {ٱلسَّوْء} هنا. وفي الفتح بضم السين. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لما يقولون عند الانفاق. {عَلِيمٌ} بما يضمرون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } في سبيل اللّهِ {مَغْرَمًا } غرامة وخسراناً لأنه لا يرجو ثوابه بل ينفقه خوفاً وهم بنو (أسد) و(غطفان) {وَيَتَرَبَّصُ } ينتظر {بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ } دوائر الزمان أن تنقلب عليكم فيتخلصوا. {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْءِ } بالضم والفتح: أي يدور العذاب والهلاك عليهم لا عليكم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لأقوال عباده {عَلِيمٌ } بأفعالهم.
ابن عطية
تفسير : هذا نص من المنافقين منهم، ومعنى {يتخذ} في هذه الآيات أي يجعل مقصده ولا ينوي فيه غير ذلك، وأصل " المغرم " الدين، ومنه تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغرم والمأثم، ولكن كثر استعمال المغرم فيما يؤديه الإنسان مما لا يلزمه بحق، وفي اللفظ معنى اللزوم، ومنه قوله تعالى: {أية : إن عذابها كان غراماً } تفسير : [الفرقان: 65] أي مكروهاً لازماً،و {الدوائر} المصائب التي لا مخلص للإنسان منها فهي تحيط به كما تحيط الدائرة، وقد يحتمل أن تشتق من دور الزمان، والمعنى ينتظر بكم ما تأتي به الأيام وتدور به، ثم قال على جهة الدعاء {عليهم دائرة السوء} وكل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء، لأن الله لا يدعو على مخلوقاته وهي في قبضته ومن هذا، {أية : ويل لكل همزة لمزة} تفسير : [ الهمزة:1] وللمطففين، فهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى، وقرأ الجمهور من السبعة وغيرهم " دائرة السَّوء" بفتح السين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن واختلف عنه عاصم والاعمش بخلاف عنهما " دائرة السُّوء" بضم السين، واختلف عن ابن كثير، وقيل الفتح المصدر والضم الاسم، واختلف الناس فيهما وهو اختلاف يقرب بعضه من بعض والفتح في السين يقتضي وصف الدائرة بأنها سيئة، وقال أبو علي معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فإنما هي إضافة بيان وتأكيد كما قالوا شمس النهار ولحيا رأسه. قال القاضي أبو محمد : ولا يقال رجل سَوء بفتح السين، هذا قول أكثرهم وقد حكي " رجل سُوء " بضم السين وقد قال الشاعر [الفرزدق ]: [الطويل] شعر : وكنت كذئبِ السَّوْءِ لما رأى دماً بصاحبه يوماً أحال على الدم تفسير : ولم يختلف القراء في فتح السين من قوله {أية : ما كان أبوك امرأ سوء } تفسير : [مريم:28] وقوله تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله} الآية، قال قتادة: هذه ثنية الله تعالى من الأعراب، و {يتخذ } في هذه الآية أيضاً هي بمعنى يجعله مقصداً، والمعنى ينوي بنفقته في سبيل الله القربة عند الله عز وجل واستغنام دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ففي دعائه لهم خير الآخرة في النجاة من النار وخير الدنيا في أرزاقهم ومنح الله لهم، فـ {صلوات} على هذا عطف على {قربات} ، ويحتمل أن يكون عطفاً على ما ينفق، أي ويتخذ بالأعمال الصالحة صلوات الرسول قربة، والأولى أبين، و {قربات} جمع قرْبة أو قرُبه بسكون الراء وضمها وهما لغتان و" الصلاة" في هذه الآية الدعاء إجماعاً. وقال بعض العلماء: الصلاة من الله رحمة ومن النبي والملائكة دعاء، ومن الناس عبادة، والضمير في قوله {إنها } يحتمل أن يعود على النفقة وهذا في انعطاف {الصلوات } على {القربات}، ويحتمل أن يعود على {الصلوات } وهذا في انعطافه على ما ينفق، وقرأ نافع " قرُبة" بضم الراء، واختلف عنه وعن عاصم والأعمش، وقرأ الباقون" قرْبة" بسكون الراء ولم يختلف {قربات}، ثم وعد تعالى بقوله {سيدخلهم الله في رحمته } الآية، وروي أن هذه الآية نزلت في بني مقرن من مزينة وقاله مجاهد، وأسند الطبري إلى عبد الرحمن بن مغفل بن مقرن أنه قال: كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا {ومن الأعراب من يؤمن بالله} إلى آخر الآية. قال القاضي أبو محمد : وقوله عشرة ولد مقرن يريد الستة أولاد مقرن لصلبة أو السبعة على ما في الاستيعاب من قول سويد بن مقرن، وبنيهم لأن هذا هو الذي في مشهور دواوين أهل العلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا يُنفِقُ} في الجهاد، أو الصدقات. {مَغْرَمًا} المغرم: التزام ما لا يلزم {أية : عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} تفسير : [الفرقان: 65] لازماً. {الدَّوَآئِرَ} انقلاب النعمة إلى غيرها من الدور.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا...} الآية نصٌّ في المنافقين منهم، و«الدوائر»: المصائبُ، ويحتمل أن تشتقَّ من دَوَرَانِ الزمانِ، والمعنَى: ينتظر بكم ما تأتي به الأيام، وتدُورُ به، ثم قال على جهة الدعاء: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْءِ}، وكلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إِيجاب الشيْء؛ لأن اللَّه لا يَدْعُو على مخلوقاته، وهي في قبضته؛ ومن هذا { أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } تفسير : [الهمزة:1]، { أية : وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ } تفسير : [المطففين:1]، فهي كلُّها أحكام تامَّة تضمَّنها خبره تعالى. * ت *: وهذه قاعدةٌ جيِّدة، وما وقع له رحمه اللَّه مما ظاهره مخالفٌ لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذَكَرَه هنا، وقد وقَع له ذلك بعد هذا في قوله: { أية : صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } تفسير : [التوبة:127]، قال: يحتملُ أنْ يكون دعاءً عليهم، ويحتملُ أنْ يكون خبراً، أي: ٱستوجبوا ذلك، وقد أوضَحَ ذلك عند قوله تعالى: { أية : قُتِلَ أَصْحَـٰبُ ٱلأُخْدُودِ } تفسير : [البروج:4]، فٱنْظُرْه هناك.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن الضحاك {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} يعني أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي ما يعطي من صدقات ماله كرهاً {ويتربص بكم الدوائر} الهلكات. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب، الذين إنما ينفقون رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا، ويرون نفقاتهم مغرماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} يعد ما ينفق في سبيل الله غرامة يغرمها {ويتربص} بمحمد صلى الله عليه وسلم الهلاك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} [الآية: 98]. قيل: من يرى الملك لنفسه كان ما ينفقه غرامة عنده، ومن يرى الأشياء عارية لله فى يده، يرى أن ما ينفقه غنمًا لا غرمًا.
القشيري
تفسير : خَبُثَت عقائدُهم فانتظروا للمسلمين ما تعلقت به مناهم من حلول المِحن بهم، فأبى اللهُ إلا أن يَحيقَ بهم مكرُهم، ولهذا قيل في المثل: إذا حَفَرْتَ لأخيك فَوَسِّعْ فربما يكون ذلك مقيلَك! ويقال مَنْ نَظَر إلى ورائه يُوَفَّقْ في كثيرٍ من تدبيره ورأيه.
البقلي
تفسير : قال تعالى {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً} هكذا شأن من لم يذق ذوق السخافى المعرفة قيل من يرى الملك لنفسه كان ينفقه غرامة عنده ومن يرى الاشياء لله غارية فى يده راى ما ينفقه غنما لا غرما ثم استثنى من هؤلاء من تصديق الله ورسوله ودار الاخرة بنور قذفه الله فى قلوبهم وشرح به صدورهم فينفقون على رجاء قربة الله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن الأعراب} اى ومن جنس الاعراب الذى نعت بنعت بعض افراده {من يتخذ ما ينفق} من المال اى يعد ما يصرفه فى سبيل الله ويتصدق به صورة {مغرما} مصدر بمعنى الغرامة والغرم وهو ما ينوب الانسان فى ماله من ضرر لغير جناية ومن لا يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يرجو على انفاقه فى سبيل الله ثوابا ولا يخاف على تركه عقابا فلا جرم يعد ما انفقه غرامة وضياع مال بلا فائدة وانما ينفق رياء او تقية {ويتربص بكم الدوائر} والتربص الانتظار. والدوائر جمع دائرة وهى ما يدور حول الانسان من المصائب ومعنى تربص الدوائر انتظار المصائب بان تنقلب دولة المسلمين بموت الرسول صلى الله عليه وسلم وغلبة الكفار عليهم فيتخلصوا من الانفاق. يقول الفقير وهذا النفاق موجود الآن أن لا ترى الى بعض المتسمين بسمة الاسلام كيف يتمنى ظهور الكفار ليتخلص من الانفاق والتكاليف السلطانية ولذا يتصدق الا كرها خلصه الله وايانا من كيد النفس والشيطان وجعله الله وايانا من المتحققين بحقيقة الايمان {عليهم دائرة السوء} [برايشان باد كردش روز كار بدايشان منقلب شود] فهو دعاء عليهم بنحو ما ارادوا بالمؤمنين. والسوء بالفتح مصدر ساء نقيض سر ثم اطلق على كل ضرر وشر واضيفت اليه الدائرة ذاتا كما يقال رجل سوء لان من دارت عليه يذمها وهى من باب اضافة الموصوف الى صفته فوصفت فى الاصل بالمصدر مبالغة ثم اضيفت الى صفتها {والله سميع} لما يقولون عن الانفاق مما لا خبر فيه {عليم} بما يضمرونه من الامور الفاسدة التى من جملتها ان يتربصوا بكم الدوائر
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {دائرة السوء} بضم السين. الباقون بفتح السين. من فتح أراد المصدر، وإنما أضاف الدائرة إلى السوء تأكيداً كما يقال: عيني رأسه وشمس النهار، تقول: سؤته أسوءه سوءاً ومساءة ومسائية، وقوله {أية : ما كان أبوك امرأ سوء}تفسير : لا يجوز فيه غير فتح السين، وكذلك في قوله {أية : وظننتم ظن السوء} تفسير : لأن الضم بمعنى الاسم، وتقديره عليهم دائرة العذاب والبلاء. أخبر الله تعالى ان من جملة هؤلاء المنافقين من الأعراب من يتخذ ما ينفقه في الجهاد وغيره من طرق الخير {مغرماً} اي غرماً من قولهم: غرمته غرماً وغرامة. والغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية، ومنه قوله {أية : من مغرم مثقلون } تفسير : وأصل المغرم لزوم الأمر، ومنه قوله { أية : إن عذابها كان غراماً } تفسير : أي لازماً، وحبّ غرام أي لازم، والغريم كل واحد من المتداينين، وغرمته كذا الزمته إياه في ماله. وقوله {ويتربص بكم الدوائر} فالتربص التمسك بالشيء لعاقبة ومنه التربص بالطعام لزيادة السعر، فهؤلاء يتربصون بالمؤمنين لعاقبة من الدوائر. والدائرة جمعها دوائر وهي العواقب المذمومة. وقال الفراء والزجاج: كانوا يتربصون بهم الموت والقتل، وإنما خص رفع النعمة بالدوائر دون رفع النقمة، لأن النعمة أغلب واعم لأن كل واحد لا يخلو من نعم الله وليس كذلك النقمة، لأنها خاصة. والنعمة عامة. وقد قيل: دارت لهم الدنيا بخلاف دارت عليهم. ثم قال تعالى {عليهم دائرة السوء} يعني على هؤلاء المنافقين دائرة العذاب والبلاء - في قراءة من قرأ بالضم - وقوله {والله سميع عليم} معناه - ها هنا - انه يسمع ما يقوله هؤلاء المنافقون ويعلم بواطن أمورهم، ولا يخفى عليه شيء من حالهم وحال غيرهم.
الجنابذي
تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ} فى الجهاد وعلى فقراء المسلمين من الحقوق المفروضة او الغير المفروضة {مَغْرَماً} خسراناً بلا عوضِ لعدم اعتقاده بالله وبالآخرة وبالاجر والعوض من الله {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} الحوادث المقلّبة عليكم الامور، سمّيت دوائر لدورانها على البشر لكن استعمالها فيما فيه شرّ {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} اخبار عن حالهم الّتى هم عليها فى الآخرة لكن ادّاه بصورة الواقع لتحقّق وقوعه، او عن حالهم الّتى هم عليها فى الدّنيا اشارة الى غرور الشّيطان ودواعى النّفس الّتى كلّها مهلكات، او دعاء عليهم ولمّا لم ينفكّ دعاء الله عن تحقّق المدعوّ به فهو مستلزم للاخبار والاضافة الى السّوء هنا دون الاوّل ولحرمة المؤمنين واهانة المنافقين {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} والجامع ههنا هو لازم المعطوف عليه ومتعلّق المعطوف المقدّر كأنّه قال: ومن الاعراب من يتّخذ ما ينفق مغرماً فيقول قد وقعت فى محذورٍ مع محمّد (ص) ويتربّص بكم الدّوائر فيضمر هلاككم وخلاصه والله سميعٌ لقوله عليمٌ بنيّته وهو تهديد للاعراب وتسلية للمؤمنين.
الهواري
تفسير : قوله: { وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً} أي: في الجهاد في سبيل الله {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} أي أن يهلك محمد والمؤمنون فيرجع إلى دين مشركي العرب. { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} أي عاقبة السوء { وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قوله: { وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللهِ} أي يتقرّب به إلى الله { وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} أي: ويتخذ صلوات الرسول أيضاً قربة إلى الله عزّ وجلّ. وصلوات الرسول استغفاره ودعاؤه. { أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ} أي الجنة { إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ومات لا يشرك بالله فإن حقاً على الله أن يغفر له، هاجر أو قعد في مولده. وإنما يتقبل الله من المتقين. وإن في الجنة لمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض أعدها الله لمن جاهد في سبيله. ولولا أن أشق على أمتي ولا أجد ما أحملهم عليه ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل تفسير : وقوله في أول الحديث: هاجر أو قعد في مولده، إنما هو بعد ما انقطعت الهجرة، وذلك بعد فتح مكة، فصارالجهاد تطوعاً. قوله: { وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}. ذكروا عن سعيد بن المسيب قال: هم الذين صلّوا القبلتين مع النبي صلى الله عليه وسلم. { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} لا يموتون ولا يخرجون منها { ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}. وقد فسرناه قبل هذا الموضع.
اطفيش
تفسير : {ومِنَ الأعْرابِ مَنْ يتَّخذُ} يجعل أو يعد {ما ينْفقُ} فى سبيل الله جهادا وزكاة {مَغْرماً} أى غرامة، فهو مصدر ميمى، ومعناه ومعناه الخسران، لأنه إنما ينفق خوفا من المؤمنين، أو رياء لا رجاء ثواب، أو خوف عقاب، ومن الغرامة ما ينفقه الإنسان، وليس يلزمه، قبل: وأصله الدين ثم كثر استعماله فى ذلك. {ويتَربَّصُ} ينتظر {بكُم الدَّوائرَ} نوائب الدهر وتقلباته، بأن يموت الرسول ويظهر المشركون أو يغلبون والمؤمنين، فيستريحوا من الإنفاق والأحكام {عَليْهم دَائرةُ السَّوءِ} هذا على طريق الدعاء، وكل ما كان بطريق الدعاء من الله فهو إيجاب، لأنه إنما يدعو من كان فوقه أحد يملك ما لا يقدر هو عليه، ويجوز أن يكون ذلك إخبارا من الله سبحانه وتعالى. وعلى كل، فذلك مقابلة لهم بمثل ما تربصوه بالمؤمنين، بأن تكون الغلبة للنبى والمؤمنين والفوز، ومثله: {أية : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم} تفسير : والدائرة مفرد الدوائر، وهى اسم فاعل للخصلة تغلبت عليها الاسمية، أو مصدر بمعنى الدور، تغلبت عليه أيضا، سميت به عاقبة الزمان، فإنه تارة يأتى بالشر، وتارة بالخير، فهى من دور الزمان بمعنى تصرفه وتقلبه، أو من الدور بالشىء بمعنى الإحاطة به، فهى ما يصيب الإنسان ويحيط به، بحيث لا يتخلص منه، فعلى أنها تطلق عامة إضافتها للسوء لتبين المراد بها، وعلى أنها تطلق فى الشر، فإضافتها إليه مبالغة. والسوء بفتح السين وإسكان الواو إسكانا حيا مصدر، وفى الإضافة إليه من حيث إنه مصدر مبالغة على حد قولك: رجل كذب، ورجل زنى، ورجل صدق بالإضافة مبالغة فى الذم والمدح، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو هنا وفى سورة الفتح، بضم السين وإسكان الواو ميتا، وكذا ابن محيصن، وعاصم، والأعمش فى رواية عنهم هنا، وهو أيضا رواية عن ابن كثير، ولم يختلف القراء فى الفتح فى {ما كان أبوك امرأ سَوْءٍ} والمعنى واحد عند بعض. وقال بعض: المفتوح مصدر، والمضموم اسم، وهو الذى يظهر لى، وقيل: المضموم اسم مصدر، وقيل: هو فى الأصل مصدر، ولا يقال: رجل سَوء إلا بفتح السين فيما قال الأكثرون، وحكى قوله: شعر : وكتب كذئب السوء لما رأى دماً بصاحبه يوماً أحال على الدم تفسير : بضم السين. {واللهُ سَميعٌ} لما يقولون عند توجه الإنفاق والصدقات إليهم بإلزامها إياهم، وعند الإنفاق والتصديق {عَليمٌ} بإظهارهم الكفر والنفاق، والغش والسوء للمؤمنين، قيل: أعراب أسد وغطفان وتميم، واستثنى الله منهم بقوله: {ومِنَ الأعْرابِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَوم الآخِرِ ...}.
اطفيش
تفسير : {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ} يعد ويصير {مَا يُنْفِقُ} يصرفه فى سبيل الله من نفقة وعلف ودابة وآلة القتال ومن زكاة وصدقة {مَغْرَماً} مصدر ميمى أَى غرماً أَى خسراناً لا يرجو له ثواباً، لأَنه لا يؤمن بالبعث، ولو آمن لم يطمئِن قلبه بالثواب لضعف إِيمانه فما ينفق إِلا رياءً أَو خوفاً من النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أَن يفعلوا بهم ما يفعلون بالمشركين ويذموهم، وهم بنو أسد وغطفان وذلك فى الآية مشعر بعدم الإِيمان، فاكتفى عن ذكره وكأَنه قيل: ومن الأَعراب من لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق مغرما، وقيل مغرماً من الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير جناية كما قيل لكل من المتداينين غريم {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ} المصيبات التى نحيط بالشخص ولا يجد خلاصاً عنها كموت عام وغلبة سلطان كقيصر، وهرقل. يستريحون من الإِنفاق والأَسفار فى الغزو ومن الذل والخوف {عَلَيْهِمْ دَائِرَةَ السَّوْءِ} إِخبار من الله عز وجل بأَنه يصيبهم من السوءِ ما تمنوه على المؤمنين أَو نحوه، وينجو المؤمنون منه، أَو دعاءٌ بمعنى ادعوا عليهم بذلك أَو تَمنٍّ أَى ارغبوا فى حصول ذلك عليهم والله لا يدعو، إِنما يدعو العاجز المحتاج الذى الأَمر بيد غيره والله بخلاف ذلك. والدائرة اسم فاعل تغلبت عليه الاسمية أَو مصدر بوزن فاعل أَى يتربص بكم دوران المصائِب عليكم، والدائِرة تختص بالشر فإِضافتها للسوءِ مبالغة {وَاللهُ سَمِيعٌ} بما يقولون عند الإِنفاق سراً بينهم أَو فى انفراد مثل أَن يقولوا هذه غرامة أَوردها الله إِلينا من المؤمنين {عَلِيمٌ} بما أَضمروه، أَو سميع لأَقوال الخلق عليم بما يضمرونه عموماً فيدخل فيهم هؤلاءِ أَولا، قال ابن سيرين من قرأَ: ومن الأَعراب من يتخذ إِلخ فليقرأْ معها قوله تعالى: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ} كمزينة وجهينة وعبدالله ذى البجادين هو من مزينة، قيل نزلت فى أَسلم وغفار وجهينة، وقيل التى قبلها فى أَسد وغطفان وبنى تميم، وهذه فى ذى البجادين، وعن مجاهدهم بنو مقرن من مزينة، وقال الكلبى: أَسلم وغفار وجهينة، وفى البخارى ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أَرأَيتم إِن كان جهينة ومزينة وأَسلم وغفار خيراً من بنى تميم وبنى أَسد وبنى عبدالله بن غطفان، ومن بنى عامر بن صعصعة؟تفسير : فقال رجل: خابوا وخسروا: قال: حديث : نعم، هم خير من بنى تميم وبنى أَسد وبنى عبدالله بن غطفان ومن بنى عامر بن صعصعةتفسير : . وفى رواية أَن الأَقرع بن حابس قال للنبى صلى الله عليه وسلم: إِنما تابعك سراق الحجيج من أَسلم وغفار ومزينة، وأَحسبه قال: وجهينة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: حديث : أَرأَيت إِن كان أَسلم وغفار ومزينة، وأَحسبه قال: وجهينة، خيراً من بنى تميم وبنى عامر وأَسد وغطفانتفسير : ، قال: خابوا وخسروا. قال: حديث : نعمتفسير : . وفيهما عن أَبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أَسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها".تفسير : وفى رواية لمسلم:"حديث : أَما أَنا لم أَقلها لكن الله قالها" تفسير : ، وفيها عن أَبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : قريش والأَنصار وجهينة ومزينة وأَسلم وأَشجع وغفار موالى ليس لهم مولى دون الله ورسوله"تفسير : {وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللهِ} أَى سبب قربات عند الله {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} عطف على قربات أَى وسبب صلوات الرسول أَى دعائه لهم فإِنه كان صلى الله عليه وسلم يدعو للمنفق فى سبيل الله، وللمنفق على المحتاجين أَو لبيت المال ولمؤدى الزكاة، فالدعاءُ لهؤُلاءِ سنة بعده لكن بغير مادة صلاة لأَن الدعاءَ بها لغير نبى مختص بالنبى صلى الله عليه وسلم يتفضل بها على من شاءَ كما قال: اللهم صل على آل أَبى أَوفى. ويسلم على الأَحياء الحاضرين وعلى أَهل القبور إِذا زورو، كما ورد: سلام عليكم دار قوم مؤمنين. ولا يجوز قال فلان عليه السلام ونحو هذا الإِيهام النبوة، ولا سيما أَن طائفة من الشيعة يقصدون الإِمام علياً بالنبوة، بل يدعى على الغائِب بالرضى والمغفرة ولا خلاف فى السلام على الأَنبياءِ والملائكة ولو بطريق الغيبة، وأَجازه الحنابلة على الغائب مطلقاً كالمخاطب، ويجوز السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين بلا إِشكال لوروده، وقيل: يجوز لنا أَن نصلى على غير الأَنبياء، وقيل مكروه، وقيل يجوز بالعطف اللهم صلى على سيدنا محمد وأَبى بكر، ولا خلاف فى جواز عطف الآل، وقيل تجوز على الملائِكة، وقيل لا تجوز على الأَنبياء بل تختص بالنبى صلى الله عليه وسلم. وعند نعت لقربات أَو متعلق بيتخذ أَو بقربة ومعناها التقرب وليس هنا، مفرده قربة بإِسكان الراءِ ولو أَمكن فى الجملة لأَنه ذكر بعد الغم فى قوله {أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} بضم الراءِ ومن قرأَ بإِسكان رائِه أَمكن أَن يكون قربات جمعه اتبعت عينه فاءَه فى الضم، وأَن يكون جمع قربة بالضم وهو الأَصل لكون الضم فيه أَصلا، وأَكد الله تقربهم بأَلا الاستفتاحية وأَن والجملة الاسمية التى الخبر فيها غير وصف ولا فعلى، وأَما زيد قام فلا فرق بينه وبين قام زيد فى عدم التأَكيد فلا تهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم صلى على آل أَبى أَوفى"تفسير : ، أَخرجه أَصحاب السنن غير الترمذى، وأَبو أَوفى هو عقبة الأَسلمى من أَصحاب بيعة الرضوان وهو آخر، وفى رواية نسبت للبخارى ومسلم وأَبى داود عن عبد الله بن أَبى أَوفى قال: كان أَبى من أَصحاب الشجرة وكان النبى صلى الله عليه وسلم إِذا أَتاه قوم بصدقتهم، قال: حديث : اللهم صَلِّ على آل فلانتفسير : فأَتاه أَبى بصدقته، فقال:حديث : اللهم صلى على آل أَبى أَوفىتفسير : . وفى الكلام حذف تقديره أَلا إِنها قربة لهم، وصلاة الرسول، يدل عليه وصلوات الرسول والضمير فى أَنها عائِد إِلى ما لأَنه تضمن معنى نفقات أَو كأَنه قيل: يتخذ النفقات التى ينفق. أَو إِلى النفقة المعلومة من ينفق، وقيل الضمير للقربات وقيل للصلوات وذلك تصديق لرجائِهم وبينه بقوله {سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِى رَحْمَتِهِ} فى موضع رحمته التامة الدائِمة، وقرر ذلك بقوله {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لهم، أَو المراد العموم فيدخلون أَولا وبالذات، ومنهم عبدالله ذو البجادين ـ بكسر الباءِ ـ لقب به لأَنه قطعت أُمه بجادا أَى ثوبا فاتزر بنصف وارتدى بنصف ومات فى عصره صلى الله عليه وسلم ودفنه بنفسه، وقال: اللهم إِنى أَمسيت راضيا عنه فارض عنه، فقال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه ليتنى كنت صاحب الحفيرة، ولما بين فضيلة طائِفة من المؤمنين وثوابهم بين فضائِل أَشراف المسلمين الذين فوقهم بقوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} السابقون مبتدأٌ خبره رضى الله عنهم، وهو إِخبار لا دعاءٌ لأَن الله لا يدعو كما أَن رضوا عنه إِخبار لا دعاءٌ فلا تهم، وليس تعليما للدعاءِ على معنى قولوا رضى الله عنهم على الدعاءِ، لأَنه خلاف الأَصل بلا داع إِليه ولأَنه لا يليق برضوا عنه. أَو الخبر هو الأَولون ورضى إِلخ مستأْنف، أَو خبر ثان أَو الخبر من المهاجرين، ورضى إِلخ خبر ثان مستأْنف، والمراد السابقون إِلى الجنة العالون درجة هم الأَولون فى الهجرة أو فى الإسلام، لأَن فى الأَنصار مؤمنين بالنبى صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، وهذا على أَن الأَولون خبر، وإِما على أَن الخبر من المهاجرين وأَن السابقين بعض المهاجرين والأَنصار والبعض الآخر سابقون بالنسبة إِلى من بعدهم، وبعض الأَنصار أَيضا سبق بعضا فى النصرة والباقون تابعون بإِحسان إِلى قيام الساعة، أَو السابقون من صلوا إِلى الكعبة وبيت المقدس، فإِما على أَنه صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة يجعل الكعبة بينه وبين المقدس فقد وحدوا قبل الهجرة، وإِما أَنه أُريد من صلى إِلى القدس بعد الهجرة ثم نسخ بالكعبة ستة عشر شهرا فيكونون أَولين بالنسبة لمن بعد، أَو السابقون أَهل بدر سبقوا فى الفضل أَو من شهدوا بيعة الرضوان، والذين اتبعوهم بإِحسان على العموم، وبيعة الرضوان كانت بالحديبية. وقيل الصحابة، وعن محمد بن كعب القرظى هم جميع الصحابة، غفر الله لمحسنهم ومسيئِهم وأَول من أَسلم خديجة، وبعدها على وهو ابن ثمانى سنين أَو عشر. وعن إِسلام الصغير إِذعانه أَو كان التكليف بالتمييز، ثم نسخ بالبلوغ، أَو هو بالغ حينئذ والصحيح الأَول، وقال ابن عباس بعدها الصديق، وعن عروة بعدها زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجمع بأَن أَول من أَسلم من النساءِ خديجة ومن الرجال الصديق ومن الأَطفال على ومن الموالى زيد، وأَسلم على يد الصديق عثمان والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أَبى وقاص وطلحة بن عبيد الله، وفى الأَنصار مراتب ثلاث: أَهل بيعة العقبة الأُولى وكانوا سبعة، سعد بن زرارة وعوف بن مالك ورافع بن مالك بن العجلان وخطبة بن عامر وجابر ابن عبدالله بن رباب، وأَهل العقبة الثانية وكانوا اثنى عشر، وأَهل العقبة الثالثة، وكانوا سبعين رجلا وامرأَتين ومنهم البراءُ بن معرور وعبدالله بن عمرو بن حرام أَبو جابر وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وعبدالله بن رواحة، وأَما الذين أَسلموا حين جاءَهم منه صلى الله عليه وسلم أَبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف فجاء مع أَهل العقبة الثانية يقرئُهم القرآن ويفقههم فى الدين، ورضى الله قبول طاعتهم، ورضاهم عنه عبادتهم أَو فرحهم بما نالوا من خير الدارين، ومعنى تحتها ومن تحتها واحد، فإِن الماء الآتى إِلى جنتهم يجرى تحتها ويجرى من تحتها إِلى ما بعدها، ويجوز أَن يكون الأَكثر ينبع من تحتها ويجرى لما بعدها، والأَقل يجرى تحتها آتيا مما قبلها ولذلك كان مرة واحدة فى القرآن والعلم عند الله عز وجل، ولكل واحد من أَهل الجنة النوعان معا، وخص بتسميتهم الأَوس والخروج ومن معهم أَنصار مع اَن المهاجرين أَيضا نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأَنهم لما هاجروا نصروهم، فيسمى كل بما عامل به أَخاه، هاجروا إِلى أَهل المدينة ونصرهم أَهل المدينة، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم قسم فىءَ حنين فى أَهل مكة من قريش وغيرهم فغضب الأَنصار فقال لهم كما مر: حديث : إِنما أَعطيتهم لأُؤَلفهم يا معشر الأَنصار، أَلم يمن الله عليكم بالإِسلام وسماكم أَنصار الله وأَنصار رسوله، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأَنصار، ولو سلك الناس واديا غير واديكم لسلكت واديكم، يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول اللهتفسير : ، فقالوا: رضينا يا رسول الله، قال: حديث : أَجيبوا كلامى هذاتفسير : . فقالوا: أَخرجنا الله بك من الظلمة إِلى النور، وأَنقذتنا من شفا حفرة من النار وهديتنا من ضلال، رضينا بالله ربا وبالإِسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، فقال: حديث : لو قلتم: طردت فآويناك، وكذبت فصدقناك، وخذلت فنصرناك لصدقتمتفسير : . فقالوا: لله ورسوله المنة علينا. والآية كلها فى الصحابة. ولا يصح ما قيل إِن الذين اتبعوهم بإِحسان، هم التابعون الذين هم غير صحابة فى زمانه وبعده، لأَن غير الصحابى لا يساوى الصحابى ولا يزيد عليه، وجاءَ فى الأَثر عنه صلى الله عليه وسلم تفضيل من تمسك بدينه فى آخر الزمان على الصحابة، لأَنه لا يجد على الخير أَعوانا، وأَما حديث حديث : لا تسيئُوا أَصحابى، فلو أَن أَحدكم أَنفق مثل أُحد ذهبا ما بلغ مد أَحدهم ولا نصيفهتفسير : ، فلا دليل فيه لأَنه فى منافقين مع الصحابة أَو فى صحابة مع الصحابة الكبار. وأَما قوله: أُمتى كالمطر لا يدرى أَوله خير أَو آخره فمحمول على الأَولين بعد الصحابة، وقيل مبالغة، وفى البخارى ومسلم عن عمران ابن حصين عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"تفسير : . قال عمران: لا أَدرى أَذكر بعد قرنه قرنين أَم ثلاثة، والقرن من عشر إِلى عشرين أَو من مائة إِلى مائة وعشرين.
الالوسي
تفسير : {وَمِنَ ٱلاْعْرَابِ} أي من جنسهم الذي نعت بنعت بعض أفراده. وقيل: من الفريق المذكور {مَن يَتَّخِذُ } أي يعد {مَا يُنفِقُ} أي يصرفه في سبيل الله تعالى ويتصدق به كما يقتضيه المقام {مَغْرَمًا} أي غرامة وخسراناً من الغرام بمعنى الهلاك، وقيل: من الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير جناية، وأصله من الملازمة ومنه قيل لكل من المتداينين غريم، وإنما أعدوه كذلك لأنهم لا ينفقونه احتساباً ورجاء لثواب الله تعالى ليكون لهم مغنماً وإنما ينفقونه تقية ورئاء الناس فيكون غرامة محضة. و {مَا} في صيغة الاتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما هو باعتبار غرض المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات النفقة أعني كونها غرامة {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ} أي ينتظر بكم نوب الدهر ومصائبه التي تحيط بالمرء لينقلب بها أمركم ويتبدل بها حالكم فيتخلص مما ابتلي به {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ ٱلسَّوْء} دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به، وهو اعتراض بين كلامين كما في قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ }تفسير : [المائدة: 64] الخ، وجوز أن تكون الجملة اخباراً عن وقوع ما يتربصون به عليهم، والدائرة اسم للنائبة وهي في الأصل مصدر كالعافية والكاذبة أو اسم فاعل من دار يدور وقد تقدم تمام الكلام عليها، و {ٱلسَّوْء} في الأصل مصدر أيضاً ثم أطلق على كل ضرر وشر وقد كان وصفاً للدائرة ثم أضيفت إليه فالإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته كما في قولك: رجل صدق وفيه من المبالغة ما فيه، وعلى ذلك قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْء }تفسير : [مريم:28] وقيل: معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فالإضافة للبيان والتأكيد كما قالوا: شمس النهار ولحيا رأسه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {السوء} هنا وفي ثانية الفتح بالضم وهو حينئذ اسم بمعنى العذاب وليس بمصدر كالمفتوح وبذلك فرق الفراء بينهما. وقال أبو البقاء: السوء بالضم الضرر وهو مصدر في الحقيقة يقال: سؤته سوءا ومساءة ومسائية وبالفتح الفساد والرداءة، وكأنه يقول بمصدرية كل منهما في الحقيقة كما فهمه الشهاب من كلامه، وقال مكي: المفتوح معناه الفساد والمضموم معناه الهزيمة والضرر وظاهره كما قيل إنهما اسمان {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} بمقالاتهم الشنيعة عند الإنفاق {عَلِيمٌ} بنياتهم الفاسدة التي من جملتها أن يتربصوا بكم الدوائر، وفيه من شدة الوعيد / ما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : هذا فريق من الأعراب يُظهر الإيمان ويُنفق في سبيل الله. وإنما يفعلون ذلك تقية وخوفاً من الغزو أو حباً للمحمدة وسلوكاً في مسلك الجماعة، وهم يبطنون الكفر وينتظرون الفرصة التي تمكِّنهم من الانقلاب على أعقابهم. وهؤلاء وإن كانوا من جملة منافقي الأعراب فتخصيصهم بالتقسيم هنا منظور فيه إلى ما اختصوا به من أحوال النفاق، لأن التقاسيم في المقامات الخَطابية والمجادلات تعتمد اختلافاً مَّا في أحوال المقسّم، ولا يُعبأ فيها بدخول القسم في قسِيمه. فقوله: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً} هو في التقسيم كقوله: {أية : ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر}تفسير : [التوبة: 99]. ومعنى {يتخذ} يَعُد ويجعل، لأن اتخذ من أخوات جعل. والجعل يطلق بمعنى التغيير من حالة إلى حالة نحو جعلت الشقة برداً. ويطلق بمعنى العد والحسبان نحو {أية : وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً}تفسير : [النحل: 91] فكذلك {يَتخذ} هنا. والمَغرم: ما يدفع من المال قهراً وظُلماً، فهؤلاء الأعراب يؤتون الزكاة وينفقون في سبيل الله ويعُدون ذلك كالأتاوات المالية والرزايا يدفعونها تقية. ومن هؤلاء من امتنعوا من إعطاء الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قائلهم من طيء في زمن أبي بكر لما جاءهم الساعي لإحصاء زكاة الأنعام:شعر : فَقُولاَ لهذا المرءِ ذُو جاءَ ساعياً هَلُمَّ فإن المَشْرفيَّ الفرائض تفسير : أي فرائض الزكاة هي السيف، أي يعطون الساعي ضربَ السيف بدلاً عن الزكاة. والتربص: الانتظار. والدوائر: جمع دائرة وهي تغير الحالة من استقامة إلى اختلال. وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة} تفسير : في سورة العقود (52). والباء للسببية كقوله تعالى: {أية : نتربص به ريب المنون}تفسير : [الطور: 30] وجُعل المجرور بالباء ضمير المخاطبين على تقدير مضاف. والتقدير: ويتربص بسبب حالتكم الدوائر عليكم لظهور أن الدوائر لا تكون سبباً لانتظارِ الانقلاب بل حالهم هي سبب تربصهم أن تنقلب عليهم الحال لأن حالتهم الحاضرة شديدة عليهم. فالمعنى أنهم ينتظرون ضعفكم وهزيمتكم أو ينتظرون وفاة نبيكم فيظهرون ما هو كامن فيهم من الكفر. وقد أنبأ الله بحالهم التي ظهرت عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهم أهل الردة من العرب. وجملة: {عليهم دائرة السوء} دعاء عليهم وتحقير، ولذلك فُصلت. والدعاء من الله على خلقه: تكوين وتقدير مشوبٌ بإهانة لأنه لا يعجزه شيء فلا يحتاج إلى تمني ما يريده. وقد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : فلعنة الله على الكافرين} تفسير : في سورة البقرة (89). وقد كانت على الأعراب دائرة السوء إذ قاتلهم المسلمون في خلافة أبي بكر عام الردة وهزموهم فرجعوا خائبين. وإضافة {دائرة} إلى {السوء} من الإضافة إلى الوصف اللازم كقولهم: عِشاءُ الآخِرة. إذ الدائرة لا تكون إلا في السوء. قال أبو علي الفارسي: لو لم تضف الدائرة إلى السوء عُرف منها معنى السوء لأن دائرة الدهر لا تستعمل إلا في المكروه. ونظيره إضافة السوء إلى ذئب في قول الفرزدق:شعر : فكنتَ كذئب السَّوء حين رأى دَماً بصاحبه يوماً أحال على الدم تفسير : إذ الذئب متمحض للسوء إذ لا خير فيه للناس. والسَّوء ـــ بفتح السين ـــ المصدر، وبضمها الاسم. وقد قرأ الجمهور بفتح السين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحدهما بضم السين. والمعنى واحد. وجملة: {والله سميع عليم} تذييل، أي سميع ما يتناجون به وما يدبرونه من الترصد، عليم بما يبطنونه ويقصدون إخفاءه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 98- وبعض هؤلاء المنافقين من أهل البادية، يعتبرون الإنفاق فى سبيل اللَّه غرامة وخسراناً، لعدم اعتقادهم فى ثوابه تعالى، ويتوقعون وينتظرون أن تدور عليكم الحرب - أيها المؤمنون - ألا رَدَّ اللَّه تلك المصائب عليهم، وجعل الشر الذى ينتظرونه لكم محيطا بهم، واللَّه سميع بأقوالهم، عليم بأفعالهم ونياتهم، وبما يقترفون من آثام. 99- وليس كل الأعراب كذلك، فمنهم مؤمنون باللَّه مصدقون بيوم القيامة، يتخذون الإنفاق فى سبيل اللَّه وسيلة يتقربون بها إلى اللَّه، وسببا لدعاء الرسول لهم، إذ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، وهى لا شك قربة عظيمة توصلهم إلى ما يبتغون، فإن اللَّه سيغمرهم برحمته، لأنه الغفور للذنوب، الرحيم بخلقه. 100- والمؤمنون - الذين سبقوا إلى الإسلام - من المهاجرين والأنصار، الذين ساروا على نهجهم فأحسنوا ولم يقصروا - يرضى اللَّه عنهم، فيقبل منهم ويجزيهم خيرا، وهم كذلك يرضون ويستبشرون بما أعد اللَّه لهم من جنات تجرى الأنهار تحت أشجارها، فينعمون فيها نعيما أبديا، وذلك هو الفوز العظيم. 101- وممن يجاور المدينة من أهل البادية مَنْ يضمر الكفر ويُظهر الإيمان، ومن سكان المدينة قوم مرنوا على النفاق، حتى برعوا فيه، ستروه عن الناس حتى لقد خفى أمرهم عليك - أيها الرسول - ولكن اللَّه هو الذى يعلم حقيقتهم، وسيعذبهم فى الدنيا مرتين: مرة بنصركم على أعدائكم الذين يغيظهم، ومرة بفضيحتهم وكشف نفاقهم، ثم يردون فى الآخرة إلى عذاب النار وهولها الشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلدَّوَائِرَ} {دَآئِرَةُ} (98) - وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْ مَالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ غُرْماً وَخَسَاراً، يَحْتَمِلُونَهما مُكْرَهِينَ لأَِنَّهُمْ لاَ يَعْتَقِدُونَ فِي ثَوَابِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الجِهَادِ، وَأَعْمَالِ الخَيْرِ، وَيَنْتَظِرُونَ أَنْ تَحِلَّ بِكُمُ المَصَائِبُ وَالكَوَارِثُ، وَأَنْ تَدُورَ عَلَيْكُمُ الدَّوَائِرُ في الحَرْبِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هؤلاءِ قَائِلاً: عَلَيهِمْ هُمْ دَائِرةُ السَّوْءِ وَالبَوَارِ، وَاللهُ سَمِيعٌ لِدُعَاءِ عِبَادِهِ المُخْلِصِينَ، عَليمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الخِذْلاَنَ. مَغْرَماً - غَرَامَةً وَخَسَاراً. يَتَرَبَّصُ الدَّوَائِرَ - يَنْتَظِرُ بِكُمْ مَصَائِبَ الدَّهْرِ. عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ - الضَّرَرُ وَالشَّرُّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وعلى سبيل المثال: إذا ذهب إليهم داعية من الدعاة، وقال لهم فكرة عن الإسلام. فالواحد من هؤلاء الأعراب يدَّعي في ظاهر الأمر أنه يتبع الإسلام، وإن عُلِمَ أن في الإسلام زكاة فهو يعطي عامل الزكاة النصاب المقرر عليه، ويعتبر ما دفعه "مغرما" أي غرامة؛ لأنه أعطى النصاب وهو كاره. وما دُمْتُ كارهاً فأنت لا تؤمن بحكمته، وتظن أن ما دفعته مأخوذ منك. وتقول: "أخذوا عرقي" و "أخذوا ناتج حركتي" وأعطوه لمن لم يعرق ولم يتحرك في الحياة، متناسياً أن هذا الأخذ هو تأمين لحياتك؛ لأنك حين تعجز ستجد من يعطيك، والإسلام يأخذ منك وأنت قادر، ويعطيك إذا عجزت، وفي هذا تأمين لحياتك. وأنت تعلم أن الأشياء أعراض في الكون؛ القوة عرض، والمرض عرض، والصحة عرض، والعجز عرض، وأنت عُرْضة إن كنت قادراً أن تصير عاجزاً، وإن كنت صحيح الجسد فأنت عرضة لأن تمرض، فإذا ما طمأنك المشرع على أن أخاك العاجز حين عجز أخذنا منك له حين قدرت؛ وبذلك تواجه أنت الحياة برصيد قوي من الإيمان والشجاعة، ويبين الحق لك أنك لا تعيش وحدك، ولكنك تعيش في مجتمع متكافل، إن أصابك شيء من عجز، فقدرة الباقي هي المرجع لك. وكان الواحد من هؤلاء الأعراب يؤدي نصاب الزكاة وهو كاره ويعتبرها مَغْرماً، ومنهم من كان يتمنى أن تصيب المسلمين كارثة؛ حتى لا يأخذوا منه الزكاة، وهكذا كان الواحد منهم يتربص بالمسلمين الدوائر، مصداقاً لقول الحق: {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ}. أي يتمنى وينتظر أن يصيب المسلمين كارثة؛ فلا يأخذوا منه الزكاة التي اعتبرها مغرماً. ولماذا قال الحق: {ٱلدَّوَائِرَ}؟ نعلم أن الخطْبَ الشديد حين يصيب الإنسان أو القوم إن كان فظيعاً وقويّاً يقال: "دارت عليهم الدوائر". أي أن المصيبة أحاطت بهم؛ فلا منفذ لهم يخرجون منه، وكان بعض من الأعراب يتربصون بالمسلمين الدوائر؛ لأنهم كارهون لدفع الزكاة ويظنون أنها غرامة، ولا يستوعبون أن الزكاة تُكْتب في الميزان، وأنها تطهير ونماء للمال، وأنها حمل لعجز العاجز، إن عجز الواحد منهم؛ فسوف يجد من يحمله. والذي يتربص بكم الدوائر، ولا يفطن إلى حكمة الأخذ منه، هو الذي تأتي عليه دائرة السوء مصداقاً لقوله الحق: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}؛ لأن أيّاً منهم لم يفطن وينتبه لقيمة الوجود في المجتمع الإيماني الذي يعطي له الزكاة إن عجز، فإن تربصت الدائرة بمن يأخذ منك، ولم تفطن إلى أن من يأخذ منك يصح أن يأخذ من الغير لك؛ فسوف تأتي الدائرة عليك. وقوله الحق: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ} تبدو كأنها دعوة، ومن الذي يدعو؟ إنه الله. وهناك فرق بين أن يدعو غير قادر، وبين أن يدعو قادراً. إن كان ربنا هو من يقول: {عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ}، فدائرة السوء قادمة لهم لا محالة. وينهي الحق الآية: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، فسبحانه يسمع كلماتهم حين يأتي عامل الزكاة ليأخذ نصاب الزكاة، وكيف كانوا يستقبلونه بما يكره، وقد يكرهون في طي نفوسهم ولا يتكلمون، فإن تكلموا فالله سميع، وإن لم يتكلموا، وكتموا الكراهية في قلوبهم، فالله عليم، إذن: فهم محاصرون بعلم الله وسمعه. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه للصنف الثاني، وهم من لهم قليل من الإلف، فإن كان من أهل البادية فله أهل من الحضر، أو كان من الحضر فله أهل من البادية فيقول سبحانه: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):