Verse. 1334 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَمِنَ الْاَعْرَابِ مَنْ يُّؤْمِنُ بِاللہِ وَالْيَوْمِ الْاٰخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبٰتٍ عِنْدَ اللہِ وَصَلَوٰتِ الرَّسُوْلِ۝۰ۭ اَلَاۗ اِنَّہَا قُرْبَۃٌ لَّھُمْ۝۰ۭ سَـيُدْخِلُھُمُ اللہُ فِيْ رَحْمَتِہٖ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۹۹ۧ
Wamina alaAArabi man yuminu biAllahi waalyawmi alakhiri wayattakhithu ma yunfiqu qurubatin AAinda Allahi wasalawati alrrasooli ala innaha qurbatun lahum sayudkhiluhumu Allahu fee rahmatihi inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر» كجهينة ومزينة «ويتخذ ما ينفق» في سبيل الله «قربات» تقربه «عند الله و» وسيلة إلى «صلوات» دعوات «الرسول» له «ألا إنها» أي نفقتهم «قُرُبةٌ» بضم الراء وسكونها «لهم» عنده «سيدخلهم الله في رحمته» جنته «إن الله غفور» لأهل طاعته «رحيم» بهم.

99

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرماً، بين أيضاً أن فيهم قوماً مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنماً. واعلم أنه تعالى وصف هذا الفريق بوصفين: فالأول: كونه مؤمناً بالله واليوم الآخر، والمقصود التنبيه على أنه لا بد في جميع الطاعات من تقدم الإيمان، وفي الجهاد أيضاً كذلك. والثاني: كونه بحيث يتخذ ما ينفقه قربات عند الله وصلوات الرسول، وفيه بحثان: الأول: قال الزجاج: يجوز في القربات ثلاثة أوجه، ضم الراء، وإسكانها وفتحها. الثاني: قال صاحب «الكشاف»: قربات مفعول ثان ليتخذ، والمعنى: أن ما ينفقه لسبب حصول القربات عند الله تعالى وصلوات الرسول، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة، ويستغفر لهم. كقوله: « حديث : اللهم صل على آل أبي أوفى » تفسير : وقال تعالى:{ وَصَلّ عَلَيْهِمْ } فلما كان ما ينفق سبباً لحصول القربات والصلوات، قيل: إنه يتخذ ما ينفق قربات وصلوات. وقال تعالى: {أَلآ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } وهذا شهادة من الله تعالى للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه، وهو قوله: {أَلا } وبحرف التحقيق، وهو قوله: {إِنَّهَا } ثم زاد في التأكيد، فقال: {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ } وقد ذكرنا أن إدخال هذا السين يوجب مزيد التأكيد. ثم قال: {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لسيآتهم {رَّحِيمٌ } بهم حيث وفقهم لهذه الطاعات. وقرأ نافع {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ } بضم الراء وهو الأصل، ثم خففت نحو: كتب، ورسل، وطنب، والأصل هو الضم، والإسكان تخفيف.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} أي صدق. والمراد بنو مُقَرِّن من مُزَينة؛ ذكره المهدوِيّ. {قُرُبَاتٍ} جمع قُرْبة، وهي ما يتقرّب به إلى الله تعالى؛ والجمع قُرَب وقُرُبات وقَرَبات وقُرْبات؛ حكاه النحاس. والقُرُبات (بالضم) ما تُقرّب به إلى الله تعالى؛ تقول منه: قرّبت لله قرباناً. والقِربة بكسر القاف ما يستقي فيه الماء؛ والجمع في أدنى العدد قِرْبات وقِرِبات وقِرَبات، وللكثير قِرَب. وكذلك جمع كل ما كان على فِعْلة؛ مثلُ سِدْرة وفِقرة، لك أن تفتح العين وتكسر وتسكّن؛ حكاها الجوهري. وقرأ نافع في رواية وَرْش «قُرُبة» بضم الراء وهي الأصل. والباقون بسكونها تخفيفاً؛ مثل كُتْب ورُسْل، ولا خلاف في قربات. وحكى ٱبن سعدان أن يزيد بن القَعْقاع قرأ {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ}. ومعنى {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} ٱستغفاره ودعاؤه. والصلاة تقع على ضروب؛ فالصلاة من الله جل وعز الرحمة والخير والبركة؛ قال الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ}تفسير : [الأحزاب: 43]. والصلاة من الملائكة الدعاء، وكذلك هي من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة. {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} أي تقرّبهم من رحمة الله؛ يعني نفقاتهم.

البيضاوي

تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ} سبب {قُرُبَـٰتٍ} وهي ثاني مفعولي {يَتَّخِذِ}، وعند الله صفتها أو ظرف لـ {يَتَّخِذِ}. {وَصَلَوٰتِ ٱلرَّسُولِ} وسبب صلواته لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم، ولذلك سن للمتصدق عليه أن يدعو للمصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه كما قال صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم صِل على آل أبي أوفى»تفسير : لأنه منصبه فله أن يتفضل به على غيره. {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} شهادة من الله بصحة معتقدهم وتصديق لرجائهم على الاستئناف مع حرف التنبيه وإن المحققة للنسبة والضمير لنفقتهم وقرأ ورش {قُرْبَةٌ} بضم الراء. {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ} وعدلهم بإحاطة الرحمة عليهم والسين لتحقيقه وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لتقريره. وقيل الأولى في أسد وغطفان وبني تميم والثانية في عبد الله ذي البجادين وقومه. {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ} هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة. {وَٱلاْنصَـٰرِ} أهل بيعة العقبة الأولى. وكانوا سبعة وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة صعب بن عمير. وقرىء بالرفع عطفاً على {وَٱلسَّـٰبِقُونَ}. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} اللاحقون بالسابقين من القبيلتين، أو من اتبعوهم بالإِيمان والطاعة إلى يوم القيامة. {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم. {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية. {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} وقرأ ابن كثير «من تحتها الأنهار» كما في سائر المواضع. {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم} أي وممن حول بلدتكم يعني المدينة. {مّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ} هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها. {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} عطف على {مِمَّنْ حَوْلَكُم} أو خبر لمحذوف صفته. {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ} ونظيره في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله: شعر : أَنَا ابنُ جَلا وَطَلاَّع الثنَايَا تفسير : وعلى الأول صفة للمنافقين فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر أو كلام مبتدأ لبيان تمرنهم وتمهرهم في النفاق. {لاَ تَعْلَمُهُمْ } لا تعرفهم بأعيانهم وهو تقرير لمهارتهم فيه وتنوقهم في تحامي مواقع التهم إلى حد أخفى عليك حالهم مع كمال فطنتك وصدق فراستك. {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ونطلع على أسرارهم إن قدروا أن يلبسوا عليك لم يقدروا أن يلبسوا علينا. {سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} بالفضيحة والقتل أو بأحدهما وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} إلى عذاب النار. {وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة، وهم طائفة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سَوَاري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد على عادته فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم فقال: وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم فنزلت فأطلقهم. {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً} خلطوا الفعل الصالح الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب بآخر سيء هو التخلف وموافقة أهل النفاق، والواو إما بمعنى الباء كما في قولهم بعت الشاء شاة ودرهماً. أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أن يقبل توبتهم وهي مدلول عليها بقوله {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ }. {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } كـ(جُهينة) و(مزينة) {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } في سبيل الله {قُرُبَٰتٍ } تقرّبه {عِندِ ٱللَّهِ وَأُبَلّغُكُمْ } وسيلة إلى {صَلَوٰتِ } دعوات {ٱلرَّسُولِ } له {أَلآ إِنَّهَا } أي نفقتهم {قُرْبَةٌ } بضم الراء وسكونها {لَهُمْ } عنده {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ } جنته {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } لأهل طاعته {رَّحِيمٌ } بهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ} استغفاره لهم "ع"، أو دعاؤه.

الخازن

تفسير : قال تبارك وتعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر}. قال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة. وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينة (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أرأيتم إن كان جهينة ومزينة وأسلم وغفار خيراً من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة فقال رجل: خابوا وخسروا. قال: نعم هم خير من بني تميم وبني أسد وبني عبد الله بن غطفان ومن بني عامر بن صعصعة " تفسير : وفي رواية "حديث : أن الأقرع بن حابس قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما تابعك سراق الحجيج من أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال وجهينة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن كان أسلم وغفار ومزينة وأحسبه قال: وجهينة خيراً من بني تميم وبني عامر وأسد وغطفان قال خبوا وخسروا قال نعم"تفسير : (ق) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها"تفسير : زاد مسلم في رواية له: "حديث : أما إني لم أقلها لكن الله قالها"تفسير : (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله"تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {ويتخذ ما ينفق قربات عند الله} جمع قربة أي يطلب بما ينفق القربة إلى الله تعالى: {وصلوات الرسول} يعني ويرغبون في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم صل على آل أبي أوفى"تفسير : {ألا إنها قربة لهم} يحتمل أن يعود الضمير في إنها إلى صلوات الرسول ويحتمل أن يعود إلى الإنفاق وكلاهما قربة لهم عند الله وهذه شهادة من الله تعالى للمؤمن المتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات عند الله وصلوات الرسول له مقبولة عند الله لأن الله سبحانه وتعالى أكد ذلك بحرف التنبيه وهو قوله تعالى ألا وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى إنها قربة لهم {سيدخلهم الله في رحمته} وهذه النعمة هي أقصى مرادهم {إن الله غفور} للمؤمنين المنفقين في سبيله {رحيم} يعني بهم حيث وفقهم لهذه الطاعة. قوله سبحانه وتعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} اختلف العلماء في السابقين الأولين فقال سعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين وجماعة: هم الذين صلوا إلى القبلتين. وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر. وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان وكانت بيعة الرضوان بالحديبية. وقال محمد بن كعب القرظي هم جميع الصحابة لأنهم حصل لهم السبق بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حميد بن زياد: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم وأردت الفتن فقال: إن الله قد غفر لجميعهم محسنهم ومسيئهم وأوجب لهم الجنة في كتابه فقلت له في أي موضع أوجب لهم الجنة فقال سبحان الله ألا تقرأ والسابقون الأولون إلى آخر الآية فأوجب الله الجنة لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زاد في رواية في قوله والذين اتبعوهم بإحسان قال شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أعمالهم الحسنة دون السيئة. قال حميد: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط. واختلف العلماء في أول الناس إسلاماً بعد اتفاقهم على أن خديجة أول الخلق إسلاماً وأول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض العلماء أول من آمن بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول جابر بن عبد الله ثم اختلفوا في سنة وقت إسلامه فقيل كان ابن عشر سنين. وقيل: أقل من ذلك. وقيل: أكثر. وقيل: كان بالغاً. والصحيح، أنه لم يكن بالغاً وقت إسلامه. وقال بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس والنخعي والشعبي وقال الزهري وعروة بن الزبير: أول من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الروايات فيقول أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن العبيد زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهم فهؤلاء الأربعة سباق الخلق إلى الإسلام. قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا الناس إلى الله ورسوله وكان رجلاً محبباً سهلاً وكان أنسب قريش لقريش وأعلمها بما كان فيها وكان رجلاً تاجراً وكان ذا خلق حسن ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من يثق به من قومه فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا على يده وصلوا معه فكان هؤلاء النفر الثمانية أول من سبق الناس إلى الإسلام ثم تتابع الناس بعدهم في الدخول إلى الإسلام وأما السابقون من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وهي العقبة الأولى وكانوا ستة نفر أسعد بن زرارة وعوف ابن مالك ورافع بن مالك بن العجلان وقطبة بن عامر وجابر بن عبد الله بن رباب ثم أصحاب العقبة الثانية من العام المقبل وكانوا اثني عشر رجلاً ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلاً منهم البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة فهؤلاء سباق الأنصار ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة يعلمهم القرآن فأسلم على يده خلق كثير من الرجال والنساء والصبيان من أهل المدينة وذلك قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقيل: إن المراد بالسابقين الأولين من سبق إلى الهجرة والنصرة والذي يدل عليه أن الله سبحانه وتعالى ذكر كونهم سابقين ولم يبين بماذا سبقوا فبقي اللفظ مجملاً فلما قال تعالى من المهاجرين والأنصار ووصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً وجب صرف اللفظ المجمل إليه وهو الهجرة والنصرة والذي يدل عليه أيضاً أن الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية من حيث إن الهجرة أمر شاق على النفس لمفارقة الوطن والعشيرة وكذلك النصرة فإنها مرتبة عالية ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وآووه وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله عز وجل عليهم ومدحهم فقال سبحانه وتعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار}. قوله تعالى: {والذين اتبعوهم بإحسان} قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين فعلى هذا القول، يكون الجميع من الصحابة. وقيل: هم الذين سلكوا سبيل المهاجرين والأنصار في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة وقال عطاء هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار فيترحمون عليهم ويدعون لهم ويذكرون محاسنهم (ق) عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"تفسير : قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً (ق) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تسبوا أصحابي فلو أن أحداً"تفسير : وفي رواية "حديث : أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " تفسير : أراد بالقرن في الحديث الأول أصحابه. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم بعضاً واختلفوا في مدته من الزمان. فقيل: من عشر سنين إلى عشرين. وقيل: من مائة إلى مائة وعشرين سنة. والمد: المذكور في الحديث الثاني هو ربع صاع. والنصيف: نصفه. والمعنى: لو أن أحداً عمل مهما قدر عليه من أعمال البر والإنفاق في الحاجة. وقوله سبحانه وتعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} يعني رضي الله عن أعمالهم ورضوا عنه بما جازاهم عليها من الثواب وهذا اللفظ عام يدخل فيه كل الصحابة {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم}.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ } قال قتادة: هذه ثنية اللَّه تعالى من الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن؛ وقاله مجاهد {وَيَتَّخِذُ}؛ في الآيتين بمعنَى: يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى: ينوي بنفقته ما ذَكَره اللَّه عنهم، و{صَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِ}: دعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله: {إِنَّهَا}: يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن. وقوله سبحانه: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ...} الآية: قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره: السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين، وقال عطاء: هم مَنْ شهد بدراً. وقال الشَّعْبيُّ: من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان، {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ}: يريد: سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ: التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة: و«الأَنْصَارُ» - بالرفع -؛ عطفاً على «والسابقون»، وقرأ ابن كثير: «مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ»، وقرأ الباقون: «تَحْتَها»، بإِسقاط «مِنْ».

البقاعي

تفسير : ولما افتتح الآية الثانية بقوله: {ومن الأعراب من يؤمن} أي لا يزال يجدد إيمانه آثار الدين {بالله واليوم الآخر} علم أن القسم الأول غير مؤمن بذلك، وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من غير إذعان، والإيمان هو الأصل الذي يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما يرجى من ثوابه في اليوم الآخر الذي لولا هو انتفت الحكمة من هذا الخلق على هذا الترتيب: ثم عطف عليه ما يثمره الإيمان فقال: {ويتخذ} أي يحث نفسه ويجاهدها إن عرضت له الوساوس الشيطانية على أن يعد {ما ينفق} أي فيما أمر الله به {قربات} جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه {عند الله} أي الذي لا أشرف من القرب منه لأنه الملك الأعظم {وصلوات} أي دعوات {الرسول} أي الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئاً إلا عن الله، وأطلق القربة والصلاة على سببها. ولما أخبر عن أفعالهم، أخبر عن عاقبتهم ومآلهم؛ قال مستأنفاً محققاً لرجائهم ترغيباً في الصدقة بأبلغ تأكيد لما لأعدائهم من التكذيب: {ألا إنها} أي نفقاتهم {قربة لهم} أي كما أرادوا؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله: {سيدخلهم الله} أي الذي له صفات الكمال بوعد لا خلف فيه {في رحمته} أي إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك بقوله معبراً بالاسم الأعظم تنبيهاً على أنه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن أعظم الاجتهاد: {إن الله} أي الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره {غفور} أي بليغ الستر لقبائح من تاب {رحيم*} أي بليغ الإكرام، ذلك وصف له ثابت، يجلله كل من يستأهله. ولما ذكر القسم الصالح منهم وكانوا متفاوتين فمنهم السابق وأكثرهم التابع اللاحق، أتبعه السابقين على وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر إشارة إلى أنه - وإن أجره - أصله فقد قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في مطلق الانخراط في ملكهم والفوز بدرجتهم لإحسانه في اتباعهم ترغيباً لأهل القدرة والرحمة في اتباع أهل الرضوان والنعمة فقال: {والسابقون} ولما دل على سبقهم بالعلو في مراتبه دل على قديم دخولهم فيه فقال: {الأولون} أي إلى هذا الدين القيم {من المهاجرين} أي لدار الكفر فضلاً عن أهلها {والأنصار} أي الذين آووا ونصروا {والذين اتبعوهم} أي الفريقين {بإحسان} أي في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقهم {رضي الله} أي الذي له الكمال كله {عنهم} أي بأفعالهم هذه التي هي وفق ما أمر به {ورضوا عنه} أي بما أتاهم عنه من البشرى وقذف في قلوبهم من النور بلطيف الوعظ والذكرى {وأعد لهم} أي جزاء على فعلهم {جنات تجري} ونبه على عموم ريّها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة الجماعة فقال: {تحتها الأنهار} أي هي كثيرة المياه. فكل موضع أردته نبع منه ماء فجرى منه نهر؛ ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في إنباطه بقربه ويسر جريه وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع، ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف لأنه يخص هذه الأمة، فلعلها تخص بجنة هي أعظم الجنان رياً وحسناً وزياً. ولما كان أعظم العيوب الانقطاع، نفاه بقوله: {خالدين فيها} وأكد المراد من الخلود بقوله: {أبداً} ثم استأنف مدح هذا الذي أعده لهم بقوله: {ذلك} أي الأمر العالي المكانة خاصة {الفوز العظيم*}.

السيوطي

تفسير : أخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ‏{‏ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر‏} ‏ قال‏:‏ هم بنو مقرن من مزينة، وهم الذين قال الله {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم‏} ‏تفسير : [‏التوبة: 92‏]‏ الآية‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وصلوات الرسول‏}‏ يعني استغفار النبي صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏ومن الأعراب من يؤمن بالله‏}‏ قال‏:‏ هذه ثنية الله من الأعراب، وفي قوله ‏ {‏وصلوات الرسول‏}‏ قال‏:‏ دعاء الرسول‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ} أي من جنسهم على الإطلاق {مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ وَيَتَّخِذُ} أي يأخذ لنفسه على وجه الاصطفاءِ والادخارِ {مَا يُنفِقُ} أي ينفقه في سبـيل الله تعالى {قُرُبَـٰتٍ} أي ذرائعَ إليها وللإيذان بما بـينهما من كمال الاختصاصِ جُعل كأنه نفسُ القرُبات، والجمعُ باعتبار أنواعِ القرُباتِ أو أفرادِها، وهي ثاني مفعولَي يتخذ وقولُه تعالى: {عندَ ٱللَّهِ} صفتُها أو ظرفٌ ليتخذ {وَصَلَوٰتِ ٱلرَّسُولِ} أي وسائلَ إليها فإنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو للمتصدِّقين بالخير والبركة ويستغفرُ لهم ولذلك سُنّ للمُصدِّق أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذِ صدقتِه لكن ليس له أن يصليَ عليه كما فعله عليه الصلاة والسلام حين قال: «حديث : اللهم صلَّ على آل أبـي أوْفى» تفسير : فإن ذلك منصِبُه فله أن يتفضلَ به على من يشاء، والتعرُّضُ لوصف الإيمان بالله واليوم الآخر في الفريق الأخيرِ مع أن مساقَ الكلامِ لبـيان الفرقِ بـين الفريقين في شأن اتخاذِ ما ينفقانه حالاً ومآلاً وأن ذكرَ اتخاذِه ذريعةً إلى القربات والصلوات مغنٍ عن التصريح بذلك لكمال العنايةِ بإيمانهم وبـيانِ اتصافِهم به وزيادةِ الاعتناءِ بتحقيق الفرق بـين الفرقين من أول الأمرِ، وأما الفريقُ الأولُ فاتصافُهم بالكفر والنفاقِ معلومٌ من سياق النظم الكريمِ صريحاً {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} شهادةٌ لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه وتصديقٌ لرجائهم، والضميرُ لما ينفَق والتأنيثُ باعتبار الخبرِ مع ما مر من تعدّده بأحد الوجهين، والتنكيرُ للتفخيم المغني عن الجمع أي قربةٌ عظيمةٌ لا يُكتَنه كُنهُها. وفي إيراد الجملةِ اسميةً وتصديرِها بحرفي التنبـيةِ والتحقيقِ من الجزالة ما لا يخفى، والاقتصارُ على بـيان كونِها قربةً لهم لأنها الغايةُ القصوى وصلواتُ الرسول من ذرائعها، وقوله تعالى: {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ} وعدٌ لهم بإحاطة رحمتِه الواسعةِ بهم وتفسيرٌ للقربة كما أن قوله عز وعلا: {أية : وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : وعيدٌ للأولين عَقيبَ الدعاءِ عليهم والسينُ للدلالة على تحقق ذلك وتقررِه البتةَ وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليلٌ لتحقق الوعدِ على نهج الاستئنافِ التحقيقيّ قيل هذا في عبد اللَّه ذي البجادَيْن وقومِه، وقيل: في بني مُقَرِّنٍ من مُزينةَ وقيل: في أسلمَ وغِفارٍ وجهُينةَ. وروى أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أسلمُ وغفارٌ وشيءٌ من جُهينةَ ومُزينةَ خيرٌ عند الله يومَ القيامة من تميمٍ وأسدِ بنِ خزيمةَ وهوازِنَ وغَطَفان«

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ} [الآية: 99]. قال بعضهم: من طلب القربة إلى الله، هان عليه ما بذله فى جنب ذلك، وكيف ينال القربة إلى الله من لا يزال يتقرب إلى ما يبعده من الله وهو الدنيا.

القشيري

تفسير : تَنَوَّعُوا؛ فمنهم مَنْ غَشَّ ولم يربح، ومنهم مَنْ نَصَحَ فلم يَخْسِرْ، فأمَّا الذين مذقوا فهم في مهواةِ هوانِهم، وأما الذين صَدَقُوا ففي رَوْح إحسانهم.

البقلي

تفسير : قال تعالى {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ} يعنى مشاهدات وكشف حجاب وجاء == {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} بان مدعو لهم ويستزيد لهم مزيد قربت الله ثم قال تعالى على وجه استحسان ما انفقوا له اوليائه {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} اى انها وسيلة الى قربة الله بل من قربة الله منهم وقفهم ببذل وجودهم له ثم وصفهم بانهم سيدخلون فى حضرته وقربته وحجاب مملكته ويرونه بلا حجاب ولا عتاب بقول {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} رحمة مشاهدته ان يسترهم بكنفه عن غيره قال بعضهم من طلب القربة الى الله هان عليه ما يبذله فى جنب ذلك وكيف ينال القربة الى الله من لا يزال يتقرب الى ما يبعده من الله وهى الدنيا ثم وصف الله اهل سعادة الكبرى من سوابق زمرة الاعلى الذائقون طعم مجالس === وكان قاب قوسين او ادنى بقوله {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} اى السابقون بالارواح قبل الكون الى مشاهدة الازل بنعت المحبة والمعرة و الشوق حين اوجدها الحق من ممكن نعم واحضرها لديه على جزائر النور ومجالس السرور فلا يزال كائرات باجنحة الرضافى قضاء البقاء بنعت الفرح بالمنى فاذا تلبست باشباحها طلبت اماكنها ومعادنها فابصرت بنورها مراد تجلى القدم فسبقت اليها وسكنت بسبيل الاستقامة فى طريق المعرفة بطلب زيادة الزلفات وحقائق الوصلات قال ابن عطا السابق من سبق له فى الازل حسن عنايته فيظهر عليه فى وقت ايجاده انوار تلك السابقة فانه ما وصل اليه احد الا بعد ان سبق له فى الاول منه لطف وعناية وقال الواسطى السّباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق ثم وصف السابقين لهم فقال {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} اى ادركوهم وادركوا ما هم فيه من لطائف الكرامات وانوار المشاهدات وقوله باحسان اى باحسان الله عليهم فى الازل حيث ارشدهم طريق المعارف فأحسنوا باحسان الله واحسانهم شهودهم حضرت الله بنعت استضاء نور الايقان والايمان والعرفان ثم بين تعالى ان هذه الكرامة لهم من حسن الرضاه عنهم فى الازل بقوله {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} رضاه عنهم سابقة الاسطفائية منه لهم فى الازل فجعلهم راضين عنه بعد كشف لقائه لهم فقد اختاروا مشاهدة الله على ما سواها الى الابد قال جعفر رضى الله عنهم بما كان سبق لهم من الله من عنايته وتوفيقه ورضوا عنه بما من عليهم بمتابعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به وانفاقهم الاموال وبذلهم المهج وقال النصرابادى ما رضوا عنه حتى رضى عنهم بفضل رضاه عنهم رضوا عنه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ومن الاعراب} اى من جنسهم على الاطلاق كما فى الارشاد من اسد وجهينة وغفار واسلم كما فى التبيان {من يؤمن بالله واليوم الآخر} قال فى الروضة سمع اعرابى قوله تعالى {أية : الأعراب أشد كفراً ونفاقا} تفسير : [التوبة: 97] فانقبض ثم سمع {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر} فقال الله اكبر هجانا الله ثم مدحنا {ويتخذ ما ينفق} اى ينفقه فى سبيل الله {قربات} اى سبب قربات وذرائع اليها وهى ثانى مفعولى يتخذ {عند الله} صفتها. قال الحدادى اى يتخذ نفقته فى الجهاد تقربا الى الله تعالى فى طلب المنزلة عنده والثواب والجمع باعتبار انواع القربات وافراداها. وفيه اشارة الى الحديث القدسى "حديث : من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا " .تفسير : {وصلوات الرسول} اى وسائل اليها وسببها فانه عليه السلام كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم ولذلك سن للمتصدق عليه وهو من يأخذ الصدقة ان يدعو للمتصدق اى معطى الصدقة عند اخذ صدقته لكن ليس له ان يصلى عليه كما فعله عليه السلام حين قال "حديث : اللهم صل على آل ابى اوفى" تفسير : فان ذلك منصبه فله ان يتفضل به على من يشاء {ألا} كلمة تنبيه {إنها} اى النفقة المدلول عليها بما ينفق والتأنيث باعتبار الخير {قربة} عظيمة {لهم} اى سيقربهم الله بهذا الانفاق إذا فعلوه وهو شهادة لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه من كون ما ينفقونه فى سبيل الله سبب قربات وتصديق لرجائهم {سيدخلهم الله فى رحمته} وعدلهم باحاطة رحمته الواسعة بهم وتفسير للقربة. والسنين لتحقيق الوعد لانها فى الاثبات بمنزلة لن فى النفى. وقال الكاشفى [زود باشدكه درآرد خداى تعالى ايشانرا دربهشت خودكه محل نزول رحمتست] {ان الله غفور} [آمر زنده است مر متصدقانرا] {رحيم} [مهربانيست بر مقربان]. واعلم ان فضل الصدقة والانفاق لا يخفى على احد -حكى- انه وقع القحط فى بنى اسرائيل فدخل فقير سكة من السكك وكان فيها بيت غنى فقال تصدقوا على لاجل الله فاخرجت اليه بنت الغنى خبزا حارا فاستقبله الغنى فقال من دفع اليك هذا الخبز فقال ابنة من هذا البيت فدخل وقطع يد ابنته اليمنى فحول الله حاله فافتقر ومات فقيرا ثم ان شابا غنيا استحسن الابنة لكونها حسناء فتزوجها وادخلها داره فلما جن الليل احضرت مائدة فمدت اليد اليسرى فقال الغنى سمعت ان الفقراء يكونون قليلى الادب فقال مدى يدك اليمنى فمدت اليسرى ثانيا وثالثا فهتف بالبيت هاتف اخرجى يدك اليمنى فالرب الذى اعطيت الخبز لاجله رد عليك يدك اليمنى فاخرجت يدها اليمنى بامر الله تعالى واكلت كذا فى روضة العلماء ففى الحكاية ان من آتاه الله تعالى نعمة فلم يؤد شكرها عوقب بزوالها ألا ترى الى بلعم لم يشكر نعمة الاسلام فقبضه الله على ملة الكفر كما فى منهاج العابدين فان من طلب رضى الله تعالى فى كل فعل وترك جبر الله كسره وان الاكل باليسرى خلاف الادب فان الشيطان يأكل بيساره الا ان يكون معذورا بسبب من الاسباب: وفى المثنوى شعر : كفت بيغمبر كه دائم بهر بند دوفرشته خوش منادى ميكنند[1] كاى خدايا منفقانرا سيردار هردرمشان را عوض ده سد هزار اى خدايا ممسكانرا درجهان تومده الازيان اندر زيان آن درم داذن سخى را لائق است جان سبردن خود سخاى عاشق است[2] نان دهى ازبهر حق نانت دهند جان دهى ازبهر حق جانت دهند هركه كارد كزدد انبارش تهى ليكش اندر مزرعه باشد بهى وانكه در انبار ماند وصرفه كرد اسبش وموش وحوادثها اش خورد تفسير : قيل ما منع مال من حق الا ذهب فى باطل اضعافه قال على رضى الله عنه فرض فى اموال الاغنياء اقوات الفقراء فما جاع فقير الا بما منع غنى والله سائلهم عن ذلك

الطوسي

تفسير : قرأ ورش واسماعيل {قربة} بضم الراء، اتبع الضمة التي قبلها. وقال ابو علي: لا يجوز ان يكون اتباعاً لما قبله لأن ذلك إنما يجوز في الوقف آخر الكلم وإنما الضمة فيها الأصل، وإنما خففت في قولهم: رسل وطنب، فقالوا: رسل وطنب فاذا جمع فلا يجوز فيه غير ضم الراء، لأن الحركة الأصلية لا بد من ردها في الجمع. لما ذكر الله تعالى ان من جملة الأعراب من يتخذ انفاقه في سبيل الله مغرماً ذكر ان من جملتهم ايضاً {من يؤمن بالله} اي يصدق به وباليوم الآخر يعني يوم القيامة وانه يتخذ ما ينفقه في سبيل الله قربات عند الله. قال الزجاج: يجوز في {قربات} ثلاثة اوجه - ضم الراء وإسكانها وفتحها - وما قرىء إلا بالضم، والقربة هي طلب الثواب والكرامة من الله تعالى بحسن الطاعة، وهي تدني من رحمة الله والتقدير انه يتخذ نفقته وصلوات الرسول اي دعاءه له قربة إلى الله. وقال ابن عباس والحسن: معنى وصلوات الرسول استغفاره لهم، وقال قتادة: معناه دعاؤه بالخير والبركة قال الاعشى: شعر : تقول بنتي وقد قرّبت مرتحلا يا ربّ جنب ابي الاوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فان لجنب المرء مضطجعاً تفسير : ثم قال {ألا إنها} يعني صلوات الرسول {قربة لهم} اي تقربهم إلى ثواب الله. ويحتمل ان يكون المراد ان نفقتهم قربة إلى الله. وقوله {سيدخلهم الله في رحمته} وعد منه لهم بان يرحمهم ويدخلهم فيها، وفيه مبالغة، فان الرحمة وسعتهم وغمرتهم، ولو قال فيهم رحمة الله لأفاد انهم اتسعوا للرحمة من الله تعالى وقوله {إن الله غفور رحيم} معناه إنه يستر كثيراً على العصاة ذنوبهم ولا يفضحهم بها لرحمته بخلقه {وغفور رحيم} جميعاً من الفاظ المبالغة فيما وصف به نفسه من المغفرة والرحمة.

الجنابذي

تفسير : {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ} لمّا كان قوله الاعراب اشدّ كفراً مقدّمة للتّفصيل الّذى بعده حكم فيه على الجنس للاشعار بانّه سجيّتهم ولازمهم، ليكون مذمومهم اشدّ ذمّاً وممدوحهم ابلغ مدحاً، وكرّر لفظ الاعراب ليكون تصويراً لهم بما وصفوا به من السّجيّة الخبيثة ليكون فى الذّمّ والمدح أبلغ {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} سبب دعواته لانّه (ص) كان يدعو للمصدّق بحسب الامر الآلهىّ بقوله: اللّهمّ صلّ عليه {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} لمّا صار المقام مظنّة السّؤال عن انّها قربة ام لا؟ وهل يكون سبباً لصلوات الرّسول (ص)؟ وهل يجاب الرّسول (ص) فى حقّهم ام لا؟ اتى بالجملة المذكورة مقطوعة عن سابقها مؤكّدة مصدّرة باداة الاستفتاح {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} تصديق بسبيّة انفاقهم لدعاء الرّسول (ص) واجابة الله له (ص) فى حقّهم، والسّين امّا للتّأكيد او للتّسويف {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليل لتأكيد الوعد وتحقيقه.

اطفيش

تفسير : {ومِنَ الأعْرابِ مَنْ يُؤمنُ باللهِ واليَوم الآخِرِ} قال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة، وهم ستة على المشهور، وقيل: ثلاثة، وقيل: سبعة، وقيل: عشرة، روى عن عبد الرحمن بن معقل ابن مقرن: إنا كنا عشرة ولد مقرن، فنزلت فينا: {ومن الأعراب من يؤمن بالله} الآية، قال بعضهم: أراد بالعشرة أولاد مقرن الستة أو السبعة، وأولادهم، وقيل: عبد الله ذو البجادين ورهطه، وسمى بذلك لأنه حين أراد المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شقت له أمه بجادا، وهو كساء باثنين، فاتزر بواحد وارتدى بالآخر، وقيل: منعه بعض قومه، فبقى فى واحد فشقه كذلك حين قرب المدينة وهو المشهور، وقد ذكرته فى غير هذا الموضع، ومات فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم. وقال الكلبى: أسلم وغفار وجهينة، وعن أبى هريرة: هؤلاء ومزينة، وفى الحديث عنه: حديث : أن تلك الفرق الأربع خير بنى تميم، وبنى أسد، وغطفان، وبنى عامر بن صعصعة، وأنه صلى الله عليه وسلم قال: "أسلم سلمها الله، وغفار غفر الله لها، أما أنا لم أقبلها لكن الله قالها" تفسير : وقال: "حديث : قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأسلم وأشجع، وغفار موال ليس لهم مولى دون الله ورسوله ". تفسير : {ويتَّخذُ ما ينْفقُ} فى الجهاد ومن الزكاة {قُرُباتٍ} سبب قربات جمع قربة بضم الراء كالقاف، أو قربة بإسكانها، وعليه فضمة الراء فى جمعه تبعا للقاف لجواز اتباع العين للفاء فى الجمع بألف، وتاء الاسم غير الصفة الثلاثى السالم العين من تضعيف، وجر اعتلال الساكن العين المؤنث مختوما بتاء التأنيث، أو مجرد، ولغة هذيل الاتباع أيضا فيما إذا كان قبل حرف العلة فتحة وهو مفعول ثان. {عِنْد اللهِ} نعت لقربات، أو متعلق بيتخذ، ومعنى الضدية أنك إذا تقربت إلى شىء فقد حصلت لك قربة بحضرته، {وصَلَواتِ الرَّسُول} أى أدعيته بخير الدنيا والآخرة، حديث : وكان صلى الله عليه وسلم يدعو للمتصدقين حين أخذ صدقاتهم ويستغفر لهم كقوله: "اللهم صلى على آل أبى أوفى" تفسير : أى ارحمهم، وذلك سنة، ولكن لا يدعو غيره بلفظ الصلاة، ويأتى فيه كلام إن شاء الله، ولا يدعو بالجنة لمن لا يتولاه، والعطف على قربات، أى وسبب صلوات الرسول، أو على ما، والأول أرجح وحقق الله رجاءهم بقوله: {ألاَ إنَّها} أى نفقتهم المدلول عليها بذكر الإنفاق، وأن عطف الصلوات على ما فالأنسب عود الضمير للصلوات، وأزال الغفلة بألا وأكد بها، وبأن {قُربةٌ لَهم} وقرأ ورش بضم الراء وهو الأشهر عن نافع، وسكنها الباقون، واختلف عن عاصم والأعمش وهما لغتان {سَيُدخِلهم اللهُ فى رحْمتِه} وعد بإحاطة الرحمة بهم، والسين لتأكيده على ما مر من جار الله، وقرره بقوله: {إنَّ اللهَ غَفُورٌ} للمؤمنين المنفقين {رَحيمٌ} بهم إذ وفقهم للطاعة.

الالوسي

تفسير : {وَمِنَ ٱلاْعْرَابِ} أي من جنسهم على الإطلاق {مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ} على الوجه المأمور به {وَيَتَّخِذُ} على وجه الاصطفاء والاختيار {مَا يُنفِقُ} في سبيل الله تعالى {قُرُبَـٰتٍ} جمع قربة بمعنى التقرب، وهو مفعول ثان ليتخذ، والمراد اتخاذ ذلك سبباً للتقرب على التجوز في النسبة أو التقدير، وقد تطلق القربة على ما يتقرب به والأول اختيار الجمهور، والجمع باعتبار الأنواع والأفراد، وقوله سبحانه: {عَندَ ٱللَّهِ} صفة {قُرُبَـٰتٍ} أو ظرف ليتخذ. وجوز أبو البقاء كونه ظرفاً لقربات على معنى مقربات عند الله تعالى. وقوله تعالى: {وَصَلَوٰتِ ٱلرَّسُولِ} عطف على {قُرُبَـٰتٍ} أي وسبباً لدعائه عليه الصلاة والسلام فإنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، ولذلك يسن للمتصدق عليه أن يدعو للمتصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه، فقد قالوا: لا يصلى على غير الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام إلا بالتبع لأن في الصلاة من التعظيم ما ليس في غيرها من الدعوات وهي لزيادة الرحمة والقرب من الله تعالى فلا تليق بمن يتصور منه الخطايا والذنوب ولاقت عليه تبعاً لما في ذلك من تعظيم المتبوع. واختلف هل هي مكروهة تحريماً أو تنزيهاً أو خلاف الأولى؟ صحح النووي في «الأذكار» الثاني، لكن في خطبة «شرح الأشباه» للبيري من صلى على غيرهم أثم وكره وهو الصحيح. وما رواه الستة غير الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم صل على آل أبـي أوفى»تفسير : لا يقوم حجة على المانع لأن ذلك كما في «المستصفى» حقه عليه الصلاة والسلام فله أن يتفضل به على من يشاء ابتداءاً وليس الغير كذلك. وأما السلام فنقل اللقاني في «شرح جوهرة التوحيد» عن الإمام الجويني أنه في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء والملائكة عليهم السلام فلا يقال: عليّ عليه السلام بل يقال: رضي الله تعالى عنه، وسواء في هذا الأحياء والأموات إلا في الحاضر فيقال: السلام أو سلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى، أقول: ولعل من الحاضر «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» و «سلام عليكم دار قوم مؤمنين» وإلا فهو مشكل. والظاهر أن العلة في منع السلام ما قاله النووي في علة منع الصلاة من أن ذلك شعار أهل البدع وأنه مخصوص في لسان السلف بالأنبياء والملائكة عليهم السلام كما أن قولنا: عز وجل مخصوص بالله سبحانه فلا يقال محمد عز وجل وإن كان عزيزاً جليلاً صلى الله عليه وسلم، ثم قال اللقاني: وقال القاضي عياض ((الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان، [وروي عن ابن عباس] واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبـي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالصلاة والتسليم (كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه ويذكر من سواهم [من الأئمة وغيرهم] بالغفران والرضا كما قال تعالى: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } تفسير : [المائدة: 119] {أية : يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ }تفسير : [الحشر: 10] وأيضاً (فهو أمر) لم يكن [معروفاً] في الصدر الأول وإنما أحدثته الرافضة [والمتشيعة] في بعض الأئمة والتشبيه بأهل البدع منهى عنه فتجب مخالفتهم)) انتهى، ولا يخفى أن مذهب الحنابلة جواز ذلك في غير الأنبياء والملائكة عليهم السلام استقلالاً عملاً بظاهر الحديث السابق، وكراهة التشبه بأهل البدع مقررة عندنا أيضاً لكن لا مطلقاً بل في المذموم وفيما قصد به التشبه بهم كما ذكره الحصكفي في «الدر المختار» فافهم. ثم التعرض لوصف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في هذا الفريق مع أن مساق الكلام / لبيان الفرق بين الفريقين في بيان شأن اتخاذ ما ينفقانه حالاً ومآلاً وأن ذكر اتخاذه سبباً للقربات والصلوات مغن عن التصريح بذلك لكمال العناية بإيمانهم وبيان اتصافهم به وزيادة الاعتناء بتحقق الفرق من أول الأمر، وأما الفريق الأول فاتصافهم بالكفر والنفاق معلوم من سياق النظم الكريم صريحاً. وجوز عطف {وَصَلَوٰتِ} على {مَا يُنفِقُ} وعليه اقتصر أبو البقاء أي يتخذ ما ينفق وصلوات الرسول عليه الصلاة والسلام قربات. {أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ} شهادة لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه وتصديق لرجائهم، والضمير إما للنفقة المعلومة مما تقدم أو ـ لما ـ التي هي بمعناها فهو راجع لذلك باعتبار المعنى فلذا أنث أو لمراعاة الخبر. وجوز ابن الخازن رجوعه للصلوات والأكثرون على الأول، وتنوين {قُرْبَةٌ} للتفخيم المغني عن الجمع أي قربة لا يكتنه كنهها، وفي إيراد الجملة اسمية بحرفي التنبيه والتحقيق من الجزالة ما لا يخفى. والاقتصار على بيان كونها قربة لهم لأنها الغاية القصوى وصلوات الرسول عليه الصلاة والسلام من ذرائعها وقرىء {قُرْبَةٌ} بضم الراء للاتباع. {سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ} وعد لهم بإحاطة رحمته سبحانه بهم كما يشعر بذلك {فِي} الدالة على الظرفية وهو في مقابلة الوعيد للفرقة السابقة المشار إليه بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } تفسير : [التوبة: 98] وفيه تفسير للقربة أيضاً، والسين للتحقيق والتأكيد لما تقدم أنها في الإثبات في مقابلة لن في النفي، وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تقرير لما تقدم كالدليل عليه، والآية كما أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وغيرهم عن مجاهد نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال الكلبـي: في أسلم. وغفار. وجهينة وقيل: نزلت التي قبلها في أسد وغطفان وبني تميم وهذه في عبد الله ذي البجادين بن نهم المزني رضي الله تعالى عنه.

ابن عاشور

تفسير : هؤلاء هم المؤمنون من الأعراب وفَّاهم الله حقهم من الثناء عليهم، وهم أضداد الفريقين الآخَرين المذكورين في قوله: {أية : الأعراب أشد كفراً ونفاقاً}تفسير : [التوبة: 97] ـــ وقوله ـــ {أية : ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مَغرماً}تفسير : [التوبة: 97]. قيل: هم بنو مُقَرّن من مزينة الذين نزل فيهم قوله تعالى: {أية : ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم}تفسير : [التوبة: 92] الآية كما تقدم. ومن هؤلاء عبد الله ذو البجادين المزَني ـــ هو ابن مغفل ـــ. والإنفاق هنا هو الإنفاق هناك. وتقدم قريباً معنى {يتخذ}. و{قربات} ـــ بضم القاف وضم الراء ـــ: جمع قربة بسكون الراء. وهي تطلق بمعنى المصدر، أي القرب وهو المراد هنا، أي يتخذون ما ينفقون تقرباً عند الله. وجَمْع قربات باعتبار تعدد الإنفاق، فكل إنفاق هو قربة عند الله لأنه يوجب زيادة القرب. قال تعالى: {أية : يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيُّهم أقرب}تفسير : [الإسراء: 57]. فــ {قربات} هنا مجاز مستعمل في رضى الله ورفع الدرجات في الجنة، فلذلك وصفت بــ {عند} الدالة على مكان الدنو. و(عند) مجاز في التشريف والعناية، فإن الجنة تشبّه بدار الكرامة عند الله. قال تعالى: {أية : إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر}تفسير : [القمر: 54، 55]. و{وصلوات الرسول} دعواته. وأصل الصلاة الدعاء. وجمعت هنا لأن كل إنفاق يقدمونه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لهم بسببه دعوة، فبتكرر الإنفاق تتكرر الصلاة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على كل من يأتيه بصدقته وإنفاقه امتثالاً لما أمره الله بقوله: {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم}تفسير : [التوبة: 103]. وجاء في حديث ابن أبي أوفَى أنه لما جاء بصدقته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم صل على آل أبي أوْفَى»تفسير : . ويجوز عطف {صلوات الرسول} على اسم الجلالة معمولاً لـــ {عند}، أي يتخذون الإنفاق قربة عند صلوات الرسول، أي يجعلونه تقرباً كائناً في مكان الدنو من صلوات الرسول تشبيهاً للتسبب في الشيء بالاقتراب منه، أي يجعلون الإنفاق سبباً لدعاء الرسول لهم. فظرف (عند) مستعمل في معنيين مجازيين. ويجوز أن يكون {وصلوات الرسول} عطفاً على {قربات عند الله}، أي يتخذ ما ينفق دعوات الرسول. أخبر عن الإنفاق باتخاذه دعوات الرسول لأنه يتوسل بالإنفاق إلى دعوات الرسول إذ أمر بذلك في قوله تعالى: {أية : وصل عليهم}تفسير : [التوبة: 103]. وجملة: {ألا إنها قربة لهم} مستأنفة مسوقة مساق البشارة لهم بقبول ما رجوه. وافتتحت الجملة بحرف الاستفتاح للاهتمام بها ليعيها السامع، وبحرف التأكيد لتحقيق مضمونها، والضمير الواقع اسم (إنَّ) عائد إلى ما (ينفق) باعتبار النفقات. واللام للاختصاص، أي هي قربة لهم، أي عند الله وعند صلوات الرسول. وحذف ذلك لدلالة سابق الكلام عليه. وتنكير {قربة} لعدم الداعي إلى التعريف، ولأن التنكير قد يفيد التعظيم. وجملة: {سيدخلهم الله في رحمته} واقعة موقع البيان لجملة {إنها قربة لهم}، لأن القربة عند الله هي الدرجات العلى ورضوانه، وذلك من الرحمة. والقربة عند صلوات الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة صلاته. والصلاة التي يدعو لهم طلب الرحمة، فمآل الأمرين هو إدخال الله إياهم في رحمته. وأوثر فعل الإدخال هنا لأنه المناسب للكون في الجنة، إذ كثيراً ما يقال: دخل الجنة. قال تعالى: {أية : وادخلي جنتي}تفسير : [الفجر: 30]. وجملة: {إن الله غفور رحيم} تذييل مناسب لما رجوه وما استجيب لهم. وأثبت بحرف التأكيد للاهتمام بهذا الخبر، أي غفور لما مضى من كفرهم، رحيم بهم يفيض النعم عليهم. وقرأ الجمهور {قرْبة} بسكون الراء، وقرأه ورش وحده بضم الراء لاتباع القاف.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآخِرِ} {قُرُبَاتٍ} {وَصَلَوَاتِ} (99) - وَهُنَاكَ مِنَ الأَعْرَابِ جَمَاعَةٌ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَيَعُدُّونَ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْ مَالٍ فِي سَبيلِ اللهِ، قُرْبَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللهِ، وَيَبْتَغُونَ بِهَا دُعَاءَ الرَّسُولِ لَهُمْ (وَصَلَوَاتُ الرَّسُولِ) لأَِنَّهُ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، كَانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ قَبِلَ هذِهِ النَّفَقَةَ مِنْهُمْ، وَسَتَكُونُ قُرْبةً عَظِيمَةً لَهُمْ عِنْدَهُ، وَسَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَسَيَغْفِرُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، وَسَيَرْحَمُهُمْ لأَِنَّهُ تَعَالَى كَثيرُ الغُفْرَانِ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ. صَلَوَاتُ الرَّسُولِ - دَعَوَاتُ الرَّسُولِ وَاسْتِغْفَارُهُ لِلْمُنْفِقِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومن هؤلاء من يؤمن بالله، ويؤمن باليوم الآخر، وما ينفقه من زكاة أو صدقة فهو يتخذه قربى إلى الله الذي آمن به، وكنزاً له في اليوم الآخر، و "قربى": أي: شيء يقربه إلى الله؛ يدخره له في اليوم الآخر، وقوله الحق: {وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ} أي: يجعل ما ينفق قربة إلى الله وكذلك طلباً لدعاء الرسول؛ لأن الصلاة في الأصل هي الدعاء، فساعة يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة للمسلمين الضعاف ممن يعتبرها قربة، فهو صلى الله عليه وسلم يدعو له. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم اغفر لآل أبي أوفى، وبارك لهم "تفسير : . وقد دعا بذلك حين جاء له ما تزكى وتصدق به بنو أبي أوفى، ودعوة الرسول مجابة إلا ما قال الله إنه سبحانه لا يجيبه لحكمة. ولقائل أن يقول ألا يعلم من يقدم الزكاة والصدقة قربى، أنه سبحانه غير مستفيد من هذا العمل؟ ألا يعلم أنها قربى له شخصيّاً؟ نعم إنه يعلم، ويعلم أن الله يثيبه على أمر ينتفع به الفقراء، وفي هذه إشارة إلى أن كل تكليف من الله إنما يعود نفعه إلى المكلَّف لا إلى المكلِّف. وما دام العائد إلى المكلَّف؛ فالله يدعو لصالح ذاتك وإلى خير لك. ومن اعتبرها قربى إلى الله يأت لهم القول الحق: {أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} وقد قال ذلك للأعراب الذين أنفقوا قربى لله، وطمعاً في دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم، فأوضح لهم سبحانه أنها قربى لهم؛ لأنهم المنتفعون بها، وأنه سيدخلهم في رحمته. ورحمة الله هي نعيم مقيم، وهي دائمة وباقية ببقاء الله الذي لا يُحَدّ، أما الجنة فباقية وخالدة. بإبقاء الله لها. إذن: فدخولك في رحمة الله أعلى من دخولك جنته. فحين يقال: "دخل في الرحمة" فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى ما لا نهاية. وحينما يسمع أي أعرابي قول الحق: {وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ}؛ فعندما سمع الأعرابي هذه الآية جلس يحدث نفسه بالعطاءات الإلهية. فيكبح جماح خطرات السوء في نفسه، أو بالزلات أو بالهفوات التي قد ينطق بها، وقد يقول الأعرابي لنفسه: إني أخاف ألا يغفر الله الخطرات أو السيئات والهفوات، فتأتي الآية مطمئنة له ما دام قد فعل السيئة بغفلة أو بسهو، وعليه أن يعلم أن الله غفور رحيم، ولا داعي أن يعكر على نفسه بالظن بأنه لن يدخل في رحمة الله. لذلك جاء سبحانه بالقول: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لعل واحداً ممن يسمع هذا؛ يظن أن الجزاء والقربى والدخول في رحمة الله خاصٌّ بمن لم يذنب ذنباً أبداً، فيوضح له القول: اطمئن. إن كانت قد حصلت منك هفوة أو غفلة، فاعلم أن الله غفور رحيم، فلا يعكر عليك ذنبك إيمانك بأنك سوف تدخل في رحمة الله. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ ...}.