٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
100
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما ذكر فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وصلوات الرسول، وما أعد لهم من الثواب، بين أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها، وهي منازل السابقين الأولين. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم؟ وذكروا وجوهاً: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً وعن الشعبي هم الذين بايعوا بيعة الرضوان. والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة، وفي النصرة، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا فبقي اللفظ مجملاً إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصاراً وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ، وأيضاً فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره من هذه الطاعة، وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك السبق في النصرة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة، فازوا بمنصب عظيم، فلهذه الوجوه يجب أن يكون المراد والسابقون الأولون في الهجرة. إذا ثبت هذا فنقول: إن أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر، لأنه كان في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان مصاحباً له في كل مسكن وموضع، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره، وعلي بن أبي طالب، وإن كان من المهاجرين الأولين إلا أنه إنما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا شك أنه إنما بقي بمكة لمهمات الرسول إلا أن السبق إلى الهجرة إنما حصل لأبي بكر، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر، فإذا ثبت هذا صار أبو بكر محكوماً عليه بأنه رضي الله عنه، ورضي هو عن الله، وذلك في أعلى الدرجات من الفضل. وإذا ثبت هذا وجب أن يكون إماماً حقاً بعد رسول الله، إذ لو كانت إمامته باطلة لاستحق اللعن والمقت، وذلك ينافي حصول مثل هذا التعظيم، فصارت هذه الآية من أدل الدلائل على فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وعلى صحة إمامتهما. فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من سبق إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، لأن هؤلاء آمنوا، وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف. فقوي الإسلام بسببهم، وكثر عدد المسلمين بسبب إسلامهم، وقوي قلب الرسول بسبب دخولهم في الإسلام واقتدى بهم غيرهم، فكان حالهم فيه كحال من سن سنة حسنة فيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؟ ثم نقول: هب أن أبا بكر دخل تحت هذه الآية بحكم كونه أول المهاجرين، لكن لم قلتم أنه بقي على تلك الحالة؟ ولم لا يجوز أن يقال: إنه تغير عن تلك الحالة، وزالت عنه تلك الفضيلة بسبب إقدامه على تلك الإمامة؟ والجواب عن الأول: أن حمل السابقين على السابقين في المدة تحكم لا دلالة عليه، لأن لفظ السابق مطلق، فلم يكن حمله على السبق في المدة أولى من حمله على السبق في سائر الأمور، ونحن بينا أن حمله على السبق في الهجرة أولى. قوله: المراد منه السبق في الإسلام. قلنا: السبق في الهجرة يتضمن السبق في الإسلام، والسبق في الإسلام لا يتضمن السبق في الهجرة، فكان حمل اللفظ على السبق في الهجرة أولى. وأيضاً فهب أنا نحمل اللفظ على السبق في الإيمان، إلا أنا نقول: قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ } صيغة جمع فلا بد من حمله على جماعة، فوجب أن يدخل فيه علي رضي الله عنه وغيره، وهب أن الناس اختلفوا في أن إيمان أبي بكر أسبق أم إيمان علي؟ لكنهم اتفقوا على أن أبا بكر من السابقين الأولين، واتفق أهل الحديث على أن أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد، فعلى هذا التقدير: يكون أبو بكر من السابقين الأولين، وأيضاً قد بينا أن السبق في الإيمان إنما أوجب الفضل العظيم من حيث إنه يتقوى به قلب الرسول عليه السلام، ويصير هو قدوة لغيره، وهذا المعنى في حق أبي بكر أكمل، وذلك لأنه حين أسلم كان رجلاً كبير السن مشهوراً فيما بين الناس، واقتدى به جماعة من أكابر الصحابة رضي الله عنهم، فإنه نقل أنه لما أسلم ذهب إلى طلحة والزبير وعثمان بن عفان، وعرض الإسلام عليهم، ثم جاء بهم بعد أيام إلى الرسول عليه السلام، وأسلموا على يد الرسول عليه السلام، فظهر أنه دخل بسبب دخوله في الإسلام قوة في الإسلام، وصار هذا قدوة لغيره، وهذه المعاني ما حصلت في علي رضي الله عنه، لأنه في ذلك الوقت كان صغير السن، وكان جارياً مجرى صبي في داخل البيت، فما كان يحصل بإسلامه في ذلك الوقت مزيد قوة للإسلام، وما صار قدوة في ذلك الوقت لغيره، فثبت أن الرأس والرئيس في قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ } ليس إلا أبا بكر، أما قوله لم قلتم إنه بقي موصوفاً بهذه الصفة بعد إقدامه على طلب الإمامة؟ قلنا: قوله تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } يتناول جميع الأحوال والأوقات بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه. فيقال رضي الله عنهم إلا في وقت طلب الإمامة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ. أو نقول: إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم، وهو قوله: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ } معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتب المعلول عليها، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلاً في جميع مدة وجودهم، أو نقول: إنه تعالى قال: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار وهو خلاف الظاهر. وأيضاً فعلى هذا التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح، وبين سائر الفرق فرق، لأنه تعالى: {أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، لو صاروا مؤمنين، ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال. فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر، وعلى صحة القول بإمامته قطعاً. المسألة الثانية: اختلفوا في أن المدح الحاصل في هذه الآية هل يتناول جميع الصحابة أم يتناول بعضهم؟ فقال قوم: إنه يتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، وعلى هذا فهو لا يتناول إلا قدماء الصحابة، لأن كلمة {مِنْ } تفيد التبعيض، ومنهم من قال: بل يتناول جميع الصحابة، لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة {مِنْ } في قوله: {مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ } ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأولون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً كما في قوله تعالى: { أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَـٰنِ } تفسير : [الحج: 30] وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول، روي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب الرسول عليه السلام فيما كان بينهم، وأردت الفتن، فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله! ألا تقرأ قوله تعالى: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ } إلى آخر الآية؟ فأوجب الله لجميع أصحاب النبي عليه السلام الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً شرطه عليهم. قلت: وما ذاك الشرط؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان في العمل، وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدوا بهم في غير ذلك، أو يقال: المراد أن يتبعوهم بإحسان في القول، وهو أن لا يقولوا فيهم سوءا، وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه. قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط!. المسألة الثالثة: روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقرأ {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } فكان يعطف قوله: {الأنصار} على قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ } وكان يحذف الواو من قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } ويجعله وصفاً للأنصار، وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقرأ هذه الآية على هذا الوجه. قال أبي: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوجه، وإنك لتبيع القرظ يومئذ ببقيع المدينة، فقال عمر رضي الله عنه: صدقت، شهدتم وغبنا، وفرغتم وشغلنا، ولئن شئت لتقولن نحن أوينا ونصرنا. وروي أنه جرت هذه المناظرة بين عمر وبين زيد بن ثابت واستشهد زيد بأبي بن كعب، والتفاوت أن على قراءة عمر، يكون التعظيم الحاصل من قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ } مختصاً بالمهاجرين ولا يشاركهم الأنصار فيها فوجب مزيد التعظيم للمهاجرين، والله أعلم. وروي أن أبيا احتج على صحة القراءة المشهورة بآخر الأنفال وهو قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 75] بعد تقدم ذكر المهاجرين والأنصار في الآية الأولى، وبأواسط سورة الحشر وهو قوله: { أية : وَٱلَّذِينَ جاؤوا مّن بَعْدِهِمْ } تفسير : [الحشر: 10] وبأول سورة الجمعة وهو قوله: { أية : وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } تفسير : [الجمعة: 3]. المسألة الرابعة: قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ } مرتفع بالابتداء وخبره قوله: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } ومعناه: رضي الله عنهم لأعمالهم وكثرة طاعاتهم، ورضوا عنه لما أفاض عليهم من نعمه الجليلة في الدين والدنيا، وفي مصاحف أهل مكة {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } وهي قراءة ابن كثير، وفي سائر المصاحف {تَحْتِهَا } من غير كلمة {مِنْ }. المسألة الخامسة: قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: يريد، يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم، ويذكرون محاسنهم، وقال في رواية أخرى والذين اتبعوهم بإحسان على دينهم إلى يوم القيامة، واعلم أن الآية دلت على أن من اتبعهم إنما يستحقون الرضوان والثواب، بشرط كونهم متبعين لهم بإحسان، وفسرنا هذا الإحسان بإحسان القول فيهم، والحكم المشروط بشرط، ينتفي عند انتفاء ذلك الشرط، فوجب أن من لم يحسن القول في المهاجرين والأنصار لا يكون مستحقاً للرضوان من الله تعالى، وأن لا يكون من أهل الثواب لهذا السبب، فإن أهل الدين يبالغون في تعظيم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطلقون ألسنتهم في اغتيابهم وذكرهم بما لا ينبغي.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ لما ذكر جل وعز أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين، وأثنى عليهم. وقد ٱختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم. ونحن نذكر من ذلك طرفاً نبيّن الغرض فيه إن شاء الله تعالى. وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ «والأنصارُ» رفعا عطفاً على السابقين. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه؛ لأن السابقين منهما. والأنصار ٱسم إسلامي. قيل لأنس بن مالك: أرأيت قول الناس لكم: الأنصار، ٱسم سماكم الله به أم كنتم تُدْعَوْنَ به في الجاهلية؟ قال: بل ٱسم سمانا الله به في القرآن؛ ذكره أبو عمر في الإستذكار. الثانية ـ نص القرآن على تفضيل السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين؛ في قول سعيد بن المسيّب وطائفة. وفي قول أصحاب الشافعيّ هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحُدَيْبِيَة؛ وقاله الشعبيّ. وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار: هم أهل بدر. وٱتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأوّلين من غير خلاف بينهم. وأما أفضلهم وهي: الثالثة ـ فقال أبو منصور البغداديّ التميمي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون ثم أصحاب أُحُد ثم أهل بيعة الرضوان بالحُدَيْبِيَة. الرابعة ـ وأما أوّلهم إسلاماً فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ٱبن عباس مَن أوّل الناس إسلاماً؟ قال أبو بكر، أو ما سمعت قول حسان:شعر : إذا تذكّرتَ شَجْواً من أخي ثقة فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلاَ خيرَ البرية أتقاها وأعدلها بعد النبيّ وأوفاها بما حَملاَ الثانِيَ التالِيَ المحمودَ مشهدُه وأوّلَ الناس منهم صدّق الرسلاَ تفسير : وذكر أبو الفرج الجَوْزِي عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون أنه قال: أدركت أبي وشَيخنا محمد بن المنكدر وربيعةَ بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كَيْسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخْنَسِيّ وهم لا يشكّون أن أوّل القوم إسلاماً أبو بكر؛ وهو قول ٱبن عباس وحسّان وأسماء بنت أبي بكر، وبه قال إبراهيم النَّخَعِيّ. وقيل: أوّل من أسلم عليّ؛ رُوي ذلك عن زيد بن أرْقم وأبي ذرّ والمِقْداد وغيرهم. قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافاً بين أصحاب التواريخ أن عليّاً أوّلهم إسلاماً. وقيل: أوّل من أسلم زيد بن حارثة. وذكر مَعْمَر نحو ذلك عن الزُّهْرِيّ. وهو قول سليمان بن يَسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس. وقيل: أول من أسلم خديجة أُم المؤمنين؛ روي ذلك من وجوه عن الزهري، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يَسار وجماعة، وروي أيضاً عن ٱبن عباس. وٱدّعى الثَّعلبيّ المفسّر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن ٱختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها. وكان إسحاق بن إبراهيم بن رَاهْوَيْه الحنظَلِيّ يجمع بين هذه الأخبار، فكان يقول: أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان عليّ، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال. والله أعلم. وذكر محمد بن سعد قال: أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن ابن نوفل قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعاً أو خامساً. قال الليث بن سعد وحدّثني أبو الأسود قال: أسلم الزبير وهو ٱبن ثمان سنين. وروي أن عليّاً أسلم ٱبن سبع سنين. وقيل: ٱبن عشر. الخامسة ـ والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من أصحابه. قال البخاري في صحيحه: من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. وروي عن سعيد بن المسيّب أنه كان لا يعد الصحابيّ إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وهذا القول إن صح عن سعيد بن المسيّب يوجب ألا يعد من الصحابة جَرِير بن عبد الله البَجَلِيّ أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافاً في عدّه من الصحابة. السادسة ـ لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصدّيق. وقال ٱبن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة وهو الإيمان، والزمان، والمكان. وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات؛ والدلِيل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «حديث : نحن الآخرون الأوّلون بَيْد أنهم أُوتوا الكتاب مِن قَبْلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غداً والنصارى بعد غد»تفسير : . فأخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من الأُمم بالزمان سبقناهم بالإيمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه، والإستسلام لأمره والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه ولا نختار معه، ولا نبدّل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب؛ وذلك بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره لما يرضاه؛ وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. السابعة ـ قال ٱبن خُوَيْزِمَنْدَاد: تضمّنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك، من العطاء في المال والرتبة في الإكرام. وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم؛ فَرُوي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضَهم على بعض بحسب السابقة. وكان عمر يقول له: أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله وأجرهم عليه. وكان عمر يفضل في خلافته؛ ثم قال عند وفاته: لئن عشت إلى غد لألحقنّ أسفل الناس بأعلاهم؛ فمات من ليلته. والخلافة إلى يومنا هذا على هذا الخلاف. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} فيه مسألتان: الأُولى ـ قرأ عمر «والأنصارُ» رفعا. «الذين» بإسقاط الواو نعتا للأنصار؛ فراجَعه زيد بن ثابت، فسأل عُمر أُبَيّ بن كعب فصدّق زيداً؛ فرجع إليه عمر وقال: ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد. فقال أُبَيّ: إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ} تفسير : [الجمعة: 3] وفي سورة الحشر: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ} تفسير : [الحشر: 10]. وفي سورة الأنفال بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ}تفسير : [الأنفال: 75]. فثبتت القراءة بالواو. وبيّن تعالى بقوله: {بِإِحْسَانٍ} ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات؛ إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم. الثانية ـ واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم؛ فقال الخطيب الحافظ: التابِعيّ من صحب الصحابي؛ ويقال للواحد منهم: تابع وتابعيّ. وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مُشْعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة العرفية. وقد قيل: إن ٱسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحُدَيْبِيَة؛ كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مُسْلمة الفتح؛ لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم لخالد: «حديث : دَعُوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أُحُد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه»تفسير : . ومن العجب عَدّ الحاكم أبو عبد الله النعمانَ وسويداً ابني مُقَرِّن المزنيّ في التابعين عند ما ذكر الإخوة من التابعين، وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة، وقد شهدا الخندق كما تقدم. والله أعلم. وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهم سعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد؛ وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار. وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال:شعر : فخذهم عبيدُ اللَّه عروةُ قاسمٌ سعيدٌ أبو بكر سليمانُ خارجهْ تفسير : وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيّب؛ فقيل له: فعلقمة والأسود. فقال: سعيد بن المسيّب وعلقمة والأسود. وعنه أيضاً أنه قال: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة ومسروق؛ هؤلاء كانوا فاضلين ومن عِلْية التابعين. وقال أيضاً: كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة، فهذان أكثر الناسُ عنهم؛ وأَبْهَمَ. وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال: سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سِيرين وعمرة بنت عبد الرحمن، وثالثتهما ـ وليست كهما ـ أم الدَّرْداء. وروي عن الحاكم أبي عبد الله قال: طبقة تعدّ في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من الصحابة؛ منهم إبراهيم بن سويد النَّخَعِيّ وليس بإبراهيم بن يزيد النخعيّ الفقيه. وبكير بن أبي السَّميط، وبكير بن عبد الله الأشج. وذكر غيرهم قال: وطبقة عدادهم عند الناس في أتباع التابعين، وقد لقوا الصحابة منهم أبو الزناد عبد الله بن ذَكْوان، لقِي عبد الله بن عمر وأنساً. وهشامُ بن عروة، وقد أُدخِل على عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله وموسى بن عقبة، وقد أدرك أنس بن مالك. وأُم خالد بنت خالد بن سعيد. وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرم بفتح الراء كأنه خضرِم، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفساً، منهم أبو عمرو الشيبانيّ، وسُويد بن غَفَلة الكندِيّ، وعمرو بن ميمون الأوْدِيّ، وأبو عثمان النهْدِيّ وعبد خير بن يزيد الخيراني بفتح الخاء، بطن من هَمْدان، وعبد الرحمن بن مُلٍّ. وأبو الحلاَل العتكي ربيعة بن زُرَارة. وممن لم يذكره مسلم؛ منهم أبو مسلم الخولانيّ عبد الله بن ثُوَبَ، والأحنف بن قيس. فهذه نبذة من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم، رضوان الله عليهم أجمعين. وكفانا نحن قوله جل وعز: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110] على ما تقدّم. وقوله عز وجل:{أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}تفسير : [البقرة: 143] الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وددت أنا لو رأينا إخواننا....»تفسير : . الحديث. فجعلنا إخوانه؛ إن اتقينا الله واقتفينا ٱثاره حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم، قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار: من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية، وقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن كعب القرظي: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ هذه الآية، {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَـٰرِ} فأخذ عمر بيده، فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبي بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه، قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: {أية : وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [الجمعة: 3] وفي سورة الحشر: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإَيمَـٰنِ} تفسير : [الحشر: 10] الآية، وفي الأنفال {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ مَعَكُمْ} تفسير : [الأنفال: 75] الآية، رواه ابن جرير، قال: وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع الأنصار عطفاً على والسابقون الأولون، فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فياويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني: الصديق الأكبر، والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة، ويبغضونهم، ويسبونهم، عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة، فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلأَنْصَٰرِ } وهم من شهد بدراً أو جميع الصحابة. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم } إلى يوم القيامة {بِإِحْسَٰنٍ } في العمل {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } بطاعته {وَرَضُواْ عَنْهُ } بثوابه {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَٰرُ } وفي قراءة بزيادة «من» {خَٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }.
الشوكاني
.تفسير : لما ذكر سبحانه أصناف الأعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة. وأن منهم التابعين لهم. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ "والأنصار" بالرفع على {وَٱلسَّـٰبِقُونَ } وقرأ سائر القراء من الصحابة فمن بعدهم بالجرّ. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه؛ لأن السابقين منهم يدخلون في قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ } وفي الآية تفضيل السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلوا القبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان. وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي، أو أهل بدر في قول محمد بن كعب، وعطاء بن يسار، ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها، قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة، ثم الستة الباقون، ثم البدريون؛ ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه "الذين اتبعوهم" محذوف الواو وصفاً للأنصار على قراءته برفع الأنصار، فراجعه في ذلك زيد بن ثابت، فسأل أبي بن كعب فصدّق زيداً، فرجع عمر عن القراءة المذكورة كما رواه أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، ومعنى {الذين اتبعوهم بإحسان}: الذين اتبعوا السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحاً، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، بل هم من جملة من يدخل تحت الآية، فتكون "من" في قوله: {مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ } على هذا للتبعيض، وقيل: إنها للبيان، فيتناول المدح جميع الصحابة، ويكون المراد بالتابعين: من بعدهم من الأمة إلى يوم القيامة. وقوله: {بِإِحْسَـٰنٍ } قيد للتابعين: أي والذين اتبعوهم متلبسين بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأوّلين. قوله: {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ } خبر للمبتدأ وما عطف عليه، ومعنى رضاه سبحانه عنهم: أنه قبل طاعاتهم وتجاوز عنهم، ولم يسخط عليهم {وَرَضُواْ عَنْهُ } بما أعطاهم من فضله، ومع رضاه عنهم فقد {أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } في الدار الآخرة. وقرأ ابن كثير "تجري من تحتها الأنهار" بزيادة "من". وقرأ الباقون بحذفها والنصب على الظرفية، وقد تقدّم تفسير جري الأنهار من تحت الجنات، وتفسير الخلود والفوز. قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ } هذا عود إلى شرح أحوال المنافقين من أهل المدينة، ومن يقرب منها من الأعراب. {وممن حولكم} خبر مقدّم، و{من الأعراب} بيان، وهو في محل نصب على الحال، {ومنافقون} هو المبتدأ. وقيل: وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم: جهينة ومزينة، وأشجع، وغفار، وجملة: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ } معطوفة على الجملة الأولى، عطف جملة على جملة. وقيل: إن من أهل المدينة عطف على الخبر في الجملة الأولى، فعلى الأول: يكون المبتدأ مقدّراً: أي ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، وعلى الثاني: يكون التقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا، ولكون جملة {مردوا على النفاق} مستأنفة لا محل لها، وأصل مرد وتمرّد اللين والملاسة والتجرّد، فكأنهم تجرّدوا للنفاق، ومنه: غصن أمرد: لا ورق عليه، وفرس أمرد: لا شعر فيه. وغلام أمرد: لا شعر بوجهه، وأرض مرداء: لا نبات فيها، وصرح ممرّد: مجرّد؛ فالمعنى: أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنوا عنه. قال ابن زيد: معناه لجوا فيه وأتوا غيره، وجملة: {لاَ تَعْلَمُهُمْ } مبينة للجملة الأولى، وهي مردوا على النفاق: أي ثبتوا عليه ثبوتاً شديداً، ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف سائر المؤمنين؟ والمراد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم لا من حيث الجملة، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه صلى الله عليه وسلم، وجملة: {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } مقرّرة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه، على وجه يخفى على البشر، ولا يظهر لغير الله سبحانه لعلمه بما يخفى، وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر. ثم توعدهم سبحانه فقال: {سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } قيل: المراد بالمرّتين: عذاب الدنيا بالقتل والسبي، وعذاب الآخرة، وقيل: الفضيحة بانكشاف نفاقهم، والعذاب في الآخرة؛ وقيل: المصائب في أموالهم وأولادهم، وعذاب القبر. وقيل: غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه. والظاهر أن هذا العذاب المكرّر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب، وأنهم يعذبون مرّة بعد مرّة، ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة، وهو المراد بقوله: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } ومن قال: إن العذاب في المرة الثانية هو عذاب الآخرة، قال معنى قوله: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } أنهم يردّون بعد عذابهم في النار، كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها؛ أو أنهم يعذبون في النار عذاباً خاصاً بهم دون سائر الكفار، ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار. ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال: {وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } وهو معطوف على قوله {منافقون}: أي وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة قوم {آخرون}، ويجوز أن يكون آخرون مبتدأ، واعترفوا بذنوبهم صفته، و{خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} خبره، والمعنى: أن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو لغير عذر مسوّغ للتخلف، ثم ندموا على ذلك، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل تابوا واعترفوا بالذنب، ورجوا أن يتوب الله عليهم. والمراد بالعمل الصالح: ما تقدّم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام، وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن. والمراد بالعمل السيء: هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيء عملاً صالحاً، وهو الاعتراف به والتوبة عنه، وأصل الاعتراف: الإقرار بالشيء. ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله. ومعنى الخلط: أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر، كقولك: خلطت الماء باللبن، واللبن بالماء. ويجوز أن تكون الواو بمعنى الباء، كقولك: بعت الشاة شاة ودرهما: أي بدرهم، وفي قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة، أو أن مقدّمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة، وحرف الترجي وهو "عسى"، هو في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع؛ لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: يغفر الذنوب ويتفضل على عباده. قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها، فقيل: هي صدقة الفرض، وقيل: هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها؛ لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، و"من" للتبعيض على التفسيرين، والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة، والصدقة مأخوذة من الصدق، إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه. قوله: {تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } الضمير في الفعلين للنبي صلى الله عليه وسلم: أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم. وقيل: الضمير في {تطهرهم} للصدقة: أي تطهرهم هذه الصدقة المأخوذة منهم، والضمير في {تزكيهم} للنبي صلى الله عليه وسلم: أي تزكيهم يا محمد بالصدقة المأخوذة، والأوّل: أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين؛ وعلى الأوّل: فالفعلان منتصبان على الحال، وعلى الثاني: فالفعل الأوّل صفة لصدقة، والثاني: حال منه صلى الله عليه وسلم. ومعنى التطهير: إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية: المبالغة في التطهير. قال الزجاج: والأجود أن تكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم: أي فإنك يا محمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف، ويجوز الجزم على جواب الأمر. والمعنى: أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم. وقد قرأ الحسن: بجزم "تطهرهم". وعلى هذه القراءة فيكون {وَتُزَكّيهِمْ } على تقدير مبتدأ: أي وأنت تزكيهم بها. قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم، قال النحاس. وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه، أن الصلاة في كلام العرب: الدعاء، ثم علل سبحانه أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصلاة على من يأخذ منه الصدقة فقال: {إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } قرأ حفص، وحمزة، والكسائي {صلاتك} بالتوحيد. وقرأ الباقون بالجمع، والسكن: ما تسكن: إليه النفس وتطمئن به. قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } لما تاب الله سبحانه على هؤلاء المذكورين سابقاً. قال الله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } أي: غير التائبين، أو التائبون قبل أن يتوب الله عليهم ويقبل صدقاتهم {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ } لاستغنائه عن طاعة المطيعين، وعدم مبالاته بمعصية العاصين. وقرىء: "ألم تعلموا" بالفوقية، وهو إما خطاب للتائبين، أو لجماعة من المؤمنين، ومعنى: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ }: أي يتقبلها منهم، وفي إسناد الأخذ إليه سبحانه بعد أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم بأخذها تشريف عظيم لهذه الطاعة، ولمن فعلها. وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } معطوف على قوله: {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } مع تضمنه لتأكيد ما اشتمل عليه المعطوف عليه: أي: أن هذا شأنه سبحانه. وفي صيغة المبالغة في التواب، وفي الرحيم مع توسيط ضمير الفصل. والتأكيد من التبشير لعباده والترغيب لهم ما لا يخفى. قوله: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } فيه تخويف وتهديد: أي إن عملكم لا يخفى على الله، ولا على رسوله ولا على المؤمنين، فسارعوا إلى أعمال الخير، وأخلصوا أعمالكم لله عزّ وجلّ، وفيه أيضاً ترغيب وتنشيط، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خيراً أو شرّاً رغب إلى أعمال الخير، وتجنب أعمال الشرّ، وما أحسن قول زهير:شعر : ومهما تكن عند امرىء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم تفسير : والمراد بالرؤية هنا: العلم بما يصدر منهم من الأعمال، ثم جاء سبحانه بوعيد شديد فقال: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } أي: وستردّون بعد الموت إلى الله سبحانه، الذي يعلم ما تسرّونه وما تعلنونه، وما تخفونه وما تبدونه. وفي تقديم الغيب على الشهادة: إشعار بسعة علمه عزّ وجلّ، وأنه لا يخفى عليه شيء، ويستوي عنده كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردّهم إليه فقال: {فَيُنَبّئُكُمْ } أي: يخبركم {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويتفضل على من يشاء من عباده. قوله: {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } ذكر سبحانه ثلاثة أقسام في المتخلفين: الأوّل: المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني: التائبون المعترفون بذنوبهم، الثالث: الذين بقي أمرهم موقوفاً في تلك الحال، وهم المرجون لأمر الله، من أرجيته وأرجأته: إذا أخرته. قرأ حمزة والكسائي، ونافع وحفص {مُرْجَوْنَ } بالواو من غير همزة. وقرأ الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم. والمعنى: أنهم مؤخرون في تلك الحال، لا يقطع لهم بالتوبة لاو بعدمها، بل هم على ما يتبين من أمر الله سبحانه في شأنهم {إما يُعَذّبْهُمُ } إن بقوا على ما هم عليه، ولم يتوبوا {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } إن تابوا توبة صحيحة وأخلصوا إخلاصاً تاماً، والجملة في محل نصب على الحال، والتقدير {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } حال كونهم، إما معذبين، وإما متوباً عليهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوالهم {حَكِيمٌ } فيما يفعله بهم من خير أو شرّ. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في المعرفة، عن أبي موسى، أنه سئل عن قوله: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ } فقال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، عن سعيد بن المسيب، مثله. وأخرج ابن المنذر، وأبو نعيم، عن الحسن، ومحمد بن سيرين، مثله أيضاً. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: هم أبو بكر، وعمر، وعليّ، وسلمان، وعمار بن ياسر. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن الشعبي قال: هم من أدرك بيعة الرضوان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ } قال: التابعون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، قال: هم من بقي من أهل الإسلام، إلى أن تقوم الساعة. وأخرج أبو الشيخ، وابن عساكر، عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما أريد الفتن، قال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أيّ موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: ألا تقرءون قوله تعالى: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ } الآية أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشرطه فيهم. قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان. يقول: يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها عليّ ابن كعب. وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي قال: حدّثني يحيـى بن أبي كثير، والقسم ومكحول، وعبدة بن أبي لبابة، وحسان بن عطية، أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون لما أنزلت هذه الآية: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ } إلى قوله: {وَرَضُواْ عَنْهُ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا لأمتي كلهم، وليس بعد الرضا سخط."تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلأَعْرَابِ } الآية، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً، فقال: "حديث : قم يا فلان فاخرج، فإنك منافق"تفسير : ، اخرج يا فلان، فإنك منافق، فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم، ولم يكن عمر بن الخطاب يشهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر المسجد، فإذا الناس لم ينصرفوا، فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم، فهو: العذاب الأوّل، والعذاب الثاني: عذاب القبر. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلأَعْرَابِ } قال: جهينة ومزينة، وأشجع وأسلم وغفار. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ } قال: أقاموا عليه، ولم يتوبوا كما تاب آخرون. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، في الآية قال: ماتوا عليه: عبد الله بن أبيّ، وأبو عامر الراهب، والجدّ بن قيس. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } قال: بالجوع والقتل. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبي مالك، قال: بالجوع وعذاب القبر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي، عن قتادة قال: عذاب في القبر، وعذاب في النار. وقد روى عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين، والظاهر ما قدّمنا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله: {وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رجع عليهم فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا: هذا أبو لبابة، وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تطلقهم وتعذرهم، قال: وأنا أقسم بالله، لا أطلقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فنزلت: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } و"عسى" من الله واجب، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاءوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا، قال: "حديث : ما أمرت أن آخذ أموالكم"تفسير : ، فأنزل الله عزّ وجل: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ } يقول: استغفر لهم {إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } يقول: رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكانوا ثلاثة نفر لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم؟ فأنزل الله عزّ وجل: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ} إلى قوله: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ } إلى قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيم} يعني: إن استقاموا. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، مثله سواء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد في قوله: {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } قال: هو أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه، والقصة مذكورة في كتب السير. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } قال: غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَآخَرَ سَيِّئاً} قال: تخلفهم عنه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَصَلّ عَلَيْهِمْ } قال: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها {إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } قال: رحمة لهم. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال: «حديث : اللهم صلّ على آل فلان"تفسير : ، فأتاه أبي بصدقته فقال: "حديث : اللهم صلّ على آل أبي أوفى».تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } قال: هذا وعيد من الله عزّ وجلّ. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا، والضياء في المختارة، عن أبي سعيد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوّة، لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، عن عكرمة، في قوله: {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } قال: هم الثلاثة الذين خلفوا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال: هم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله: {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ } يقول: يميتهم على معصية {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ}
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ} فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الذين صلّوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب. الثاني: أنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، قاله الشعبي وابن سيرين. الثالث: أنهم أهل بدر، قاله عطاء. الرابع: أنهم السابقون بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى ثواب الله تعالى وحسن جزائه. ويحتمل خامساً: أن يكون السابقون الأولون من المهاجرين هم الذين آمنوا بمكة قبل هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، والسابقون الأولون من الأنصار هم الذين آمنوا برسول الله ورسوله قبل هجرته إليهم. {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بإِحْسَانٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: من الإيمان. الثاني: من الأفعال الحسنة. {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: رضي الله عنهم بالإيمان، ورضوا عنه بالثواب، قاله ابن بحر. الثاني: رضي الله عنهم في العبادة. ورضوا عنه بالجزاء، حكاه علي بن عيسى. الثالث: رضي الله عنهم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضوا عنه بالقبول.
ابن عطية
تفسير : قال أبو موسى الأشعري وابن المسيب وابن سيرين وقتادة {السابقون الأولون} من صلى القبلتين، وقال عطاء {السابقون الأولون} من شهد بدراً. قال القاضي أبو محمد : وحولت القبلة قبل بدر بشهرين، وقال عامر بن شراحيل الشعبي: {السابقون الأولون} من أدرك بيعة الرضون، {والذين اتبعوهم بإحسان } يريد سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظ التابعون وسائر الامة لكن بشريطة الإحسان، وقد لزم هذا الاسم الطبقة التي رأت من رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولو قال قائل إن السابقين الأولين هم جميع من هاجر إلى أن انقطعت الهجرة لكان قولاً يقتضيه اللفظ وتكون {من } لبيان الجنس، و {والذين } في هذه الآية عطف على قوله {والسابقون }، وقرأ عمر بن الخطاب والحسن بن أبي الحسن وقتادة وسلام وسعيد ويعقوب بن طلحة وعيسى الكوفي " والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصارُ" برفع الراء عطفاً على {والسابقون}، وكذلك ينعطف على كلتا القراءتين قوله تعالى: {والذين اتبعوهم بإحسان} وجعل الأتباع عديلاً للأنصار، وأسند الطبري أن زيد بن ثابت سمعه فرده فبعث عمر في أبي بن كعب فسأله فقال أبي بن كعب {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} ، فقال عمر ما كنا نرى إلا أنَّا قد رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، فقال أبي إن مصداق هذا في كتاب الله في أول سورة الجمعة {أية : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} تفسير : [الآية:3] وفي سورة الحشر {أية : والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان}تفسير : [ الآية: 10] وفي سورة الأنفال في قوله {أية : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} تفسير : [ الآية:75]، فرجع عمر إلى قول أبي، ونبهت هذه الآية من التابعين وهم الذين أدركوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نبه من ذكرهم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " تفسير : فتأمله، وقرأ ابن كثير " من تحتها الأنهار " وقرأ الباقون " تحتها " بإسقاط " من" ومعنى هذه الآية الحكم بالرضى عنهم بإدخالهم الجنة وغفر ذنوبهم والحكم برضاهم عنه في شكرهم وحمدهم على نعمه وإيمانهم به وطاعتهم له جعلنا الله من الفائزين برحمته و {ممن حولكم من الأعراب} الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم شرك في بعضها أمته، والإشارة بقوله {وممن حولكم من الأعراب} هي إلى جهينة ومزينة وأسلم وغفار وعصية ولحيان وغيرهم من القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر الله عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهل المدينة قوم أو منافقون هذا أحسن ما حمل اللفظ، و {مردوا} قال أبو عبيدة: معناه مرنوا عليه ولجوا فيه، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال ابن زيد: أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب الآخرون. والظاهر من معنى اللفظ أن التمرد في الشيء أو التمرد في الشيء أو المرود عليه إنما هو اللجاج والاستهتار به والعتو على الزاجر وركوب الرأس في ذلك، وهو مستعمل في الشر لا في الخير، ومن ذلك قولهم شيطان مارد ومريد، ومن هذا سميت مراد لأنها تمردت، قال بعض الناس: يقال تمرد الرجل في أمر كذا إذا تجرد له، وهو من قولهم شجرة مرداء إذا لم يكن عليها ورق، ومنه {أية : صرح ممرد} تفسير : [النمل: 44] ومنه قولهم: تمرد مارد وعز الأبلق ومنه الأمرد الذي لا لحية له، فمعنى {مردوا} في هذه الآية لجوا فيه واستهتروا به وعتوا على زاجرهم، ثم نفى عز وجل علم نبيه بهم على التعيين، وأسند الطبري عن قتادة في قوله {لا تعلمهم نحن نعلمهم } قال: فما بال أقوام يتكلفون علم الناس فلان في الجنة فلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال لا أدري، أنت لعمري بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الرسل، قال نبي الله نوح صلى الله عليه وسلم {أية : وما علمي بما كانوا يعلمون } تفسير : [الشعراء:112] وقال نبي الله شعيب صلى الله عليه وسلم {أية : بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} تفسير : [هود: 86] وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {لا تعلمهم نحن نعلمهم }. قال القاضي أبو محمد : وقوله تعالى: {سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } في مصحف أنس بن مالك " سيعذبهم " بالياء والكلام على القراءتين وعيد، واللفظ يقتضي ثلاثة مواطن من العذاب، ولا خلاف بين المتأولين أن " العذاب العظيم" الذي يردون إليه هو عذاب الآخرة، وأكثر الناس أن العذاب المتوسط هو عذاب القبر، واختلف في عذاب المرة الأولى فقال مجاهد وغيره: هو عذابهم بالقتل والجوع، وهذا بعيد لأن منهم من لم يصبه هذا، وقال ابن عباس أيضاً: عذابهم هو بإقامة حدود الشرع عليهم مع كراهيتهم فيه، وقال ابن إسحاق: عذابهم هو همهم بظهور الإسلام وعلو كلمته، وقال ابن عباس وهو الأشهر عنه: عذابهم هو فضيحتهم ووصمهم بالنفاق، وروي في هذا التأويل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم جمعة فندد بالمنافقين وصرح وقال اخرج يا فلان من المسجد فإنك منافق واخرج أنت يا فلان واخرج أنت يا فلان حتى أخرج جماعة منهم، فرآهم عمر يخرجون من المسجد وهو مقبل إلى الجمعة فظن أن الناس انتشروا وأن الجمعة فاتته فاختبأ منهم حياء، ثم وصل إلى المسجد فرأى أن الصلاة لم تقض وفهم الأمر. قال القاضي أبو محمد : وفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا بهم على جهة التأديب اجتهاداً منه فيهم، ولم يسلخهم ذلك من الإسلام وإنما هو كما يخرج العصاة والمتهمون، ولا عذاب أعظم من هذا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يتكلم فيهم على الإجمال دون تعيين، فهذا أيضاً من العذاب، وقال قتادة وغيره: العذاب الأول هو علل وأدواء أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يصيبهم بها، وأسند الطبري في ذلك عن قتادة أنه قال ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من المنافقين وقال " حديث : ستة منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار جهنم تأخذ في كتف أحدهم حتى تقضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً "تفسير : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن يظن أنه منهم نظر إلى حذيفة فإن صلى صلى عمر عليه وإلا ترك. وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال لحذيفة أنشدك بالله أمنهم أنا؟ قال لا والله ولا أؤمن منها أحداً بعدك؟ وقال ابن زيد في قوله تعالى: {سنعذبهم مرتين } أما عذاب الدنيا فالأموال والأولاد، لكل صنف عذاب، فهو مرتان، وقرأ قول الله تعالى: {أية : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} تفسير : [ التوبة: 55] وقال ابن زيد أيضاً "المرتان" هي في الدنيا، الأولى القتل والجوع والمصائب، والثانية الموت إذ هو للكفار عذاب، وقال الحسن: الأولى هي أخذ الزكاة من أموالهم، و"العذاب العظيم" هو جميع ما بعد الموت، وأظن الزجّاج أشار إليه.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالسَّابِقُونَ} أهل بيعة الرضوان، أو أهل بدر، أو الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين سبقوا بالموت والشهادة من المهاجرين والأنصار سبقوا إلى الثواب وحسن الجزاء {رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ} بالإيمان {وَرَضُواْ عَنْهُ} بالثواب، أو رضي عنهم بالعبادة ورضوا عنه بالجزاء، أو رضي عنهم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ورضوا عنه بالقبول.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {من تحتها} بزيادة من: ابن كثير. والباقون بحذفها وبالنصب على الظرف. {والأنصار} بالرفع: يعقوب: الآخرون بالجر. {إن صلاتك} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون على الجمع بكسر التاء علامة للنصب {مرجون} بواو ساكنة بعد الجيم: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم سوى أبي بكر وحماد. الباقون بالهمزة المضمومة بعد الجيم. {الذين اتخذوا} بغير واو: أبو جعفر ونافع وابن عامر {أسس بنيانه} مجهولاً في الحرفين: ابن عامر ونافع {حرف} بسكون الراء: ابن عامر وحمزة وخلف ويحيى وحماد. الباقون بالضم {هار} بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو وعلي غير ليث، وابن حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وابن ذكوان غير ابن مجاهد والنقاش ويحيى وحماد {إلى أن} قرأها يعقوب. الباقون {إلا أن} {تقطع} فعلاً ماضياً أو مضارعاً بحذف التاء من التفعل: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل وسهل ورويس. {تقطع} مضارعاً مجهولاً من التقطع: روح. الباقون {تقطع} مضارعاً مجهولاً من التقطيع. الوقوف: {بإحسان} لا لأن قوله: {رضي الله عنهم} خبر {والسابقون} {أبداً} ط ه {العظيم} ه {منافقون} ط لمن قدر ومن أهل المدينة قوم مردوا، ومن وصل وقف على {أهل المدينة} تقديره هم مردوا {على النفاق} ط ومن قدر ومن أهل المدينة قوم احتمل أن يجعل {لا تعلمهم} صفة للقوم فلم يقف {لا تعلمهم} ط {نحن نعلمهم} ط {عظيم} ه ج لاحتمال أن يكون التقدير ومنهم آخرون وأن يكون معطوفاً على {منافقون} أو على قوم المقدر {سيئاً} ط {عليهم} ط {رحيم} ه {وصل عليهم} ط {لهم} ط {عليم} ه {الرحيم} ه {والمؤمنون} ط {تعملون} ه {يتوب عليهم} ط {حكيم} ه {من قبل} ط {الحسنى} ط {لكاذبون} ه {أبدا} ط {أن تقوم فيه} ط {أن يتطهروا} ط {المطهرين} ه {في نار جهنم} ط {الظالمين} ط {قلوبهم} ط {حكيم} ه. التفسير: لما ذكر الأعراب المخلصين بين أن فوق منازلهم منازل أعلى وأجل وهي منازل السابقين الأوّلين والتابعين لهم بإحسان؛ قال ابن عباس: السابقون الأوّلون من المهاجرين هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدراً. وعن الشعبي: هم الذين بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية ومن الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير فعلمهم القرآن. والظاهر أن الآية عامة ي كل من سبق في الهجرة والنصرة. قال أهل السنة: لا شك أن أبا بكر أسبق في الهجرة أو هو من السابقين فيها وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنه رضي عنهم. ولا شك أن الرضا معلل بالسبق إلى الهجرة فيدوم بدوامه، فدل ذلك على صحة إمامته وإلا استحق اللعن والمقت. قال أكثر العلماء: كلمة "من" في قوله {من المهاجرين والأنصار} للتبعيض، وإنما استحق السابقون منهم هذا التعظيم لأنهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وفيهم ضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين واقتدى بهم غيرهم. وقد قيل: من سن سنة حسنه فله أجرها وأجر من عمل بها. وقيل: للتبيين ليتناول المدح جميع الصحابة. وروي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان بينهم؟ فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم. قلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ قال: سبحان الله ألا تقرأ قوله تعالى: {والسابقون الأوّلون} إلى آخر الآية؟ أوجب لجميعهم الرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترط عليهم وهو الاتباع بالإحسان وذلك أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة لا السيئة، أو بإحسان في القول وهو أن لا يقولوا فيهم سوءاً ويحفظوا لسانهم عن الاغتياب والطعن في حقهم. قال العلماء: معنى رضا الله عنهم قبول طاعاتهم. ثم عاد إلى شرح أحوال المنافقين فقال: {وممن حولكم} هو خبر و {من الأعراب} بيان أو حال و {منافقون} مبتدأ {ومن أهل المدينة} عطف على الخبر أو خبر لمبتدأ آخر بناء على أن التقدير ومن أهل المدينة قوم {مردوا} التركيب يدل على الملابسة والبقاء على هيئة واحدة من ذلك "صرح ممرد" و "غلام أمرد" و "أرض مرداء" لا نبات فيها وتمرد إذا عتا فإن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه بقي كما كان على هيئته الأصلية من غير تغير. فمعنى مردوا على النفاق تمهروا وتمرنوا وبقوا عليه حذاقاً معوّدين إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع وفور حدسك وقوة ذكائك. ثم قال {سنعذبهم مرتين} قال ابن عباس: هما العذاب في الدنيا بالفضيحة والعذاب في القبر. روى السدي عن أبي مالك أنه صلى الله عليه وسلم قام خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان إنك منافق، حتى أخرج ناساً وفضحهم. وقال مجاهد: هما القتل والسبي وعذاب القبر. وقال قتادة: بالدبيلة وعذاب القبر. وقال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام والمسلمين ثم عذابهم في القبور. وقال الحسن: بأخذ الزكاة من أموالهم وبعذاب القبر. وقيل: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار والآخر عند البعث يوكل بهم عنق من نار. {ثم يردون إلى عذاب عظيم} هو الدرك الأسفل من النار. قال الكلبي: وممن حولكم جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار، ومن أهل المدينة عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قشير وأبو عامر الراهب وأضرابهم. ثم قال {وآخرون} وهو معطوف على {منافقون} أو مبتدأ. و {اعترفوا} صفته و {خلطوا} خبره {عسى الله} جملة مستأنفة. وقيل: {خلطوا} حال بإضمار "قد" {عسى الله} خبر. وللمفسرين خلاف في أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم أو قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك لا للكفر والنفاق ولكن للكسل ثم ندموا على ما فعلوا. عن ابن عباس في رواية الوالبي نزلت في قوم كانوا قد تخلفوا ثم ندموا وقالوا نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد. روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن ثعلبة ووديعة بن حزام. وقيل: كانوا عشرة فسبعة منهم حين بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد وقالوا: والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا. فقدم رسول الله فدخل المسجد وصلى ركعتين - وكانت هذه عادته كلما قدم من سفر - فرآهم موثقين فسأل عنهم فقالوا: هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم. فقال رسول الله: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها فتصدق بها وطهرنا. فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزل {خذ من أموالهم صدقة} الآية. والاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة والمراد أنهم أقروا بذنوبهم وهذه كالمقدمة للتوبة لأن الاعتراف بالذنب لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال وفي الاستقبال. {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} أي خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن. وهذا أبلغ من قولك: خلطت الماء باللبن. لأنك جعلت في الأول كلاً منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كأنك قلت: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء. ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء من قولك: بعت شاة ودرهماً أي شاة بدرهم. وذلك أن الواو للجمع والباء للإلصاق فهما متقاربان. ويجوز أن يقال: الخلط ههنا بمعنى الجمع. قال أهل السنة: فيه دليل على نفي القول بالمحابطة لأنه لو لم يبق العملان لم يتصور اختلاطهما. وفي قوله {عسى الله أن يتوب عليهم} دليل على وقوع التوبة التي أخبر بحصول مقدمتها وهي الاعتراف منهم، وفيه دليل على قبول توبتهم لأن {عسى} من الكريم إطماع واجب. وفائدته أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق فلا يتكل ولا يهمل، وفيه أن التوبة بخلق الله. وقالت المعتزلة: معنى أن يتوب أن يقبل التوبة. ورد بأنه عدول عن الظاهر مع أن الدليل العام وهو وجوب انتهار الكل إلى مشيئته وتكوينه يعضد ما قلناه. ثم قال سبحانه {خذ من أموالهم صدقة} عن الحسن: كانوا يقولون ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر عنهم وبهذا يحصل النظم بينها وبين ما قبلها كما مر. وقال أكثر الفقهاء: المراد بها الزكاة ووجه النظم أنهم لما أظهروا التوبة والندامة أمروا بإخراج الزكاة الواجبة تصحيحاً لدعواهم. ومما يدل على ذلك أن الأمر ظاهره الوجوب وأيضاً التطهير والتزكية يناسب الواجب لا التطوع. وفي قوله {من أموالهم} دلالة على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال، وتعيين ذلك البعض إنما عرف من السنة. وفي إضافة المال إليهم دليل على أن المال مالهم ولا شركة للفقير فيه فتكون الزكاة متعلقة بذمته حتى لو تلف النصاب بعد الوجوب بقي الحق في ذمة المالك وهو قول الشافعي. وقوله {تطهرهم وتزكيهم} التاء فيهما للخطاب أي تطهرهم أيها الآخذ وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة. وقيل: التاء في {تطهرهم} للتأنيث والضمير للصدقة وفيه نوع انقطاع للمعطوفين. قال العلماء: المعطوفان متغايران لا محالة فالتزكية مبالغة في التطهير أو هي بمعنى الإنماء كأنه تعالى جعل النقصان سبباً للإنماء والزيادة والبركة، أو المراد بالتزكية تعظيم شأنهم والإثناء عليهم. قال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الزكاة طهرة للآثام فلا تجب إلا حيث يمكن حصول الآثام وذلك لا يعلم إلا في حق البالغ العاقل دون الصبي والمجنون. وقال الشافعي: تجب الزكاة في مالهما لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً {وصلِّ عليهم} قال ابن عباس: معناه ادع لهم. فمن هنا قال الشافعي: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. وقال آخرون بظاهر اللفظ لما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى: وأكثر الأئمة الآن على أنه لا تحسن الصلاة لغير النبي على غيره إلا تبعاً. وأطلق بعضهم - كالغزالي وإمام الحرمين - لفظ الكراهة وقالوا: السلام أيضاً في معنى الصلاة. وأما الشيعة فإنهم يذكرون الصلاة والسلام في حق آل الرسول أيضاً كعلي وأولاده عليه السلام وهم على العموم من القرشيين بنو هاشم والمطلب دون بني أمية وبني نوفل وغيرهم. قالوا: لأنها كانت جائزة في حق من يؤدي الزكاة فكيف يمتنع ذكره أو لا يحسن في أهل بيت الرسول؟ ولأن الكل أجمعوا على جوازها بالتبعية فما الفرق؟ وأما السلام فلا كلام عليه لأنه جائز في حق جمهور المسلمين فكيف لا يجوز في آل الرسول؟ {إن صلاتك سكن لهم} والسكن ما يسكن إليه المرء وتطمئن به نفسه، وذلك لأن دعاءه يستجاب ألبتة فيتطهرون بها، وكيف لا يفيض إشراق نفسه عليهم بتوجهه إليهم والترحم لهم؟ احتج مانعو الزكاة بها في زمان أبي بكر قالوا: الوجوب مشروط بحصول السكن والآن لا سكن. ورُدَّ عليهم بسائر الآيات. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حكم بصحة توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت {ألم يعلموا} يعني غير التائبين. وقيل: معناه ألم يعلم التائبون قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم {أن الله هو يقبل التوبة} الصحيحة ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية. وفائدة توسط هو أن يعلم أن الإلهية هي الموجبة لقبول التوبة لاستغنائه عن طاعة المطيعين ومعصية المذنبين فإذا انتقل العبد من حالة المعصية إلى حال الطاعة وجب على كرمه قبول توبته. وفيه أيضاً أن قبول التوبة ليس إلى الرسول. وفي قوله {عن عباده} دون "من" إشارة إلى البعد الذي يحصل للعبد عن الله بسبب العصيان أو إلى تبعيده نفسه عن الله هضماً وانكساراً. وفي إضافة أخذ الصدقات إلى الله بعد أن أمر الرسول بالأخذ تشريف عظيم لهذه الطاعة، وأنها من الله بمكان، وأنه يربيها كما يربي أحد نافلوه حتى إن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد وقد جاء هذا المعنى في الحديث. ثم أمر نبيه بأن يقول للتائبين أو لغير التائبين ترغيباً لهم في التوبة {اعملوا} فيه نوع تهديد وتخويف {فسيرى الله عملكم} وقد مر تفسير مثله عن قريب. والحاصل أنه كأنه قيل لهم اجتهدوا في العمل فإن له في الدنيا حكماً وهو أن يراه الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآخرة حكماً وهو الجزاء. وبوجه آخر كأنه قيل: إن كنت من المحققين فاعمل لله، وإن كنت من الظاهريين فاعمل لتفوز بثناء شهداء الخلق وهم الرسول والمؤمنون فإنهم شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية. ولا شك أن رؤية الله تعالى شاملة لأفعال القلوب والجوارح جميعاً. أما رؤية الرسول والمؤمنين فلا تشمل أفعال القلوب إلا بإرادة الله واطلاعه وإفشائه. واعلم أنه تعالى قسم المخلفين إلى ثلاثة أقسام: منهم المنافقون الذين مردوا على النفاق، والثاني التائبون المعترفون بذنوبهم، والثالث الذين بقوا موقوفاً أمرهم وذلك قوله {وآخرون} وإعرابه كإعراب قوله {وآخرون اعترفوا} ومعنى {مرجون} أي مؤخرون من أرجيته وأرجأته إذا أخرته ومنه قوله:{أية : أرجه وأخاه} تفسير : [الأعراف: 111] كما مَرّ، وبه سميت المرجئة لأنهم جازمون بغفران ذنب التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله ويقولون: إنهم مرجون لأمر الله. وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان. وقال ابن عباس: نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، أمر رسول الله أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم فقبلت توبتهم ونزل فيهم {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} كما سيجيء. وقال الحسن: إنهم قوم من المنافقين حذرهم الله بهذه الآية إن لم يتوبوا. وقوله: {إما يعذبهم} التشكيك فيه راجع إلى العباد أي ليكن أمرهم على الخوف والرجاء وكان يقول أناس هلكوا إن لم ينزل الله لهم عذراً، ويقول آخرون: عسى الله أن يغفر لهم. قال الجبائي: جعل أمرهم دائراً بين التعذيب والتوبة فدل ذلك على انتفاء القسم الثالث وهو العفو من غير التوبة، وأجيب بأنه يجوز أن تكون المنفصلة مانعة الجمع فقط. ولما ذكر أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة قال: {والذين اتخذوا} كأنه قال: ومنهم الذين اتخذوا. في الكشاف: أن محله النصب على الاختصاص، أو الرفع على الابتداء وخبره محذوف أي وممن وصفوا هؤلاء الأقوام. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: كانوا اثني عشر رجلاً بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء. وروي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً كذلك. واعلم أنه سبحانه حكى أن الباعث لهم على هذا العمل كان أموراً أربعة: الأول الضرار وهو المضارة والثاني الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالإسلام وذلك أنهم أرادوا تقوية أهل النفاق، والثالث التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعتهم ولا سيما إذا صلى النبي في مسجدهم فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة وبطلان الألفة، والرابع قوله: {وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله} وقوله {من قبل} يتعلق بـ {حارب} أي من قبل بناء مسجد الضرار. وقال في الكشاف: إنه متعلق بـ {اتخذوا} والمراد من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف. قال الزجاج: الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة: الانتظار مع العداوة. وقال الأكثرون: إنه الإعداد. والمراد بمن حارب أبو عامر الراهب والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله الفاسق وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب وطلب العلم فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه لأنه زالت رياسته وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر وآتٍ بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجداً وانتظروا أبا عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد. ثم أخبر الله تعالى عن نفاقهم بقوله: {وليحلفن إن أردنا} أي ما أردنا ببناء هذا المسجد {إلا} الخصلة {الحسنى} وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المسلمين. قال المفسرون. إنهم لما بنوا مسجدهم وافق ذلك غزوة تبوك فأتوا رسول الله وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه. فلما قفل من الغزوة سألوه إتيان المسجد فنزل {لا تقم فيه أبداً} الآية فدعا بملك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشي - قاتل حمزة - فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام بقنسرين. وقال الحسن: همّ رسول الله أن يذهب إلى ذلك المسجد فناداه جبرائيل لا تقم فيه. ولا ريب أن النهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه. ثم بيّن علة النهي فقال: {لمسجد أسس على التقوى من أوّل يوم} أي من ابتداء وجوده {أحق أن تقوم فيه} والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى لاشتماله على الخيرات الكثيرة فكيف إذا كان غيره مشتملاً على المفاسد الكثيرة من الضرار وغيره؟ قالت الشيعة في هذا المقام: إن المسجد إذا كان مبنياً على التقوى من أول يوم كان أولى بالصلاة فيه؛ فالإمام أولى بأن يكون متقياً من أول عمره وما ذاك إلا عليّ عليه السلام لأنه لم يكفر بالله طرفة عين. واختلفوا في هذا المسجد فقيل: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، عن أبي سعيد الخدري سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى. فأخذ الحصباء وضرب بها الأرض وقال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة. وقيل: هو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، قال في الكشاف: وهذا أولى لأن الموازنة بين مسجدي قباء أوقع. وقال القاضي: كل مسجد بني على التقوى فإنه يدخل فيه كما لو قال قائل لرجل صالح أحق أن تجالسه لم يكن ذلك مقصوراً على واحد. وأيضاً كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار. ثم ذكر لمسجد التقوى وصفاً آخر وذلك قوله: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} فقيل: إنه التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والإخلاص كما أن أهل مسجد الضرار وصفوا بأضداد هذه الأمور من الضرار والكفر والتفريق، ولأن طهارة الباطن أشد تأثيراً من طهارة الظاهر في القرب من الله. وقيل: إنه التطهر بالماء وذلك أنهم كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء أثر البول. حديث : وروي أنها لم نزلت مشى رسول الله ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: أمؤمنون أنتم؟ فسكت القوم. ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم. فقال عليه السلام: أترضون بالقضاء؟ قالوا: نعم قال: أتصبرون على البلاء؟ قالوا: نعم. قال: أتشكرون في الرخاء؟ قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: مؤمنون ورب الكعبة. فجلس ثم قال: يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟ فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء. فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: {رجال يحبون أن يتطهروا} تفسير : وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا بأجمعهم. ومحبة التطيهر إيثاره والحرص عليه ومحبة الله الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه. ثم بين أنه لا نسبة بين الفريقين وأن بينهما بوناً بعيداً فقال مستفهماً على سبيل التقرير {أفمن أسس بنيانه} وهو مصدر كالعمران وأريد به المبني والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه {خير أم من أسس} دينه على ضد ذلك. والشفا هو الشفير أي الشفة، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحسر الوادي ويبقى على طرف المسيل طين واهٍ مشرف على السقوط ساعة فساعة فذلك الموضع الذي هو بصدد السقوط جرف، والهار الهائر وهو أيضاً المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط. قال الليث: الهاء مصدرها الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد في مكانه، فإذا سقط فقد انهار. وقال في الكشاف: إنه صفة قصرت عن فاعل كخلف من خالف وألفه ليست بألف فاعل إنما هي عينه وأصله "هور" على "فعل" ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل، فلكونه على شفا جرف هار كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم كان إذا انهار فإنما يسقط في قعر جهنم، يروى أنه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منه. ثم ذكر أن بنيانهم ذلك سبب لازدياد ريبهم فقال: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة} في كونه سبباً للريبة {في قلوبهم} وجوه منها: أن هدمه صار سبباً لازدياد شكهم في نبوته، ومنها أنهم ظنوا أن تخريبه لأجل الحسد فارتفع أمانهم عنه وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم فلا تزول تلك الريبة {إلا أن تقطع قلوبهم} أجزاء متفرقة إما بالموت وإما بالسيف وإما بالبلاء فحينئذٍ يضمحل أثرها عنها. والمقصود أن هذا الشك يبقى في قلوبهم أبداً ويموتون على النفاق. قال في الكشاف: يجوز أن يكون ذكر التقطيع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار. وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. التأويل: {والسابقون الأولون} الذين سبقت لهم العناية الأزلية، أو السابقون الأوّلون عند الخروج من العدم وهم أهل الصف الأول من الجنود المجندة، أو السابقون في جواب {أية : ألست بربكم}تفسير : [الأعراف: 172] الأولون في استماع هذا الخطاب، أبو السابقون في استحقاق المحبة عند اختصاصهم بتشريف يحبهم في الأزل، الأولون بأداء حق المحبة في سر يحبونه، أو السابقون عند تخمير طينة آدم في مماسة ذراتهم يد القدرة، الأولون باستكمال تصرف القدرة في كمال الأربعين صباحاً، أو السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك إلى مقام الوصال، الأولون بالوصول إلى سرادقات الجلال، وهذا السبق مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته كما قال:"حديث : نحن الآخرون السابقون" تفسير : . {من المهاجرين} عن الأوطان البشرية {والأنصار} لهم في طلب الحق {والذين اتبعوهم بإحسان} بذلوا جهدهم في متابعتهم بقدر الإمكان {رضي الله عنهم} بإعطاء الاستعدادات الكاملة {ورضوا عنه} بإيفاء حقوقها. {وممن حولكم} من أعراب صفات النفس {منافقون ومن أهل} مدينة القلب فمن صفات النفس بعضها منافق كالقوة الشهوية للوقاع فإنها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً لا حقيقة لأنها لا تتبدل بالكلية بل تميل إلى الشهوة إذا خليت وطباعها ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : وإن أخوف ما أخاف على أمتي النساء" تفسير : ومنها كافرة كالقوة الشهوية في طلب الغذاء فإنها باقية على طلبها ما دام البدن باقياً لاحتياجه إلى بدل ما يتحلل، ومنها مسلمة كالقوة الغضبية والشيطانية من الكبر والحسد والكذب والخيانة فإنها يحتمل أن تتبدل بأضدادها من التواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإيمان والذكر. فهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أربع من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" تفسير : {لا تعلمهم نحن نعلمهم} يعني أن هذه الأفعال لا يعرفها أرباب العلوم الظاهرة وإنما يعرفها أصحاب الكشوف الباطنة. {سنعذبهم مرتين} مرة بأحكام الشريعة ومرة بآداب الطريقة {ثم يردّون} بجذبات اللطف {إلى عذاب عظيم} هو الفطام عن الكونين والفناء في الله أو بجذبات القهر إلى إسبال حجب البعد والبقاء في عالم الطبيعة {وآخرون} يعني القلب وصفاته {اعترفوا} بذنوب ثوبت صفات النفس والتلوث بها {خلطوا عملاً صالحاً} هو صدق التوجه {وآخر سيئاً} هو مطاوعة النفس والهوى في بعض الأوقات. {عسى الله} أن يوفقهم للرجوع إلى طريق الحق بالكلية والإعراض عما سواه. {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها} عن دنس حب الدنيا {وتزكيهم} بالأخلاق الفاضلة فإن حب الدنيا رأس كل خطيئة. {ويأخذ الصدقات} فيه أن المعطي يجب أن لا ينظر إلا إلى الله ولا يمنّ على الفقير أصلاً {وستردون} بأقدام أعمالكم إلى الله الذي يعلم ما غاب عنكم من نتائج أعمالكم وما غبتم عنه من التقدير الأزلي وما تشاهدون بالعيون والقلوب في عالمي الملك والملكوت. {وآخرون مرجون} أخرت توبتهم ليتردّدوا بين الخوف والرجاء فيطيروا بجناحي القبض والبسط إلى أن يصلوا إلى سرادقات الهيبة والأنس. {والله عليم} بتربية عباده {حكيم} فيما يفعل من القبول والرد. {والذين اتخذوا} في عالم الطبيعة مزبلة النفس {مسجداً ضراراً} لأرباب الحقيقة {وكفراً} بأحوالهم {لمن حارب الله} هم أهل الإباحة من مدعي الفقر {لا تقم} يا رسول الروح. {أسس على التقوى} هو مسجد القلب جبل على العبودية والطاعة {من أول يوم} من الميثاق {رجال يحبون أن يتطهروا} هم الأوصاف الحميدة والملكات المزكاة عن دنس الطبيعة ولوث الحدوث. ثم ميز بين أهل السعادة والشقاوة فقال: {أفمن أسس بنيانه} أي جبل على الخير وما فيه رضا الله {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة} لأنهم جبلوا على الشقاء {إلا أن تقطع قلوبهم} غيروا عن طباعهم وذلك محال أو لا يزال يسري من مزبلة النفس وسخ وظلمة إلى قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم غيروا عن طباعهم وذلك بسكين الرياضة فتزول عنها تلك الملكات.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري. أن عمر بن الخطاب قرأ "والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان" فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين، فقال له زيد بن ثابت: والذين. فقال عمر: الذين. فقال زيد: أمير المؤمنين اعلم. فقال عمر رضي الله عنه: ائتوني بأُبي بن كعب، فأتاه فسأله عن ذلك؟ فقال أبي: والذين. فقال عمر رضي الله عنه: فنعم إذن فتابع أُبيا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: مر عمر رضي الله عنه برجل يقرأ {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب. قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا! فقال أبي: تصديق ذلك في أول سمرة الجمعة {أية : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} تفسير : [الجمعة: 3] وفي سورة الحشر {أية : والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان} تفسير : [الحشر: 10] وفي الأنفال {أية : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} تفسير : [الأنفال: 75]. وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التميمي قالا: مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ {والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} فوقف عمر، فلما انصرف الرجل قال: من أقرأك هذه؟ قال: أقرأنيها أبي بن كعب. قال: فانطلق إليه فانطلقا إليه فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية. قال: صدق تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: أنت تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم. والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام، وأنزلها جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه. فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول: الله أكبر الله أكبر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن أبي موسى. أنه سئل عن قوله {والسابقون الأوّلون} قالوا: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن سعيد بن المسيب في قوله {والسابقون الأولون} قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً. وأخرج ابن المنذر وأبو نعيم عن الحسن ومحمد بن سيرين في قوله {والسابقون الأولون} قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً، وهم أهل بدر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس {والسابقون الأوّلون من المهاجرين} قال: أبو بكر، وعمر، وعلي، وسلمان، وعمار بن ياسر. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن الشعبي في قوله {والسابقون الأولون} قال: من أدرك بيعة الرضوان، وأول من بايع بيعة الرضوان سنان بن وهب الأسدي. وأخرج ابن مردويه عن غيلان بن جرير قال: قلت لأنس بن مالك هذا الاسم الأنصار أنتم سميتموه أنفسكم أو الله تعالى سماكم من السماء؟ قال: الله تعالى سمانا من السماء. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أحب الأنصار أحبه الله، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : آية الإِيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار ". تفسير : وأخرج أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأزواج الأنصار ولذراري الأنصار الأنصار كرشي وعيبتي، ولو أن الناس أخذوا شعباً وأخذت الأنصار شعباً لأخذت شعب الأنصار، ولولا الهجرة كنت امرأ من الأنصار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن الحارث بن زياد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أحب الأنصار أحبه الله حين يلقاه، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله حين يلقاه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أنه قال "حديث : اللهمَّ صل على الأنصار، وعلى ذرية الأنصار، وعلى ذرية ذرية الأنصار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلكتم وادياً وشعباً لسلكت واديكم وشعبكم، أنتم شعار والناس دثار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ثم رفع يديه حتى اني لأرى بياض ابطيه فقال: اللهمَّ اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إلا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي، وإن كرشي الأنصار، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن هذا الحي من الأنصار حبهم إيمان وبغضهم نفاق ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه "حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهمَّ اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولنساء الأنصار، ولنساء أبناء الأنصار، ولنساء أبناء أبناء الأنصار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهمَّ اغفر للأنصار، ولذراري الأنصار، ولذراري ذراريهم، ولمواليهم، ولجيرانهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار، موالي الله ورسوله لا مولى لهم غيره ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ". تفسير : وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم، فغضبت الأنصار فأتاهم فقال: يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتالفهم على الإِسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله قلوبهم الإِسلام، يا معشر الأنصار ألم يمن الله عليكم بالإِيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم. أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم والشاء والنعم والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: رضينا. فقال: أجيبوني فيما قلت. قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، ووجدتنا ضلالاً فهدانا الله بك. فرضينا بالله رباً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبياً. فقال: أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت صدقتم، لو قلت ألم تأتنا طريداً فآويناك، ومكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وقبلنا ما رد الناس عليك، لو قلتم هذا لصدقتم. قالوا: بل لله ورسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: كان الناس على ثلاث منازل. المهاجرون الأولون، والذين اتبعوهم بإحسان، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان. فأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما. أنه أتاه رجل فذكر بعض الصحابة فتنقصه، فقال ابن عباس {والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} . وأخرج عن ابن زيد في قوله {والذين اتبعوهم بإحسان} قال: من بقي من أهل الإِسلام إلى أن تقوم الساعة. وأخرج أبو الشيخ عن عصمة رضي الله عنه قال: سألت سفيان عن التابعين قال: هم الذين أدركوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، وسألته عن الذين اتبعوهم بإحسان قال: من يجيء بعدهم. قلت: إلى يوم القيامة؟ قال: أرجو. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه: أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أريد الفتن؟ فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابهم؟ قال: ألا تقرأ {والسابقون الأولون...} الآية. أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان. يقول: يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: لكأني لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها على محمد بن كعب. وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثيِّر والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية. أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون حديث : لما أنزلت هذه الآية {والسابقون الأولون} إلى قوله {ورضوا عنه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط" .
ابو السعود
تفسير : {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ} بـيانٌ لفضائل أشرافِ المسلمين إثرَ بـيانِ فضيلةِ طائفةٍ منهم، والمرادُ بهم الذين صلَّوا إلى القبلتين أو الذين شهِدوا بدْراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة {وَٱلأَنصَـٰرِ} أهلُ بَـيْعةِ العقبةِ الأولى وكانوا سبعين رجلاً والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زُرارةَ مصعبُ بنُ عمير. وقرىء بالرفع عطفاً على والسابقون {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} أي ملتبسين به، والمرادُ به كلُّ خَصلةٍ حسنة وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن (من) تبعيضيةٌ أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعةِ إلى يوم القيامة، فالمرادُ بالسابقين جميعُ المهاجرين والأنصارِ ومن بـيانية {رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} خبرٌ للمبتدأ أي رضي الله عنهم بقَبول طاعتِهم وارتضاءِ أعمالِهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما نالوه من رضاه المستتبِعِ لجميع المطالبِ طراً {وَأَعَدَّ لَهُمْ} في الآخرة {جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} وقرىء من تحتها كما في سائر المواقع {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} من غير انتهاءٍ {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوزَ وراءه وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد لبـيان بُعدِ منزلتِهم في مراتب الفضلِ وعظمِ الدرجةِ من مؤمني الأعراب. {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلأَعْرَابِ} شروعٌ في بـيان أحوالِ منافقي أهلِ المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بـيانِ حالِ أهلِ الباديةِ أي ممن حول بلدتِكم {مُنَـٰفِقُونَ} «وهم جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وأشجَعُ وغفارٌ» كانوا نازلين حولها {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} عطفٌ على ممن حولكم عطفَ مفردٍ على مفرد وقوله تعالى: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ} إما جملةٌ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب مَسوقةٌ لبـيان غلوِّهم في النفاق إثرَ بـيانِ اتصافِهم به وإما صفةٌ للمبتدأ المذكورِ فُصل بـينهما وبـينه بما عُطفَ على خبره، أو صفةٌ لمحذوف أقيمت هي مُقامه وهو مبتدأ خبرُه من أهل المدينة كما في قوله: شعر : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا [متى أضع العمامة تعرفوني] تفسير : والجملةُ عطفٌ على الجملة السابقة أي ومن أهل المدينةِ قومٌ مردوا على النفاق أي تمهّروا. فيه من مرَن فلانٌ على عمله ومرَد عليه إذا درب به وضرِي حتى لانَ عليه ومهَر فيه، غير أن مرَدَ لا يكاد يستعمل إلا في الشر، فالتمرّدُ على الوجهين الأولين شاملٌ للفريقين حسب شمولِ النفاقِ وعلى الوجه الأخير خاصٌّ بمنافقي أهلِ المدينةِ وهو الأظهر والأنسبُ بذكر منافقي أهلِ البادية أولاً ثم ذكرِ منافقي الأعرابِ المجاورين للمدينة ثم ذكرِ منافقي أهلِها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه: {لاَ تَعْلَمُهُمْ} بـيانٌ لتمرّدهم أي تعرفِهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائِهم وأنسابِهم بل بعنوان نفاقِهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّق في مراعاة التقيةِ والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفىٰ عليك حالُهم مع ما أنت عليه من علو الكعبِ وسموِّ الطبقة في كمال الفِطنةِ وصِدقِ الفِراسةِ، وفي تعليق نفي العلمِ بهم مع أنه متعلقٌ بحالهم مبالغةٌ في ذلك وإيماءٌ إلى أن ما هم فيه من صفة النفاقِ لعَراقتهم ورسوخِهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتِهم أو مشخَّصاتِهم بحيث لا يُعَدّ من لا يعرِفهم بتلك الصفة عالماً بهم، وحُمل عدم علمِه عليه الصلاة والسلام بأعيانهم على عدم علمِه عليه الصلاة والسلام بعد مجيء هذا البـيانِ على أنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم وهو مع كونه خلافَ الظاهر عارٍ عما ذكر من المبالغة. وقوله عز وجل: {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} تقريرٌ لما سبق من مهارتهم في فن النفاقِ أي لا يقف على سرائرهم المركوزةِ في ضمائرهم إلا مَنْ لا تخفىٰ عليه خافيةٌ لِما هم عليه من شدة الاهتمامِ بإبطان الكفرِ وإظهارِ الإخلاصِ، وفي تعليق العلمِ بهم مع أن المقصودَ بـيانُ تعلقِه بحالهم ما مر في تعليق نفيِه بهم، وقولُه عز شأنُه: {سَنُعَذّبُهُم} وعيدٌ لهم وتحقيقٌ لعذابهم حسبما علم الله فيهم من موجباته، والسين للتأكيد {مَّرَّتَيْنِ} عن ابن عباس رضى الله عنهما حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخرُجْ يا فلانُ فإنك منافقٌ اخرجْ يا فلان فإنك منافقٌ» فأخرج ناساً وفضحَهم تفسير : فهذا هو العذابُ الأولُ، والثاني إما القتلُ وإما عذابُ القبرِ أو الأولُ هو القتلُ والثاني عذابُ القبرِ أو الأولُ أخذُ الزكاةِ لما أنهم يعُدّونها مغرماً بحتاً والثاني نهكُ الأبدان وإتعابُها بالطاعات الفارغةِ عن الثواب. ولعل تكريرَ عذابِهم لما فيهم من الكفر المشفوعِ بالنفاق أو النفاقِ المؤكدِ بالتمرد فيه، ويجوز أن يكون المرادُ بالمرتين مجردَ التكثيرِ كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } تفسير : [الملك: 4] أي كرةً بعد أخرى {ثُمَّ يُرَدُّونَ} يوم القيامة {إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} هو عذابُ النارِ، وفي تغيـير السبكِ بإسناد عذابِهم السابقِ إلى نونِ العظمةِ حسب إسنادِ ما قبله من العلم وإسناد ردِّهم إلى العذاب الللاحقِ إلى أنفسهم إيذانٌ باختلافهم حالاً وأن الأولَ خاصٌّ بهم وقوعاً وزماناً يتولاه سبحانه وتعالى والثاني شاملٌ لعامة الكفرةِ وقوعاً وزماناً وإن اختلفت طبقاتُ عذابِهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} [الآية: 100]. قال ابن عطاء: السابق من سبق له فى الأزل من الحق حسن عناية، فتظهر عليه فى وقت إيجاده أنوار تلك السابقة فإنه ما وصل إليه أحد إلا بعد أن سبق له منه فى الأزل لطف وعناية. سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: هم الذين سبقوا إلى الله بقلوبهم وحسن قصدهم إليه بطاعتهم له، فأفردوا هممهم بذكر الله. والله وفقهم لذلك حتى صارت قلوبهم فارغة من ذكر كل شىء إلا من ذكره. وقال أيضًا: السابقون إلى الله بصدق القصد إليه. قال الواسطى رحمة الله عليه: السباق السباق قولاً وفعلاً حذر النفس حسرة المسبوق. قوله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. قال جعفر رضى الله عنه: ما كان سبق لهم من الله من عناية وتوفيق، ورضوا عنه بما منَّ عليهم بمتابعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به، وإنفاقهم الأموال وبذل المهج. وقال الجنيد رحمة الله عليه: الرضا سرور القلب بمر القضاء، وقال: الرضا باب الله الأعظم. وقال ابن يزدانيار: رضاء الخلق عن الله بما يتجدد لديهم من ظهور قدرته، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضا عنه. وقال النصرآباذى: ما رضوا عنه حتى رضى عنهم، فبفضل رضاه عنهم رضوا عنه.
القشيري
تفسير : السابقون مختلفون؛ فَمِنْ سابقٍ بِصِدقِ قَدَمِه، ومِنْ سابقٍ بصدقِ هِمَمِه. ويقال السابقُ مَنْ ساعَدَتْه القسمةُ بالتوفيق، وأسعَدَتْه القضية بالتحقيق، فسبقت له من الله رحمتُه. ويقال سبقهم بعنايته ثم سبقوا بطاعتهم له. ويقال جَمَعَ الرِّضَاءُ صَفَّيْهِم: السابقَ منهم واللاحقَ بهم؛ قال تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. ويقال ليس اللاحق كالسابق، فالسابقُ في روحِ الطلبِ، واللاحِقُ في مقاساتِ التعبِ، ومُعاناة النَّصَبِ، وأنشدوا: شعر : السِّبَاق السِّبَاق قولاً وفعلاً حَذِّروا النَّفسَ حَسْرَةَ المسبوقِ تفسير : ويقال رِضَاهُم عن اللهِ قضيةُ رضاء الله عنهم؛ فلولا أنه رَضِيَ عنهم في آزالِه... فمتى وصلوا إلى رضاهم عنه؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {والسابقون الأولون من المهاجرين} والمراد قدماء الصحابة وهم الذين سبقوا الى الايمان وصلوا الى القبلتين وشهدوا بدرا وكان اول من اسلم خديجة رضى الله عنها وعليه الجمهور {والأنصار} اهل بيعة العقبة الاولى وكانوا سبعة نفر واهل العقبة الثانية وكانوا سبعين والذين آمنوا حين قدم عليهم ابو زراره مصعب بن عمير كما سيأتى وانما مدح السابقين لان السابق امام للتالى والفضل للمتقدم {والذين اتبعوهم باحسان} اى متلبسين به والمراد كل خصلة حسنة وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين. وقيل المراد بهم جميع الصحابة من المهاجرين والانصار فانهم سابقون الى الاسلام بالنسبة الى سائر المسلمين فمن بيانه والتابعون هم اهل الايمان الى يوم القيامة {رضى الله عنهم} خبر للمبتدأ اى رضى عنهم بقبول طاعتهم وارتضاء اعمالهم {ورضوا عنه} بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية {واعد لهم} [وآماده كرد خداى تعالى مر ايشانرا] {جنات تجرى تحتها الانهار} [بستانها كه ميرود درزير درختان آن جويها] القراء يقرأون تحتها الانهار فى هذا الموضع بغير من الا ابن كثير فانه يقرأ من تحتها كما هو فى سائر المواضع {خالدين فيها} مقدرا خلودهم فى تلك الجنات {أبدا} من غير انتهاء فهو لاستغراق المستقبل كما ان الازل لاستغراق الماضى ولاستعمالها فى طول الزمانين جدا قد يضافان الى جمعهما فيقال ابدا الآباد وازل الآزال واما السرمد فلاستغراق الماضى والمضارع {ذلك} اشارة الى ما فهم من اعداد الله سبحانه لهم الجنات المذكورة من نيل الكرامة العظمى {الفوز العظيم} الذى لا فوز وراءه. واعلم انه عليه السلام اوحى اليه وهو ابن اربعين سنة فى مكة فبايعه جماعة من الناس فعدا عليهم كفار قريش فظلموهم ليردوهم الى ما كانوا عليه فامرهم النبى عليه السلام بالهجرة الى ارض الحبشة وملكها وهو النجاشى فخرجوا نحو من ثمانين رجلا من رجب من السنة الخامسة من النبوة وهذه هى الهجرة الاولى ثم بايعه فى كل واحدة من العقبتين جمع من الانصار وكانت بيعة العقبة الاولى فى سنة احدى عشرة من النبوة وبيعة العقبة الثانية فى السنة الثانية عشرة ولما انصرف اهل العقبة الثانية الى المدينة بعث عليه السلام معهم مصعب ابن عمير ليفقه اهلها ويعلمهم القرآن فاسلم خلق كثير منهم وسمى اهل المدينة انصارا مع ان المهاجرين ايضا نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانهم نصروه عليه السلام والذين هاجروا اليهم من المؤمنين لما جاؤهم آووهم ونصروهم ثم اجتمعوا جميعا على نصرته صلى الله عليه وسلم فى الغزوات ثم هاجر عليه السلام الى المدينة فى السنة الرابعة عشرة من النبوة وهى الهجرة الثانية. واما تحويل القبلة من بيت المقدس الى الكعبة فهو وقع يوم الثلاثاء من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقامه بالمدينة وفى هذه السنة وقعت غزوة بدر الكبرى فى شهر رمضان فى تاسع عشرة وكانت غزوة الحديبية فى سنة ست من الهجرة وفيها وقعت بيعة الرضوان. قيل اجمع اصحابنا على ان افضل هذه الامة الخلفاء الاربعة. ثم الستة الباقون الى تمام العشرة. ثم البدريون. ثم اصحاب احد. ثم اهل بيعة الرضوان بالحديبية. وفى السابقون وجوه اخر السابقون اى الذين سبقت لهم العناية الازلية كما قال تعالى {أية : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} تفسير : [الانبياء: 101] الاولون فى سبق العناية لهم. وايضا السابقون فى الخروج من العدم الاولون عند الخروج وهم اهل الصف الاول فى عالم الارواح اذا كانت الارواح صفوفا كالجنود المجندة. وايضا السابقون فى الخروج من صلب آدم عند اخذ ذرات ذرياته من صلبهم الاولون عند استماع خطاب ربهم. وايضا السابقون الاولون عند تخمير طينة آدم بيده اربعين صباحا بمماسة ذراتهم بيد القدرة وباستكمال تصرف القدرة فى كمال الاربعين. وايضا السابقون عند رجوعهم بقدم السلوك الى حضرة الربوبية على اقرانهم الاولون بالوصول الى سرادقات الجلال. واعلم ان هذا السبق مخصوص بالنبى عليه السلام وامته كما اخبر بقوله "حديث : نحن الاخرون السابقون" تفسير : اى الآخرون خروجا فى الصورة السابقون دخولا فى المعنى. قال فى فتح القريب نحن الآخرون فى الزمان والوجود واعطاء الكتاب "حديث : والاولون يوم القيامة " .تفسير : اى بالفضل ودخول الجنة وفصل القضاء فتدخل هذه الامة الجنة قبل سائر الامم انتهى فالسبق اما بالقدم واما بالهمم والثانى هو المرجح المقدم -يحكى- عن ابى القاسم الجنيد قدس سره قال كنت ابكر الجامع فاسمع قد سبقت يا ابا القاسم فاقدم الوقت فى الجمعة الثانية فاسمع قد سبقت يا ابا القاسم فلم ازل كذلك حتى اصل الصبح فى الجامع فسمعت قد سبقت يا ابا القاسم فسألت الله ان يعرفنى من يسبقنى مع بكورى فهتف بى هاتف من زاوية المحراب الذى سبقك هو الذى يخرج آخر الناس فصليت الجمعة ثم جلست الى العصر فصليت جماعة ثم جلست الى ان خرج الناس وفى آخرهم شيخ همّ اى كبير فتعلقت به فقلت له يا شيخ متى تحضر الجماعة قال وقت الزوال قلت فبأى شيء تسبقنى فقد دللت عليك فقال يا ابا القاسم انا اذا خرجت من الجامع نويت إن بقيت الى يوم مثله حضرت الجامع قال فعرفت ان السبق بالهمم لا بالقدم: قال فى المثنوى شعر : اول فكر آخر آمد در عمل خاصه فكرى كوبود وصف ازل دل بكعبه ميرود در هو زمان جسم طبعى دل بكيرد زامتان اين درازو كوتهى مر جسم راست جه درازوكوته آنجا كه خداست جون خدامر جسم راتبديل كرد رفتنش بى فرسخ وبى ميل كرد
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (السابقون): مبتدأ، (والذين اتبعوهم): عطف عليه، وجملة (رضي الله عنهم): خبر. يقول الحق جل جلاله: {والسابقُون الأولون} إلى الإسلام {من المهاجرين}؛ وهم الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدراً، أو الذين أسلموا قبل الهجرة، {و} من {الأنصار}؛ وهم أهل بيعة العقبة الأولى، وكانوا سبعة، أو أهل العقبة الثانية، وكانوا سبعين، أو الذين أسلموا حين قدم عليهم مُصعب بن عُمير. {والذين اتبعوهم بإحسان}؛ اللاحقين بالسابقين من الفريقين، أو من الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة، {رَضِيَ اللهُ عنهم} بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم، {ورَضُوا عنه} بما نالوا من نِعَمه الدينية والدنيوية، {وأعَدَّ لهم جنات تجري من تَحْتَها الأنهار} وقرأ ابن كثير: "من تحتها"، كما هي في مصحف أهل مكة. {خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم} أي: الفلاح الدائم الكبير. الإشارة: لكل زمان سابقون، قد شمروا عن ساق الجد والاجتهاد، ورفضوا كل ما يقطعهم عن محبوبهم من العشائر والأولاد، قد خرقوا عوائد أنفسهم، فأبدلوا العز بالذل، والجاة بالخمول، والغنى بالفقر، والرفعة بالتواضع، والرغبة بالزهد، وشغل الظاهر بالتفرغ؛ ليتفرغ بذلك الباطن. وسافروا في طلب محبوبهم، وصحبوا المشايخ، وخدموا الإخوان، حتى ارتفعت عنهم الحجب والأستار، وتمتعوا بمشاهدة الكريم الغفار؛ فتهيؤوا لتذكير العباد، وحبت بهم الأقطار والبلاد. وفي مثلهم يقول الشاعر: شعر : تَحيا بِكم كُل أَرضٍ تَنْزِلُون بها كَأَنَّكُم في بِقاع الأرض أَمطَار وتَشتَهِي العينُ فيكم مَنْظَراً حسناً كأَنَّكُم في عُيون الناس أَقْمَارُ تفسير : {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون}. ثم ذكر بقية المنافقين، فقال: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وحده {جنات تجري من تحتها} باثبات {من} وكذلك هو في مصاحف اهل مكة. الباقون بحذف {من} ونصبوا تحتها على الظرف. وقرأ يعقوب {والأنصار والذين} بضم الراء. الباقون بجرها. من رفع عطف على قوله {والسابقون الأولون} ورفع على الابتداء والخبر قوله {رضي الله عنهم}. ومن جرّ عطفه على {المهاجرين} كأنه قال: من المهاجرين ومن الأنصار. ومن اثبت {من} فلأن في القرآن مواضع لا تحصى {جنات تجري من تحتها} ومن أسقطها تبع مصحف غير أهل مكة. والمعنى واحد. اخبر الله تعالى أن الذين سبقوا أولا إلى الايمان بالله ورسوله والاقرار بهما من الذين هاجروا من مكة إلى المدينة والى الحبشة، ومن الانصار الذين سبقوا اولا غيرهم إلى الاسلام من نظرائهم من أهل المدينة، والذين تبعوا هؤلاء بأفعال الخير والدخول في الاسلام بعدهم وسلوكهم منهاجهم. وقال الفراء: يدخل في ذلك من يجيء بعدهم إلى يوم القيامة. وقال الزجاج: مثله. ثم اخبر أن الله رضي عنهم ورضي أفعالهم ورضوا هم ايضاً عن الله لما أجزل لهم من الثواب على طاعاتهم وإيمانهم به وبنبيه. والسبق كون الشيء قبل غيره. ومنه قيل في الخيل السابق، والمصلي هو الذي يجيء في اثر السابق يتبع صلاه. وإنما كان السابق إلى الخير أفضل لانه داع اليه بسبقه - والثاني تابع - فهو امام فيه وكذلك من سبق إلى الشر كان اسوء حالا لهذه العلة. والاتباع طلب الثاني لحال الاول أن يكون على مثلها على ما يصح ويجوز، ومثله الاقتداء. والاحسان هو النفع الواصل إلى الغير مع تعريه من وجوه القبح. فأما قولهم أحسن فمن فعله فقد يكون بفعل النفع وبفعل الضرر، لأنه تعالى اذا فعل في الآخرة العقاب يقال إنه أحسن لكن لا يقال: أحسن اليه. وقوله {وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار} اخبار منه تعالى انه مع رضاه عنهم ورضاهم عنه أعد لهم الجنات يعني البساتين التي تجري تحت اشجارها الأنهار، وقيل: ان انهارها اخاديد في الأرض فلذلك قال: تحتها {خالدين فيها أبداً} اي يبقون فيها ببقاء الله لا يفنون، منعمين. وقوله {ذلك الفوز العظيم} معناه إن ذلك النعيم الذي ذكره هو الفلاح العظيم الذي تصغر في جنبه كل نعمة. واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال ابو موسى وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة: نزلت فيمن صلى القبلتين، وقال الشعبي: نزلت فيمن بايع بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية، وقال: من اسلم بعد ذلك وهاجر فليس من المهاجرين الأولين. وقال ابو علي الجبائي: نزلت في الذين أسلموا قبل الهجرة. وروي أن عمر قرأ {والأنصار} بالرفع {الذين اتبعوهم} باسقاط الواو، فقال أبي: والذين اتبعوهم بأمير المؤمنين فرجعوا إلى قوله.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ} عطف على من يؤمن بالله اى ومن الاعراب السّابقون فضلاً عن كون من يؤمن بالله منهم وعلى هذا فينبغى ان يراد بالاعراب الواقف فى بيداء النّفس لا اهل البد وفقط، حتّى يصحّ كون السّابقين بلام الاستغراق منهم ويكون الآية حنيئذٍ اشارةً الى انّ من كان فى تيه النّفس لا ينبغى ان ينظر اليه نظر الحقارة، {أية : كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [النساء:94]: شعر : هيج كافر را بخوارى سنكريد كه مسلمان مردنش باشد اميد تفسير : والتّوصيف للتّأكيد ورفع توهّم ارادة السّبق فى صورة الاسلام او الهجرة او الاحتشام او الجنود او الغزو او القتال فقط، وللاشارة الى ارادة السّبق فى السّلوك الى الله وفى مراتب عبوديّته فانّه السّبق حقيقةً او السّابقون الاوّلون مبتدء وخبر فيكون من عطف الجملة، والمعنى انّ السّابقين هم الاوّلون فى درجات القرب او مبتدء خبره من المهاجرين او رضى الله عنهم فيكون ايضاً من عطف الجملة والتّوصيف بالاوّلون لما ذكر {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ} الّذين هاجروا من مكّة الى المدينة لمحض خدمة الرّسول (ص) او من مطلق اوطانهم اليها {وَٱلأَنْصَارِ} الّذين نصروه بعد الهجرة، وقد ورد فى الخبر، انّ المهاجر من هجر السّيّئات، وفى خبرٍ: لا يقع اسم الهجرة الاّ بمعرفة الحجّة، وعلى هذا فالمراد بالمهاجرين من هجر دار نفسه المشركة الى مدينة الرّسول الّتى هى القلب، ولمّا كان الزّمان منطوياً فى مكان النّفس والقلب فلا اعتناء بالهجر المكانىّ ولا بسبقه الزّمانىّ فلا يلزم ان يكون كلّ مهاجر صحابىّ بمحض الهجرة المكانيّة وسبقه فيها مهاجراً فضلاً عن ان يكون سابقاً فى الهجرة، والمراد بالانصار السّاكنون فى مدينة القلب المتوجّهون الى عمران النّفس المطمئنّة واللّوامة المبلّغون النّاشرون احكام نبىّ القلب الى اهل بدو النّفس الامّارة وعمران النّفس المطمئنّة واللّوامة {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} عطف على السّابقون او على الاوّلون او على المهاجرين او مبتدء وخبر والجملة عطف على السّابق والاحسان ضدّ الاساءة قد يعتبر بالنّسبة الى خارج وجود الفاعل فيقال احسن الى الخلق او الى زيدٍ وقد يعتبر بالنّسبة الى ماله من الحال والفعل فيحذف المفعول فيقال: احسن زيداً وهو محسن بمعنى صار فى حاله او فعله ذا حسنٍ والحسن الحقيقىّ قد مرّ مراراً انّه الولاية، وكلّ حالٍ او فعلٍ ينسب اليها يكون حسناً وان لم ير ظاهره حسناً، وكلّ ما لم يكن منسوباً اليها فهو قبيح وان كان ظاهره حسناً، والمراد بالاحسان هنا هو جعل الحال والفعل متّصلاً بالنّبوّة والولاية والمعنى والّذين اتّبعوهم باسلام وايمان {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} قد مضى كيفيّة رضوان الله ورضا العباد فى سورة البقرة فى بيان توّابيّته تعالى {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} خبرٌ مقدّمٌ {مُنَافِقُونَ} مبتدءٌ مؤخّرٌ والجملة عطف على جملة من الاعراب من يتخذ والمعنى من الاعراب من دخل فى الاسلام مكرهاً ويتخذ ما ينفق (الى الآخر) ومنهم من دخل طوعاً لكنّه اخذ الاسلام بهوى النّفس واشار اليه بقوله ممّن حولكم فانّه يدلّ على انّه يتملّق لكم ويرضى عنكم او ممّن حولكم مبتدء ومن الاعراب خبره ومنافقون خبر بعد خبرٍ او مستأنف او حال بتقدير مبتدء، او منافقون خبر ومن الاعراب حال {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} عطف على ممّن حولكم او على من الاعراب او مبتدء وما بعده خبره والجملة عطف على سابقها {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} تمرّنوا عليه واعتادوه مستأنف او خبر من اهل المدنية على جواز قيام من التّبعيضيّة مقام الاسم او حال بتقدير قد {لاَ تَعْلَمُهُمْ} استيناف او حال او خبرٌ وهو اخبار للمؤمنين بحال المنافقين بايّاك أعنى واسمعى يا جارة، حتّى يكونوا على حذرٍ ممّن يحتملون نفاقه واعلامٌ لهم بمهارتهم فى نفاقهم {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} خبر او مستأنف او حال متداخلة او مترادفة {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} مرّة على كفرهم ومرّة على اظهارهم الاسلام نفاقاً او مرّة بنزعهم عن آمالهم ومتمنّياتهم ومرّة بمشاهدة ما اعدّ لهم فى الآخرة {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} فى القيامة.
فرات الكوفي
تفسير : {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار100} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد بن هشام [عن عبادة بن زياد عن أبي معمر سعيد بن خثيم عن محمد بن خالد الضبي وعبد الله بن شريك العامري عن سليم بن قيس. ش]: عن الحسن بن علي [عليهما السلام. أ، ر] أنه حمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: {السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} فكما أن للسابقين فضلهم على من بعدهم كذلك لأبي علي بن أبي طالب [عليهما السلام. ر] فضيلته [ب: فضله] على السابقين بسبقه السابقين. وقال: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله} واستجاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وواساه بنفسه، ثم عمه حمزة سيد الشهداء وقد كان قتل معه كثير فكان حمزة سيدهم بقرابته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ثم جعل الله لجعفر جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة حيث يشاء وذلك لمكانهما وقرابتهما من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ] ومنزلتهما منه، وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على حمزة سبعين صلاة من بين الشهداء الذين استشهدوا معه، وجعل لنساء النبي فضلاً على غيرهم لمكانهن من رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. ب]، وفضل الله الصلاة في مسجد النبي [صلى الله عليه وآله وسلّم. ب] بألف صلاة على سائر المساجد إلاّ المسجد الذي ابتناه إِبراهيم [النبي أ، ر. عليه السلام.، أ، ب] بمكة لمكان رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلّم. أ] وفضله، وعلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم [الناس الصلوات.، أ، ب] فقال: حديث : قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إِبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، فحقنا على كل مسلم أن يصلي علينا مع الصلاة فريضة واجبة من الله، تفسير : وأحلّ الله لرسوله الغنيمة وأحلها لنا وحرم الصدقات عليه وحرمها علينا، كرامة أكرمنا الله وفضيلة فضلنا الله بها.
الأعقم
تفسير : {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} الآية نزلت فيمن بايع بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية، وقيل: نزلت في الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: هم الذين شهدوا بدراً، وقيل: نزلت في الذين أسلموا قبل الهجرة، قوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} يعني حول بلدكم وهي المدينة منافقون، الآية نزلت في جهينة وأسلم وأشجع وعفار وكانت منازلهم حول المدينة وفيهم منافقون {ومن أهل المدينة} قوم {مردوا على النفاق} أصرّوا عليه واعتادوه {لا تعلمهم نحن نعلمهم} أي لا يعلمهم الا الله جل وعلا ولا يطلع على سرهم إلا الله تعالى لأنهم يبطنون الكفر ويظهرون الايمان {سنعذبهم مرتين}، قيل: هما القتل وعذاب القبر، وعن ابن عباس: اختلفوا في المرتين فقال: "حديث : قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خطيباً يوم الجمعة فقال: "أخرج يا فلان فإنك منافق، أخرج يا فلان إنك منافق" فاخرج أناس فضحهم هذا العذاب الأول والثاني عذاب القبر" تفسير : {ثم يردون إلى عذاب عظيم} أي عذاب النار {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك ثم ندموا، قيل: حديث : كانوا عشرة منهم أبو لبابة، وقيل: كانوا ثمانية يعني لم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين، وذلك أنه بلغهم ما نزل في المتخلفين فأيقنوا بالهلاك فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل المسجد وصلى ركعتين وكانت عادته كلما قدم من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم، فذكر له أنهم أقسموا لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحل لهم، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "وأنا أقسم لا أحلّهم حتى أؤمر فيهم" فنزلت الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا الذي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا، فقال: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً" تفسير : {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} تخلفاً عنه، وقيل: السيء تخلفهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وترك الجهاد {عسى الله أن يتوب عليهم} عسى من الله واجبة عن الحسن وأبي علي {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، قيل: هي الزكاة المفروضة قوله تعالى: {وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم} أي ادع لهم واستغفر لهم، قال في الغرائب: صلّ عليهم وإذا ماتوا خلاف ما نهيت عن الصلاة عليه، بقوله: {أية : ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} تفسير : [التوبة: 84] {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} مجاز عن قبولها {وإن الله هو التواب الرحيم} ولما بين تعالى قبول توبتهم حذرهم في مستقبل أوقاتهم فقال تعالى: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم} وعيد لهم، وقيل: معناه اعملوا ما أمركم الله تعالى به من الصدقات وغيرها فإن الله سيرى عملكم {ورسوله} يعني يرى رسوله ويعلم وهو شهيد عليكم {وآخرون مرجون لأمر الله} وآخرون من المتخلفين عاقبة أمرهم {إما يعذبهم} أي بقوا على إصرارهم ولم يتوبوا {وإما يتوب عليهم} إن تابوا وهم ثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه ألاَّ يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولا يفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه وغيره من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغمّ، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله تعالى وأصلحوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم الله وتاب عليهم بعد خمسين ليلة، ونزل فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا الآية.
اطفيش
تفسير : {والسَّابقُون الأوَّلونَ} مبتدأ وخبر، أى السابقون بالخير هم الأولون، أو مبتدأ أو نعت، والخبر رضى الله عنهم {مِنَ المهاجرينَ والأنْصارِ} أما السابقون من المهاجرين فالذين صلوا إلى القبلتين، وأما من الأنصار فأهل بيعة العقبة الأولى، وهم سبعة، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم فى المدينة: أبو زرارة مصعب بن عمير، علمهم القرآن. وقيل: أهل العقبة الأولى وهم ستة، والثانية وهم اثنا عشر، وقيل: أحد عشر، والثالثة وهم سبعون منهم البراء بن معرور، وعبد الله ابن عمرو، وابن حزام، وسعد بن عبادة، وسعد بن الربيع، وعبد الله ابن رواحة، أما الستة: فأبوا أمامة سعد بن زرارة، وعوف بن الحارث ابن رفاعة، وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن عجلان، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابى، وجابر بن عبد الله بن رباب، وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام، ومنهم من يجعل فيهم عبادة بن الصامت، وبعضهم يجعله بدل جابر، واعدوه أن يرجعوا إلى عشائرهم ويدعوهم إلى الإسلام بعد أن يصلحوا ذات بينهم ليجتمعوا عليه، وقد كانت قبل عامهم ذلك حرب، وأن يرجعوا العام القابل فلم تبق دار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقيه فى القابل اثنا عشر، وهم أصحاب العقبة الثانية، وهم الستة إلا جابر ومعاذ بن الحارث بن رفاعة، أخو عوف، وذكر أن ابن عبد قيس الزرقى، وعبادة بن الصامت، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة، وهم من الخزرج، وأبو الهيثم بن التيهان بإسكان التحتية، وقيل: بتشديدها من بنى عبد الأشهل، وعويم بن ساعدة، وهما من الأوس، وكان أسعد يجتمع بمن أسلم فى المدينة، وكتب إليه الأوس والخزرج أن ابعثوا إلينا من يعلمنا القرآن، فبعث إليهم مصعبا، وقيل: كتب إلى مصعب بهم أن يجتمع بهم، وبايعه الاثنا عشر كبيعة النساء بعد، وعلى السمع والطاعة، فى العسر واليسر، والمنشط والمكره، وقبول تفضيله غيرهم عليهم، وعدم منازعة الأمر أهله، والقول بالحق بلا خوف لوم لائم وأظهر الله الإسلام بهم فى المدينة. وكانت الجمع فى الصلاة بأربعين رجلا، أسلم بيد مصعب كثير منهم: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وأسلم بهم جميع بنى عبد الأشهل فى يوم واحد إلا عمرو بن ثابت، فأسلم يوم أحد واستشهد ولم يسجد سجدة، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، ولم يكن فى بنى عبد الأشهل، ففى العام الثالث، وأهلها سبعون رجلا، وقيل: وامرأتان، وقيل: يريدون رجلا أو رجلين. وقال ابن إسحاق: ثلاثة وسبعون وامرأتان، وقال الحاكم: خمسة وسبعون منهم ثلاث نسوة، وأول من بايع البراء بن معرور، وقيل: أبو الهيثم، وقيل: أسعد بايعوه يومئذ على منعه مما يمنعون أهلهم، وعلى حرب العرب والعجم، وحضر هذه العقبة العباس يتوثق له صلى الله عليه وسلم، وكان على دين قومه، وذلك ليلا. وأول من هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم عامر بن ربيعة، وامرأته ليلى، ثم عبد الله بن جحش، ثم المسلمون أرسالا، ثم عمر ابن الخطاب وأخوه زيد، وعياش بن ربيعة فى عشرين راكبا، ثم عثمان، قيل: حتى لم يبق معه إلا أبو بكر وعلى، وذكر بعض: أن ذكوان رجل من المدينة إلى مكة، وسكنها معه صلى الله عليه وسلم، ثم هاجر وهو مهاجرى أنصارى، قتل يوم أحد. وقيل: {السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} هم أهل بدر، وحولت القبلة قبل بدر بشهرين، وقيل: الذين أسلموا قبل الهجرة، وقيل: أهل بيعة الرضوان، وقال محمد بن كعب القرظى جميع الصحابة لحصول السبق لهم بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ضعيف، لأن من أسلم يوم الفتح ليس مهاجريا ولا أنصاريا، ولا يشمل اللفظ، وكذا سائر من أسلم، وليس بواحد. وقيل: كل من هاجر قبل نسخ الهجرة، وكل من أسلم من الأوس والخزرج على عهده صلى الله عليه وسلم، وقد قسم الصحابة ثلاثة: مهاجرى، وأنصارى، وسائر من أسلم من الصحابة، إلا إن قيل: المراد بالأنصار كل ناصر لرسول الله لو لم يكن من الأوس والخزرج، وهم طبقات: من أسلم أول البعث كخديجة، وأبى بكر، وعلى، ومن أسلم بحمل عمر بعد إسلامه النبى صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى دار الندوة، ومن هاجر إلى الحبشة كجعفر بن أبى طالب، وكانوا أحد عشر، وقيل: اثنا عشر معهم أربع نسوة، وقيل: خمس، وقيل: اثنتان وأميرهم عثمان بن مظعون، وقال الزهرى: لم يكن فيهم أمير. وأول من خرج عثمان بن عفان مع رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، خبرهما عنه فأخبرته امرأته بأنه قد حمل امرأته على حمار، فقال إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط، وفيهم من هاجر بأهله سواء، وذلك سنة خمس من النبوة، وأصحاب العقبة الأولى، وأصحاب الثانية، وأصحاب الثالثة، ومن هاجر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحقه بقباء قبل بناء المسجد، والانتقال إلى المدينة، وأهل بدر الكبرى، ومن هاجر بين بدر والحديبية، ومن بايع بيعة الرضوان، ومن هاجر بعد الحديبية وقبل الفتح: كخالد وعمرو بن العاص، وأبو هريرة، ورجح أنه هاجر قبل الحديبية عقب خيبر فى أواخر خيبر، ومن أسلم يوم الفتح وهم خلق كثير ما بين بائع وكار، ثم حسن إسلامه، ومن هو صبى أدرك النبى صلى الله عليه وسلم وأراه يوم الفتح أو بعده فى حجة الوداع وغيرها، كالسائب بن زيد. وأول الناس إسلاماً خديجة، هى من أول مَنْ صلى معه صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر، وقيل: أسلم قبله على، وعليه الأكثر، بل قال ابن عبد البر باتفاق: وهو صبى ذو عشر سنين، بمعنى أنه صدق به، وكره أمر قومه، وقيل: أقل من عشر، وقيل أكثر، وقيل بالغ، والصحيح خلافه، وقيل: تلاها فى الإسلام ورقة بن نوفل، وقيل زيد بن حارثة. ويجمع ذلك بأن أول من أسلم على الإطلاق خديجة، وأول من أسلم من الرجال الأحرار، وأظهر إسلامه ودعى إليه أبو بكر، وأول من أسلم منهم بدون إفشاء ودعاء إليه ورقة، وأول من صدق به وأذعن له من الصبيان على، ومن الموالى زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال، وأول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل زوج العباس، وأسماء بنت أبى بكر، قيل: وعائشة، ويرده أنها حينئذ لم تولد، وإنما ولدت سنة أربع من البعثة. وأسلم بعد زيد عثمان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد ابن أبى وقاص، وطلحة بن عبيد الله، دعاهم أبو بكر فاستجابوا له، ثم أبو عبيدة عامر بن الجراح، وأبو سامة عبد الله بن عبد الأسد، والأرقم بن أبى الأرقم المخزومى، وعثمان بن مظعون، وأخوه أدامة، وعبد الله وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل، وامرأته فاطمة بنت الخطاب. ولم يسلم بسبب أحد أكثر مما أسلم بأبى بكر، والأمثل ما أسلم به، وذلك أنه محبب فى قومه، وكان سهلا لينا أنسب قريش لقريش، وأعلمها بما فيها، وسخيا وذا خلق حسن، وكان يدعو من يثق به من قومه، وقرأ عمر والحسن وقتادة ويعقوب برفع الأنصار عطفا على السابقون، وعلى القراءتين يكون عطف ما بعد. {والَّذينَ اتَّبعوهُم بإحْسانٍ} إلى يوم القيامة وقيل: بقية المهاجرين والأنصار، سوى السابقين، وقال عطاء: هم الذين يذكرون فيترحمون عليهم، ويدعون لهم، وفى حديث: "حديث : من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، ومات ولا يشرك بالله شيئا غفر الله له حقا هاجر أو قعد فى مولده إنما يتقبل الله من المتقين" تفسير : وذلك بعد نسخ الهجرة، وكون الجهاد تطوعا. قال: "حديث : وإنما فى الجنة لمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض للمجاهدين، ولولا أن أشق على أمتى، ولا أجد ما أحملهم عليه، ولا تطيب أنفسهم بالتخلف، ما قعدت خلف سرية، ولوددت أن أقاتل فى سبيل الله سبحانه وتعالى فأقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل" تفسير : قال جمهور العلماء السلف والخلف: إن الصحابة أفضل الخلق بعد النبى صلى الله عليه وسلم، وفى الحديث: "حديث : خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" تفسير : أو قاله ثلاثا، واختلفوا فى القرن من عشرة إلى مائة وعشرين، وقال فى فتح البارى: لم أر من صرح بالتسعين، ولا بمائة وعشرة. قلت: قال العلامة الشيخ إبراهيم اللقانى: قد رأينا الإمام الفارقانى صرح بقول من قال: إنه تسعون، وقول من قال: إنه مائة وعشرة، وقال صاحب المحكم: هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمان، وهذا أعدل الأقوال والترتيب فى قوله: "ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" بالنسبة إلى المجموع عند ابن عبد البر، قال: قد يكون فيمن يأتى بعد الصحابة أفضل ممن كان فى جملة الصحابة. وفى حديث أبى أمامة: "حديث : طوبى لمن رآنى وآمن بى، وطوبى سبع مرات لمن لم يرنى وآمن بى" تفسير : وفى حديث عمر: "حديث : أفضل الخلق إيمانا قوم فى أصلاب الرجال يؤمنون بى ولم يرونى، فهم أفضل الخلق إيمانا" تفسير : لكن سنده ضعيف، وفى حديث أبى عبيدة بن الجراح: "حديث : يا رسول الله هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك، وجاهدنا معك؟ قال: "قوم يكونون بعدكم يؤمنون بى ولم يرونى" ". تفسير : وكتب عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة إلى كل من فقهاء زمانه: أن أكتب إلىَّ بسيرة عمر، منهم سالم بن عبد الله، فكلهم كتب إليه أن عملت بسيرة عمر، فأنت أفضل من عمر، لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر. وفى حديث: "حديث : مثل أمتى مثل المطر، لا يدرى آخره خير أم أوله" تفسير : وفى حديث: "حديث : ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا، وأن يخزى الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها" تفسير : وفى حديث: "حديث : تأتى أيام للعامل فيهن أجر خمسين منكم" تفسير : وقال الجمهور: إنه لا يكون غير الصحابى كالصحابى، ولا أفضل منه ولو صحبة، ورآه مرة من عمره. واشتهر فى كتبنا الفقهية: أن واحدا ممن يأتى خير من سبعين من أبى بكر وعمر، وهذا مما يناسب مذهب ابن عبد البر، وهذا ما مر الاستدلال به يقتضى التسوية بين أول الأمة وآخرها فى فضل العمل، قال ابن عبد البر: إلا أهل بدر والحديبية، وأجيب من جانب الجمهور: بأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة، وبأن الأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله فى ذلك العمل. وأما ما فاز به من شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشاهدة له، والقتال معه، أو بأمره، والإنفاق بسببه فلا يعدله أحد فى الفضل، قال الله تعالى: {أية : لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح} تفسير : الآية وبأنه يحتمل أن يقول ذلك قبل علمه بأفضلية الصحابة، ولما علمها صرح بقوله: "حديث : لو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا لم يبلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه" تفسير : وبقوله: "حديث : خير القرون قرنى" تفسير : وأيضا هم ضبطوا الشرع لمن يأتى. وذكر بعض: أن الخلاف فى صحابى لم يحصل له إلا مجرد الرؤية، وأن قد زاد بنحو رواية أو غزو فلا نزاع فيه أنه أفضل، وكان عمر يرى الذين اتبعوه بغير واو، وقيل: الذين فيكون نعتا للأنصار، قال له زيد ابن ثابت: إنه بالواو، فقال: إيتونى بأبىّ بن كعب، فقال بالواو، فقال عمر: ما كنا نرى إلا أنا قد رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد، فقال أبى: إن مصداق هذا فى سورة الجمعة: {أية : وآخرين منهم لما يلحقوا بهم} تفسير : وفى سورة الحشر: {أية : والذين جاءوا من بعدهم يقولون} تفسير : الآية، وفى سورة الأنفال: {أية : والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم} تفسير : ورجع عمر إلى قول زيد. وروى أنه سمع قارئا بالواو وقال: من أقرأك؟ فقال: أبىّ، فدعاه فقال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنك لتبيع القرظ بالبقيع، قال: صدقت، وإن شئت قلت: شهدنا وغبتم، ونصرنا وخذلتم، وآوينا وطردتم، يشير رضى الله عنه إلى قريش. {رَضىَ اللهُ عنْهُم} بالتوفيق وقبول الأعمال {ورَضُوا عَنْه} بما أفاض عليهم من نعم الدنيا والآخرة {وأعدَّ لَهم جَنَّاتٍ تَجْرى تَحْتَها الأنهارُ} وقرأ ابن كثير وحده: من تحتها كذا فى مصاحف أهل مكة وحدها {خَالدِينَ فِيهَا أبداً ذَلكَ الفوْزُ العَظيمُ} جعلنا الله من التابعين بإحسان.
الالوسي
تفسير : {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلاْوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ} بيان لفضائل أشراف المسلمين إثر بيان [فضيلة] طائفة منهم، المراد بهم كما روي عن سعيد وقتادة وابن سيرين وجماعة الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن رباح: هم أهل بدر، وقال الشعبـي: هم أهل بيعة الرضوان وكانت بالحديبية، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة {وَٱلاْنصَـٰرِ} أهل بيعة العقبة الأولى وكانت في سنة إحدى عشرة من البعثة وكانوا على ما في بعض الروايات سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية وكانت في سنة اثنتي عشرة وكانوا سبعين رجلاً وامرأتين والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله عليه الصلاة والسلام مع أهل العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} أي متلبسين به، والمراد كل خصلة حسنة، وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن {مِنْ} تبعيضية أو الذين أتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، ومعنى كونهم سابقين أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين وكثير من الناس ذهب إلى هذا. روي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوماً لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان بينهم من الفتن فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم فقلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله الا تقرأ قوله تعالى: {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلاْوَّلُونَ} الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجيمع أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطاً قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: شرط عليهم أن يتبعوهم باحسان وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال: هو أن يتبعوهم / بإحسان في القول وان لا يقولوا فيهم سوءاً وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه، قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط، وعلى هذا تكون الآية متضمنة من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما لم تتضمنه على التقدير الأول. واعترض القطب على التفاسير السابقة للسابقين من المهاجرين بأن الصلاة إلى القبلتين وشهود بدر وبيعة الرضوان مشتركة بين المهاجرين والأنصار. وأجيب بأن مراد من فسر تعيين سبقهم لصحبتهم ومهاجرتهم له صلى الله عليه وسلم على من عداهم من ذلك القبيل. واختار الإمام ((أن المراد بالسابقين من المهاجرين السابقون في الهجرة ومن السابقين من الأنصار السابقون في النصرة وادعى أن ذلك هو الصحيح عنده، واستدل عليه بأنه سبحانه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون فيماذا فبقي اللفظ مجملاً إلا أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً علم أن المراد من السبق السبق في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ، وأيضاً كل واحدة من الهجرة والنصرة لكونه فعلاً شاقاً على النفس طاعة عظيمة فمن أقدم عليه أولاً صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقوياً لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم وسبباً لزوال الوحشة عن خاطره الشريف عليه الصلاة والسلام فلذلك أثنى الله تعالى على كل من كان سابقاً إليهما وأثبت لهم ما أثبت، وكيف لا وهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين بإسلامهم وقوي قلبه صلى الله عليه وسلم بسبب دخولهم في الإسلام واقتداء غيرهم بهم فكان حالهم في ذلك كحال من سن سنه حسنة؛ وفي الخبر «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» ولا يخفى أنه حسن. ويجوز عندي أن يراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر واتخاذ ما ينفقون قربات والقرينة على ذلك ظاهرة، وأياماً كان فالسابقون مبتدأ خبره قوله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم {وَرَضُواْ عَنْهُ} بما نالوه من النعم الجليلة الشأن. وجوز أبو البقاء أن يكون الخبر {ٱلاْوَّلُونَ} أو {مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ} وأن يكون {ٱلسَّـٰبِقُونَ} معطوفاً على {أية : مَن يُؤْمِنُ }تفسير : [التوبة:99] أي ومنهم السابقون وما ذكرناه أظهر الوجوه. وعن عمر رضي الله تعالى عنه انه قرأ {والأنصار} بالرفع على أنه معطوف على {ٱلسَّابِقُونَ}. وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وغيرهم عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقرأ بإسقاط الواو من {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم} فيكون الموصول صفة الأنصار حتى قال له زيد: إنه بالواو فقال ائتوني بأبـي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال: هي بالواو فتابعه. وأخرج أبو الشيخ عن أبـي أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي قالا: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ {وَٱلَّذِينَ} بالواو فقال: من أقرأك هذه؟ فقال: أبـي فأخذ به إليه فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هكذا قال أبـي: صدق وقد تلقنتها كذلك من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: أنت تلقنتها كذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم فأعاد عليه فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام وأنزلها جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول الله أكبر الله أكبر. وفي رواية أخرجها أبو الشيخ أيضاً عن محمد بن كعب أن أبياً رضي الله تعالى عنه: تصديق هذه الآية في أول الجمعة [3] {أية : وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ }تفسير : وفي أوسط الحشر [10] {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءوا مِن بَعْدِهِمْ }تفسير : وفي آخر الأنفال[75] {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِن بَعْدُ } تفسير : الخ، ومراده رضي الله تعالى عنه أن هذه الآيات تدل على أن التابعين غير الأنصار، / وفيها أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا وأراد اختصاص السبق بالمهاجرين. وظاهر تقديم المهاجرين على الأنصار مشعر بأنهم أفضل منهم وهو الذي يدل عليه قصة السقيفة، وقد جاء في فضل الأنصار ما لا يحصى من الأخبار. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» تفسير : . وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله تعالى بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم فغضب الأنصار فأتاهم فقال: «يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتألفهم على الإسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله تعالى قلوبهم الإسلام ثم قال: يا معشر الإسلام ألم يمن الله تعالى عليكم بالإيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله تعالى وأنصار رسوله عليه الصلاة والسلام ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم البعير والشاء وتذهبون برسول الله؟ فقالوا: رضينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : أجيبوني فيما قلت. قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، وجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، وجدتنا ضلالاً فهدانا الله تعالى بك فرضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، فقال عليه الصلاة والسلام: لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم لو قلتم ألم تأتنا طريداً فآويناك ومكذباً فصدقناك ومخذولاً فنصرناك وقبلنا ما رد الناس عليك لصدقتم، قالوا: بل لله تعالى ولرسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا" تفسير : فانظر كيف قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أجابوه رضي الله تعالى عنهم. {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلانْهَـٰرَ} أي هيأ لهم ذلك في الآخرة. وقرأ ابن كثير {من تحتها} وأكثر ما جاء في القرآن موافق لهذه القراءة {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً} من غير انتهاء {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي الذي لا فوز وراءه، وما في {ذٰلِكَ} من معنى البعد قيل لبيان بعد منزلتهم في الفضل وعظم الدرجة من مؤمني الأعراب، ولا يخفى أن هذا لا يكاد يصح إلا بتكلف ما إذا أريد من الذين اتبعوهم صنف آخر غير الصحابة لأن الظاهر أن مؤمني الأعراب صحابة ولا يفضل غير صحابـي صحابياً كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسبوا أصحابـي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»تفسير : ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره»تفسير : من باب المبالغة.
ابن عاشور
تفسير : عُقِّب ذكر الفرق المتلبسة بالنقائص على تفاوت بينها في ذلك بذكر القدوة الصالحة والمثل الكامل في الإيمان والفضائل والنصرة في سبيل الله ليحتذِي مُتطلب الصلاح حذوَهم، ولئلا يخلوَ تقسيم القبائل الساكنة بالمدينة وحَواليها وبَواديها، عن ذكر أفضل الأقسام تنويهاً به. وبهذا تم استقراء الفرق وأحوالها. فالجملة عطف على جملة: {أية : ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً}تفسير : [التوبة: 98]. والمقصود بالسبق السبق في الإيمان، لأن سياق الآيات قبلها في تمييز أحوال المؤمنين الخالصين، والكفار الصرحاء، والكفار المنافقين؛ فتعين أن يراد الذين سبقوا غيرهم من صنفهم، فالسابقون من المهاجرين هم الذين سبقوا بالإيمان قبل أن يهاجِر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والسابقون من الأنصار هم الذين سبقوا قومهم بالإيمان، وهم أهل العقبتين الأولى والثانية. وقد اختلف المفسرون في تحديد المدة التي عندها ينتهي وصف السابقين من المهاجرين والأنصار معاً، فقال أبو موسى وابن المسيب وابن سيرين وقتادة: من صلى القبلتين. وقال عطاء: من شهد بدراً. وقال الشعبي: من أدركوا بيعة الرضوان. وهذه الأقوال الثلاثة تعتبر الواو في قوله: {والأنصار} للجمع في وصف السبق لأنه متحد بالنسبة إلى الفريقين، وهذا يخص المهاجرين. وفي «أحكام ابن العربي» ما يشبه أنَّ رأيه أن السابقين أصحاب العقبتين، وذلك يخص الأنصار. وعن الجبائي: أن السابقين مَن أسلموا قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ولعله اختيار منه إذ لم يسنده إلى قائل. واختار ابن عطية أن السابقين هم من هاجر قبل أن تنقطع الهجرة، أي بفتح مكة، وهذا يَقصر وصفَ السبق على المهاجرين. ولا يلاقي قراءة الجمهور بخفض {الأنصار}. و{من} للتبعيض لا للبيان. والأنصار: جمع نصير، وهو الناصر. والأنصار بهذا الجمع اسم غلب على الأوْس والخزرج الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته أو بعد وفاته وعلى أبنائهم إلى آخر الزمان. دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف، فيطلق على أولاد المنافقين منهم الذين نشأوا في الإسلام كولد ابن صياد. وقرأ الجمهور {والأنصار} بالخفض عطفاً على المهاجرين، فيكون وصف السابقين صفة للمهاجرين والأنصار. وقرأ يعقوب {والأنصارُ} بالرفع، فيكون عطفاً على وصف {السابقون} ويكون المقسَّم إلى سابقين وغيرهم خصوص المهاجرين. والمراد بالذين اتبعوهم بقية المهاجرين وبقية الأنصار اتبعوهم في الإيمان، أي آمنوا بعد السابقين: ممن آمنوا بعد فتح مكة ومن آمنوا من المنافقين بعد مدة. والإحسان: هو العمل الصالح. والباء للملابسة. وإنما قيد هذا الفريق خاصة لأن السابقين الأولين ما بعثهم على الإيمان إلا الإخلاص، فهم محسنون، وأما الذين اتبعوهم فمن بينهم من آمن اعتزازاً بالمسلمين حين صاروا أكثر أهل المدينة، فمنهم من آمن وفي إيمانه ضعف وتردد، مثل المؤلفة قلوبهم، فربما نزل بهم إلى النفاق وربما ارتقى بهم إلى الإيمان الكامل، وهم المذكورون مع المنافقين في قوله تعالى: {أية : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض}تفسير : [الأحزاب: 60] فإذا بلغوا رتبة الإحسان دخلوا في وعد الرضى من الله وإعداد الجنات. وجملة: {رضي الله عنهم} خبر عن {السابقون}. وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي لقصد التقوي والتأكيد. ورضَى الله عنهم عنايته بهم وإكرامه إياهم ودفاعه أعداءَهم، وأما رضاهم عنه فهو كناية عن كثرة إحسانه إليهم حتى رضيت نفوسهم لما أعطاهم ربهم. والإعداد: التهيئة. وفيه إشعار بالعناية والكرامة. وتقدم القول في معنى جري الأنهار. وقد خالفت هذه الآية عند معظم القراء أخواتها فلم تذكر فيها (مِنْ) مع (تَحتِها) في غالب المصاحف وفي رواية جمهور القراء، فتكون خالية من التأكيد إذ ليس لحرف (من) معنى مع أسماء الظروف إلا التأكيد، ويكون خلو الجملة من التأكيد لحصول ما يغني عنه من إفادة التقوي بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، ومن فعل (أعد) المؤذن بكمال العناية فلا يكون المعد إلا أكمل نوعه. وثبتت (مِن) في مصحف مَكة، وهي قراءة ابن كثير المكي، فتكون مشتملة على زيادة مؤكدين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان، أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنات والفوز العظيم، وبين في مواضع أخر. أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير كقوله جل وعلا: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِم} تفسير : [الجمعة: 3] الآية، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا} تفسير : [الحشر: 10] الآية، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُم} تفسير : [الأنفال: 75]. ولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة، أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا، حيث أبغض من رضي الله عنه. ولا شك أن بغض من رضي الله عنه مضادة له جل وعلا، وتمرد وطغيان.
الواحدي
تفسير : {والسابقون الأولون} يعني: الذين شهدوا بدراً {من المهاجرين والأنصار} يعني: الذين آمنوا منهم قبل قدوم الرَّسول عليهم، فهؤلاء السُّبَّاق من الفريقين. وقيل: أراد كلَّ مَنْ أدركه من أصحابه، فإنَّهم كلَّهم سبقوا هذه الأمَّة بصحبة النَّبي صلى الله عليه وسلم ورؤيته {والذين اتبعوهم بإحسان} يعين: ومن اتَّبعهم على منهاجهم إلى يوم القيامة ممَّن يُحسن القول فيهم. {وممن حولكم من الأعراب منافقون} يعني: مزينة وجهينة وغفاراً {ومن أهل المدينة} الأوس والخزرج {مردوا على النفاق} لجُّوا فيه، وأبوا غيره {سنعذبهم مرتين} بالأمراض والمصائب في الدُّنيا، وعذاب القبر {ثم يردون إلى عذاب عظيم} وهو الخلود في النَّار. {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} في التَّخلُّف عن الغزو {خلصوا عملاً صالحاً} وهو جهادهم مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبل هذا {وآخر سيئاً} تقاعدهم عن هذه الغزوة {عسى الله} واجبٌ من الله {أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} ثمَّ تاب على هؤلاء وعذرهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلَّفتنا عنك فخذها منَّا صدقةً وطهِّرنا، واستغفر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: والسابقون: أي إلى الإِيمان والهجرة والنصرة والجهاد. اتبعوهم بإحسان: أي في أعمالهم الصالحة. رضي الله عنهم: بسبب طاعتهم له وإنابتهم إليه وخشيتهم منه ورغبتهم فيما لديه. ورضوا عنه: بما أنعم عليهم من جلائل النعم وعظائم المِنَنْ. وممن حولكم: أي حول المدينة من قبائل العرب. مردوا: مرقوا وحذقوه وعتوْا فيه. سنعذبهم مرتين: الأولى قد تكون فضيحتهم بين المسلمين والثانية عذاب القبر. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} وهم الذين سبقوا غيرهم إلى الإِيمان والهجرة والنصرة والجهاد، والذين اتبعوهم في ذلك وأحسنوا أعمالهم فكانت موافقة لما شرع الله وبين رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ الجميع رضي الله عنهم بإيمانهم وصالح أعمالهم، ورضوا عنه بما أنالهم من إنعام وتكريم، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً أي وبشرهم بما أعد لهم من جنات وقوله {ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك المذكور من رضاه تعالى عنهم ورضاهم عنه وإعداد الجنة لهم هو الفوز العظيم، والفوز السلامة من المرهوب والظفر بالمرغوب فالنجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [100] وأما الآية الثانية فقد تضمنت الإِخبار بوجود منافقين في الأعراب حول المدينة، ومنافقين في داخل المدينة، إلا أنهم لتمرسهم وتمردهم في النفاق أصبحوا لا يُعرفون، لكن الله تعالى يعلمهم هذا معنى قوله تعالى {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، وقوله تعالى {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} وعيد لهم نافذ فيهم لا محالة وهو أنه تعالى سيعذبهم في الدنيا مرتين مرة بفضحهم أو بما شاء من عذاب ومرة في قبورهم، ثم بعد البعث يردهم إلى عذاب النار وهو العذاب العظيم، وقوله تعالى في الآية الثانية [102] {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} هؤلاء أُناس آخرون تخلفوا عن الجهاد بغير عذر وهم أبو لبابة ونفر معه ستة أو سبعة أنفار ربطوا أنفسهم في سواري المسجد لما سمعوا ما نزل في المتخلفين وقالوا لن نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلطوا عملاً صالحاً وهو إيمانهم وجهادهم وإسلامهم وعملاً سيئاً وهو تخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، فقوله تعالى {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} إعلامهم بتوبة الله تعالى عليهم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحل رباطهم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق بها واستغفر لنا فقال ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل السبق للخير والفوز بالأولية فيه. 2- فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيرهم ممن جاء بعدهم. 3- فضل التابعين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحسنوا المتابعة. 4- علْم ما في القلوب إلى الله تعالى فلا يعلم أحد من الغيب إلا ما علَّمه الله عز وجل. 5- الرجاء لأهل التوحيد الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً بأن يغفر الله لهم ويرحمهم.
القطان
تفسير : رضي الله عنهم: قبِل طاعتهم. ورضوا عنه: بما افاض عليهم من نعمة. مَردوا على النفاق: ثبتوا عليه، واتقنوا اساليبه. بعد تصنيف الأعراب الى مؤمنين ومنافقين، صنف الله تعالى المجتمع كله حاضِرَه وبادِيَه الى اربع طبقات: الأولى: السابقون الأولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم بإحسان. الثانية: المنافقون الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة والأعراب. الثالثة: الذين خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا. والرابعة: الذين ارجئ الحكم في أمرهم حتى يقضي الله فيهم بقضائه. {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ.....}. هؤلاء هم الطبقة الأولى: السابقون من المهاجرين الذين لاقَوا من الشدائد والعذاب والاضطهاد ما اضطرهم إلى الهجرة، والسابقون من الأنصار، الذين آووا الرسول ونصروه، والذين ابتعوهم بإحسان. هذه الطبقة بمجموعاتها الثلاث هم القاعدة الاساسية للمجتمع المسلم. هؤلاء جميعا رضي الله عنهم في ايمانهم وإسلامهم، فقبِلَ طاعتهم وسجيزيهم أحسنَ الجزاء، ورضوا عنه بالاطمئنان اليه، والثقة بقَدَره. ولذلك {أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. وهذا الوعدُ الكريم من رب العالمين هو الذي يستبشر به أولئك المسلمون.. إنه جنات تجري الأنهار تحت اشجارها، فينعمون فيها نعيماً أبديا، وأيّ فوز بعد هذا!! ثم إنه يذكر حال الطبقة الثانية، وهم منافقو أهلِ المدينة ومن حولَها: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ}. لقد سبق الحديثُ عن المنافقين عامة، لكن الحديث هنا عن صنف خاص منهم، حَذَقَ النفاقَ ومَرَنَ عليه، حتى لَيخفى امره على رسول الله مع كل فراسته وتجربته. والله تعالى يقرر ان هذه الفئة من الناس موجودةٌ في أهل المدينة وفي الأعراب المحيطين بالمدينة، ويُطمئن الرسولَ الكريم والمؤمنين معه، من كيدِ هذه الفئة الماكرة، وانه سيتولى أمرهم ولن يدعَهُم، بل سيعذّبهم عذاباً مضاعفا: مرتين في الدنيا، مرةً بنصر المسلمين على اعدائهم مما يغيظ أولئك المنافقين، ومرة بفضيحتهم وكشف نفاقهم. أما في الآخرة فسيَصْلَون عذاب جهنم وهولها الشديد. وجملة القول ان المنافقين فريقان: فريق عُرفوا بأقوال قالوها، وأعمال عملوها.. وهؤلاء مكشوفون معرفون، وفريق حذَقوا النفاق حذَقوا النفاق حتى لا يشعر احد بشيء يستنكره منهم. وهذان الفريقان يوجَدان في كل عصر، والأمة مبتلاةٌ بهم في كل قطر، وهم يزعمون انهم يخدمون الأمة باسم الوطنية او اسم الدين، ويستغلّون مناصِبهم، ويجمعون الاموال لأنفسِهم. نسأل الله السلامة منهم. {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. هذه هي الطبقة الثالثة: هؤلاء من المؤمنين ليسوا منافقين، ولا من السابقين الأولين ولكنهم من الذين خَلطوا الصالحَ من العمل بالسيء منه، كالّذين تخلّفوا عن الخروج الى غزوة تبوك من غير عذر صحيح، ولم يستأذنوا كاستئذان المرتابين، ولم يعتذِروا بالكذب كالمنافقين. ومنهم ثلاثةٌ معرُوفون، هم أبو لُبابة بن عبد المنذر، وثعلبة بن وديعة، وأَوس ابن حذام، من الأنصار، تخلّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك. حديث : فلما رجع من غزوته، ندموا على ما فعلوا وأوثقوا أنفسَهم في سَواري المسجد. فلما مر بهم سأل عنهم فقالوا له تخلّفوا عنك يا نبي الله، فصنعوا بأنفسم ما ترى،وعاهدوا الله ان لا يُطلقوا انفسهم حتى تطلقهم انت فقال: وأنا لا أُطلقهم حتىأوَمَرَ بإطلاقهم. فأنزل الله تعالى: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ..} الآية . تفسير : وهذا الصنف الناس كثير، فالانسانُ ضعيف والمغريات كثيرة، والنفس أمّارة بالسوء. ونحمد الله تعالى على أن باب التوبة مفتوح دائما، ولذلك قال تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فالاعتراف بالذنب والشعورُ بوطأته دليلٌ على حياة القلب، ومن ثَمّ فإن التوبة مرجُوَّة القبول، والمغفرة مرتقبة من الغفور الرحيم. وقد قبِل الله توبتهم ورحِمَهم.. وهذا ينطبق على كل مسلم يخطئ ثم يرجع الى الله. بل ان هذه الفئة من الناس هي الغالبية العظمة من البشر.. يخطئون ويتوبون، لكن الله رؤوف رحيم تواب يقبل التوبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلسَّابِقُونَ} {ٱلْمُهَاجِرِينَ} {بِإِحْسَانٍ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {خَالِدِينَ} (100) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ رِضَاهُ عَنِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ، (وَهُمُ الذِينَ هَاجَرُوا قَبْلَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ)، وَمِنَ الأَنْصَارِ (وَهُمُ الذِينَ بَايَعُوا الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْعَتَي العَقَبَةِ وَالرِّضْوَانِ)، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. وَيُخْبِرُ تَعَالَى بِرِضَاهُ عَنْهُمْ بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ فِي الدُّنْيَا، مِنْ عِزٍّ وَنَصْرٍ وَمَغْنَمٍ وَهُدًى، وَبِمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ، مِنْ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ فِي جَوَانِبِهَا، وَهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا أَبَداً. وَالفَوْزُ الذِي فَازَ بِهِ هَؤُلاَءِ الكِرامُ البَرَرَةُ هُوَ أَعْظَمُ الفَوْزِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و "السابق" هو الذي حصل منه الفعل - بصدد ما هو فيه - قبل غيره، وكلنا والحمد لله مؤمنون، ومن آمنوا أولاً، ومن آمنوا بعد ذلك كلهم مؤمنون، لكنْ هناك أناس سبقوا إلى الإيمان، فهل كان سبقهم سبق زمان أم سبق اتباع؟ إن سبق الزمان يتحدد في الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ظن ظان أن المقصود بالسابقين هم الذين سبقونا سبق زمان، فقد يقول منا قائل: وما ذنبنا نحن وقد جئنا بعد زمانهم؟ ولذلك نقول: إنما السبق يعتبر من معاصر، أي: كان معهم أناس غيرهم وهم سبقوهم؛ ولذلك جاء القول: {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ} ونعلم أن الذين هاجروا مع الرسول لم يكن كل مسلمي مكة، وجاء قوله: {مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} وأيضاً لم يكن كل الأنصار من أهل المدينة هم من السابقين. وينحصر المعنى في الذين سبقوا إلى الإيمان في مكة، وسبقوا إلى النصرة في المدينة، هؤلاء هم {ٱلسَّابِقُونَ}. وفي سورة الواقعة يقول الحق: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [الواقعة: 10-12]. ثم يأتي من بعدهم في المرتبة: {أية : وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 27]. ثم يحدد الحق هؤلاء فيقول: {أية : ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الواقعة: 13-14]. ولذلك حينما يأتي من يقول: لن يستطيع واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تأخر عن عصر محمد صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى منزلة الصحابة؛ لأن الله قال: {وَٱلسَّابِقُونَ}، نقول له: لا، بل افطن إلى بقية قوله سبحانه: {ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ}، وهذا دليل على أن بعضاً من الذين جاءوا بعد زمان رسول الله صلى الله عليه سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة مَنْ يصل إلى منزلة الصحابة. وقد طمأن النبي صلى الله عليه وسلم الناس الذين لم يدركوا عهده حين قال: "حديث : "وددت أنِّي لقيت إخواني". فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أو ليس نحن إخوانك؟. قال: "أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني" "تفسير : . وهذا قول صادق من المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ لأن منا من تنحصر أمنيته في أن يحُجَّ ويزور القبر الشريف. ويضيف النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أحبابه: "حديث : "عمل الواحد منهم كخمسين". قالوا: منهم يا رسول الله أم مِنَّا؟ قال: "بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً، وهم لا يجدون على الخير أعواناً" "تفسير : . وهذا ما يحدث في زماننا بالفعل. ولكن من هم السَّابِقُونَ المقصودون في الآية التي نحن بصددها؟ {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ} ونعلم أن السابقين من المهاجرين هم أهل بدر، الذين دخلوا أول معركة في الإسلام، مع أنهم خرجوا من المدينة، لا ليشهدوا حرباً، ولكن ليتعرضوا عيراً تحمل بضائع، ويرجعوا بالغنائم. ومع ذلك دخلوا الحرب، لا مع القوافل التي ضمَّتْ العير والحراس والرعاة، ولكن دخلوا الحرب مع النفير، وهم من جاءوا ونفروا من مكة، وهم صناديد قريش. وهكذا كانت منزلة أهل بدر، أنهم من سبقوا إلى الجهاد في أول معركة للإسلام. ولذلك حين وشى حاطب بن أبي بلتعة بغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فجاء به صلى الله عليه وسلم وقال له: ما الذي حملك على هذا؟ وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يفتح مكة دون أن يعلم أحد؛ حتى لا يقاتل المسلمون القادمون بعضاً من المؤمنين الموجودين في مكة ولم يعرفهم أحد؛ لذلك أراد صلى الله عليه وسلم المفاجأة في الفتح؛ حتى تهبط الشراسة الكفرية، لكن حاطب بن أبي بلتعة كتب خطاباً إلى بعض أهل قريش، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه ومن معه: اذهب إلى مكان اسمه "روضة خاخ" في الطريق بين مكة والمدينة، فستجد ظعينة (مسافرة) معها كتاب إلى أهل مكة، خبأته في عقيصتها. فلما ذهب علي - رضي الله عنه - ومن معه يبحثون عن المرأة في الموضع الذي ذكره لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوا المرأة ولكنها أنكرت أن معها كتاباً، فهددوها؛ فأخرجته من عقيصتها؛ فوجده من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مشركي قريش. وعاد به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحضر النبي صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال له: يا رسول الله: أنا لصيق بقريش ولي فيها أهل ومال، وليس لي بها عزوة؛ فأردت أن أتخذ يداً عند قريش يعرفونها لي؛ فيحافظوا على أهلي وعلى مالي، وعرفت أن ذلك لا يضرك شيئاً وأن الله ناصرك. وما فعلته ينفعني ولا يضرك، قال: صدقت. وأراد عمر - رضي الله عنه - أن ينزل عليه بسيفه، فقال النبي صلى الله عيله وسلم: "حديث : إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطّلَع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". تفسير : لأن أهل بدر دخلوا المعركة بدون عُدَّة، وبدون استعداد، ومع ذلك هانت نفوسهم عليهم، فكأن الله قال: أنتم عملتم ما عليكم، وقد غفرت لكم كل ما تفعلونه من السيئات. إذن: فالسابقون من المهاجرين هم أهل بدر وأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان الذين رُدُّوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، ثم عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع القرشيين المعاهدة. والسابقون من الأنصار هم من جاءوا للنبي في مكة، وأعطوا له العزوة وأعطوا له الأمان والعهد، وكانوا اثني عشر في بيعة العقبة الأولى، وخمسة وسبعين في العقبة الثانية. هؤلاء هم السابقون، وأضاف الحق إليهم {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} أي: من يأتي من بعدهم. وسيدنا عمر له وقفة في هذه الآية، فقد رضي الله عنه يقرأها هكذا: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار" أي: يعطف كلمة الأنصار على "السابقون" وكانت قد نزلت: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ} ويكمل سيدنا عمر بعد "والأنصار" "الذين اتبعوهم بإحسان" أي: أنه جَعل "الذين اتبعوهم" صفة للأنصار. وجاء زيد بن ثابت ليقول لسيدنا عمر: "قرأناها على غير هذا الوجه يا ابن الخطاب". قال: فماذا؟ قال: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم}. فقال عمر: ابعث إلى أبيّ بن كعب، وكان ابن كعب حجة في القرآن فقال أبيّ: هكذا سمعتها - كا قال زيد - من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تبيع القَرَظ في البقيع. أي أن أبيّ بن كعب كان ملازماً للنبي صلى الله عليه وسلم بينما عمر يبيع القرظ، فضحك عمر وقال: لو قلت شَهِدت أنت وغِبْنا نحن، وقرأها عمر من بعد ذلك كما نزلت. {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} خصوصاً أن سيدنا أبيّاً البصير بالقرآن جاء بأكثر من دليل من غير هذه الآية فقد قال الحق: {أية : وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ...} تفسير : [الجمعة: 3]. وقوله الحق في سورة الحشر: {أية : وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلإِيمَانِ ...} تفسير : [الحشر: 10]. وهي معطوفة أيضاً. وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 100]. وفي هذا القول ما يطمئن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يَأتِ لنا فقط بخبر الفئة السيئة من المنافقين من العرب، والمنافقين من الأعراب، ولكنه أوضح لنا أن هناك أناساً وصلوا لنا جمال هذا الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : السابقون هم الذين سبقوا هذة الأمة وبدروها إلى الإيمان والهجرة، والجهاد، وإقامة دين اللّه. { مِنَ الْمُهَاجِرِينَ } {أية : الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا، وينصرون اللّه ورسوله أولئك هم الصادقون }. تفسير : { و } من { الأنْصَارِ } {أية : الذين تبوأوا الدار والإيمان، [من قبلهم] يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة }. تفسير : { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } بالاعتقادات والأقوال والأعمال، فهؤلاء، هم الذين سلموا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح، وأفضل الكرامات من اللّه. { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ } ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، { وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ } الجارية التي تساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة. { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } لا يبغون عنها حولا ولا يطلبون منها بدلا لأنهم مهما تمنوه، أدركوه، ومهما أرادوه، وجدوه. { ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي حصل لهم فيه، كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح، ونعيم للقلوب، وشهوة للأبدان، واندفع عنهم كل محذور.
همام الصنعاني
تفسير : 1117- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتَادةَ، في قوله: {وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ}: [الآية: 100]، قال: الذين صلوا القبلتين جميعاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):