Verse. 1336 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الْاَعْرَابِ مُنٰفِقُوْنَ۝۰ۭۛ وَمِنْ اَھْلِ الْمَدِيْنَۃِ۝۰ۣۛؔ مَرَدُوْا عَلَي النِّفَاقِ۝۰ۣ لَاتَعْلَمُھُمْ۝۰ۭ نَحْنُ نَعْلَمُھُمْ۝۰ۭ سَنُعَذِّبُھُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّوْنَ اِلٰى عَذَابٍ عَظِيْمٍ۝۱۰۱ۚ
Wamimman hawlakum mina alaAArabi munafiqoona wamin ahli almadeenati maradoo AAala alnnifaqi la taAAlamuhum nahnu naAAlamuhum sanuAAaththibuhum marratayni thumma yuraddoona ila AAathabin AAatheemin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وممن حولكم» يا أهل المدينة «من الأعراب منافقون» كأسلم وأشجع وغفار «ومن أهل المدينة» منافقون أيضا «مردوا على النفاق» لُّجوا فيه واستمروا «لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين» بالفضيحة أو القتل في الدنيا وعذاب القبر «ثم يردون» في الآخرة «إلى عذاب عظيم» هو النار.

101

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة، ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب، ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص، ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم؟ وهم السابقون المهاجرون والأنصار. فذكر في هذه الآية أن جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق، وإن كنتم لا تعلمون كونهم كذلك فقال: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار، وكانوا نازلين حولها. وأما قوله: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ } ففيه بحثان: البحث الأول: قال الزجاج: أنه حصل فيه تقديم وتأخير، والتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق. الثاني: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون التقدير: ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق فأضمر «من» لدلالة {مِنْ } عليها كما في قوله تعالى: { أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] يريد إلا من له مقام معلوم. البحث الثاني: يقال: مرد يمرد مردوا فهو مارد ومريد إذا عتا، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا، وقال ابن الأعرابي: المراد التطاول بالكبر والمعاصي، ومنه: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ } وأصل المرود الملاسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئاً، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه، بقي كما كان على صفته الأصلية من غير حدوث تغير فيه ألبتة، وذلك هو الملاسة. إذا عرفت أصل اللفظ فنقول: قوله: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ } أي ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه. ثم قال تعالى: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } وهو كقوله: {لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك. ثم قال: {سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } وذكروا في تفسير المرتين وجوهاً كثيرة: الوجه الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الأمراض في الدنيا، وعذاب الآخرة، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات، ومرض الكافر يفيده زيادة الكفر وكفران النعم. الوجه الثاني: روى السدي عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيباً يوم الجمعة فقال: « حديث : اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق » تفسير : فأخرج من المسجد ناساً وفضحهم فهذا هو العذاب الأول، والثاني عذاب القبر. والوجه الثالث: قال مجاهد: في الدنيا بالقتل والسبي وبعد ذلك بعذاب القبر. والوجه الرابع: قال قتادة بالدبيلة وعذاب القبر، وذلك أن النبي عليه السلام أسر إلى حذيفة اثني عشر رجلاً من المنافقين، وقال: ستة يبتليهم الله بالدبيلة سراج من نار يأخذ أحدهم حتى يخرج من صدره، وستة يموتون موتاً. والوجه الخامس: قال الحسن: يأخذ الزكاة من أموالهم، وعذاب القبر. والوجه السادس: قال محمد بن إسحق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسنة، ثم عذابهم في القبور. والوجه السابع: أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار. والآخر عند البعث، يوكل بهم عنق النار. والأولى أن يقال مراتب الحياة ثلاثة: حياة الدنيا، وحياة القبر، وحياة القيامة، فقوله: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } المراد منه عذاب الدنيا بجميع أقسامه، وعذاب القبر. وقوله: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } المرا دمنه العذاب في الحياة الثالثة، وهي الحياة في القيامة. ثم قال تعالى في آخر الآية: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } يعني النار المخلدة المؤبدة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} ابتداء وخبر. أي قوم منافقون؛ يعني مُزَينة وجُهَينة وأسْلَم وغِفَار وأَشْجَعَ. {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} أي قوم مردوا على النفاق. وقيل: «مردوا» من نعت المنافقين؛ فيكون في الكلام تقديم وتأخير، المعنى. وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا على النفاق، ومن أهل المدينة مثل ذلك. ومعنى: «مرَدُوا» أقاموا ولم يتوبوا؛ عن ٱبن زيد. وقال غيره: لَجوَّا فيه وأبوْا غيره؛ والمعنى متقارب. وأصل الكلمة من اللّين والملامسة والتجرّد؛ فكأنهم تجرّدوا للنفاق. ومنه رملة مرداء لا نبت فيها. وغُصن أمْرَد لا ورق عليه. وفرس أمْرد لا شعر على ثُنّتِه. وغلام أمرد بيّن المَرَد؛ ولا يقال: جارية مرداء. وتمريد البناء تمليسه؛ ومنه قوله: {أية : صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ}تفسير : [النمل: 44]. وتمريد الغصن تجريده من الورق؛ يقال: مَرَد يَمْرُد مُروداً ومَرَادة. قوله تعالىٰ: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} هو مثل قوله: {أية : لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} تفسير : [الأنفال: 60] على ما تقدّم. وقيل: المعنىٰ لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها؛ وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار. قوله تعالىٰ: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} قال ٱبن عباس: بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة. فمرض المؤمن كفارة، ومرض الكفار عقوبة. وقيل: العذاب الأوّل الفضيحة بٱطلاع النبيّ صلى الله عليه وسلم عليهم؛ على ما يأتي بيانه في المنافقين. والعذاب الثاني عذاب القبر. الحسن وقتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر. ٱبن زيد: الأوّل بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والثاني عذاب القبر. مجاهد: الجوع والقتل. الفراء: القتل وعذاب القبر. وقيل: السباء والقتل وقيل: الأوّل أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم، والثاني عذاب القبر. وقيل: أحد العذابين ما قال تعالىٰ: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} ـ إلى قوله ـ {إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}. والغرض من الآية اتباع العذاب، أو تضعيف العذاب عليهم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى رسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقون، وفي أهل المدينة أيضاً منافقون {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنَّفَاقِ} أي: مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مريد، ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي: عتا وتجبر، وقوله: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} لا ينافي قوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَـٰكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَـٰهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30] لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقاً، وإن كان يراه صباحاً ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن رجل عن جبير بن مطعم رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة، فقال: «حديث : لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب» تفسير : وأصغى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه، فقال: «حديث : إن في أصحابي منافقين»تفسير : ومعناه: أنه قد يبوح بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله: {أية : وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ} تفسير : [التوبة: 74] أنه صلى الله عليه وسلم أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أو خمسة عشر منافقاً، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه اطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم، والله أعلم. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي من طريق هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمر، أظنه حدثني عن أبي الدرداء: أن رجلاً يقال له حرملة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الإيمان ههنا، وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق ههنا، وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اجعل له لساناً ذاكراً، وقلباً شاكراً، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير» تفسير : فقال: يا رسول الله إنه كان لي أصحاب من المنافقين، وكنت رأساً فيهم، أفلا آتيك بهم؟ قال: «حديث : من أتانا استغفرنا له، ومن أصر فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد ستراً»تفسير : ، قال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار به، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة، وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري، لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأحوال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح عليه السلام: {أية : وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 112] وقال نبي الله شعيب عليه السلام: {أية : بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} تفسير : [هود: 86] وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: «حديث : اخرج يا فلان فإنك منافق، واخرج يا فلان إنك منافق» تفسير : فأخرج من المسجد ناساً منهم فضحهم، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياء؛ أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبؤوا هم من عمر، ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر، فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر يا عمر قد فضح الله المنافقين اليوم، قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا. وقال مجاهد في قوله: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} يعني: القتل والسبي، وقال في رواية: بالجوع وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم، وقال ابن جريج: عذاب الدنيا، وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم: النار، وقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا، وعذاب في القبر، وقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا، فالأموال والأولاد، وقرأ قوله تعالى: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [التوبة: 55] فهذه المصائب لهم عذاب، وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} قال: النار، وقال محمد بن إسحاق {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} قال: هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه؛ عذاب الآخرة، والخلد فيه، وقال سعيد عن قتادة في قوله: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} عذاب الدنيا، وعذاب القبر {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلاً من المنافقين، فقال: ستة منهم تكفيهم الدبيلة؛ سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتاً، وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه، وإلا تركه، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أومن منها أحداً بعدك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم } يا أهل المدينة {مِّنَ ٱلاْعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ } كـ(أسلم) و(أشجع) و(غفار) {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } منافقون أيضاً {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ } لَجُّوا فيه واستمرّوا {لاَ تَعْلَمُهُمْ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } بالفضيحة أو القتل في الدنيا وعذاب القبر {ثُمَّ يُرَدُّونَ } في الآخرة {إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } هو النار.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعْرابِ مُنَافِقُونَ} يعني حوله المدينة: قال ابن عباس: مزينة وجهينة وأسلم وغِفار وأشجع كان فيهم بعد إٍسلامهم منافقون كما كان من الأنصار لدخول جميعهم تحت القدرة فتميزوا بالنفاق وإن عمتهم الطاعة. {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أقاموا عليه ولم يتوبوا منه، قاله عبد الرحمن بن زيد. الثاني: مردوا عليه أي عتوا فيه، ومنه قوله عز وجل {أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً} تفسير : [النساء: 117]. الثالث: تجردوا فيه فظاهروا، مأخوذ منه تجرد خد الأمرد لظهوره وهو محتمل. {لاَ تَعْلَمُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لا تعلمهم حتى نعلمك بهم. الثاني: لا تعلم أنت عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها، وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار. {سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ} فيه أربعة أوجه: أحدهما: أن أحد العذابين الفضيحة في الدنيا والجزع من المسلمين، والآخر عذاب القبر، قاله ابن عباس. والثاني: أن أحدهما عذاب الدنيا والآخر عذاب الآخرة، قاله قتادة. والثالث: أن أحدهما الأسر والآخر القتل، قاله ابن قتيبة. والرابع: أن أحدهما الزكاة التي تؤخذ منهم والآخر الجهاد الذي يؤمرون به لأنهم بالنفاق يرون ذلك عذاباً. قال الحسن. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه عذاب النار في الآخرة. الثاني: أنه إقامة الحدود في الدنيا. الثالث: إنه أخذ الزكاة منهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {حَوْلَكُمُ} حول المدينة، مزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع كان فيهم بعد إسلامهم منافقون كما في الأنصار، وإنما نافقوا لدخول جميعهم تحت القدرة فميزوا بالنفاق وإن عمتهم الطاعة. {مَرَدُواْ} أقاموا وأصروا، أو مَرنوا عليه وعتو فيه {أية : شَيْطَانًا مَّرِيدًا} تفسير : [النساء: 117] عاتياً، أو تجردوا فيه وتظاهروا به {لا تَعْلَمُهُمْ} حتى نعلمك بهم، أو لا تعلم عاقبتهم فلا تحكم على أحد بجنة ولا نار. {مَّرَّتَيْنِ} إحداهما بالفضيحة في الدنيا والجزع من المسلمين، والثانية بعذاب القبر "ع"، أو إحداهما بالأسر والأخرى بالقتل، أو إحداهما بالزكاة والأخرى أمرهم بالجهاد، لأنهم يرونه عذاباً لنفاقهم، قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ أو إحداهما عذاب الدنيا والأخرى عذاب الآخرة. {عَذَابٍ عَظِيمٍ} بأخذ الزكاة، أو بإقامة الحدود في الدنيا، أو بالنار في الآخرة.

النسفي

تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم } يعني حول بلدتكم وهي المدينة {مّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانوا نازلين حولها {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } عطف على خبر المبتدأ الذي هو {مِمَّنْ حَوْلَكُم } والمبتدأ {مُنَـٰفِقُونَ } ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت «ومن أهل المدينة قوم» {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ } أي تمهروا فيه على أن مردوا صفة موصوف محذوف، وعلى الوجه الأول لا يخلو من أن يكون كلاماً مبتدأ، أو صفة لـ {مُنَـٰفِقُونَ } فصل بينها وبينه بمعطوف على خبره، ودل على مهارتهم فيه بقوله {لاَ تَعْلَمُهُمْ } أي يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم في تحامي ما يشككك في أمرهم. ثم قال {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } أي لا يعلمهم إلا الله ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون الكفر في سويداء قلوبهم ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } هما القتل وعذاب القبر، أو الفضيحة وعذاب القبر، أو أخذ الصدقات من أموالهم ونهك أبدانهم {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ } أي عذاب النار. {وَءَاخَرُونَ } أي قوم آخرون سوى المذكورين {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } أي لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين وكانوا عشرة، فسبعة منهم لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين، وكانت عادته كلما قدم من سفر فرآهم موثقين فسأل عنهم، ففذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلهم فقال«: حديث : وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم» تفسير : فنزلت، فأطلقهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا فقال:حديث : «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً»تفسير : فنزل {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً }تفسير : {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً } خروجاً إلى الجهاد {وَءاخَرَ سَيِّئاً } تخلفاً عنه، أو التوبة والإثم وهو من قولهم «بعت الشاء شاة ودرهما» أي شاة بدرهم، فالواو بمعنى الباء لأن الواو للجمع والباء للإلصاق فيتناسبان، أو المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر فكل واحد منهما مخلوط ومخلوط به كقولك «خلطت الماء واللبن» تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه بخلاف قولك «خلطت الماء باللبن» لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به. وإذا قلته بالواو فقد جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت «خلطت الماء باللبن واللبن بالماء» {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } ولم يذكر توبتهم لأنه ذكر اعترافهم بذنوبهم وهو دليل على التوبة {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } كفارة لذنوبهم. وقيل: هي الزكاة {تُطَهِّرُهُمْ } عن الذنوب وهو صفة لـ {صَدَقَة } والتاء للخطاب أو لغيبة المؤنث. والتاء في {وَتُزَكِّيهِمْ } للخطاب لا محالة {بِهَا } بالصدقة والتزكية مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } واعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم، والسنة أن يدعو المصدق لصاحب الصدقة إذا أخدها {إِنَّ صَلَوٰتَكَ } {صلاتك} كوفي غير أبي بكر. قيل: الصلاة أكثر من الصلوات لأنها للجنس {صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } يسكنون إليه وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لدعائك أو سميع لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم {عَلِيمٌ } بما في ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم. {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } المراد المتوب عليهم أي ألم يعلموا قيل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } إذا صحت {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ } ويقبلها إذا صدرت على خلوص النية وهو للتخصيص أي إن ذلك ليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها ووجهوها إليها {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } كثير قبول التوبة {ٱلرَّحِيمُ } يعفو الحوبة. {وَقُلِ } لهؤلاء التائبين {ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } أي فإن عملكم لا يخفى ـ خيراً كان أو شراً ـ على الله وعباده كما رأيتم وتبين لكم، أو غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة، فقد رُوي أنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا: هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم فنزلت. وقوله تعالى {فَسَيَرَى ٱللَّهُ }. وعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ } ما يغيب عن الناس {وَٱلشَّهَـٰدَةِ } ما يشاهدونه {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تنبئة تذكير ومجازاة عليه {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } بغير همز: مدني وكوفي غير أبي بكر. {مرجئون} غيرهم من أرجيته وأرجأته إذا أخرته، ومنه المرجئة أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم { إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ } إن أصروا ولم يتوبوا {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } إن تابوا وهم ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك وهم الذين ذكروا في قوله: {أية : وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ }تفسير : {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } برجائهم {حَكِيمٌ } في إرجائهم، وإما للشك وهو راجع إلى العباد أي خافوا عليهم العذاب وارجو لهم الرحمة. ورُوي أنه عليه السلام أمر أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولم يفعلوا كما فعل ذلك الفريق من شد أنفسهم على السواري وإظهار الجزع والغم، فلما علموا أن أحداً لا ينظر إليهم فوضوا أمرهم إلى الله وأخلصوا نياتهم ونصحت توبتهم فرحمهم الله. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا } تقديره: ومنهم الذين اتخذوا. {ٱلَّذِينَ } بغير واو. مدني وشامي، وهو مبتدأ خبره محذوف أي جازيناهم. رُوي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم، فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم ـ بنو غنم بن عوف ـ وقالوا: نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله يصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام وهو الذي قال لرسول الله عليه السلام يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه فقال: «حديث : إني على جناح سفر وإذا قدمنا من تبوك إن شاء الله صلينا فيه»تفسير : فلما قفل من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت عليه فقال لوحشي ـ قاتل حمزة ـ ومعن بن عدي وغيرهما: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه» ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة، ومات أبو عامر بالشام {ضِرَارًا } مفعول له وكذا ما بعد أي مضارة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء {وَكُفْراً } وتقوية للنفاق {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ } وإعداداً لأجل من {حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهو الراهب أعدوه له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار {مِن قَبْلُ } متعلق بـ {حَارَبَ } أي من قبل بناء هذا المسجد يعني يوم الخندق {وَلَيَحْلِفُنَّ } كاذبين {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ } ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } في حلفهم {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } للصلاة {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ } اللام للابتداء و {أُسِّسَ } نعت له وهو مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء أو وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة، مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } من أيام وجوده. قيل: القياس فيه مذ، لأنه لابتداء الغاية في الزمان، و «من» لابتداء الغاية في المكان، والجواب إن من عام في الزمان والمكان {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } مصلياً {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ } قيل: لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقفوا على باب مسجد قباء، فإذا لأنصار جلوس فقال:«حديث : أمؤمنون أنتم؟»تفسير : فسكت القوم. ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال عليه السلام: «حديث : أترضون بالقضاء»؟تفسير : قالوا: نعم. قال: «حديث : أتصبرون على البلاء؟ »تفسير : قالوا: نعم. قال: «حديث : أتشكرون في الرخاء؟»تفسير : قالوا: نعم. قال عليه السلام: «حديث : مؤمنون أنتم ورب الكعبة»تفسير : فجلس ثم قال: «حديث : يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟»تفسير : فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي عليه السلام: {أية : رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ }تفسير : قيل: هو عام في التطهر عن النجاسات كلها. وقيل: هو التطهر من الذنوب بالتوبة. ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه حرص المحب للشيء، ومعنى محبة الله إياهم أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه .

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} ذكر جماعة من المفسرين المتأخرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي أنهم من أعراب مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم وكانت منازلهم حول المدينة ويعني ومن هؤلاء الأعراب منافقون وما ذكروه مشكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهؤلاء القبائل ومدحهم فإن صح نقل المفسرين فيحمل قوله سبحانه وتعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون} على القليل لأن لفظة من للتبعيض ويحمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم على الأكثر والأغلب وبهذا يمكن الجمع بين قول المفسرين ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم. وأما الطبري، فإنه أطلق القول ولم يعين أحداً من القبائل المذكورة بل قال في تفسير هذه الآية: من القوم الذين حول مدينتكم أيها المؤمنون من الأعراب منافقون ومن أهل مدينتكم أيضاً أمثالهم أقوام منافقون وقال البغوي: {ومن أهل المدينة} من الأوس والخزرج منافقون {مردوا على النفاق} فيه تقديم وتأخير تقديره وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق يعني مرنوا عليه يقال تمرد فلان على ربه إذا عتا وتجبر ومنه الشيطان المارد وتمرد في معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ولم يتب منها قال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره. وقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا منه {لا تعلمهم} يعني أنهم بلغوا في النفاق إلى حيث أنك لا تعلمهم يا محمد مع صفاء خاطرك واطلاعك على الأسرار {نحن نعلمهم} يعني لكن نحن نعلمهم لأنه لا تخفى علينا خافية وإن دقت {سنعذبهم مرتين} اختلف المفسرون في العذاب الأول مع اتفاقهم على العذب الثاني هو عذاب القبر بدليل قوله {ثم يردون إلى عذاب عظيم} وهو عذاب النار في الآخرة فثبت بهذا أنه سبحانه وتعالى يعذب المنافقين ثلاث مرات مرة في الدنيا ومرة في القبر ومرة في الآخرة أما المرة الأولى وهي التي اختلفوا فيها فقال الكلبي والسدي "حديث : قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً في يوم جمعة فقال اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرج من المسجد أناساً وفضحهم"تفسير : فهذا هو العذاب الأول. والثاني: هو عذاب القبر فإن صح هذا القول فيحتمل أن يكون بعد أن أعلمه الله حالهم وسماهم له لأن الله سبحانه وتعالى قال لا تعلمهم نحن نعلمهم ثم بعد ذلك أعلمه بهم. وقال مجاهد: هذا العذاب الأول هو القتل والسبي وهذا القول ضعيف، لأن أحكام الإسلام في الظاهر كانت جارية على المنافقين فلم يقتلوا ولم يسبوا وعن مجاهد رواية أخرى أنهم عذبوا بالجوع مرتين. وقال قتادة: المرة الأولى هي الدبيلة في الدنيا وقد جاء تفسيرها في الحديث بأنها خراج من نار تظهر في أكتافهم حتى تنجم من صدورهم يعني تخرج من صدورهم. وقال ابن زيد: الأولى هي المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا والأخرى عذاب القبر. وقال ابن عباس: الأولى إقامة الحدود عليهم في الدنيا والأخرى عذاب القبر. وقال ابن إسحاق: الأولى هي ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه كرهاً غير حسبة والأخرى عذاب القبر. وقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والأخرى عذاب القبر. وقيل: الأولى إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم وهو قوله سبحانه وتعالى: ثم يردون إلى عذاب جهنم يخلدون فيه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ}: الإِشارة بـــ «مَنْ حولكم» إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية: ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسنُ ما حُمِلَ اللفظ، {مَرَدُواْ}: قال أبو عُبَيْدة معناه: مَرَنُوا عَلَيْه، ولَجُّوا فيه، وقيل غير هذا ممَّا هو قريبٌ منه. وقال ابن زَيْد: قاموا عليه، لَمْ يَتُوبوا؛ كما تاب الآخَرُون، والظاهر مِنَ اللفظة أنَّ التمرُّد في الشيء أو المُرُود عليه إِنما هو اللَّجَاج وٱلاشتهارُ به، والعتوُّ على الزاجر، ورُكُوبُ الرأسِ في ذلك، وهو مستعملٌ في الشر لا في الخَيْر؛ ومنه: شَيْطَانٌ مَرِيدٌ وَمَارِدٌ، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»: {ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ }: أي: ٱستمروا عليه، وتحقَّقوا به. انتهى، ذكَره بعد قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا } تفسير : [التوبة:107]. ثم نفى عزَّ وجلَّ عِلْمَ نبيِّه لهم على التعْيين. وقوله سبحانه: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ }: لفظ الآية يقتضي ثَلاَثَ مواطِنَ مِنَ العَذَابِ، ولا خلافَ بين المتأوِّلين أن العذاب العظيم الذي يُرَدُّون إِليه هو عذابُ الآخرةِ، وأكثرُ النَّاس أن العذاب المتوسِّط هو عذاب القبْر، واختُلِفَ في عذاب المَرَّة الأولَى: فقال ابنُ عبَّاس: عذابهم بإِقامة حدود الشَّرْع عليهم، مع كراهيتهم فيه. وقال أبو إسحاق: عذابُهم: هو هَمُّهم بظهورِ الإِسْلاَمِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ. وقال ابْنُ عباسٍ أيضاً - وهو الأشهر عنه -: عذابُهم هو فَضِيحَتُهُمْ وَوَصْمُهُمْ بالنِّفَاقِ. وقيل غيْرُ هَذَا. وقَوْلُهُ عزَّ وجلَّ:

البقاعي

تفسير : ولما استوفى الأقسام الأربعة: قسمي الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين منهم تشريفاً للسابق وترغيباً للاحق، خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم فرقاً منهم من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب. ومنهم من أخر أمره إلى يوم الحساب، وابتدأ الأقسام بالمستور عن غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفاً مما هددهم به فقال مصرحاً بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم: {وممن حولكم} أي حول بلدكم المدينة {من الأعراب} أي الذين قدمنا أنهم أشد كفراً لما لهم من الجفاء {منافقون} أي راسخون في النفاق، وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم، وأتبعهم من هو أصنع منهم في النفاق فقال: {ومن أهل المدينة} أي منافقون أيضاً؛ ثم بين أنهم لا يتوبون بوصفهم بقوله: {مردوا} أي صُلبوا وداموا وعتوا وعسوا وعصوا وصار لهم به دربة عظيمة وضراوة حتى ذلت لهم فيه جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة وصار لهم خلقاً {على النفاق} أي استعلوا على هذا الوصف بحيث صاروا في غاية المكنة منه؛ ثم بين مهارتهم فيه بقوله: {لا تعلمهم} أي بأعيانهم مع ما لك من عظيم الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمره؛ ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله: {نحن} أي خاصة {نعلمهم} ثم استأنف جزاءهم بقوله: {سنعذبهم} أي بوعد لا خلف فيه {مرتين} أي إحداهما برجوعك سالماً وشفوف أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم وقساوتهم كما أشرت إليه بقولي {ويتربص بكم الدوائر} - أنك لا ترجع هذه المرة من هذه السفرة لما يعرفونه من ثباتك للأقران، وإقدامك على الليوث الشجعان، واقتحامك للأهوال، إذا ضاق المجال، ونكص الضراغمة الأبطال، ومن عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر، وجنوده أقوى من جنودهم وأكثر؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل لردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك الصديق رضي الله عنه إلى ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء والنور والحكم على من خالفه بالويل والثبور، وسيأتي أنه يمكن أن تكون المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي الأسرار {ثم يردون} أي بعد الموت {إلى عذاب عظيم*} أي لا يعلم عظمة حق علمه إلا الله تعالى، وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلاً. ولما ذكر هذا القسم المارد الجافي، ثنى بمقابلة اللين الصافي، وهي الفرقة التي نجز المتاب عليها والنظر بعين الرحمة إليها فقال: {وآخرون} أي ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة آخرون {اعترفوا بذنوبهم} أي كلفوا أنفسهم ذكرها توبة منهم ندماً وإقلاعاً وعزماً ولم يفزعوا إلى المعاذير الكاذبة وهو المقتصدون. ولما كان الخلط جمعاً في امتزاج، كان بمجرد ذكره يفهم أن المخلوط امتزج بغيره، فالإتيان بالواو في {آخر} يفهم أن المعنى: {خلطوا عملاً صالحاً} بسيىء {وآخر سيئاً} بصالح، فهو من ألطف شاهد لنوع الاحتباك، ولعل التعبير بما أفهم ذلك إشارة إلى تساوي العملين وأنه ليس أحدهما بأولى أحدهما بأولى من الآخر أن يكون أصلاً، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أناس رآهم في المنام شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح كما رواه البخاري في التفسير عن سمرة رضي الله عنه ثم أوجب تحقيق توبتهم الملزومة للاعتراف بقبولها بقوله: {عسى الله} أي بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال {أن يتوب عليهم} فإن {عسى} منه سبحانه وتعالى واجبه لأن هذا دأب الملوك ولعل التعبير بها يفيد - مع الإيذان بأنه لا يجب عليه لأحد شيء وأن كل إحسان يفعله فإنما هو على سبيل الفضل إشارة إلى أنهم صاروا كغيرهم من خلص المؤمنين غير المعصومين في مواقعة التقصير وتوقع الرحمة من الله بالرجوع بهم إلى المراقبة، فكما أن أولئك معدودون في حزب الله مع هذا التقصير المرجو له العفو فكذلك هؤلاء؛ ثم علل فعله بهم مرجياً للمزيد بقولع: {إن الله} أي ذا الجلال والإكرام {غفور رحيم*} أي لم يزل موصوفاً بقبول المعرض إذا أقبل وإبدال سئيه بحسن فضلاً منه وإكراماً؛ روى البخاري في صحيحه في التفسير عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا:"حديث : أتاني الللية آتيان فابتعثاني فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذاك منزلك، قالا: أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عفا الله عنهم ". تفسير : ولما كان من شأن الرضوان قبول القربان، أمره صلى الله عليه وسلم تطهيراً لهم وتطييباً لقلوبهم بقوله: {خذ} ورحمهم بالتبعيض فقال: {من أموالهم صدقة} أي تطيب أنفسهم بإخراجها {تطهرهم} أي هي من ذنوبهم وتجري بهم مجرى الكفارة {وتزكيهم} أي أنت تزيدهم وتنميهم {بها} بتكثير حسناتهم {وصل} أي اعطف {عليهم} وأظهر شرفهم بدعائك لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {إن صلواتك} أي دعواتك التي تصلهم بها فتكون موصلة لهم إلى الله {سكن لهم} أي تطمئن بها قلوبهم بعد قلق الخوف من عاقبة الذنب لما يعلمون من أن القبول لا يكون إلا ممن حصل له الرضى عنهم ومن أن الله سمع قولك إجابة لك ويعلم صدقك في صلاحهم {والله} أي المحيط بكل شيء {سميع عليم*} أي لكل ما يمكن أن يسمع وما يمكن أن يعلم منك ومنهم ومن غيركم، فهو جدير بالإجابة والإثابة، وذلك أن هذا الصنف لما اشتد ندمهم على التخلف أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فسأل عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم فقيل: ندموا على التخلف عنك فحلفوا:لا يطلقهم إلا أنت، فقال:وأنا أطلقهم حتى أومر بذلك، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات فقالوا: يارسول الله! هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها! فقال: ما أمرت بذلك، فلما أنزل الله هذه الآية أخذ الثلث فتصدق به. ولما ساق توبتهم سبحانه في حيز {عسى}، وكان الأصل فيها الترجية في المحبوب والإشفاق في المكروه، وأمر سبحانه بالأخذ من أموالهم لذلك، وكان إخراج المال شديداً على النفوس لا سيما في ذلك الزمان، كان ربما استوقف الشيطان من لم يرسخ قدمه في الإيمان عن التوبة وما يترتب عليها من الصدقة لعدم الجزم بأنها تقبل، فأتبع ذلك سبحانه بقوله: {ألم يعلموا} أي المعترفون بالذنوب حتى تسمح أنفسهم بالصدقة أو غيرهم حتى يرغبوا في التوبة والصدقة {أن الله} أي الذي له الكمال كله {هو} أي وحده {يقبل} أي من شأنه أن يقبل {التوبة} تجاوزاً {عن عباده} أي التائبين المخلصين {ويأخذ} أي يقبل قبول الآخذ لنفسه {الصدقات} أي ممن يتقرب بها إليه بنية خالصة {وأن الله} أي المحيط بصفتي الجلال والإكرام {هو} أي وحده {التواب الرحيم*} أي لم يزل التجاوز والإكرام من شأنه وصفته، وفي ذلك إنكار على غيرهم من المختلفين في كونهم لم يفعلوا مثل فعلهم من الندم الحامل على أن يعذبوا أنفسهم بالإيثاق في السواري ويقربوا بعض أموالهم كما فعل هؤلاء أو نحو ذلك مما يدل على الاعتراف والندم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وممن حولكم من الأعراب منافقون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً فقال‏:‏ قم يا فلان فاخرج فإنك منافق‏.‏ فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له، فلقيهم عمر رضي الله عنه وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم من عمر، وظنوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل عمر رضي الله عنه المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فقال له رجل‏:‏ أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول، والعذاب الثاني عذاب القبر‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وممن حولكم من الأعراب‏} ‏ قال‏:‏ جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏ {‏مردوا على النفاق‏}‏ قال‏:‏ أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب آخرون‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏مردوا على النفاق‏} ‏ قال‏:‏ ماتوا عليه عبدالله بن أبي، وأبو عامر الراهب، والجد بن قيس‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏نحن نعلمهم‏} ‏ يقول‏:‏ نحن نعرفهم‏. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لا تعلمهم نحن نعلمهم‏} ‏ قال‏:‏ فما بال أقوام يتكلمون على الناس يقولون‏:‏ فلان في الجنة وفلان في النار‏؟‏ فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏.‏ لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه نبي قال نوح عليه السلام {أية : وما علمي بما كانوا يعملون‏}‏ تفسير : ‏[‏الشعراء: 112‏]‏ وقال شعيب عليه السلام {أية : وما أنا عليكم بحفيظ‏} تفسير : ‏[‏الأنعام: 104‏]‏ وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏لا تعلمهم نحن نعلمهم‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سنعذبهم مرتين‏}‏ قال‏:‏ بالجوع والقتل‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سنعذبهم مرتين‏} ‏ قال‏:‏ بالجوع وعذاب القبر‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سنعذبهم مرتين‏} ‏ قال‏:‏ عذاب في القبر، وعذاب في النار‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في ‏(‏عذاب القبر‏)‏ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سنعذبهم مرتين‏}‏ قال‏:‏ عذاب في القبر وعذاب في النار‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله ‏{‏سنعذبهم مرتين‏} ‏ قال‏:‏ يبتلون في الدنيا وعذاب القبر ‏ {‏ثم يردون إلى عذاب عظيم‏} ‏ قال‏:‏ عذاب جهنم‏. وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سنعذبهم مرتين‏}‏ قال‏:‏ عذاب في الدنيا بالأموال والأولاد، وقرأ {أية : فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 55‏]‏ بالمصائب فهي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر‏.‏ قال‏:‏ وعذاب الآخرة في النار ‏{‏ثم يردون إلى عذاب عظيم‏} ‏ النار‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ بلغني أن ناساً يقولون ‏{‏سنعذبهم مرتين‏} ‏ يعني القتل وبعد القتل البرزخ، والبرزخ ما بين الموت إلى البعث ‏{‏ثم يردون إلى عذاب عظيم‏} ‏ يعني عذاب جهنم‏. وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سنعذبهم مرتين‏} ‏ قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعذب المنافقين يوم الجمعة بلسانه على المنبر، وعذاب القبر‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال‏:‏ لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما شهدت مثلها قط فقال ‏"حديث : ‏أيها الناس إن منكم منافقين فمن سميته فليقم، قم يا فلان، قم يا فلان، حتى قام ستة وثلاثون رجلاً‏.‏ ثم قال‏:‏ إن منكم وإن منكم وإن منكم فسلوا الله العافية‏. فلقي عمر رضي الله عنه رجلاً كان بينه وبينه إخاء فقال‏:‏ ما شأنك‏؟‏ فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فقال كذا وكذا‏.‏ فقال عمر رضي الله عنه‏:‏ أبعدك الله سائر اليوم‏ "‏‏.

القشيري

تفسير : تشاكل المخلِصُ والمنافِقُ في الصورة فلم يَتَمَيَّزا بالمباني، وإن تنافَيا في الحقائق والمعاني وتقاصر عِلْمُهم عن العرفان فَهَتَك الله لنبيِّه أستارَهم.. فَعَرَفَهم، وهم بإشرافه عليهم جاهلون، وعلى الإقامة في أوطان نفاقهم مصروفون، فلم ينفعهم طولُ إمهاله لهم. {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ}: الأولى في الدنيا بالفضيحة فيما ينالهم من المحن والفتن والأمراض، ولا يحصل لهم عليها في الآخرة عِوَضٌ ولا أَجْرٌ ولا مَسَرَّةٌ، والثانية عذابُ القبر. وقيل المرة الأولى بِقَبْضِ أرواحهم، والثانية عذاب القبر ثم يوم القيامة يُمْتحنون بالعذاب الأكبر. ويقال المرة الأولى ظنُّهم أنهم على شيء، والمرة الثانية بخيبة آمالهم وظهور ما لم يحتسبوه لهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {وممن حولكم} خبر مقدم لقوله منافقون اى حول بلدتكم يعنى المدينة {من الأعراب} من اهل البوادى وقد سبق الفرق بينه وبين العرب {منافقون} وهم جهينة ومزينة واسلم واشجع وغفار كانوا نازلين حولها {ومن أهل المدينة} قوم {مردوا على النفاق} [خوكرده اند واقامت نموده برنفاق يادر منافقى ماهر شده اند] والمرود على الشيء التمرن عليه والمهارة فيه باعتياده والمدينة. اذا اطلقت اريد بها دار الهجرة التى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنبره وقبره من مدن بالمكان اذا قام به فتكون الميم اصلية. والجمع مدن بضم الدال واسكانها ومدائن بالهمزة او من دان اذا اطاع والدين الطاعة فتكون الميم زائدة والجمع مداين بلا همز كمعايش بالياء. ولها اسماء كثيرة منها طابة وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء لخلوها من الشرك او لطيبها بساكنيها لامنهم ودعتهم او لطيب عيشها فيها او لكونها طاهرة التربة او من النفاق. وفى الحديث "حديث : تنفى الناس " .تفسير : اى شرارهم "حديث : كما ينفى الكير خبث الحديد " .تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الايمان لبأرز الى المدينة كما تأرز الحية الى جحرها تدخل بلا عوج" تفسير : والمراد بالمدينة جميع الشأم فانها من الشأم خص المدينة بالذكر لشرفها فعلى هذا تكون المدينة شامية كما ذهب اليه ابن ملك. قال النووى ليست شامية ولا يمانية بل هى حجازية. وقال الشافعى مكة والمدينة يمانيتان {لا تعلمهم} بيان لقوله مردوا على النفاق اى بلغوا من المهارة فى النفاق الى حيث خفى نفاقهم عليك مع كمال فطنتك وقوة فراستك فالمراد لا تعرف حالهم ونفاقهم {نحن نعلمهم} منافقين ونطلع على اسرارهم ان قدروا ان يلبسوا عليك ولم يقدروا ان يلبسوا علينا {سنعذبهم} السين للتأكيد {مرتين} -روى- انه عليه السلام قام خطيبا يوم الجمعة فقال "حديث : اخرج يا فلان فانك منافق اخرج يا فلان فانك منافق " .تفسير : فاخرج ناسا وفضحهم فهذا هو العذاب الاول والعذاب الثانى عذاب القبر. وفى بعض الآثار ان المنافق يسأل اربعين يوما فلا يقدر على الجواب ويجوز ان يكون المراد بالمرتين مجرد التكثير كما فى قوله تعالى {أية : ثم ارجع البصر كرتين} تفسير : [الملك: 4] اى كرة بعد اخرى {ثم يردون} يوم القيامة {الى عذاب عظيم} هو عذاب النار [وبحقيقت عذاب عظيم بعد ايشانست ازدركاه عزت ومحجوبيت ايشان از نور لقا ورؤيت وهيج عذابى از نكبت حرمان ومشقت هجران بزركتر نيست] شعر : از فراق تلخ ميكوئى سخن هرجه خواهى كن وليكن آن مكن[1] تلخ تر از فرقت تو هيج نيست بى بناهت غير بيجا بيج نيست[2] صد هزاران مرك تلخ از دست تو نيست مانند فراق روى تو[3] جور دوران وهرآن رنجى كه هست سهلتر اوز بعد حق وغفلتست[4] زانكه اينها بكذرد وان نكذرد دولت آن داردكه جان آكه برد از فراق اين خاكها شوره بود آب زردو كنده و تيره بود[5] دوزخ ازفرقت جنان سوزان شده است بيد ازفرقت جنان لرزان بده است كربكويم از فراق جون شرار تا قيامت يك بود از هزار

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وممن حولكم}، يا أهل المدينة، {من الأعراب منافقون} ساكنون حولكم، وهم: جُهينة، ومُزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كانوا نازلين حول المدينة، أما أسلم وغفار فتابوا، ودعا لهم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فقال: "حديث : أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها"تفسير : وأما الباقي فأسلم بعضهم. قال تعالى: {ومن أهل المدينة} قوم {مَرَدُوا} أي: استمروا {على النفاق}، واجترؤوا عليه، وتمرنوا وتمهروا فيه، {لا تعلمُهم} أي: لا تعرفهم يا محمد بأعيانهم، وهو بيان لمهارتهم وتنوقهم في تحري مواقع التهم إلى حد قد خفي عليك حالهم، مع كمال فطنتك وحِذقِ فراستك، {نحنُ نعلمهم}، ونَطّلِع على أسرارهم إن قدروا أن يُلبسوا عليك فلا يقدرون أن يلبسوا علينا، {سنعذّبهم مرتين} بالفضيحة والقتل، أو بأحدهما وعذاب القبر، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان في الحرب، أو بإقامة الحدود وعذاب القبر، أو بتسليط الحُمى عليهم مرتين في السنة، {ثم يُرَدُّون إلى عذاب عظيم} بعد الموت، وهو عذاب النار. الإشارة: قد جعل الله ـ سبحانه ـ بحكمته وقدرته، في كُلَّ عصر وأوان بحرين: بحراً من النور وبحراً من الظلمة، من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فلا بد في كل عصر من نور وظلمة، وإيمان وكفران، ونفاق وإخلاص، وصفاء وخوض، فأهل النور نورهم في الزيادة إلى قرب قيام الساعة، وأهل الظلمة كذلك إذ لا تعرف الأشياء إلا بأضدادها، ولا يظهر شرف النور إلا بوجود الظلمة، ولا شرف الصفاء إلا بوجود الخوض، ولا فضل العلم إلا بوجود الجهل، وهكذا جعل الله من كل زوجين اثنين، ليقع الفرار إلى الواحد الحق، فمن رام انفراد احدهما في الوجود فهو جاهل بحكمة الملك الودود. والله تعالى أعلم. ولما ذكر من كملُ صفاؤه من السائقين، ومن كمل خوضه من المنافقين، ذكر من جمع بين الصفاء والخوض، فقال: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً}.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {وممن حولكم} من جملة من حولكم يعني حول مدينتكم وحول الشيء المحيط به، وهو مأخوذ من حال يحول إذا دار بالانقلاب. ومنه المحالة لأنها تدور في المحول. وقوله {من الأعراب} والاعراب هم الذين يسكنون البادية إذا كانوا مطبوعين على العربية وليس واحدهم عرباً، لأن العرب قد يكونوا حاضرة والاعراب بادية. وقوله {منافقون} معناه من يظهر الايمان ويبطن الكفر {ومن أهل المدينة} أيضاً منافقون، وانما حذف لدلالة الأول عليه {مردوا على النفاق} يقال: مرد على الشيء يمرد مروداً فهو مارد ومريد إذا عتا وطغى وأعيا خبثاً، ومنه (شيطان مارد، ومريد) وقال ابن زيد: معناه أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب غيرهم. وقال ابن اسحاق: معناه لجوا فيه وأبوا غيره. وقال الفراء: معناه مرنوا عليه وتجرّءوا عليه وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الاعراب منافقون مردوا على النفاق ومن اهل المدينة ايضاً مثل ذلك. وأصل المرود الملاسة. ومنه قوله {أية : صرح ممرد من قوارير} تفسير : اي مملس ومنه الأمرد الذي لا شعر على وجهه، والمرودة والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئاً، والتمراد بيت صغير يتخذ للحمام مملس بالطين، والمرداء الصخرة الملساء. {لا تعلمهم} معناه لا تعرفهم يا محمد {نحن نعلمهم} اي نعرفهم. وقوله: {سنعذبهم مرتين} قيل في معناه أقوال: احدها - قال الحسن وقتادة والجبائي: يعني في الدنيا وفي القبر. وقال ابن عباس: نعذبهم في الدنيا بالفضيحة لأن النبي صلى الله عليه وآله ذكر رجالا منهم واخرجهم من المسجد يوم الجمعة في خطبته قال: اخرجوا فانكم منافقون، والاخرى في القبر. وقال مجاهد: يعني في الدنيا بالقتل والسبي والجوع. وفي رواية اخرى عن ابن عباس: أن إحداهما اقامة الحدود عليهم، والاخرى عذاب القبر، وقال الحسن: إحداهما أخذ الزكاة منهم: والاخرى عذاب القبر، وقال ابن اسحاق: إحداهما غيظهم من اهل الاسلام، والاخرى عذاب القبر. وكل ذلك محتمل غير أنا نعلم ان المرتين معاً قبل ان يردوا إلى عذاب النار يوم القيامة. وقوله {ثم يردون إلى عذاب عظيم} معناه ثم يرجعون يوم القيامة إلى عذاب عظيم مؤبد في النار. وروي أن الآية نزلت في عيينة بن حصين واصحابه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} أي اجترأوا عليه، والمتمرد الجريء على المعاصي. { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} أي لا تعرفهم أنت يا محمد. نحن نعرفهم. وقد عرفهم الله رسوله وأعلمه بهم بعد ذلك، وأسرّهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حذيفة ابن اليمان. ذكروا عن الحسن أنه قال: مات رجل له صحبة إلى جانب حذيفة فلم يصلِ عليه حذيفة. فأرسل إليه عمر فأغلظ له، ويقال: يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك ولا تصلي عليه. قال: يا أمير المؤمنين، إنه من القوم. فقال له عمر: أناشدك بالله، أنا منهم، قال: لا، والله لا أؤمن منها أحداً بعدك. وقال بعضهم: قال له عمر: يموت رجل من أصحاب النبي إلى جانبك لا تسأل عليه؟ فقال له حذيفة: لو كنت مثله ما صليتُ عليك. قال: أمنافق هو يا حذيفة؟ قال: ما كنت لأخبرك بسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: أناشدك الله، أنا منهم. قال حذيفة: اللهم لا. وفي هذا دليل لأهل الفراق أن عمر لم يَلُم حذيفةَ على أن لا يصلي عليه، وهو عند عمر مسلم. وفي قول عمر: يا حذيفة أناشدك الله أنا منهم ما يدل كل ذي نُهى وحِجى أن عمر لم يكن يخاف على نفسه أنه مشرك، بل إنه خاف أن تكون له معاصِ في الإِسلام توجب عليه النفاق، أو يكون نبي الله قد أسرَّ إلى حذيفة شيئاً من ذلك. وأما الشرك، فلم يكن يخافه عمر على نفسه، ولا يظنه به. قوله: { سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} فأما إحداهما فبالزكاة تؤخذ منهم قهراً، وأما الأخرى فعذاب القبر في تفسير بعضهم. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} يعني المنافقين. وعذاب القبر أيضاً في سورة طه[124] في قوله: (أية : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً )تفسير : ذكروا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [عن أبي هريرة] عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكروه عن عبد الله بن مسعود، وذكروه عن أبي سعيد الخدري أنه قال:"حديث : هو عذاب القبر يلتئم على صاحبه حتى تختلف أضلاعه"تفسير : . وقال بعضهم: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} أي: عذاب الدنيا وعذاب القبر، {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}، أي جهنم.

اطفيش

تفسير : {وممَّنْ} متعلق بمحذوف خبر المبتدأ بعد، ومن للتبعيض {حَوْلكُم} أى حول بلدتكم، وهى المدينة، ظرف متعلق بمحذوف صلة من {مِنَ الأعْراب} متعلق بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فى ممن، أو فى حول ومن للبيان {مُنافِقُون} مبتدأ، وهؤلاء الأعراب هم: جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع نزلوا حول المدينة، وكان بعضهم منافقين، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم لهؤلاء القبائل جار على غالبهم، قيل: ومن هؤلاء الأعراب: عصية ولحيان نزلوا حولها. {ومِنْ أهْل المدِينَةِ} عطف على ممن، فكأنه قيل: وممن حولكم من الأعراب، ومن أهل المدينة منافقون {مَردُوا عَلى النِّفاقِ} عتوا فيه، وأصروا عليه، وبلغوا منه الغاية، أو تدربوا فيه، وتمهروا فى إخفائه، والجملة نعت لمنافقون، فصل بينهما بالمعطوف على الخبر، أو مستأنفة، ويجوز أن تكون نعتا لمبتدأ محذوف، أى قوم مردوا على النفاق، وخبره من أهل المدينة. قال ابن هشام: يجوز بكثرة حذف المنعوت إن علم، وكان النعت إما صالحا لمباشرة أو بعض اسم مقدم محفوظ بمن أو فى كقولهم: منا ظعن، ومنا أقام، أى منا فريق ظعن، ومنا فريق أقام، وهذا أولى من قول الكوفيين: ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق، ومنا الذى ظعن، ومنا الذى أقام، لأن اتصال الموصول بصلته أشد من اتصال المنعوت بنعته. {لا تَعْلَمهم} منافقين، أو لا تعرفهم بأعيانهم مع كمال فطنتك لإفراطهم فى إخفاء النفاق، وكونهم بصورة المخلصين {نَحْن نَعلَمهم} إذ لا يخفى علينا شىء {سنُعذِّبهُم مرَّتيْن} مرة بالفضيحة، قال الكلبى، والسدى: "حديث : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان إنك منافق، اخرج يا فلان، اخرج يا فلان"" تفسير : فيكون قد أعلمه الله بهم بعد، وأسر حذيفة بهم، فكان إذا مات أحد منهم لا يصلى عليه، فلامه عمر لم لا تصلى على مسلم مات؟ فقال: لو كنت مثله ما صليت عليك، فقال: أمنافق هو؟ قال: ما كنت لأخبرك بسر رسول الله، فقال: أناشدك الله أنا منهم؟ قال: لا، ولا أؤمن بها غيرك، وقيل: قال يا أمير المؤمنين إنه من القوم. وفى ذلك دليل لأصحابنا على أن النفاق فى القرآن فعل كبيرة غير شرك، إذ لا يشك عمر فى شرك نفسه، وأجيب بأنه خاف أن يكون فيه كبيرة شرك لم يطلع عليها، أو خاف أن يختم له بالشرك، ومرة بالقتل بأن أظهر الله منهم ما يوجب القتل، أو ما يلحقهم بالمشركين، وقال مجاهد: مرة بالقتل والأسر، بأن أظهر الله منهم ما يوجب الحكم عليهم بحكم المشركين، وفيه ضعف، ومرة بالجوع، وعنه: المرتان بالجوع. وقال قتادة: مرة بخراج فى ظهورهم تنفذ فى صدورهم، ومرة فى القبر، وقال ابن زيد: مرة بالمصائب فى الأموال والأولاد، ومرة فى القبر، وعن ابن عباس: مرة بالفضيحة، ومرة فى القبر، وعنه: مرة بإقامة الحدود، ومرة فى القبر. وقال الحسن: مرة بأخذ الزكاة، ومرة بنهك أبدانهم، وقال ابن إسحاق: مرة بفيض الإسلام وجريان حكمه عليهم كارهين، ومرة فى القبر، وقيل: مرة بضرب وجههم وأدبارهم عند الموت، ومرة فى القبر، وعن بعضهم: مرة بإحراق مسجد الضرار، ومرة بالإحراق بالنار فى القبر، ويجوز أن يكون مرة بالقتل، ومرة فى القبر، ويجوز أن يكون مرة فى الدنيا بكل ما يصابون به، ومرة فى القبر، والصحيح عندى ثبوت عذاب القبر. {ثُم يُردُّونَ} بالبعث {إلى عَذابٍ عَظيمٍ} هو عذاب جهنم، وهو عذاب ثالث.

اطفيش

تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ} جهات بلدتكم يا أَهل المدينة {مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ} كبعض أَسلم وغفار وجهينة وأَشجع ومزينة، وأَكثر كل قبيلة من هذه القبائل مسلمون دعا لهم صلى الله عليه وسلم بالخير ومدحهم، فالمراد فى الآية قليلهم كما دلت عليه من التبعيضية، قال صلى الله عليه وسلم كما مر:" حديث : أَسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر لها الله، أَما أَنا لم أَقلها قالها الله تعالى"تفسير : ، رواه أَبو هريرة، وعنه مرفوعا كما مر: حديث : قريش والأَنصار وجهينة ومزينة وأَشجع وأَسلم وغفار موالى الله تعالى ورسوله لا موالى لهم غيرهتفسير : . والمراد الغالب فلا ينافى ما ورد من السوءِ. {وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ} خبر مقدم ومبتدأٌ محذوف تقديره قوم {مَردُوا} نعت لقوم، أَو يقدر منافقون أَى منافقون آخرون مردوا {عَلَى النِّفَاقِ} كقولهم: منا ظعن ومنا أَقام، أَى منا فريق ظعن ومنا فريق أَقام، وهو مقيس يحذف المبتدأُ ويبقى نعته الجملى كالنعت لمفرد أَو من أَهل المدينة عطف على ممن حولكم ومردوا مستأْنف للبيان أَو نعت لمنافقون، وفى العطف يكون الفصل بين الموصوف وصفته بالمعطوف و هو لا يحسن كقولك فى الدار زيد، وفى القصر العاقل على أَن العاقل نعت لزيد فأَلحق الأَعراب الأَول، فبين الله أَن حول المدينة منافقين ربما علمتم وفى داخلها قوم منافقون استمروا وتشددوا فى ستر نفاقهم حتى لا يتفطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى {لاَ تَعْلَمُهُمْ} يا محمد، وما ذلك لأَنهم أَشد بلاغة منه فإِنه أَشد منهم ولكن لشدة محافظتهم على الستر، والمعنى لا تعرفهم بالتعيين {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} نعرفهم وقد أَجاز غير واحد إِسناد المعرفة لله واختاره السعد، وعلى المنع يقدر نعلمهم من هم أَو نعلمهم منافقين ولا حاجة إِلى تقدير الأَول كذلك، أَى لا تعلمهم منافقين نحن نعلمهم منافقين، لأَن فيه الحذف بلا داع، نعم فيه إِبقاءُ العلم على أَصله ولا ينافى هذا قوله عز وجل "أية : ولتعرفنهم فى لحن القول"تفسير : [محمد: 30] لأَنا نصرف معرفتهم فى لحن القول على قوله وممن حولكم من الأَعراب منافقون، أَو أَنه لا يعرفهم أَولاً، ثم عرفهم لكن القتال نزلت قبل براءَة فروعى أَن آية القتال، نزلت قبل تمام براءَة. {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ} مرة بالفضيحة ومرة بعذاب الموت يشدد عليهم، أَو بها وبعذاب القبر أَو بعذابه وعذاب الموت أَو بنهك الأَبدان بالأَمراض والإِذلال، والثانى نهكها بالزكاة، وعن الحسن بأَخذ الزكاة وعذاب القبر، وقيل بالجوع مرتين وقيل غيظهم بأَهل الإِسلام وعذاب القبر، وعن ابن عباس الأُولى بالحدود والثانية عذاب القبر، وعن مجاهد: المراد تعذيبها بالجوع مرتين، وقيل: ضرب الملائكة وجوههم وأَدبارهم عند الموت وعذاب القبر، وقيل إِحراق مسجد الضرار وعذاب جهنم، أَو المراد بمرتين التكثير كلبيك وكرتين فيشمل العذاب المذكور فى الأَقوال كلها، وقد قيل المراد ما يصيبهم فى الدنيا وما فى القبر وما بعد البعث، وأَما القتل والسبى أَو القتل والجوع كما قيل فلا نعلم أَنه قتل المنافقين ولا سباهم، والمروى أَنه قام صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: حديث : قم يا فلان فإِنك منافق، قم يا فلان فإِنك منافق حتى أَخرج من المسجد ناسا وفضحهمتفسير : ، وروى أَحمد بن حنبل عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأَثنى عليه ثم قال: حديث : إِن منكم منافقين فمن سميته فليقمتفسير : ، ثم قال: حديث : قم يا فلان فإِنك منافقتفسير : حتى سمى ستة وثلاثين {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} هو العذاب فى النار بعد الحشر. وأَسند التعذيب مرتين إِلى نفسه تعالى دون هذا، قيل لاختلافهما، حالا وأَن الأَول خاص بهم، وقوعا وزمانا يتولاه الله تعالى، والثانى شامل لعامة المنافقين وغيرهم وقوعا وزمانا ولو اختلف طبقات عذابهم فإِن المنافقين فى الدرك الأَسفل.

الالوسي

تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلاْعْرَابِ} شروع في بيان [أحوال] منافقي أهل المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيان حال أهل البادية منهم أي وممن حول بلدكم {مُنَـٰفِقُونَ} والمراد بالموصول كما أخرج ابن المنذر عن عكرمة: جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار؛ وكانت منازلهم حول المدينة، وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي وغيرهم واستشكل ذلك بأن النبـي صلى الله عليه وسلم مدح هذه القبائل ودعا لبعضها، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره»تفسير : ، وجاء عنه أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر الله لها أما إني لم أقلها لكن قالها الله تعالى»تفسير : ، وأجيب بأن ذلك باعتبار الأغلب منهم. {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} عطف على {مِمَّنْ حَوْلَكُم} فيكون كالمعطوف عليه خبراً عن ـ المنافقون ـ كأنه قيل: المنافقون من قوم حولكم ومن أهل المدينة، وهو من عطف مفرد على مفرد ويكون قوله سبحانه: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنّفَاقِ} جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة لبيان غلوهم في النفاق إثر بيان اتصافهم به أو صفة لمنافقون، واستبعده أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة وموصوفها، وجوز أن يكون {مّنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} خبر مقدم والمبتدأ بعده محذوف قامت صفته مقامه والتقدير ومن أهل المدينة قوم مردوا، وحذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أو في مقدم عليه مقيس شائع نحو ـ منا أقام ومنا ظعن ـ، وفي غير ذلك ضرورة أو نادر، ومنه قول سحيم شعر : : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني تفسير : على أحد التأويلات فيه. وأصل المرود على ما ذكره علي بن عيسى الملاسة ومنه صرح ممرد، والأمرد الذي لا شعر على وجهه، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئاً، وقال ابن عرفة: أصله الظهور ومنه قولهم: شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وأظهرت عيدانها، وفي «القاموس» ((مرد كنصر وكرُم مروداً ومرودة ومَرَادة فهو مارد ومَرِيد ومتمرد أقدم وعتا أو هو أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف)) وفسروه بالاعتياد والتدرب في الأمر حتى يصير ماهرا فيه وهو قريب مما ذكره في «القاموس» من بلوغ الغاية، ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. وهو على الوجهين الأولين شامل للفريقين حسب شمول النفاق، وعلى الوجه الأخير خاص بمنافقي أهل المدينة واستظهر ذلك، وقيل: إنه الأنسب بذكر منافقي أهل البادية أولا ثم ذكر منافقي الأعراب المجاورين ثم ذكر منافقي أهل المدينة ويبقى على هذا أنه لم يبين مرتبة المجاورين في النفاق بخلافه على تقدير شموله للفريقين؛ ثم لا يخفى أن التمرد على النفاق إذا اقتضى الأشدية فيه أشكل عليه تفسيرهم المفضل في قوله سبحانه: {أية : ٱلاْعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا }تفسير : [التوبة:97] بأهل الحضر، ولعل المراد تفضيل المجموع على المجموع أو يلتزم عدم الاقتضاء. وقوله تعالى: {لاَ تَعْلَمُهُمْ} بيان لتمردهم أي لا تعرفهم أنت بعنوان نفاقهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوق في مراعاة التقية والتحامي عن مواقع التهم إلى حيث يخفى عليك مع كمال فطنتك وصدق فراستك حالهم، وفي تعليق نفي العلم بهم مع أنه متعلق بحالهم مبالغة في ذلك وإيماء إلى أن ما هم عليه من صفة النفاق لعراقتهم ورسوخهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتهم أو مشخصاتهم بحيث لا يعد من لا يعرفهم بتلك الصفة عالماً بهم، ولا حاجة في هذا المعنى إلى حمل العلم على المتعدي لمفعولين وتقدير المفعول الثاني أي لا تعلمهم منافقين، وقيل: المراد لا تعرفهم بأعيانهم وإن عرفتهم إجمالاً، وما ذكرناه لما فيه من المبالغة ما فيه أولى وحاصله لا تعرف نفاقهم. {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} أي نعرفهم بذلك العنوان وإسناد العلم بمعنى المعرفة إليه تعالى مما لا ينبغي أن يتوقف فيه وإن وهم فيه من وهم لا سيما إذا خرج ذلك مخرج المشاكلة، وقد فسر العلم هنا بالمعرفة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه عند أبو الشيخ. نعم لا يمتنع حمله على معناه المتبادر كما لا يمتنع حمله على ذلك فيما تقدم لكنه محوج إلى التقدير وعدم التقدير أولى من التقدير. والجملة تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق أي لا يقف على سرائرهم المركوز فيهم إلا من لا تخفى عليه خافية / لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطال الكفر وإظهار الإخلاص، وأمر تعليق العلم هنا كأمر تعليق نفيه فيما مر. واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها. وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه نبـي قال نوع عليه السلام و {أية : مَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }تفسير : [الشعراء: 112] وقال شعيب عليه السلام: {أية : وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ }تفسير : [هود: 86] وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل في الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب وتجرد النفس عن الشواغل وبعضهم يتساهلون في هذا الباب جداً. {سَنُعَذّبُهُم} ولا بد لتحقيق المقتضى فيهم عادة {مَّرَّتَيْنِ} أخرج ابن أبـي حاتم والطبراني في «الأوسط» وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً فقال قم يا فلان فاخرج فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يك عمر بن الخطاب شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم منه وظنوا أنه قد علم بأمرهم فدخل المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله تعالى المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر». وفي رواية ابن مردويه عن ابن مسعود الأنصاري أنه صلى الله عليه وسلم أقام في ذلك اليوم وهو على المنبر ستة وثلاثين رجلاً. وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد أنه فسر العذاب مرتين بالجوع والقتل، ولعل المراد به خوفه وتوقعه، وقيل: هو فرضي إذا أظهروا النفاق وفي رواية أخرى عنه أنهم عذبوا بالجوع مرتين، وعن الحسن أن العذاب الأول أحذ الزكاة والثاني عذاب القبر، وعن ابن إسحق أن الأول غيظهم من أهل الإسلام والثاني عذاب القبر، ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق أو النفاق المؤكد بالتمرد فيه. وجوز أن يراد بالمرتين التكثير كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ }تفسير : [الملك: 4] لقوله سبحانه: {أية : أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ }تفسير : [التوبة: 126]. {ثُمَّ يُرَدُّونَ} يوم القيامة الكبرى {إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} هو عذاب النار، وتغيير الأسلوب على ما قيل بإسناد عذابهم السابق إلى نون العظمة حسب إسناد ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهما حالاً وإن الأول خاص بهم وقوعاً وزماناً يتولاه الله سبحانه وتعالى؛ والثاني شامل لعامة الكفرة وقوعاً وزماناً وإن اختلفت طبقات عذابهم، ولا يخفى أنه إذا فسر العذاب العظيم بعذاب الدرك الأسفل من النار لم يكن شاملاً لعامة الكفرة نعم هو شامل لعامة المنافقين فقط، وقد يقال: إن في بناء {يُرَدُّونَ} لما لم يسم فاعله من التعظيم ما فيه فيناسب العذاب العظيم فلذا غير السبك إليه والله تعالى أعلم.

ابن عاشور

تفسير : كانت الأعراب الذين حول المدينة قد خلصوا للنبيء صلى الله عليه وسلم وأطاعوه وهم جهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، ولحيان، وعصية، فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن في هؤلاء منافقين لئلا يغتر بكل من يظهر له المودة. وكانت المدينة قد خلص أهلها للنبيء صلى الله عليه وسلم وأطاعوه فأعلمه الله أن فيهم بقية مردوا على النفاق لأنه تأصل فيهم من وقت دخول الإسلام بينهم. وتقديم المجرور للتنبيه على أنه خبر، لا نعت. و(مِن) في قوله {وممن حولكم} للتبعيض و(مِن) في قوله: {من الأعراب} لبيان (مَن) الموصولة. و(مِن) في قوله: {ومن أهل المدينة} اسم بمعنى بعض. و{مردوا} وخبر عنه، أو تجعل (مِن) تبعيضية مؤذنة بمبعض محذوف، تقديره: ومن أهل المدينة جماعة مردوا، كما في قوله تعالى: {أية : من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه} تفسير : في سورة النساء (46). ومعنى مرد على الأمر مَرِن عليه ودَرِب به، ومنه الشيطان المارد، أي في الشيطنة. وأشير بقوله: {لا تعلمهم نحن نعلمهم} إلى أن هذا الفل الباقي من المنافقين قد أراد الله الاستيثار بعلمه ولم يُطلع عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم كما أطلعه على كثير من المنافقين من قبلُ. وإنما أعلمه بوجودهم على الإجمال لئلا يغتر بهم المسلمُون، فالمقصود هو قوله: {لا تعلمهم}. وجملة {نحن نعلمهم} مستأنفة. والخبر مستعمل في الوعيد، كقوله: {أية : وسيرى الله عملكم ورسوله}تفسير : [التوبة: 94]، وإلا فإن الحكم معلوم للمخاطب فلا يحتاج إلى الإخبار به. وفيه إشارة إلى عدم الفائدة للرسول صلى الله عليه وسلم في علمه بهم، فإن علم الله بهم كاف. وفيه أيضاً تمهيد لقوله بعده {سنعذبهم مرتين}. وجملة: {سنعذبهم مرتين} استيناف بياني للجواب عن سؤال يثيره قوله: {نحن نعلمهم}، وهو أن يسأل سائل عن أثر كون الله تعالى يعلمهم. فأعلم أنه سيعذبهم على نفاقهم ولا يفلتهم منه عدمُ علم الرسول ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ بهم. والعذاب الموصوف بمرتين عذاب في الدنيا لقوله بعده {ثم يردون إلى عذاب عظيم}. وقد تحير المفسرون في تعيين المراد من المرتين. وحملوه كلهم على حقيقة العدد. وذكروا وجوهاً لا ينشرح لها الصدر. والظاهر عندي أن العدد مستعمل لمجرد قصد التكرير المفيد للتأكيد كقوله تعالى: {أية : ثم ارجع البصر كرتين}تفسير : [الملك: 4] أي تأمل تأملاً متكرراً. ومنه قول العرب: لبيك وسعديك، فاسم التثنية نائب مناب إعادة اللفظ. والمعنى: سنعذبهم عذاباً شديداً متكرراً مضاعفاً، كقوله تعالى: {أية : يضاعَف لها العذاب ضعفين}تفسير : [الأحزاب: 30]. وهذا التكرر تختلف أعداده باختلاف أحوال المنافقين واختلاف أزمان عذابهم. والعذاب العظيم: هو عذاب جهنم في الآخرة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}. صرح في هذه الآية الكريمة أن من الأعراب، ومن أهل المدينة، منافقين لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر تعالى نظير ذلك عن نوح في قوله عنه. {أية : قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [الشعراء: 112] الآية. وذكر نظيره عن شعيب - عليهم كلهم صلوات الله وسلامه - في قوله: {أية : بَقِيَّةُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظ} تفسير : [هود: 86] اهـ. وقد أطلع الله نبيه على بعض المنافقين كما تقدم في الآيات الماضية، وقد أخبر صاحبه حذيفة بن اليمان رضي اله عنهما، بشيء من ذلك، كما هو معلوم.

د. أسعد حومد

تفسير : {مُنَافِقُونَ} (101) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ فِي أَحْيَاءِ العَرَبِ، مِمَّنْ هُمْ حَوْلَ المَدِينَةِ، مُنَافِقينَ، كَمَا يُوجَدُ مُنَافِقُونَ بَيْنَ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَقَدْ تَمَرَّنُوا عَلَى النِّفَاقِ، وَحَذَقُوهُ، حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الغَايَةَ فِي إِتْقَانِهِ، وَأَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ العَسيرِ كَشْفُهُمْ وَمَعْرِفَتُهُمْ (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ)، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ لاَ تَعْرِفُهُمْ، وَلَكِنَّ اللهَ يَعْرِفُهُمْ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ فِي الدًُّنْيَا مَرَّتِينِ: أُولاهُمَا : - فِيمَا يُصِيبُهُمْ مِنَ المَصَائِبِ وَالخَوْفِ مِنَ الفَضِيحَةِ بِهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ. وَثَانِيَتَهما - فِي آلاَمِ المَوْتِ، وَضَرْبِ المَلاَئِكَةِ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ حِينَ قَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ. وَفِي الآخِرَةِ يُرَدُّونَ إِلَى جَهَنَّمَ، وَبِئْسَ المَصِيرُ. مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ - تَمَرَّنُوا عَلَيْهِ، وَحَذَقُوهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أوضح سبحانه: وطِّنوا أنفسكم على أن من حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، وهذا التوطين يعطي مناعة اليقظة؛ حتى لا يندس واحد من المنافقين على أصحاب الغفلة الطيبين من المؤمنين، فينبههم الحق: انتبهوا فأنتم تعيشون في مجتمع محاط بالمنافقين. والتطعيم ضد الداءات التي تصيب الأمم وسيلة من وسائل محاربة العدو، ونحن نفعل ذلك ماديّاً حين نسمع عن قرب انتشار وباء؛ فنأخذ المصل الواقي منه، رغم أنه داء إلا أنه يعطينا مناعة ضد المرض. وهكذا يربي الحق المناعة بحيث لا يمكن أن يُهاجَم المؤمنون عن غفلة، فيقول: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} و "مرد" يمرد أي: تدرب وتمرن، ويبقى الأمر عنده حرفة، وكأن الواحد منهم يجيد النفاق إجادة تامة. وكل ذلك ليوجد مناعة في الأمة الإسلامية؛ حتى يكون المؤمن على بصيرة في مواجهة أي شيء، فإذا رأى أي سلوك فيه نفاق اكتشفه على الفور. واليقظة تدفع عنك الضر، ولا تمنع عنك الخير. وافرض أن واحداً قال لك: إن هذا الطريق مَخُوف لا تمشِ فيه وحدك بالليل. ثم جاء آخر وقال: إنه طريق آمن ومشينا فيه ولم يحدث شيء، فلو أنك احتطْتَ وأخذت معك سلاحاً أو رفيقاً فقد استعددت للشر لتتوقاه، فَهَبْ أنه لم يحدث شيء، فما الذي خسرته؟ إنك لن تخسر شيئاً. وهذه قضية منطقية فلسفية يُردّ بها على الذين يشككون في دين الله، مثل المنجِّمين، ومَن يدَّعون الفلسفة، ويزعمون أنه لا يوجد حساب ولا حشر ولا يوم آخر، فيقول الشاعر: شعر : زَعَم المنجِّم والطَّيبُ كلاهما لا تُحْشَرُ الأجسَاد قلْتُ إليكُمَا إنْ صَحَّ قولكُمَا فَلسْتُ بخَاسرٍ أوْ صَحَّ قَوْلِي فَالخسَار عليكُما تفسير : أي: إن كان كلامكم صحيحاً من أنه لا يوجد بعث - والعياذ بالله - فلن أخسر شيئاً؛ لأني أعمل الأعمال الطيبة. وإن كان هناك بعث - وهو حق - فسوف ألقى الجزاء في الجنة؛ وبذلك لم أخسر، بل كسبت. لكن افرضوا أنكم عملتم الشر كله وجاء البعث فأنتم الخاسرون. والقضية الفلسفية المنطقية هنا هي: إن لم أكسب فلن أخسر، وأنتم إن لم تخسروا فلن تكسبوا. والحق في هذه الآية يقول: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ ..} وكلمة {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ} تفيد أنكم محاصرون، لا ممن حولكم فقط، بل أيضاً ببعض من الموجودين بينكم في المدينة، وهم من تدربوا على النفاق حتى صارت لهم ألفة به. وهذه الآيات - كما نعلم - قد نزلت تحكي حال المنافقين. والنفاق تتعارض فيه ملكات النفس الإنسانية بأن توجد ملكة كفر في القلب، بينما توجد ملكة إيمان في اللسان، فلا يتفق اللسان مع القلب، فالذين آمنوا يوافق ما ينطقون به ما في قلوبهم، والذين كفروا وافقت قلوبهم ألسنتهم. أما الصنف الثالث: وهم الذين نطقوا بالإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فهؤلاء هم المنافقون. وهو لفظ مأخوذ من "نافقاء اليربوع" وهو حيوان صحراوي يشبه الفأر، ويخدع من يريد صيده، فيجعل لبيته أو جحره عدة فجوات، فإذا طارده حيوان أو إنسان يدخل من فجوة، فيتوهم الصائد أنه سيخرج منها، ويبقى منتظراً خروجه، بينما يخرج اليربوع من فجوة أخرى، فكأنه خادع الصائد، فالصائد يظن أن للجحر باباً واحداً، ولكن الحقيقة أن للجحر أكثر من مدخل ومخرج. والنفاق بهذه الصورة فيه ظاهرتان: ظاهرة مَرَضيّة في المنافق، وظاهرة صحية في المنافَق؛ ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما نشأ في المدينة. ومن العجيب أن ينشأ النفاق في المدينة التي آوت الإسلام وانتشر منها، وانساح إلى الدنيا كلها، ولم يظهر في مكة التي أرادت أن تطمس الإسلام، وحارب سادتُها وصناديدُها الدعوةَ. إذن: فلا بد أن نأخذ من النفاق ظاهرتين: الظاهرة الأولى وهي الظاهرة المرضيّة، حيث قال الحق: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ...} تفسير : [البقرة: 10]. أما الظاهرة الثانية فهي الظاهرة الصحية، فقد أصبح الإسلام قويّاً بالمدينة غيره عند بدء الدعوة في مكة. إنما يُنَافَق القوي؛ لأن المنافق يريد أن ينتفع بقوة القوي، كما أن المنافق يعرف أنه لن يستطيع مواجهة القوي، أو أن يقف منه موقف العداء الظاهر. إذن: فالنفاق حين يظهر، إنما يظهر في مجالات القوة، لا في مجالات الضعف، فالرجل الضعيف لا ينافقه أحد، والرجل القوي ينافقه الناس. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية بالنسبة للمنافق، وظاهرة صحية في المنافَق. وأراد الحق سبحانه أن يكشف للمؤمنين أمر المنافقين الذين يتلصصون عليهم، أي: يتخذون مسلك اللصوص؛ في أنهم لا يُواجهون إلا في الظلام، ويحاولون أن يدخلوا من مداخل لا يراهم منها أحد، ويتلمَّسون تلك المداخل التي لا تظهر، ويُخْفون غير ما يظهرون. أما مواجهة الكافر فهي مسألة واضحة، صريحة؛ فهو يعلن ما يبطن، ويواجهك بالعداء. وأنت تواجهه بجميع قوتك وكل تفكيرك؛ لأنه واضح الحركة. أما المنافق الذي يُظهر الإيمان وفي قلبه الكفر، فهو يتلصص عليك، وعليك أن تحتاط لمداخله؛ لأنه ينتظر اللحظة التي يطعنك فيها من الخلف. وينبهنا الحق إلى ضرورة الاحتياط، وأن يمتلك المؤمنون الفطنة والفراسة وصدق النظر إلى الأشياء، وعدم الانخداع بمظاهر تلك الأشياء، فكشف لنا سبحانه كل أوجه النفاق؛ كشف منافقي المدينة حيث يوجد منافقون وغير منافقين، ومنافقي الأعراب الذين يوجد بينهم منافقون وغير منافقين، وعَلّم الحق سبحانه المؤمنين كيف يتعرفون على المنافقين بالمظاهر التي تكشف ما يدور في صدورهم. وسبحانه القائل عن المنافقين: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ...} تفسير : [محمد: 30]. ولكنْ هناك لون من النفاق، نفاق فني دقيق، يغيب على فطنة المتفطن، وعلى كياسته. ولذلك يوضح لنا سبحانه: أنا لا أكلُكم إلى فطنتكم لتعلموا المنافقين، وإنما أنا أعلمه وأنتم لا تعلمونه؛ لأنهم قد برعوا في النفاق {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ورغم فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكياسته فقد أوضح له الحق أنه سيغيب عنه أمرهم؛ لأنهم احتاطوا بفنيّة النفاق فيهم حتى لا يظهر. لقد عبّر القرآن التعبير الدقيق، فقال: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} والمادة نفسها في كلمة {مَرَدُواْ} هي من مرد، يمرد، مروداً، ومارداً، ومريداً، هذه المادة تصف الشيء الناعم الأملس الذي لا تظهر فيه نتوءات، ومنه الشاب الأمرد، يعني الذي لم ينبت له شعر يخترق بشرته، إذن: المادة كلها تدل على الثبات على شيء، وعدم وجود شيء فيه يخدش هذا الثبات. ويوضح سبحانه: تنبَّهوا، فممَّن حولكم من الأعراب منافقون، وقوله الحق: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ} يشعر بأنهم محاطون بالنفاق، ولماذا يحاطون بالنفاق؟ لأن الدعوات الإيمانية لا تظهر إلا إذا طمّ الفساد في بيئة. ونعلم أن الحق قد جعل في النفس أشياء تطرد الباطل، وإن ألحّ الباطل عليها فترة، تتنبه النفس إليه وتطرده. وهؤلاء هم الذين يتوبون، يقترفون الذنب ثم ترجع إليهم نفوسهم الإيمانية فتردعهم. إذن: فالردع إما أن يكون ذاتيّاً في النفس، وإما أن يكون من المجتمع للنفس التي لا يأتيها الردع من الذات، فهي نفس أمَّارة بالسوء، وهي لا تأمر بالسوء مرة وتنتهي، بل هي أمّارة به، أي: اتخذت الأمر بالسوء حرفة؛ لأن صيغة "فعّال" تدلنا على المزاولة والمداومة. وإذا كانت المناعة في النفس فهذا أمر يسير ويأتي من النفس اللوامة، وقد يكون المجتمع الذي حول الإنسان هو الذي يردع النفس إن ضعفت في شيء. وبهذا تكون المناعة في المجتمع، أما إذا طمّ الفساد أيضاً في المجتمع؛ فلا النفس تملك رادعاً ذاتيّاً، ولا المجتمع فيه رادع؛ هنا لا بد أن تتدخل السماء، وتأتي دعوة الحق بآياتها، وبيناتها، ومعجزة الرسول. هنا يقف أصحاب الفساد - وتكون نفوسهم أمّارة بالسوء - موقفاً ينافقون به القوة الطارئة الجديدة، بينما تظل نفوسهم أمّارة بالسوء، فتظهر ظاهرة النفاق. وقوله الحق: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} أي أنكم مطوقون في ذاتكم ومن حولكم، فالنفاق في ذات المكان الذي تقيمون فيه، وفيما حولكم أيضاً. وأخشى ما يخشاه الإنسان، أن يوجد الأمر الضار حوله وفيه؛ لأنه إن كان الأمر الضار في المكان الذي يعيش فيه، فمن حوله يستطيعون إنقاذه أو يستطيع هو أن يهجر المكان، لكن إن كان محاصراً بالضرر ممن حوله ومن المكان الذي يحيا فيه، فإلى أين يذهب؟ ويريد سبحانه أن ينبه المؤمنين إلى أن ظاهرة النفاق متفشية؛ منها ما تستطيعون - أيها المؤمنون - معرفته بمعرفة حركات المنافقين وسكناتهم ولحن قولهم وتصرفاتهم، ومنها أمر دقيق خفي لا تعلمونه، ولكنه سبحانه يعلمه؛ ولأنكم غير مسلمين لأنفسكم، ولكم رب يعلمكم ما لا تعلمون فاطمئنوا؛ فسوف يفضحهم لكم. ونتيجة هذا العلم أنكم سترون فيهم العقوبات؛ فيأتي فيهم القول الحق: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ}. هم إذن سيعذبون مرتين في الدنيا، ثم يردون لعذاب الآخرة، وأول عذاب لمن يستر نفاقه أن يفضح نفاقه؛ ولذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق ". تفسير : أو تأتي له مصائب الدنيا. ولقائل أن يقول: وهل المصائب عذاب للمنافق، إن المصائب قد تصيب المؤمن أيضاً؟ ونرد: إن المصائب تأتي للمؤمن لإفادته، ولكنها تأتي للمنافق لإبادته. فالمؤمن حين يصاب؛ إما أن يكفر الله به عنه ذنباً؛ وإما أن يرفعه درجة به لكن المصائب حين تصيب المنافق فهي مغرم فقط؛ لأن المنافق لا يرجو الآخرة؛ ولذلك يقال: إن المصاب ليس من أصيب فيما يحب، ولكن المصاب هو من حرم الثواب. فإن استقبل المؤمن المصيبة بالرضا، وعلم أن الذي أجراها عليه حكيم، ولا يجري عليه إلا ما يعلم الخير وإن لم يعلمه؛ فهو ينال الثواب على الصبر والأجر على الرضا، وهكذا يخرج من دائرة الألم العنيف. أما غير المؤمن فهو يتمرد على القدر، وبعدم إيمانه يُحْرَم من الثواب. أو أن العذاب مرتين، غير الفضيحة بنفاقهم، فيتمثل في محاولتهم أن يظهروا بمظهر الإيمان والإسلام، فيخرج الواحد منهم الزكاة من ماله، والمال محبب للنفس؛ لذلك فهو يخرج الزكاة مرغماً؛ ويشعر أنه قد خسر المال لأنه لا يؤمن بإله؛ لذلك فمصيبته كبيرة. وقد يرسل المنافق ابنه للحرب وهو يعلم أنه ليس له في ذلك ثواب، وهذا لون آخر من العذاب. وهذا العذاب متحقق بقول الحق: {أية : وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا ...} تفسير : [التوبة: 85]. أو أن يكون العذاب في الدنيا هو ما يرونه حين تغرغر النفس، لحظة أن تبلغ الروح الحلقوم، ويرى المُغَرْغِر الملائكة مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [الأنفال: 50]. وكل هذه ألوان من العذاب في الدنيا. والإنسان - كما نعلم - في استقبال الزمن له ثلاث حالات: زمن هو حياته الدنيا، وزمن هو زمن موته، وزمن هو زمن آخرته. فحين يصاب المؤمن في الزمن الأول - زمن حياته - يُعزِّيه في مصابه الزمنُ الأخير، وهو زمن آخرته. أما حين يصاب الكافر أو المنافق في زمن حياته، فلا شيء يعزيه أبداً؛ لأنه لا يؤمن بالله ولا هو يطمع في شيء من خيره سبحانه. ويأتيه الزمن الثاني، وهو زمن الموت، وفيه عذاب القبر. والعذاب إنما يكون بأحد اثنين: إما عرض ما يعذب به، أو دخول فيما يعذب به، وهذا يكون في الآخرة. أما عرض العذاب فهو القبر كأنه يقول لك: انظر ما ينتظرك. وما دام الإنسان يرى الشر الذي ينتظره، أليس هذا عذاباً؟ إنه عذاب مؤكد. {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} ولو قال الحق: "نعذبهم مرتين" فقط بدون السين، لصار لها معنى آخر مختلف تماماً. يتلخص في أن من يصيبه عذاب، فقد انتهى حسابه. لكن قوله: {سَنُعَذِّبُهُم} يؤكد لنا كلما قرأناه أن العذاب متصل. ويُنهي الحق الآية الكريمة بقوله: {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} وكلمة {يُرَدُّونَ} مثلها مثل {يُرْجعون} أو {يَرْجعون} ونحن نقول مرة: "يُرْجعون" وأخرى "يَرْجعون"، فكأن النفس البشرية تألف جزاءها في قولنا: "يَرْجعون"، أما قولنا: "يُرْجعون" ففي الكلمة قوة عليا تدفعهم ألا يتقاعسوا. وهكذا نجد المعذَّب إما مدفوع بقوة عُليا، وإما أن توجد فيه بقوة ذاتية تجعله يذهب إلى العذاب. والإنسان قد يتصرف تصرفاً ما، ثم يرد إلى أفكاره فلا يعجبه هذا التصرف، ويستقبل نفسه بالتوبيخ وبالتعنيف؛ لأن هناك إلحاحاً من النفس على العقوبة، وهو إلحاح يأتي من ذات النفس. والنفس الأمارة بالسوء قد تقضي حياتك معها في أمر بالسوء، ثم حين يأتي العقاب فأنت تقول لها: "اشربي أيتها النفس نتيجة ما فعلت". إذن فالمعذَّب يُدفع مرة للعذاب، وأخرى يندفع بذاته. {ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} ومثلما قلنا من قبل: فإن هناك ألواناً متعددة من العذاب، فهناك العذاب العظيم، والأليم، والمهين، والمقيم. والعذاب العظيم يأتي إما بأسباب وإما بمسبِّب، وعذاب الدنيا كله بأسباب، فقد يكون العذاب بالعصا، أو بالكرباج، أو بالإهانة، والأسباب تختلف قوة وضعفاً، أما عذاب الآخرة فهو بمسبِّب، والمعذِّب في الآخرة واحد وقوته لا نهاية لها، وإن قسْتَ عذاب الآخرة بالعذاب في الدنيا فمن المؤكد أن عذاب الآخرة عذاب عَظيم. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} معناهُ عَتَوا.

الأندلسي

تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} الآية، ذكر فيها أن منافقين حولكم من الاعراب وفي المدينة لا تعلمونهم، أي لا تعلمون أعيانهم أو لا تعلمونهم منافقين. ومعنى حولكم: حول بلدتكم وهي المدينة. والذين كانوا حول المدينة جهينة وأسلم وأشجع وغفار ومزينة وعصية ولحيان وغيرهم ممن جاور المدينة. {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} معطوف على ممن حولكم فاشتركا في النفاق. ويكون مردوا اخباراً عن الصنفين. ويجوز أن يكون ومن أهل المدينة استئناف خير لمبتدأ محذوف تقديره قوم مردوا. ويجوز حذف هذا المبتدأ الموصوف بالفعل كقولهم: مناظعن ومنا أقام يريدون منا جمع ظعن، ومنا جمع أقام، ويكون الموصوف بالتمرد منافق المدينة قال الزمخشري: كقوله: أنا ابن جلا. "انتهى". ان كان شبهه في مطلق حذف الموصوف فحسن وإن كان شبّهه في خصوصيته فليس بحسن، لأن حذف الموصوف مع من وإقامة صفته مقامة وهي في تقدير الاسم ولا سيما في التفصيل منقاس كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، وأما: أنا ابن جلا فضرورة شعر كقوله: شعر : يرمي بكَفَيْ كان من أَرْميَ البشر تفسير : أي بكفَيْ رجل. وكذلك أنا ابن جلا تقديره أنا ابن رجل جلا، أي كشف الأمرو وبيّنها. وفي قوله: {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} تهديد. وترتيب عليه الوعيد بقوله: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} والظاهر إرادة التثنية، ويحتمل أن يكون لا يراد بها شفع الواحد بل يكون المعنى على التكثير كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ}تفسير : [الملك: 4] أي كرة بعد كرة، كذلك يكون معنى سنعذبهم مرتين أي مرة بعد مرة. {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} الآية، نزلت في جماعة من الصحابة أوثق ثلاثة منهم أنفسهم بسواري المسجد، فمنهم أبو لبابة رغبوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين. فنزلت. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والضمير عائد على الذين خلطوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها وطهرنا. فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً. فنزلت. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الآية، قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فنزلت. {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} الآية، تقدم تفسير نظيرها. {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} الآية، قال ابن عباس وغيره: نزلت في الثلاثة الذين تخلفوا قبل التوبة عليهم هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري وكعب بن مالك. وقرىء: مرجون بالهمز وبغير الهمز، ومعناه التأخير. {لأَمْرِ ٱللَّهِ} أي لحكمه اما يعذبهم إن أصروا ولم يتوبوا، واما يتوب عليهم إن تابوا.

الجيلاني

تفسير : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ} أيها المؤمنون {مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} الساكنين في البوادي قوم، هم {مُنَٰفِقُونَ} معكم، وإن إظهروا المؤدة والإخاء، والإيمان على طرف اللسان، لا تبالوا بإيمانهم، ولا تغفلوا عن خدعهم {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} أيضاً قوم {مَرَدُواْ} أي: رسخوا {عَلَى ٱلنِّفَاقِ} ومن شدة نفاقهم وتمرنهم عليه صاروا بحيث {لاَ تَعْلَمُهُمْ} أيها المتصف بالفراسة الكاملة من غاية تلبيسهم وإخفائهم، بل {نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} ونعلم ما في ضمائرهم من الخيالات الفاسدة {سَنُعَذِّبُهُم} في الدنيا {مَّرَّتَيْنِ} مرة بتفضيحهم وإظهار ما في قلوبهم من الأكنة والشقاق، ومرة بقتلهم وسبيهم وإجلائهم {ثُمَّ يُرَدُّونَ} بعد انقضاء النشأة الأولى {إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} [التوبة: 101] هو حرمانهم وانحطاطهم عن المرتبة الكاملة الإنسانية التي هي مرتبة الخلافة والنيابة الجامعة لجميع المراتب الكونية والكيانية. {وَ} من أهل المدينة قوم {آخَرُونَ} ليسوا من المصرين على النفاق، المتمرنين فيه، بل {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} التي صدرت عنهم من المخالفة والبغض والطعن والاستخفاف، والغيبة حين خلوا مع المنافقين المتمرنين، وهم وإن صدر عنهم الإيمان والإخلاص، لكنهم {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً} من الإخلاص والرضاء، والتسليم {وَ} عملاً {آخَرَ سَيِّئاً} وهو اتفاقهم مع المنافقين في خوضهم وطعنهم، بذلك انحطوا عن رتبة المخلصين في جميع حالاتهم {إِنَّ ٱللَّهَ} أي: يوفقهم على التوبة والندامة، ويقبل منهم توبتهم بعدما أخلصوا فيها {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} المصلح لأحوال عباده {غَفُورٌ} لمن تاب وندم عن ظهر القلب {رَّحِيمٌ} [التوبة: 102] يقبل توبتهم إن أفرطوا. {خُذْ} يا أكمل الرسل {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أي: من أموال هؤلاء المذنبين التائبين، النادمين عمَّا صدر عنهم من المخالفة حين أذنوا لك أن تخرج منها {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} عن أدناس الطبيعة المولعة لحب المال والحرص في جمعها ونمائها {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي: تصفي بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} واستغفر لذنوبهم، وادع لهم بالدعاء الخير {إِنَّ صَلَٰوتَك} والتفاتك بحالهم {سَكَنٌ لَّهُمْ} أي: سكينة لقلوبهم ووقار وطمأنينة، وسبب لتقررهم وتثبتهم على جادة التوحيد والإيمان {وَٱللَّهُ} المراقب عليهم في حالاتهم {سَمِيعٌ} لإخلاصهم ومناجاتهم {عَلِيمٌ} [التوبة: 103] بنيَّاتهم وحاجاتهم. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} أولئك التائبون، النادمون المخلصون، المتضرعون نحو الحق على عفو زلاتهم وتقصيراتهم {أَنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوالهم {هُوَ} بلطفه وفضله {يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} بعدما وفقتهم عليها، ويتجاوز عن سيئاتهم {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} من أموالهم؛ أي: يقبلها منهم تطهيراً لقلوبهم عمَّا يشوشهم من رذائل هوياتهم وتعيناتهم؛ ليتشمروا نحو الحق مخفين {وَ} لم يعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المتفضل لعباده {هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع لهم عن مقتضيات نفوسهم نحو جنابة {ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 104] عليهم يوصلهم إلى بابه إن أخلصوا في سلوكهم وتوجههم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أرباب النفاق من الأعراب بقوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ} [التوبة: 101] إلى قوله: {هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 104]، {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} يشير إلى صفات النفس، فإنها بمثابة الأعراب بالنسبة إلى مدينة القلب وصفاته، وإنها تدور حول القلب؛ يعني: من أعراب صفات النفس بعضها منافق لاحتمال أن يكون بعضها منافقاً، وبعضها كافراً، وبعضها مسلماً، فالمنافق منها كالصفة الحيوانية من الشهوات، فإنها تبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس لسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهراً الحقيقة؛ لأنها تتبدل بالكلية بحيث تنزع عنها الشهوة بحيث تكون مغلوبة فيها بالسياسة، وهذا حال المنافق أن يكون ظاهره بخلاف باطنه بالرئاسة. والكافر منها كالصفة البهيمية في طلب الغذاء من المأكول والمشروب، فإنها لا تتبدل بضدها وكالاستغناء عن الأكل والشرب؛ لحاجة الجسد إلى الغذاء لبدل ما يتحلل من الجسد، والمسلم: كالصفة السبعية والشيطانية من الغضب والكبر والعداوة والكذب والخيانة، فإنها تحتمل أن تتبدل بضدها من الحلم والتواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإسلام وترشح نور الإيمان عن القلب وانشراح الصدر بنور ربها، وهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب، ففيها بعض النفاق كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكذب والخيانة وخلف الوعد والغدر من النفاق، فقال: "حديث : من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، ومن كانت فيه خصلة منه كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ". تفسير : قوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} [التوبة: 101] يعني: مدينة القلب وأهلها صفاته، {مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ} [التوبة: 101] وذلك باستيلاء صفات النفس على صفات القلب عند تصرف أنوار القلب عند تصرف ظلمات النفس وأوصافها فيها، فيظهر فيها النفاق مذبذبة بين إيمان الصفات الحميدة وكفر الصفات الذميمة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101] يعني: لا يعرف هذه الأحوال أرباب علوم الظاهر، ويعرفها أصحاب الكشوف الباطنة، {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} [التوبة: 101] مرة بأحكام الشريعة، ومرة بآداب الحقيقة؛ أي: نعذبهم بتكاليف أوامر الشرع ونواهيها ونعذبهم عن الأخلاق الذميمة بدقائق تربية الطريقة عند الانفطام عن مألوفات الطبيعة. {ثُمَّ يُرَدُّونَ} [التوبة: 101] بجذبات اللطف والقهر، {إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة: 101] عند فناء أوصافهم بتجلي العزة عن صفات اللطف والجمال، وإلى عذاب عظيم عند بقاء أوصافهم بالستر وإسبال حجبها للجلال طردا وبعدا عن حضرة الجمال. {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} [التوبة: 102] أي: القلب وصفاته اعترفوا بذنوب شوب صفات النفس والتلوث بها، {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً} [التوبة: 102] وهو صدق التوجه في طلب الحق والإعراض عن الباطل، {وَآخَرَ سَيِّئاً} [التوبة: 102] وهومطاوعة النفس وهواها في بعض الأوقات، {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 102] أي: يوفقهم للرجوع إلى الحق بالكلية والإعراض عما سواه، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} [التوبة: 102] يستر بكرمه صفات القلوب، {رَّحِيمٌ} [التوبة: 102] يمحو بماء رحمته لوث شهوات النفوس. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] يشير إلى أن حب المال نجاسة تنجس القلوب وتغطيها، فيتطرق إليها الشيطان ويلقي فيها الطغيان، ومن هذا ينفتح عليها أبواب العصيان وتندرج إلى الأسفل بالاستدراج والخذلان، فلا تنسحم مادة هذا الفساد إلا بتطهير القلب بأنوار الهمة العلية النبوية وتنويره بنور صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أمر بقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} [التوبة: 103] أي: موفية لسكون القلوب إلى العبودية وطمأنينتها بأنس الربوبية؛ إذ بنور الصلاة تزول عن القلوب ظلمات ركونها إلى الدنيا ويظهر سكونها إلى المولى. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} [التوبة: 103] يسمع اعتراف القلوب بالذنوب وتوبتها، ويجيب دعاء الرسول في تزكيتها وتطهيرها، {عَلِيمٌ} [التوبة: 103] بتجلية القلوب بأنوار الغيوب بعد تزكيتها عن دنس الفضول، {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} [التوبة: 104] أرباب الذنوب من أصحاب القلوب، {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] أي: علموا؛ لأنهم شاهدوا في قلوبهم آثار قبول التوبة بصدق الأوبة. {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} [التوبة: 104] يشير به إلى خلوص النية في الإعطاء وعلو الهمة وفسحة الرجاء أي: المعطي ينبغي ألاَّ يظن أنه يعطي الصدقة إلى الفقير وبها يمن عليه، فتبطل صدقته بالمن، ويعلم أنه يعطي إلى الله تعالى؛ لأنه الآخذ، فلا يرى الفقير بل يرى الله سبحانه وتعالى، فيرجوا الثواب والجزاء منه لا من غيره، وفي هذه الآية رجاء عظيم أنه تعالى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، ولولا هذا الكرم واللطف ما نجا أحد من قهره، {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 104] هو الموفق للتوبة بلطفه وكرمه، ولولا توفيقه ما تاب مذنب قط كما لا يتوب إبليس؛ لعدم التوفيق {ٱلرَّحِيمُ} بعباده بأن يمحو آثار ظلمة الذنوب عن القلوب بنور رحمته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ } أيضا منافقون { مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } أي: تمرنوا عليه، واستمروا وازدادوا فيه طغيانا. { لا تَعْلَمُهُمْ } بأعيانهم فتعاقبهم، أو تعاملهم بمقتضى نفاقهم، لما للّه في ذلك من الحكمة الباهرة. { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } يحتمل أن التثنية على بابها، وأن عذابهم عذاب في الدنيا، وعذاب في الآخرة. ففي الدنيا ما ينالهم من الهم والحزن، والكراهة لما يصيب المؤمنين من الفتح والنصر، وفي الآخرة عذاب النار وبئس القرار. ويحتمل أن المراد سنغلظ عليهم العذاب، ونضاعفه عليهم ونكرره.

همام الصنعاني

تفسير : 1118- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَة، في قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ ...} إلى قوله تعالى: {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}: [الآية: 101]، قال: فَما بالُ أقوام يتكلفون عِلْمَ النَّاس، قال: فُلانٌ في الجنة وفُلانٌ في النَّارِ، فَإذَا سألت أحَدَهُمْ عن نَفْسِه قَالَ: لا أدري لعمري، لأنت بنفْسِك أعْلَمُ منك بأعْمَالِ النَّاسِ ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفته الأنْبياءُ قَبْلكَ، قال نبي الله نوح: {أية : وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : : [الشعراء: 112]، وقال نبي الله شُعَيْب: {أية : بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}تفسير : [هود: 86] وقال لنبيه {لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}: [الآية: 101]. 1120- عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن [مجاهد] في قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ}: [الآية: 101]، قال: القتل والسباء. 1121- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال الحسن: عذاب الدنيا وعذاب القبر.