Verse. 1337 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَاٰخَرُوْنَ اعْتَرَفُوْا بِذُنُوْبِہِمْ خَلَطُوْا عَمَلًا صَالِحًا وَّاٰخَرَ سَـيِّــئًا۝۰ۭ عَسَى اللہُ اَنْ يَّتُوْبَ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ رَّحِيْمٌ۝۱۰۲
Waakharoona iAAtarafoo bithunoobihim khalatoo AAamalan salihan waakhara sayyian AAasa Allahu an yatooba AAalayhim inna Allaha ghafoorun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» قوم «آخرون» مبتدأ «اعترفوا بذنوبهم» من التخلف نعته والخبر «خلطوا عملا صالحا» وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك «وآخر سيئا» وهو تخلفهم «عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم» نزلت في أبي لبابة وجماعة أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين وحلفوا لا يحلهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم فحلُّهم لما نزلت.

102

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } فيه قولان: الأول: أنهم قوم من المنافقين. تابوا عن النفاق. والثاني: أنهم قوم من المسلمين تخلفوا عن غزوة تبوك، لا للكفر والنفاق، لكن للكسل، ثم ندموا على ما فعلوا ثم تابوا، واحتج القائلون بالقول الأول بأن قوله: {وَءاخَرُونَ } عطف على قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ } والعطف يوهم التشريك إلا أنه تعالى وفقهم حتى تابوا، فلما ذكر الفريق الأول بالمرود على النفاق والمبالغة فيه. وصف هذه الفرقة بالتوبة والإقلاع عن النفاق. المسألة الثانية: روي أنهم كانوا ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقيل: كانوا عشرة. فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم لما بلغهم ما نزل من المتخلفين فأيقنوا بالهلاك، وأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين وكانت هذه عادته، فلما قدم من سفره ورآهم موثقين، سأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يحلهم، فقال: وأنا أقسم أني لا أحلهم حتى أومر فيهم، فنزلت هذه الآية فأطلقهم وعذرهم، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها، فتصدق بها وطهرنا، فقال: حديث : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً تفسير : فنزل قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } [التوبة:103] الآية. المسألة الثالثة: قوله: {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } قال أهل اللغة: الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء عن معرفة، ومعناه أنهم أقروا بذنبهم، وفيه دقيقة، كأنه قيل لم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الباطلة كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئسما فعلوا وأظهروا الندامة وذموا أنفسهم على ذلك التخلف. فإن قيل: الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟ قلنا: مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة، فأما إذا اقترن به الندم على الماضي، والعزم على تركه في المستقبل، وكان هذا الندم والتوبة لأجل كونه منهياً عنه من قبل الله تعالى، كان هذا المجموع توبة، إلا أنه دل الدليل على أن هؤلاء قد تابوا بدليل قوله تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } والمفسرون قالوا: إن عسى من الله يدل على الوجوب. ثم قال تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً } وفيه بحثان: البحث الأول: في هذا العمل الصالح وجوه: الأول: العمل الصالح هو الاعتراف بالذنب والندامة عليه والتوبة منه، والسيء هو التخلف عن الغزو. والثاني: العمل الصالح خروجهم مع الرسول إلى سائر الغزوات والسيء هو تخلفهم عن غزوة تبوك. والثالث: أن هذه الآية نزلت في حق المسلمين كان العمل الصالح إقدامهم على أعمال البر التي صدرت عنهم. البحث الثاني: لقائل أن يقول: قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيء مخلوطاً. فما المخلوط به. وجوابه أن الخلط عبارة عن الجمع المطلق، وأما قولك خلطته، فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد منهما بالآخر، ويتغير كل واحد منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن. واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق، لأن العمل الصالح والعمل السيء إذا حصلا بقي كل واحد منهما كما كان على مذهبنا، فإن عندنا القول بالإحباط باطل، والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب، والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب، فقوله تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً } فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيء بالمخالطة. والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط. ثم قال تعالى: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: ههنا سؤال، وهو أن كلمة {عَسَى } شك وهو في حق الله تعالى محال، وجوابه من وجوه: الوجه الأول: قال المفسرون: كلمة عسى من الله واجب، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ } تفسير : [المائدة: 52] وفعل ذلك، وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئاً فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى، أو لعل، تنبيهاً على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئاً وأن يكلفني بشيء بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول، فذكر كلمة {عَسَى } الفائدة فيه هذا المعنى، مع أنه يفيد القطع بالإجابة. الوجه الثاني: في الجواب، المقصود منه بيان أنه يجب أن يكون المكلف على الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الإنكار والإهمال. البحث الثاني: قال أصحابنا قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } صريح في أن التوبة لا تحصل إلا من خلق الله تعالى، والعقل أيضاً دليل عليه، لأن الأصل في التوبة الندم، والندم لا يحصل باختيار العبد لأن إرادة الفعل والترك إن كانت فعلاً للعبد افتقر في فعلها إلى إرادة أخرى، وأيضاً فإن الإنسان قد يكون عظيم الرغبة في فعل معين، ثم يصير عظيم الندامة عليه، وحال كونه راغباً فيه لا يمكنه دفع تلك الرغبة عن القلب، وحال صيرورته نادماً عليه لا يمكنه دفع تلك الندامة عن القلب، فدل هذا على أنه لا قدرة للعبد على تحصل الندامة، وعلى تحصيل الرغبة، قالت المعتزلة: المراد من قوله: يتوب الله أنه يقبل توبته. والجواب: أن الصرف عن الظاهر إنما يحسن، إذا ثبت بالدليل أنه لا يمكن إجراء اللفظ على ظاهره، أما ههنا، فالدليل العقلي أنه لا يمكن إجراء اللفظ إلا على ظاهره، فكيف يحسن التأويل. البحث الثالث: قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } يقتضي أن هذه التوبة إنما تحصل في المستقبل. وقوله: {وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } دل على أن ذلك الاعتراف حصل في الماضي، وذلك يدل على أن ذلك الاعتراف ما كان نفس التوبة، بل كان مقدمة للتوبة، وأن التوبة إنما تحصل بعدها. ثم قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في المراد. فقال بعهضم: هذا راجع إلى هؤلاء الذين تابوا، وذلك لأنهم بذلوا أموالهم للصدقة، فأوجب الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبراً في كمال توبتهم لتكون جارية في حقهم مجرى الكفارة، وهذا قول الحسن، وكان يقول ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة، وإنما هي صدقة كفارة الذنب الذي صدر منهم. والقول الثاني: أن الزكوات كانت واجبة عليهم، فلما تابوا من تخلفهم عن الغزو وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكاة أمر الله رسوله أن يأخذها منهم. والقول الثالث: أن هذه الآية كلام مبتدأ، والمقصود منها إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكوات. وقالوا في الزكاة إنها طهرة، أما القائلون بالقول الأول: فقد احتجوا على صحة قولهم بأن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسقة، أما لو حملناها على الزكوات الواجبة ابتداء، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها، ولا بما بعدها، وصارت كلمة أجنبية، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، وأما القائلون بأن المراد منه أخذ الزكوات الواجبة، قالوا: المناسبة حاصلة أيضاً على هذا التقدير، وذلك لأنهم لما أظهروا التوبة والندامة، عن تخلفهم عن غزوة تبوك، وهم أقروا بأن السبب الموجب لذلك التخلف حبهم للأموال وشدة حرصهم على صونها عن الإنفاق، فكأنه قيل لهم إنما يظهر صحة قولكم في ادعاء هذه التوبة والندامة لو أخرجتم الزكاة الواجبة، ولم تضايقوا فيها، لأن الدعوى لا تتقرر إلا بالمعنى، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، فإن أدوا تلك الزكوات عن طيبة النفس ظهر كونهم صادقين في تلك التوبة والإنابة، وإلا فهم كاذبون مزورون بهذا الطريق. لكن حمل هذه الآية على التكليف بإخراج الزكوات الواجبة مع أنه يبق نظم هذه الآيات سليماً أولى، ومما يدل على أن المراد الصدقات الواجبة. قوله: {تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } والمعنى تطهرهم عن الذنب بسبب أخذ تلك الصدقات، وهذا إنما يصح لو قلنا إنه لو لم يأخذ تلك الصدقة لحصل الذنب، وذلك إنما يصح حصوله في الصدقات الواجبة. وأما القائلون بالقول الأول: فقالوا: إنه عليه الصلاة والسلام لما عذر أولئك التائبين وأطلقهم قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال عليه الصلاة والسلام حديث : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآيات فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين لأنه تعالى قال: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } ولم يقل خذ أموالهم، وكلمة {مِنْ } تفيد التبعيض. واعلم أن هذه الرواية لا تمنع القول الذي اخترناه كأنه قيل لهم إنكم لما رضيتم بإخراج الصدقة التي هي غير واجبة فلأن تصيروا راضين بإخراج الواجبات أولى. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على كثير من أحكام الزكاة. الحكم الأول أن قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ } يدل على أن القدر المأخوذ بعض تلك الأموال لا كلها إذ مقدار ذلك البعض غير مذكور ههنا بصريح اللفظ، بل المذكور ههنا قوله: {صَدَقَةٍ } ومعلوم أنه ليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخد أي جزء كان، وإن كان في غاية القلة، مثل الحبة الواحدة من الحنطة أو الجزء الحقير من الذهب، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفية والكمية عندهم، حتى يكون قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } أمراً بأخذ تلك الصدقة المعلومة، فحينئذ يزول الإجمال. ومعلوم أن تلك الصدقة ليست إلا الصدقات التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كيفيتها، والصدقة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أنه أمر بأن يؤخذ في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ستة وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك من المراتب، فكان قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } أمراً بأن يأخذ تلك الأشياء المخصوصة والأعيان المخصوصة، وظاهر الآية للوجوب، فدل هذا النص على أن أخذها واجب، وذلك يدل على أن القيمة لا تكون مجزئة على ما هو قول الشافعي رحمه الله. الحكم الثاني أن قوله: {مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } يقتضي أن يكون المال مالاً لهم، ومتى كان الأمر كذلك لم يكن الفقير شريكاً للمالك في النصاب، وحينئذ يلزم أن تكون الزكاة متعلقة بالذمة. وأن لا يكون لها تعلق ألبتة بالنصاب. وإذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا فرط في الزكاة حتى هلك النصاب، فالذي هلك ما كان محلاً للحق، بل محل الحق باق كما كان، فوجب أن يبقى ذلك الوجوب بعد هلاك النصاب كما كان، وهذا قول الشافعي رحمه الله. الحكم الثالث ظاهر هذا العموم يوجب الزكاة في مال المديون، وفي مال الضمان، وهو ظاهر. الحكم الرابع ظاهر الآية يدل على أن الزكاة إنما وجبت طهرة عن الآثام، فلا تجب إلا حيث تصير طهرة عن الآثام، وكونها طهرة عن الآثام لا يتقرر إلا حيث يمكن حصول الآثام، وذلك لا يعقل إلا في حق البالغ، فوجب أن لا يثبت وجوب الزكاة إلا في حق البالغ كما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، إلا أن الشافعي رحمه الله يجيب ويقول إن الآية تدل على أخذ الصدقة من أموالهم، وأخذ الصدقة من أموالهم يستلزم كونها طهرة، فلم قلتم إن أخذ الزكاة من أموال الصبي، والمجنون طهرة لأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً؟ المسألة الثالثة: في قوله: {تُطَهّرُهُمْ } أقوال: القول الأول: أن يكون التقدير: خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم. القول الثاني: أن يكون تطهرهم معلقاً بالصدقة، والتقدير: خذ من أموالهم صدقة مطهرة، وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة أوساخ الناس، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ فكان اندفاعها جارياً مجرى التطهير، والله أعلم. إن على هذا القول وجب أن نقول: إن قوله: {وَتُزَكّيهِمْ } يكون منقطعاً عن الأول، ويكون التقدير {خُذْ } يا محمد {مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ } تلك الصدقة، وتزكيهم أنت بها. القول الثالث: أن يجعل التاء في {تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ } ضمير المخاطب، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها منهم وتزكيهم بواسطة تلك الصدقة. المسألة الرابعة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {تُطَهّرُهُمْ } من أطهره بمعنى طهره {وتطهرهم} بالجزم جواباً للأمر، ولم يقرأ {وَتُزَكّيهِمْ } إلا بإثبات الياء. ثم قال تعالى: {وَتُزَكّيهِمْ } واعلم أن التزكية لما كانت معطوفة على التطهير وجب حصول المغايرة، فقيل: التزكية مبالغة في التطهير، وقيل: التزكية بمعنى الإنماء، والمعنى: أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب إخراج قدر الزكاة سبباً للإنماء، وقيل: الصدقة تطهرهم عن نجاسة الذنب والمعصية، والرسول عليه السلام يزكيهم ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء. ثم قال تعالى: {وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {إن صلاتك} بغير واو وفتح التاء على التوحيد، والمراد منه الجنس، وكذلك في سورة هود {أَصَلاتكَ تَأْمُرُكَ } بغير واو وعلى التوحيد، والباقون {صَلَوٰتَكَ } وكذلك في هود على الجمع، قال أبو عبيدة: والقراءة الأولى أولى لأن الصلاة أكثر. ألا ترى أنه قال: {أَقِيمُواْ الصلاة } والصلوات جمع قلة، تقول ثلاث صلوات وخمس صلوات، قال أبو حاتم: هذا غلط لأن بناء الصلوات ليس للقلة لأنه تعالى قال: { أية : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ } تفسير : [لقمان: 27] ولم يرد القليل وقال: { أية : وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءامِنُونَ } تفسير : [سبأ: 37] وقال: { أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 35]. المسألة الثانية: احتج مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره بأن يصلي عليهم وذكر أن صلاته سكن لهم، فكان وجوب الزكاة مشروطاً بحصول ذلك السكن، ومعلوم أن غير الرسول لا يقوم مقامه في حصول ذلك السكن. فوجب أن لا يجب دفع الزكاة إلى أحد غير الرسول عليه الصلاة والسلام، واعلم أنه ضعيف لأن سائر الآيات دلت على أن الزكاة إنما وجبت دفعاً لحاجة الفقير كما في قوله: { أية : إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَاء } تفسير : [التوبة: 60] وكما في قوله: { أية : وَفِى أَمْوٰلِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّائِلِ وَٱلْمَحْرُومِ } تفسير : [الذاريات: 19]. المسألة الثالثة: لا شك أن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فإذا قلنا صلى فلان على فلان، أفاد الدعاء بحسب اللغة الأصلية. إلا أنه صار بحسب العرف يفيد أنه قال له اللهم صل عليه، فلهذا السبب اختلف المفسرون، فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: معناه ادع لهم، قال الشافعي رحمه الله: والسنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق ويقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وقال آخرون: معناه أن يقول اللهم صل على فلان، ونقلوا عن النبي عليه الصلاة والسلام، أن آل أبي أوفى لما أتوه بالصدقة قال: « حديث : اللهم صل على آل أبي أوفى » تفسير : ونقل القاضي في «تفسيره» عن الكعبي في «تفسيره» أنه قال علي لعمر وهو مسجى عليك الصلاة والسلام، ومن الناس من أنكر ذلك، ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لا تنبغي الصلاة من أحد على أحد إلا في حق النبي عليه الصلاة والسلام. المسألة الرابعة: أن أصحابنا يمنعون من ذكر صلوات الله عليه وعليه الصلاة والسلام إلا في حق الرسول، والشيعة يذكرونه في علي وأولاده، واحتجوا عليه بأن نص القرآن دل على أن هذا الذكر جائز في حق من يؤدي الزكاة، فكيف يمنع ذكره في حق علي والحسن والحسين رضي الله عنهم؟ ورأيت بعضهم قال: أليس أن الرجل إذا قال سلام عليكم يقال له وعليكم السلام؟ فدل هذا على أن ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حق آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام؟ قال القاضي: إنه جائز في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، والدليل عليه أنهم قالوا: يا رسول الله قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال على وجه التعليم قولوا: « حديث : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم » تفسير : ومعلوم أنه ليس في آل محمد نبي، فيتناول علياً ذلك كما يجوز مثله في آل إبراهيم، والله أعلم. المسألة الخامسة: كنت قد ذكرت لطائف في قول بعضهم لبعض سلام عليكم وهي غير لائقة بهذا الموضع إلا أني رأيت أن أكتبها ههنا لئلا تضيع، فقلت: إذا قال الرجل لغيره سلام عليكم. فقوله: سلام عليكم مبتدأ وهو نكرة، وزعموا أن جعل النكرة مبتدأ لا يجوز، قالوا لأن الأخبار إنما يفيد إذا أخبر على المعلوم بأمر غير معلوم، إلا أنهم قالوا: النكرة إذا كانت موصوفة حسن جعلها مبتدأ كما في قوله تعالى: { أية : وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ } تفسير : [البقرة: 221]. إذا عرفت هذا فههنا وجهان: الأول: أن التنكير يدل على الكمال، ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } تفسير : [البقرة: 96] والمعنى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة دائمة كاملة غير منقطعة. إذا ثبت هذا فقوله: «سلام» لفظة منكرة، فكان المراد منه سلام كامل تام، وعلى هذا التقدير: فقد صارت هذه النكرة موصوفة، فصح جعلها مبتدأ، وإذا كان كذلك فحينئذ يحصل الخبر وهو قوله: «عليكم» والتقدير: سلام كامل تام عليكم. والثاني: أن يجعل قوله: «عليكم» صفة لقوله: «سلام» فيكون مجموع قوله: «سلام عليكم» مبتدأ ويضمر له خبر، والتقدير: سلام عليكم واقع كائن حاصل، وربما كان حذف الخبر أدل على التهويل والتفخيم. إذا عرفت هذا فنقول: إنه عند الجواب يقلب هذا الترتيب فيقال وعليكم السلام، والسبب فيه ما قاله سيبويه أنهم يقدمون الأهم والذي هم بشأنه أعنى، فلما قال وعليكم السلام دل على أن اهتمام هذا المجيب بشأن ذلك القائل شديد كامل، وأيضاً فقوله: «وعليكم السلام» يفيد الحصر، فكأنه يقول إن كنت قد أوصلت السلام إلي فأنا أزيد عليه وأجعل السلام مختصاً بك ومحصوراً فيك امتثالاً لقوله تعالى: { أية : وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } تفسير : [النساء: 86] ومن لطائف قوله: «سلام عليكم» أنها أكمل من قوله: «السلام عليك» وذلك لأن قوله: «سلام عليك» معناه: سلام كامل تام شريف رفيع عليك. وأما قوله: السلام عليك، فالسلام لفظ مفرد محلى بالألف واللام، وأنه لا يفيد إلا أصل الماهية، واللفظ الدال على أصل الماهية لا إشعار فيه بالأحوال العارضة للماهية وبكمالات الماهية، فكان قوله: «سلام عليك» أكمل من قوله: «السلام عليك» ومما يؤكد هذا المعنى أنه أينما جاء لفظ «السلام» من الله تعالى ورد على سبيل التنكير، كقوله: { أية : وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ } تفسير : [الأنعام: 54] وقوله: { أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى } تفسير : [النمل: 59] وفي القرآن من هذا الجنس كثير. أما لفظ «السلام» بالألف واللام، فإنما جاء من الأنبياء عليهم السلام، كقول موسى عليه السلام: { أية : قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـئَايَةٍ مّن رَّبّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [طه: 47] وأما في سورة مريم فلما ذكر الله يحيى عليه السلام قال: { أية : وَسَلَـٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ } تفسير : [مريم: 15] وهذا السلام من الله تعالى، وفي قصة عيسى عليه السلام قال: { أية : وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ } تفسير : [مريم: 33] وهذا كلام عيسى عليه السلام. فثبت بهذه الوجوه أن قوله: «سلام عليك» أكمل من قوله: «السلام عليك» فلهذا السبب اختار الشافعي رحمه الله في قراءة التشهد قوله: سلام عليك أيها النبي على سبيل التنكير، ومن لطائف السلام أنه لا شك أن هذا العالم معدن الشرور والآفات والمحن والمخالفات، واختلف العلماء الباحثون عن أسرار الأخلاق، أن الأصل في جبلة الحيوان الخير أو الشر؟ فمنهم من قال: الأصل فيها الشر، وهذا كالإجماع المنعقد بين جميع أفراد الإنسان، بل نزيد ونقول: إنه كالإجماع المنعقد بين جميع الحيوان، والدليل عليه أن كل إنسان يرى إنساناً يعدو إليه مع أنه لا يعرفه، فإن طبعه يحمله على الاحتراز عنه والتأهب لدفعه، ولولا أن طبعه يشهد بأن الأصل في الإنسان الشر، وإلا لما أوجبت فطرة العقل التأهب لدفع شر ذلك الساعي إليه، بل قالوا: هذا المعنى حاصل في كل الحيوانات، فإن كل حيوان عدا إليه حيوان آخر فر ذلك الحيوان الأول واحترز منه، فلو تقرر في طبعه أن الأصل في هذا الواصل هو الخير لوجب أن يقف، لأن أصل الطبيعة يحمل على الرغبة في وجدان الخير، ولو كان الأصل في طبع الحيوان أن يكون خيره وشره على التعادل والتساوي، وجب أن يكون الفرار والوقوف متعادلين، فلما لم يكن الأمر كذلك بل كل حيوان نوجه إليه حيوان مجهول الصفة عند الأول، فإن ذلك الأول يحترز عنه بمجرد فطرته الأصلية، علمنا أن الأصل في الحيوان هو الشر. إذا ثبت هذا فنقول: دفع الشر أهم من جلب الخير، ويدل عليه وجوه: الأول: أن دفع الشر يقتضي إبقاء الأصل أهم من تحصيل الزائد. والثاني: أن إيصال الخير إلى كل أحد ليس في الوسع، أما كف الشر عن كل أحد داخل في الوسع، لأن الأول فعل والثاني ترك، وفعل ما لا نهاية له غير ممكن، أما ترك ما لا نهاية له ممكن، والثالث: أنه إذا لم يحصل دفع الشر فقد حصل الشر، وذلك يوجب حصول الألم والحزن، وهو في غاية المشقة، وأما إذا لم يحصل أيضاً إيصال الخير بقي الإنسان لا في الخير ولا في الشر، بل على السلامة الأصلية، وتحمل هذه الحالة سهل. فثبت أن دفع الشر أهم من إيصال الخير، وثبت أن الدنيا دار الشرور والآفات والمحن والبليات، وثبت أن الحيوان في أصل الخلقة وموجب الفطرة منشأ للشرور، وإذا وصل إنسان إلى إنسان كان أهم المهمات أن يعرفه أنه منه في السلامة والأمن والأمان، فلهذا السبب وقع الاصطلاح على أن يقع ابتداء الكلام بذكر السلام، وهو أن يقول «سلام عليكم» ومن لطائف قولنا «سلام عليكم» أن ظاهره يقتضي إيقاع السلام على جماعة، والأمر كذلك بحسب العقل، وبحسب الشرع. أما بحسب الشرع فلأن القرآن دل على أن الإنسان لا يخلو عن جمع من الملائكة يحفظونه ويراقبون أمره، كما قال تعالى: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ * كِرَاماً كَـٰتِبِينَ } تفسير : [الانفطار: 10، 11] والعقل أيضاً يدل عليه، وذلك لأن الأرواح البشرية أنواع مختلفة، فبعضها أرواح خيرة عاقلة، وبعضها كدرة خبيثة، وبعضها شهوانية، وبعضها غضبية، ولكل طائفة من طوائف الأرواح البشرية السفلية روح علوي قوي يكون كالأب لتلك الأرواح البشرية، وتكون هذه الأرواح بالنسبة إلى ذلك الروح العلوي كالأبناء بالنسبة إلى الأب، وذلك الروح العلوي هو الذي يخصها بالإلهامات، تارة في اليقظة، وتارة في النوم. وأيضاً الأرواح المفارقة عن أبدانها المشاكلة لهذه الأرواح في الصفات والطبيعة والخاصية. يحصل لها نوع تعلق بهذا البدن بسبب المشاكلة والمجانسة، وتصير كالمعاونة لهذه الروح على أعمالها إن خيراً فخير وأن شراً فشر. وإذا عرفت هذا السر فالإنسان لا بد وأن يكون مصحوباً بتلك الأرواح المجانسة له، فقوله: «سلام عليكم» إشارة إلى تسليم هذا الشخص المخصوص على جميع الأرواح الملازمة المصاحبة إياه بسبب المصاحبة الروحانية. ومن لطائف هذا الباب أن الأرواح الإنسانية إذا اتصفت بالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة، وقويت وتجردت، ثم قوي تعلق بعضها ببعض انعكس أنوارها بعضها على بعض على مثال المرآة المشرقة المتقابلة. فلهذا السبب فإن من أراد أن يقرأ وظيفة على أستاذه فالأدب أن يبدأ بحمد الله والثناء على الملائكة الأنبياء، ثم يدعو لأستاذه ثم يشرع في القراءة، والمقصود منها أن يقوي التعلق بين روحه وبين هذه الأرواح المقدسة الطاهرة، حتى أن بسبب قوة ذلك التعلق ربما ظهر شيء من أنوارها وآثارها في روح هذا الطالب، فيستقر في عقله من الأنوار الفائضة منها، ويقوي روحه بمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم. إذا عرفت هذا فإذا قال لغيره: «سلام عليكم» حدث بينهما تعلق شديد، وحصل بسبب ذلك التعلق تطابق الأرواح وتعاكس الأنوار، ولنكتف بهذا القدر في هذا الباب، فإنا قد ذكرنا أن هذا الفصل أجنبي عن هذا الكلام، والله أعلم. المسألة السادسة: قوله: {إنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } قال الواحدي: السكن في اللغة ما سكنت إليه، والمعنى: أن صلاتك عليهم توجب سكون نفوسهم إليك، وللمفسرين عبارات: قال ابن عباس رضي الله عنهما: دعاؤك رحمة لهم. وقال قتادة: وقار لهم. وقال الكلبي: طمأنينة لهم، وقال الفراء: إذا استغفرت لهم سكنت نفوسهم إلى أن الله تعالى قبل توبتهم. وأقول: إن روح محمد عليه السلام كانت روحاً قوية مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم، وانتقلوا من الظلمة إلى النور، ومن الجسمانية إلى الروحانية، وتقريره ما تقدم في المسألة الخامسة. ثم قال: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لقولهم: {عَلِيمٌ } بنياتهم.

القرطبي

تفسير : أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد. فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين، وقال ٱبن عباس: نزلت في عشرة تخلّفوا عن غزوة تبوك فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد. وقال بنحوه قتادة وقال: وفيهم نزل: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً»؛ ذكره المهدوي. وقال زيد بن ٱسلم: كانوا ثمانية. وقيل: كانوا ستة. وقيل: خمسة. وقال مجاهد: نزلت الآية في أبي لُبابة الأنصاريّ خاصة في شأنه مع بني قُريظة؛ وذلك أنهم كلّموه في النزول على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فأشار لهم إلى حلَقه. يريد أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم ألا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت؛ فمكث كذلك حتى عفا الله عنه، ونزلت هذه الآية، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلّه؛ ذكره الطبريّ عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في السيرة أَوْعَب من هذا. وقال أشهب عن مالك: نزلت «وآخرُون» في شأن أبي لبابة وأصحابه. وقال حين أصاب الذنب: يا رسول الله، أجاورك وأنخلع من مالي؟ فقال: «حديث : يجزيك من ذلك الثلث» تفسير : وقد قال تعالىٰ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} ورواه ٱبن القاسم وٱبن وهب عن مالك. والجمهور أن الآية نزلت في شأن المتخلّفين عن غزوة تبوك، وكانوا ربطوا أنفسهم كما فعل أبو لُبابة، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقهم ويرضىٰ عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم رَغبوا عنّي وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين»تفسير : فأنزل الله هذه الآية؛ فلما نزلت أرسل إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم. فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التي خلّفتْنا عنك، فتصدّق بها عنا وطهرنا وٱستغفر لنا. فقال: «حديث : ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً»تفسير : فأنزل الله تعالىٰ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} الآية. قال ٱبن عباس: كانوا عشرة أنفس منهم أبو لبابة؛ فأخذ ثلث أموالهم وكانت كفارة الذنوب التي أصابوها. فكان عملهم السيء التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة. واختلفوا في الصالح؛ فقال الطبريّ وغيره: الاعتراف والتوبة والندم. وقيل: عملهم الصالح الذي عملوه أنهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وربطوا أنفسهم بسواري المسجد وقالوا: لا نقرب أهلاً ولا ولداً حتى ينزل الله عذرنا. وقالت فرقة: بل العمل الصالح غزْوُهم فيما سلف من غزو النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذه الآية وإن كانت نزلت في أعرابٍ فهي عامّة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة؛ فهي ترجىٰ. ذكر الطبري عن حجاج بن أبي زينب قال: سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجىٰ عندي لهذه الأمة من قوله تعالىٰ: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً}. وفي البخاري عن سُمرة بن جُنْدبُ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: «حديث : أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلِبِنٍ ذهبٍ ولِبنٍ فضّة فتلقانا رجال شَطْرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ وشَطْرٌ كأقبح ما أنت راءٍ قالا لهم: ٱذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السُّوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قالا لي هذه جنة عَدْن وهذاك منزلك قالا: أمّا القوم الذي كانوا شَطْر منهم حَسَن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم»تفسير : . وذكر البيهقي من حديث الربيع بن أنس عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث الإسراء وفيه قال: «حديث : ثم صعد بي إلى السماء....»تفسير : ثم ذكر الحديث إلى أن ذكر صعوده إلى السماء السابعة فقالوا: «حديث : حَيّاه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء فإذا برجل أشْمط جالسٍ على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم بيض الوجوه وقوم سود الوجوه وفي ألوانهم شيء فأتوا نهراً فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خَلَص من ألوانهم شيء ثم إنهم أتوا نهراً آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا النهر الثالث فخرجوا منه وقد خلصت ألوانهم مثلَ ألوان أصحابهم فجلسوا إلى أصحابهم فقال يا جبريل من هؤلاء بيض الوجوه وهؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا النهر وقد خلصت ألوانهم فقال هذا أبوك إبراهيم هو أوّل رجل شَمَط على وجه الأرض وهؤلاء بيض الوجوه قوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم ـ قال ـ وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا فتاب الله عليهم. فأما النهر الأول فرحمة الله وأما النهر الثاني فنعمة الله. وأما النهر الثالث فسقاهم ربهم شراباً طهوراً»تفسير : وذكر الحديث. والواو في قوله: {وَآخَرَ سَيِّئاً} قيل: هي بمعنىٰ الباء، وقيل: بمعنىٰ مع؛ كقولك استوىٰ الماء والخشبة. وأنكر ذلك الكوفيون وقالوا: لأن الخشبة لا يجوز تقديمها على الماء، و «آخَرَ» في الآية يجوز تقديمه على الأوّل؛ فهو بمنزلة خلطت الماء باللبن.

ابن كثير

تفسير : لما بيَّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيباً وشكاً، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلاً وميلاً إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق، فقال: {وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: أقروا بها، واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه، وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين، وقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه، وقال ابن عباس: {وَءَاخَرُونَ} نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته، ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أنزل الله هذه الآية: {وَءَاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم، وقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: «حديث : أتاني الليلة آتيان، فابتعثاني، فانتهيا بي إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قالا لهم: اذهبوا، فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة، قالا لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك، قالا: وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن، وشطر منهم قبيح، فإنهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، تجاوز الله عنهم» تفسير : هكذا رواه البخاري مختصراً في تفسير هذه الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} قوم {ءَاخَرُونَ } مبتدأ {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } من التخلف نعته، والخبر {خَلَطُواْ عَمَلاً صَٰلِحاً } وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك {وَءَاخَرَسَيِّئاً} وهو تخلّفهم {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } نزلت في أبي لبابة وجماعة أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين وحلفوا لا يحلهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم فحلَّهم لما نزلت.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} فيهم قولان: أحدهما: أنهم سبعة من الأنصار منهم أو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، كانوا من جملة العشرة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك، فربطوا أنفسهم لما ندموا على تأخرهم إلى سواري المسجد ليطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عفا عنهم، فلما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بهم وكانوا على طريقة فسأل عنهم فأخبر بحالهم فقال: "حديث : لاَ أَعذُرُهُمْ وَلاَ أُطْلِقُهم حَتَّى يَكونَ اللَّهَ تَعالَى هُوَ الَّذِيَ يَعْذُرُهم وَيُطْلِقُهُمْ" تفسير : فنزلت هذه الآية فيهم فأطلقهم، وهذا قول ابن عباس. الثاني: أنه أبو لبابة وحده قال لبني قريظة حين أرادوا النزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم إنه ذابحكم إن نزلتم على حكمه، قاله مجاهد. {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحَاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الصالح: الجهاد، والسيء، التأخر عنه، قاله السدي. الثاني: أن السيىء: الذنب والصالح: التوبة، قاله بعض التابعين. الثالث: ما قاله الحسن: ذنباً وسوطاً لا ذهباً فروطاً، ولا ساقطاً سقوطاً.

ابن عطية

تفسير : المعنى ومن هذه الطوائف {آخرون اعترفوا بذنوبهم } ، واختلف في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس فيما روي عنه وأبو عثمان: هي في الأعراب وهي عامة في الأمة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة، فهي آية ترج على هذا، وأسند الطبري هذا عن حجاج بن أبي زينب قال سمعت أبا عثمان يقول: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله {وآخرون اعترفوا بذنوبهم } ، وقال قتادة بل نزلت هذه الآية في أبي لبابة الأنصاري خاصة في شأنه مع بني قريظة، وذلك أنه كلمهم في النزول على حكم الله ورسوله فأشار هو لهم إلى حلقه يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم يذبحهم إن نزلوا، فلما افتضح تاب وندم وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأقسم أن لا يطعم ولا يشرب حتى يعفو الله عنه أو يموت، فمكث كذلك حتى عفا الله عنه ونزلت هذه الآية وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحله، وذكر هذا الطبري عن مجاهد، وذكره ابن إسحاق في كتاب السير أوعب وأتقن، وقالت فرقة عظيمة: بل نزلت هذه الآية في شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، فكان عملهم السيىء التخلف بإجماع من أهل هذه المقالة، واختلفوا في " الصالح" فقال الطبري وغيره الاعتراف والتوبة والندم ، وقالت فرقة بل " الصالح" غزوهم فيما سلف من غزو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف أهل هذه المقالة في عدد القوم الذين عنوا بهذه الآية، فقال ابن عباس: كانوا عشرة رهط ربط منهم أنفسهم سبعة، وبقي الثلاثة الذين خلفوا دون ربط المذكورون بعد هذا، وقال زيد بن أسلم كانوا ثمانية منهم كردم ومرداس وأبو قيس وأبو لبابة، وقال قتادة: كانوا سبعة، وقال ابن عباس أيضاً وفرقة: كانوا خمسة، وكلهم قال كان فيهم أبو لبابة، وذكر قتادة فيهم الجد بن قيس وهو فيما أعلم وهم لأن الجد لم يكن نزوله توبة، وأما قوله {وآخر} فهو بمعنى بآخر وهما متقاربان، و {عسى } من الله واجبة. وروي في خبر الذين ربطوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد فرآهم قال ما بال هؤلاء؟ فقيل له إنهم تابوا وأقسموا أن لا ينحلوا حتى يحلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعذرهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : وأنا والله لا أحلهم ولا أعذرهم إلا أن يأمرني الله بذلك، فإنهم تخلفوا عني وتركوا جهاد الكفار مع المؤمنين " تفسير : ، وقوله {خذ من أموالهم صدقة } الآية، روي أن أبا لبابة والجماعة التائبة التي ربطت أنفسها وهي المقصودة بقوله {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تيب عليها فقالت يا رسول الله إنَّا نريد أن نتصدق بأموالنا زيادة في توبتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أعرض لأموالكم إلا بأمر من الله فتركهم حتى نزلت هذه الآية فهم المراد بها، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالهم مراعاة لقوله تعالى: {من أموالهم} ، فهذا هو الذي تظاهرت به أقوال المتأولين، ابن عباس رضي الله عنه وغيره، وقالت جماعة من الفقهاء: المراد بهذه الزكاة المفروضة، فقوله على هذا {خذ من أموالهم } ضميره لجميع الناس، وهو عموم يراد به الخصوص إذ يخرج من الأموال الأنواع التي لا زكاة فيها كالثياب والرباع ونحوه، والضمير الذي في {أموالهم } أيضاً كذلك عموم يراد به خصوص، إذ يخرج منه العبيد وسواهم، وقوله {صدقة } مجمل يحتاج إلى تفسير، وهذا يقتضي أن الإمام يتولى أخذ الصدقات وينظر فيها، و {من} في هذه الآية للتبعيض، هذا أقوى وجوهها، وقوله {تطهرهم وتزكيهم بها} أحسن ما يحتمل أن تكون هذه الأفعال مسندة إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من الضمير في {خذ}، ويحتمل أن تكون من صفة " الصدقة " وهذا مترجح بحسب رفع الفعل ويكون قوله {بها } أي بنفسها أي يقع تطهيرهم من ذنوبهم بها، ويحتمل أن يكون حالاً من " الصدقة "، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة، وحكى مكي أن يكون {تطهرهم } من صفة الصدقة، وقوله {وتزكيهم بها } حالاً من الضمير في {خذ}. قال القاضي أبو محمد : وهذا مردود لمكان واو العطف لأن ذلك يتقدر خذ من أموالهم صدقة مطهرة ومزكياً بها، وهذا فاسد المعنى، ولو لم يكن في الكلام واو العطف جاز، وقرأ الحسن بن أبي الحسن " تطْهرهم " بسكون الطاء، وقوله {وصل عليهم } معناه ادع لهم فإن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهذه عبارة عن صلاح المعتقد، وحكى مكي والنحاس وغيرهما أنه قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله {أية : ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً } تفسير : [ التوبة: 84]. قال القاضي أبو محمد : وهذا وهم بعيد وذلك أن تلك في المنافقين الذين لهم حكم الكافرين، وهذه في التائبين من التخلف الذين لهم حكم المؤمنين فلا تناسخ بين الآيتين، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ونافع وابن عامر " إن صلواتك" بالجمع، وكذلك في هود وفي المؤمنين وقرأ حفص عن عاصم وحمزة والكسائي " ان صلاتك" بالإفراد، وكذلك قرأ حمزة والكسائي في هود وفي المؤمنين، وقرأ عاصم في المؤمنين وحدها جمعاً، ولم يختلفوا في سورة الأنعام وسأل سائل، وهو مصدر أفردته فرقة وجمعته فرقة، وقوله {سميع } لدعائك {عليم } أي بمن يهدي ويتوب عليه وغير ذلك مما تقتضيه هاتان الصفتان وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية فعل ما أمر به من الدعاء والاستغفار لهم، قال ابن عباس {سكن لهم } رحمه لهم، وقال قتادة {سكن لهم } أي وقار لهم. قال القاضي أبو محمد : وإنما معناه أن من يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم فإنه تطيب نفسه ويقوى رجاؤه، ويروى أنه قد صحت وسيلته إلى الله تعالى وهذا بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ} نزلت في أبي لبابة في قضيته مع بني قريظة. أو في "حديث : سبعة أنصار من العشرة المتخلفين في غزوة تبوك، أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حرام، فلما ندموا على تخلفهم وربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد ليطلقهم الرسول صلى الله عليه وسلم إن عفا عنهم، فلما مر بهم وكانوا على طريقه فسأل عنهم فأُخبر بحالهم فقال: "لا أعذرهم ولا أطلقهم حتى يكون الله ـ تعالى ـ هو الذي يعذرهم ويطلقهم" " تفسير : فنزلت "ع". {عَملاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِئاً} الصالح: الجهاد، والسيء التخلف عنه، أو السيء الذنب والصالح التوبة، أو ذنباً وسوطاً لا ذاهباً فروطاً ولا ساقطاً سقوطاً. قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} فيه قولان: أحدهما: أنهم قوم من المنافقين تابوا من نفاقهم وأخلصوا وحجة هذا القول أن قوله تعالى وآخرون عطف على قوله وممن حولكم من الأعراب منافقون والعطف موهم ويعضده ما نقله الطبري. عن ابن عباس أنه قال: هم الأعراب. والقول الثاني: وهو قول جمهور المفسرين إنها نزلت في جماعة من المسلمين من أهل المدينة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك. واختلف المفسرون في عددهم فروي عن ابن عباس أنهم كانوا عشرة منهم أبو لبابة وروي أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم كانوا ثمانية أحدهم أبو لبابة وثقال وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة أحدهم أبو لبابة. وقيل: كانوا ثلاثة: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وذلك أنهم كانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم ندموا بعد ذلك وتابوا وقالوا أنكون في الظلال ومع النساء ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء؟ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره وقرب من المدينة قالوا: والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بهم فرآهم فقال: "حديث : من هؤلاء"؟ فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم وترضى عنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم"، ورغبوا عني وتخلفوا عن الغزوة مع المسلمين. فأنزل الله عز وجل هذه الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك خذها فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً"تفسير : . فأنزل الله: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم الآية. وقال قوم: نزلت هذه الآية في أبي لبابة خاصة واختلفوا في ذنبه الذي تاب منه فقال مجاهد: نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه فندم على ذلك وربط نفسه بسارية. وقال: والله لا أحل نفسي ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه، فإنزل الله هذه الآية فقيل له قد تيب عليك فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله بيده فقال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال يجزيك الثلث يا أبا لبابة. قالوا جميعاً فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم وترك لهم الثلثين لأن الله سبحانه وتعالى قال: خذ من أموالهم ولم يقل خذ أموالهم. لأن لفظة "من" تقتضي التبعيض. وقال الحسن وقتادة: وهؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلفوا وسيأتي خبرهم. أما تفسير الآية: فقوله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم قال أهل المعاني: الاعتراف عبارة عن الإقرار بالشيء ومعناه أنهم أقروا بذنبهم وفيه دقيقة وهي أنهم لم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم من المنافقين ولكن اعترفوا على أنفسهم بذنوبهم وندموا على ما فعلوا. فإن قلت: الاعتراف بالذنب هل يكون توبة أم لا؟ قلت: مجرد الاعتراف بالذنب لا يكون توبة فإذا اقترن الاعتراف بالندم على الماضي من الذنب والعزم على تركه في المستقبل يكون ذلك الاعتراف والندم توبة. وقوله سبحانه وتعالى: {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} قيل: أراد بالعمل الصالح إقرارهم بالذنب وتوبتهم منه والعمل السيئ هو تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: العمل الصالح هو خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سائر الغزوات والسيئ هو تخلفهم عنه في غزوة تبوك. وقيل: إن العمل الصالح يعم جميع أعمال البر والطاعة والسيئ ما كان ضده فعلى هذا تكون الآية في حق جميع المسلمين والحمل على العموم أولى وإن كان السبب مخصوصاً بمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. وروى الطبري عن أبي عثمان قال ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله وآخرون اعترفوا بذنوبهم. فإن قلت قد جعل كل واحد من العمل الصالح والسيئ مخلوطاً فما المخلوط به. قلت: إن الخلط عبارة عن الجمع المطلق فأما قولك خلطته فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كل واحد من الخليطين بالآخر ويتغير به عن صفته الأصلية كقولك خلطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن فتنوب الواو عن الباء فيكون معنى الآية على هذا خلطوا عملاً صالحاً بآخر ذكره غالب المفسرين وأنكره الإمام فخر الدين الرازي. وقال: اللائق بهذا الموضع الجمع المطلق لأن العمل الصالح والعمل السيئ إذا حصلا معاً بقي كل واحد منهما على حاله كما هو مذهبنا فإن عندنا القول بالإحباط باطل فالطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب فقوله سبحانه وتعالى خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر فليس إلا الجمع المطلق. وقال الواحدي: العرب تقول خالطت الماء باللبن وخلطت الماء واللبن كما تقول جمعت زيداً وعمراً. والواو في الآية أحسن من الباء لأنه أريد معنى الجمع لا حقيقة الخلط. ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيئ كما يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما وقوله سبحانه وتعالى: {عسى الله أن يتوب عليهم} قال ابن عباس وجمهور المفسرين: عسى من الله واجب والدليل عليه قوله سبحانه وتعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح وقد فعل ذلك. وقال أهل المعاني: لفظة عسى هنا تفيد الطمع والإشفاق لأنه أبعد من الاتكال والإهمال. وقيل: إن الله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شيء بل كل ما يفعله على سبيل التفضل والتطول والإحسان فذكر لفظة عسى التي هي للترجي والطمع حتى يكون العبد بين الترجي والإشفاق ولكن هو إلى نيل ما يرجوه منه أقرب لأنه ختم الآية بقوله {إن الله غفور رحيم} وهذا يفيد إنجاز الوعد.

الثعالبي

تفسير : {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} الآية. قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو عُثْمَانَ: هَذِهِ الآيَةُ في الأَعْرَابِ، وهي عامَّة في الأُمة إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. قال أبو عثمان: ما في القرآن آيةٌ أرجَىٰ عندي لهذه الأمة منْها. وقال مجاهد: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبي لُبَابَةَ الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُرَيْظَةَ لَمَّا أَشَارَ لَهُمْ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَرَبَطَ نفسه في ساريَةٍ من سَوَارِي المَسْجِد، وقالتْ فرقة عظيمةٌ: بل نزلَتْ هذه الآيةُ في شَأن المخلَّفين عن غزوة تَبُوك. * ت *: وخَرَّجَ «البخاريُّ» بسنده عن سَمُرة بن جنْدُبْ قالَ: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: « حديث : أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فَٱبْتَعَثَانِي فَٱنْتَهَيْنَا إِلَىٰ مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ. وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمْ: ٱذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُم رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَن صُورَةٍ، قَالاَ لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالاَ: أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ » تفسير : . انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً} ‏ قال ‏"‏حديث : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال‏:‏ من هؤلاء الموثقون أنفسهم‏؟ قالوا‏:‏ هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعذرهم‏.‏ قال‏:‏ وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا‏:‏ ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا‏.‏ فأنزل الله عز وجل ‏ {‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم‏}‏ وعسى من الله واجبة وإنه هو التوّاب الرحيم، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم فقالوا‏:‏ يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا‏.‏ قال‏: ما أمرت أن آخذ أموالكم‏.‏ فأنزل الله عز وجل ‏ {‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم‏}‏ يقول‏:‏ استغفر لهم ‏ {إن ‏صلواتك سكن لهم‏}‏ يقول‏:‏ رحمة لهم، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم، وكان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم‏؟‏ فأنزل الله عز وجل {‏لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} [‏التوبة: 117‏]‏ إلى آخر الآية {وعلى الثلاثة الذين خلفوا‏} ‏[‏التوبة: 118‏]‏ إلى {ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 118] يعني إن استقاموا‏ . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه‏.‏ مثله سواء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله ‏ {‏فاعترفوا بذنوبهم‏} ‏ قال‏:‏ هو أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال، وأشار إلى حلقه بأن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه‏. وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب‏.‏ أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ يا أبا لبابة أتأمرنا أن ننزل‏؟‏ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك‏؟ فلبث حيناً حتى غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك - وهي غزوة العسرة - فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة سبعاً من بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة، قال‏:‏ لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي‏َّ.‏ فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله عليه فنودي أن الله قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقه عنه بيده، فقال أبو لبابة حين أفاق‏:‏ يا رسول الله إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وانتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏: يجزي عنك الثلث‏. فهجر أبو لبابة دار قومه وساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصدق بثلث ماله ثم تاب، فلم ير منه في الإِسلام بعد ذلك إلا خيراً حتى فارق الدنيا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال ‏"‏إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة ورجلان معه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهلكة، وقالوا‏:‏ نحن في الظل والطمأنينة مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا، فانطلق أبو لبابة فأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وكان طريقه في المسجد، فمر عليهم فقال‏:‏ من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري‏؟‏ فقال رجل‏:‏ هذا أبو لبابة وصاحبان له تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم حتى تكون الذي أنت تطلقهم وترضى عنهم وقد اعترفوا بذنوبهم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ والله لا أطلقهم حتى أُؤْمَر بإطلاقهم، ولا أعذرهم حتى يكون الله يعذرهم وقد تخلفوا ورغبوا عن المسلمين بأنفسهم وجهادهم، فأنزل الله تعالى ‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم‏} ‏ الآية‏.‏ وعسى من الله واجب، فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم، فانطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا‏.‏ يقولون‏:‏ استغفر لنا وطهرنا‏.‏ فقال‏:‏ لا آخذ منها شيئاً حتى أومر به‏.‏ فأنزل الله {خذ من أموالهم صدقة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ولم يتوبوا ولم يذكروا بشيء ولم ينزل عذرهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهم الذين قال الله ‏{أية : ‏وآخرون مرجون لأمر الله‏} ‏تفسير : [‏التوبة: 106‏]‏ الآية‏.‏ فجعل الناس يقولون‏:‏ هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون‏:‏ عسى الله أن يتوب عليهم‏.‏ فصاروا مرجئين لأمر الله حتى نزلت ‏{أية : ‏لقد تاب الله على النبي}‏ تفسير : ‏[‏التوبة: 117‏]‏ إلى قوله {أية : ‏وعلى الثلاثة الذين خلفوا‏} ‏تفسير : [‏التوبة: 118‏]‏ يعني المرجئين لأمر الله، نزلت عليهم التوبة فعملوا بها‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم‏}‏ قال‏:‏ هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري، منهم كردم ومرداس وأبو لبابة‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً} ‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك، منهم أربعة خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً‏:‏ جد بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس، كلهم من الأنصار تيب عليهم، وهم الذين قيل ‏ {‏خذ من أموالهم صدقة‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً‏} ‏ قال‏:‏ غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏وآخر سيئا‏ً}‏ قال تخلفهم عنه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في التوبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عثمان النهدي قال‏:‏ ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله ‏ {‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً}‏ الآية‏. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال‏:‏ إني لاستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة {أية : كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون‏} ‏تفسير : [‏الذاريات: 17‏]‏‏.‏ {أية : يبيتون لربهم سجداً وقياماً} تفسير : ‏[‏الفرقان: 64‏]‏‏.‏ ‏{أية : ‏أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً‏}‏ ‏تفسير : [‏الزمر: 9‏]‏ فلا أراني منهم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فأعرض نفسي على هذه الآية ‏{أية : ‏ما سلككم في سقر}‏ ‏{أية : ‏قالوا لم نك من المصلين‏} تفسير : ‏[‏المدثر: 42 - 46‏] إلى قوله ‏{أية : نكذب بيوم الدين} تفسير : فأرى القوم مكذبين فلا أراني منهم، فأمر بهذه الآية ‏ {‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً}‏ فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم‏. وأخرج أبو الشيخ وابن منده وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر بسند قوي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ حديث : كان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ستة‏:‏ أبو لبابة، وأوس بن جذام، وثعلبة بن وديعة، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية‏.‏ فجاء أبو لبابة، وأوس بن جذام، وثعلبة، فربطوا أنفسهم بالسواري، وجاؤوا بأموالهم فقالوا‏:‏ يا رسول الله، خذ هذا الذي حبسنا عنك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أحلهم حتى يكون قتال‏. فنزل القران ‏ {‏خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ وكان ممن أرجىء عن التوبة وخلف كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية‏.‏ فأرجئوا أربعين يوماً، فخرجوا وضربوا فساطيطهم، واعتزلهم نساؤهم، ولم يتولهم المسلمون ولم يقربوا منهم، فنزل فيهم {‏وعلى الثلاثة الذين خلفوا} ‏[‏التوبة: 118‏]‏ إلى قوله {التوّاب الرحيم} [التوبة: 118] فبعثت أم سلمة إلى كعب فبشرته‏"‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال‏:‏ قال الأحنف بن قيس‏:‏ عرضت نفسي على القرآن فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية ‏{‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏. وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار قال‏:‏ سألت الحسن عن قول الله ‏ {‏وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً‏} ‏ فقال‏:‏ يا مالك، تابوا، عسى الله أن يتوب عليهم، وعسى من الله واجبة‏. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن سمرة بن جندب قال ‏"‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يكثر أن يقول لأصحابه‏:‏ هل رأى أحد منكم رؤيا‏؟‏ وإنه قال لنا ذات غداة‏:‏ إنه أتاني الليلة آتيان فقالا لي‏:‏ انطلق‏.‏ فانطلقت معهما، فاخرجاني إلى الأرض المقدسة فأتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى‏.‏ قلت لهما‏:‏ سبحان الله ما هذان‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ قالا لي‏:‏ انطلق‏. فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحوّل إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى‏.‏ قلت‏:‏ سبحان الله ما هذان‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ قالا لي‏:‏ انطلق. فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قلت‏:‏ ما هؤلاء‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ فقالا لي‏:‏ انطلق‏. فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شاطىء النهر رجل عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع فغر له فاه فألقمه حجرا‏ً.‏ قلت لهما‏:‏ ما هذان‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏! ‏ قالا لي‏:‏ انطلق‏. فانطلقنا، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء، وإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها‏.‏ قلت لها‏:‏ ما هذا‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ قالا لي‏:‏ انطلق‏. فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط‏.‏ قالا لي‏:‏ انطلق‏. فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر قط روضة أعظم منها ولا أحسن‏.‏ قالا لي‏:‏ ارق فيها‏.‏ فارتقينا فيها، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء‏.‏ قالا لهم‏:‏ اذهبوا فقعوا في ذلك النهر‏.‏ فإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المخض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، فذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ قالا لي‏:‏ هذه جنة عدن وهذاك منزلك، فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قالا لي‏:‏ هذا منزلك‏.‏ قلت لهما‏:‏ بارك الله فيكما ذراني فأدخله‏.‏ قالا‏:‏ أما الآن فلا، وأنت داخله‏. قلت لهما‏:‏ فإني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت‏؟‏‏!‏ قالا لي‏:‏ أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة، يفعل به إلى يوم القيامة‏.‏ وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخراه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة‏.‏ وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني‏.‏ وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا‏.‏ وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار‏.‏ وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام‏.‏ وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة‏.‏ وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم، وأنا جبريل وهذا ميكائيل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي موسى ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: رأيت رجالاً تقرض جلودهم بمقاريض من نار‏.‏ قلت‏:‏ ما هؤلاء‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يتزينون إلى ما لا يحل لهم‏.‏ ورأيت خباء خبيث الريح وفيه صباح‏.‏ قلت‏:‏ ما هذا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هن نساء يتزين إلى ما لا يحل لهن‏.‏ ورأيت قوماً اغتسلوا من ماء الجناة‏.‏ قلت‏:‏ ما هؤلاء‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ‏"‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس العبدي قال‏:‏ لقي الحسن بن علي يوماً حبيب بن مسلمة فقال‏:‏ يا حبيب رب ميسر لك في غير طاعة الله‏.‏ فقال‏:‏ أما ميسري إلى أبيك فليس من ذلك قال‏:‏ بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة، فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، ولو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً كان ذلك كما قال الله ‏ {‏خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا‏ً} ‏ ولكنك كما قال الله ‏{أية : ‏كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون‏}‏ ‏تفسير : [‏المطففين: 14‏]‏‏.

ابو السعود

تفسير : {وَءاخَرُونَ} بـيانٌ لحال طائفةٍ من المسلمين ضعيفةِ الهِمَمِ في أمور الدينِ وهو عطفٌ على منافقون أي ومنهم يعني وممن حولَكم ومن أهل المدينة قومٌ آخرون {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} التي هي تخلُّفهم عن الغزو، وإيثارُ الدعةِ عليه والرضا بسوء جِوارِ المنافقين، وندموا على ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبةِ ولم يُخفوا ما صدر عنهم من الأعمال السيئةِ كما فعله من اعتاد إخفاءَ ما فيه وإبرازَ ما ينافيه من المنافقين الذين اعتذروا بما لا خيرَ فيه من المعاذير المؤكدةِ بالأيمان الفاجرةِ حسب ديدنِهم المألوفِ (وهم رهطٌ من المتخلفين أوثقوا أنفسَهم على سواري المسجدِ عندما بلغهم ما نزل في المتخلّفين فقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين حسب عادتِه الكريمةِ ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقيل: أنهم أقسموا أن لا يَحُلوا أنفسَهم حتى تحُلَّهم فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : وأنا أقسم أن لا أحُلَّهم حتى أُومرَ فيهم» تفسير : فنزلت) {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً} هو ما سبق منهم من الأعمال الصالحةِ والخروجِ إلى المغازي السابقةِ وغيرِها وما لحِق من الاعتراف بذنوبهم في التخلف عن هذه المرة وتذمُّمِهم وندامتِهم على ذلك وتخصيصُه بالاعتراف لا يناسب الخلْطَ لا سيما على وجه يُؤذِن بتوارد المختلطَيْن وكونِ كلَ منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كما يؤذن به تبديلُ الواوِ بالباء في قوله تعالى: {وَآخَرَ سَيِّئاً} فإن قولك: خلطتُ الماءَ باللبن يقتضي إيرادَ الماءِ على اللبن دون العكس وقولك: خلطتُ الماءَ واللبنَ معناه إيقاعُ الخلطِ بـينهما من غير دلالةٍ على اختصاص أحدِهما بكونه مخلوطاً والآخرِ بكونه مخلوطاً به، وتركُ تلك الدلالةِ للدلالةِ على جعل كلَ منهما متصفاً بالوصفين جميعاً وذلك فيما نحن فيه بورود كلَ من العملين على الآخر مرةً بعد أخرى، والمرادُ بالعمل السيء ما صدر عنهم من الأعمال السيئة أولاً وآخراً. وعن الكلبـي التوبةُ والإثمُ وقيل: الواوُ بمعنى الباء كما في قولهم: بعتُ الشاءَ شاةً ودرهماً بمعنى شاةً بدرهم {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أي يقبل توبتَهم المفهومةَ من اعترافِهم بذنوبهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يتجاوز عن سيئات التائبِ ويتفضل عليه وهو تعليلٌ لما تفيده كلمةُ عسى من وجوب القَبولِ فإنها للإطماع الذي هو من أكرم الأكرمين إيجابٌ وأيُّ إيجاب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} [الآية: 102]. قال بعضهم: صفة النادمين والمعرضين عن الذنوب والناوين للتوبة، وهو الاعتراف بما سبق منهم، وكثرة الندم على ذلك والاستغفار منه ونسيان الطاعات وذكر المعاصى على الدوام والابتهال إلى الله بصحة الافتقار، لعل الله يفتح له باب التوبة ويجعله من أهلها. قال الله تعالى: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً}.

القشيري

تفسير : إنْ اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم. والإقرارُ توكيدُ الحقوق فيما بين الخَلْق في مشاهد الحكم، ولكن الإقرار بحق الله - سبحانه - يوجِبُ إسقاط الجُرْم في مقتضى سُنَّةِ. كَرَم الحقِّ - سبحانه، وفي معناه أنشدوا: شعر : قيل لي: قد أَسَاءَ فيكَ فلانٌ وسكوتُ الفتى على الضيم عارُ قلتُ: قد جاءني فأَحْسَنَ عُذرا دِيَةُ الذَّنبِ عندنا الاعتذار تفسير : {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً}: ففي قوله: {وَآخَرَ سَيِّئاً} بعد قوله: {صَالِحاً} دليلٌ على أن الزَّلَّةَ لا تحبِطُ ثوابَ الطاعةِ؛ إذ لو أحبطته لم يكن العملُ صالحاً. وكذلك قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}: وعسى تفيد أنه لا يجب على الله شيء فقد يتوب وقد لا يتوب. ولأنَّ قوله صِدْقٌ.. فإذا أخبر أَنَّه يجِيبُ فإنه يفعل، فيجب منه لا يجب عليه. ويقال قوله: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً}: يحتمل معناه أنهم يتوبون؛ فالتوبة عملٌ صالح. وقوله: {وَآخَرَ سَيِّئاً}: يحتمل أنه نَقْضُهم التوبة، فتكون الإشارة في قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أنهم إن نقضوا توبتهم وعادوا إلى ما تركوه من زَلَّتهم فواجبٌ مِنَّا أن نتوب عليهم، ولئن بطلت - بنَقْضِهم - توبتُهم.. لَمَا اخْتَلَّتْ - بفضلنا - توبتُنا عليهم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} وصف الله قوماً عرفوا معائب انفسهم لمعرفة الله وتعريفه اياهم نفسه فعرفوا نفوسهم بمعرفة الله فندموا عما جرى عليهم من اعلام المخالفات من الخجل والحياء بين يد الله وهم قوم الحقهم انوار العناية تارة الى المباشرة وسائل القربة ونشفهم نسائم الوصلة ثم مسّهم طوارق الغرفة امتحاناً من اللطف والقهر كى عرفوا الحق بمعرفة قهره ولطفه وذلك معنى قوله تعالى خلطوا عملا صالحا وآخر سيئاً فاذا بلغوا الى محل الاستقامة رفعت عنهم نوائب الامتحان وسكنوا فى مشاهدة الرحمن وهذا قوله تعالى {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال بعضهم ضفة النادمين والمعرضين عن الذنوب والناوين للتوبة والعتراف بما سبق منهم وكثرة الندم على ذلك والاستغفار فيه ونسيان الطاعات وذكر المعاصى على الدوام ولابتهال الى الله بصحة الافتقار لعل الله يفتح له باب التوبة ويجعله من اهلها قال الله تعالى واخرون اعترفوا الخ.

اسماعيل حقي

تفسير : {وآخرون} اى ومن اهل المدينة قوم آخرون {اعترفوا} اقروا {بذنوبهم} التى هى تخلفهم عن الغزو وايثار الدعة عليه والرضى بسوء جوار المنافقين وندموا على ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة وهم حديث : طائفة من المتخلفين اوثقوا انفسهم على سوارى المسجد عندما بلغهم ما نزل فى المتخلفين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره فدخل المسجد اولا فصلى ركعتين حسب عادته الكريمة ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقالوا هؤلاء تخلفوا عنك فعاهدوا الله واقسموا ان لا يطلقوا انفسهم حتى يكون رسول الله هو الذى يطلقهم فقال عليه السلام "وانا اقسم ان لا احلهم حتى أومر فيهم" . تفسير : فنزلت فاطلقهم واعذرهم {خلطوا عملا صالحا} هو ما سبق منهم من الاعمال الصالحة والخروج الى المغازى السابقة وما لحق من الاعتراف بذنوبهم فى التخلف عن هذه المرة وتذممهم وندامتهم على ذلك {وآخر سيئا} هو ما صدر عنهم من الاعمال السيئة اولا وآخرا فيدخل فيه التخلف عن غزوة تبوك وتبديل الواو بالباء حيث لم يقل بآخر يؤذن يكون كل منهما مخلوطا به وهو ابلغ فان قولك خلطت الماء باللبن يقتضى ايراد الماء على اللبن دون العكس وقولك خلطت الماء واللبن معناه ايقاع الخلط بينهما من غير دلالة على اختصاص احدهما بكونه مخلوطا والاخر بكونه مخلوطا به. قال الحدادى يقال خرجوا الى الجهاد مرة وتخلفوا مرة فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السئ كما يقال خلط الدنانير والدراهم اى جمعهما وخلط الماء واللبن اى احدهما بآخر {عسى الله ان يتوب عليهم} ان يقبل توبتهم المفهومة من اعترافهم بذنوبهم {ان الله غفور رحيم} يتجاوز عن سيآت التائب ويتفضل عليه وهو تعليل لما يفيده كلمة عسى من وجوب القبول فانها للاطماع الذى هو من اكرم الاكرمين ايجاب وأى ايجاب. قال ادى وانما ذكر لفظ عسى ليكون الانسان بين الطمع والاشفاق فيكون ابعد من الاتكال والاهمال شعر : جون بدى كناهرا دانى كشدت جانب بشيمانى ورندانى كناهرا كه بدست آن نشان شقاوت ابدست تفسير : اعلم ان بعض النفوس منافق وبعضها كافر وبعضها مؤمن فالمنافق منها كالصفة الحيوانية من الشهوات فانها تتبدل بالعفة عند استيلاء القلب على النفس بسياسة الشريعة وتربية الطريقة ظاهرا لا حقيقة لانها لا تتبدل بالكلية بحيث تنتزع عنها الشهوة بل تكون مغلوبة والكافر منها كالصفة البهيمية فى طلب الاغتذاء من طلب المأكول والمشروب فانها لا تتبدل بضدها وهو الاستغناء عن الاكل والشرب لحاجة الجسد الى الغذاء بدل ما يتحلل من الجسد والمؤمن منها كالصفة السبعية والشيطانية من الغضب والكبر والعداوة والخيانة فانها تحتمل ان تتبدل باضدادها من الحلم والتواضع والمحبة والصدق والامانة عند استنارة النفس بنور الاسلام وترشح نور الايمان على القلب وانشراح الصدر بنور ربها وهذه الصفات وغيرها من صفات النفس اذا لم تتبدل بالكلية او لم تكن مغلوبة بانوار صفات القلب ففيها بعض النفاق كما جعل النبى عليه السلام الكذب والخيانة وخلف الوعد والغدر من النفاق فقال "حديث : اربع من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم انه مسلم اذا حدث كذب واذا ائتمن خان واذا وعد اخلف واذا عاهد غدر ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ". تفسير : فعلى العاقل ان يجتهد باحكام الشريعة وآداب الطريقة الى ان يحصل الخلاص من النفاق بالكلية ثم ان الاعتراف بالخطيئة ميراث للمؤمن من ابيه آدم عليه السلام - روى- انه بكى على ذنبه مائتى سنة حتى قبل الله توبته وغفر ذنبه ولذا قالوا ينبغى للنائب ان يكثر البكاء والتذلل عند التوبة ويصلى على النبى عليه السلام فانه شفيع لكل نبى وولى ولذا توسل به آدم الى الله تعالى حيث قال الهي بحق محمد ان تغفر لى لجميع ويستغفر المؤمنين والمؤمنات ومعنى الاستغفار سؤال العبد ربه ان يغفر له ذنوبه ومعنى مغفرته لذنوب عباده ان يسترها عليهم بفضله ولا يكشف امورهم لخلقه ولا يهتك سترهم ومن شرط التوبة ان لا يتعمد ذنبا فإن وقع منه بسهو او خطأ فهو معفو عنه بفضل الله تعالى: قال الحافظ شعر : جابى كه برق عصيان برآدم صفى زد مارا جكونه زيبد دعوى بى كناهى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} قوم {آخرون اعترفوا بذُنوبهم}؛ وهو التخلف عن الجهاد، ولم يعتذروا عن تخلفهم بالأعذار الكاذبة، وهم طائفة من المتخلفين لما بلغهم ما نزل في المتخلفين أوثقوا أنفسَهم على سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فصلى فيه ركعتين، على عادته، فرآهم وسأل عنهم، فذُكر له سببهم، فنزلت الآية فأطلقهم. {خلطوا عملاً صالحاً} بعمل سيء {وآخر سيئاً} بعمل صالح، خلطوا العمل الصالح الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب، بآخر سيئ وهو التخلف وموافقة أهل النفاق، أو خلطوا عملاً صالحاً، وهو ما سبق لهم من الجهاد مع الرسول، وغيره من الأعمال، بآخر سيئ، وهو تخلفهم عن تبوك. {عَسَى اللهُ أن يتوبَ عليهم} أي: يقبل توبتهم المدلول عليها بقوله: {اعترفوا بذنوبهم}، والرجاء في حقه تعالى واجب. {إن الله غفور رحيمٌ} يتجاوز عن التائب ويتفضل عليهم. قال بعضهم: ما في القرآن آية أرجى لهذة الأمة من هذه الآية. وقال القشيري: قوله: {وآخر سيئاً} بعد قوله: {عملاً صالحاً} دليل على أن الزَّلَّةَ لا تحبط ثوابَ الطاعة؛ إذ لو أحبطته لم يكن العملُ صالحاً، وهو كذلك. انتهى. قُلْتُ: وما ذكره من عدم الإحباط هو مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، ولا يعارضه حديث مسلم: "حديث : أًنَّ رَجُلاً قال: واللَّهِ لا يَغفِرُ الله لفُلانِ، وإنَّ اللَّهَ قالَ: مَن الذي يَتَأَلّى عَلَيَّ أَلاَّ أَغفِرَ لفُلانِ، وإنّي غَفَرتُ لَه، وأحبطَتُ عَمَلك"،تفسير : أو كما قال؛ لأن هذا الرجل كان من بني إسرائيل، ولعل شرعهم مخالف لشرعنا؛ لأن هذه الأمة المحمدية قد وضع الله عنها أثقال بني إسرائيل، فهي ملة سمحة، ولعل هذا الرجل أيضاً كان قانطاً من رحمة الله ومكذباً بها، فهو كافر. انظر الحاشية الفاسية. الإشارة: الناس ثلاثة: سابقون ومخلطون ومنهمكون. فالسابقون فائزون، والمخلطون راجون، والمنهمكون هالكون، إلا من تاب وعمل صالحاً، فالسابقون هم الذين غلب إحسانهم على إساءتهم، وصفاؤهم على كدرهم، إن هفوا رجعوا قريباً، فقد تمر عليهم السنين الطويلة، ولا يكتب عليهم ملك الشمال شيئاً؛ وذلك ليقظتهم، لا لعصمتهم، والمخلطون هم الذين يكثر سقوطهم ورجوعهم، عسى الله أن يتوب عليهم. والمنهمكون هم المصرون على الفواحش، فإن سبقت لهم عناية رجعوا، وإن لم تسبق لهم عناية فهم مُعرِّضون لنقمة الله وحلمه، والله تعالى أعلم. حديث : ولما تاب اللهُ على المتخلفين، وأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوثائق، قالوا: يا رسول الله، هذه أَمْوَالُنا التي خلفْتَنا خُذْها فَتَصَدَّقْ بِهَا وطَهِّرْنَا، فقال عليه الصلاة والسلام: "أما أُمِرتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوالِكُمْ شَيْئاً"تفسير : . فأنزل الله في ذلك: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ}.

الطوسي

تفسير : روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن غزوة تبوك فيهم أبو لبابة، فربط سبعة منهم أنفسهم إلى سواري المسجد إلى أن قبلت توبتهم. وقيل: كانوا سبعة منهم ابو لبابة. وقال ابو جعفر عليه السلام: نزلت في ابي لبابة. ولم يذكر غيره، وكان سبب نزولها فيه ما جرى منه في غزوة بني قريظة وبه قال مجاهد. وقال الزهري: نزلت في أبي لبابة خاصة حين تأخر عن تبوك. واكثر المفسرين ذكروا أن أبا لبابة كان من جملة المتأخرين عن تبوك. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في قوم من الأعراب. وقيل: نزلت في خمسة عشر نفساً ممن تأخر عن تبوك. هذه الآية عطف على قوله {ومن أهل المدينة} أي ومنهم {آخرون اعترفوا بذنوبهم} أي أقروا بها مع معرفتهم بها فان الاعتراف هو الاقرار بالشيء عن معرفة والاقرار مشتق من قرّ الشيء إذا ثبت. والاعتراف من المعرفة. وقوله {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} معناه انهم يفعلون افعالا جميلة، ويفعلون افعالا سيئة قبيحة، فيجتمعان، وذلك يدل على بطلان القول بالاحباط، لأنه لو كان صحيحاً لكان أحدهما إذا طرأ على الآخر أحبطه، فلا يجتمعان، فكيف يكون خلطاً. وقوله {عسى الله أن يتوب عليهم} قال الحسن وكثير من المفسرين: إن {عسى} من الله واجبة. وقال قوم: انما قال {عسى} حتى يكونوا على طمع واشفاق فيكون ذلك أبعد من الاتكال على العفو واهمال التوبة، والتقدير في قوله {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} اي بآخر سيء ومثله قولك: خلطت الماء واللبن اي بالبن. وقد يستعمل ذلك في الجمع من غير امتزاج كقولهم: خلطت الدراهم والدنانير. وقال قوم: هو يجري مجرى قولهم: استوى الماء والخشبة اي مع الخشبة. وقال اهل اللغة: خلط في الخير مخففاً وخلط في الشر مشدداً. وقوله {إن الله غفور رحيم} تعليل لقبول التوبة من العصاة لأنه غفور رحيم.

الجنابذي

تفسير : {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} عطف على مردوا او على منافقون او على من الاعراب او على من يؤمن بالله او اخرون مبتدء واعترفوا خبره والجملة عطف على سابقتها {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} نزولها فى ابى لبابة بن عبد المنذر حين شاوره بنو قريظة فى النّزول على حكم سعد بن معاذٍ وقد مضى عند قوله لا تخونوا الله من سورة الانفال لكن معناها عامّ فى كلّ مؤمن احدث ذنباً فى ايمانه واعترف به {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} عسى من الله واجب وانّما يأتى تعالى شأنه بادوات التّرجّى والتّسويف جرياً على عادة الملوك والاكابر فى مواعيدهم {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وقد ورد انّ وحشيّاً منهم وورد ايضاً انّهم قوم اجترحوا ذنوباً مثل قتل حمزة وجعفر الطّيّار ثمّ تابوا وذكر ايضاً انّ من قتل مؤمناً لم يوفّق للتّوبة.

فرات الكوفي

تفسير : {وآخَرونَ اعْتَرَفوا بِذُنوبِهِمْ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً عسى الله أن يتوبَ عليهم102} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن خيثمة الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال [لي. ر]: يا خيثمة أبلغ موالينا منا السلام وأعلمهم أنهم لم ينالوا [أ: لا ينالون] ما عند الله إِلاّ بالعمل، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: حديث : سلمان منا أهل البيت تفسير : إنما عنى بمعرفتنا وإقراره بولايتنا وهو قوله [تعالى. ر]: {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم} والعسى من الله واجب وإِنّما نزلت في شيعتنا المذنبين.

الهواري

تفسير : قوله: { وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً} قيل: هم نفر من المؤمنين، منهم أبو لبابة بن عبد المنذر، وأُوَيْس بن ثعلبة في تفسير الكلبي. وكان الحسن لا يسميهم ويقول: كان عرض في هممهم شيء، ولم يعزموا على ذلك، ثم تابوا من بعد ذلك، وأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترفوا بذنوبهم. قال: { عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمُ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. وعسى من الله واجبة. وقال بعضهم: ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلّفوا عن غزوة تبوك، فأما أربعة فهم الذين خلطوا: جدّ بن قيس، وأوس، وحرام، وأبو لبابة، وكلهم من الأنصار، فقيل فيهم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ....} الآية. قال: كانوا وعدوا أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدّقوا. والمُرجَوْن لأمر الله: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. وقال مجاهد: وآخرون اعترفوا بذنوبهم: أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال: أشار إلى حلقه أن محمداً ذَابِحُكم إذا نزلتم على حكمه. أخبرهم وأيأسهم من العفو. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث عن ليلة أسري به، فكان في حديثهأنه رأى إبراهيم في السماء السابعة قال: حديث : وإذا أمتي عنده شطران: شطر عليهم ثياب بيض، وشطر عليهم ثياب رمد. فدخل الذين عليهم الثياب البيض، واحتبس الذين عليهم الثياب الرمد. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وكل إلى خيرتفسير : . ثم تلا هذه الآية: (أية : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلِّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللهُ وُلِيُّ المُؤْمِنِينَ ) تفسير : [آل عمران:68]. قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} [من الذنوب] {وَتُزَكِّيهِم بِهَا}. وليست بصدقة الفريضة، ولكنها كفارة لهم. وقال بعضهم: هم الذين اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهم ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فتاب الله عليهم، وقال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيْهِم بِهَا}. قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: واستغفر لهم { إِنَّ صَلاَتَكَ} أي استغفارك {سَكَنٌ لَّهُمْ} أي تثبيت منك لهم على ما هم عليه من الإِيمان. { وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

اطفيش

تفسير : {وآخَرُون} معطوف على {منافقون} {اعْترفُوا} أقروا بذنوبهم ولم يعتذروا بباطل، صفة لآخرون، أو آخرون مبتدأ والجملة خبره أو نعته، والخبر {خَلطُوا عملاً صَالحاً وآخر سيئاً} أو هذه نعت ثان، وحال من واو اعترفوا والخبر {عَسَى اللهُ أن يتُوبَ عَليْهم} لأنه ولو كان إنشاء لكنه فى الحقيقة وعد وإخبار جىء بصورة الترجى ليكونوا فى خوف وطمع ولا يأمن، أو رجح الطمع بقوله: {إنَّ اللهَ غَفورٌ} للذنب {رَحيمٌ} بالإعطاء، وأشار به إلى أن ذلك وعد منجز، أو يقدر القول، أى مقول فيهم: عسى الله أن يتوب عليهم. وهؤلاء المعترفون ثلاثة: أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، وأوس ابن ثعلبة، ووديعة بن حزام، وقال قتادة: والحسن: هم الثلاثة الذين خلِّفوا: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وعنهم أنهم نفر هموا بشىء ولم يعزموا عليه وتابوا منه، وقال ابن عباس: عشرة، وعنه: خمسة، وقال ابن جبير: ثمانية أحدهم على كل قول أبى لبابة، ندموا على تخلفهم بعد نزول القرآن فى المتخلفين وبلوغه لهم، وقالوا: كيف: تكون فى الظل مع النساء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فى الجهاد، وأيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سوارى المسجد حين قرب من المدينة فى رجوعه. وقيل: "حديث : هم عشرة، أوثق أنفسهم سبعة، وقيل: هم سبعة فقط، زعم بعض أن منهم الجد بن قيس، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل المسجد وصلى ركعتين على عادته إذ قدم من سفره، فرآهم موثقين، فسأل عنهم فقيل: تخلفوا عنك، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم وترضى عنهم، فقال صلى الله عليه وسلم، "وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين" ونزلت هذه الآية فرضى عنهم، وأطلقهم"تفسير : ، فذنوبهم هو تخلفهم، وهو أيضا العمل السيىء، والعمل الصالح توبتهم، وقيل ذلك على عموم الذنب، والعمل الصالح، ولو كان سبب النزول خاصا. قيل: ما فى القرآن أعدل من هذه الآية، وقيل: الآية فى أبى لبابة وذنبه، هو قوله لبنى قريظة: إن نزلتم على حكم سعد فحكمه الذبح، ندم وربط نفسه بسارية، وحلف أن لا يحل نفسه، ولا يذوق طعاما أو شرابا حتى يموت أو يتوب الله سبحانه عليه، فمكث كذلك سبعة أيام، وخر مغشيا عليه، فنزلت، فقال: والله لا أحل نفسى حتى يحلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله، وعمله الصالح هو جهاده قبل ذلك، وتوبته هذه، وقيل: توبته. وقيل: هؤلاء المعترفون قوم من الأعراب منافقون تابوا، وإن قلت: توبة الله على عبده قبوله التوبة منه، ولم يذكر الله سبحانه عنهم توبة؟ قلت: إنهم تابوا، وأخبرنا الله عنها بقبولها لاستلزامه إياها، وبذكر الغفران والرحمة، لأن الرحمة لمن تاب، وبقوله: {اعترفوا} فإن الاعتراف ولو كان مجرده غير توبة لكنه يشير إليها، وإذا قارنه الندم والإصلاح حصلت التوبة. ومعنى الخلط هنا مجرد الجمع بين العملين، ولذلك لم يعبر بالباء، وفى ذلك إفادة أن كلا منها مخلوط بالآخر، ومخلوط به الآخر، كأنه قيل: أجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيىء ومعنى الجمع بينهما فعل كل منهما، ولو كان فعل الكبيرة يحبط الحسنات حتى أنهما لا يجتمعان كما تقول: جمع زيد بين قراءة القرآن والعلم، ولو فى حال تلفظه بواحد غير متلفظ بآخر. هذا إجراء الآية على مذهبنا معشر الأباضية، ولكن الحسنات هنا نرجع بالتوبة، ولك أن تقول: الواو فى معنى الباء كقولك خلطت الماء باللبن أى مزجتهما، فالقوى يفسد الآخر، فالسيىء هنا يفسد الصالح لقوته، وقد ورد على الصالح، وإنما ساغ تأخيره مع أنه المخلوط بالآخر، لأن العطف بالواو، ولا تفيد الترتيب، ولو كان اللفظ بالباء لقيل خلطت عملا سيئا بآخر صالحا، أو نظر إلى أن المختلطين كل منهما مخلوط بآخر، وساغ جعل الواو بدل الباء لأنها للجمع، والباء للإلصاق والجمع والإلصاق من واد واحد. وقال الشافعية وغيرهم: إن العمل الصالح والطالح إذا حصلا بقيا معا، فلذلك كانت الآية بالواو، وهى الجمع بالباء، لأن خلط الشىء بالشىء مزجه به كاللبن مع الماء، والله أعلم. ولما أطلقهم قالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا التى خَلَّفتنا فتصدق بها عنا، واستغفرنا، وطهرنا، وفى رواية قال أبو لبابة: "حديث : من تمام توبتى أن أهجر دار قومى التى أصبت فيها الخطيئة، وأن أتصدق بمالى كله، وذاك فى مقالته لقريظة، أو فى تخلفه، وكذا قيل عن أصحابه فى تخلفهم، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا"" تفسير : فنزل: {خُذْ مِن أمْوالهم صَدقةً تُطهرهُم وتزكِّيهم بها} أى خذ شيئا منها، فمن للتبعيض لا كلها، "حديث : وقد روى أنه قال لأبى لبابة وأصحابه: "يجزيكم أن تتصدقوا بالثلث" فخذ من أموالهم الثلث"تفسير : ، ويروى أنه لما حلَّهم انطلقوا فجاءوا بأموالهم فردها، فنزل هذا، فأخذ ثلثها وذلك تكفير لذنبهم، فإنهم طلبوا منه أن يأخذها ليطهرهم من الذنوب، ويرفعهم عن الخبث، ويدعو لهم، فأمر الله بذلك، فالمراد تطهرهم عن الذنوب، أو عن حب المال المؤدى إلى مثل ذلك، وتزكى بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين قيل: تنمى بها أموالهم. وزعم قوم أن المراد الصدقة الواجبة لما تابوا وأحسنوا الإسلام أدوها، وزعم قوم أن هذا كلام منقطع عما قبله، وأنه فى جميع من تلزمه الزكاة، وعليهما فليست الزكاة واجبة فى كل مال على الإطلاق كما بينته السنة، واستدل أبو حنيفة بالآية على أنه لا زكاة فى مال الصبى والمجنون، إذ لا ذنب لهما يطهر بها، ويرده أنه لا يلزم من انتفاء سبب المعنى انتفاء الحكم مطلقا، وجملة تطهرهم نعت لصدقة، والضمير المستتر للصدقة وهو الرابط، أو النبى صلى الله عليه وسلم، فالرابط محذوف، أى بها دل عليه ما أبعد على التنازع أو هو المذكور فى قوله: {بها} ويقدر مثله لتزكى، ولكن تعلق المذكور بتطهر، وتقدر ضمير تزكى الصدقة. وقرىء تطهرهم بالإسكان من أطهره، وقرىء تطهرهم بالتشديد والجزم فى جواب الأمر، وليست الجملة حينئذ نعتا ولم يقرأ أحد بمحذوف ياء تزكى، فهو قراءة جزم تطهر مستأنف أو معطوف على المجزوم بإسقاط تقدير الضمة، أو حال بتقدير المبتدأ على أن يتعلق به قوله: {بها} ويجعل ضمير تطهر للزكاة. {وصلِّ} أى وادع {عَليْهم} بخير بحيث يغطيهم دعاؤك، ويكون كستر مسدود عليهم، قال الشافعى: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة ولو غير واجبة أن يقول للمتصدق: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وقيل: يجب عليه الدعاء فى الواجبة، ويستحب فى غيرها، وقيل يستحب مطلقاً، "حديث : وكان صلى الله عليه وسلم إذ أتاه قوم بصدقة قال: "اللهم صلِّ عليهم" فأتاه أبو أوفى فقال: "اللهم صل على آل أبى أوفى"" تفسير : أو يستحب للفقير الدعاء على معطيها له، وقيل: يقول: اللهم صل على محمد. {إنَّ صَلاتكَ} الجمع باعتبار المدعو عليهم، وإلا فالمصدر واسمه يصلحان لواحد ومتعدد بلفظ واحد، وقرأ حمزة، والكسائى، وحفص، إن صلاتك بالإفراد وفتح التاء. {سَكنٌ لَهم} طمأنينة يسكنون إليها، ويطمئنون بأن الله سبحانه تاب عليهم، وكل ما سكن إليه من أهل وجيب ومال وغير ذلك فهو سكن، والجملة تعليل {واللهُ سَميعٌ} باعترافهم، قيل: أو لدعائك {عليمٌ} بتوبتهم ونيتهم.

اطفيش

تفسير : {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، ولم يعتذروا بأَعذار كاذبة قبل خروجه ولا بعد رجوعه، كما أَنه لا عذر لهم صادق يعتذرون به وهم طائِفة من المتخلفين وآخرون مبتدأٌ واعترفوا نعته، الخبر خلطوا أَو هما خبران {خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً} كاعترافهم بالذنب خصوصا وجهادهم السابق وأَعمالهم السابقة {وَآخَرَ سَيِّئاً} كتخلفهم من غزوة تبوك وكونه يوافق المنافقين وهم مؤمنون مخلصون فى توحيدهم لكن كسلوا، وقيل: نافقوا وتابوا وقيل الآية فى جميع المؤمنين وجميع أَعمال البر والسوءِ: والواو عاطفة فيصدق الخلط هذا بذاك وعلى خلط ذاك بهذا أَو على خلطهما دفعة، ولو جعلت معية لم يصح إِلا لمعنى واحد، والأَصل فى الواو العطف، وأَيضا لا حاجة للمعية مع قوله خلطوا وهذه الواو كالباءِ التى للإِلصاق، وخلطت الماءَ واللبن وخلطت الماء باللبن سواءٌ، إِلا أَن مدخول الباءِ يعتبر مقصودا ثانيا تقصد الماءَ أَولا ويجعل مخلوطا باللبن، كذا قيل، وحقق بعض أَن الكل سواءٌ، وقال السكاكى: التقدير خلطوا عملا صالحا بسىء وآخر سيئا بصالح، ويقال فى الآية احتباك {عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} أَى يقبل توبتهم التى وفقهم الله إِليها فاعترفوا بذنوبهم وعسى من الله إِثبات ووعد إِجماعا ونكتة التعبير بها أَو بلعل التلويح بأَنه لا واجب عليه عز وجل والتحذير أَن يتكل عامل على عمله {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ} للذنوب {رَحِيمٌ} بالجناة وأَشباههم وهؤلاءِ المعترفون أَوثقوا أَنفسهم على سوارى المسجد لما بلغهم ما نزل فى المنافقين فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد على عادته فى الرجوع من السفر فصلى ركعتين فرآهم، فسأَل عنهم فذكر له أَنهم أَقسموا أَن لا يحلوا أَنفسهم حتى تحلهم، فقال: حديث : وأَنا أُقسم أَن لا أَحلهم ولا أَعذريهم حتى أُومر فيهم، رغبوا عنى وعن الغزوة مع المسلمين فنزل قوله تعالى:{وآخرون اعترفوا} إِلخ فأَطلقهمتفسير : ، وهم: أَبو لبابة رفاعة بن المنذر وجماعة معه وهو من أَهل الصفة، والجملة عشرة أَو ثمانية أَو خمسة أَو ثلاثة: أَبو لبابة وأَوس بن ثعلبة ووديعة بن حرام أَقوال، وفى جميعها أَبو لبابة معهم، ويقال: لما قرب فى رجوعه من تبوك ندموا وربطوا أَنفسهم فى سوارى المسجد، وقيل: ربط نفسه اثنتى عشرة ليلة فى سلسلة ثقيلة تحله بنته أَوقات الصلاة وقضاءِ الحاجة ثم تربطه، وربط نفسه مرة أُخرى سبعة أَيام، وحلف لا يأْكل ولا يشرب حتى يحله صلى الله عليه وسلم فصار يغشى عليه من الجوع، ولما نزلت توبته حله بيده صلى الله عليه وسلم، ولما تاب الله عليهم قالوا: هذه أَموالنا التى تخلفنا بسببها فتصدق بها وطهرنا، فقال: حديث : ما أُمرت أَن آخذ من أَموالكم شيئاً، فنزل قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} تفسير : بيدك أَو يد مأْمورك أَو اقبلها أَو اعتبر لها لا تلغها، وأَخذه وقبوله أَخذ من الله تعالى وقبول منه عز وجل "أية : إِن الذين يبايعونك إِنما يبايعون الله"تفسير : [الفتح: 10] {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ} ادع بالخير {عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وقولهم التى تخلفنا بسببها صريح بأَن تخلفهم لميلهم إِلى أَجنتهم الظليلة وإِصلاحها وإِصلاح باقى أَموالهم، وذلك مع شدة الحر، والصدقة هذه نفل كما يتبادر من إِعطائها كلها ما يزكى وما لا يزكى، ولو احتمل أَنهم تبرعوا بها على الزكاة، إِذ منعوها، وهذا بعيد بل ممنوع، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أُمرت أَن آخذ من أَموالكم شيئاً ولو كانت زكاة لأَخذ قدرها"تفسير : ، روى أَنه أَخذ ثلث أَموالهم، وقال جمهور الفقهاءِ قوله:{خذ من أَموالهم} كلام مستأْنف فى إِيجاب الزكاة، أَلا ترى إِلى قوله من أَموالهم بمن التبعيضية، وهذا البعض مقدار الزكاة والصدقة غسالة أَوساخ الناس تزول بها عن الأَموال والقلوب الأَوساخ، والصحيح أَن قوله{خذ من أَموالهم} متصل بتوبة المعترفين بذنوبهم، وأَنها فيهم كما روى أَنها فيهم فيسنُّ لمن أَذنب بسبب مال أَن يتصدق به أَو بثلثه لذلك، وضمير تطهر للصدقة أَو له صلى الله عليه وسلم كضمير تزكى أَى تطهرهم بها، أَو هو من باب التنازع والجملة مستأْنفة أَو نعت لصدقة والأَول أَولى، لأَنه لا يعلم الصدقة الموصوفة المقيدة بالقبول إِلا أَن يجرى على الظاهر، والمراد التطهر من الذنوب وحب المال والتزكية للحسنات والرفع إِلى منازل المخلصين الخارجين إِلى الجهاد، وصلاته عليهم دعاءٌ لهم واستغفار، ويسن للإِمام أَن يدعو للمتصدق أَو يجب أَو يستحب أَو يجب فى الفرض ويستحب فى التطوع، أَقوال. وعلى الأَول الشافعى قال: يقول آجرك الله فيما أَعطيت وبارك لك فيما أَبقيت، ويستحب للفقير أَن يدعو للمعطى ومن تحت الإِمام العدل، حتى تعلم منه كبيرة، ومعنى كونها سكنا لهم أَنهم يطمئِنون إِليها، فإِن سكن الشىءِ ما تطمئن إِليه نفسه ويرتاح إِليه، والله سميع باعترافهم عليم بندمهم، أَشار إِلى قبول توبتهم بعسى وصرح أَو كاد فى قوله "خذ" إِلخ، وزاد فى قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوا} أَى هؤلاءِ التائِبُون المعرفون {أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} فإِنه لو لم يقبل توبتهم لم يأْمره بأَخذ صدقاتهم النافلة فى معرض الذنب، والتوبة مع وصفها بأَنهم يطهرون ويزكون بها، ولولا القبول لم يقل صل عليهم ولولا القبول لم يزل توحشهم، بالذنب بأَن مكن فى قلوبهم بالاستفهام التقريرى أَنه يقبل التوبة والصدقات، فكيف لا يقبلها عنهم، وبأَنه هو التواب الرحيم، وذكرهم بما فعلوا فعلم أَنهم المراد بالذات فى عموم عباده، أَو هم المراد بالعباد، وهذا أَشد رحمة لهم إِذ ذكرهم بالعبودية له، ومعنى أَخذه الصدقات قبولها ليجازى عليها، فهو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم والتسبب، أَو استعارة لأَن الآخذ حقيقة هو الرسول كما قال {خذ من أَموالهم صدقة} فهم تصدقوا تكفيرا لذنوبهم، وقبلها ليغفرها لهم ويتفضل عليهم كما قال{وأَن الله هو التواب الرحيم} وقيل الصدقة الزكاة، أَمره الله تعالى أَن يقبلها منهم فيمتازوا عمن ردها عليهم ويبعد أَن يرد الضمير فى يعلموا للناس مطلقاً، نعم فى الآية ترغيب للعصاة مطلقاً فى التوبة، كما أَن فى التعبير بالأَخذ تلويحاً إِلى إِعطاءِ الفقراءِ فيأْخذون، وروى أَنه لما تيب عليهم قال الذين لم يتوبوا: هؤلاءِ الذين تابوا كانوا بالأَمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم فنزل {أَلم يعلموا أَن الله هو يقبل التوبة} إلخ، ولهذا قيل برجوع واو يعلموا للناس كلهم أَو لقائِلى ما لهم اليوم. قال أَبو عثمان الهندى: ما فى القرآن أرجى آية عندى لهذه الأُمة من قوله تعالى:{وآخرون اعترفوا} إِلخ... قال مطرف إِنى لأَستلقى من الليل على فراشى وأَتدبر القرآن فأَعرض أَعمالى على أَعمال أَهل الجنة فأَجد أَعمالهم شديدة، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، يبيتون لربهم سجدا وقياماً، أَمَّن هو قانت آناءَ الليل ساجداً وقائماً. فلا أَرانى منهم فأَعرض نفسى على هذه الآية "أية : ما سلككم فى سقر"تفسير : [المدثر: 42] فأَرى القوم مكذبين فلا أَرانى منهم، فأَمر بهذه الآية {وآخرون اعترفوا} فأَرجو أَن أَكون منهم، وأَنتم يا إِخوتاه منهم، والمشهور فى ذلك قوله تعالى: "أية : قل يا عبادى الذين أَسرفوا"تفسير : [الزمر: 53] إِلخ، لكن آية السورة تدل على التوبة، وهى من الذنوب وقبول الله التوبة يقتضى صدورها منهم، والمعنى اعترفوا بذنوبهم وتابوا منها، والاعتراف بالذنب مع الندم توبة منه مع عزم على عدم العود وعسى من الله وعد وهو تعالى لا يخلفه: {وَقُلِ اعْمَلُوا} الخطاب للناس أَو لهؤلاءِ التائِبين المقبولة توبتهم ردعا لهم عن الأَمن من مكر الله، وعن أَن ييئسوا من قبول التوبة من ذنب آخر، اعملوا ما شئْتم من خير أَو شر {فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ} يجازيكم عليه أَى لا يخفى عنه، وعدم خفائِه سبب للجزاءِ وملزوم له ولذلك كان بمضارع الاستقبال، وإِلا فالله يرى الأَعمال أَى يعلمها بلا أَول لعلمه {وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ} عطف على لفظ الجلالة، ومجازاة الرسول والمؤمنين لأَصحاب الأَعمال الثناءُ عليهم والدعاء لهم، قال أَبو هريرة: إِن الله يقبل الصدقة من حلال فيربى اللقمة حتى تكون كأَحد، وعنه صلى الله عيه وسلم: "حديث : تقع الصدقة فى يد الله قبل يد السائل"تفسير : ، ومعنى يده تعالى عنده، ولا يقبل الله إِلا حلالاً ولا يصعد إِلى السماءِ إِلا حلال، أَى لا يصعد إِليها فيدخلها لأَن الحرام يصعد فيرد دونها، وروى أَبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو أَن أَحدكم يعمل فى صخرة صماءَ لا باب ولا كوة لخرج عمله وظهرتفسير : . وفى الشر الذم لهم والدعاء عليهم، وذلك بإِخبار الله تعالى لهم، وأَكد ذلك بقوله {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فذكر الجزاءَ مرتين؛ مرة بقوله{سيرى} وثانياً بقوله{ينبئُكم} وزاد تأْكيداً فى الثانى بالإِسناد إِلى عالم الغيب والشهادة، أَى سيجازيكم على أَعمالكم من لا يخفى عنه منها أقل من ذرة، أو الأول المجازاة والثانى الإِخبار بها أَنها كذا وكذا.

الالوسي

تفسير : {وَءاخَرُونَ } بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين ولم يكونوا منافقين على الصحيح. وقيل: هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم. قيل: وهو مبتدأ خبره جملة {خَلَطُواْ} وهي حال بتقدير ـ قد ـ والخبر جملة {عَسَى ٱللَّهُ} الخ، والمحققون على أنه معطوف على {أية : مُنَـٰفِقُونَ }تفسير : [التوبة:101] أي ومنهم يعني ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم آخرون {ٱعْتَرَفُواْ} أي أقروا عن معرفة {بِذُنُوبِهِمْ} التي هي تخلفهم عن الغزو وإيثار الدعة عليه / والرضا بسوء جوار المنافقين ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة المؤكدة بالإيمان الفاجرة وكانوا على ما أخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عشرة تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبـي عليه الصلاة والسلام إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم فأنزل الله تعالى الآية فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم. وفي رواية أخرى عنه أنهم كانوا ثلاثة، وأخرج ابن أبـي حاتم عن زيد أنهم كانوا ثمانية، وروي أنهم كانوا خمسة، والروايات متفقة على أن أبا لبابة بن عبد المنذر منهم. {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً} خروجاً إلى الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَءاخَرَ سَيّئاً} تخلفاً عنه عليه الصلاة والسلام روي هذا عن الحسن والسدي وعن الكلبـي أن الأول التوبة والثاني الإثم، وقيل: العمل الصالح يعم جميع البر والطاعة، والسيء ما كان ضده. والخلط المزج وهو يستدعي مخلوطاً ومخلوطاً به والأول هنا هو الأول والثاني هو الثاني عند بعض، والواو بمعنى الباء كما نقل عن سيبويه في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهماً، وهو من باب الاستعارة لأن الباء للإلصاق والواو وللجمع وهما من واد واحد، ونقل شارح «اللباب» عن ابن الحاجب أن أصل المثال بعت الشاة بدرهم أي مع درهم ثم كثر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واواً فوجب أن يعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها كما في قولهم: كل رجل وضيعته، ولا يخفى ما فيه من التكلف. وذكر الزمخشري ((أن كل واحد من المتعاطفين مخلوط ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطاً واللبن مخلوطاً به وإذا قلته بالواو وجعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطاً بهما كأنك قلت خلطت الماء باللبن واللبن بالماء)) وحاصله أن المخلوط به في كل واحد من الخلطين هو المخلوط في الآخر لأن الخلط لما اقتضى مخلوطاً به فهو إما الآخر أو غيره والثاني منتف بالأصل والقرينة لدلالة سياق الكلام إذا قيل: خلطت هذا وذاك على أن كلاً منهما مخلوط ومخلوط به وهو أبلغ من أن يقال خلطت أحدهما بالآخر إذ فيه خلط واحد وفي الواو خلطان. واعترض بأن خلط أحدهما بالآخر يستلزم خلط الآخر به ففي كل من الواو والباء خلطان فلا فرق، وأجيب بأن الواو تفيد الخلطين صريحاً بخلاف الباء فالفرق متحقق، وفيه تسليم حديث الاستلزام ولا يخفى أن فيه خلطاً حيث لم يفرق فيه بين الخلط والاختلاط، والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلاً معناه أن يقصد الماء أولاً ويجعل مخلوطاً باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولاً بل ينافيه، فعلى هذا معنى خلط العمل الصالح بالسيء أنهم أتوا أولاً بالصالح ثم استعقبوه سيئاً ومعنى خلط السيء بالصالح أنهم أتوا أولاً بالسيء ثم أردفوه بالصالح، وإلى هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملاً صالحاً بسيء وآخر سيئاً بصالح أي تارة أطاعوا واحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح / والسيء في أحد الخلطين غيرهما في الخلط الآخر، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه، ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب المعتزلة. وادعى بعضهم أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك والأصل خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيء وخلطوا آخر سيئاً بعمل صالح، وهو خلاف الظاهر. واستظهر ابن المنير ((كون الخلط مضمناً معنى العمل والعدول عن الباء لذلك كأنه قيل: عملوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وأنا اختار أن الخلط بمعنى الجمع هنا وإذا اعتبر السياق وسبب النزول يكون المراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب من التخلف عن الغزو وما معه من السيء تلك الذنوب أنفسها ويكون المقصود بالجمع المتوجه إليه أولاً بالضم هو الاعتراف، والتعبير عن ذلك بالخلط للإشارة إلى وقوع ذلك الاعتراف على الوجه الكامل حتى كأنه تخلل الذنوب وغير صفتها، وإذا لم يعتبر سبب النزول يجوز أن يراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب مطلقاً ومن السيء الذنوب كذلك وتمام الكلام بحاله، ويجوز أن يراد من العمل الصالح والسيء ما صدر من الأعمال الحسنة والسيئة مطلقاً، ولعل المتوجه إليه أولى على هذا أيضاً ليجمع العمل الصالح إذ بضمه يفتح باب الخير، ففي الخبر «أتبع السيئة بالحسنة تمحها»، وقد حمل بعضهم الحسنة فيه على مطلقها. وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس قال: لقي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يوماً حبيب بن مسلمة فقال: يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله تعالى فقال: أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال: بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة فلئن قام بك في دنياك فلقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شراً فعلت خيراً كان ذلك كما قال الله تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً} ولكنك كما قال الله تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }تفسير : [المطففين: 14] والتعبير بالخلط حينئذ يمكن أن يكون لما في ذلك من التغيير أيضاً، وربما يراد بالخلط مطلق الجمع من غير اعتبار أولية في البين والتعبير بالخلط لعله لمجرد الإيذان بالتخلل فإن الجمع لا يقتضيه، ويشعر بهذا الحمل ما أخرجه أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال: إني لأستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة{أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }تفسير : [الذاريات:17]{أية : يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً}تفسير : [الفرقان:64]{ أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً}تفسير : [الزمر:9] فلا أراني منهم فأعرض نفسي على هذه الآية {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ} تفسير : إلى قوله سبحانه: أية : {نُكَذّبُ بِيَوْمِ ٱلدّينِ }تفسير : [المدثر: 42-46] فأرى القوم مكذبين فلا أراني فيهم فأمر بهذه الآية {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} الخ وأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم، وكذا ما أخرجاه وغيرهما عن أبـي عثمان النهدي قال: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه: {وَآخَرُونَ} الخ. والظاهر أنه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين بل ثبت لهم الحكم المفهوم من قوله سبحانه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} مطلقاً وإلا فهي وكثير من الآيات التي في هذا الباب سواء وأرجى منها عندي قوله تعالى: أية : {قُلْ يٰأَهْلَ عِبَادِي ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً }تفسير : [الزمر:53] والمشهور أن الآية يفهم منها ذلك لأن التوبة من الله سبحانه بمعنى قبول التوبة وهو يقتضي صدورها عنهم فكأنه قيل: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فتابوا عسى الخ. وجعل غير واحد الاعتراف دالاً على التوبة ولعل ذلك لما بينهما من اللزوم عرفاً، وقال الشهاب: لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود، وفيه أن هذا قول بالعموم والخصوص وقد ذكروا أن العام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث، وكلمة {عَسَى} للإطماع وهو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب. وقوله تعالى: / {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليل لما أفادته من وجوب القبول، وليس هو الوجوب الذي يقوله المعتزلة كما لا يخفى أي إنه تعالى كثير المغفرة والرحمة يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أن جملة: {وءاخرون اعترفوا} عطف على جملة: {أية : وممن حولكم}تفسير : [التوبة: 101]، أي وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة آخرون أذْنبوا بالتخلف فاعترفوا بذنوبهم بالتقصير. فقوله: {اعترفوا بذنوبهم} إيجاز لأنه يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا منافقين لأن التعبير بالذنوب بصيغة الجمع يقتضي أنها أعمال سيئة في حالة الإيمان، وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيّىء. وكان من هؤلاء جماعة منهم الجِد بن قيس، وكردم، وأرس بن ثعلبة، ووديعة بن حزام، ومرداس، وأبو قيس، وأبو لُبابة في عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في التخلف عن غزوة تبوك وتابوا إلى الله وربطوا أنفسهم في سوارى المسجد النبوي أياماً حتى نزلت هذه الآية في توبة الله عليهم. والاعتراف: افتعال من عَرف. وهو للمبالغة في المعرفة، ولذلك صار بمعنى الإقرار بالشيء وترك إنكاره، فالاعتراف بالذنب كناية عن التوبة منه، لأن الإقرار بالذنب الفائت إنما يكون عند الندم والعزم على عدم العود إليه، ولا يُتصور فيه الإقلاع الذي هو من أركان التوبة لأنه ذنب مضى، ولكن يشترط فيه العزم على أن لا يعود. وخلطهم العمل الصالح والسيّىء هو خلطهم حسنات أعمالهم بسيئات التخلف عن الغزو وعدم الإنفاق على الجيش. وقوله: {خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} جاء ذكر الشيئين المختلطين بالعطف بالواو على اعتبار استوائهما في وقوع فعل الخلط عليهما. ويقال: خلط كذا بكذا على اعتبار أحد الشيئين المختلطين متلابسين بالخلط، والتركيبان متساويان في المعنى، ولكن العطف بالواو أوضح وأحسن فهو أفصح. وعسى: فعل رجاء. وهي من كلام الله تعالى المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فهي كناية عن وقوع المرجو، وأن الله قد تاب عليهم؛ ولكن ذكر فعل الرجاء يستتبع معنى اختيار المتكلم في وقوع الشيء وعدم وقوعه. ومعنى: {أن يتوب عليهم} أي يقبل توبتهم، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} تفسير : في سورة البقرة (37). وجملة: {إن الله غفور رحيم} تذييل مناسب للمقام.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 102- وهناك ناس آخرون آذوكم، ثم من بعد ذلك اعترفوا بما أذنبوا، وسلكوا طريق الحق، فهؤلاء قد أتوا عملا صالحا وعملا سيئا، وإنهم لهذا يرجى لهم أن تقبل توبتهم، وإن اللَّه رحيم بعباده، يقبل توبتهم ويغفر لهم. 103- خذ - أيها الرسول - من أموال هؤلاء التائبين صدقات تطهرهم بها من الذنوب والشح، وترفع درجاتهم عند اللَّه، وادع لهم بالخير والهداية فإن دعاءك تسكن به نفوسهم، وتطمئن به قلوبهم، واللَّه سميع للدعاء، عليم بالمخلصين فى توبتهم. 104- ألا فليعلم هؤلاء التائبون أن اللَّه - وحده - هو الذى يقبل التوبة الخالصة، والصدقة الطيبة، وأنه سبحانه، هو الواسع الفضل فى قبول التوبة، العظيم الرحمة بعباده. 105- وقل - أيها الرسول - للناس: اعملوا، ولا تقصروا فى عمل الخير وأداء الواجب؛ فإن اللَّه يعلم كل أعمالكم، وسيراها الرسول والمؤمنون، فيزنونها بميزان الإيمان، ويشهدون بمقتضاها، ثم تردون بعد الموت إلى من يعلم سركم وجهركم، فيجازيكم بأعمالكم، بعد أن ينبئكم بها صغيرها وكبيرها. 106- وهناك ناس آخرون وقعوا فى الذنوب، منها التخلف عن الجهاد، وليس فيهم نفاق، وهؤلاء مُرْجوْن لأمر اللَّه: إما أن يُعذبهم، وإما أن يتوب عليهم ويغفر لهم، واللَّه عليم بأحوالهم وما تنطوى عليه قلوبهم، حكيم فيما يفعله بعباده من ثواب أو عقاب.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَآخَرُونَ} {صَالِحاً} {وَآخَرَ} (102) - بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى حَالَ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهَادِ تَكْذِيباً وَشكّاً، شَرَعَ فِي بَيَانِ حَالِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهَادِ كَسَلاً، مَعَ إِيمَانِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ بِالحَقِّ، فَقَالَ: وَهُنَاكَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَأَقرُّوا بِهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، لَهُمْ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ خَلَطُوا بِهَا أَعْمالاً سَيِّئَةً، هِيَ تَقَاعُسُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَتِهِ، وَقُعُودُهُمْ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَهَؤُلاَءِ تَحْتَ عَفْوِ اللهِ وَغُفْرَانِهِ، وَقَدْ يُوَفِّقُهُمْ إِلى التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ لأَِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. (وَرُوِيَ أَنَّ هَذِه ِالآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبي لُبَابَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ غَزْوَتِهِ، رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ بِسَوارِي المَسْجِدِ، وَحَلَفُوا لاَ يَحُلُّهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَة أَطْلَقَهُمْ رَسُولُ اللهِ، وَعَفَا عَنْهُمْ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله الحق: {وَآخَرُونَ} معطوفة على قوله: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ}، فهل يظلون جميعاً على النفاق، أم أن منهم من يثوب إلى رشده؛ ليجد أن موقفه مخز حتى أمام نفسه؟ لأن أول ما ينحط المنافق إنما ينحط أمام نفسه؛ لأنه نافق ولم يقدر على المواجهة، واعتبر نفسه دون من يواجهه؛ فيحتقر نفسه، ولا بد أن منهم من يأنف من هذا الموقف، ويرغب في حسم المسـألة: إما أن يؤمن وإما أن يكفر، ثم يرجح الإيمان، ويتخلص من النفاق؛ بأن يعترف بذنوبه. وبذلك يصبح ممن يقول الحق عنهم: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: ممن لم يُصِرّوا على النفاق، واعترفوا بذنوبهم، والاعتراف لون من الإقرار. والإقرار بالذنب أنواع، فهناك من يقر بالذنب إفاقة، وآخر يقر الذنب في صفاقة، مثلما تقول لواحد: هل ضربت فلاناً؟ فيقول: نعم ضربته، أي أنه اعترف بذنبه، وقد يضيف: وسأضرب من يدافع عنه أيضاً، وهذا اعتراف فيه صفاقة. أما من يعترف اعتراف إفاقة، فهو يقر بأنه ارتكب الذنب ويطلب الصفح عنه، وهذا هو الاعتراف المقبول عند الله. وهم قد {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} اعتراف إفاقة، بدليل أن الله قال فيهم: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} وعملهم الصالح هنا هو إقرارهم بالذنب ومعرفتهم أن فضيحة الدنيا أهون من فضيحة الآخرة، أما عملهم السيىء فهو التخلف عن الجهاد والإنفاق. واعترافهم هذا هو اعتراف الإفاقة، واختلف العلماء: هل هذا الاعتراف يعتبر توبة أم لا؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى حينما قال: {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} ثم قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: رجاء أن يتوب عليهم، وهذه مقدمات توبة وليست توبة، فإن صاحبها الندم على ما مضى، والإصرار على عدم العودة في المستقبل فيُنظر هل هذا كان منه مخافة أن يُفضح أم موافقة لمنهج الله؟ إن كان الأمر موافقة لمنهج الله فتكون التوبة مرجوَّة لهم. وكلمة {خَلَطُواْ} تؤدي معنى جمع شيئين كانا متفرقين، وجمع الشيئين أو الأشياء التي كانت متفرقة له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يجمعهم على هيئة الافتراق، كأن تأتي بالأشياء التي لا تمتزج ببعضها مثل: الحمص واللب والفول، وتخلط بعضها ببعض في وعاء واحد، لكن يظل كل منها على هيئة الانفصال، فأنت لم تدخل حبة اللب في حبة الحمص، ولم يتكون منهما شيء واحد؛ لأنه لو حدث هذا لصار مزيجاً لا خلطاً، مثلما تخلط الشاي باللبن؛ لأنك بعد أن تجمعهما يصيران شيئاً واحداً، بحيث لا تستطيع أن تفصل هذا عن ذاك. إذن: فهم حين خطلوا العمل الصالح والعمل السَّيِّئ، لم يجعلوا من العمل الصالح والعمل السَّيِّئ مزيجاً واحداً. لكن العمل الصالح ظل صالحاً، والعمل الفاسد ظل فاسداً. وقوله سبحانه: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} كلمة {عَسَى} معناها الرجاء وهو ترجيح حصول الخير. وهو لون من توقع حصول شيء محبوب. والرجاء يخالف التمني؛ لأن التمني هو أن تحب شيئاً وتتمنى أن يكون موجوداً، لكنه لا يأتي أبداً، مثل قول الشاعر: شعر : ألا لَيْتَ الشَّبابَ يَعُودُ يَوْماً فَأخبِرُه بِمَا فعلَ المشِيبُ تفسير : إنه قد تمنى أن يعود شبابه، وهذا دليل على أن فترة الشباب محبوبة، لكن ذلك لا يحدث. إذن: فإظهار الشيء المحبوب له لونان: لون يتأتى، ولون لا يتأتى، فالذي يتأتى اسمه (رجاء)، والذي لا يتأتى نسميه (التمني)، مثل قول الشاعر: شعر : لَيْتَ الكَوَاكِب تَدْنُو لِي فَأنظِمَهَا عُقُودَ مَدْحٍ فما أرضَى لَكُمْ كَلمَا تفسير : فالشاعر يتمنى حدوث ذلك، ولكنه لن يحدث. أما الرجاء فهو أمل يمكن أن يحدث، والرجاء له منازل ومراحل بالنسبة للنفس الإنسانية. فأنت عندما ترجو لواحد شيئاً فتقول: "عسى فلان أن يمنحك كذا"، فأنت هنا مُترَجٍّ، وهناك مترجّىً له، هو من تخاطبه، ومترجّىً منه، وهو من يعطي، فهذه ثلاثة عناصر. لكن ألك ولاية على من يمنح؟ لا، لكن إن قلت: عسى أن أمنحك أنا كذا، فأنت ترجو لواحد غيرك أن تمنحه أنت، وهذا أرجى أن يتحقق. وحين تقول: "عسى أن أمنحك" فقد تقولها في لحظة إرضاء للذي تتحدث معه. ثم قد يبلغك عنه شيء يغير من نفسك، أو جئت؛ لتعطيه، فلم تجد ما تعطيه له، هنا لم يتحقق الرجاء. لكن عندما تقول: "عسى الله أن يمنحك"، فأنت ترجو له من الله، وهو القادر على كل شيء ولا تؤثِّر فيه أغيار، أما إذا قال الله عن نفسه: "عسى الله أن يفعل"، فهذا أقوى وسائل الرجاء. إذن: فنحن أمام أربع وسائل للرجاء. أن تقول: "عسى فلان أن يمنحك" أو أن تقول: "عسى أن أمنحك أنا"، أو تقول: "عسى الله أن يمنحك" وقد يجيبني الله، أو لا يجيب دعائي، لكن حين يقول الحق: "عسى أن أفعل" فهذا هو اللون الرابع من ألوان الرجاء، وقالوا: الرجاء من الله إيجاب. {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، فهذا رجاء أن يتوب الله عليهم، أما توبة العبد فمسألة تقتضي الندم على ما فات، والرجوع إلى منهج الله، والعزم ألا يغضب الله في المستقبل. أما توبة الله فهي تضم أنواع التوبة، فتشريع الله للتوبة رحمة بمن ارتكب الذنب، ورحمة بالناس الذين وقع عليهم السلوك الذي استوجب التوبة. فإن تُبْتُ؛ فقبول التوبة رحمة ثانية، فلو لم يشرع الله التوبة لاستشرى كل من ارتكب ذنباً واصطلى المجتمع بشروره. لكن حين يشرع الله التوبة؛ فهناك أمل أن يرجع العبد إلى الله، ويتخلص المجتمع من إمكانية عودته للذنب، وانتهى هو من أن يوقع مصائب بغيره. فإذا قَبِلَ الله التوبة، يقال: "تاب الله على فلان"، فلله إذن أكثر من توبة، ولذلك حين تقرأ قوله الحق: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ...} تفسير : [التوبة: 118]. أي: شرع لهم التوبة؛ ليتوبوا، فإذا تابوا فسبحانه قابل التوب. إذن: فالتوبة ثلاث مراحل: تشريع للتوبة، ثم توبة واقعة، فقبول للتوبة. والتوبة رجوع عن شيء، وهي بالنسبة للعبد رجوع عن ذنب، وبالنسبة لله إن كان الذنب يستحق أن يعاقب الله به، فإذا تبت أنت، فالحق يعفو ويرجع عن العقوبة. ويُنهي الحق الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ لأن المغفرة بالنسبة للعبد صعبة، فإن سرق واحد منك شيئاً فهو يضرك، ويلحّ عليك حب الانتقام منه؛ لأن الضرر أتعبك، لكن أيُتْعبُ أحد ربه بالمعصية؟ لا؛ لأنك إن كنت قد أضررت بأحد فإنما أضررت بنفسك، ولم تضر الله سبحانه؛ لأنه سبحانه لا يلحقه ضرر بذنبك، وإنما الذنب لحقك أنت. فحين يقول سبحانه: {غَفُورٌ} فهو غفور لك، و {رَّحِيمٌ} بك. والمصائب أو الكوارث نوعان؛ نوع للإنسان فيه غريم، ونوع يصيب الإنسان ولا غريم له. فإن مرض إنسان فليس له غريم في المرض، أما إذا سرق إنسان فاللص هو غريمه، ومصيبة الإنسان التي فيها غريم تدفع النفس إلى الانفعال برد العقوبة إليه، أما حين تكون المصيبة من غير غريم فهي تحتسب عند الله، ويقال: إن المصيبة التي ليس فيها غريم هي التي تحتاج لشدة إيمان، والحق يقول: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43]. هنا يؤكدها؛ لأن غريمه يلح عليه، فساعة يراه يتذكر ما فعله غريمه به، فتكون هناك إهاجة على الشر. أما قوله سبحانه: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17]. فلم يؤكدها، فالمصيبة هنا من سيكون غريمه فيها؟ والذين اعترفوا بذنوبهم هم قوم تخلفوا بغير عذر، ثم جاءوا وقالوا: ليس لنا عذر، ولم يختلقوا أعذاراً؛ لأننا نعلم أن هناك أناساً لم يعتذروا، وأناساً آخرين اعتذروا بأعذار صادقة، وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة، وهم قد {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة لم تكن حقيقية وأنه لم يكن عندهم ما يبرر تخلفهم عن الغزو؛ فهؤلاء تاب الله عليهم في نفوسهم أولاً، ورسول الله لا يزال في الغزوة في تبوك التي تخلفوا عنها. ثم حديث : عاد الرسول من الغزوة، ودخل المسجد كعادته حين يرجع إلى المدينة، وأول عمل كان يعمله بعد العودة هو أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ركعتين. فوجد أناساً قد ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وهي الأعمدة فسأل عن هؤلاء، فقالوا: هؤلاء قوم تخلفوا وكانت أعذارهم كاذبة لكنهم اعترفوا بذنوبهم، وقد عاهدوا الله ألا يحلوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تحلهم وترضى عنهم فقال صلى الله عليه وسلم: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم؛ رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين"تفسير : . فلما أنزل الله هذه الآية حلهم رسول الله ومنهم: أبو لبابة. ولذلك من يذهب ليزور المدينة إن شاء الله، سيجد أسطوانة اسمها "أسطوانة أبي لبابة" وهو أول من ربط نفسه على الساري، وقلده الآخرون. وهذا يدلك على أن المؤمن حين تختمر في نفسه قضايا الإيمان فهو لا ينتظر أن يعاقب من الله، بل يبادر هو إلى أن يعاقب نفسه. ومثال ذلك: المرأة التي زنت، والرجل الذي زنا، واعترفا لرسول الله ليرجمهما، ومعنى ذلك أنهما لم ينتظرا حتى يعذبهما الله، بل ذهب كل منهما بنفسه. ولذلك حين جاء سيدنا عمر، وكاد أن يركل جثة أحدهما قال الرسول: "دعها يا عمر فقد تابت توبة لو وزعت على أهل الأرض لوسعتهم". وكون أبي لبابة يربط نفسه بالسارية، فهذا يدل على أن المؤمن إذا اختمرت في نفسه قضية الإيمان، فإنه لا يترك نفسه إلى أن يلقاه الله بعذابه، بل يقول: لا، أنا أعذب نفسي كي أنجو من عذاب الله، فهو قد تيقن أن هناك عذاباًَ في الآخرة أقسى من هذا العذاب. فلما اعترفوا بذنوبهم وراجعوا أنفسهم متسائلين: ما الذي شغلنا عن الغزو، وجعلنا نعتذر بالكذب؟ وجدوا أنهم في أثناء غزوة تبوك وقد كانت في الحر، وفيه كانت تطيب جلسات العرب تحت الظلال وأن يأكلوا من التمر. فقالوا: والله، إن المال هو الذي شغلنا عن الغزو وجعلنا نرتكب هذا الذنب، ولا بد أن نتصدق به؛ لذلك قلنا: إن هذه لم تكن الصدقة الواجبة، بل هي صدقة الكفارة. وهؤلاء قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: خذ هذا المال الذي شغلنا عن الجهاد، فلم يقبل حتى ينزل قول من الله، فأنزل الحق قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن نجيح عن مجاهد: {ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} [الآية: 102]. قال: هو قول أَبي لبابة، إِذ قال لقريظة ما قال: وأَشار إِلى حلقه بأَن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً}. قال هم المنافقون، {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الآية: 107] يعني: أَبا عامر الراهب.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَآخَرُونَ } ممن بالمدينة ومن حولها، بل ومن سائر البلاد الإسلامية، { اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } أي: أقروا بها، وندموا عليها، وسعوا في التوبة منها، والتطهر من أدرانها. { خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان، المخرج عن الكفر والشرك، الذي هو شرط لكل عمل صالح، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة، بالأعمال السيئة، من التجرؤ على بعض المحرمات، والتقصير في بعض الواجبات، مع الاعتراف بذلك والرجاء، بأن يغفر اللّه لهم، فهؤلاء { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وتوبته على عبده نوعان: الأول: التوفيق للتوبة. والثاني: قبولها بعد وقوعها منهم. { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي: وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة. {أية : إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } . تفسير : ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل، فإنه يعفو عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، فهذه الآية، دلت على أن المخلط المعترف النادم، الذي لم يتب توبة نصوحا، أنه تحت الخوف والرجاء، وهو إلى السلامة أقرب. وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه، بل لا يزال مصرا على الذنوب، فإنه يخاف عليه أشد الخوف. قال تعالى لرسوله ومن قام مقامه، آمرا له بما يطهر المؤمنين، ويتمم إيمانهم: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } وهي الزكاة المفروضة، { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } أي: تطهرهم من الذنوب والأخلاق الرذيلة. { وَتُزَكِّيهِمْ } أي: تنميهم، وتزيد في أخلاقهم الحسنة، وأعمالهم الصالحة، وتزيد في ثوابهم الدنيوي والأخروي، وتنمي أموالهم. { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أي: ادع لهم، أي: للمؤمنين عموما وخصوصا عندما يدفعون إليك زكاة أموالهم. { إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أي: طمأنينة لقلوبهم، واستبشار لهم، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } لدعائك، سمع إجابة وقبول. { عَلِيمٌ } بأحوال العباد ونياتهم، فيجازي كل عامل بعمله، وعلى قدر نيته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمتثل لأمر اللّه، ويأمرهم بالصدقة، ويبعث عماله لجبايتها، فإذا أتاه أحد بصدقته دعا له وبرَّك. ففي هذه الآية، دلالة على وجوب الزكاة، في جميع الأموال، وهذا إذا كانت للتجارة ظاهرة، فإنها أموال تنمى ويكتسب بها، فمن العدل أن يواسى منها الفقراء، بأداء ما أوجب اللّه فيها من الزكاة. وما عدا أموال التجارة، فإن كان المال ينمى، كالحبوب، والثمار، والماشية المتخذة للنماء والدر والنسل، فإنها تجب فيها الزكاة، وإلا لم تجب فيها، لأنها إذا كانت للقنية، لم تكن بمنزلة الأموال التي يتخذها الإنسان في العادة، مالا يتمول، ويطلب منه المقاصد المالية، وإنما صرف عن المالية بالقنية ونحوها. وفيها: أن العبد لا يمكنه أن يتطهر ويتزكى حتى يخرج زكاة ماله، وأنه لا يكفرها شيء سوى أدائها، لأن الزكاة والتطهير متوقف على إخراجها. وفيها: استحباب الدعاء من الإمام أو نائبه لمن أدى زكاته بالبركة، وأن ذلك ينبغي، أن يكون جهرا، بحيث يسمعه المتصدق فيسكن إليه. ويؤخذ من المعنى، أنه ينبغي إدخال السرور على المؤمن بالكلام اللين، والدعاء له، ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينة، وسكون لقلبه. وأنه ينبغي تنشيط من أنفق نفقة وعمل عملا صالحا بالدعاء له والثناء، ونحو ذلك.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} [102] 246- أنا محمد بن بشار، نا يحيى، وابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، وعبد الوهاب، عن عوف، عن أبي رجاء، نا سَمُرة بن جُندب قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: "هل رأى أحدٌ منكم رؤيا؟" فيقُصُّ من شاء أن يقُص، وإنه قال لنا ذات يوم "إنه أتاني آتيان الليلة، وإنهما ابتعثاني، قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب وفضة، فأتينا باب المدينة، فاستفتحنا، ففُتح لنا، فدخلنا، فتلقانا فيها رجال شطر من خَلْقِهم كأحسن ما أنت راءٍ، وشطرٌ كأقبح ما أنت راءٍ، فقال لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النَّهر، وإذا هو معرض يجري، كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم وصاروا كأحسن صورة، فقالا لي: هذه جنة عدن، وذلك منزلك، فبينما بصري صَعْداً، فإذا قَصْر، قالا لي: هذا منزلك، قلت لهما: بارك الله فيكما، ذَرَاني أدخله، قالا: أما الآن فلا وأنت داخله، فقال: "القوم الذين كان شطراً منهم [حسن]، وشطراً منهم قبيح" فإنهم {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} فتجاوز الله عنهم ".

همام الصنعاني

تفسير : 1122- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً}: [الآية: 102]، قال: هم نفر ممن تَخَلَّف عن غزوة تبوك، منهُمْ أبو لبابة، ومنهم جد بن قيس، ثم تِيبَ عَلَيْهِمْ، قال قتادة: وليسوا بالثلاثة. 1123- عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: حديث : كانَ أبو لبابة ممن تخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال الزهري: فَرَبَط نفسه بسَاريةٍ، ثم قال: والله لا أحلّ نفسي منْهَا ولا أذوق طعاماً ولاَ شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليّ. قال: فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتى يخر مغشياً عليه. قالَ: ثُمَّ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فقيل له: قد تِيبَ عليك يا أبا لبابة فقال: والله لا أحُل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوَ الذي يَحُلُّني، قَالَ: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بِيَدِهِ، ثم قالَ أبو لبابة: يا رَسُولَ الله، إنَّ مِنْ توبتي أن أهْجُرَ دَارَ قومي التي أصبْتُ فيها الذنب، وأن اختلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال: يجزيك الثلث يا أبا لبابة .