Verse. 1338 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

خُذْ مِنْ اَمْوَالِہِمْ صَدَقَـۃً تُطَہِّرُھُمْ وَتُزَكِّيْہِمْ بِہَا وَصَلِّ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ اِنَّ صَلٰوتَكَ سَكَنٌ لَّھُمْ۝۰ۭ وَاللہُ سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ۝۱۰۳
Khuth min amwalihim sadaqatan tutahhiruhum watuzakkeehim biha wasalli AAalayhim inna salataka sakanun lahum waAllahu sameeAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» من ذنوبهم فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها «وصل عليهم» أي ادع لهم «إن صلاتك سكن» رحمة «لهم» وقيل طمأنينة بقبول توبتهم «والله سميع عليم».

103

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ٱختلف في هذه الصدقة المأمور بها؛ فقيل: هي صدقة الفرض؛ قاله جُويبر عن ابن عباس، وهو قول عكرمة فيما ذكر القشيري. وقيل: هو مخصوص بمن نزلت فيه؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذ منهم ثلث أموالهم، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء؛ ولهذا قال مالك: إذا تصدّق الرجل بجميع ماله أجزأه إخراج الثلث؛ متمسكاً بحديث أبي لُبابة. وعلى القول الأوّل فهو خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم يقتضي بظاهره اقتصاره عليه فلا يأخذ الصدقة سواه، ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه وزوالها بموته. وبهذا تعلق مانعو الزكاة على أبي بكر الصدّيق (رضي الله عنه) وقالوا: إنه كان يعطينا عوضاً منها التطهير والتزكية والصلاة علينا وقد عدمناها من غيره. ونظم في ذلك شاعرهم فقال: ـشعر : أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا عجباً ما بال مُلْك أبي بكر وإن الذي سألوكُم فمنعتُم لكالتمر أو أحْلَىٰ لديهم من التمر سنمنعهم ما دام فينا بقيّة كرامٌ على الضّراء في العسر واليسر تفسير : وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة، وفي حقهم قال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة. ابن العربيّ: أما قولهم إن هذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم فلا يلتحق به غيره فهو كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة متلاعب بالدين؛ فإن الخطاب في القرآن لم يرد باباً واحداً ولكن اختلفت موارده على وجوه، فمنها خطاب توجه إلى جميع الأمة كقوله: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ} وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ} ونحوه. ومنها خطاب خُصَّ به ولم يشركه فيه غيره لفظاً ولا معنىٰ كقوله: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79] وقوله: «خَالِصَةً لَكَ». ومنها خطاب خُصّ به لفظاً وشَرَكه جميع الأمة معنىً وفعلاً؛ كقوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإسراء: 78] الآية. وقوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 98] وقوله: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء: 102] فكل من دَلَكَتْ عليه الشمس مخاطب بالصلاة. وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب بالاستعاذة. وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة. ومن هذا القبيل قوله تعالىٰ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}. وعلى هذا المعنىٰ جاء قوله تعالىٰ: {أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ} تفسير : [الأحزاب: 1] و {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ} تفسير : [الطلاق: 1]. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ذهب بعض العرب وهم دوسٌ: إلى أن المال الثيابُ والمتاع والعُروض. ولا تسمِّي العين مالاً. وقد جاء هذا المعنىٰ في السُّنة الثابتة من رواية مالك عن ثور بن زيد الدِّيلي عن أبي الغيث سالم مولىٰ ابن مطيع عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ خيبر فلم نغنم ذهباً ولا وَرِقاً إلا الأموال الثياب والمتاع. الحديث: وذهب غيرهم إلى أن المال الصامت من الذهب والورق. وقيل: الإبل خاصة؛ ومنه قولهم: المال الإبل. وقيل: جميع الماشية. وذكر ابن الأنباري عن أحمد بن يحيىٰ ثعلب النحوي قال: ما قصر عن بلوغ ما تجب فيه الزكاة من الذهب والورق فليس بمال؛ وأنشد:شعر : والله ما بلغتْ لي قطُّ ماشيةٌ حدّ الزكاة ولا إبل ولا مال تفسير : قال أبو عمر: والمعروف من كلام العرب أن كل ما تُمُوِّل وتُمُلِّك هو مال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول ابن آدم مالي مالي وإنما له من ماله ما أكل فأفنىٰ أو لبس فأبلىٰ أو تصدّق فأمضىٰ»تفسير : . وقال أبو قتادة: فأعطاني الدرع فابتعت به مَخَرفا في بني سلمة؛ فإنه لأوّل مال تأثلته في الإسلام. فمن حلف بصدقة ماله كله فذلك على كل نوع من ماله، سواء كان مما تجب فيه الزكاة أو لم يكن؛ إلا أن ينوي شيئاً بعينه فيكون على ما نواه. وقد قيل: إن ذلك على أموال الزكاة. والعلم محيط واللسان شاهد بأن ما تملك يسمّىٰ مالاً. والله أعلم. الثالثةـ قوله تعالىٰ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} مطلق غير مقيد بشرط في المأخوذ والمأخوذ منه، ولا تبيين مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه. وإنما بيان ذلك في السنة والإجماع. حسب ما نذكره. فتؤخذ الزكاة من جميع الأموال. وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة في المواشي والحبوب والعين، وهذا ما لا خلاف فيه. واختلفوا فيما سوىٰ ذلك كالخيل وسائر العُروض. وسيأتي ذكر الخيل والعسل في «النحل» إن شاء الله. روىٰ الأئمة عن أبي سعيد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ليس فيما دون خمسة أوسُق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذَوْد من الإبل صدقة»تفسير : . وقد مضىٰ الكلام في «الأنعام» في زكاة الحبوب وما تنبته الأرض مستوفىٰ. وفي المعادن في «البقرة» وفي الحليّ في هذه السورة. وأجمع العلماء على أن الأوقية أربعون درهماً؛ فإذا ملك الحر المسلم مائتي درهم من فضة مضروبة ـ وهي الخمس أواق المنصوصة في الحديث ـ حولا كاملاً فقد وجبت عليه صدقتها، وذلك ربع عشرها خمسة دراهم. وإنما اشتُرط الحول لقوله عليه السلام: «حديث : ليس في مال زكاةٌ حتى يحول عليه الحول»تفسير : . أخرجه الترمذي. وما زاد على المائتي درهم من الورق فبحساب ذلك في كل شيء منه رُبُع عُشُرِه قلّ أو كثر؛ هذا قول مالك والليث والشافعي وأكثر أصحاب أبي حنيفة وابن أبي لَيْلَىٰ والثَّوْرِي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي ثَوْر وإسحاق وأبي عبيد. وروي ذلك عن علي وابن عمر. وقالت طائفة: لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهماً؛ فإذا بلغتها كان فيها درهم وذلك ربع عشرها. هذا قول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وطاوس والشعبي والزهري ومكحول وعمرو بن دينار وأبي حنيفة. الرابعة ـ وأما زكاة الذهب فالجمهور من العلماء على أن الذهب إذا كان عشرين ديناراً قيمتها مائتا درهم فما زاد أن الزكاة فيها واجبة؛ على حديث عليّ، أخرجه الترمذي عن ضَمْرة والحارث عن عليّ. قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح عن أبي إسحاق، يحتمل أن يكون عنهما جميعاً. وقال الباجِي في المنتقي: وهذا الحديث ليس إسناده هناك، غير أن اتفاق العلماء على الأخذ به دليل على صحة حكمه، والله أعلم. وروي عن الحسن والثوري، وإليه مال بعض أصحاب داود بن عليّ على أن الذهب لا زكاة فيه حتى يبلغ أربعين ديناراً. وهذا يردّه حديث عليّ وحديث ابن عمر وعائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً؛ على هذا جماعة أهل العلم إلا من ذُكر. الخامسة ـ اتفقت الأمة على أن ما كان دون خمس ذَودٍ من الإبل فلا زكاة فيه. فإذا بلغت خمساً ففيها شاة. والشاة تقع على واحدة من الغنم، والغنم الضأن والمعز جميعاً. وهذا أيضاً اتفاق من العلماء أنه ليس في خمس إلا شاة واحدة؛ وهي فريضتها. وصدقة المواشي مبَّينة في الكتاب الذي كتبه الصدّيق لأنس لما وجهه إلى البحرين؛ أخرجه البخاري وأبو داود والدَّارَقُطْني والنَّسائي وابن ماجه وغيرهم، وكله متفق عليه. والخلاف فيه في موضعين أحدهما في زكاة الإبل، وهي إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة فقال مالك: المصدِّق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لَبُون، وإن شاء أخذ حِقّتين. وقال ابن القاسم: وقال ابن شهاب: فيها ثلاث بنات لبون إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فتكون فيها حقة وٱبنتا لبون. قال ٱبن القاسم: ورأيي على قول ابن شهاب. وذكر ابن حبيب أن عبد العزيز بن أبي سلمة وعبد العزيز بن أبي حازم وابن دينار يقولون بقول مالك. وأما الموضع الثاني فهو في صدقة الغنم، وهي إذا زادت على ثلثمائة شاةٍ وشاةٍ؛ فإن الحسن بن صالح بن حيّ قال: فيها أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاةٍ وشاة ففيها خمس شياه؛ وهكذا كلما زادت، في كل مائةٍ شاةٌ، وروي عن إبراهيم النخعي مثله. وقال الجمهور: في مائتي شاة وشاةٍ ثلاث شياه، ثم لا شيء فيها إلى أربعمائةٍ فيكون فيها أربع شياه؛ ثم كلما زادت مائة ففيها شاة؛ إجماعاً واتفاقاً. قال ابن عبد البر: وهذه مسألة وهم فيها ابن المنذر، وحكى فيها عن العلماء الخطأ، وخلط وأكثر الغلط. السادسة ـ لم يذكر البخاري ولا مسلم في صحيحهما تفصيل زكاة البقر. وخرّجه أبو داود والترمذي والنّسائي والدَّارَقُطْني ومالك في مُوَطَّئه وهي مرسلة ومقطوعة وموقوفة. قال أبو عمر: وقد رواه قوم عن طاوس عن معاذ، إلا أن الذين أرسلوه أثبت من الذين أسندوه. وممّن أسنده بقية عن المسعودي عن الحكم عن طاوس. وقد اختلفوا فيما ينفرد به بقية عن الثقات. ورواه الحسن بن عُمارة عن الحكم كما رواه بقيّة عن المسعودي عن الحكم، والحسن مجتمع على ضعفه. وقد روىٰ هذا الخبر بإسناد متصل صحيح ثابت من غير رواية طاوس؛ ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر والثوري عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن؛ فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تَبِيعاً أو تبِيعة، ومن أربعين مُسِنّة، ومن كل حالم دينار أو عِدْله مَعَافر؛ ذكره الدَّارَقُطْني وأبو عيسىٰ الترمذي وصححه. قال أبو عمر. ولا خلاف بين العلماء أن الزكاة في زكاة البقر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما قال معاذ بن جبل: في ثلاثين بقرة تبيع، وفي أربعين مُسِنّةٌ؛ إلا شيء رُوي عن سعيد بن المسيِّب وأبي قِلابة والزُّهْرِي وقتادة؛ فإنهم يوجبون في كل خَمس من البقر شاةً إلى ثلاثين. فهذه جملة من تفصيل الزكاة بأصولها وفروعُها في كتب الفقه. ويأتي ذكر الخُلْطة في سورة «صۤ» إن شاء الله تعالىٰ. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {صَدَقَةً} مأخوذ من الصدق، إذ هي دليل على صحة إيمانه وصدق باطنه مع ظاهره، وأنه ليس من المنافقين الذين يَلْمِزون المطوِّعين من المؤمنين في الصدقات. {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} حالين للمخاطب؛ التقدير: خذها مطهِّراً لهم وَمُزَكياً لهم بها. ويجوز أن يجعلهما صفتين للصدقة؛ أي صدقة مطهرةً لهم مُزَّكِّية، ويكون فاعل تزكيهم المخاطب، ويعود الضمير الذي في «بها» على الموصوف المنكر. وحكىٰ النحاس ومَكّيّ أن «تُطَهِّرُهُمْ» من صفة الصدقة «وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» حال من الضمير في «خُذْ» وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن تكون حالاً من الصدقة، وذلك ضعيف لأنها حال من نكرة. وقال الزجاج: والأجود أن تكون المخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي فإنك تطهرهم وتزكيهم بها، على القطع والاستئناف. ويجوز الجزم على جواب الأمر، والمعنىٰ: إن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم، ومنه قول ٱمرىء القيس:شعر : قفا نبك من ذكرىٰ حبيب ومنزل تفسير : وقرأ الحسن تُطْهِرهم (بسكون الطاء) وهو منقول بالهمزة من طَهَر وأطهرته، مثل ظهر وأظهرته. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أصلٌ في فعل كلّ إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدّق بالبركة. روىٰ مسلم عن عبد الله بن أبي أوفىٰ قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللَّهُمَّ صل عليهم» فأتاه ٱبن أبي أوْفىٰ بصدّقته فقال: «اللهم صلّ على آل أبي أوْفىٰ»تفسير : . ذهب قوم إلى هذا، وذهب آخرون إلى أن هذا منسوخ بقوله تعالىٰ: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}. قالوا: فلا يجوز أن يصلَّى على أحد إلا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وحده خاصّة؛ لأنه خُصّ بذلك. واستدلوا بقوله تعالىٰ: {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً}تفسير : [النور: 63] الآية. وبأنّ عبدالله بن عباس كان يقول: لا يصلى على أحد إلا على النبيّ صلى الله عليه وسلم. والأوّل أصح؛ فإن الخطاب ليس مقصوراً عليه كما تقدّم؛ ويأتي في الآية بعد هذا. فيجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، والتأسّي به؛ لأنه كان يمتثل قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} أي إذا دعوت لهم حين يأتون بصدقاتهم سكّن ذلك قلوبهم وفرِحوا به. وقد حديث : روىٰ جابر بن عبد الله قال: أتاني النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت لامرأتي: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؛ فقالت: يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندنا ولا نسأله شيئاً ٰ فقالت: يا رسول الله؛ صلّ على زوجي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلىٰ الله عليكِ وعلى زوجك»تفسير : . والصلاة هنا الرحمة والترحم. قال النحاس: وحكىٰ أهل اللغة جميعاً فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء؛ ومنه الصلاة على الجنائز. وقرأ حفص وحمزة والكسائي «إن صلاتك» بالتوحيد. وجمع الباقون. وكذلك الاختلاف في {أية : أَصَلَٰوَتُكَ تَأْمُرُكَ}تفسير : [هود: 87] وقُرىء «سكْن» بسكون الكاف. قال قتادة: معناه وقار لهم. والسَّكن: ما تسكن به النفوس وتطمئن به القلوب.

البيضاوي

تفسير : {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً} روي:«حديث : أنـهم لما أُطْلِقُوا قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا فتصدق بها وطهرنا فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً»تفسير : فنزلت. {تُطَهّرُهُمْ} من الذنوب أو حب المال المؤدي بهم إلى مثله. وقرىء {تُطَهّرُهُمْ} من أطهره بمعنى طهره و {تُطَهّرُهُمْ} بالجزم جواباً للأمر. {وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ} واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم. {إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، وجمعها لتعدد المدعو لهم وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتوحيد. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لاعترافهم. {عَلِيمٌ} بندامتهم.

ابن كثير

تفسير : أمر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصاً بالرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا احتجوا بقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً} الآية، وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد، أبو بكر الصديق وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقاً - وفي رواية: عقالاً - كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه، وقوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: ادع لهم، واستغفر لهم؛ كما رواه مسلم في صحيحه: عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم، صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «حديث : اللهم صل على آل أبي أوفى» تفسير : وفي الحديث الآخر: أن امرأة قالت: يا رسول الله صل عليّ وعلى زوجي، فقال: «حديث : صلى الله عليك وعلى زوجك» تفسير : وقوله: {إِنَّ صَلَوَٰتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} قرأ بعضهم: صلواتك، على الجمع، وآخرون قرؤوا إن صلاتك، على الإفراد {سَكَنٌ لَّهُمْ} قال ابن عباس: رحمة لهم، وقال قتادة: وقار، وقوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} أي: لدعائك {عَلِيمٌ} أي: بمن يستحق ذلك منك، ومن هو أهل له، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن حذيفة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا لرجل، أصابته، وأصابت ولده وولد ولده، ثم رواه عن أبي نعيم عن مسعر عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة عن ابن لحذيفة، قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة إن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لتدرك الرجلَ وولدَه وولدَ ولدِه. وقوله: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها، وأخبر تعالى أن كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال، فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه؛ فيربيها لصاحبها حتى تصير التمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الثوري ووكيع كلاهما عن عباد بن منصور عن القاسم بن محمد: أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتكون مثل أحد» تفسير : وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} وقوله: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ} تفسير : [البقرة: 276] وقال الثوري والأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب عن عبد الله بن أبي قتادة قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الصدقة تقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} وقد روى ابن عساكر في تاريخه في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي، وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وغيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي قال: غزا الناس في زمان معاوية رضي الله عنه، وعليهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فغل رجل من المسلمين مائة دينار رومية، فلما قفل الجيش، ندم وأتى الأمير، فأبى أن يقبلها منه، وقال: قد تفرق الناس، ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرجل يستقري الصحابة، فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق، ذهب إلى معاوية ليقبلها منه، فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب إلى معاوية، فقل له: اقبل مني خمسك، فادفع إليه عشرين ديناراً، وانظر إلى الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية رضي الله عنه: لأن أكون أفتيته بها أحب إلي من كل شيء أملكه، أحسن الرجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } من ذنوبهم فأخذ ثلث أموالهم وتصدّق بها {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أي ادع لهم {إِنّ صَلَوَٰتَكَ سَكَنٌ } رحمة {لَهُمْ } وقيل طمأنينة بقبول توبتهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} قال ابن عباس: لما نزل في أبي لبابة وأصحابه {وَءَاخَرُونَ اعْترَفُواْ بِذُنُوبِهِم} الآية. ثم تاب عليهم قالوا يا رسول الله خذ منا صدقة أموالنا لتطهرنا وتزكينا، قال: لا أفعل حتى أؤمر، فأنزل الله تعالى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وفيها وجهان: أحدهما: أنها الصدقة التي بذلوها من أموالهم تطوعاً، قاله ابن زيد. والثاني: أنها الزكاة التي أوجبها الله تعالى في أموالهم فرضاً، قاله عكرمة. ولذلك قال: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} لأن الزكاة لا تجب في الأموال كلها وإنما تجب في بعضها. {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أي تطهر ذنوبهم وتزكي أعمالهم. {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} فيه وجهان: أحدهما: استغفر لهم: قاله ابن عباس. الثاني: ادع لهم، قاله السدي. {إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: قربة لهم، قاله ابن عباس في رواية الضحاك. الثاني: رحمة لهم، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً. الثالث: وقار لهم، قاله قتادة. الرابع: تثبت لهم، قاله ابن قتيبة. الخامس: أمن لهم، ومنه قول الشاعر: شعر : يَا جَارَةَ الحَيِّ كُنتِ لي سَكَناً إذْ ليْسَ بعضُ الجِيرَانِ بِالسَّكَنِ تفسير : وفي الصلاة عليهم والدعاء لهم عند أخذ الصدقة منهم ستة أوجه: أحدها: يجب على الآخذ الدعاء للمعطي اعتباراً بظاهر الأمر. الثاني: لا يجب ولكن يستحب لأن جزاءها على الله تعالى لا على الآخذ. والثالث: إن كانت تطوعاً وجب على الآخذ الدعاء، وإن كانت فرضاً استحب ولم يجب. والرابع: إن كان آخذها الوالي استحب له الدعاء ولم يجب عليه، وإن كان آخذها الفقير وجب عليه الدعاء له، لأن الحق في دفعها إلى الوالي معيّن، وإلى الفقير غير معيّن. والخامس: إن كان آخذها الوالي وجب، وإن كان الفقير استحب ولم يجب. لأنه دفعها إلى الوالي إظهار طاعة فقوبل عليها بالشكر وليس كذلك الفقير. والسادس: إن سأل الدافع الدعاء وجب، وإن لم يسأل استحب ولم يجب. روى عبد الله بن أبي أوفى قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصدقات قومي فقلت يا رسول الله صلِّ عليّ، فقال: "حديث : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى ".

ابن عبد السلام

تفسير : {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ} "حديث : لما تاب الله ـ تعالى ـ على أبي لبابة وأصحابه قالوا: يا رسول الله خذ منا صدقة تطهرنا وتزكينا، فقال: "لا أفعل حتى أُؤمر" "تفسير : فنزلت، صدقة بذلوها تطوعاً، أو الزكاة الواجبة {تُطَهِّرُهُمْ} من ذنوبهم، وتزكي أعمالهم {وَصَلِّ} استغفر، أو ادعُ قاله "ع". {سَكَنٌ} قربة "ع"، أو وقار، أو أمن، أو تثبيت، والدعاء واجب على الآخذ أو مستحب، أو يجب في التطوع ومستحب في الفرض، أو يستحب للوالي ويجب على الفقير، أو بالعكس، أو إن سأل الدافع الدعاء وجب وإن لم يسأل استحب، قال عبد الله بن أبي أوفى لما أتيت الرسول صلى الله عليه وسلم بصدقات قومي قلت يا رسول الله صَلِّ عليَّ فقال: "حديث : اللهم صلِ على آل أبي أوفى ".

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}. قال ابن عباس: حديث : لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه انطلق أبو لبابة وصاحبه فأتوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خذ أموالنا وتصدق بها عنا وصل علينا يريدون استغفر لنا وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا آخذ شيئاً منها حتى أومر به"تفسير : ، فأنزل الله عز وجل: خذ من أموالهم صدقة الآية، وهذا قول زيد بن أسلم وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. ثم اختلف العلماء في المراد بهذه الصدقة فقال بعضهم: هو راجع إلى هؤلاء الذين تابوا وذلك أنهم بذلوا أموالهم صدقة فأوجب الله سبحانه وتعالى أخذها وصار ذلك معتبراً في كمال توبتهم لتكون جارية مجرى الكفارة. وأصحاب هذا القول يقولون ليس المراد بها الصدقة الواجبة. وقال بعضهم: إن الزكاة كانت واجبة عليهم فلما تابوا من تخلفهم عن الغزوة وحسن إسلامهم وبذلوا الزكاة أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذها منهم وقال بعضهم إن الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذها من الأغنياء ودفعها إلى الفقراء وهذا قول أكثر الفقهاء واستدلوا بها على إيجاب أخذ الزكاة. أما حجة أصحاب القول الأول، فإنهم قالوا: إن الآيات لا بد وأن تكون منتظمة متناسبة فلو حملناها على أخذ الزكاة الواجبة، لم يبق لهذه الآية تعلق بما قبلها ولا بما بعدها. ولأن جمهور المفسرين ذكروا في سبب نزولها أنها نزلت في شأن التائبين وأما أصحاب القول الأخير فإنهم قالوا: المناسبة حاصلة أيضاً على هذا التقدير وذلك أنهم لما تابوا وأخلصوا وأقروا أن السبب الموجب للتخلف وحب المال أمروا بإخراج الزكاة التي هي طهرة فلما أخرجوها علمت صحة قولهم وصحة توبتهم. ولا يمنع من خصوص السبب عموم الحكم فإن قالوا: إن الزكاة قدر معلوم لا يبلغ ثلث المال وقد أخذ منهم ثلث أموالهم قلنا: لا يمنع هذا صحة ما قلناه لأنهم رضوا ببذل الثلث من أموالهم فلأن يكونوا راضين بإخراج الزكاة أولى. ثم في هذه الآية أحكام: الأول قوله سبحانه وتعالى: خذ من أموالهم صدقة، الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أي خذ يا محمد من أموالهم صدقة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذها منهم أيام حياته ثم أخذها من بعده الأئمة فيجوز للإمام أو نائبه أن يأخذ الزكاة من الأغنياء ويدفعها إلى الفقراء. الحكم الثاني: قوله من أموالهم، ولفظة "من" تقتضي التبعيض وهذا البعض المأخوذ غير معلوم ولا مقدر بنص القرآن فلم يبق إلا الصدقة التي بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدرها وصفتها في أخذ الزكاة. الحكم الثالث: ظاهر قوله خذ من أموالهم صدقة يفيد العموم فتجب الزكاة في جميع المال حتى في الديون وفي مال الركاز. الحكم الرابع: ظاهر قوله تطهرهم، أن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من الآثام وصدور الآثام لا يمكن حصولها إلا من البالغ دون الصبي فوجب أن تجب الزكاة في مال البالغ دون الصبي وهذا قول أبي حنيفة ثم أجاب أصحاب الشافعي: بأنه لا يلزم من انتفاء سبب معين انتفاء الحكم مطلقاً وللعلماء في قوله سبحانه وتعالى تطهرهم أقوال: الأول: أن معناه خذ يا محمد من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بأخذها من دنس الآثام. القول الثاني: أن يكون تطهرم متعلقاً بالصدقة تقديره خذ من أموالهم صدقة فإنها طهرة لهم وإنما حسن جعل الصدقة مطهرة لما جاء أن الصدقة من أوساخ الناس فإذا أخذ الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخ وكان ذلك الاندفاع جارياً مجرى التطيهر: فعلى هذا القول يكون قوله سبحانه وتعالى وتزكيهم بها متقطعاً عن قوله تطهرهم ويكون التقدير: خذ يا محمد من أموالهم صدقة تطهرهم تلك الصدقة وتزكيهم أنت بها. القول الثالث: أن تجعل التاء في قوله تطهرهم وتزكيهم ضمير المخاطب ويكون المعنى تطهرهم أنت يا محمد بأخذها منهم وتزكيهم أنت بواسطة تلك الصدقة. القول الرابع: أن معناه تطهرهم من ذنوبهم وتزكيهم يعني ترفع منازلهم عن منازل المنافقين إلى منازل الأبرار المخلصين وقيل معنى وتزكيهم أي تنمي أموالهم ببركة أخذها منهم. الحكم الخامس: قوله سبحانه وتعالى: {وصل عليهم} يعني ادع لهم واستغفر لهم لأن أصل الصلاة في اللغة الدعاء. قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق فيقول: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. وقال بعضهم: يجب على الإمام أن يدعو للمتصدق. وقال بعضهم: يستحب ذلك. وقيل: يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع. وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. وقال بعضهم: يستحب أن يقول اللهم صلِّ على فلان. ويدل عليه ما روي حديث : عن عبد الله بن أبي أوفى وكان من أصحاب الشجرة قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال:"اللهم صلِّ عليهم" فأتاه أبي بصدقته فقال "اللهم صلِّ على آل أبي أوفى""تفسير : أخرجاه في الصحيحين. وقوله سبحانه وتعالى: {إن صلاتك} وقرئ: صلواتك على الجمع {سكن لهم} يعني إن دعاءك رحمة لهم. وقال ابن عباس: طمأنينة لهم. وقيل: إن الله قد قبل منهم. وقال أبو عبيدة: تثبيت لقلوبهم. وقيل: إن السكن ما سكنت إليه النفس والمعنى إن صلواتك توجب سكون نفوسهم إليها والمعنى أن الله قد قبل توبتهم أو قبل زكاتهم {والله سميع} يعني لأقوالهم أو لدعائك لهم {عليم} يعني بنياتهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً....} الآية: رُوي أن الجماعة التائبة لَمَّا تِيبَ عليهَا، قالوا: يا رسُولَ اللَّه؛ إِنَّا نُرِيدُ أن نتصدَّق بأموالنا زيادةً في تَوْبَتِنا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لاَ أَعْرِضُ لأَمْوَالِكُمْ إِلاَّ بَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ»، فَتَرَكَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فَهُمُ المرادُ بها، فَرُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالِهِمْ، مراعاةً لقوله تعالى: {مِنْ أَمْوٰلِهِمْ}، فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء: المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}: أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}: معناه: ٱدْعُ لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} قال ابنُ زَيْدٍ: يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} قال الزَّجَّاج: معناه: ويقبل الصدقات، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية؛ منها حديثُ أبي هريرة: « حديث : إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ »تفسير : ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد. وقوله: {عَنْ عِبَادِهِ}: هي بمعنى «مِنْ».

ابن عادل

تفسير : قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} قال الحسنُ: هذا راجع إلى الذين تابُوا؛ لأنهم بذلُوا أموالهم للصَّدقة؛ فأوجب الله تعالى أخذها، وصار ذلك معتبراً في كمال توبتهم، فتكون جارية مجرى الكفارة. وليس المراد منها الصدقة الواجبة، وإنَّما هي كفارة الذنبِ. وهذا بناء على القول بأنَّهُم ليسوا منافقين، ويدلُّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما أمرتُ أن آخُذَ مِنْ أموالكُمْ شَيْئاً" تفسير : فلو كانت واجبة لم يقل ذلك. وأيضاً روي أنه عليه الصلاة والسلام: أخذ الثلث وترك الثلثين. والواجبةُ ليست كذلك. وقيل: إنَّ الزكاة كانت واجبة عليهم، فلمَّا تابُوا عن تخلفهم عن الغزوِ، وحسن إسلامهم، وبذلوا الزكوات أمر الله رسوله أن يأخذها منهم. وهذا بناء على أنَّهم كانوا منافقين. وقيل: هذا كلام مبتدأ، والمقصود منه إيجاب أخذ الزَّكاة من الأغنياء، وعليه أكثر الفقهاء، واستدلُّوا بقوله {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}. فدلَّ على أنَّ المأخوذَ بعض تلك الأموال لا كلها؛ لأنَّ "مِنْ" للتبعيض، ثم إن مقدار ذلك البعض غير مصرّح به، بل المصرح به قوله: "صدقَة"، وليس المراد منه التنكير حتى يكفي أخذ أيّ جزء كان، وإن كان في غاية القلَّة مثل الحبَّة الواحدة من الحنطة، أو الجزء الحقير من الذَّهبِ، فوجب أن يكون المراد منه صدقة معلومة الصفة والكيفيَّة والكمية عندهم، حتى يكون قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة:103] أمراً بأخذ تلك الصَّدقة المعلومة، لكي يزول الإجمالُ. وليست إلاَّ الصدقة التي وصفها رسُول الله صلى الله عليه وسلم في أن يأخذ في خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، إلى غير ذلك، وأجاب الأوَّلُون بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنها بأخذ الثلث فزال الإجمال، وظهر تعلق الآية بما قبلها، وعلى قولكم لا يظهر تعلق الآية بما قبلها. قوله: {.. مِنْ أَمْوَالِهِمْ..} يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بـ "خُذْ"، و "مِنْ" تبعيضية. والثاني: أن تتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنَّها حالٌ من "صدقةً"، إذ هي في الأصل صفةٌ لها، فلمَّا قُدِّمت نُصبَتْ حالاً. والصَّدقة: مأخوذة من الصِّدْقِ، وهي دليل على صحَّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره، وأنَّهُ ليس من المنافقين الذين يَلْمِزُون المُطَّوعين من المُؤمنينَ في الصَّدقاتِ. قوله: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} يجوزُ أن تكون التَّاء في "تُطَهِّرُهمْ" خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن تكون للتنبيه، والفاعل ضمير الصدقة، فعلى الأوَّل تكون الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل "خُذْ". ويجوز أن تكون صفةً لـ "صَدقَةً"، ولا بدَّ حينئذ من حذف عائد، تقديره: تُطهِّرُهُم بها، وحذف "بها"، لدلالة ما بعده عليه. وعلى الثاني تكون الجملة صفة لـ "صدقة" ليس إلاَّ، وأمَّا "تُزَكِّيهم" فالتاء فيه للخطاب لا غير، لقوله "بها"، فإنَّ الضمير يعود على الصَّدقة فاستحال أن يعود الضميرُ من "تُزكِّيهم" إلى الصَّدقة. وعلى هذا فتكونُ الجملةُ حالاً من فاعل "خُذ" على قولنا: إنَّ "تَطهِّرهُم" حال منه، وإنَّ التَّاء فيه للخطاب. ويجوزُ أيضاً أن تكون صفةً إن قلنا: إنَّ "تُطهِّرهم" صفةٌ، والعائدُ منها محذوفٌ. وجوَّز مكيٌّ أن يكون "تُطهِّرُهُم" صفةً لـ "صَدقةً"، على أنَّ التَّاء للغيبة، و "تُزكِّيهم" حالاً من فاعل "خُذْ"، على أنَّ التاء للخطاب، ورَدُّوهُ عليه بأنَّ الواو عاطفةٌ، أي: صدقة مطهِّرة، ومُزكياً بها، ولو كان بغير واوٍ جاز، ووجهُ الفسادِ ظاهرٌ، فإنَّ الواو مُشتركةٌ لفظاً ومعنى، فلو كانت "وتُزكِّيهم" عطفاً على "تُطهِّرُهم" للزمَ أن يكون صفةً كالمعطوفِ عليه؛ إذْ لا يجُوزُ اختلافهما، ولكن يجوزُ ذلك على أن "تُزكِّيهم" خبر مبتدأ محذوف، وتكون الواوُ للحالِ، تقديره: وأنت تزكِّيهم، وفيه ضعفٌ، لقلَّةِ نظيره في كلامهم. وتلخَّص من ذلك أنَّ الجملتين يجُوزُ أن تكونا حالين من فاعل "خُذْ" على أن تكون التاءُ للخطابِ، وأن تكونا صفتين لـ "صَدقَة" على أنَّ التاء للغيبة، والعائد محذوفٌ من الأولى، وأن يكُون "تُطهِّرهُم" حالاً، أو صفة، و "تُزكِّيهم" حالاً على ما جوَّزه مكيٌّ، وأن يكون "تزكِّيهم" خبر مبتدأ محذوف، والواوُ للحال. وقرأ الحسنُ "تُطْهرُهم" مُخَفَّفاً من "أطهر" عدَّاهُ بالهمزة. فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ الزَّكاة تتعلَّق بالأموال لا بالذَّمة، لقوله {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فلو مات أخذَت من التَّركة. وقال الشَّافعيُّ: إنَّها تتعلَّق بالذِّمة، فلو فرط حتى هلك النصاب، وجبت الزَّكاةُ؛ لأنَّ الذي هلك ما كان محلاً للحق. ودلَّت الآية أيضاً على أنَّ الزَّكاة إنَّما وجبت طهرة للآثام؛ فلا تجبُ إلا على البالغِ. وهو قول أبي حنيفة. وإذا قلنا: تتعلَّق بالمالِ وجبت في مال الصَّبي، وفي مال المديُونِ. فصل معنى التَّطَهُّر ما روي أن الصدقة أوساخ النَّاسِ، فإذا أخذت الصدقة فقد اندفعت تلك الأوساخُ؛ فكان دفعها جارياً مجرى التَّطهر. والتَّزكية: مبالغة في التطهر، وقيل: التَّزكية بمعنى الإنماءِ، وقيل: الصَّدقة تطهرهم من نجاسةِ الذَّنب والمعصية، والرسول يزكيهم، ويعظم شأنهم ويثني عليهم عند إخراجها إلى الفقراء. ولذلك يقولُ السَّاعي له: آجرك اللهُ فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً. قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}. قرأ الأخوان، وحفص "إنَّ صلاتكَ"، وفي هود {أية : أَصَلَٰوَتُكَ تَأْمُرُكَ}تفسير : [هود:87] بالتَّوحيد - والباقون "إنَّ صلواتك"، "أصَلواتُك" بالجمع فيهما، وهما واضحتان، إلاَّ أنَّ الصلاة هنا: الدُّعاء، وفي تيكَ: العبادة. قال أبو عبيدٍ: وقراءة الإفراد أوْلَى؛ لأنَّ الصَّلاة أكثر، قال تعالى: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [البقرة:43] والصلواتُ جمع قلَّة، تقول: ثلاث صلوات، وخمس صلوات. قال أبو حاتم: وهذا غلطٌ، لأنَّ بناء الصلوات ليس للقلة، قال تعالى: {أية : مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ ٱللَّهِ}تفسير : [لقمان:27] ولم يرد التَّقليل، وقال: {أية : وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ}تفسير : [سبأ:37]، وقال {أية : إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَاتِ}تفسير : [الأحزاب:35]. والسَّكَنُ: الطمأنينة. وقال ابنُ عبَّاسٍ: رحمة لهم. وقال أبو عبيدة: تَثْبِيتاً لقلوبهم؛ ومن الطمأنينة قوله: [البسيط] شعر : 2844- يا جَارَة الحَيِّ ألاَّ كُنْتِ لِي سَكَناً إِذْ لَيْسَ بعضٌ مِنَ الجيرانِ أسْكننِي تفسير : فـ "فَعَل" بمعنى "مفعول"، كالقبض بمعنى: المقبوض، والمعنى: يَسْكُنون إليها. قال أبُو البقاءِ: "ولذلِكَ لمْ يُؤنِّثْهُ". لكن الظَّاهر أنَّهُ هنا بمعنى "فاعل"، لقوله: "لهم". ولو كان كما قال لكان التَّركيب "سكنٌ إليها" أي: مَسْكُون إليها، فقد ظهر أنَّ المعنى: مُسَكِّنة لهم. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ: معنى الصَّلاةِ عليهم: أن يدعو لهم. وقال آخرون: معناه أن يقول لهم اللَّهُمَّ صلِّ على فلان، ونقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّ آل أبي أوفى لمَّا أتوه بالصَّدقة قال: "حديث : اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبِي أوْفَى ". تفسير : واختلفوا في وجوب الدُّعاء من الإمام عند أخذ الصدقة، قال بعضهم: يجبُ. وقال بعضهم: يستحبُّ. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرضِ، ويستحب في التَّطوع. وقيل: يجب على الإمام، ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي. ثم قال: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الآية. لمَّا قال في الآية الأولى {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}تفسير : [التوبة:102] ولمْ يُصرِّح في قبول توبتهم، صرَّح في هذه الآيةِ بأنه يقبلُ التَّوبةَ عن عباده، وأنَّهُ يأخذُ الصَّدقات، أي: يقبلها. قال أبُو مسلمٍ قوله: "أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ" وإن كان بصيغة الاستفهام، إلاَّ أنَّ المقصود منه التقدير في النَّفس، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب، وإزالة الشَّك عنه أن يقولوا: أما علمتَ أنَّ من علَّمكَ يجبُ عليك خدمته، أما علمت أنَّ من أحسن إليك يجبُ عليك شكره، فبشَّر اللهُ هؤلاء التَّائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم. ثم زاده تأكيداً بقوله: {هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. وقرأ الحسن بخلاف عنه "ألَمْ تعْلمُوا" قال أبُو حيَّان: "وفي مصحف أبَيّ "ألَمْ تَعْلمُوا" بالخطاب، وفيه احتمالات، أحدها: أن يكون خطاباً للمتخلِّفين الذين قالوا: ما هذه الخاصّيّة التي اختصَّ بها هؤلاء؟ وأن يكون التفاتاً من غير إضمارِ قولٍ، والمرادُ: التَّائبون، وأن يكون على إضمار قولٍ، أي: قل لهم يا محمد: ألمْ تعلمُوا". قوله: "هُوَ يَقْبَلُ" "هو" مبتدأ، و "يَقْبَلُ" خبره، والجملةُ خبر "أنَّ"، و "أنَّ" وما في حيِّزها سادةٌ مسدَّ المفعولين، أو مسدَّ الأول. ولا يجوزُ أن يكون "هو" فصلاً، لأنَّ ما بعده لا يوهم الوصفيَّة، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، قوله: "عَنْ عبادِهِ" معلقٌ بـ "يَقْبَلُ" وإنَّما تعدَّى بـ "عَنْ" فقيل: لأنَّ معنى "مِنْ" ومعنى "عَنْ" متقاربان. قال ابنُ عطيَّة: "وكثيراً ما يتوصَّل في موضع واحد بهذه وبهذه، نحو: "لا صدقَةَ إلاَّ عَنْ غنى، ومِنْ غنى"، وفعل ذلك فلانٌ من أشره وبطره، وعن أشره وبطره". وقيل: لفظة "عَنْ" تُشْعر ببعدٍ ما، تقول: جلسَ عن يمين الأمير، أي: مع نَوْعٍ من البُعْدِ. والظَّاهِرُ أنَّ "عَنْ" للمجاوزة على بابها، والمعنى: يتجاوزُ عن عباده بقبول توبتهم، فإذا قلت: أخذت العلم عن زيد؛ فمعناه المجاوزةُ، وإذا قلت "منه" فمعناه ابتداء الغاية. قال القاضي: "لعلَّ "عَنْ" أبلغ؛ لأنَّهُ ينبىء عن القبُولِ مع تسهيل سبيله إلى التَّوبة التي قبلت" قوله: "وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ" فيه سؤالٌ: وهو أنَّ ظاهر هذه الآية يدلُّ على أنَّ الآخذ هو الله تعالى، وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} يدلُّ على أنَّ الآخذ هو الرَّسُولُ - عليه الصلاة والسلام -، وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ "حديث : خذها من أغنِيائهم" تفسير : يدلُّ على أنَّ آخذ تلك الصدقات معاذ، وإذا دفعت إلى الفقير فالحسُّ يشهد أن آخذها هو الفقير، فكيف الجمع بين هذه الألفاظ؟. والجوابُ من وجهين: الأول: أنَّهُ تعالى لمَّا قال {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} ثمَّ ذكر ههنا أنَّ الآخذ هو، علم منه أنَّ أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله، والمقصود منه: التنبيه على تعظيم شأنِ الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ونظيره قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح:10]. والثاني: أنَّهُ أضيف إلى الرسول، بمعنى أنَّهُ يأمر بأخذها، ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى النَّاس، وأضيف إلى الفقير، بمعنى أنَّهُ هو الذي يباشرُ الأخذ، ونظيره أنَّهُ أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم}تفسير : [الأنعام:60]، وأضافه إلى ملك الموتِ بقوله: {أية : قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ}تفسير : [السجدة:11] وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت بقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}تفسير : [الأنعام:61]، فأضيف إلى الله بالخلق، وإلى ملك الموت بالرئاسة في ذلك النَّوع من العمل، وإلى أتباع ملك الموت بالمباشرة التي عندها يخلق الله الموت، فكذا ههنا. قوله: "هُوَ ٱلتَّوَّابُ" يجوزُ أن يكون فصلاً، وأن يكون مبتدأ بخلاف ما قبله. فصل روى أبو هريرة قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ: "حديث : والَّذي نَفْسِي بيدهِ مَا مِنْ عبْدٍ يتصدَّقُ بصدقةٍ من كَسْب طيِّب ولا يَقْبلُ اللهُ إلاَّ طيباً، ولا يصْعَدُ إلى السَّماء إلاَّ الطَّيِّبُ إلاَّ كأنما يضعُها في يدِ الرَّحمنِ فيُربيها لهُ كما يُرَبِّي أحدُكمْ فلُوَّهُ حتَّى إنَّ اللُّقْمةَ لتأتِي يَوْمَ القيامةِ، وأنَّها لمِثْلُ الجبل العظيم"تفسير : ، ثم قرأ: {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}. قوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} الآية. قال ابنُ الخطيبِ: "هذا كلامٌ جامع للتَّرغيب والتَّرهيب؛ لأنَّ المعبودَ إذا كان لا يعلمُ أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله أبداً، ولهذا قال إبراهيمُ لأبيه: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ}تفسير : [مريم:42]، وليس المقصودُ من هذه الحُجَّة التي ذكرها إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - القدح في إلهيّة الصَّنم؛ لأنَّ كلَّ أحد يعلم بالضَّرورة أنَّهُ حجر وخشب، وأنَّه عرضة لتصرف المتصرفين، فمن شاء أحرقه، ومن شاء كسره، ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقلُ كونه إلهاً؟ بل المقصودُ أنَّ أكثر عبدة الأصنام كانُوا في زمن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أتباع الفلاسفةِ القائلين بأنَّ إله العالم موجب بالذَّات، وليس بموجد بالمشيئة والاختيار، فقال: الموجب بالذَّات إذا لم يكن عالماً بالجزئيات، ولم يكن قادراً على نفع ولا إضرار ولا يسمع دعاء المحتاجين، ولا يرى تضرُّع المساكين، فأيُّ فائدة في عبادته؟ فكان المقصودُ من دليل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - الطَّعن في قول من يقول: إنَّ إله العالم موجب بالذَّات. أمَّا إذا كان فاعلاً مختاراً، وكان عالماً بالجزئيات، فحينئذٍ يحصلُ للعبادِ الفوائدُ العظيمةُ وذلك لأنَّ العبد إذا أطاع المعبود علم طاعته وقدر على إيصال الثواب إليه في الدُّنيا والآخرة وإن عصاه علم المعبود ذلك، وقدر على إيصال العقاب إليه في الدُّنيا والآخرة، فقوله: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} ترغيبٌ عظيم للمُطيعين، وترهيبٌ عظيم للمذنبين فكأنَّه قال: اجتهدُوا في المستقبل، فإنَّ لعملكُم في الدنيا حكماً وفي الآخرة حكماً. أمَّا حكمه في الدُّنيا، فهو أنَّهُ يراه اللهُ ويراهُ الرسول ويراه المؤمنون، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم في الدنيا، والثواب في الآخرة، وإن كان معصية حصل منه الذَّم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة، فثبت أنَّ هذه اللفظة جامعة لجميع ما يحتاجُ إليه المرء في دينه ودنياه ومعاده". فصل دلَّت هذه الآيةُ على كونه تعالى رائياً للمرئيات؛ لأنَّ الرُّؤيةَ المعدَّاة إلى مفعول واحد، هي الإبصار، والمعدَّاة إلى مفعولين هي العلمُ، كقولك: رأيتُ زيداً فقيهاً، وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد، فتكون بمعنى الإبصار، فدلَّت على كونه مبصراً للأشياء كما أنَّ قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ}تفسير : [مريم:42] يدلُّ على كونه مبصراً للأشياء، ويقوِّي هذا أنَّهُ تعالى وصف نفسه بالعلم بعده فقال: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} فلو كانت هذه الرؤيةُ هي العلم؛ لزم التِّكرارُ الخالي عن الفائدة. فصل دلَّت هذه الآية على أنَّ كلَّ موجود فإنَّهُ يصحُّ رؤيته، لما بيَّنَّا من أنَّ الرُّؤية معدَّاة إلى مفعولٍ واحدٍ، والقوانين اللُّغوية شاهدةٌ بأنَّ الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها: الإبصار ثم إنَّه تعالى عدَّى هذه الرُّؤية إلى عملهم، والعمل ينقسمُ إلى أعمال القلوب، كالإرادات والكراهاتِ والخواطر، وإلى أعمال الجوارح، كالحركات والسَّكنات؛ فوجب كونه تعالى رائياً للكل وأما الجبائي فإنه استدل بهذه الآية على كونه تعالى رائياً للحركات والسَّكنات فلمَّا قيل له: فيلزمك كونه تعالى رائياً لأعمال القُلوبِ، فأجابَ بأنَّه تعالى عطف عليه قوله {وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} وهم إنَّما يَرَوْنَ أفعال الجوارحِ؛ فلما تقيَّدت هذه الرؤية بأعمالِ الجوارح في حقِّ المعطوف؛ وجب تقييدها بهذا القيد في حقِّ المعطوفِ عليه، وهذا استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ العطف لا يفيدُ إلاَّ أصل التَّشريك. فأمَّا التسوية في كُلِّ الأمُورِ فغير واجب فدخولُ التَّخصيص في المعطوف لا يوجبُ دخول التَّخصيص في المعطوف عليه، ويمكنُ بأن يقول الجبائيُّ: رؤيةُ الله تعالى حاصلة في الحالِ، ولفظ الآية مختصّ بالاستقبال، لقوله: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} فدلَّ على أنَّ المرادَ ليس هو الرُّؤيةُ، بل المرادُ منه الجزاء على الأعمال، أي: فسيوصل لكم جزاء أعمالكم، وقد يجابُ: بأنَّ إيصال الجزاءِ إليهم مذكور بقوله: {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فلوْ حملنا هذه الرُّؤيةِ على إيصال الجزاءِ، لزم التَّكرارِ وهو غير جائز. فصل ذكروا في الفائدة في ذكر الرسولِ، والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم يرون أعمال هؤلاء التائبين وجهين: الأول: أنَّ أجدر ما يدعو المرءُ إلى العمل الصَّالح هو ما يحصلُ له من المدحِ والتَّعظيم، فإذا علم أنَّهُ إذا فعل ذلك الفعل عظَّمه الرسولُ والمؤمنون، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه، فكأنه قيل: إن كنت من المُحِقِّين في عبودية الحق، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وإن كنت من الضُّعفاءِ المشغولين بثناء الخلقِ، فاعمل الأعمال الصالحة للفوز بثناء الخلقِ، وهو الرسول والمؤمنون. الثاني: ما ذكره أبو مسلم: أنَّ المؤمنين شهداء الله يوم القيامة، لقوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:143]، والرسول شهيد الأمَّة، لقوله: {أية : وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً}تفسير : [النساء:41]؛ فثبت أنَّ الرسول والمؤمنين شهداء الله يوم القيامةِ، والشهادة لا تصحُّ إلاَّ بعد الرُّؤيةِ؛ فذكر الله أنَّ الرسول والمؤمنين يرون أعمالهم، والمقصودُ التنبيه على أنَّهم يشهدون يوم القيامة عند حضورِ الأولين والآخرين، بأنَّهم أهل الصِّدق والسّداد والعفافِ والرشاد. قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}. قال ابنُ عباسٍ: الغيبُ: ما يسرونه والشهادة: ما يظهرونه. قال حكماءُ الإسلامِ: الموجوداتُ الغائبةُ عن الحسّ علل أو كالعلل للموجودات المحسوسة، وعندهم أنَّ العلم بالعلَّةِ علة للعلم بالمعلول؛ فوجب كونُ العلم بالغيب سابقاً على العلم بالشَّهادة؛ فلهذا السَّبب أينما جاء الكلامُ في القرآن كان الغيب مقدماً على الشهادة. فصل إن حملنا قوله تعالى: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} على الرُّؤية، ظهر أنَّ معناه مُغايراً لمعنى قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ}، وإنْ حملنا تلك الرُّؤية على العلم أو على إيصال الثواب، كان قوله {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} جارياً مجرى التفسير لقوله {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} ومعناه: بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدُّنيا أو بإظهار أضدادها. وقوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أي: ما يظهر في القيامة من حالِ الثَّوابِ والعقابِ. {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: يعرّفكم أحوال أعمالكم ثمَّ يجازيكم عليها؛ لأنَّ المجازاة من الله تعالى لا تحصلُ في الآخرة إلاَّ بعد التَّعريفِ، ليعرف كلُّ أحدٍ أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم. قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} الآية. قرأ ابنُ كثير، وأبو عمرو، وابنُ عامرٍ، وأبُو بكرٍ عن عاصم "مُرْجؤونَ" بهمزة مضمومة بعدها "واو" ساكنة. والباقون "مُرجَوْنَ" دون همز، وهذا كقراءتهم في الأحزاب "ترجىء" [الأحزاب:51] بالهمز، والباقون بدونه. وهما لغتان، يقال: أرْجَأتُه، وأرْجَيْتُه، كـ: أعْطَيْته. ويحتملُ أن يكونا أصلين بنفسهما وأن تكون الياءُ بدلاً من الهمزة؛ ولأنه قد عهد تحقيقها كثيراً، كـ: قرأت، وقرَيْت، وتوضَّأت وتوضَّيت. والإرجاء: التأخير. وسميت المرجئةُ بهذا الاسم؛ لأنَّهم لا يجزمون القولَ بمغفرة التَّائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئةِ الله. وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان. قوله: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} يجوزُ أن تكون هذه الجملةُ في محل رفع خبراً للمبتدأ، و "مُرْجَونَ" يكونُ على هذا نعتاً للمبتدأ، ويجوزُ أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: هم مؤخَّرُون إمَّا مُعذَّبين، وإمَّا متوباً عليهم، و "إمَّا" هنا للشَّك بالنسبة للمخاطب، فناسٌ يقولون: هلكوا إذ لم يقبل الله لهم عُذْراً، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم. وإمَّا للإبهامِ بالنِّسبة إلى أنَّه أبهمَ على المُخاطبين. فصل اعلم أنَّه تعالى قسَّم المتخلفين ثلاثة أقسام: أحدها: المنافقون الذين مردُوا على النفاق. والثاني: التَّائبون وهم المُرادُون بقوله: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ}تفسير : [التوبة:102] وبيَّن تعالى أنَّه قبل توبتهم. والثالث: الذين بقوا موقوفين، وهم المذكورون في هذه الآية، والفرق بين هؤلاء وبين القسم الثاني، أنَّ هؤلاء لم يُسارعُوا إلى التَّوبة وأولئك سارعُوا إليها. قال ابنُ عبَّاسٍ: نزلت هذه الآية في الذين تخلَّفوا: كعبُ بنُ مالكٍ، ومرارةُ بن الربيع، وهلالُ بنُ أميَّة، لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة، فوقفهم رسُول الله خمسين ليلة، ونهى النَّاسَ عن مخالطتهم، حتَّى شفّهم القلقُ، وضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت وكانُوا من أهل بدر؛ فجعل أناس يقولون: هلكُوا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم، فصاروا مرجئين لأمْرِ الله، إمَّا يعذبهم وإمَّا يرحمهم، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} "عَليمٌ" بما في قلوبِ هؤلاء المرجئين "حَكِيمٌ" بما يحكم فيها. فإن قيل: إنَّهم ندموا على تأخرهم عن الغزوِ، وتخلفهم عن الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ثمَّ إنَّهُ لم يحكم بكونهم تائبينَ، بل قال: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} وذلك يدلُّ على أنَّ النَّدمَ وحده لا يكفي في صحَّة التوبةِ. فالجوابُ: لعلَّهم حين ندمُوا خافُوا أن يفضحهم الرَّسُولُ - عليه الصَّلاة والسَّلام -، وعلى هذا، فلا تكونُ توبتهم صحيحة، فاستمرّ عدم قبُولِ التوبة إلى أن نزل مدحهم؛ فعند ذلك ندمُوا على المعصيةِ لنفس كونها معصية، فحينئذٍ صحَّت توبتهم. فصل احتجّ الجُبائيُّ بهذه الآيةِ على أنَّه تعالى لا يعفو عن غير التَّائبِ؛ لأنَّهُ قال في حقِّ هؤلاء المذنبين {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} وذلك يدلُّ على أنَّه لا حكم إلاَّ أحد هذين الأمرين، وهو إمَّا التعذيب وإما التوبة، وأمَّا العفو عن الذَّنب من غير توبة؛ فهو قسم ثالث. فلمَّا أهمل الله تعالى ذكره، دلَّ على بطلانه. وأجيب: بأنَّا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين، بل نقطعُ بحصول العفو في الجملة وأمَّا في حقِّ كل واحد؛ فذلك مشكوكٌ فيه، قال تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48] فقطع بغفران ما سوى الشرك، لكن لا في حقِّ كل أحدٍ، بل في حقِّ من يشاء؛ فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء، عدم العفو على الإطلاق، وأيضاً فعدم الذِّكر لا يدلُّ على العدم، ألا ترى قوله تعالى {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ}تفسير : [عبس:38، 39] وهم المؤمنون {أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}تفسير : [عبس:40-42] فذكر المؤمنين والكافرين، ثم إنَّ عدم ذكر القسم الثَّالث، لم يدل عند الجُبَّائيُّ على نفيه؛ فكذا ههنا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏{‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها‏} ‏ قال‏:‏ من ذنوبهم التي أصابوا‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وصل عليهم‏}‏ قال‏:‏ استغفر لهم من ذنوبهم التي أصابوها ‏ {‏إن صلواتك سكن لهم‏}‏ قال‏:‏ رحمة لهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏وصل عليهم‏}‏ يقول‏:‏ ادع لهم ‏ {‏إن صلواتك سكن لهم‏} ‏ قال‏:‏ استغفارك يسكن قلوبهم ويطمن لهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى قال‏:‏ حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال‏:‏ اللهمَّ صل على آل فلان‏.‏ فأتاه أبي بصدقته فقال‏:‏ اللهم صل على آل أبي أوفي‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏سكن لهم‏}‏ قال‏:‏ أمن لهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة حديث : عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له امرأتي‏:‏ يا رسول الله صل عليَّ وعلى زوجي‏.‏ فقال "‏صلى الله عليك وعلى زوجك"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت - وكان أكبر من زيد - قال‏:‏حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد، فسأل عنه فقالوا‏:‏ فلانة‏.‏ فعرفها فقال "أفلا آذنتموني بها‏؟ قالوا‏:‏ كنت قائلاً فكرهنا أن نؤذيك‏.‏ فقال‏: لا تفعلوا‏.‏ ما مات منكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة‏" ‏‏. تفسير : وأخرج الباوردي في معرفة الصحابة وابن مردويه عن دلسم السدوسي قال‏:‏ قلنا لبشير بن الخصاصية‏:‏ إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا‏؟‏ فقال‏:‏ إذا جاؤوكم فاجمعوها ثم مروهم فليصلوا عليكم، ثم تلا هذه الآية ‏ {‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً} روي أنهم لما أُطلقوا قالوا: يا رسولَ الله هذه أموالُنا التي خلَّفتْنا عنك فتصدقْ بها وطهِّرْنا فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أُمرتُ أن آخذَ من أموالكم شيئاً»تفسير : فنزلت فليست هي الصدقةُ المفروضةُ لكونها مأموراً بها ولِما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ منهم الثلثَ وتركَ لهم الثلثين فوقع ذلك بـياناً لِما في صدقةً من الإجمال، وإنما هي كفارةٌ لذنوبهم حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل: {تُطَهّرُهُمْ} أي عما تلطخوا به من أوضار التخلفِ، والتاءُ للخطاب والفعل مجزومٌ على أنه جواب للأمر وقرىء بالرفع على أنه حالٌ من ضمير المخاطبِ في خذ أو صفةٌ لصدقةً والتاء للخطاب أو للصدقة والعائدُ على الأول محذوفٌ ثقةً بما بعده وقرىء تُطْهِرهم من أطْهره بمعنى طَهّره {وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} بإثبات الياءِ وهو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ والجملةُ حال من الضمير في الأمر أو في جوابه، أي وأنت تزكيهم بها أي تُنْمي بتلك الصدقةِ حسناتِهم إلى مراتب المخلِصين أو أموالَهم أو تبالغ في تطهيرهم، هذا على قراءة الجزم في تطهرْهم وأما على قراءة الرفع فسواءٌ جُعلت التاءُ للخطاب أو للصدقة وكذا جعلت الجملةُ الأولى حالاً من ضمير المخاطَب أو صفةً للصدقة على الوجهين فالثانيةُ عطفٌ على الأولى حالاً وصفةً من غير حاجةٍ إلى تقدير المبتدأ لتوجيه دخولِ الوالو في الجملة الحالية {وَصَلّ عَلَيْهِمْ} أي واعطِف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم {إن صلاتك} وقرىء صلواتِك مراعاةً لتعدد المدعوِّ لهم {سَكَنٌ لَّهُمْ} تسكُن نفوسُهم إليها وتطمئن قلوبُهم بها ويثقون بأنه سبحانه قبل توبتَهم، والجملةُ تعليلٌ للأمر بالصلاة عليهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} يسمع ماصدر عنهم من الاعتراف بالذنب والتوبةِ والدعاء {عَلِيمٌ} بما في ضمائرهم من الندم والغمّ لما فرَط منهم ومن الإخلاص في التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءَك لهم عليم بما تقتضيه الحكمةُ، والجملةُ حينئذ تذيـيلٌ للتعليل مقررٌ لمضمونه، وعلى الأول تذيـيلٌ لما سبق من الآيتين محقِّقٌ لما فيهما.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [الآية: 103]. قال بعضهم: خذ منهم الصدقة فإن أخذك يطهرهم لإعطاء الزكاة، وتطهرهم عن دنس الأكوان، وصلواتك تسكنهم إلى الآخرة وتقطعهم عن الدنيا. قال رويم: تطهر سرائرهم وتزكى نفوسهم. وقيل فى قوله عز وجل: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ}: أى: ادعُ لهم فإن دعاءك لهم سكون إلى الآخرة وانقطاع عن الدنيا.

القشيري

تفسير : تطهرهم مِنْ طَلَبِ الأَعواض عليها، وتزكيهم عن ملاحظتهم إياها. تطهرهم بها عن شُحِّ نفوسهم، وتزكيهم بها بألا يتكاثروا بأموالهم؛ فَيَرَوْا عظيم مِنَّةِ الله عليهم بوجدان التجرُّد منها. {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ}: إنْ تُعاشِرْهم بِهِمَّتِكَ معهم أثْمنُ لهم من استقلالهم بأموالهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {خذ} يا محمد {من أموالهم} اى من اموال هؤلاء المتخلفين المعترفين بذنوبهم {صدقة} حال كونك {تطهرهم} اى عما تلطخوا من اوضار التخلف {وتزكيهم بها} اى تنمى بتلك الصدقة واخذها حسناتهم وترفعهم الى مراتب المخلصين -روى- انه لما حلهم النبى عليه السلام من وثاقهم وتاب الله عليهم راحوا الى منازلهم وجاؤوا باموالهم كلها وقالوا يا رسول الله هذه اموالنا خلقتنا عنك خذها فتصدق بها عنا فكره النبى عليه السلام ذلك فنزلت هذه الآية فاخذ رسول الله ثلث اموالهم لتكمل به توبتهم ويكون جاريا مجرى الكفارة لتخلفهم فهذه الصدقة ليست الصدقة المفروضة فانها لا تؤخذ هكذا. وقيل هذا كلام مبتدأ نزل لايجاب اخذ الزكاة من الاغنياء عليه وان لم يتقدم ذكر لهم كقوله تعالى {أية : إنا أنزلناه فى ليلة القدر} تفسير : [القدر: 1] لدلالة الحال على ذلك والمعنى. خذ من اموال اغنياء المسلمين صدقة اى زكاة وسميت بها لدلالتها على صدق العبد فى العبودية واليه ذهب اكثر الفقهاء. قال فى الاختيار من امتنع عن اداء الزكاة اخذها الامام كرها ووضعها موضعها لقوله تعالى {خذ من اموالهم صدقة} وفى الاشباه المعتمد فى المذهب عدم الاخذ كرها. قال فى المحيط ومن امتنع من اداء الزكاة فالساعى لا يأخذ منه كرها ولو اخذ لا يقع عن الزكاة لكونها بلا اختيار ولكن يجبره بالحبس ليؤدى بنفسه انتهى. قال فى المبسوط وما يأخذ ظلمة زماننا من الصدقات والعشور والجزية والخراج والجبايات والمصادرات فالاصح ان يسقط جميع ذلك عن ارباب الاموال اذا نووا عند الدفع التصدق عليهم وقيل علم من يأخذه بما يأخذ شرط فالأحوط ان يعاد {وصل عليهم} اى ادع لهم بالخير والبركة واستغفر لهم {ان صلوتك سكن لهم} تسكن اليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم فهو فعل بمعنى مفعول كالنقض بمعنى المنقوض {والله سميع} باعترافهم {عليم} بندامتهم. قال فى الكافى الصلاة على الميت مشروعة بقوله تعالى {أية : وصل عليهم ان صلوتك سكن لهم} تفسير : [التوبة: 103] وقوله عليه السلام "حديث : صلوا على كل بر وفاجر " .تفسير : -روى- ان آدم عليه السلام لما توفى اتى بحنوط وكفن من الجنة ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته فى وتر من الثياب وحنطوه وتقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه. وفى رواية قال ولده شيث لجبريل عليه السلام صلى عليه فقال له جبريل تقدم انت فصل على ابيك فصلى عليه وكبر ثلاثين تكبيرة ثم اقبروه ثم الحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث الذى هو وصيه معهم فلما فرغوا قالوا له هكذا فاصنع بولدك واخوتك فانها سنتكم ومنه يعلم ان الغسل والتكفين والصلاة والدفن واللحد من الشرائع القديمة. وقال بعضهم صلاة الجنازة من خصائص هذه الامة ولا منافاة لانه لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة ان تكون معروفة لقريش اذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك وفى كلام بعضهم كانوا فى الجاهلية يغسلون موتاهم وكانوا يكفنونهم ويصلون عليهم وهو ان يقوم ولى الميت بعد ان يوضع على سريره فيذكر محاسنه ويثنى ثم يقول عليك رحمة الله ثم يدفن - روى - ان النبى عليه السلام لما قدم المدينة وجد البراء بن معرور رضى الله عنه قد مات فذهب رسول الله واصحابه فصلى على قبره وكبر فى صلاته اربعا فصلاة الجنازة فرضت فى السنة الاولى من الهجرة على ما قالوا ومن انكر فرضية صلاة الجنازة كفر كما فى القنية. وههنا ابحاث. الاول ان غسل الميت شريعة ماضية والنية لا تشترط لصحة الصلاة عليه وتحصيل طهارته وانما هى شرط لاسقاط الفرض عن ذمة المكلفين اى بغسله فان غسل الميت فرض كفاية فاذا تركوا اتموا فبنية الغسل يسقط الفرض عن ذمة الغاسل وغيره فيقول نويت الغسل لله تعالى وانما يغسل الميت لانه يتنجس بالموت كسائر الحيوانات الدموية الا انه يطهر بالغسل كرامة له ولو وجد ميت فى الماء فلا بد من غسله لان الخطاب بالغسل توجه لبنى آدم ولم يوجد منهم فعل. وقيل ان الميت اذا فارقته الروح وارتاح من شدة النزع أنزل فوجب على الاحياء غسله كما فى اسئلة الحكم. يقول الفقير فيه نظر لانه انما يجب الاغتسال بالمنى اذا كان بشهوة عند الحنفية ولم يوجد فى الميت اللهم الا ان يحمل على مذهب الشافعى فان المنى عنده كيفما كان يوجب الاغتسال حتى لو حمل حملا ثقيلا فخرج منه المنى يجب عنده وينبغى ان يكون المغسول مسلما تام البدن او اكثره وفى حكمه النصف مع الرأس فلا يغسل الكافر والنصف بلا رأس وان يكون الغاسل يحل له النظر الى المغسول فلو ماتت امرأة فى السفر يممها ذو رحم محرم منها وان لم يوجد لف اجنبى على يده خرقة ثم ييممها اجنبى بغير ثوب وكذا لو مات رجل بين النساء يممته ذات رحم محرم منه او اومته بغير ثوب ولو مات غير المشتهى او المشتهاة غسله الرجل والمرأة وعن ابى يوسف ان الرضيعة يغسلها ذو الرحم وكره غيره ولا يغسل زوجته وتغسل زوجها الا اذا ارتفعت الزوجية بوجه. ويستحب ان يكون الغاسل اقرب الى الميت فان لم يعلم فاهل الورع والامانة وان يوضع الميت عند الغسل بموضع خال من الناس مستور عنهم لا يدخله الا الغاسل ومن يعينه كما فى السيرة الحلبية ولو اختلط موتى المسلمين وموتى الكفار فمن كانت عليه علامة المسلمين صلى عليه ومن كانت عليه علامة الكفار ترك ومن لك يكن عليه علامة والمسلمون اكثر غسلوا وكفنوا وصلى عليهم وينوون بالصلاة والدعاء للمسلمين دون الكفار ويدفنون فى مقابر المسلمين وان كان الفريقان سواء او كانت الكفار اكثر لم يصل عليهم ويغسلون ويدفنون فى مقابر المشركين ومن استهل بعد الولادة غسل وسمى وصلى عليه والاغسل فى المختار وادرج فى خرقة ولا يصلى عليه ولو مات لمسلم قريب كافر غسله غسل النجاسة ولفه فى خرقة والقاه فى حفرة او دفعه الى اهل دينه. قال القهستانى لا يجب غسل كافر اصلا وانما يباح غسل كافر غير حربى له ولى مسلم كما فى الجلابى. والشهيد لا يغسل ويغسل الشهيد الجنب عنده خلافا لهما واذا انقطع الحيض والنفاس فاستشهدت فعلى هذا الخلاف واذا استشهدت قبل الانقطاع تغسل على الاصح ولو مات بغير قتل ولو فى المعركة غسل ولو قتل برجم او قصاص او تعزير او افتراس سبع او سقوط بناء او غرق او طلق او نحوها غسل بلا خلاف كما لو قتل لبغى او قطع طريق غسل فى رواية ولا يصلى عليه فى ظاهر الرواية وعند ابى حنيفة فى الصلاة على المصلوب روايتان ولو قتل نفسه خطأ يصلى عليه بلا خلاف ولو تعمد فالاصح لا يصلى عليه لانه لا توبة له والصلاة شفاعة. والثانى ان الصلاة على الميت فرض كفاية عند العامة ووقتها وقت حضوره ولذا قدمت على سنة المغرب كما فى الخزانة وفى الحديث "حديث : اسرعوا بالجنازة " .تفسير : واهل مكة فى غفلة عن هذا فانهم غالبا يجيئون بالميت بُعيد الظهر ووقت التبيح فى السحر وقد يكون مات قبل هذا الوقت بكثير فيضعونه عند باب الكعبة حتى يصلى العصر او الصبح ثم يصلى عليه كما فى المقاصد الحسنة. يقول الفقير واهل كل بلدة فى غفلة عن هذا فى هذا الزمان سامحهم الله تعالى. وتجوز صلاة الجنازة حين طلوع الشمس واستوائها وغروبها بلا كراهة ان حضرت فى هذه الاوقات وان حضرت قبلها اخرت ويقوم الامام حذاء الصدر لانه محل العلم ونور الايمان ويكبر ويثنى اى يقول الامام والمؤتم والمنفرد سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك وجل ثناؤك ولا اله غيرك قوله وجل ثناؤك لم يذكر فى الاحاديث المشهورة فلم يأت به مصلى الفرض ولا بأس للمتنفل باتيانه لان النفل مبنى على التوسيع فيجوز فيه ما لا يجوز فى الفرض. قال الحلبى الاولى تركه الا فى صلاة الجنازة ثم يكبر ويصلى على النبى عليه السلام بما يحضره كما فى الجلابى او بما يصلى به فى الفرض كما فى المستصفى فيقول اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد. والمعنى اللهم صل على محمد صلاة كاملة كما دل عليه الاطلاق. وقوله وعلى آل محمد من عطف الجملة اى وصل على آله مثل الصلاة على ابراهيم وآله فلا يشكل بوجوب كون المشبه به اقوى كما هو المشهور كما فى القهستانى ثم يكبر ويدعو للميت او لكل مسلم ولو حيا ويسن الدعاء المعروف اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا واتثانا اللهم من احييته منا فاحيه على الاسلام ومن توفيته منا فتوفه على الايمان وخص هذا الميت بالرحمة والغفران والروضة والرضوان اللهم ان كان محسنا فزد فى احسانه وان كان مسيئا فتجاوز عنه برحمتك يا ارحم الراحمين كما فى عيون الحقائق. وفى الصبى والمجنون لا يستغفر لهما لعدم ذنبهما بل يقول اللهم اجعله لنا فرطا واجعله لنا اجرا وذخرا واجعله لنا شافعا مشفعا اى مقبول الشفاعة ومن لم يحسن قال اللهم اغفر لى ولوالدى ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات برحمتك يا ارحم الراحمين - وروى- انه صلى الله عليه وسلم لما ادرج فى اكفانه ووضع على سريره ثم وضع على شفير قبره المنور وذلك يوم الثلاثاء دخل عليه ابو بكر رضى الله عنه مع نفر من المهاجرين والانصار بقدر ما يسع البيت وذلك بعد ما بويع له بالخلافة وصلى على النبى عليه السلام باربع تكبيرات وضمن صلاته هذا الدعاء وهو اللهم انا نشهد انه صلى الله عليه وسلم قد بلغ ما انزل الله عليه ونصح لامته وجاهد فى سبيل الله حتى اعز الله دينه وتمت كلمته فاجعلنا الهنا ممن تبع القول الذى انزل معه واجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا وتعرفنا به فانه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما لا نبتغى بالايمان بدلا ولا نشترى به ثمنا ابدا وانما خصوا هذا الدعاء بالذكر لانه الذى يليق به صلى الله عليه وسلم ومن ثمة استشاروا كيف يدعون له فاشير بمثل ذلك. ثم يكبر ويسلم تسليمتين عن يمين وشمال بنية من ثمة الا الميت غير رافع صوته مثل سائر الصلوات وبسن خفض الثانية ويرسل بعد الرابعة يديه لانه ليس بعدها ذكر والركن هو التكبيرات الاربع واما الثناء والصلاة والدعاء والسلام فسنن كما فى الجلابى ولا يرفع يديه الا فى التكبير الاول لانه شرع بين كل تكبيرتين ذكر مقتدر فاذا فرغ منه علم انه جاء اوان الآخر. قال فى الاشباه لو قرأ الفاتحة فى صلاته على الجنازة ان قصد الثناء والدعاء لم يكره وان قصد القراءة كره انتهى. واذا ادرك الامام فى الصلاة وقد سبق ببعض تكبيراتها ينتظر تكبيرة اخرى فيتابع الامام فيها ثم ياتى بما سبق به بعد سلام الامام متواليا وعند ابى يوسف والشافعى لا ينتظر بل يكبر ويشرع معه واما اذا ادرك بعد الرابعة لا يكبر عندهما لفوات الصلاة عليه ويكبر عند ابى يوسف فاذا سلم الامام قضى ثلاث تكبيرات ولو كان حاضرا وقت التحريمة ولم يكبر مع الامام للافتتاح فهو لا ينتظر تكبير الامام بل يشرع ويكبر ولو اجتمعت الجنائز يصلى عليهم دفعة واحدة كذا فى المحيط. والصلاة على الكبير افضل من الصلاة على الصغير كما فى المضمرات. والثالث ما الحكمة فى عدم فرض الركوع والسجود فى صلاة الجنازة قيل لان صلاة الجنازة دعاء وثناء واستشفاع للميت والركوع والسجود خاص بالتعبد لله تعالى من غير واسطة اختص به الملة المحمدية لان السجدة كانت تجوز لتعظيم المخلوق فى الملة السالفة ونحن نهينا عن الركوع والسجود لغير الله تعالى. وقيل لان الميت اعترض بين المصلى وبين الله تعالى فلو ام بالركوع والسجود لتوهم الاعداء والجهلة لانه للميت كما توهم الشيطان من سجود الملائكة انه لآدم عليه السلام فأبى حسدا وعصى جهلا وان كان ساجدا متعبدا قبل ذلك فافتتن بجهله وحسده باحتجاجه عن كون المسجود له فى الحقيقة هو الحق وقالب آدم بمنزلة المحراب: قال الجامى شعر : اى آنكه بقبله بتان روست ترا برمغز جرا حجاب شد بوست ترا دل دربى اين وآن نه نيكوست ترا يكدل دارى بسست يك دوست ترا تفسير : وقال غيره شعر : ازان محراب ابرو رو مكردان اكردر مسجدى وردر خرابات تفسير : والرابع انه يستحب جعل الصفوف فى الصلاة على الميت ثلاثة وفى الحديث "حديث : ما من مسلم يموت فيصلى عليه امة يبلغون ثلاثة صفوف الا غفر الله له" تفسير : قال الطبرانى فى معجمه الامة اربعون الى المائة وجاء التصريح بالعدد فى حديث مسلم وهو "حديث : ما من مسلم يصلى عليه اربعون الا شفعوا فيه" تفسير : اما سر تثليث الصفوف فلان ذلك من باب التوسع فى الرجاء كأنهم يقولون جئناك بثلاثة صفوف شافعين فلا تردنا خائبين وهذا ميل تكثير الخطى الى المساجد فانه يستحب تقصير الخطى فى المشى الى المسجد لانه يكتب له بكل خطوة حسنة ويحط عنه سيئة ويرفع له درجة فهو من باب التوسع فى الرجاء واذا استحب جعل الصفوف ثلاثة فالظاهر انهم فى الفضيلة سواء ولا مزية حينئذ للصف المقدم لانهم مأمورون بالتأخر. وقال الحلبى افضل صفوف الجنازة آخرها بخلاف سائر الصلوات فان الصف الاول اعلم بحال الامام فتكون متابعته اكثر وثوابه اوفر. وعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : اول زمرة تدخل المسجد هم اهل الصف الاول وان صلوا فى نواحى المسجد " .تفسير : كما فى خالصة الحقائق. واما سر الاربعين فلانه لم يجتمع قط اربعون الا وفيهم عبد صالح كما فى اسئلة الحكم وتحصل الشفاعة باقل الامرين من الثلاثة الصفوف والاربعين كما فى فتح القريب والمستحب هو الاول كما سبق. والخامس ان فى الدعاء والاستغفار نفعا لميت ويصل ثواب جميع القرب اليه بدنيا كان او ماليا كالصدقة والعتق والصلاة والصيام والحج والقراءة واجمع المسلمون على ان قضاء الدين يسقط عن ذمة الميت التبعة وينفعه ذلك حتى لو كان من اجنبى او من غير تركته واجمعوا على ان الحى اذا كان له على الميت حق من الحقوق فاحله منه ينفعه ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحى. قال ابن الملك اعلم ان جعل الانسان ثواب عمله لغيره صلاة كان او صدقة او غيرهما جائز عند اهل السنة خلافا للمعتزلة لهم ان الثواب هو الجنة ولا قدرة للانسان على تمليكها ولنا انه عليه السلام ضحى بكبشين املحين احدهما لنفسه والآخر عن امته المؤمنين فالاعتراض على الشارع باطل اذ العبادة انواع بدنية محضة كالصلاة فالنيابة لا تجوز فيها لان الغرض منها هو اتعاب النفس الامارة لا يحصل ونوع منها مالية محضة كالزكاة فالنيابة فيها تجوز لان الغرض منها وهو اغناء الفقير يحصل بالنيابة لكن لا تؤخذ من تركته بغير وصية ونوع منها مركبة منهما كالحج فمن حيث انه متعلق بالبدن لا تجوز فيه النيابة عند الاختيار ومن حيث انه متعلق بالمال جاز فيه النيابة عند الاضطرار وهو العجز الدائم عن ادائه هذا فى الحج الفرض واما فى النفل فالنيابة جائزة مع القدرة لان فى النفل سعة. قال فى فوائد الفتاوى الاولى ان يوصى باسقاط صلاة عمره بعد البلوغ وان صلاها بغير ترك لاحتمال الفساد او النقصان فى اركانها انتهى واذا اوصى رجل ان يطعم عنه وليه لصلاة الفائتة بعد موته فالوصية جائزة ووجب تنفيذها من ثلث ماله يعطى عن كل مكتوبة نصف صاع من الحنطة وفى صوم النذر كذلك ولا يجوز ان يصوم عنه الولى كما لا يجوز صلاته له لقوله عليه السلام "حديث : لا يصوم ولا يصلى احد عن احد " .تفسير : قال القهستانى والقياس انه لا يجوز الفداء عن الصلاة واليه ذهب البلخى كما فى قاضى خان والاستحسان ان يجوز الفداء عنهما اما فى الصوم فلو ورد النص واما فى الصلاة فلمعوم الفضل ولذا قال محمد انه يجزى بها ان شاء الله تعالى وينبغى ان يفدى قبل الدفن وان جاز بعده. وقال فى الاشباه اذا اراد الفدية غن صوم ابيه او صلاته وهو فقير يعطى منوين من الحنطة فقيرا ثم يستوهبه ثم يعطيه وهكذا وذلك بعد ان يسقط من عمره اثنتى عشرة سنة ويسقط من عمرها تسعة لان اقل مدة بلوغ الرجل اثنتا عشرة سنة ومدة بلوغ المرأة تسع سنين كما ذكره فى الوقاية فى آخر كتاب الحجر. ومما ينبغى ان يعلم ان المعتبر فى الطعام للصلاة قدر الطعام دون عدد المساكين حتى لو اعطى مسكينا واحدا فى يوم واحد اكثر من نصف صاع من البر يجوز ولا يجوز ذلك فى كفارة الصوم والظهار لان المعتبر فيهما عدد المسكين كذا فى شرح النقاية. وكره دفع نصاب او اكثر الى فقير غير مديون لان الانتفاع به صادف حال الغنى ولو صادف حال الفقر لكان اكمل فلو كان مديونا او صاحب عيال لا يكره لنه لا يكون به غنيا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام: {خُذْ من أموالهم} التي عرضوها عليك {صدقة}، وهو الثلث، فأخذ عليه الصلاة والسلام من أموالهم الثلث، وترك لهم الثلثين، أو: خذ من أموالهم صدقة، وهي الزكاة المفروضة، والضمير لجميع المسلمين. من صفة تلك الصدقة: {تُطهّرهُم} أنت يا محمد بها من الذنوب، أو حب المال المؤدي بهم إلى البخل، الذي هو أقبح الذنوب. وقرئ بالجزم؛ جواب الأمر. {وتُزكِّيهم} أي: تنمي بها حسناتهم، أو ترفعهم {بها} إلى درجات المخلصين، {وَصَلِّ عليهم} أي: ترحم عليهم، وادع لهم بالرحمة، فكان عليه الصلاة والسلام يقول لمن أتاه بصدقته: "حديث : اللهُم صَل عَلى آلِ فُلان".تفسير : فأتى أبو أوفى بصدقته فقال: "حديث : اللهم صلِّ على آل أَبي أَوفَى ". تفسير : {إِن صلاتك سَكَنٌ لهم}؛ تسكن إليها نفوسهم، وتطمئن بها قلوبهم، لتحققهم بقبول دعائه عليه الصلاة والسلام. قال القشيري: انتعاشهم بهمَّتِكَ معهم أتم من استقلالهم بأموالهم. هـ. وجمع الصلوات؛ لتعدد الموعد لهم، وقرأ الأخَوانِ وحفص بالتوحيد. {والله سميعٌ عليم}؛ أي: سميع باعترافهم عليم بندامتهم. {إلمْ يعلموا أن الله هو يقبلُ التوبةَ عن عباده} إذا صحت، والضمير إما للتوب عليهم، والمراد أن يُمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتذار بصدقتهم، أو لغيرهم، والمراد به التحضيض على التوبه، {و} أنه هو الذي {يأخذُ الصدقات}؛ يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله، {وأن الله هو التوابُ الرحيم} أي: من شأنه قبول توبة التائبين، والمتفضل عليهم بجوده وإحسانه. الإشارة: أخذ المشايخ من أموال الفقراء سبب في غناهم، واتساع حالهم حساً ومعنى، وقد قالوا: إذا أراد اللهُ أن يغني فقيراً سلط عليه ولياً يأخذ ماله، أو أمره شيخه بإعطاء ماله، فإن ذلك عنوان على غناه. وقد ذكر ذلك شيخ أشياخنا سيدي علي الجمل العراني في كتابه. وقد رأيت في مناقب شرفاء وزان: أن الشيخ مولاي التهامي أرسل إلى أخيه مولاي الطيب، وكان من خواص تلامذته، أن يدفع إليه جميع ماله ليصنع به كسرة للمرابطين، فأرسل له جميع ما يملك، حتى كسوة الدار وأثاث البيت، فكان ذلك سبباً في فيضان ماله، فلا تجد مدينة ولا قبيلة إلا وفيها مِلكٌ من أملاك مولاي الطيب، حتى إلى بلاد الجزائر وما والاها، وذلك بسبب تجارة شيخه له. والله تعالى أعلم. ثم هدد أهل التخطيط، فقال: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة الا ابا بكر {إن صلاتك} على التوحيد ونصب التاء الباقون على الجمع وكسر التاء، لأنه جمع السلامة. فمن قرأ على التوحيد فلأنه مصدر يقع على القليل والكثير، فلا يحتاج إلى جمعه. ومثله {أية : لصوت الحمير } تفسير : ومما ورد في القرآن بلفظ التوحيد والمراد به الجمع قوله {أية : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء } تفسير : وقوله {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تفسير : ومن جمع فلاختلاف الصلاة، كما ان قوله {أية : إن أنكر الأصوات } تفسير : جمع لاختلاف ضروبه والصلاة في اللغة الدعاء قال الأعشى في الخمر: شعر : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم تفسير : ومعنى {صل عليهم} ادع لهم، فان دعاءك سكن لهم بمعنى تسكن اليه نفوسهم وتطيب به، ولفظ التوحيد - ها هنا - أحسن لأن المراد دعاء النبي صلى الله عليه وآله لهم لا أداء الصلوات، والجمع على ضروب دعائه. وقولهم: صلى الله على رسول الله وعلى ملائكته، ولا يقال: إنه دعاء لهم من الله كما لا يقال في نحو (ويل للمكذبين) أنه دعاء عليهم، لكن المعنى أن هؤلاء ممن يستحق عندكم أن يقال فيهم هذا اللغو من الكلام. ومثله قوله {أية : بل عجبت ويسخرون} تفسير : فيمن ضم التاء هذا مذهب سيبويه، وذكر الفراء وغيره أن هؤلاء الذين تابوا وأقلعوا قالوا للرسول: خذ من أموالنا ما تريد، فقال رسول الله: لا أفعل حتى يؤذن لي فيه، فأنزل الله {خذ من أموالهم صدقة} فأخذ منهم بعضاً وترك الباقي وروي ذلك عن ابن عباس وزيد بن اسلم وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك، وهي في أبي لبابة وجد بن قيس وأوس وحذام. وقوله {خذ من أموالهم صدقة} امر من الله تعالى أن يأخذ من المالكين لنصاب الزكاة: الورق إذا بلغ مئتين، والذهب إذا بلغ عشرين مثقالا، والابل إذا بلغت خمساً، والبقر إذا بلغت ثلاثين، والغنم إذا بلغت أربعين، والغلات اذا بلغت خمسة أوسق. وقوله {خذ من أموالهم} يدل على أن الأخذ من اختلاف الأموال، لأنه جمعه. ولو قال: خذ من مالهم أفاد وجوب الاخذ من جنس واحد متفق. و {من} دخلت للتبعيض، فكأنه قال: خذ بعض مختلف الأموال. وظاهر الآية لا يدل على انه يجب أنه يأخذ من كل صنف لأنه لو اخذ من صنف واحد لكان قد اخذ بعض الاموال وإنما يعلم ذلك بدليل آخر. والصدقة عطية ما له قيمة للفقر والحاجة. والبر عطية لاجتلاب المودة. ومثله الصلة. وقوله {تطهرهم وتزكيهم بها} انما ارتفع {تطهرهم} لاحد امرين: احدهما - ان تكون صفة للصدقة وتكون التاء للتأنيث، وقوله {بها} تبيين له والتقدير صدقة مطهرة. والثاني - أن تكون التاء خطاباً للنبي صلى الله عليه وآله والتقدير فانك تطهرهم بها، وهو صفة للصدقة ايضاً الا انه اجتزأ بذكر {بها} في الثاني عن الاول. وقيل: انه يجوز ان يكون على الاستئناف، وحمله على الاتصال أولى، ولا يجوز ان يكون جواباً للامر لانه لو كان كذلك لكان مجزوماً. وقوله {وتزكيهم} تقديره وأنت تزكيهم على الاستئناف. وقيل في هذه الصدقة قولان: قال الحسن: انها هي كفارة الذنوب التي أصابوها، وقال أبو علي: هي الزكاة الواجبة. وأصل التطهير إزالة النجس، والمراد - ها هنا - إزالة النجس: الذبوب بما يكفرهم من الطاعة. وقوله {وصل عليهم} أمر من الله تعالى للنبي أن يدعو لمن يأخذ منه الصدقة. وقال الجبائي: يجب ذلك على كل ساع يجمع الزكوات ان يدعوا لصاحبها بالخير والبركة، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله. وقوله {والله سميع عليم} معناه انه تعالى يسمع دعاءك لهم بنياتهم في الصدقة التي يخرجونها.

الجنابذي

تفسير : {خُذْ} بنفسك او بعمّالك وهو جواب لما ينبغى ان يسأل عنه محمّد (ص) كأنّه قال: فما افعل بالمنافقين والّذين خلطو عملاً صالحاً وآخر سيّئاً؟ فقال تعالى: خذ {مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} والامر هنا للوجوب كما ورد انّها وردت فى فرض الزّكاة وقد نزلت فى شهر رمضان وامر (ص) مناديه ان ينادى فى النّاس بفرض الّزكاة، ومنه يعلم انّ وجوب الاخذ عليه يستلزم وجوب الاعطاء عليهم، وهل يجب عليهم الايصال الى يده او يد نائبه كما يستفاد ذلك ايضاً من وجوب الاخذ عليه، وورد بذلك الاخبار وافتى به بعضهم او لا يجب بل لهم الاختيار فى الايصال اليه (ص) والاعطاء الى من شاؤا من المستحقّين؟ والحقّ ان ليس لهم الاعطاء الاّ الى الرّسول (ص) او نوّابه وخلفائه، او من اذنوا لهم من المستحقّين والتّفصيل موكول الى الكتب الفقهيّة {تُطَهِّرُهُمْ} صفة لصدقة او مستأنف وهو امّا خطاب له (ص) او مسند الى ضمير الصّدقة، وعلى الاوّل يكون المجرور فى قوله {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} متنازعاً فيه، والمراد بالتّزكية هنا الانماء فى المال والبركة لا التّطهير ليكون تأسيساً واشارة الى انّ الصّدقة توجب البركة فى المال ليكون ترغيباً لهم فيها {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} وادع لهم بطلب الرّحمة عليهم حين الاخذ او بلفظ الصّلاة كما ورد "حديث : انّه اذا اتى النّبىّ (ص) قوم بصدقتهم قال: اللّهمّ صلّ عليهم"تفسير : ، او مطلقاً حيث استحقّوا بتزكية المال دعاءك حين التّصدّق وبعده بانواع الدّعاء للدّنيا والآخرة {إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} سبب سكونهم واطمينانهم ونكرّ السّكن للاشارة الى انّه نوع سوى ما يعرفه النّاس، فانّ الزّوج سكن والمال والمسكن والاولاد كلّها سكن وكذا ذكر الله سكن لكن كلّها لا يخلوا عن نوع اضطراب ومداخلة للشّيطان بخلاف توجّهه (ص) وعنايته ودعائه، فانّه يفرّ منه الشّيطان ولا يبقى له مداخلة فلا يبقى للّساكن شيءٌ من الاضطراب، مثل السّكينة القلبيّة النّازلة من الله فى قلب المؤمن {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} عطف على مدخول انّ او على انّ مع اسمها وخبرها وعلى كلا التّقديرين يستفاد منه التّعليل.

الالوسي

تفسير : {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً} أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم لما أطلقوا انطلقوا فجاؤا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال عليه الصلاة والسلام: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً فنزلت الآية فأخذ صلى الله عليه وسلم منها الثلث كما جاء في بعض الروايات، فليس المراد من الصدقة الصدقة المفروضة أعني الزكاة لكونها مأموراً بها وإنما هي على ما قيل كفارة لذنوبهم حسبما ينبىء عنه قوله عز وجل: {تُطَهّرُهُمْ} أي عما تلطخوا به من أوضار التخلف. وعن الجبائي أن المراد بها الزكاة وأمر صلى الله عليه وسلم بأخذها هنا دفعاً لتوهم إلحاقهم ببعض المنافقين فإنها لم تكن تقبل منه كما علمت وأمر التطهير سهل، وأياً ما كان فضمير أموالهم لهؤلاء المعترفين، وقيل: إنه على الثاني راجع لأرباب الأموال مطلقاً، وجمع الأموال للإشارة إلى أن الأخذ من سائر أجناس المال، والجار والمجرور متعلق بخذ ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من {صَدَقَةٍ} والتاء في {تُطَهّرُهُمْ} للخطاب. وقرىء بالجزم على أنه جواب الأمر والرفع على أن الجملة حال من فاعل {خُذِ} أو صفة لصدقة بتقدير بها لدلالة ما بعده عليه أو مستأنفة كما قال أبو البقاء، وجوز على احتمال الوصفية أن تكون التاء للغيبة وضمير المؤنث للصدقة فلا حاجة بنا إلى بها. وقرىء {تطهرهم} من أطهره بمعنى طهره. {وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} بإثبات الياء وهو خبر مبتدأ محذوف والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه وقيل استئناف أي وأنت تزكيهم بها أي تنمي بتلك الصدقة حسناتهم وأموالهم أو تبالغ في تطهيرهم - وكون المراد ترفع منازلهم من منازل المنافقين إلى منازل الأبرار المخلصين ظاهر في أن القوم كانوا منافقين والمصحح خلافه - هذا على قراءة الجزم في {تطهرهم} وأما على قراءة الرفع فتزكيهم عطف عليه، وظاهر ما في «الكشاف» يدل على أن التاء هنا للخطاب لا غير لقوله سبحانه: {بِهَا} والحمل على أن الصدقة تزكيهم بنفسها بعيد عن فصاحة التنزيل. وقرأ مسلمة بن محارب {تزكهم} بدون الياء. {وَصَلّ عَلَيْهِمْ} أي ادع لهم واستغفر، وعدى الفعل بعلى لما فيه من معنى العطف لأنه من الصلوين، وإرادة المعنى اللغوي هنا هو المتبادر، والحمل على صلاة الميت بعيد وان روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولذا استدل بالآية على استحباب الدعاء لمن يتصدق، واستحب الشافعي في صفته أن يقول للمتصدق آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت. وقال بعضهم: يجب على الإمام الدعاء إذا أخذ، وقيل: يجب في صدقة الفرض ويستجب في صدقة التطوع، وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير والحق الاستحباب مطلقاً. {إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} ذتعليل للأمر بالصلاة، والسكن السكون وما تسكن النفس إليه من الأهل والوطن مثلا وعلى الأول جعل الصلاة نفس السكن، والاطمئنان مبالغة وعلى الثاني يكون المراد تشبيه صلاة عليه الصلاة والسلام في الالتجاء إليها بالسكن والأول أولى أي إن دعاءك تسكن نفوسهم إليه وتطمئن قلوبهم به إلى الغاية ويثقون بأنه سبحانه قبلهم. وقرأ غير واحد من السبعة {صلواتك} بالجمع مراعاة لتعدد المدعو لهم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} يسمع الاعتراف بالذنب والتوبة والدعاء {عَلِيمٌ} بما في الضمائر من الندم والغم لما فرط [منهم] وبالإخلاص في التوبة والدعاء / أو سميع يجيب دعاءك لهم عليم بما تقتضيه الحكمة، والجملة حينئذ تذييل للتعليل مقرر لمضمونه وعلى الأول تذييل لما سبق من الآيتين محقق لما فيهما.

ابن عاشور

تفسير : لما كان من شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما فات وكان التخلف عن الغزو مشتملاً على أمرين هما عدم المشاركة في الجهاد، وعدم إنفاق المال في الجهاد، جاء في هذه الآية إرشاد لطريق تداركهم ما يُمكن تَدَارُكه مما فات وهو نفع المسلمين بالمال، فالانفاقُ العظيم على غزوة تُبوك استنفد المال المعد لنوائب المسلمين، فإذا أخذ من المخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حلّ بمال المسلمين. فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها. وقد روي أن الذين اعترفوا بذنوبهم قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي بسببها تخلفنا عنك خذها فتصدق بها وطهرنا واستغفر لنا، فقال لهم: لم أومر بأن آخذ من أموالكم. حتى نزلت هذه الآية فأخذ منهم النبي صلى الله عليه وسلم صدقاتهم، فالضمير عائد على آخرين اعترفوا بذنوبهم. والتاء في {تطهّرهم} تحتمل أن تكون تاء الخطاب نظراً لقوله: {خذ}، وأن تكون تاء الغائبة عائدة إلى الصدقة. وأيّاماً كان فالآية دالة على أن الصدقة تطهر وتزكي. والتزكية: جعل الشيء زكياً، أي كثير الخيرات. فقوله: {تطهرهم} إشارة إلى مقام التخلية عن السيئات. وقوله: {تزكيهم} إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات. ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية. فالمعنى أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم. والصلاة عليهم: الدعاء لهم. وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: {أية : وصلوات الرسول}تفسير : [التوبة: 99]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية إذا جاءه أحد بصدقته يقول: اللهم صل على آل فلان. كما ورد في حديث عبد الله بن أبي أوفى يجمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه في هذا الشأن بين معنى الصلاة وبين لفظها فكان يُسْأل من الله تعالى أن يصلي على المتصدِق. والصلاة من الله الرحمة، ومن النبي الدعاء. وجملة: {إن صلاتك سكن لهم} تعليل للأمر بالصلاة عليهم بأن دعاءه سكن لهم، أي سبب سَكَن لهم، أي خير. فإطلاق السكن على هذا الدعاء مجاز مرسل. والسكن: بفتحتين ما يُسكَن إليه، أي يُطمأن إليه ويُرتاح به. وهو مشتق من السكون بالمعنى المجازي، وهو سكون النفس، أي سلامتها من الخوف ونحوه، لأن الخوف يوجب كثرة الحذر واضطراب الرأي فتكون النفس كأنها غير مستقرة، ولذلك سمي ذلك قلقاً لأن القلق كثرة التحرك. وقال تعالى: {أية : وجاعل الليل سكناً}تفسير : [الأنعام: 96] وقال: {أية : والله جعل لكم من بيوتكم سكَناً}تفسير : [النحل: 80]، ومن أسماء الزوجة السكن، أو لأن دعاءه لهم يزيد نفوسهم صلاحاً وسكوناً إلى الصالحات لأن المعصية تردد واضطراب، كما قال تعالى: {أية : فهم في ريبهم يترددون}تفسير : [التوبة: 45]، والطاعة اطمئنان ويقين، كما قال تعالى: {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب}تفسير : [الرعد: 28]. وجملة: {والله سميع عليم} تذييل مناسب للأمر بالدعاء لهم. والمراد بالسميع هنا المجيب للدعاء. وذكره للإشارة إلى قبول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ففيه إيماء إلى التنويه بدعائه. وذكر العليم إيماء إلى أنه ما أمره بالدعاء لهم إلا لأن في دعائه لهم خيراً عظيماً وصلاحاً في الأمور. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو جعفر ويعقوب {صلواتِك} بصيغة الجمع. وقرأه حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف {صلاتك} بصيغة الإفراد. والقراءتان سواء، لأن المقصود جنس صلاته عليه الصلاة والسلام. فمن قرأ بالجمع أفاد جميع أفراد الجنس بالمطابقة لأن الجمع المعرف بالإضافة يعم، ومن قرأ بالإفراد فهمت أفراد الجنس بالالتزام.

الواحدي

تفسير : {خذ من أموالهم صدقة} فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وكانت كفَّارةً للذُّنوب التي أصابوها، وهو قوله: {تطهرهم} يعني: هذه الصَّدقة تطهِّرهم من الذُّنوب {وتزكيهم بها} أَيْ: ترفعهم أنت يا محمَّدُ بهذه الصَّدقة من منازل المنافقين {وصل عليهم} ادع لهم {إنَّ صلاتك سكن لهم} إنَّ دعواتك ممَّا تسكن نفوسهم إليه بأن قد تاب الله عليهم {والله سميع} لقولهم {عليم} بندامتهم، فلمَّا نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يُكلَّمون ولا يُجالسون، فما لهم؟ وذلك أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا رجع إلى المدينة نهى المؤمنين عن مكالمة المنافقين ومجالستهم، فأنزل الله سبحانه: {ألم يعلموا أنَّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} يقبلها {وأنَّ الله هو التواب الرحيم} يرجع على مَنْ يرجع إليه بالرَّحمة والمغفرة. {وقل اعملوا} يا معشر عبادي، المحسن والمسيء {فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} أَيْ: إنَّ الله يُطلعهم على ما في قلوب إخوانهم من الخير والشَّرِّ، فيحبُّوب المحسن ويبغضون المسيء بإيقاع الله ذلك في قلوبهم، وباقي الآية سبق تفسيره. {وآخرون مرجون لأمر الله} مُؤخَّرون ليقضي الله فيهم ما هو قاضٍ، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، كانوا تخلَّفوا من غير عذر، ثمَّ لم يبالغوا في الاعتذار، كما فعل أولئك الذين تصدَّقوا بأموالهم، فوقف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، وهم مهجورون حتَّى نزل قوله: {وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا...} الآيات. {إمَّا يعذبهم} بعقابه جزاءً لهم {وإمَّا يتوب عليهم} بفضله {والله عليم} بما يؤول إليه حالهم {حكيم} فيما يفعله بهم. {والذين اتخذوا} ومنهم الذين اتَّخذوا مسجداً، وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، بنوا مسجداً يضارُّون به مسجد قباء، وهو قوله: {ضراراً وكفراً} بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وما جاء به {وتفريقاً بين المؤمنين} يفرِّقون به جماعتهم، لأنَّهم كانوا يصلُّون جميعاً في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضِّرار ليصلِّي فيه بعضهم، فيختلفوا بسبب ذلك {وإرصاداً} وانتظاراً {لمن حارب الله ورسوله من قبل} يعني: أبا عامرٍ الرَّاهب، كان قد خرج إلى الشَّام ليأتي بجندٍ يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل إلى المنافقين أن ابنوا لي مسجداً {وليحلفنَّ إن أردنا} ببنائه {إلاَّ} الفعلة {الحسنى} وهي الرِّفق بالمسلمين، والتَّوسعة عليهم، فلمَّا بنوا ذلك المسجد سألوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلِّي بهم في ذلك المسجد، فنهاه الله عزَّ وجلَّ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: صدقة: مالاً يتقرب به إلى الله تعالى. تطهرهم وتزكيهم بها: أي تطهرهم من ذنوبهم، وتزكيهم أنت أيها الرسول بها بدعائك لهم وثنائك عليهم. وصل عليهم: أي ادع لهم بالخير. إن صلاتك سكن لهم: أي دعاءك رحمة. ويأخذ الصدقات: يتقبلها. مرجون لأمر الله: مؤخرون لحكم الله وقضائه. عليم حكيم: اي بخلقه نيات وأموالاً وأعمالاً حكيم في قضائه وشرعه. معنى الآيات: لقد تقدم في الآية قبل هذه أن المتخلفين التائبين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم هذه أموالنا التي تخلفنا بسببها صدقة فخذها يا رسول الله فقال لهم إني لم أُؤْمر بذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} فأمر تعالى رسوله أن يأخذ صدقة هؤلاء التائبين لأنها تطهرهم من ذنوبهم ومن أوضار الشُّح في نفوسهم وتزكيهم أيها الرسول بها بقبولك لها وصل عليهم أي ادع لهم بخير، إن صلاتك سكن لهم أي رحمة وطمأنينة في نفوسهم والله سميع لأقوالهم لمَّا قدموا صدقتهم وقالوا خذها يا رسول الله عليم بنياتهم وبواعث نفوسهم فهم تائبون توبة صدق وحق. وقوله تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الاستفهام للتقرير أي هم يعلمون ذلك قطعاً، ويأخذ الصدقات أي يقبلها، وأن الله هو التواب أي كثير قبول التوبة من التائبين الرحيم بعباده المؤمنين ثم أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم حاضاً لهم على العمل الصالح تطهيراً لهم وتزكية لنفوسهم {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} فيشكر لكم ويثني به عليكم {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} وهو الله عز وجل {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ويجزيكم به الحسن بالحسن والسيء بمثله. وقوله تعالى {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِم} هذا هو الصنف الثالث من أصناف المتخلفين فالأول هم المنافقون والثاني هم التائبون والثالث هو المقصود بهذه الآية وهم ثلاثة أنفار كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهؤلاء لم يأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم ليعتذروا إليه كما فعل التائبون المتصدقون بأموالهم منهم أبو لبابة حيث ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى يحكم الله فيهم، وهو معنى قوله تعالى {مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِم وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فإن عذبهم أو تاب عليهم فذلك لعلمه وحكمته. وبقوا كذلك حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ثم تاب الله تعالى عليهم كما جاء ذلك بعد كذا آية من آخر هذه السورة {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الصدقة تكفر الذنوب وتطهر الأرواح من رذيلة الشُّح والبخل. 2- يستحب لمن يأخذ صدقة امرىء مسلم أن يدعو له بمثل: آجرك الله على ما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. 3- ينبغي للتائب من الذنب الكبير أن يكثر بعده من الصالحات كالصدقات والصلوات ونحوها. 4- فضيلة الخوف والرجاء فالخوف يحمل على ترك المعاصي والرجاء يحمل على الإِكثار من الصالحات.

القطان

تفسير : الصدقة: ما ينفقه المؤمن قربة لله. تطهرهم: تمحو ذنوبهم. وتزكّيهم: تصلحهم وترفعهم الى منازل الابرار. ان صلاتك سكن لهم: ان دعائك لهم يدخل الاطمئنان والراحة الى نفوسهم. وآخرون مرجون: مؤخرون لأمر الله. والطبقة الرابعة ستأتي في الآية (106) {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. خذْ أيها الرسول من أموال هؤلاء التائبين صدقاتٍ تطرهّهم بها من الذنوب والشُّح، وترفع درجاتِهم عند الله، وادعُ لهم بالخير والهداية.. فإن دعاءك تطمئنّ به قلوبُهم، والله سميح للداء عليمٌ بالمخلصين في توبتهم. روى ابنُ جرير عن ابن عباس قال: حديث : لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لُبابة وصاحبَيْه انطلق ابو لبابة وصاحباه بأموالهم الى الرسول الكريم، وقالوا: خذ من أموالنا فتصدَّقْ بها عنا وصلِّ علينا (يعني استغفر لنا وطهرنا) فقال رسول الله: لا آخذُ منها شيئاً حتى يأتيَنا أمرُ الله، فأنزل الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً..} تفسير : الآية فأخذ. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: "ان صلاتك" وقرأ الباقون: "ان صلواتك" بالجمع. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. أَلا فلْيعلم هؤلاء التائبون أن الله هو الذي يقبل التوبةَ الخالصة من عباده، وهو الذي يأخذُ الصدقة، وأنه سبحانه هو الواسعُ الفضلِ في قبول التوبة، ذو الرحمة الشاملة لعباده. وبابُ التوبة مفتوح دائما، روى الترمذي: ما أصَرَّ من استغفرَ، وإن عادّ في اليوم سبعين مرة. وفي موضع الصدقات، روى الشيخان عن ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما تصدّق أحدُكم بصدقةٍ من كسبٍ حلال طيب، ولا يقبل الله الا الطّيب، إلا أخَذَها الرحمن بيَمينه وإن كانت تَمْرة، فَتَربُو في كفّ الرحمن حتى تكون أعظمَ من الجبل، كما يُربي أحدُكم فِلْوَه أو فَصِيله" تفسير : فالصدقة مقبولة مهما كان حجمها. وفي الحديث ايضا "حديث : تصدَّقوا ولو بِشِقّ تمرة" تفسير : والفِلْو، المُهر يُفصَل عن الفَرَس. ثم يتوجّه الكلام بالخطاب إلى جميع المكلَّفين أن يعملوا، لأن الإسلامَ منحَهُم حياةً واقعية، لا تكفي فيها المشاعر والنوايا، ما لم تتحوّل الى حركةٍ وعمل دائم. {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قل لهم ايها الرسول: اعملوا لِدُنياكم وآخرِتكم ولا تقصّروا في عمل الخير وأداء الواجب. إن ربّكم يعلم كل أعمالكم، وسيراها هو والرسول والمؤمنون، فيزِنونها بميزان الإيمان ويشهدون بمقتضاها. ثم ترجعون بعد الموتِ الى الله الذي يعمل سِركم وجهركم، فيجازيكم بأعمالكم. والمنهج الإسلامي في حقيقته منهج عقيدةٍ وعمل. ثم جاء ذكر الطبقة الرابعة التي لم يبتَّ في أمرها، بل وكَلَ امرها الى الله. {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. هؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك، غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين. وقد تأخر البتُّ في أمرهم، وكان أمرُهم موكولاً الى الله، لم يعلموه، ولم يعلمْه الناس. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: هم الثلاثة الذين خُلّفوا وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك وهلال بن أميّة، قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً الى الدّعة والتمتع بطيب الثمار، لا شكاَّ ولا نفاقا. وسيأتي ذكرهم في الآية (118). فهؤلاء مرجَأون لأمرِ الله: إما أن يعذّبَهم، واما ان يتوبَ علهيم ويغفرَ لهم. قراءات: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص "مُرْجَون" كما في المصحف، وقرأ الباقون "مرجأون" وهذا في اللغة جائز يقال أرجأت الأمر وأرجيته.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَمْوَالِهِمْ} {صَلَٰوتَك} (103) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِ الذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ البُخْلِ، وَالطَّمَعِ، وَالقَسْوَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَتُزَكِّي بِهَا أَنْفُسَهُمْ، وَتَرْفَعُهُمْ إِلى مَنَازِلِ الأَبرَارِ بِفِعْلِ الخَيْرَاتِ حَتَّى يَكُونُوا أهلاً للسَّعَادَةِ في الدُّنيا وَالآخِرَةِ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ بِأَنْ يَدْعُوَ لَهُمْ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)، لأَنَّ صَلاَةَ الرَّسُولِ رَحْمَةٌ بِهِمْ، وَرَاحَةٌ لأَنْفُسِهِمْ، وَاللهُ سَمِيعٌ لاعْتِرَافِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَسَمِيعٌ لِدُعَاءِ الرَّسُولِ لَهُمْ، عَلِيمٌ بِإِخْلاَصِهِمْ فِي تَوْبَتِهِمْ، وَنَدَمِهِمْ مِن هَذِهِ الذُّنُوبِ. تُزَكِّيهِمْ بِهَا - تُنَمِّي بِهَا حَسَنَاتِهِمْ وَأَمَوالَهُمْ. صَلِّ عَلَيْهِمْ - ادْعُ لَهُمْ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللهَ. سَكَنٌُ لَهُمْ - طُمَأْنِينَةٌ أَوْ رَحْمَةٌ لَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه هي الصدقة غير الواجبة؛ لأنها لو كانت الصدقة الواجبة لما احتاجت إلى أمر جديد، بل هي صدقة الكفارة. وقوله الحق: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} يعني أموال من اعترفوا بذنوبهم، وقد نسب الأموال وملكيتها لهم، رغم أن المال كله لله، مصداقاً لقوله: {أية : وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ...} تفسير : [النور: 33]. ولكن الحق ينقله إلى خلقه تفضلاً منه، وأوضح سبحانه إذا قلت لكم: أخرجوا شيئاً من المال الذي وهبتكم إياه فلن أرجع فيما وهبته لكم، ولذلك إذا احتاج مؤمن شيئاً من مؤمن مثله، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ ...} تفسير : [البقرة: 245]. وسبحانه واهب المال وهو يحترم هبته لصاحب المال. وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} لاحظ فيه العلماء أن المال حين يضاف إلى صاحبه فهو تطمين له، حتى يتحرك في الحياة حركة فوق ما يحتاج، ويبقى له شيء يتموَّله، وبذلك يحرص الإنسان على الحركة التي ينتفع بها الغير، وإن لم يقصد. فيوضح له الحق: اطمئن إلى أن كل شيء سيزيد عن حاجتك يصبح ملكاً لك، ولا يخرج المال عن ملكية صاحبه إلا إذا كان صاحبه غير أهل للتصرّف، مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ...} تفسير : [النساء: 5]. لأن السفيه لا يصح أن يتملك؛ لأنه بالحمق قد يضيع كل شيء، فينزل الحق الحكم: إن مال السفيه الذي يملكه ليس ماله إنما هو مالكم. ولكن إلى متى؟ فيأتي القول الحق: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ...} تفسير : [النساء: 6]. أي: ردوا إليهم أموالهم متى عادوا إلى الرشد وصاروا أهلاً للملكية. والحق في هذه الآية يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} والله سبحانه وتعالى هو صاحب المال، وهو يأتي بالمال، بالأسباب التي جعلها للبشر في حركة الحياة، وأمَّنهم على عرقهم، وأمَّنهم على ما يملكون؛ حتى لا يزهد أحد في الحركة؛ فلو أخذ كل واحد من حركته على قدر نفسه، ولم يتملك المال؛ لضنّ الناس بالحركة. وإذا ضن الناس بالحركة؛ فلن يستفيد غير القادرين على الحركة، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما يزيد على حاجات الناس ملْكاً لهم؛ لأن النفس تحب أن تتملك، والتملك أمر غريزي في النفس؛ بدليل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي طلب أن يؤخذ من الأموال، وأوضح أنه يضاعفها له، ومعنى أنه يضاعفها عنده أنه يُنمي فيه غريزة التملك. وقوله الحق: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} نلحظ فيه أن الأموال أضيفت لأصحابها، ما لم يكن فيهم سفه في التصرف أو عدم رشد؛ بأن يكون وارث المال قاصراً لا يقدر على التصرف فيه، فأوضح لنا سبحانه: لا تعتبروا مال السفيه ولا مال القاصر ماله، ولكن ليرعى الوصيّ المال باعتبار أنه ماله هو، وحذَّر سبحانه الوصيَّ: إياك أن تتعدى في ملكية هذا المال؛ لأن الذي جعله مالك، إنما جعل الملكية من أجل القيامة على المال، ولأجل هو أن يبلغ القاصر رشده، أو يرجع السفيه إلى عقله. {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ...} تفسير : [النساء: 5]. فإياك أيها الوصي، أن تظن أن الله قد أعطى لك هذا المال، بل جعل لك حق القيام عليه فقط، ثم يقول سبحانه: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} ولم يقل: "فادفعوا إليهم أموالكم" وإلا كان الأمر صعباً على الناس. وهنا ملحظية لحظها العلماء رضي الله عنهم، وهو أن المال إذا كان فيه حق معلوم للسائل والمحروم، فلا يصح أن ينسب الإنسان المال كله لنفسه؛ لأن له شركاء فيه هما السائل والمحروم، فالمال - إذن - ملكية صاحبه باستثناء حق السائل والمحروم. وفي آية أخرى قال الحق: {أية : وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [المعارج: 24-25]. و"الحق المعلوم" هو الزكاة المفترضة من نصاب معلوم بقدر معلوم، وأما الأمر الثاني فهو حق أيضاً، ولكن الذي يوجبه ويحدده هو صاحب المال على نفسه، وهو التطوع، ولذلك لم يقل: حق معلوم كما في سورة الذاريات: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 15-19]. لقد ذكر سبحانه هنا الحق ولم يقل إنه معلوم؛ لأن صاحب المال داخل في مقام الإحسان، وهو المقام الذي يلزم الإنسان فيه نفسه بشيء فوق ما فرض الله من جنس ما فرض الله. والله سبحانه لم يفرض على الإنسان أن يقوم الليل كله، أو يظل الليل يستغفر، بل إن المسلم له أن يصلي العشاء وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر. لكن إن وجد في نفسه نشاطاً، فهو يقوم الليل؛ لأنه يريد أن يدخل في مرتبة الإحسان. وكذلك يؤدي المسلم الزكاة وهذا حق معلوم، أما إن رغب المسلم في أن يدخل في مقام الإحسان فهو يزيد على الزكاة، وقد جعل الله هذا حقّاً لكنه غير معلوم؛ ليفسح لأريحيات الكرام أن يتجاوزوا الحق المعلوم، فبدلاً من اثنين ونصف بالمائة، قد يجعلها الداخل إلى مقام الإحسان ضعف ذلك أو أكثر. ووقف العلماء رضي الله عنهم هنا قالوا: إن قوله الحق: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} لا يعني اعتبار الجزء المأخوذ من المال للفقير هو حق الفقير، بل هو مال المؤدي، ولو بيّن الله حق الفقير وعزله عن مال صاحبه، فهذا يعني أن المال إن هلك فليس للفقير شيء، ولكن لأن المال مال الغني فحق الفقير محفوظ في ذمة صاحب المال، وهذا أفضل للفقير، فإن الغني لو لم يؤد الزكاة في ساعتها، وبعد ذلك حدث أن هلك المال، فالغني ضامن لحق الفقير. {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} والصدقة تطهرهم؛ لأن الذنب الذي فعلوه واعترفوا به تسبّب في تقذير أنفسهم بالمعصية، وما داموا قد قذروا أنفسهم بالمعصية، فهم في حاجة أن يُطهَّرُوا بالمال الذي كان سبباً في عدم ذهابهم إلى الغزوة. وانظر هنا إلى ملحظ "الأداء البياني" في القرآن، فالحق سبحانه يقول: {خُذْ} وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: {مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} من أموال الأغنياء، هذه الصدقة ستذهب للمحتاج، إذن هنا أربعة عناصر: آخذٌ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومأخوذ منه هو صاحب المال، ومأخوذ هو المال، ومأخوذ له هو الفقير المحتاج. وما دام الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الأمر ينسحب بالتالي على كل من وَلِيَ أمراً من أمور المسلمين. ولقائل أن يقول: ولكنها صدقة وليست زكاة. ونقول: ما دام الله هو الذي أمر بها تطهيراً فقد صارت واجباً، والآية صريحة، وتقتضي أنه ما دامت هناك ولاية شرعية، فولي الأمر هو الذي يأخذ من الناس ويؤدي للفقراء، أو لأوجه الصرف التي شرعها الله؛ لأن الله لا يريد أن يعذب الفقير بأن يمد يده آخذاً من مُسَاو له، أما إن أخذ من الوالي وهو المسئول عن الفقراء، فلن يكون عيباً، كما أن الحق سبحانه يريد أن يحمي أهل الفقير من أن يعلموا أن البيت الفلاني يعطي لهم زكاة، فيعاني أولاد الآخذ من المذلة أمام أولاد المعطي، ويعيش أبناء المعطي في تعال لا لزوم له. إذن: فحين يكون الوالي هو الذي يعطي فلن يكون هناك مُسْتعلٍ أو مُستعلىً عليه. أما إن لم تكن هناك ولاية إسلامية، ولا يعلم الإنسان إلى أين ستذهب الأموال، فهنا يصبح كل إنسان أن يراعي محيط دينه وهو يخرج الزكاة وحينئذ يكون عندنا مُعْطٍ هو صاحب المال، ومال مُعْطىً، ومعطىً له هو الفقير. وعلى من يعود قوله الحق: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ}؟ السطحيون في الفهم يقولون: إنها تطهر من نأخذ منه المال، وتزكّى المال الذي نأخذ منه. لكن من يملك عمقاً في الفهم يقول: ما دامت هناك في هذه الآية عناصر، فضروري أن يعود التطهير والتزكية عليها، وإنها تطهر وتزكي المأخوذ منه صاحب المال، وكذلك تطهر وتزكي المال المأخوذ، وأيضاً تطهر وتزكي المأخوذ له وهو الفقير، لأن التطهير معناه إزالة قَذَر، والتزكية نماء. القذارة أمر عارض على الشيء الذي نغسله ونطهره، وتنمية له بشيء عائد عليه فيزداد، وهكذا تُطهر الصدقة وتزكى عناصر الفعل كلها. والتطهير لمن يعطى، له معنى معه، والزكاة لها معنى معه؛ لأنك إن أخذت منه المال، فقد يكون قد غفل وأدخل في ماله شيئاً فيه شبهة، فالصدقة والزكاة تطهران هذا المال. أما كيف تنمِّي صاحب المال؟ أنت إن أخذت منه وهو قادر، معنى ذلك أنك تطمئنه أنه إذا احتاج فستعطيه، وبهذا يعرف أنه لا يعيش في المجتمع بمفرده، ولا يخاف أن يضيع منه المال، واطمأن لحظة أن أخذت منه المال وهو قادر كي تعطي المحتاج، فكأنك تطمئنه وتقول له: أنت لو احتجت فلن تضيع، وبذلك تُنمِّي تواجده وثقته، وطهرته أيضاً من أن يكون في ماله شبهة، هذا من ناحية صاحب المال. أما من ناحية المال نفسه، فالصدقة تطهر المال؛ لأن المال قد يزيد فيه شيء فيه شبهة فالزكاة تطهره. وقد يخيل إليك أنك حين تأخذ من المال فهو ينقص، عكس الربا الذي يزيد المال، فالربا مثلاً يحقق زيادة للمائة جنيه فتصبح مائة وعشرة مثلاً، أما المزكِّي فالمائة جنيه تصير سبعة وتسعين ونصفاً، والسطحي يرى أن الزكاة أنقصت المال وأن الربا يزيده، ولكن هذا بمقاييس البشر، لا بمقاييس من يملك الأشياء؛ فالزكاة التي تعتبرونها نقصاً تنمِّي، والربا الذي تعتبرونه ينمّي إنما يُنقص، والحق يقول: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ ...} تفسير : [البقرة: 276]. إذن: فهناك مقاييس عند البشر، ومقاييس أخرى عند الحق، فما رأيته منقصاً لك، هو عند الله زيادة، وما رأيته مزيداً لك، هو في الواقع نقصٌ، كيف؟ لأن الناس لا ينظرون إلا إلى رزق الوارد الإيجابي، ويظنون أن هذا هو الرزق، ولا يتذكرون أن هناك رزقاً اسمه "رزق السلب"، فرزق الإيجاب قد يزيد دخلك مثلاً من مائة إلى مائة وعشرة. ورزق السلب يتمثل في أنك تصرف سبعين فقط، بدلاً من أن تصرف مائةً، فيبقى لك ثلاثون، بالإضافة إلى أنه يمنع عنك مصارف الشر، هذا من ناحية المال. والحق يقول: {أية : وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِندَ ٱللَّهِ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُضْعِفُونَ} تفسير : [الروم: 39]. وكيف تكون الصدقة تطهيراً للآخذ وهو لم يذنب ذنباً يحتاج إلى تطهير، بل هو مُعطىً له لأنه محتاج؟ ونقول: إن الآخذ حين يأخذ من مال غيره، وهو عاجز عن الكسب فهو يتطهر من الحقد على ذي النعمة؛ لأنه وصله بعض من المال الذي عند ذي النعمة، فلا يحقد عليه ولا يحسده، فهو إن رأى عنده خيراً، دعا له بالزيادة؛ لأن بعضاً من الخير يعود عليه. والفلاحون في ريف مصر يهدون بعضهم بعضاً من لبن ماشيتهم، أو بعضاً من الخير الخارج من لبنها، وساعة أن تمرَّ إحداها على أهل القرية يدعون الله بحمايتها، وهكذا تتطهر نفس الفقير من الحقد والحسد. هذا عن التطهير، فماذا عن التزكية والنماء؟ إن الفقير ساعة يرى نفسه فقيراً، ويرى أن المجتمع الإيماني يقوم برعايته ولا يتركه وحيداً، ويتسابق أهل الخير لنجدته، فنفسه تنمو بالاطمئنان؛ لأنه في مجتمع إيماني. إذن: فقوله الحق: {تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} راجع لكل العناصر في الآية. ثم يقول سبحانه: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} أي: ادع لهم بالخير؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما أتاه قوم بأي صدقة قال: "اللهم صَلِّ عليهم" فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال: "اللهم صَلِّ على آل أبي أوفى"، هذه هي التزكية القولية التي يحب كل مسلم أن يسمعها فيعطِي، ويجِدّ ويجتهد من ليس عنده؛ ليسمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله الحق: {إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} أي: اطمئنان لهم، وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا له، فهو قد اطمأن إلى أن صدقته وصلت إلى مرتبة القبول حيث جازاها رسول الله بالدعاء. وإذا ما سمعها الآخذ للصدقة يقول بينه وبين نفسه: ولماذا لا أجِدّ في حياتي وأجتهد؛ حتى أظفر بتلك الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويُنهي الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي أنه سبحانه {سَمِيعٌ} لكل ما تعتبره قولاً. و {عَلِيمٌ} بكل ما تعتبره فعلاً. ويقول الحق بعد ذلك: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ} معناه دُعاؤُكَ سَكَنٌ لَهُمْ وتَثبيتٌ. ويقالُ: رَحمةٌ. ويقالُ: قُربةٌ.