Verse. 1339 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اَلَمْ يَعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ ھُوَيَقْبَلُ التَّوْبَۃَ عَنْ عِبَادِہٖ وَيَاْخُذُ الصَّدَقٰتِ وَاَنَّ اللہَ ھُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيْمُ۝۱۰۴
Alam yaAAlamoo anna Allaha huwa yaqbalu alttawbata AAan AAibadihi wayakhuthu alssadaqati waanna Allaha huwa alttawwabu alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ» يقبل «الصدقات وأن الله هو التواب» على عباده بقبول توبتهم «الرحيم» بهم، والاستفهام للتقرير، والقصد به هو تهييجهم إلى التوبة والصدقة.

104

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: {عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وما كان ذلك صريحاً في قبول التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه يأخذ الصدقات، والمقصود ترغيب من لم يتب في التوبة، وترغيب كل العصاة في الطاعة. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال أبو مسلم قوله: {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } وإن كان بصيغة الاستفهام، إلا أن المقصود منه التقرير في النفس، ومن عادة العرب في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا: أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته. أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره، فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم. ثم زاده تأكيداً بقوله: {وَهُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } بالياء والتاء، وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين تابوا يعني {أَلَمْ يَعْلَمُواْ } قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم، أن الله يقبل التوبة الصحيحة، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية، والثاني: أن يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حكم بصحة توبتهم قال: « حديث : الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم » تفسير : فنزلت هذه الآية. المسألة الثالثة: قوله: {هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ } في فوائد: الفائدة الأولى: أنه تعالى سمى نفسه ههنا باسم الله. ثم قال عقيبه: {هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ } وفيه تنبيه على أن كونه إلهاً يوجب قبول التوبة، وذلك لأن الإله هو الذي يمتنع تطرق الزيادة والنقصان إليه، ويمتنع أن يزداد حاله بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية المذنبين، ويمتنع أيضاً أن يكون له شهوة إلى الطاعة، ونفرة عن المعصية، حتى يقال: إن نفرته وغضبه يحمله على الانتقام، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة، هو أن كل ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء، ونهاه عن الاشتغال بالجسمانيات الباطلة، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح، وكل ما كان بالضد منه فهو المعصية والعمل الباطل، فالمذنب لا يضر إلا نفسه، والمطيع لا ينفع إلا نفسه. كما قال تعالى: { أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] فإن كان الإله رحيماً حكيماً كريماً ولم يكن غضبه على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته، فإذا انتقل العبد من المعصية إلى الطاعة كان كرمه كالموجب عليه قبول توبته. فثبت أن الإلهية لما كانت عبارة عن الاستغناء المطلق، وكان الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره، كان قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر منفصل، أو لمعارض أو لمباين. الفائدة الثانية: في هذا التخصيص هو أن قبول التوبة ليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما إلى الله الذي هو يقبل التوبة تارة ويردها أخرى. فاقصدوا الله بها ووجهوها إليه، وقيل لهؤلاء التائبين اعملوا فإن عملكم لا يخفى على الله خيراً كان أو شراً. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: قبول التوبة واجب عقلاً على الله تعالى. وقال أصحابنا: قبول التوبة واجب بحكم الوعد والتفضل والإحسان، أما عقلاً فلا. وحجة أصحابنا على عدم وجوب قبول التوبة وجوه: الأول: أن الوجوب لا يتقرر معناه ألا إذا كان بحيث لو لم يفعله الفاعل لاستحق الذم، فلو وجب قبول التوبة على الله تعالى لكان بحيث لو لم يقبلها لصار مستحقاً للذم، وهذا محال، لأن من كان كذلك فإنه يكون مستكملاً بفعل القبول، والمستكمل بالغير ناقص لذاته وذلك في حق الله تعالى محال. الثاني: أن الذم إنما يمنع من الفعل إذا كان بحيث يتأذى عن سماع ذلك الذم وينفر عنه طبعه، ويظهر له بسببه نقصان حال، أما من كان متعالياً عن الشهوة والنفرة والزيادة والنقصان لا يعقل تحقق الوجوب في حقه بهذا المعنى، الثالث: أنه تعالى تمدح بقبول التوبة في هذه الآية، ولو كان ذلك واجباً لما تمدح به، لأن أداء الواجب لا يفيد المدح والثناء والتعظيم. المسألة الخامسة: {عَنْ } في قوله تعالى: {عَنْ عِبَادِهِ } فيه وجهان: الأول: أنه لا فرق بين قوله: {عَنْ عِبَادِهِ } وبين قوله: من عباده يقال: أخذت هذا منك وأخذت هذا عنك. والثاني: قال القاضي: لعل {عَنْ } أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت، وأقول: إنه لم يبين كيفية دلالة لفظة {عَنْ } على هذا المعنى، والذي أقوله إن كلمة {عَنْ } وكلمة «من» متقاربتان، إلا أن كلمة {عَنْ } تفيد البعد، فإذا قيل: جلس فلان عن يمين الأمير، أفاد أنه جلس في ذلك الجانب لكن مع ضرب من البعد فقوله: {عَنْ عِبَادِهِ } يفيد أن التائب يجب أن يعتقد في نفسه أنه صار مبعداً عن قبول الله تعالى له بسبب ذلك الذنب، ويحصل له انكسار العبد الذي طرده مولاه، وبعده عن حضرة نفسه، فلفظة {عَنْ } كالتنبيه على أنه لا بد من حصول هذا المعنى للتائب. المسألة السادسة: قوله: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ } فيه سؤال: وهو أن ظاهر هذه الآية يدل على أن الآخذ هو الله وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } يدل على أن الآخذ هو الرسول عليه الصلاة والسلام وقوله عليه السلام لمعاذ: «حديث : خذها من أغنيائهم»تفسير : يدل على أن آخذ تلك الصدقات هو معاذ وإذا دفعت الصدقة إلى الفقير فالحس يشهد أن آخذها هو الفقير فكيف الجمع بين هذه الألفاظ؟ والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لما بين في قوله: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً } أن الآخذ هو الرسول، ثم ذكر في هذه الآية أن الآخذ هو الله تعالى، كان المقصود منه أن أخذ الرسول قائم مقام أخذ الله تعالى، والمقصود منه التنبيه على تعظيم شأن الرسول من حيث إن أخذه للصدقة جار مجرى أن يأخذها الله، ونظيره قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] وقوله: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الأحزاب: 57] والمراد منه إيذاء النبي عليه السلام. والجواب الثاني: أنه أضيف إلى الرسول عليه السلام بمعنى أنه يأمر بأخذها ويبلغ حكم الله في هذه الواقعة إلى الناس، وأضيف إلى الفقير بمعنى أنه هو الذي يباشر الأخذ، ونظيره أنه تعالى أضاف التوفي إلى نفسه بقوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم } تفسير : [الأنعام: 60] وأضافه إلى ملك الموت، وهو قوله تعالى: { أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ } تفسير : [السجدة: 11] وأضافه إلى الملائكة الذين هم أتباع ملك الموت، وهو قوله: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } تفسير : [الأنعام: 61] فأضيف إلى الله بالخلق وإلى ملك الموت للرياسة في ذلك النوع من العمل، وإلى أتباع ملك الموت، يعني أنهم هم الذين يباشرون الأعمال التي عندها يخلق الله الموت، فكذا ههنا. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ } تشريف عظيم لهذه الطاعة، والأخبار فيه كثيرة عن النبي عليه السلام أنه قال: « حديث : إن الله يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا طيباً وأنه يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبها كما يربى أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تكون عند الله أعظم من أحد » تفسير : وقال عليه السلام: « حديث : والذي نفس محمد بيده ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة فتصل إلى الذي يتصدق بها عليه حتى تقع في كف الله،» تفسير : ولما روى الحسن هذين الخبرين قال: ويمين الله وكفه وقبضته لا توصف { أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء } تفسير : [الشورى: 11] واعلم أن لفظ اليمين والكف من التقديس.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولىٰ ـ قيل: قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس، لا يُكلّمون ولا يجالسون، فما لهم الآن؟ وما هذه الخاصّة التي خُصُّوا بها دوننا؛ فنزلت: «أَلَمْ يَعْلَمُوا» فالضمير في «يعلموا» عائد إلى الذين لم يتوبوا من المتخلفين. قال معناه ٱبن زيد. ويحتمل أن يعود إلى الذين تابوا وربطوا أنفسهم. وقوله تعالىٰ: {هُوَ} تأكيد لانفراد الله سبحانه وتعالىٰ بهذه الأمور. وتحقيق ذلك أنه لو قال: أن الله يقبل التوبة لاحتمل أن يكون قبولُ رسوله قبولاً منه؛ فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبيّ ولا ملك. الثانية ـ قوله تعالى: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} هذا نصّ صريح في أن الله تعالى هو الآخذ لها والمثِيب عليها وأن الحق له جل وعز، والنبيّ صلى الله عليه وسلم واسطة، فإن تُوُفّي فعامله هو الواسطة بعده، والله عز وجل حيّ لا يموت. وهذا يبيّن أن قوله سبحانه وتعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقةً» ليس مقصوراً على النبيّ صلى الله عليه وسلم. روى الترمذِيّ عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فَيُربِيها لأحدكم كما يربِي أحدكم مُهْره حتى أن اللقمة لتصير مثلَ أُحُد وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ويمحق الله الربا ويربي الصدقات»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي صحيح مسلم: «حديث : لا يتصدّق أحد بتمرة من كسبٍ طيّب إلا أخذها الله بيمينه ـ في رواية ـ فتربُو في كفّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل»تفسير : الحديث. وروي. «حديث : إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل فيربيها كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو فَصِيله والله يضاعف لمن يشاء»تفسير : . قال علماؤنا رحمة الله عليهم في تأويل هذه الأحاديث: إن هذا كناية عن القبول والجزاء عليها؛ كما كنى بنفسه الكريمة المقدسة عن المريض تعطفاً عليه بقوله: «حديث : يٱبن آدم مَرِضت فلم تَعُدْني» تفسير : الحديث. وقد تقدّم هذا المعنى في «البقرة». وخصّ اليمين والكف بالذكر إذ كل قابل لشيء إنما يأخذه بكفه وبيمينه أو يوضع له فيه؛ فخرج على ما يعرفونه، والله جل وعز منزّه عن الجارحة. وقد جاءت اليمين في كلام العرب بغير معنى الجارحة؛ كما قال الشاعر:شعر : إذا ما رايةٌ رفعت لمجْدٍ تلقّاها عَرابة باليمينِ تفسير : أي هو مؤهل للمجد والشرف، ولم يُرد بها يمين الجارحة، لأن المجد معنًى فاليمين التي تتلقى به رايته معنى. وكذلك اليمين في حق الله تعالى. وقد قيل: إن معنى «حديث : تربو في كف الرحمن»تفسير : عبارة عن كِفة الميزان التي توزن فيها الأعمال، فيكون من باب حذف المضاف؛ كأنه قال: فتربو كِفّة ميزان الرحمن. وروي عن مالك والثوري وٱبن المبارك أنهم قالوا في تأويل هذه الأحاديث وما شابهها: أَمِرُّوها بلا كَيْف؛ قاله الترمذِي وغيره. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.

البيضاوي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} الضمير إما للمتوب عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم، أو لغيرهم والمراد به التحضيض عليهما. {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} إذا صحت وتعديته بـ {عَنْ} لتضمنه معنى التجاوز. {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ } يقبل {ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } على عباده بقبول توبتهم {ٱلرَّحِيمُ } بهم؟ والاستفهام للتقرير، والقصد به تهييجهم إلى التوبة والصدقة.

ابن عطية

تفسير : قرأ جمهور الناس " ألم يعلموا " على ذكر الغائب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بخلاف عنه " ألم تعلموا" على معنى قل لهم يا محمد " ألم تعلموا"، وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب بالتاء من فوق، والضمير في {يعلموا} قال ابن زيد: يراد به الذين لم يتوبوا من المتخلفين، وذلك أنهم لما تيب على بعضهم قال الغير ما هذه الخاصة التي خص بها هؤلاء؟ فنزلت هذه الآية، ويحتمل أن يكون الضمير في {يعلموا} يراد به الذين تابوا وربطوا أنفسهم، وقوله هو تأكيد لانفراد الله بهذه الأمور وتحقيق لذلك، لأنه لو قال إن الله يقبل التوبة لاحتمل، ذلك أن يكون قبوله رسوله قبولاً منه فبينت الآية أن ذلك مما لا يصل إليه نبي ولا ملك، وقوله {ويأخذ الصدقات } معناه يأمر بها ويشرعها كما تقول أخذ السلطان من الناس كذا إذا حملهم على أدائه. وقال الزجّاج: معناه ويقبل الصدقات، وقد وردت أحاديث في أخذ الله صدقة عبيده، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبد الله بن أبي قتادة المحاربي عن ابن مسعود عنه: " حديث : إن العبد إذا تصدق بصدقة وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل " تفسير : ، ومنها قوله الذي رواه أبو هريرة: "حديث : إن الصدقة تكون قدر اللقمة يأخذها الله بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل " تفسير : ، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارة عن القبول والتحفي بصدقة العبد، فقد يحتمل أن تخرج لفظة {ويأخذ} على هذا، ويتعلق بهذه الآية القول في قبول التوبة، وتلخيص ذلك أن قبول التوبة من الكفر يقطع به عن الله عز وجل إجماعاً، وهذه نازلة هذه الآية، وهذه الفرقة التائبة من النفاق تائبة من كفر، وأما قبول التوبة من المعاصي فيقطع بأن الله تعالى يقبل من طائفة من الأمة توبتهم، واختلف هل تقبل توبة الجميع، وأما إذا عين إنسان تائب فيرجى قبول توبته ولا يقطع بها على الله، وأما إذا فرضنا تائباً غير معين صحيح التوبة فهل يقطع على الله بقبول توبته أم لا، فاختلف فقالت فرقة فيها الفقهاء والمحدثون - وهو كان مذهب أبي رضي الله عنه - يقطع على الله بقول توبته لأنه تعالى أخبر بذلك عن نفسه، وعلى هذا يلزم أن تقبل توبة جميع التائبين، وذهب أبو المعالي وغيره من الأئمة إلى أن ذلك لا يقطع به على الله تعالى بل يقوى فيه الرجاء، ومن حجتهم أن الإنسان إذا قال في الجملة إني لا أغفر لمن ظلمني ثم جاء من قد سبه وآذاه فله تعقب حقه، وبالغفران لقوم يصدق وعده ولا يلزمه الغفران لكل ظالم. قال القاضي أبو محمد : ونحو هذا من القول، والقول الأول أرجح والله الموفق للصواب، وقوله تعالى {عن عباده} هي بمعنى " من" وكثيراً ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه ، تقول لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى، وفعل فلان ذلك من أشره وبطره وعن أشره وبطره، وقوله تعالى {ألم يعلموا} تقرير، والمعنى حق لهم أن يعلموا، وقوله {وقل اعملوا} الآية، صيغة أمر مضمنها الوعيد، وقال الطبري: المراد بها الذين اعتذروا من المتخلفين وتابوا. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن المراد بها الذين اعتذورا ولم يتوبوا وهم المتوعدون وهم الذين في ضمير قوله {ألم يعلموا} إلا على الاحتمال الثاني من أن الآيات كلها في {أية : الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً} تفسير : [التوبة: 84]، ومعنى {فسيرى الله} أي موجوداً معوضاً للجزاء عليه بخير أو شر، وأما الرسول والمؤمنون فرؤيتهم رؤية حقيقة لا تجوز، وقال ابن المبارك رؤية المؤمنين هي شهادتهم على المرء بعد موته وهي ثناؤهم عند الجنائز، وقال الحسن ما معناه: إنهم حذروا من فراسة المؤمن التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"تفسير : ، وقوله تعالى {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} يريد البعث من القبور، و {الغيب والشهادة} معناه ما غاب وما شوهد، وهي حالتان تعم كل شيء، وقوله {فينبئكم} عبارة عن حضور الأعمال وإظهارها للجزاء عليها وهذا وعيد.

الخازن

تفسير : {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} هذه صيغة استفهام إلا أن المقصود منه التقرير فبشر الله عز وجل هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ومعنى الآية ألم يعلم الذين تابوا أن الله تعالى يقبل التوبة الصادقة والصدقة الخالصة. وقيل: إن المراد بهذه الآية غير التائبين ترغيباً لهم في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما بالهم اليوم فأنزل الله هذه الآية ترغيباً لهم في التوبة. وقوله سبحانه وتعالى عن عباده قيل: لا فرق بين عن عباده ومن عباده إذ لا فرق بين قولك أخذت هذا العلم عنك أو منك. وقيل: بينهما فرق ولعل عن في هذا الموضع أبلغ لأن فيه تبشيراً بقبول التوبة مع تسهيل سبيلها وقوله سبحانه وتعالى: {ويأخذ الصدقات} يعني يقبلها ويثيب عليها وإنما ذكر لفظ الأخذ ترغيباً في بذل الصفقة وإعطائها الفقراء وقيل معنى أخذ الله الصدقات تضمنه الجزاء عليها. ولما كان هو المجازي عليها والمثيب بها، أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان الفقير أو السائل هو الآخذ لها وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله تعالى يقبلها من عبده المتصدق (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا اخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله"تفسير : لفظ مسلم. وفي البخاري: "حديث : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب"تفسير : . وفي رواية:"حديث : ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل"تفسير : وأخرجه الترمذي ولفظه: "حديث : إن الله سبحانه وتعالى يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى اللقمة لتصير مثل جبل أحد"تفسير : وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ويمحق الله الربا ويربى الصدقات. وقوله: من كسب طيب. أي: حلال. وذكر اليمين والكف في الحديث كناية عن قبول الصدقة وأن الله سبحانه وتعالى قد قبلها من المعطي، لأن من عادة الفقير أو السائل، أخذ الصدقة بكفه اليمين، فكأن المتصدق قد وضع صدقته في القبول والإثابة. وقوله: فتربو أي تكبر. يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وكبر. والفُلو: بضم الفاء وفتحها لغتان المهر أول ما يولد والفصيل ولد الناقة إلى أن ينفصل عنها. وقوله سبحانه وتعالى: {وأن الله هو التواب الرحيم} تأكيد لقوله سبحانه وتعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} وتبشير لهم بأن الله هو التواب الرحيم. قوله عز وجل: {وقل} أي قل يا محمد لهؤلاء التائبين {اعملوا} يعني لله بطاعته وأداء فرائضه {فسيرى الله عملكم} فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال اجتهدوا في العمل في المستقبل فإن الله تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها {ورسوله والمؤمنون} يعني ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أعمالكم أيضاً. أما رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم فباطلاع الله إياه على أعمالكم. وأما رؤية المؤمنين، فبما يقذف الله عز وجل في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المذنبين {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} يعني: وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم سركم وعلانيتكم ولا يخفى عليه شيء من بواطنكم وظواهركم {فينبئكم} أي فيخبركم {بما كنتم تعملون} يعني في الدنيا من خير أو شر فيجازيكم عن أعمالكم. قوله سبحانه وتعالى: {وآخرون مرجون} أي مؤخرون والإرجاء التأخير {لأمر الله} يعني لحكم الله فيهم قال بعضهم إن الله سبحانه وتعالى قسم المتخلفين على ثلاثة أقسام: أولهم: المنافقون وهم الذين مردوا على النفاق واستمروا عليه. والقسم الثاني: التائبون وهم الذين سارعوا إلى التوبة بعد ما اعترفوا بذنوبهم وهم أبو لبابة وأصحابه فقبل الله توبتهم. والقسم الثالث: موقوفون ومؤخرون إلى أن يحكم الله تعالى فيهم وهم المراد بقوله: وآخرون مرجون لأمر الله. والفرق بين القسم الثاني والقسم الثالث، أن القسم الثاني سارعوا إلى التوبة فقبل الله توبتهم، والقسم الثالث توقفوا ولم يسارعوا إلى التوبة فأخر الله أمرهم. نزلت هذه الآية في الثلاثة الذين تخلفوا وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وذلك أنهم لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس عن كلامهم وكانوا من أهل بدر، فجعل بعض الناس يقول هلكوا وبعضهم يقول: عسى الله أن يتوب عليهم ويغفر لهم وهو قوله سبحانه وتعالى: {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} يعني أن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء عذبهم بسبب تخلفهم وإن شاء غفر لهم وعفا عنهم {والله عليم} يعني بما في قلوبهم {حكيم} يعني بما يقضي عليهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ قال الآخرون‏:‏ هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم‏؟‏ فأنزل الله ‏ {‏ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية. وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود قال‏:‏ ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل‏.‏ قال‏:‏ وهو يضعها في يد السائل، ثم قرأ ‏ {‏ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات‏} ‏‏. وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله ‏{‏ويأخذ الصدقات‏}‏ قال‏:‏ إن الله هو يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه، وإن الرجل ليصدق بمثل اللقمة فيربيها به كما يربي أحدكم فصيله أو مهره، فتربو في كف الله حتى تكون مثل أحد. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا طيب - فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى أن اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم، وتصديق ذلك في كتاب الله العظيم ‏{‏ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات‏}‏ ‏ "‏. تفسير : وأخرج الدارقطني في الافراد عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فتقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل، ثم تلا هذه الآية ‏{‏ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات‏}‏ فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله فيوفيها إياه يوم القيامة ‏.

ابو السعود

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} وقرىء بالتاء، والضمير إما للتائبـين فهو تحقيقٌ لما سبق من قبول توبتِهم وتطهيرِ الصدقة وتزكيتِها لهم، وتقريرٌ لذلك وتوطينٌ لقلوبهم ببـيان أن المتوليَ لقبول توبتِهم وأخذِ صدقاتِهم هو الله سبحانه وإن أُسند الأخذُ والتطهيرُ والتزكيةُ إليه عليه الصلاة والسلام أي ألم يعلمْ أولئك التائبون {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ} الصحيحةَ الخالصةَ {عَنْ عِبَادِهِ} المخلِصين فيها ويتجاوز عن سيئاتهم كما يُفصح عنه كلمةُ عن والمرادُ بهم إما أولئك التائبون، ووضعُ المظهرِ في موضع المضمرِ للإشعار بعلّية العبادةِ لقبولها، وإما كافةُ العباد وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي يقبل صدقاتِهم على أن اللامَ عوضٌ عن المضاف إليه أو جنسُ الصدقاتِ المندرجُ تحته صدقاتُهم اندراجاً أولياً أي هو الذي يتولى قَبولَ التوبةِ وأخذَ الصدقاتِ وما يتعلق بها من التطهير والتزكية، وإن كنتَ أنتَ المباشرَ لها ظاهراً، وفيه من تقرير ما ذكر ورفعِ شأنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم على نهج قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ } تفسير : [الفتح: 10] ما لا يخفى {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تأكيدٌ لما عُطف عليه وزيادةُ تقريرٍ لما يقرره مع زيادةِ معنى ليس فيه، أي ألم يعلموا أنه المختصُّ المستأثرُ ببلوغ الغايةِ القصوى من قبول التوبةِ والرحمةِ وأن ذلك سُنةٌ مستمرةٌ له وشأنٌ دائم، والجملتان في حيز النصبِ بـيعلموا بسدّ كلِّ واحدةٍ منهما مسدّ مفعوليه. وإما لغير التائبـين من المؤمنين فقد روي أنهم قالوا لما تِيب على الأولين: هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلَّمون ولا يجالَسون فما لهم فنزلت. أي ألم يعلموا ما للتائبـين من الخصال الداعيةِ إلى التكرِمة والتقريبِ والانتظامِ في سلك المؤمنين والتلقّي يحسن القَبولِ والمجالسة فهو ترغيبٌ لهم في التوبة والصدقة. وقوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} زيادةُ ترغيبٍ لهم في العمل الصالحِ الذي من جملته التوبةُ وللأولين في الثبات على ما هم عليه أي قل لهم بعد ما بان لهم شأنُ التوبةِ: اعملوا ما تشاؤون من الأعمال فظاهرُه ترخيصٌ وتخيـيرٌ وباطنُه ترغيبٌ وترهيبٌ وقوله عز وجل: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} أي خيراً كان أو شراً وتعليلٌ لما قبله وتأكيدٌ للترغيب والترهيب، والسينُ للتأكيد {وَرَسُولُهُ} عطفٌ على الاسم الجليل وتأخيرُه عن المفعول للإشعار بما بـين الرؤيتين من التفاوت. {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} في الخبر (لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان). والمعنى أن أعمالَكم غيرُ خافيةٍ عليهم كما رأيتم وتبـين لكم، ثم إن كان المرادُ بالرؤية معناها الحقيقيَّ فالأمرُ ظاهرٌ وإن أريد بها مآلُها من الجزاء خيراً أو شراً فهو خاصٌّ بالدنيوي من إظهار المدحِ والثناءِ والذكرِ الجميلِ والإعزازِ ونحو ذلك من الأجزية وأضدادها {وَسَتُرَدُّونَ} أي بعد الموتِ {إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} في وضع الظاهِرِ موضِعَ المضمَرِ من تهويل الأمرِ وتربـية المهابةِ ما لا يخفى. ووجهُ تقديمِ الغيبِ في الذكر لسعة عالَمِه وزيادةِ خطرِه على الشهادة غنيٌّ عن البـيان. وقيل: إن الموجوداتِ الغائبةَ عن الحواس عللٌ أو كالعلل للموجودات المحسوسةِ والعلمُ بالعلل علةٌ للعلم بالمعلومات فوجب سبقُ العلمِ بالغيب على العلم بالشهادة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما الغيبُ ما يُسِرّونه من الأعمال، والشهادةُ ما يظهرونه كقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }تفسير : [البقرة: 77, وهود: 5, والنحل: 23] فالتقديمُ حينئذ لتحقيق أن نسبةَ علمِه المحيطِ بالسر والعلنِ واحدةٌ على أبلغ وجهٍ وآكَدِه لا لإيهام أن علمَه سبحانه بما يسرونه أقدمُ منه بما يعلنونه كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته منزهٌ عن أن يكون بطريق حصولِ الصورة بل وجودُ كل شيءٍ وتحققُه في نفسه علمٌ بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحالُ بـين الأمور البارزةِ والكامنةِ، وإما للإيذان بأن رتبةَ السرِّ متقدمةٌ على رتبة العلن، إذ ما من شيء يُعلن إلا وهو أو مباديه القريبةُ أو البعيدةُ مضمرٌ قبل ذلك في القلب فتعلقُ علْمِه تعالى به في حالته الأولى متقدمٌ على تعلقه به في حالته الثانية {فَيُنَبّئُكُمْ} عقّب الردّ الذي هو عبارةٌ عن الأمر الممتد إلى يوم القيامة {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قبل ذلك في الدنيا والمرادُ بالتنبئة بذلك الجزاءُ بحسَبه إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر فهو وعدٌ ووعيد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} [الآية: 104]. قال النصرآباذى: فرق بين الأخذ والقبول، لأنه قد يقبل ولا يأخذ، ولا يأخذ إلا عن قبول فالأخذ أثم وأدم. وقال أيضًا: أخذ الصدقة أحل من قبول التوبة، لذلك يقع فيه التربية. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يأخذها فيربيها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله ".

القشيري

تفسير : تمدَّحَ - سبحانه - بقبول توبة العاصين إذ بها يُظْهِرُ كَرَمَه، كما تمدَّح بجلال عِزِّه ونَبَّههم على أَنْ يَعرِفوا به جَلاله وقِدَمَه. وكما تَوحَّدَ باستحقاق كبريائه وعظمته تَفَرَّدَ بقبول توبة العبد عن جُرْمِه وزَلَّتِه. فكما لا شبيهَ له في جماله وجلاله لا شريكَ له في أفضاله وإقباله؛ يأخذ الصدقاتِ - قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، فَقَدْرُ الصَّدَقَةِ وخَطرُها بِأَخْذِه لها لا بكثرتها وقِلَّتها؛ قَلَّتْ في الصورة صَدَقَتَهُم ولكِنْ لمَّا أَخَذَها وقَبِلها جَلَّتْ بقبوله لها، كما قيل: شعر : يكون أُجاجاً - دونكم، فإِذا انتهى إليكم تَلَقى طيبَكم فيطيبُ

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} الله سبحانه عرف الخلق كرمه القديم وفضله العلم يعطى الكثير ويقبل القليل ويرى من عبده كثير السيّات ويبدلها بالحسنات اى تقبل توبة اسف على ما فاته من قربه فى زمان الطاعة ويأخذ صدقة الموقن بجزائه بكشف المشاهدة قال النصرابادى فرق بين القبول والاخذ لانه قد يقبل ثم يأخذ ولا ياخذ الا عن قبول فالاخذ اتم واعم وقال ايضا اخذ الصدقة اجل من قبول التوبة لذلك تقع فيه التربية قال النبى صلى الله عليه وسلم ان الله يأخذها فيربيها كما يربى احدكم فلون او فصيلة الحديث وعند عبده وخادمه والله اعلم ان القبول اتم من الاخذ لانه ربما ياخذ ولا يليق بنفسه ولا يعطى الى غيره وايضا يرى ان قبول التوبة اعظم من قبول الصدقة لان الصدقة شئ لا يتعلق بوجود التائب وما جرى على التائب من المعصية كراهية عند الله لاجل منازعته ومخالفته === يتعلق بالجبروت فاذا ندم وخضع وخجل بين يدى الله يصير خارجا عن صورت المنازعة وخاضعاً للربوبية فما كان فى نفسه من الايمان واليقين والندم والخجل اعظم من جميع الكون عند الله ان كان صدقة منه فانه يعظم الله ويصدقه وينزهه بفنائه فى عظمته وهذا عمل القلب والصدقة وما سواها عمل الجوارح وابن عمل الجوارح عند عمل القلب وذكر الله اعظم من جميع الصدقات وجميع المعاملات فانه ذكر ذاته وصفاته قال ولذكر الله اكبر قال النبى صلى الله عليه وسلم حمل الحامد اعظم مما اعطى له من النعمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم يعلموا} الاستفهام للتقرير اى ألم يعلم اولئك التائبون {ان الله هو يقبل التوبة} الصحيحة الخالصة {عن عباده} المخلصين فيها ويتجاوز عن سيآتهم كما يفصح عنه كلمة عن. قال الحدادى قبول التوبة ايجاب الثواب عليها {ويأخذ الصدفات} اى جنس الصدقات صدقاتهم وصدقات غيرهم اراد به اخذ النبى عليه السلام والائمة بعده لان اخذهم لا يكون الا بامر الله وكان الله هو الآخذ. قال البيضاوى يقبلها قبول من يأخذ شيأ ليؤدى بدله ففيه استعارة تبعية لان الآخذ حقيقة هو الرسول عليه السلام لا من عينه لاخذها. والصدقات جمع صدقة تطلق على الواجب والتطوع وغلب على افواه العامة تسميه الواجب من الماشية صدقة ومن النبات عشرا ومن النقود زكاة كما فى فتح القريب {وإنّ الله هو التواب} اى المتجاوز عمن تاب وهو الذى يرجع بالانعام على كل مذنب رجع الى التزام الطاعة. وفى التاويلات النجمية هو التواب هو الموفق للتوبة بلطفه وكرمه ولولا توفيقه ما تاب مذنب قط كما لا يتوب ابليس لعدم التوفيق: وفى المثنوى شعر : جز عنايت كه كشايد جشم را جز محبت كه نشاند خشم را جهد بى توفيق خود كس را مباد درجهان والله اعلم بالرشاد تفسير : {الرحيم} من مات على التوبة ورحمة الله على العباد ارادة الانعام عليهم ومنع الضرر عنهم. ويجوز ان يرجع ضمير {ألم يعلموا} الى غير التائبين من المؤمنين فالآية اذا ترغيب للعصاة فى التوبة والصدقة

الطوسي

تفسير : الالف في قوله {ألم يعلموا} الف استفهام والمراد بها التنبيه على ما يجب ان يعلم المخاطب اذا رجع إلى نفسه وفكر فيما نبه عليه علم وجوباً. وإنما وجب ان يعلم ان الله يقبل التوبة، لأنه اذا علم ذلك كان ذلك داعياً له إلى فعل التوبة والتمسك بها والمسارعة اليها، وما هذه صورته وجب عليه ان يعلمه ليتخلص به من العقاب ويحصل له الثواب. وسبب ذلك انهم لما سألوا النبي صلى الله عليه وآله ان يأخذ من ما لهم ما يكون كفارة لذنوبهم فامتنع النبي من ذلك وقال: حتى يؤذن لي فيه فبين الله تعالى انه ليس إلى النبي قبول توبتكم وان ذلك إلى الله تعالى دونه، فانه الذي يقبل التوبة ويقبل الصدقات. وفعل التوبة يستحق به الثواب لانها طاعة. فأما اسقاط عقاب المعاصي المتقدمة عندها فالعقل لا يوجب ذلك. وانما علم ذلك سمعاً لان السمع قطع العذر بأن الله يسقط العقاب عند التوبة الصحيحة. وقد بينا في غير موضع فيما تقدم ان التوبة التي يسقط العقاب عندها قطعاً هي الندم على القبيح والعزم على ان لا يعود إلى مثله في القبح، لان الامة مجمعة على سقوط العقاب عند هذه التوبة وفيما خالف هذه التوبة خلاف. وقوله {ويأخذ الصدقات} معناه انه يأخذها بتضمن الجزاء عليها كما تؤخذ الهدية كذلك. وقال ابو علي الجبائي: جعل الله أخذ النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين للصدقة أخذاً من الله على وجه التشبيه والمجاز، ومن حيث كان بأمره. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله ان الصدقة قد تقع في يد الله قبل ان تصل إلى يد السائل، والمراد بذلك انها تنزل هذا التنزيل ترغيباً للعباد في فعلها، وذلك يرجع إلى تضمن الجزاء عليها. وقوله {وأن الله هو التواب الرحيم} عطف على قوله {ألم يعلموا} ولذلك فتح {أن} لانها مفعول به. والتوّاب في صفة الله معناه انه يقبل التوبة كثيراً وفي صفة العبد يفيد انه يفعل التوبة كثيراً وقيل في معنى {أية : وتاب الله عليكم} تفسير : صفح عنكم ولم يكونوا اذنبوا فيتوبوا ليتوب الله عليهم وكذلك قوله {أية : علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم}تفسير : بمعنى صفح لانهم لم يتوبوا.

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} ترغيبٌ لهم فى التّصدّق وذكر التّوبة لمشاركتها للصّدقة فى قبوله تعالى على ايدى خلفائه ولانّها مقدّمة للصّدقة ولذا قدّمها فانّ من لم يتب الى الله لا يمكنه التّصدّق حقيقة. اعلم، انّ التّوبة هى رجوع الشّخص عمّا لا ينبغى الى الله سواء كان الرّجوع من جهة الباطن الى مظهر الله الباطنىّ الّذى هو القلب، او من جهة الظّاهر الى مظهره الّذى هو النّبىّ (ص) او الامام (ع) او خلفاؤهما، ولهذا الرّجوع وقبول التّوبة بهذا المعنى اعمال ومواثيق مقرّرة كانت جارية بينهم من لدن آدم (ع)، وان كانوا لشرافتها والضّنّة بها كتموها من غير اهلها ومحوا اثرها من صدور من اطّلع عليها ورجع عنها لئلاّ تبتذل كسائر رسوم الملّة، والمستعمل فى الكتاب والسّنّة فى الاغلب هو التّوبة بهذا المعنى والقابل لهذه التّوبة هو النّبىّ (ص) او خليفته كما انّ الآخذ للصّدقة ايضاً هو النّبىّ (ص) او خليفته (ع)، لكنّه لمّا كان مظهراً لله وفانياً ببشريّته فيه خصوصاً وقت قبول التّوبة واخذ الصّدقة نسب قبول التّوبة واخذ الصّدقة الى نفسه بطريق الحصر بمعنى عدم انفراد الغير ولامشاركته له تعالى فيه، هذا اذا كان الآخذ للصّدقة والقابل للتّوبة خلفاؤه تعالى، وامّا اذا كان الآخذ للصّدقة غيرهم كالفقراء السّائلين الآخذين للصّدقات المندوبة او المفروضة فالاخذ وان لم يكن آلهيّاً لكنّ المتصدّق بنيّته الآلهيّة الّتى هى شرط فى اطلاق اسم الصّدقة على ما يعطى يصير آلهيّاً ومظهراً لله وبصيرورته مظهراً لله يجذب اللّطيفة الآلهيّة فى الآخذ وان لم يصر الآخذ شاعراً به، ولذا ورد تقبيل يد الامام او الآخذ او السّائل وتقبيل المعطى يد نفسه وتقبيل الخير بعد الرّدّ من يد السّائل ووجه الكلّ قد علم ممّا ذكر {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} كثير المراجعة على العباد بالعفو والتّوفيق وقبول توبتهم {ٱلرَّحِيمُ} للعباد وقد مضى تحقيق التّوبة ومعنى تّوابيّته فى اوّل البقرة فى مثل هذه الآية.

الهواري

تفسير : قوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} أي: ويقبل الصدقات {وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول تفسير : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ} أي بما يطلعهم الله عليه، في تفسير الحسن. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه بنور الله ينظر تفسير : ذكروا عن أبي الدرداء قال: إياكم وفراسة العلماء، إن شهدوا عليكم شهادة تكبّكم في النار، فوالله إنه الحق، يقذفه الله في قلوبهم وعلى أبصارهم. ذكروا عن عثمان بن عفان أنه قال: لو أن رجلاً عمل في قعر سبعين بيتاً لكساه الله رداء عمله، خيراً كان ذلك أو شراً. ذكر لنا أنه مُرَّ على رسول الله بجنازة فأثنوا عليها خيراً، حتى تتابعت الألسن لها بخير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : وجبت"تفسير : . ثم مُرَّ عليه بجنازة، فأثنوا عليها شراً، حتى تتابعت الألسن عليها بشر فقال: "حديث : وجبت، أنتم شهداء الله في الأرض ". تفسير : قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. قوله: {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. قال بعضهم: هم هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك. وقال مجاهد: هم الثلاثة الذين في آخر السورة الذين خُلِّفوا، وهم الذين أرجئوا في هذه الآية، ثم تاب عليهم في الآية التي في آخر السورة.

اطفيش

تفسير : {ألَم يعْلَموا} وقرىء تعلموا بالفوقية، وعلى كل حال فالمراد هؤلاء المعترفون، والتاء على طريق الالتفات، والمعنى ألم يعلموا قبل نزول توبتهم، وقبول صدقهم، وفى ذلك تمكين قبول التوبة والصدقة فى قلوبهم، وقيل: المراد الذين لم يتوبوا قالوا: هؤلاء كانوا بالأمس معنا، لا يكلَّمون ولا يُجالسون فما لهم، فنزلت ترغيبا لهم فى التوبة، وقبول الصدقة، وعلى هذا فليس فى التاء التفات. {أنَّ اللهَ هُو} هذا الضمير إنما يفيد التأكيد من حيث المعنى، سواء جعل مبتدأ أو تأكيداً لاسم إن مستعارا للنصب، ولا مانع من تأكيد الظاهر بالضمير، بأن الظاهر إذا كان كافيا فى تأدية المراد، فالضمير المزيد عليه مؤكد قطعا، لأنه زيادة فى ذلك المراد، وليس كما زعم بعض أن الظاهر أقوى فلا يؤكده الضمير، وأجاز بعض أن يكون هو بدلا، ولا يفيد الحصر، لأن الخبر بعده ليس اسما معرفا كما فى قولك: إن الله هو القابل، بل تعريف المسند والمسند إليه مفيد للحصر، ولو لم يكن لفظ هو أو هى أو نحوه فى الكلام، والمسند إليه هنا معرف دون المسند، ومعنى قول جار الله: إن هو للتخصيص، أنه تخصيص لله فى الذكر بعد ذكره أيضا كما قالوا فى الحمد لله: إن اللام للتخصيص، فمن ادعى ثبوت الحمد لغير الله فليأت ببيان، ولا بيان له، ولو مفيدا للحصر من هذه الجهة، وليس مفيدا له بطريق الصناعة فافهم، هذا ما ظهر لى فى تحقيق المقام. {يقْبلُ التَّوبةَ} إذا صحت {عَنْ عِبادِه} مثل قولك: يقبلها من عباده، أو عدى القبول بعن لتضمنها معنى التجاوز والمساهلة {ويأخُذ الصَّدَقاتِ} أى يقبلها لكن قبول من يضاعف الجزاء عليها، وفى ذلك ترغيب فى الصدقات، إذ كان الذى يأخذها فى الحقيقة هو الله، ولو كان أخذها فى الظاهر هو الفقير مثلا، عن ابن مسعود رضى الله عنه: "حديث : أن الصدقة تقع فى يد الله قبل أن تقع فى يد السائل"تفسير : وعن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، أو لقمة ويربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه، بضم الفاء وفتحها، وهو المهر أول ما يولد، أو فصيله حتى تصير كأحد" تفسير : وهو أعظم جبل لكن غاص فى الأرض. {وأن اللهَ هُو التَّوابُ الرَّحيمُ} القابل للتوبة بالتفضل.

الالوسي

تفسير : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ} الضمير إما للمتوب عليهم والمراد تمكين قبول توبتهم في قلوبهم والاعتداد بصدقاتهم، وإما لغيرهم والمراد التحضيض على التوبة والصدقة والترغيب فيهما. وقرىء {تَعْلَمُواْ} بالتاء وهو على الأول التفات وعلى الثاني بتقدير قل، وجوز أن يكون الضمير للتائبين وغيرهم على أن يكون المقصود التمكين والتحضيض لا غير، واختار بعضهم كونه للغير لا غير لما روي أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم فنزلت، ويشعر صنيع الجمهور باختيار الأول وهو الذي يقتضيه سياق الآية، والخبر لما نقف على سند له يعول عليه أي ألم يعلم هؤلاء التائبون. {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ} الصحيحة الخالصة {عَنْ عِبَادِهِ} المخلصين فيها. وتعدية القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز والعفو أي يقبل ذلك متجاوزاً عن ذنوبهم التي تابوا عنها، وقيل: عن بمعنى من. والضمير إما للتأكيد أو له مع التخصيص بمعنى أن الله سبحانه يقبل التوبة لا غيره أي إنه تعالى يفعل ذلك البتة لما قرر أن ضمير الفصل يفيد ذلك والخبر المضارع من مواقعه، وجعل بعضهم التخصيص بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أي أنه جل وعلا يقبل التوبة لا رسوله عليه الصلاة والسلام لأن كثرة رجوعهم إليه مظنة لتوهم ذلك. والمراد بالعباد إما أولئك التائبون ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلية ما يشير إليه القبول وإما كافة العباد وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً. {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ} أي يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله فالأخذ هنا استعارة للقبول، وجوز أن يكون إسناد الأخذ إلى الله تعالى مجازاً مرسلاً، وقيل: نسبة الأخذ إلى الرسول في قوله سبحانه: {أية : خُذِ }تفسير : [التوبة:103] ثم نسبته إلى ذاته تعالى إشارة إلى أن أخذ الرسول عليه الصلاة والسلام قائم مقام أخذ الله تعالى تعظيماً لشأن نبيه صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ }تفسير : [الفتح: 10] فهو على حقيقته وهو معنى حسن إلا أن في دعوى الحقيقة ما لا يخفى، والمختار عندي أن المراد بأخذ الصدقات الاعتناء بأمرها ووقوعها عنده سبحانه موقعاً حسناً، وفي التعبير به ما لا يخفى من الترغيب. وقد أخرج عبد الرزاق عن أبـي هريرة «أن الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه وإن الرجل ليتصدق بمثل اللقمة فيربيها له كما يربـي أحدكم فصيله أو مهره فتربو في كف الله تعالى حتى تكون مثل أحد» وأخرج الدارقطني في «الأفراد» عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع في يد الله عز وجل قبل أن يقع في يدل السائل ثم تلا هذه الآية»تفسير : . وفي بعض الروايات ما يدل على أنه ليس هناك أخذ حقيقة، فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب ولا يقبل الله تعالى إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا طيب فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربـي أحدكم فلوه أو فصيله حتى ان اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم تفسير : وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ} الآية. وأل في {ٱلصَّدَقَاتِ} يحتمل أن تكون عوضاً عن المضاف إليه أي صدقاتهم وإن تكون للجنس أي جنس الصدقات المندرج فيه صدقاتهم اندراجاً أولياً وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار. {وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تأكيد لما عطف عليه وزيادة / تقرير لما يقرره مع زيادة معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه سبحانه المختص المستأثر ببلوغ الغاية القصوى من قبول التوبة والرحمة وذلك شأن من شؤونه وعادة من عوائده المستمرة، وقيل غير ذلك، والجملتان في حيز النصب بِ {يَعْلَمُوۤاْ} يسد كل واحدة منهما مسد مفعوليه.

ابن عاشور

تفسير : إن كان الذين اعترفوا بذنوبهم وعرضوا أموالهم للصدقة قد بقي في نفوسهم اضطراب من خوف أن لا تكون توبتهم مقبولة وأن لا يكون الرسول عليه الصلاة والسلام قد رضي عنهم وكان قوله: {أية : إن صلاتك سكن لهم}تفسير : [التوبة: 103] مشيراً إلى ذلك، وذلك الذي يشعر به اقتران قبول التوبة وقبول الصدقات هنا ليناظر قوله: {أية : اعترفوا بذنوبهم}تفسير : [التوبة: 102] وقوله: {أية : خذ من أموالهم صدقة}تفسير : [التوبة: 103] كانت جملة: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة} استينافاً بيانياً ناشئاً عن التعليل بقوله: {أية : إن صلاتك سكن لهم}تفسير : [التوبة: 103]، لأنه يثير سؤال من يسأل عن موجب اضطراب نفوسهم بعد أن تابوا، فيكون الاستفهام تقريراً مشوباً بتعجيبٍ من ترددهم في قبول توبتهم. والمقصود منه التذكير بأمر معلوم لأنهم جروا على حال نسيانه، ويكون ضمير {يعلموا} عائداً إلى "الذين اعترفوا بذنوبهم". وإن كان الذين اعترفوا بذنوبهم لم يخطر ببالهم شك في قبول توبتهم وكان قوله: {أية : إن صلاتك سكن لهم}تفسير : [التوبة: 103] مجرد إرشاد من الله لرسوله إلى حكمة دعائه لهم بأن دعاءه يصلح نفوسهم ويقوي إيمانهم كان الكلام عليهم قد تم عند قوله: {أية : والله سميع عليم}تفسير : [التوبة: 103]، وكانت جملة: {ألم يعلموا} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً على طريقة الاستطراد لترغيب أمثال أولئك في التوبة ممن تأخروا عنها، وكان ضمير {ألم يعلموا} عائداً إلى ما هو معلوم من مقام التنزيل وهو الكلام على أحوال الأمة، وكان الاستفهام إنكارياً. ونُزل جميعهم منزلة من لا يعلم قبول التوبة، لأن حالهم حال من لا يعلم ذلك سواء في ذلك من يعلم قبولها ومن لا يعلم حقيقةً، وكان الكلام أيضاً مسوقاً للتحْضيض. وقوله: {وأن الله هو التواب الرحيم} عطف على {أن الله هو يقبل التوبة}، تنبيهاً على أنه كما يجب العلم بأن الله يفعل ذلك يجب العلم بأن من صفاته العُلى أنه التواب الرحيم، أي الموصوف بالإكثار من قبول توبة التائبين، الرحيم لعباده، ولا شك أن قبول التوبة من الرحمة فتعقيب {التواب} بـــ{الرحيم} في غاية المناسبة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّدَقَاتِ} (104) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى التَّصَدُّقِ، وَعَلَى التَّوْبَةِ، وَهُمَا الوَسِيلَتَانِ الَّلتَانِ يَحُطُّ بِهِمَا الذُّنُوبَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيُخْبِرُ اللهُ أَنَّهُ هُوَ وَحْدَهُ الذِي يَقْبَلُ تَوْبَةَ عِبَادِهِ، وَأَنَّ مَنْ تَابَ إِلى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ حَلاَلٍ فَإِنَّهُ يَتَقَبَّلُها بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيها لِصَاحِبِهَا حَتَّى تُصْبِحَ التَّمْرَةُ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ. يَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ - يَقْبَلُهَا وَيُثِيبُ عَلَيهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و{أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ} مكونة من ثلاث كلمات هي: همزة استفهام، "لم" حرف نفي، و"يعلم" وهو فعل. فهل يريد الله هنا أن ينفي عنهم العلم أم يقرر لهم العلم؟ لقد جاء سبحانه بهمزة يسمونها "همزة الاستفهام الإنكاري" والإنكار نفي، فإذا دخل نفي على نفي فهو إثبات، أي "فليعلموا". ولماذا لم يأت بالمسألة كأمر؟ نقول: إن الحق حين يعرضها معرض الاستفهام فهو واثق من أن المجيب لا يجيب إلا بهذا، وبدلاً من أن يكون الأمر إخباراً من الله، يكون إقراراً من السامع. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ} لماذا جاء الحق بكلمة {هُوَ}، وكان يستطيع سبحانه أن يقول: "ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة" ولن يختل الأسلوب؟ أقول: لقد شاء الحق أن يأتي بضمير الفصل، مثلما نقول: فلان يستطيع أن يفعل لك كذا. وهذا القول لا يمنع أن غيره يستطيع إنجاز نفس العمل، لكن حين تقول: فلان هو الذي يستطيع أن ينجز لك كذا. فهذا يعني أنه لا يوجد غيره. وهذا هو ضمير الفصل الذي يعني الاختصاص والقصر ويمنع المشاركة. لذلك قال الحق: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ...} [التوبة: 104]. وهل كانت هناك مظنة أن أحداً غير الله يقبل التوبة؟ لا. بل الكل يعلم أننا نتوب إلى الله، ولا نتوب إلى رسول الله. ونحن إذا استعرضنا أساليب القرآن، وجدنا أن ضمير الفصل أو ضمير الاختصاص هو الذي يمنع المشاركة فيما بعدها لغيرها؛ وهو واضح في قصة سيدنا إبراهيم حين قال: {أية : إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 70-77]. ولم يقل سيدنا إبراهيم: "إنهم أعداء"، بل جمعهم كلهم في عصبة واحدة وقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ}. و{إِنَّهُمْ} - كما نعلم - جماعة، ثم يقول بعدها {عَدُوٌّ} وهو مفرد، فجمعهم سيدنا إبراهيم وكأنهم شيءٌ واحد. وكان بعضٌ من قوم إبراهيم يعبدون إلهاً منفرداً، وجماعة أخرى يعبدون الأصنام ويقولون: إنهم شركاء للإله. إذن: كانت ألوان العبادة في قوم إبراهيم عليه السلام تتمثل في نوعين اثنين. ولما كان هناك من يعبدون الله ومعه شركاء، فقول إبراهيم قد يُفسر على أن الله داخل في العداوة؛ لذلك استثنى سيدنا إبراهيمُ وقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}، أي: أن الله سبحانه ليس عَدُوّا لإبراهيم عليه السلام، وإنما العداوة مقصورة على الأصنام. أما إن كان قومه يعبدون آلهة دون الله، أي: لا يعبدون الله، لم يكن إبراهيم ليستثنى. والاستثناء هنا دليل على أن بعضاً من قومه هم الذين قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ...} تفسير : [الزمر: 3]. وهكذا تبرأ سيدنا إبراهيم عليه السلام من الشركاء فقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} وهذا كلام دقيق محسوب. وأضاف: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 78]. ولم يقل: "الذي خلقني يهديني"، بل ترك "خلقني" بدون "هو" وخَصَّ الله سبحانه وحده بالهداية حين قال: {فَهُوَ يَهْدِينِ}؛ لأن "هو" لا تأتي إلا عند مظنة أنك ترى شريكاً له، أما مسألة الخلق فلا أحدٌ يدّعي أنه خلق أحداً. فالخلق لا يُدَّعى، ولذلك لم يقل "الذي هو خلقني". والحق سبحانه هو القائل: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ...} تفسير : [الزخرف: 87]. فليس هناك خالق إلا هو سبحانه. إذن: فالأمر الذي لا يقول به أحد غير الله لا يأتي فيه الضمير. لكن الأمر الذي يأتي فيه واحد مع الله، فهو يخصَّص بـ "هو" تأكيداً على تخصيصه لله وحده {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} فليس لأحد أن يُدخل أنفه في هذه المسألة؛ لأن أحداً لم يدّع أنه خلق أحداً، فمجيء الاختصاص - إذن - كان في مجال الهداية بمنهج الحق، لا بقوانين من الخلق. فمن الممكن أن يقول بشر: أنا أضع القوانين التي تسعد البشر، وتنفع المجتمع، وتقضي على آفاته، ونقول: لا، إن الذي خلقنا هو وحده سبحانه الذي يهدينا بقوانينه. إذن: فما لا يُدَّعى فلا تأتي فيه (هو)، أما ما يمكن أن يُدَّعَى فتأتي فيه (هو). وقوله سبحانه: {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} تفسير : [الشعراء: 79]. وجاء هنا أيضاً بضمير الفصل؛ لأن الإنسان قد يرى والده وهو يأتي له بالطعام والشراب فيظن أن الأب شريك لله؛ لذلك جاء بـ {هُوَ}، فأنت إن نسبت كل رزق يأتي به أبوك، لانتهيت إلى مالم يأت به الأب؛ لأن كل شيء فيه سببٌ للبشر ينتهي إلى ما ليس للبشر فيه أسباب، فكل شيء من الله؛ لذلك قال سيدنا إبراهيم: {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 79-80]. وخصص الشفاء أيضاً؛ حتى لا يظن ظان أن الطبيب هو الذي يشفي، وينسى أن الله وحده هو الشافي، أما الطبيب فهو معالج فقط؛ ولذلك تجد أننا قد نأخذ إنساناً لطبيب، فيموت بين يدي الطبيب؛ ولذلك يقول الشاعر عن الموت: شعر : إنْ نَام عنْكَ فَأيُّ طِبٍّ نَافِعٌ أوْ لم يَنَمْ فالطِّبُّ مِن أذنَابِه تفسير : فقد يعطي الطبيب دواءً للمريض، فيموت بسببه هذا المريض. وجاء سيدنا إبراهيم بالقصر في الشفاء لله؛ حتى لا يظن أحد أن الشفاء في يد أخرى غير يد الله سبحانه. ثم يقول سيدنا إبراهيم: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ...} تفسير : [الشعراء: 81]. ولم يقل: "هو" يميتني؛ لأن الموت مسألة تخص الحق وحده، وقد يقول قائل: كان يجب أن يقول: "هو يميتني"، ونقول: انتبه إلى أن إلا الموت غير القتل، فالموت يتم بدون نقض للبنية، والقتل لا يحدث إلا بنقض البنية، ويضيف الحق على لسان سيدنا إبراهيم: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}تفسير : [الشعراء: 81]. وأيضاً لم يقل: "هو يحييني"؛ لأن هذا أمر خارج عن أي توهم للشركة فيه، فقد جاء بـ "هو" في الأمور التي قد يُظن فيها الشركة، وهو كلام بالميزان: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} تفسير : [الشعراء: 82]. لم يأت أيضاً بـ "هو"؛ لأن المغفرة لا يملكها إلا الله. إذن فكل أمر معلوم أنه لا يشارَك فيه جاء بدون "هو"، وكل ما يمكن أن يُدَّعى أن فيه شركة يجيء بـ "هو". وهنا يقول الحق: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} وظاهر الأمر أن يقال: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة "من" عباده، ولكنه ترك "من" وجاء بـ "عن". والبعض يقولون: إن الحروف تنوب عن بعضها، فتأتي "من" بدلاً من "عن". ونقول: لا، إنه كلام الحق سبحانه وتعالى ولا حرف فيه يغني عن حرف آخر؛ لأن معنى التوبة، أن ذنباً قد حدث، واستوجب المذنب العقوبة، فإذا قَبل الله التوبة، فقد تجاوز الله عن العقوبة؛ ولذلك جاء القول من الحق محدداً: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ} أي: متجاوزاً بقبول التوبة عن العقوبة. وهكذا جاءت "عن" بمعناها؛ لأنه سبحانه هو الذي قَبِل التوبة، وهو الذي تجاوز عن العقوبة. ثم يقول سبحانه: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ} صحيح أن الله هو الذي قال للرسول: {خُذْ} ولكن الرسول هو مناول ليد الله فقط، و "يأخذ" هنا معناها "يتقبل" واقرأ قول الحق: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ ...} تفسير : [الذاريات: 15-16]. أي: متلقين ما آتاهم الله. ومثال هذا ما يُروى عن السيدة فاطمة حينما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها تجلو درهماً، والدرهم عملة من فضة. والفضة من المعادن التي لا تصدأ، والفضة على أصلها تكون لينة لذلك يخلطونها بمعدن آخر يكسبها شيئاً من الصلابة. والمعدن الذي يعطي الصلابة هو الذي يتأكسد؛ فتصدأ الفضة؛ لذلك أخذت سيدتنا فاطمة تجلو الدرهم. فلما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألها: ما هذا؟ قالت: إنه درهم. واستفسر منها لماذا تجلو الدرهم؟ فقالت: كأني رأيت أن أتصدق به، وأعلم أن الصدقة قبل أن تقع في يد الفقير تقع في يد الله فأنا أحب أن تكون لامعة. فعلت سيدتنا فاطمة ذلك؛ لأنها تعلم أن الله وحده هو الذي يأخذ الصدقة. {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. كل هذه الآية نفي لمظنة أن يتشككوا إذا فعلوا ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ رسول الله الصدقات، فإن توبتهم قد قُبلَتْ، ولكن الذي يقبل التوبة هو الله، والذي يأخُذ الصدقات هو الله؛ لأنه هو التواب الرحيم؛ لذلك جاء قول الحق من بعد ذلك: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أما علموا سعة رحمة اللّه وعموم كرمه وأنه { يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } التائبين من أي ذنب كان، بل يفرح تعالى بتوبة عبده، إذا تاب أعظم فرح يقدر. { وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ } منهم أي: يقبلها، ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدهم كما يربي الرجل فلوه، حتى تكون التمرة الواحدة كالجبل العظيم، فكيف بما هو أكبر وأكثر من ذلك. { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ } أي: كثير التوبة على التائبين، فمن تاب إليه تاب عليه، ولو تكررت منه [المعصية] مرارا. ولا يمل اللّه من التوبة على عباده، حتى يملوا هم، ويأبوا إلا النفار والشرود عن بابه، وموالاتهم عدوهم. { الرَّحِيمُ } الذي وسعت رحمته كل شيء، وكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويتبعون رسوله.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [104] 247- أنا سويد بن نصر، أنا عبد الله، عن عبيد الله بن عُمر، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي الحُبَاب، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما من مؤمن يتصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، إلا كان الله يأخذها منه بيمينه، فيُرَبِّيها كما / يُربي أحدُكم فَلُوَّهُ أو فَصيله، حتى تبلغ الثَّمرة مثل أُحُد ".

همام الصنعاني

تفسير : 1124- معمر عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة في قوله تعالى: {وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}: [الآية: 104]، قال: إن الله يقبل الصدقة إذا كانت مِنْ طيب، ويأخذها بيمينه وإن الرجل ليتصدق بمثل اللقمة فيربيها الله كما يربي أحدُكم فصيله أو مهره، فَتَرْبُو في كفِّ الله أو في يده حتى تكون مثل أحدٍ. 1125- عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبد الله بن السَّائبِ، عن عبد الله بن قتادة، عن عبد الله بن مسعود، قال: ما تصدق رجل بصدقة إلاَّ وقت في يدِ الله، قبل أن تقع في يد السائل وهو يضعها في يد السائل ثم قرأ {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ}. [الآية: 104].