Verse. 1340 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَقُلِ اعْمَلُوْا فَسَيَرَى اللہُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوْلُہٗ وَالْمُؤْمِنُوْنَ۝۰ۭ وَسَتُرَدُّوْنَ اِلٰى عٰلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّہَادَۃِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ۝۱۰۵ۚ
Waquli iAAmaloo fasayara Allahu AAamalakum warasooluhu waalmuminoona wasaturaddoona ila AAalimi alghaybi waalshshahadati fayunabbiokum bima kuntum taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقل» لهم أو للناس «اعملوا» ما شئتم «فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون» بالبعث «إلى عالم الغيب والشهادة» أي الله «فينبئكم بما كنتم تعملون» فيجازيكم به.

105

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذا الكلام جامع للترغيب والترهيب، وذلك لأن المعبود إذا كان لا يعلم أفعال العباد لم ينتفع العبد بفعله، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: { أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] وقلت في بعض المجالس ليس المقصود من هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام القدح في إلهية الصنم، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه حجر وخشب وأنه معرض لتصرف المتصرفين، فمن شاء أحرقه، ومن شاء كسره، ومن كان كذلك كيف يتوهم العاقل كونه إلهاً؟ بل المقصود أن أكثر عبدة الأصنام كانوا في زمان إبراهيم عليه السلام أتباع الفلاسفة القائلين بأن إله العالم موجب بالذات، وليس بموجد بالمشيئة والاختيار، فقال: الموجب بالذات إذا لم يكن عالماً بالخيرات ولم يكن قادراً على الإنفاع والإضرار، ولا يسمع دعاء المحتاجين ولا يرى تضرع المساكين، فأي فائدة في عبادته؟ فكان المقصود من دليل إبراهيم عليه السلام الطعن في قول من يقول: إله العالم موجب بالذات. أما إذا كان فاعلاً مختاراً وكان عالماً بالجزئيات فحينئذ يحصل للعباد الفوائد العظيمة، وذلك لأن العبد إذا أطاع علم المعبود طاعته وقدر على إيصال الثواب إليه في الدنيا والآخرة، وإن عصاه علم المعبود ذلك، وقدر على إيصال العقاب إليه في الدنيا والآخرة، فقوله: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } ترغيب عظيم للمطيعين، وترهيب عظيم للمذنبين، فكأنه تعالى قال: اجتهدوا في المستقبل، فإن لعملكم في الدنيا حكماً وفي الآخرة حكماً. أما حكمه في الدنيا فهو أنه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون، فإن كان طاعة حصل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة، وإن كان معصية حصل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة. فثبت أن هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده. المسألة الثانية: دلت الآية على مسائل أصولية. الحكم الأول إنها تدل على كونه تعالى رائياً للمرئيات، لأن الرؤية المعداة إلى مفعول واحد، هي الإبصار، والمعداة إلى مفعولين هي العلم، كما تقول رأيت زيداً فقيهاً، وههنا الرؤية معداة إلى مفعول واحد فتكون بمعنى الإبصار، وذلك يدل على كونه مبصراً للأشياء كما أن قول إبراهيم عليه السلام: { أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } تفسير : [مريم: 42] يدل على كونه تعالى مبصراً ورائياً للأشياء، ومما يقوي أن الرؤية لا يمكن حملها ههنا على العلم أنه تعالى وصف نفسه بالعلم بعد هذه الآية فقال: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } ولو كانت هذه الرؤية هي العلم لزم حصول التكرير الخالي عن الفائدة وهو باطل. الحكم الثاني مذهب أصحابنا أن كل موجود فإنه يصح رؤيته، واحتجوا عليه بهذه الآية وقالوا: قد دللنا على أن الرؤية المذكورة في هذه الآية معداة إلى مفعول واحد، والقوانين اللغوية شاهدة بأن الرؤية المعداة إلى المفعول الواحد معناها الإبصار. فكانت هذه الرؤية معناها الإبصار. ثم إنه تعالى عدى هذه الرؤية إلى عملهم والعمل ينقسم إلى أعمال القلوب، كالإرادات والكراهات والأنظار. وإلى أعمال الجوارح، كالحركات والسكنات. فوجب كونه تعالى رائياً للكل وذلك يدل على أن هذه الأشياء كلها مرئية لله تعالى، وأما الجبائي فإنه كان يحتج بهذه الآية على كونه تعالى رائياً للحركات والسكنات والاجتماعات والافتراقات، فلما قيل له: إن صح هذا الاستدلال، فيلزمك كونه تعالى رائياً لأعمال القلوب، فأجاب عنه أنه تعالى عطف عليه قوله: {وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } وهم إنما يرون أفعال الجوارح، فلما تقيدت هذه الرؤية بأعمال الجوارح في حق المعطوف وجب تقييدها بهذا القيد في حق المعطوف عليه، وهذا بعيد لأن العطف لا يفيد إلا أصل التشريك. فأما التسوية في كل الأمور فغير واجب، فدخول التخصيص في المعطوف، لا يوجب دخول التخصيص في المعطوف عليه، ويمكن الجواب عن أصل الاستدلال فيقال: رؤية الله تعالى حاصلة في الحال. والمعنى الذي يدل عليه لفظ الآية وهو قوله: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } أمر غير حاصل في الحال، لأن السين تختص بالاستقبال. فثبت أن المراد منه الجزاء على الأعمال. فقوله: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } أي فسيوصل لكم جزاء أعمالكم. ولمجيب أن يجيب عنه، بأن إيصال الجزاء إليهم مذكور بقوله: {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فلو حملنا هذه الرؤية على إيصال الجزاء لزم التكرار، وأنه غير جائز. المسألة الثالثة: في قوله: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ } سؤال: وهو أن عملهم لا يراه كل أحد، فما معنى هذا الكلام؟ والجواب: معناه وصول خبر ذلك العمل إلى الكل. قال عليه السلام « حديث : لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان » تفسير : . فإن قيل: فما الفائدة في ذكر الرسول والمؤمنين بعد ذكر الله في أنهم يرون أعمال هؤلاء التائبين؟ قلنا: فيه وجهان: الوجه الأول: أن أجدر ما يدعو المرء إلى العمل الصالح ما يحصل له من المدح والتعظيم والعز الذي يلحقه عند ذلك، فإذا علم أنه إذا فعل ذلك الفعل عظمه الرسول والمؤمنون، عظم فرحه بذلك وقويت رغبته فيه، ومما ينبه على هذه الدقيقة أنه ذكر رؤية الله تعالى أولاً، ثم ذكر عقيبها رؤية الرسول عليه السلام والمؤمنين، فكأنه قيل: إن كنت من المحقين المحققين في عبودية الحق، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وإن كنت من الضعفاء المشغولين بثناء الخلق فاعمل الأعمال الصالحة لتفوز بثناء الخلق، وهو الرسول والمؤمنون. الوجه الثاني: في الجواب ما ذكره أبو مسلم: أن المؤمنين شهداء الله يوم القيامة كما قال: { أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] الآية، والرسول شهيد الأمة، كما قال: { أية : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـؤُلاء شَهِيداً } تفسير : [النساء: 41] فثبت أن الرسول والمؤمنين شهداء الله يوم القيامة، والشهادة لا تصح إلا بعد الرؤية، فذكر الله أن الرسول عليه السلام والمؤمنين يرون أعمالهم، والمقصود التنبيه على أنهم يشهدون يوم القيامة عند حضور الأولين والآخرين، بأنهم أهل الصدق والسداد والعفاف والرشاد. ثم قال تعالى: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: الغيب ما يسرونه، والشهادة ما يظهرونه. وأقول لا يبعد أن يكون الغيب ما حصل في قلوبهم من الدواعي والصوارف، والشهادة الأعمال التي تظهر على جوارحهم، وأقول أيضاً مذهب حكماء الإسلام أن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسات، وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول. فوجب كون العلم بالغيب سابقاً على العلم بالشهادة، فلهذا السبب أينما جاء هذا الكلام في القرآن كان الغيب مقدماً على الشهادة. المسألة الثانية: إن حملنا قوله تعالى: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } على الرؤية، فحينئذ يظهر أن معناه مغاير لمعنى قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } وإن حملنا تلك الرؤية على العلم أو على إيصال الثواب جعلنا قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } جارياً مجرى التفسير لقوله: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } معناه: بإظهار المدح والثناء والإعزاز في الدنيا، أو بإظهار أضدادها. وقوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } معناه: ما ينظره في القيامة من حال الثواب والعقاب. ثم قال: {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } والمعنى يعرفكم أحوال أعمالكم ثم يجازيكم عليها، لأن المجازاة من الله تعالى لا تحصل في الآخرة إلا بعد التعريف. ليعرف كل أحد أن الذي وصل إليه عدل لا ظلم، فإن كان من أهل الثواب كان فرحه وسعادته أكثر، وإن كان من أهل العقاب كان غمه وخسرانه أكثر. وقال حكماء الإسلام، المراد من قوله تعالى: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ } الإشارة إلى الثواب الروحاني، وذلك لأن العبد إذا تحمل أنواعاً من المشاق في الأمور التي أمره بها مولاه، فإذا علم العبد أن مولاه يرى كونه متحملاً لتلك المشاق، عظم فرحه وقوي ابتهاجه بها، وكان ذلك عنده ألذ من الخلع النفيسة والأموال العظيمة. وأما قوله: {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ } فالمراد منه تعريف عقاب الخزي والفضيحة. ومثاله أن العبد الذي خصه السلطان بالوجوه الكثيرة من الإحسان إذا أتى بأنواع كثيرة من المعاصي، فإذا حضر ذلك العبد عند ذلك السلطان وعدد عليه أنواع قبائحه وفضائحه، قوي حزنه وعظم غمه وكملت فضيحته، وهذا نوع من العذاب الروحاني، وربما رضي العاقل بأشد أنواع العذاب الجسماني حذراً منه. والمقصود من هذه الآية تعريف هذا النوع من العقاب الروحاني نسأل الله العصمة منه ومن سائر العذاب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} خطاب للجميع. {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} أي بإطلاعه إياهم على أعمالكم. وفي الخبر: «حديث : لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كُوّة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان».

البيضاوي

تفسير : {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} ما شئتم. {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} فإنه لا يخفى عليه خيراً كان أو شراً. {وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} فإنه تعالى لا يخفى عنهم كما رأيتم وتبين لكم. {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ} بالموت. {فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} بالمجازاة عليه.

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد: هذا وعيد، يعني: من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة كما قال: {أية : يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 18] وقال تعالى: {أية : يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ } تفسير : [الطارق: 9] وقال: {أية : وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } تفسير : [العاديات: 10] وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس، كائناً ما كان» تفسير : وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيراً، استبشروا به، وإن كان غير ذلك، قالوا: اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك» تفسير : وقال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق عن سفيان عمن سمع أنساً يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم:حديث : إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً، استبشروا به، وإن كان غير ذلك، قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا»تفسير : وقال البخاري: قالت عائشة رضي الله عنها: إذا أعجبك حسن عمل امرىء مسلم، فقل: {ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} وقد ورد في الحديث شبيه بهذا، قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا حميد عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بم يختم له، فإن العامل يعمل زماناً من عمره، أو برهة من دهره بعمل صالح، لو مات عليه دخل الجنة، ثم يتحول فيعمل عملاً سيئاً، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيىء، لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً، وإذا أراد الله بعبده خيراً استعمله قبل موته» تفسير : قالوا: يا رسول الله وكيف يستعمله؟ قال: «حديث : يوفقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه» تفسير : تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُلْ } لهم أو الناس {ٱعْمَلُواْ } ما شئتم {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ } بالبعث {إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ } أي الله {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يجازيكم به.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ...} الآية، هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ. وقال الطبري: المراد بها الذين ٱعتذروا من المتخلِّفين وتابوا. قال * ع *: والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير {أَلَمْ يَعْلَمُواْ}، ومعنى: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ}، أي: موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ. وقال ابنُ العرَبِيِّ في «أحكامه»: قوله سبحانه: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها: الأمر، أي: ٱعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى: { أية : قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة:94]؛ فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها: التهديد؛ وذلك لأن النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم. انتهى. وقوله سبحانه: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ }: عَطْفٌ على قوله أولاً: {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ}: ومعنى الإِرجاء: التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ: الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه؛ على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل: إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا: يكون {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} بإسقاط واو العطف بدلاً من {آخَرُونَ}، أو خبر مبتدأ، تقديره: هم الذين، وقرأ عاصم وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قُطْرٍ إلاَّ بـــ «المدينة»: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ}، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ ٱتَّخَذُوا - بإسقاط الواو؛ على أنه مبتدأ، والخبر: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ } وأما الجماعة المرادة بـــ {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا}، فهم منافقو بني غَنْم بن عَوْف، وبني سَالمِ بنِ عَوْف، وأسند الطبريُّ، عن ٱبنِ إِسحاق، حديث : عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال: أَقْبَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ - بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار - وكان أصحابُ مسجِدِ الضِّرَارِ، قد أَتَوهُ صلى الله عليه وسلم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا: يا رسُولَ اللَّهِ؛ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً؛ لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال: « إِنِّي عَلَىٰ جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ »، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ: « ٱنْطَلِقَا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فَٱهْدِمَاهُ، وَحَرِّقَاهُ » تفسير : فَٱنْطَلَقَا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ ٱثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلى الله عليه وسلم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غَنْم بْنِ عَوْفٍ، وبني سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ ٱمرأةٍ من الأنصار، ٱسْمُها: لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ: واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ٱبْنِ سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فَحَزَّبَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر بـــ «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة»، هَرَبَ إِلى «الطائف»، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قَيْصَرَ مستنصراً به عَلى رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ٱبْنُوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء»، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة»، فبَنُوهُ وقالوا: سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله: {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعني: أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ: سيأتي أبو عامر، وقوله: {ضِرَارًا} أي: داعيةً للتضارُرِ من جماعتين. وقوله: {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: يريدُ: تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء»، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل: أراد بقوله: {بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} جماعةَ مسجدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وروي: أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، ٱتُخِذَ مزبَلَةً تُرْمَىٰ فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما نزلَتْ: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها. وقوله: {لَّمَسْجِدٌ}: قيل: إن اللام لام قسمٍ، وقيل: هي لام ابتداء، كما تقول: لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد بـــ «مسجد أسس على التقوى»: مسجد «قباء» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزَيْد بنِ ثابت؛ أنه مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثانيَ مرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي في «أحكامه»: وقد رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ؛ أن المراد بـــ «مسجد أُسس على التقوَىٰ»: مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى: { أية : وَتَرَكُوكَ قَائِماً } تفسير : [الجمعة:11] وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: تَمَارَىٰ رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء»، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« هُوَ مَسْجِدِي هَذَا ». قَالَ أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم انتهى. ومعنى: {أَن تَقُومَ فِيهِ }: أي: بصلاتك وعبادتك. وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} ٱخْتُلِفَ في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو على مسجد «قُبَاءَ»؟ روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: حديث : « يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ؟ » قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ ٱلاسْتِنْجَاءَ، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ ». تفسير : والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ: هو مسجدُ الضِّرار؛ بإِجماع، و«الشَّفَا»: الحاشية والشَّفيرُ، و{هَارٍ}: معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من: هَارَ يَهُورُ؛ البخاريُّ: هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وَٱنْهَارَتْ مثله. انتهى. وتأسيسُ البناء علَى تقوَىٰ؛ إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه؛ كما صنع في مَسْجِدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي مسجدِ «قُبَاء»، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ. وقوله سبحانه: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}: الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل: بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه ٱنهار في نَارِ جَهَنَّم؛ قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره؛ أنه قال: رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه علَى عهد رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ؛ أنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم رَآهُ حين ٱنْهَارَ بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلى الله عليه وسلم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ: رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ٱبْنَ جُرَيْج: أسنده الطبري. قال ابن العربيِّ في «أحكامه» وفي قوله تعالَى: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}، مع قوله: { أية : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } تفسير : [القارعة:9] إِشَارَةٌ إِلَى أَن النار تَحْتُ؛ كما أن الجَنَّةَ فَوْقُ. انتهى. والرِّيبة: الشَّكُّ، وقد يُسَمَّىٰ ريبةً فسادُ المعتقدِ، ومعنى الرِّيبةِ، في هذه الآية: أمرٌ يعمُّ الغيظَ والحَنَقَ، ويعمُّ ٱعتقادَ صَوَابِ فعْلهم ونحو هذا ممَّا يُؤدِّي كلُّه إِلى ٱلارتياب في الإِسلامِ، فمقصدُ الكلام: لا يَزَالُ هذا البنيانُ الذي هُدِّم لهم، يُبْقِي في قلوبهم حَزَازَةً وأَثَرَ سُوءٍ، وبالشكِّ فسَّر ابن عباس الريبةَ هنا. وبالجملة إِن الريبة هنا تعمُّ معانيَ كثيرةً يأخذ كلُّ منافق منها بحَسَب قَدْره من النِّفاق. وقوله: «أَلا أَنْ تُقطَّع قلوبهم» - بضم التاء - يعني: بالموت، قاله ابن عباس وغيره وفي مُصْحَف أُبَيٍّ: «حَتَّى المَمَاتِ»، وفيه: «حَتَّى تُقَطَّع».

البقاعي

تفسير : ولما أمره من تطهيرهم بما يعيدهم إلى ما كانوا عليه قبل الذنب، عطف على قوله {خذ } قوله تحذيراً لهم من مثل ما وقعوا فيه: {وقل اعملوا} أي بعد طهارتكم {فسيرى الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {عملكم} أي بما له من إحاطة العلم والقدرة فاعملوا عمل من يعلم أنه بعين الله {ورسوله} أي بإعلام الله له. ولما كان هذا القسم من المؤمنين فكانت أعمالهم لاخفاء فيها، قال {والمؤمنون} فزينوا أعمالكم جهدكم وأخلصوا، وفي الأحاديث" حديث : لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها لأظهر الله علمه للناس كائناً ما كان ". تفسير : ولما كان هذا السياق للمؤمنين حذف منه "ثم" لكنه لما كان للمذنبين، أكد بالسين فقال: {وستردون} أي بوعد لا خلف فيه {إلى عالم الغيب والشهادة} أي بعد الموت والبعث {فينبئكم} أي بعلمه بكل شيء {بما كنتم تعملون*} أي ما أظهرتم عمله وما كان في غرائزكم، فلو تأخرتم تظهرتم، يجاريكم على حسنة ويزيد من فضله، وعلى سيئة عدلاً إن شاء ولا يظلم مثقال ذرة. ولما ذكر القسمين المنجز عذابهم ومثابهم، ذكر المؤخر أمرهم وهو القسم الظالم لنفسه في الذي بدأ به في سورة فاطر سورة الحشر الآخر، ولا يبعد أن تكون هذه سورة الحشر الأول لأنه صلى الله عليه وسلم ساق الناس إلى أرض المحشر فقال: {وآخرون} أي ومنهم آخرون {مرجون} أي مؤخرون بين الرجاء والخوف {لأمر الله} أي لما يأمر به فيهم الملك الأعظم الذي له الأمر كله لا يدرون أيعذبون أم يرحمون؛ وقدم قوله -: {إما يعذبهم} إن أصروا - تخويفاً لهم حملاً على المبادرة إلى التوبة وتصفيتها والإخلاص فيها وحثاً على أن يكون الخوف ما دام الإنسان صحيحاً أغلب وثنى بقوله: {وإما يتوب عليهم} أي إن تابوا ترجية لهم وترقيقاً لقلوبهم بالتذكير بمنزل الأُنس الذي أخرجوا أنفسهم منه ومنعوها من حلوله وطيب مستقره ومقيله وحليّ أوقاته وعليّ مقاماته وشهيّ أقواته. ولما كان ربما قال قائل: ما فائدة التأخير وما المانع من التنجيز؟ قال: {والله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً {عليم حكيم*} ترهيباً وترغيباً وتبعيداً وتقريباً واحتراساً مما قد يوهمه الترديد من الشك وتدريباً، وقراءة غفور رحيم للزيادة في الترجية. ولما ذكر الذين أقامهم في مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول المستور الموصوف بالمرود، فألحق بهم الضرر فقال: {والذين} وهو معطوف في قراءة من أثبت الواو على قوله {وآخرون} وخبره على ما يليق بالقصة: منافقون ماردون، وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على تقدير سؤال سائل، وذلك أنه لما قال تعالى {لا تعلمهم نحن نعلمهم} تشوفت النفس إلى الإعلام بهم، فلما قال {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} اشتغل السامع بتفهمه، وربما ظن أنه يأتي في آخر الكلام من تسميتهم ما يغنيه عن السؤال، فلما إنتقل بقوله {وآخرون مرجون} إلى قسم آخر، وختم الآية بصفتي العلم والحكمة ليعلم أن الترديد للتقسيم وأنه إن كان شك فهو بالنسبة إلى العباد وأما الله تعالى فمنزه عنه فذكر السامع بالصفتين ما كان دار في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام بالماردين على النفاق، فاشتد تشوفه إليه فكان كأنه قال: منْ منَ الماردين منهم؟ فقال تعالى الذين {اتخذوا مسجداً} أي من الماردين وهم من أعظمهم مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا أنفسهم الأخذ لأعظم عرى الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن يفضحوا، فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإن احتراس عما يتوهم فيما قلبه ودليل على ما بعده، ولذلك ختم قصتهم أيضاً بصفتي العلم والحكمة، ولاح من هذا أن قوله {سنعذبهم مرتين} يمكن أن يراد به: مرة برجوعك، ومرة بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم، وبَيَّنَ سبحانه علة اتخاذهم بقوله: {ضراراً} أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة {وكفراً} أي بالله لاتخاذ دينه هزؤاً {وتفريقاً} أي مما يبيتونه من المكايد باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطمعون فيه ليأتي مسجدهم ويترك المسجد المؤسس على التقوى {بين المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان بما جاء من عند الله، لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم {وإرصاداً} أي إعداداً وانتظاراً {لمن حارب الله} أي الملك الأعظم {ورسوله} ولما لم تكن محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي، أدخل الجار فقال: {من قبل} أي قبل اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم فيزيدهم قوة على نفاقهم بأن يصير كهفاً يأوون إليه ورأساً لهم يتجمعون عليه "حديث : وذلك أنه كان من بني غنم بن عوف، وهو والد حنظلة الغسيل الذي كان من خيار الصحابة، وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له: ما هذا الدين الذي جئت به؟ قال: الحنيفية دين إبراهيم، قال: أبو عامر: أنا عليها، قال صلى الله عليه وسلم: لست عليها، قال: بلى ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية، قال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً شريداً وحيداً غريباً! فقال صلى الله عليه وسلم: آمين! وسماه الفاسق، ثم تحيز إلى قريش وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم معهم يوم أحد وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلما قاتل يوم حنين مع هوازن وانهزموا أيس وهرب إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجنود ومخرج محمداً! وكانوا قد حسدوا إخوانهم بني عمرو بن عوف على مسجد قباء لما بنوه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه، فبنوا مسجد الضرار وأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم ليأتيهم فيصلي فيه، وكان يتجهز لتبوك فقال: أنا على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا صلينا فيه إن شاء الله! فلما قدم فكان قريباً من المدينة نزلت الآية، فدعا مالك بن الدخشم وجماعة وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه، ففعلوا، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها الجيف والقمامه؛ ومات أبو عامر بالشام وحيداً غريباً طريداً تفسير : وقيل: كل مسجد بني مباهاة أو لغرض ليس به إخلاص أو بمال مشتبه فهو لاحق بمسجد الضرار. ولما أخبر عن سرائرهم، أخبر عن نفاقهم في ظواهرهم بقوله: {وليحلفن} أي جهد أيمانهم {إن} أي ما {أردنا} أي باتخاذ له {إلا الحسنى} أي من الخصال؛ ثم كذبهم بقوله: {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {يشهد} أي يخبر إخبار الشاهد {إنهم لكاذبون*} وقد بان بهذا كله أن سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر للإسلام وأهله؛ ثم قال ناهياً عن إجابتهم إلى ما أرادوا به من التلبيس إنتاجاًعن هذا الكلام الذي هو أمضى من السهام: {لا تقم فيه} أي مسجد الضرار {أبداً} أي سواء تابوا أو لا، وأراد بعض المخلصين أن يأخذه أولاً، اي لا بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض. ولما ذمه وذم أهله، مدح مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، إما الذي بالمدينة الشريفة وإما الذي ببني عمرو بن عوف بقباء على الخلاف في ذلك. وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجداً إحساناً وإيماناً وجمعاً بين المؤمنين وإعداداً لمن صادق الله ورسوله، ومدح أهله إرشاداً لكل من كان مال إليه من المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه، ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون صالحاً لكل من المسجدين. لما اتصف بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكداً تعريفاً بما له من الحق ولما للمنافقين من التكذيب: {لمسجد أُسس} أي وقع تأسيسه {على التقوى} أي فأحاطت التقوى به لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره؛ ولما كان التأسيس قد تطول مدة أيامه فيكون أوله مخالفاً لآخره، قال: {من أول يوم} أي من أيام تأسيسه، وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من أهل الإخلاص أن يتخذه مصلى، فبين أنه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له {أحق أن تقوم فيه} أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد به التقوى على التقدير فرض محال إلا في ثاني الحال. ولما مدحه مدح أهله بقوله: {فيه رجال} أي لهم كمال الرجولية {يحبون أن يتطهروا} أي في أبدانهم وقلوبهم كمال الطهارة - بما أشار إليه الإظهار، فهم دائماً في جهاد أنفسهم في ذلك فأحبهم الله {والله} أي الذي له صفات الكمال {يحب} أي يفعل ما يفعل المحب من الإكرام بالفضل والإحسان، ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن إظهار تاء التفعل أو للندب إلى الطهارة ولو على أدنى الوجوه المجزئة فقال: {المطهرين*} أي قاطبة منهم ومن غيرهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله‏} ‏ قال‏:‏ هذا وعيد من الله عز وجل‏. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه حديث : عن سلمة بن الأكوع قال‏:‏ مرَّ بجنازة فأثنى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وجبت‏. ثم مر بجنازة أخرى فأثنى عليها، فقال‏: وجبت‏.‏ فسئل عن ذلك فقال‏:‏ إن الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض، فما شهدتم عليه من شيء وجب، وذلك قول الله ‏{‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون‏}"‏ ‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت‏:‏ ما احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نجم القراء الذين طعنوا على عثمان، فقالوا قولاً لا نحسن مثله، وقرأوا قراءة لا نقرأ مثلها، وصلوا صلاة لا نصلي مثلها، فلما تذكرت إذن والله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أعجبك حسن قول امرىء منهم ‏ {‏وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون‏} ‏ ولا يستخفنك أحد‏. وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا في الإِخلاص والضياء في المختارة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان‏"‏ تفسير : والله أعلم‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} [الآية: 105]. قال أبو حفص وأبو عثمان: اعمل وأصلح العمل وأخلص النية فإن الله عز وجل يرى سرك وضميرك، والرسول يراه رؤية مشاهدة، والمؤمنون يرونه رؤية فراسة وتوسم. قال الله تعالى: { أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } تفسير : [الحجر: 75].

القشيري

تفسير : خوَّفَهم برؤيته - سبحانه - لأعمالهم، فلمَّا عَلِمَ أَنَّ فيهم مَنْ تتقاصر حالتُه عن الاحتشام لاطِّلاع الحقِّ قال: {وَرَسُولُهُ}، ثم قال لِمَنْ نَزَلَتْ رتبتُه: {وَٱلْمُؤْمِنُونَ}. وقد خَسِرَ مَنْ لا يمنعه الحياءُ، ولا يردعه الاحتشامُ، وسَقَطَ من عينِ اللهِ مَنْ هَتَكَ جلبابَ الحياءِ، كما قيل: شعر : إذا قَلَّ ماءُ الوَجْهِ قَلَّ حياؤه ولا خيرَ في وجهٍ إذا قَلَّ ماؤه تفسير : ومَنْ لم يَمْنَعْه الحياءُ عن تعاطي المكروهاتِ في العاجل سيلقى غِبَّ ذلك، وخسرانُه عن قريبٍ في الآجل.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} بين سبحانه مراتب علوم الالهية على ثلاثة اقسام استأثر قسماً لنفسه وقسماً لرسوله وقسما لاوليائه فما استأثر لنفسه فهو العلم القديم واحاطه نظره القديم على كل محدث ولا يخفى عليه الضمائر وما يجرى فى السرائر علما ورؤية بغير علة الاكتساب ثم استأثر الانبياء بنور منه يرون به فيرى قلوبهم به اعمال الخلائق عياناً وبناناً وذلك نور الذات واستاثر اولياء بسنا منه فيرى به اعمال الخلائق فى الخلوات وما فى قلوبهم من المغيبات بالفراسات الصادقة وذلك نور الصفات وفيه تخويف المخلصين والصادقين الذين يتعرض لقلوبهم النفوس والشياطين بالهواجس والوساوس فى اوقات الفترة حتى يراقبوا اسرارهم ويراعوا اوقاتهم بتقديس القلوب من الخطرات قال ابو حفص ابو عثمان اعمل واصلح العمل واخلص النية فان الله يرى سرك وضميرك والرسول يراه رؤية مشاهدة والمؤمنون يرونه رؤية فراسة وتوسم قال الله تعالى ان فى ذلك لاية للمتوسمين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقل} لهم بعد ما بان لهم شأن التوبة {إعملوا} ما شئتم من الاعمال فظاهره ترخيص وتخيير وباطنه ترغيب وترهيب {فسيرى الله عملكم} فانه لا يخفى عليه خيرا كان او شرا تعليل لما قبله وتأكيد للترغيب والترهيب والسين للتأكيد {ورسوله والمؤمنون} فى الخبر "حديث : لو ان رجلا عمل فى صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله الى الناس كائنا ما كان" تفسير : والمعنى انه تعالى لا يخفى عليه عملهم كما رأيتم وتبين لكم ثم ان كان المراد بالرؤية معناها الحقيقى فالامر ظاهر وان اريد بها مآلها من الجزاء خيرا او شرا فهو خاص بالدنيوى من اظهار المدح والثناء والذكر الجميل والاعزاز ونحو ذلك من الاجزية واضدادها {وستردون} اى بعد الموت {الى عالم الغيب والشهادة} قدم الغيب على الشهادة لسعة عالمه وزيادة خطره. وعن ابن عباس رضى الله عنهما الغيب ما يسترونه من الاعمال والشهادة ما يظهرونه كقوله تعالى {أية : يعلم ما يسرون وما يعلنون} تفسير : [النحل: 3]. فالتقديم حينئذ لتحقيق ان نسبة علمه المحيط بالسر والعلن واحدة على ابلغ وجه وآكده لا ايهام ان علمه تعالى بما يسرون اقدم منه بما يعلنون كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته منزه عن ان يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شئ وتحققه فى نفسه علم بالنسبة اليه تعالى وفى هذا المعنى لا يختلف الحال بين الامور البارزة والكامنة. قال فى التأويلات النجمية {وستردون} باقدام اعمالكم الى الله الذى هو عالم بما غاب عنكم وغبتم عنه فاما ما غاب فهو نتائج اعمالكم من الخير والشر وجزاؤها فانها لم تغب عنكم زدتم فى الخير وما علمتم شرا واما ما غبتم عنه فهو التقدير الازلى والحكمة فيما جرى به القلم من اعمال الخير والشر وعالم بما تشاهده العيون والقلوب فى الملك والملكوت {فينبئكم} عقيب الرد الذى هو عبارة عن الامر الممتد الى يوم القيامة {بما كنتم تعملون} قبل ذلك فى الدنيا والمراد بالتنبئة الاظهار لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم تنبيها على انهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته اى يظهر لهم على رؤس الاشهاد ويعلمهم اى شئ شنيع كانوا يعملونه فى الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء انتهى. فعلى العاقل ان يسعى فى طريق الاعمال الصالحة ويجتنب عن ارتكاب الافعال الفاضحة كيلا يفتضح عند الله وعند الرسول وكافة المؤمنين. قال فى التأويلات النجمية ان لعمل المحسن وخلوصه نورا يصعد الى السموات بقدر قوة صدقه واخلاصه فالله تعالى يراه بنور الوهيته وروح الرسول عليه السلام يراه بنور نبوته وارواح المؤمنين يرونه بنور ايمانهم فاستعلاء ذلك بصفائه وضوئه يكون على قدر علو همة المحسن وخلوص نيته وصفاء طويته. وان العمل المسيئ ظلمة تصعد الى السموات بقدر قوة غفلته وخباثة نفسه فالله تعالى يراها وروح رسوله وارواح المؤمنين وفى الحديث "حديث : تصعد الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وصوم وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر لله تعالى وتشيعة ملائكة السموات السبع حتى يقطعون به الحجب كلها الى الله تعالى فيقفون بين يدى الرب جل جلاله ويشهدون بالعمل الصالح المخلص لله فيقول الله لهم انتم الحفظة على عمل عبدى وانا الرقيب ما فى نفسه انه لم يردنى بهذا العمل ولا اخلصه لى وانا اعلم بما اراد بعلمه غر الآدميين وغركم ولم يغرنى وانا علام الغيوب المطلع على ما فى القلوب لا تخفى على خافية ولا تعزب عنى عازبة علمى بما كان كعلمى بما لم يكن وعلمى بما مضى وعلمى بما بقى وعلمى بالاولين كعلمى بالآخرين واعلم السر واخفى فكيف يغرنى عبدى بعلمه وانما يغر المخلوقين الذين لا يعلمون وانا علام الغيوب عليه لغتى وتقول الملائكة السبعة او الثلاثة الآلاف المشيعون يا ربنا عليه لعنتك ولعنتنا فيقول اهل السماء عليه لعنة الله ولعنة اللاعنين ". تفسير : : قال السعدى شعر : وكر سيم اندوده باشد نحاس توان خرج كردن برناشناش منه آب زر جان من بر بشيز كه صراف دانا نكيرد بجيز تفسير : اعلم ان الاقلام كتبت على الالواح احوال العالم كلها من السرائر والظواهر ثم سلمت الالواح للخزنة وجعل لكل شئ خزائن ووكلت عليها حوافظ وكوالئ كما قال تعالى {أية : وان من شئ الا عندنا خزائنه} تفسير : [الحجر: 21]. فتستنسخ السفرة من الخزنة والحفظة من السفرة فللاعمال كلها مخازن تقسم منها وتنتهى اليها وغاية خزائن الاعمال الصالحة سدرة المنتهى فعلم من هذا ان الحفظة مطلعون على اعمال العباد قلبية كانت او قالبية وليسوا بمطلعين على المقبول منها وغير المقبول الا بعد العرض والرفع فكل عمل مضبوط مجزى به فان اخفاه العبد عن الخلق لا يقدر على اخفائه عن الله تعالى وعن الملائكة: قال السعدى قدس سره شعر : دربسته زورى خود بمردم تا عيب نكسترند مارا دربسته جه سود عالم الغيب داناى نهان وآشكارا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وقل اعملوا} ما شئتم من خير أو شر، {فسيرى اللهُ عملَكُم}؛ فإنه لا يخفى عليه؛ خيراً كان أو شراً، {و} سيرى ذلك أيضاً {رسولُهُ والمؤمنون}، فيظهر لهم ما يبدو منكم، فإن الطول يفضح صاحبه. {وستُرَدُون إلى عالم الغيب والشهادة}، بالموت، {فينبئكم بما كنتم تعملون}؛ فيخبركم بما عملتم؛ بالمجاوزة عليه. الإشارة: كل من ظهر بدعوى أو تعرض لمقام من المقامات يقال له: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}؛ فإن كان إمره مبنياً على أساس الإخلاص والتقوى ثبت وانتهض، وشعشع نوره، وإن كان مبنياً على غير أساس، افتضح وكََسَف نوره، وسيرد الجميع إلى عالم الغيب والشهادة، فيجازي كلاً بعلمه. ثم نزل في شأن الثلاثة الذين خُلِّفُوا قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ}.

الطوسي

تفسير : هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للمكلفين {اعملوا} ما أمركم الله به من الطاعة واجتنبوا معاصيه فان الله {سيرى عملكم ورسوله والمؤمنون} وفي ذلك ضرب من التهديد، كما قال مجاهد، والمراد بالرؤية ها هنا العلم الذي هو المعرفة ولذلك عداه إلى مفعول واحد، ولو كان بمعنى العلم الذي ليس بمعرفة لتعدّى إلى مفعولين، وليس لأحد أن يقول: ان اعمال العباد من الحركات يصح رؤيتها لمكان هذه الآية، لأنه لو كان المراد بها العلم لعداه إلى الجملة وذلك أن العلم الذي يتعدى إلى مفعولين ما كان بمعنى الظن، وذلك لا يجوز على الله وانما يجوز عليه ما كان بمعنى المعرفة. وروي في الخبر أن أعمال العباد تعرض على النبي صلى الله عليه وآله في كل اثنين وخميس فيعلمها، وكذلك تعرض على الأئمة عليهم السلام فيعرفونها، وهم المعنيون بقوله {والمؤمنون}، وإنما قال {فسيرى الله} على وجه الاستقبال. وهو عالم بالأشياء قبل وجودها. لأن المراد بذلك انه سيعلمها موجودة بعد أن علمها معدومة وكونه عالماً بأنها ستوجد من كونه عالماً بوجودها إذا وجدت لا يجدد حال له بذلك. وقوله {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} معناه سترجعون إلى الله الذي يعلم السر والعلانية {فينبئكم} اي يخبركم {بما كنتم تعملون} ويجازيكم عليه.

الجنابذي

تفسير : {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} تهديد بعد ترغيب {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} الخالصون للايمان المتحقّقون به وهم خلفاء الله بعد رسوله (ص) والاّ فاكثر المؤمنين النّاقصين لا اطّلاع لهم على اعمال الغير، ولذلك ورد بطريق الحصر انّ المراد بالمؤمنين علىّ بن ابى طالب (ع) او الائمّة (ع)، فانّ اعمال العباد تعرض صباحاً ومساءً فى الدّنيا على من جعله الله شهيداً على الخلق فاحذروا من ان يعرض منكم ما اذا شوهد يسؤكم وما اذا عرض على امامكم يسؤه كما فى الاخبار، والسّين للتّأكيد لا للتّسويف او للتّسويف او للتّسويف بتضمين يرى معنى يظهر رؤية الله لاعمالهم {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ويجازيكم عليه ان خيراً فخير وان شرّاً فشرّ.

اطفيش

تفسير : {وقُلْ} يا محمد لهؤلاء المعترفين، أو لهؤلاء الذين لم يتوبوا أو للناس مطلقا {اعْمَلُوا} بالطاعة {فَسَيرى اللهُ عَمَلكم ورسُولُه والمؤمنُونَ} وعليه الجزاء إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ومن تفسير مثل ذلك، وفيه ترغيب فى الطاعة وبعد عن المعصية، وقيل: رؤية المؤمنين كالنبى صلى الله عليه وسلم بالاطلاع على أعمالكم، وقيل: رؤية المؤمنين هى ما يقذف الله فى قلوبهم من محبة الصالحين، وبغض الكافرين. وفى الحديث: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر" تفسير : وعن أبى الدرداء: "حديث : إياكم وفراسة العلماء، فوالله إنها للحق يقذفه الله فى قلوبهم، وعلى أبصارهم"تفسير : وعن عثمان: حديث : "لو أن رجلا عمل فى داخل سبعين بيتا لكساه الله رداء علمه خيرا أو شرا" ومرت جنازة فأثنوا خيرا، وتتابعت الألسن، فقال صلى الله عليه وسلم، "وجبت" ومرت أخرى فأثنوا شرا وتتابعت الألسن فقال: "وجبت فأنتم شهداء الله فى الأرض" ". تفسير : {وسَتُردُّون إلى عَالِم الغَيبِ والشَّهادَة} بالبعث بعد الموت، لا بالموت كما قيل لقوله: {فيُنبِّئكُم بما كُنتُم تَعمَلُون} أى يجازيكم، فإن الجزاء يوم القيامة، وأيضا إن كان المراد بالتنبيه الإخبار، ويترتب عله الجزاء، فإنه لا سؤال فى القبر إلا عن كلمة الإخلاص، إلا إن أريد بالتنبيه بما كانوا يعملون السؤال عما يقولون فيها والعذاب فى القبر.

الالوسي

تفسير : {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} ما تشاؤون من الأعمال {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} خيراً كان أو شراً، والجملة تعليل لما قبله أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب، والسين للتأكيد كما قررنا أي يرى الله تعالى البتة {وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} عطف على الاسم الجليل، والتأخير عن المفعول للاشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت، والمراد من رؤية العمل عند جمع الاطلاع عليه وعلمه علماً جلياً، ونسبة ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين باعتبار أن الله تعالى لا يخفي ذلك عنهم ويطلعهم عليه أما بالوحي أو بغيره. وأخرج أحمد وابن أبـي الدنيا في «الاخلاص» عن أبـي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله تعالى عمله للناس كائناً ما كان» وتخصيص الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالذكر على هذا لأنهم الذين يعبأ المخاطبون باطلاعهم، وفسر بعضهم المؤمنين بالملائكة الذين يكتبون الأعمال وليس بشيء، ومثله بل أدهى وأمر ما زعمه بعض الإمامية إنهم الأئمة الطاهرون ورووا أن الأعمال تعرض عليهم في كل اثنين وخميس بعد أن تعرض على النبـي صلى الله عليه وسلم. وجوز بعض المحققين أن يكون العلم هنا كناية عن المجازاة ويكون ذلك خاصاً بالدنيوي من إظهار المدح والإعزاز مثلاً وليس بالردىء، وقيل: يجوز إبقاء الرؤية على ما يتبادر منها. وتعقب بأن فيه التزام القول برؤية المعاني وهو تكلف وإن كان بالنسبة إليه تعالى غير بعيد، وأنت تعلم أن من الأعمال ما يرى عادة كالحركات ولا حاجة فيه إلى حديث الالتزام المذكور على أن ذلك الالتزام في جانب المعطوف لا يخفى ما فيه. وأخرج ابن أبـي شيبة وغيره عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ} أي فسيظهره. {وَسَتُرَدُّونَ} أي بعد الموت {إِلَىٰ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ} ومنه ما سترونه من الأعمال {وَٱلشَّهَـٰدَةِ} ومنها ما تظهرونه، وفي ذكر هذا العنوان من تهويل الأمر وتربية المهابة ما لا يخفى. {فَيُنَبّئُكُمْ} بعد الرد الذي هو عبارة عن الأمر الممتد {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} قبل ذلك في الدنيا والإنباء مجاز عن المجازاة أو كناية أي يجازيكم حسب ذلك إن خيراً فخير وإن شراً فشر ففي الآية وعد ووعيد.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة}تفسير : [التوبة: 104] الذي هو في قوة إخبارهم بأن الله يقبل التوبة وقل لهم اعملوا، أي بعد قبول التوبة، فإن التوبة إنما ترفع المؤاخذة بما مضى فوجب على المؤمن الراغب في الكمال بعد توبته أن يزيد من الأعمال الصالحة ليجبر ما فاته من الأوقات التي كانت حقيقة بأن يعمرها بالحسنات فعمرها بالسيئات فإذا وردت عليها التوبة زالت السيئات وأصبحت تلك المدة فارغة من العمل الصالح، فلذلك أمروا بالعمل عقب الإعلام بقبول توبتهم لأنهم لما قُبلت توبتهم كان حقاً عليهم أن يدلوا على صدق توبتهم وفرط رغبتهم في الارتقاء إلى مراتب الكمال حتى يَلحقوا بالذين سبقوهم، فهذا هو المقصود، ولذلك كان حذف مفعول {اعملوا} لأجل التعويل على القرينة، ولأن الأمر من الله لا يكون بعمل غير صالح. والمراد بالعمل ما يشمل العمل النفساني من الاعتقاد والنية. وإطلاق العمل على ما يشمل ذلك تغليب. وتفريع {فسيرى الله عملكم} زيادة في التحْضيض. وفيه تحذير من التقصير أو من ارتكاب المعاصي لأن كون عملهم بمرأى من الله مما يبعث على جعله يرضي الله تعالى. وذلك تذكير لهم باطلاع الله تعالى بعلمه على جميع الكائنات. وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الإحسان: «حديث : هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : . وعطف {ورسوله} على اسم الجلالة لأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله وهو الذي يتولى معاملتهم على حسب أعمالهم. وعطف {المؤمنون} أيضاً لأنهم شهداء الله في أرضه ولأن هؤلاء لما تابوا قد رجعوا إلى حضيرة جماعة الصحابة فإن عملوا مثلهم كانوا بمحل الكرامة منهم وإلا كانوا ملحوظين منهم بعين الغضب والإنكار. وذلك مما يحذره كل أحد هو من قوم يرمقونه شزراً ويرونه قد جاء نكراً. والرؤية المسندة إلى الله تعالى رؤية مجازية. وهي تعلق العلم بالواقعات سواء كانت ذواتٍ مبصَراتٍ أم كانت أحداثاً مسموعات ومعاني مدرَكات، وكذلك الرؤية المسندة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المعنى المجزى لقوله: {عملكم}. وجملة: {وستردون إلى عالم الغيب والشهادة} من جملة المقول. وهو وعد ووعيد معاً على حسب الأعمال، ولذلك جاء فيه {بما كنتم تعملون} وقد تقدم القول في نظيره آنفاً.

د. أسعد حومد

تفسير : {عَالِمِ} {ٱلشَّهَادَةِ} (105) - هذا وَعِيدٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِمَنْ خَالَفُوا أَوَامِرَهُ، وَتَحْذِيرٌ لَهُمْ بِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ سَتُعْرَضُ عَلَيهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُمْ سَيُرَدُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلى اللهِ، الذِي يَعْلَمُ الغَيْبَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الشَاهِدُ عَلَى خَلْقِهِ جَمِيعاً، فَيُخْبِرُهُمْ بِكُلِّ عَمَلٍ عَمِلُوهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إذن: هم أعلنوا التوبة بعد أن اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى يحلّنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: خذ من أموالنا صدقة لتطهرنا؛ كل هذا جعل هناك حداً فاصلاً بين ماضٍ ندموا عليه، ومستقبل يستأنفونه قد ولدت الآن. وبدأت صفحة جديدة، فهل أنتم ستسيرون على مقتضى هذه التوبة أم لا؟ ولا تظنوا أن أموركم ستكون في الخفية بل ستكون في العلن أيضاً، أما أموركم الخفية فسيعلمها الله؛ لذلك قال: {فَسَيَرَى ٱللَّهُ}. أما الأمور التي تحتاج لفطنة النبوة فالرسول صلى الله عليه وسلم بفطرته سيراها بنوره في سلوككم. أما الأمور الظاهرة الأخرى فسيراها {ٱلْمُؤْمِنُونَ}. نحن هنا أمام ثلاثة أعمال: عمل يراه المؤمنون جميعاً، فالتزموا بهذا المنهج حتى يشهد لكم المؤمنون بما يرون من أعمالكم، وإياكم أن تخادعوا المؤمنين؛ لأن رسول الله بفطنته ونورانيته وصفائه وشفافيته سيعرف الخديعة، أما إن كانت المسألة قد تتعمَّى على المؤمنين وعلى الرسول، فالله هو الذي يعلم. {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ} أي: اعملوا عملاً جديداً يناسب اعترافكم بذنوبكم، ويناسب إعلانكم التوبة، ويناسب أنكم ربطتم أنفسكم في المسجد، ويناسب أنكم تصدقتم بالأموال، عمل تستأنفون به حياتكم بصفحة جديدة، واعلموا أننا سنرقب عملكم، الله يرقبه فيما لا يعلمه البشر، وهو النيَّات، ورسول الله يعلمه فيما يطابق نورانيته وإشراقه، والمؤمنون يعلمونه في عاديات الأمور. وهذه الرؤية من الله ومن الرسول ومن المؤمنين لا تكون لها قيمة إلا إذا ترتب عليها الجزاء ثواباً أو عقاباً، فهي ليست مجرد رؤية، بل إن الرائي يملك أن يثيب أو أن يعاقب. وأنكم راجعون إليه لا محالة. وإذا كنتم في الدنيا تعيشون في الأسباب التي يعيش فيها الكافر والمؤمن، ويعيش فيها الطائع والعاصي، فهناك عالم الغيب الذي يملكه الله وحده: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. إذن: سيعامل التائب معاملة جديدة، وما دام قد تاب، فلعله بسبب الغفلة التي طرأت عليه فأذنب؛ غفل عن اليوم الآخر، فيحتاج إلى تجديد التذكير بالإيمان. لذلك قال: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ}. قوله سبحانه: (فَسَيَرَى) ذكر الفعل مرة واحدة، فالرؤية واحدة ملتحمة بعضها ببعض لتروا هل أنتم على المنهج أم لا؟ {وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} أما علم الغيب فانفرد به الله سبحانه، وأما عالم الشهادة فالرسول سوف يعلم عنكم أشياء، وكذلك المؤمنون يعلمون أشياء، وربنا عالم بالكل. وسبحانه لا يجازي على مجرد العلم، بل بنية كل إنسان بما فعل، وسبحانه يقول: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء: 14]. ولذلك يُنهي الحق هذه الآية بقوله: {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} وهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم، وربطوا أنفسهم في السواري، وتصدقوا بالأموال، وأعطى الله فيهم حكمه بأن جعل رسول الله هو من يحل وثاقهم من السواري، وقبل منهم الصدقات؛ ليسوا وحدهم، فهناك أناس آخرون فعلوا نفس الأمر، لكنهم لم يربطوا أنفسهم في سواري المسجد، ولا اعترفوا بذنوبهم؛ لذلك يجيء قوله الحق: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَقُلِ} يا أكمل الرسل للمخلفين من الأعراب: {ٱعْمَلُواْ} ما شئتم من الكفر والنفاق {فَسَيَرَى ٱللَّهُ} الرقيب عليكم {عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} بوحيه سبحانه وإلهامه {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} بتبليغه {وَ} اعلموا أيها الغواة المجرمون {سَتُرَدُّونَ} للحساب والجزاء {إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ} أي: السرائر والخفيات التي تسترونها من الكفر والمعاصي {وَٱلشَّهَادَةِ} أي: التي تعلنون بها {فَيُنَبِّئُكُمْ} سبحانه على التفصيل {بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] من طغيان نفوسكم، ويجازيكم عليها. {وَآخَرُونَ} من المتخلفين بعدما تبهوا بقبح صينعهم {مُرْجَوْنَ} مؤخرون، منتظرون {لأَمْرِ ٱللَّهِ} وحكمه، وصاروا مترددين بين الخوف والرجاء فيما فعل الله معهم {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} أخذاً على ما صدر عنهم بمقتضى عدله {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} ويوفقهم على التوبة يمقتضى فضله وسعة رحمته، وجوده {وَٱللَّهُ} المطلع لخفيات صدورهم {عَلِيمٌ} بإخلاصهم ونيَّاتهم {حَكِيمٌ} [التوبة: 106] في فعله بهم بعد علمه بحالهم. {وَ} من أشدهم كفراً ونافقاً، وأغلظهم بغضاً وشقاقاً، هم {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} تلبيساً وتغريراً {مَسْجِداً} قاصدين في بنائه {ضِرَاراً} مضرةً وسوءاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين {وَكُفْراً} أي: اشتداداً وزيادة فيه؛ لأنهم يقصدون بإنشائه وبنائه قتل رسول الله والمؤمنين فيه {وَ} قصدوا أيضاً {تَفْرِيقاً} وتشتيتاً {بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المجتمعين في مسجد قباء {وَ} بالجملة: إنما يبنونه {إِرْصَاداً} أي: ترقباً وانتظاراً {لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهو أبو عامر، الراهب الذي حارب مع المؤمنين {مِن قَبْلُ} يوم حنين فانهزم، فهرب إلى الشام؛ ليذهب إلى قيصر، فيأتي بجنوده، وهم منتظرون لمجيئه. {وَ} بعدما ظهر نفاقهم وخداعهم بوحي الله وإلهامه على رسوله {لَيَحْلِفُنَّ} وليقسمن بالأيمان الغليظة {إِنْ أَرَدْنَا} أي: ما قصدنا ببنائه {إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} والخير، وهي الصلاة المقربة نحو الحق والذكر والتسبيح والتوسعة على المؤمنين، وازدياد شعائر الإسلام {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائرهم ومحايلهم {يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] في حلفهم. وإذا عرفت يا أكمل الرسل حالهم، وحلفهم، وسوء قصدهم وفعالهم {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} للتوجه والصلاة؛ لكونه مبنياً على الخداع والتزوير {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ} وبني {عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} عن محارم الله وخالصاً لرضاه {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} بني، وهو مسجد قباء {أَحَقُّ} أي: أليق وأولى {أَن تَقُومَ فِيهِ} للصلاة والميل نحو الحق؛ إذ {فِيهِ رِجَالٌ} مؤمنون كاملون في الإيمان {يُحِبُّونَ} دائماً {أَن يَتَطَهَّرُواْ} عن المعاصي والآثام، ويتوجهوا نحو الحق برفض الشواغل ونقض العوائق العلائق {وَٱللَّهُ} المطلع بنياتهم {يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] القاصدين تظهير ذواتهم عن التوجه إلى ما سوى الحق المطلق، بل عن هوياتهم وتعيناتهم الباطلة.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن ظهور الأحوال بصدور الأعمال بقوله تعالى: {وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] يشير إلى أن عمل المحسن يخلص إلى السماوات بقدر قوة صدقة وإخلاصه، فالله تعالى يراه بنور ألوهيته، وروح الرسول صلى الله عليه وسلم يراه بنور نبوته، وأرواح المؤمنين بنور إيمانهم، فاستعلاء ذلك النور وصفاؤه وضوؤه يكون على قدر علو همة المحسن وخلوص نيته وصفاء طويته، وإن لعمل المسيء ظلمة تصعد إلى السماوات بقدر قوة عقليته وخباثة نفسه، فإنه تعالى يراها وروح رسوله وأرواح المؤمنين، {وَسَتُرَدُّونَ} [التوبة: 105] بأقدام أعمالكم. {إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ} [التوبة: 105] أي: إلى الله الذي هو عالم بما غاب عنكم وغبتم عنه، فأمَّا ما غاب عنكم فهو نتائج أعمالكم من الخير والشر وجزاؤها فإنها إن لم تغب عنكم زدتم في الخير وما عملتم شراً، وأمَّا ما غبتم عنه فهو تقدير الأزل والحكمة فيما جرى به القلم من أعمال الخير والشر وعالم بما تشاهدون بالعيون والقلوب في الملك والملكوت، {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] فيجزيكم بمكافآت أعمالكم نتائج الخير والشر الذي قد غاب عنكم حين مباشرة أعمالكم الخير بالخير والشر بالشر فتعلمون ما كنتم تعملون. ثم أخبر عن الموقوفين لقضائه وقدره لقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} [التوبة: 106] يشير إلى الحكمة الأزلية التي اقتضت إقدام بعض النفوس على الذنوب وتأخير توبتهم وهم مترددون بين الخوف والرجاء، {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 106] ولهم فيما بين ذلك تربية؛ ليطيروا بجناحي الخوف والرجاء إلى أن يصلوا إلى مقام الفيض والبسط إلى أن يبلغوا سرادقات الأنس والهيبة، ثم ليطيروا بجناحي الأنس والهيبة إلى قاب قوسين الستر والتجلي والوحدة، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 106] بتربية عباده، {حَكِيمٌ} [التوبة: 106] بمن يصلح للقرب والقبول ومن يصلح للبعد. ثم أخبر عن إرادة أهل النفاق بأعمال أهل الوفاق بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً} [التوبة: 107] إلى قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 110] يشير به إلى أهل الطبيعة اتخذوا مزبلة النفس مسجداً ضراراً لأرباب الحقيقة وكفروا بأحوالهم، كما أنهم اتخذوا بستان القلب مسجداً يذكرون الله في ويطلبونه، وهذا وصف مدعي الطلب الكذابين في دعواهم المتشبهين بزي أرباب الصدق والطلب، {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 107] الطالبين الصادقين بإظهار الدعوى من غير المعنى أن يفرقوا بين الأحوال في الله، وفي طلبه بأنواع الحيل تارة بطلب صحته معهم ومرافقتهم في الأسفل، وتارة بذكر البلدان وكثرة النعم فيها وطيب هوائها وكرم أهلها وإرادتهم بهذه الطائفة؛ ليزجوهم عن خدمة المشايخ ومحبة الإخوان. {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} [التوبة: 107] ليوفقهم في بلاء صحبة الإباحة من مدَّعي الفقر والمعرفة وهم يحاربون الله بترك دينه وشريعته وإحياء سنته، {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} [التوبة: 107] فيما دعوناكم إليه، {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] فيما يدعون ويحلفون، {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} [التوبة: 108] يخاطب رسول الهداية والعناية لا تقم في مزبلة النفس، وإن اتخذت مسجداً مشابهاً لمساجد القلوب. {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} [التوبة: 108] أي: مسجد القلب أسس على العبودية والطاعة والإقرار بالوحدانية، {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} [التوبة: 108] الميثاق عند خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [ الأعراف: 172] وجواب: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172]، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [التوبة: 108] يا رسول الهداية والعناية؛ لأن {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} [التوبة: 108] وهم الأوصاف الحميدة والأخلاق الكريمة من القلب دأبهم التطهير عن الصفات الذميمة والأخلاق اللئيمة؛ بل عن دنس الوجود ولوث الحدوث، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108] الفانين عن وجودهم الباقين بالله، ولولا محبته إياهم ما وفقهم بالتطهير. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] أي: جبل وقت الفطرة بتقدير الأزل، {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 109] أي التوحيد والمعرفة، {وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 109] أي: خلق لطلب رضا الله ونيل الرضا من الله كقوله تعالى: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}تفسير : [التوبة: 100]، {خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} [التوبة: 109] أي: جبل حال الفطرة والتقدير، {عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109] أي: على شفا مهلكة فاسقة، {فَٱنْهَارَ بِهِ} [التوبة: 109] وخسف بهم، {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 109] البعد عن الله. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 109] ما داموا على ظلمهم وهو وضع عبادة الدنيا ومحبتها والحرص في طلبها، وموضع عبادة الله ومحبته والصدق في طلبه، فإذا غيروا ما بأنفهسم من طلب الدنيا وشهواتها يغير الله بما بهم من الكفر والطغيان والخذلان، {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً} [التوبة: 110] عند الفطرة على الشقاوة بنيت شكّاً ونفاقاً وخذلاناً، {فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110] ويخرب الله فيها بنيات الشقاوة بنور الهداية من يشاء من عباده، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} [التوبة: 110] بمن يشاء به السعادة، {حَكِيمٌ} [التوبة: 110] بمن أراد به الشقاوة وحكم بها في الأزل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { وَقُلْ } لهؤلاء المنافقين: { اعْمَلُوا } ما ترون من الأعمال، واستمروا على باطلكم، فلا تحسبوا أن ذلك، سيخفى. { فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ } أي: لا بد أن يتبين عملكم ويتضح، { وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من خير وشر، ففي هذا التهديد والوعيد الشديد على من استمر على باطله وطغيانه وغيه وعصيانه. ويحتمل أن المعنى: أنكم مهما عملتم من خير أو شر، فإن اللّه مطلع عليكم، وسيطلع رسوله وعباده المؤمنين على أعمالكم ولو كانت باطنة.