Verse. 1341 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَاٰخَرُوْنَ مُرْجَوْنَ لِاَمْرِ اللہِ اِمَّا يُعَذِّبُھُمْ وَاِمَّا يَتُوْبُ عَلَيْہِمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۱۰۶
Waakharoona murjawna liamri Allahi imma yuAAaththibuhum waimma yatoobu AAalayhim waAllahu AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وآخرون» من المتخلفين «مُرْجَؤُن» بالهمز وتركه: مؤخرون عن التوبة «لأمر الله» فيهم بما يشاء «إما يعذبهم» بأن يميتهم بلا توبة «وإما يتوب عليهم والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم، وهم الثلاثة الآتون بعد: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية، تخلفوا كسلا وميلا إلى الدعة، لا نفاقا ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد.

106

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة ونافع والكسائي وحفص عن عاصم مرجون بغير همز والباقون بالهمز وهما لغتان. أرجأت الأمر وأرجيته بالهمز وتركه، إذا أخرته. وسميت المرجئة بهذا الاسم لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها إلى مشيئة الله تعالى. وقال الأوزاعي: لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام: القسم الأول: المنافقون الذين مردوا على النفاق. القسم الثاني: التائبون وهم المرادون بقوله: {وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ } وبين تعالى أنه قبل توبتهم. والقسم الثالث: الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في هذه الآية، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا الثالث، أو أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فقال كعب: أنا أفره أهل المدينة جملاً، فمتى شئت لحقت الرسول، فتأخر أياماً وأيس بعدها من اللحوق به فندم على صنيعه وكذلك صاحباه، فلما قدم رسول الله قيل لكعب اعتذر إليه من صنيعك، فقال: لا والله حتى تنزل توبتي، وأما صاحباه فاعتذرا إليه عليه السلام فقال: « حديث : ما خلفكم عني » تفسير : فقالا: لا عذر لنا إلا الخطيئة فنزل قوله تعالى: {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } فوقفهم الرسول بعد نزول هذه الآية ونهى الناس عن مجالستهم، وأمرهم باعتزال نسائهم وإرسالهن إلى أهاليهن، فجاءت امرأة هلال تسأل أن تأتيه بطعام فإنه شيخ كبير، فأذن لها في ذلك خاصة، وجاء رسول من الشأم إلى كعب يرغبه في اللحاق بهم، فقال كعب: بلغ من خطيئتي أن طمع في المشركون، قال: فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت. وبكى هلال بن أمية حتى خيف على بصره، فلما مضى خمسون يوماً نزلت توبتهم بقوله: { أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ } تفسير : [التوبة: 117] وبقوله تعالى: { أية : وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [التوبة: 118] الآية. وقال الحسن: يعني بقوله: {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } قوماً من المنافقين أرجأهم رسول الله عن حضرته. وقال الأصم: يعني المنافقين وهو مثل قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَـٰفِقُونَ } أرجأهم الله فلم يخبر عنهم ما علمه منهم وحذرهم بهذه الآية إن لم يتوبوا أن ينزل فيهم قرآناً. فقال الله تعالى: {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن كلمة «إما» و «أما» للشك، والله تعالى منزه عنه. وجوابه المراد منه ليكن أمرهم على الخوف والرجاء، فجعل أناس يقولون هلكوا إذا لم ينزل الله تعالى لهم عذراً، وآخرون يقولون عسى الله أن يغفر لهم. المسألة الثانية: لا شك أن القوم كانوا نادمين على تأخرهم عن الغزو وتخلفهم عن الرسول عليه اسلام، ثم إنه تعالى لم يحكم بكونهم تائبين بل قال: {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } وذلك يدل على أن الندم وحده لا يكون كافياً في صحة التوبة. فإن قيل: فما تلك الشرائط؟ قلنا: لعلهم خافوا من أمر الرسول بإيذائهم أو خافوا من الخجلة والفضيحة، وعلى هذا التقدير فتوبتهم غير صحيحة ولا مقبولة، فاستمر عدم قبول التوبة إلى أن سهل أحوال الخلق في قدحهم ومدحهم عندهم، فعند ذلك ندموا على المعصية لنفس كونها معصية، وعند ذلك صحت توبتهم. المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يعفو عن غير التائب، وذلك لأنه قال في حق هؤلاء المذنبين {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } وذلك يدل على أنه لا حكم إلا أحد هذين الأمرين، وهو إما التعذيب وإما التوبة، وأما العفو عن الذنب من غير التوبة، فهو قسم ثالث. فلما أهمل الله تعالى ذكره دل على أنه باطل وغير معتبر. والجواب: أنا لا نقطع بحصول العفو عن جميع المذنبين، بل نقطع بحصول العفو في الجملة، وأما في حق كل واحد بعينه، فذلك مشكوك فيه. ألا ترى أنه تعالى قال: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } فقطع بغفران ما سوى الشرك، لكن لا في حق كل أحد، بل في حق من يشاء. فلم يلزم من عدم العفو في حق هؤلاء، عدم العفو على الإطلاق. وأيضاً فعدم الذكر لا يدل على العدم، ألا ترى أنه تعالى قال: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ } تفسير : [عبس: 38، 39] وهم المؤمنون { أية : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ } تفسير : [عبس: 40 - 42] فههنا المذكورون، إما المؤمنون، وإما الكافرون، ثم إن عدم ذكر القسم الثالث، لم يدل عند الجبائي على نفيه، فكذا ههنا. وأما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } أي {عَلِيمٌ } بما في قلوب هؤلاء المؤمنين {حَكِيمٌ } فيما يحكم فيهم ويقضي عليهم.

القرطبي

تفسير : نزلت في الثلاثة الذين تيب عليهم: كعب بن مالك وهلال بن أُميّة من بني واقف ومُرارة بن الربيع؛ وقيل: ٱبن رِبْعِي العَمْرِيّ؛ ذكره المهدوِي. كانوا قد تخلفوا عن تبوك وكانوا مياسر؛ على ما يأتي من ذكرهم. والتقدير: ومنهم آخرون مُرْجَوْن؛ من أرجأته أي أخرته. ومنه قيل: مُرْجِئة؛ لأنهم أخّروا العمل. وقرأ حمزة والكسائي «مُرْجَوْن» بغير همز؛ فقيل: هو من أرجيته أي أخرته. وقال المبرد: لا يقال أرجيته بمعنى أخرته، ولكن يكون من الرجاء. {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} «إمّا» في العربية لأحد أمرين، والله عز وجل عالم بمصير الأشياء، ولكن المخاطبة للعباد على ما يعرفون؛ أي ليكن أمرهم عندكم على الرجاء لأنه ليس للعباد أكثر من هذا.

البيضاوي

تفسير : {وَءاخَرُونَ} من المتخلفين. {مُرْجَونَ} مؤخرون أي موقوف أمرهم من أرجأته إذا أخرته. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص {مرجون} بالواو وهما لغتان. {لأَمْرِ ٱللَّهِ} في شأنهم. {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ} إن أصروا على النفاق. {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} إن تابوا والترديد للعباد، وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوالهم. {حَكِيمٌ} فيما يفعل بهم. وقرىء «والله غفور رحيم»، والمراد بهؤلاء كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، فلما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم وفوضوا أمرهم إلى الله فرحمهم الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا، أي: عن التوبة، وهم مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلاً وميلاً إلى الدعة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكاً ونفاقاً، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأرجي هؤلاء عن التوبة، حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله: {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰر} تفسير : [التوبة: 117] الآية، {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} الآية، كما سيأتي بيانه في حديث كعب بن مالك، وقوله: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أي: هم تحت عفو الله، إن شاء فعل بهم هذا، وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم في أفعاله وأقواله، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَءَاخَرُونَ } من المتخلفين {مُرْجَؤُونَ} بالهمز وتركه (مرْجَونَ)مؤخرون عن التوبة { لاْمْرِ ٱللَّهِ } فيهم بما يشاء {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ } بأن يميتهم بلا توبة {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بخلقه {حَكِيمٌ } في صنعه بهم، وهم الثلاثة الآتون بعد:( مرارة بن الربيع) و(كعب بن مالك) و(هلال بن أمية): تخلفوا كسلاً وميلاً إلى الدعة لا نفاقاً ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كغيرهم، فوقف أمرَهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ} وهم الثلاثة الباقون من العشرة المتأخرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك ولم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة، وهم هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك. {مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ} أي مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم. {إِمَّا يُعَذِبُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: يميتهم على حالهم، قاله السدي. الثاني: يأمر بعذابهم إذا لم يعلم صحة توبتهم. {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يعلم صدق توبتهم فيطهر ما فيهم. الثاني: أن يعفو عنهم ويصفح عن ذنوبهم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عليم بما يؤول إليه حالهم، حكيم فيما فعله من إرجائهم.

ابن عطية

تفسير : قوله {وآخرون} عطف على قوله أولاً {أية : وآخرون} تفسير : [التوبة: 84]، وقرأ نافع والأعرج وابن نصاح وأبو جعفر وطلحة والحسن وأهل الحجاز "مرجون" من أرجى دون همز، وقرأ أبو عمرو وعاصم وأهل البصرة "مرجؤون" من أرجأ يرجىء بالهمز، واختلف عن عاصم، وهما لغتان، ومعناهما التأخير ومنه المرجئة لأنهم أخروا الأعمال أي أخروا حكمها ومرتبتها، وأنكر المبرد ترك الهمز في معنى التأخير وليس كما قال، والمراد بهذه الآية فيما قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وابن إسحاق الثلاثة الذين خلفوا وهم هلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري وكعب بن مالك، ونزلت هذه الآية قبل التوبة عليهم، وقيل إنها نزلت في غيرهم من المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنائهم مسجد الضرار، وعلى هذا يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلاً من {آخرون}، أو خبر ابتداء تقديره هم الذين، فالآية على هذا فيها ترج لهم واستدعاء إلى الإيمان والتوبة، و {عليم} معناه بمن يهدي إلى الرشد، و {حكيم} فيما ينفذه من تنعيم من شاء وتعذيب من شاء لا رب غيره ولا معبود سواه، وقرأ عاصم وعوام القراء والناس في كل قطر إلا بالمدينة "والذين اتخذوا"، وقرأ أهل المدينة نافع وأبو جعفر وشيبة وغيرهم "الذين اتخذوا" بإسقاط الواو، وكذلك في مصحفهم، قاله أبو حاتم، وقال الزهراوي: وهي قراءة ابن عامر وهي في مصاحف أهل الشام بغير واو، فأما من قرأ بالواو فذلك عطف على قوله {وآخرون} أي ومنهم الذين اتخذوا، وأما من قرأ بإسقاطها فرفع {الذين} بالابتداء. واختلف في الخبر فقيل الخبر {أية : لا تقم فيه أبداً} تفسير : [التوبة: 108] قاله الكسائي ويتجه بإضمار إما في أول الآية وإما في آخرها، بتقدير لا تقم في مسجدهم وقيل الخبر لا يزال بنيانهم قاله النحاس وهذا أفصح، وقد ذكرت كون {الذين} بدلاً من، {آخرون}، آنفاً، وقال المهدوي: الخبر محذوف تقديره معذبون أو نحوه، وأما الجماعة المرادة بـ {الذين اتخذوا}، فهم منافقو بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف، وأسند الطبري عن ابن إسحاق عن الزهري وغيره أنه قال:حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى نزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنَّا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنَّا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال إني على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما أقبل ونزل بذي أوان نزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه، فانطلقا مسرعين ففعلا وحرقاه بنار في سعفتفسير : ، وذكر النقاش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث لهدمه وتحريقه عمار بن ياسر ووحشياً مولى المطعم بن عدي، وكان بانوه اثني عشر رجلاً، خذام بن خالد، ومن داره أخرج مسجد الشقاق وثعلبة بن حاطب ومتعب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عمرو وابناه مجمع بن جارية وهو كان إمامهم، وحلف لعمر بن الخطاب في خلافته أنه لم يشعر بأمرهم وزيد بن جارية ونبتل بن الحارث، ويخرج وهو من بني ضبيعة وبجاد بن عثمان ووديعة بن ثابت ويخرج منهم هو الذي حلف لرسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أردت إلا الحسنى" والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد قباء، وقرأ ابن أبي عبلة "ما أردنا إلا الحسنى"، والآية تقتضي شرح شيء من أمر هذه المساجد، فروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وقت الهجرة بنى مسجداً في بني عمرو بن عوف وهو مسجد قباء، وقيل وجده مبنياً قبل وروده، وقيل وجده موضع صلاة فبناه وتشرف القوم بذلك، فحسدهم من حينئذ رجال من بني عمهم من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف، فكان فيهم نفاق، وكان موضع مسجد قباء مربطاً لحمار امرأة من الأنصار اسمها لية، فكان المنافقون يقولون والله لا نصبر على الصلاة في مربط حمار لية ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامر عبد عمرو المعروف بالراهب منهم، وكانت أمه من الروم فكان يتعبد في الجاهلية فسمي الراهب، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان سيداً نظيراً وقريباً من عبد الله بن أبي ابن سلول، فلما جاء الله بالاسلام نافق ولم يزل مجاهراً بذلك فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، ثم خرج في جماعة من المنافقين فحزب على رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحزاب، فلما ردهم الله بغيظهم أقام أبو عامر بمكة مظهراً لعداوته، فلما فتح الله مكة هرب إلى الطائف. فلما أسلم أهل الطائف خرج هارباً إلى الشام يريد قيصر مستنصراً به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى قومه المنافقين منهم أن ابنوا مسجداً مقاومة لمسجد قباء وتحقيراً له، فإني سآتي بجيش من الروم أخرج به محمداً وأصحابه من المدينة فبنوه، وقالوا سيأتي أبو عامر ويصلي فيه ويتخذه متعبداً ويسر به، ثم إن أبا عامر هلك عند قيصر ونزل القرآن في أمر مسجد الضرار فذلك قوله {وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله} يعني أبا عامر وقولهم سيأتي أبو عامر، وقرأ الأعمش "للذين حاربوا الله" وقوله {ضراراً} أي داعية للتضار من جماعتين فلذلك قال {ضراراً } وهو في الأكثر مصدر ما يكون من اثنين وإن كان المصدر الملازم لذلك مفاعلة كما قال سيبويه، ونصب " ضرار" وما بعده على الصدر في موضع الحال، ويجوز أن يكون على المفعول من أجله، وقوله {بين المؤمنين } يريد بين الجماعة التي كانت تصلي في مسجد قباء فإن من جاوز مسجدهم كانوا يصرفونه إليه وذلك داعية إلى صرفه عن الإيمان، وقيل أراد بقوله {بين المؤمنين } جماعة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا بحسب الخلاف في المسجد المؤسس على التقوى وسيأتي ذلك، قال النقاش يلزم من هذا أن لا يصلى في كنيسة ونحوها لأنها بنيت على شر من هذا كله وقد قيل في هذا لا تقم فيه أبداً. قال القاضي أبو محمد : وهذا تفقه غير قوي، و" الإرصاد " الإعداد والتهيئة، والذي حارب الله ورسوله هو أبو عامر الفاسق، وقوله {من قبل} يريد في غزوة الأحزاب وغيرها، والحالف المراد في قوله {ليحلفن} هو يخرج ومن حلف من أصحابه، وكسرت الألف من قوله {إنهم لكاذبون} لأن الشهادة في معنى القول، وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه فإنه بني على ضرار وكل مسجد بني ضراراً ورياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار، وروي أن مسجد الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة ترمى فيه الأقذار والقمامات.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَءَاخَرُونَ} هم الثلاثه الباقون من العشرة المتخلفين في غزوة تبوك لم يربطوا أنفسهم وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، {مُرْجَوْنَ} لما يرد من أمر الله فيهم. {يُعَذِّبُهُمْ} يميتهم على حالهم، أو يأمر بعذابهم إن لم يعلم صحة توبتهم {عَلِيمٌ} بما يؤول إليه حالهم {حَكِيمٌ} في إرجائهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله ‏ {‏وآخرون مرجون لأمر الله‏} ‏ قال‏:‏ هم الثلاثة الذين خلفوا‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏{‏وآخرون مرجون‏} ‏ قال‏:‏ هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، من الأوس والخزرج‏. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب‏.‏ أن أبا لبابة أشار إلى بني قريظة باصبعه أنه الذبح، فقال‏:‏ خنت الله ورسوله‏.‏ فنزلت ‏{أية : ‏لا تخونوا الله والرسول‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنفال: 27‏]‏ ونزلت ‏ {‏وآخرون مرجون لأمر الله‏} ‏ فكان ممن تاب الله عليه‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏إما يعذبهم‏}‏ يقول‏:‏ يميتهم على معصية ‏ {‏وإما يتوب عليهم‏} ‏ فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال {أية : وعلى الثلاثة الذين خلفوا‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة: 118‏]‏.

ابو السعود

تفسير : {وَءاخَرُونَ} عطفٌ على آخرون قبله أي ومن المتخلفين من أهل المدينةِ ومَنْ حولها من الأعراب قومٌ آخرون غيرُ المعترفين المذكورين {مُرْجَوْنَ} وقرىء مُرْجَئون من أرجيتُه وأرجأتُه أي أخرتُه ومنه المُرْجِئة الذين لا يقطعون بقبول التوبة {لأَمْرِ ٱللَّهِ} في شأنهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم كعبُ بنُ مالك ومَرارةُ بنُ الربـيع وهلالُ بنُ أميةَ لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لُبابةَ وأصحابُه من شد أنفسِهم على السواري وإظهارِ الغمّ والجزَعِ والندمِ على ما فعلوا فوقَفهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونهى أصحابَه عن أن يسلّموا عليهم ويكلموهم وكانوا من أصحاب بدر فهجروهم، والناسُ في شأنهم على اختلاف فمن قائلٍ: هلكوا وقائل: عسى الله أن يغفرَ لهم فصاروا عندهم مُرجَئين لأمره تعالى {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ} إن بقوُا على ما هم عليه من الحال وقيل: إن أصروا على النفاق وليس بذاك فإن المذكورين ليسوا من المنافقين {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} إن خلَصت نيتُهم وصحت توبتُهم والجملةُ في محل النصبِ على الحالية أي منهم هؤلاء إما معذَّبـين وإما مَتوباً عليهم، وقيل: آخرون مبتدأٌ ومرجون صفتُه وهذه الجملةُ خبره {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوالهم {حَكِيمٌ} فيما فعل بهم من الإرجاء وما بعده وقرىء والله غفور رحيم {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا} عطفٌ على ما سبق أي ومنهم الذين أو نصبٌ على الذم وقرىء بغير واو لأنها قصة على حيالها {ضِرَارًا} أي مضارّةً للمؤمنين وانتصابُه على أنه مفعولٌ ثانٍ لاتخذوا أو على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مقدر منصوبٍ على الحالية أي يضارّون بذلك ضراراً أو على أنه مصدرٌ بمعنى الفاعل وقع حالاً من ضمير اتخذوا أي مضارِّين للمؤمنين. (روي حديث : أن بني عمرو بنِ عَوْف لما بنَوا مسجدَ قُباءَ بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهَم فيصليَ بهم في مسجدهم فلما فعله عليه الصلاة والسلام حسدتْهم إخوتُهم بنو غنم بنِ عوف وقالوا: نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامرٍ الراهب أيضاً إذا قدم من الشام) وهو الذي سماه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفاسقَ (وقد كان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم فلم يزل يفعل ذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازنُ يومئذ ولّى هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استعدتم من قوة وسلاح فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ وآتٍ بجنود ومخرجٌ محمداً وأصحابَه من المدينة) (فبنَوا مسجداً إلى جنب مسجد قباءَ وقالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجةِ والليلةِ المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصليَ لنا فيه وتدعوَ لنا بالبركة فقال عليه الصلاة والسلام: "إني على جناح سفر وحالِ شُغْلٍ وإذا قدِمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه" فلما قفَل عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوكَ سألوه إتيانَ المسجد فنزلت عليه فدعا بمالك بنِ الدخشم ومعنِ بن عدي وعامر بنِ السكن ووحشي فقال لهم: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالمِ أهلُه فاهدِموه وأحرِقوه" ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كُناسةٌ تلقى فيها الجيفُ والقُمامة وهلك أبو عامر الفاسقُ بالشام بقِنَّسْرين) تفسير : {وَكُفْراً} تقوية للكفر الذي يُضمِرونه {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين كانوا يصلون في مسجد قباءَ مجتمعين فيغص بهم فأرادوا أن يتفرقوا وتختلف كلمتُهم {وَإِرْصَادًا} إعداداً وانتظاراً وترقباً {لّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهو الراهبُ الفاسقُ أي لأجله حتى يجيءَ فيصليَ فيه ويظهرَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِن قَبْلُ} متعلقٌ باتخذوا أي اتخذوا من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك، أو بحارب أي جارٍ بهما قبل اتخاذِ هذا المسجد {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا} أي ما أردنا ببناء هذا المسجد {إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} إلا الخَصلةَ الحسنى وهي الصلاةُ وذكرُ الله والتوسعةُ على المصلين أو إلا الإرادةَ الحسنى {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} في حلِفهم ذلك.

القشيري

تفسير : لم يُصَرِّحْ بقبول توبتهم، ولم يَسِمْهُم باليأسِ من غفرانه، فوقفوا على قَدَم الخَجلِ، متميلين بين الرهبة والرغبة، متردِّدِين بين الخوف والرجاءَ. أخبر اللهُ - سبحانه - أنَّه إنْ عَذَّبَهم فلا اعتراضَ يتوجّه عليه، وإنْ رَحِمَهم فلا سبيلَ لأحدٍ إليه، قال بعضهم: شعر : ويشبعني من الآمال وعدٌ ومن علمي بتقصيري وعيد

اسماعيل حقي

تفسير : {وآخرون} عطف على آخرون قبله اى ومن المتخلفين من اهل المدينة ومن حولها من الاعراب قوم آخرون غير المعترفين المذكورين {مرجون} قرأ نافع وحمزة والكسائى وحفص مرجون بالواو على ان يكون اصله مرجيون بالياء والباقون مرجأون بالهمزة يقال ارجيته وارجأته بالياء والهمزة والهمزة اذا اخرته والنسبة الى المهموز مرجئى كمرجعىّ لا مرج كمعط والى غير مرجى بياء مشددة عقيب الجيم وهم المرجئة بالهمزة والمرجية بالياء مخففة كما فى القاموس والمرجئة قوم لا يقطعون على اهل الكبائر بشئ من عفو او عقوبة بل يرجئون الحكم فى ذلك اى يؤخرونه الى يوم القيامة كما فى المغرب والمعنى مؤخرون {لأمر الله} فى شأنهم اى حتى ينزل الله فيهم ما يريد {اما يعذبهم} ان بقوا على ما هم عليه من الحال وهو عدم المسارعة الى التوبة والاعتذار دون النفاق فانهم كانوا غير مخلصين {وإما يتوب عليهم} ان خلصت نيتهم وصحت توبتهم والجملة فى محل النصب على الحالية اى منهم هؤلاء اما معذبين واما متوبا عليهم. فان قلت اما للشك والله تعالى منزه عنه اذ هو عالم بما يصير اليه امرهم. قلت الترديد راجع الى العباد. والمعنى ليكن امرهم عندكم بين الخوف والرجاء. وقال ابو البقاء اذا كانت اما للشك جاز ان يليها الاسم وجاز ان يليها الفعل فان كانت للتخيير وقع الفعل بعدها وكانت معه ان كقوله اما ان تلقى {والله عليم} باحوالهم {حكيم} فيما فعل من الارجاء وغيره. والآية نزلت فى ثلاثة نفر من المتخلفين وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع العمرى وهلال بن امية كانوا من اهل بدر ومياسير ومع ذلك تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك. قال كعب بن مالك انا افره اهل المدينة جملا فمتى شئت لحقت العسكر فتأخر اياما وأيس بعدها من اللحوق بهم فندم على ما صنعه وكذلك صاحباه ولكن لم يفعلوا ما فعله الو لبابة واصحابه من شد انفسهم على السوارى واظهار الغم والجزع فوفقنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ونهى الناس ان يجالسوهم او يؤاكلوهم او يشاربوهم وامرهم باعتزال نسائهم وارسالهن الى اهليهن فجاءت امرأة هلال تسأل ان تأتيه بطعامه فانه شيخ كبير فاذن لها فى ذلك خاصة وجاء رسول من الشام الى كعب برغبة فى اللحاق بهم فقال كعب بلغ من خطيئتى الى ان طمع فى المشركون قال فضاقت على الارض بما رحبت وبكى هلال بن امية حتى خيف على بصره فجعل ناس يقولون هلكوا ان لم ينزل الله لهم عذرا وآخرون يقولون عسى الله ان يغفر لهم فصاروا عندهم مرجئين لامر الله اما يعذبهم واما يرحمهم حتى نزلت توبتهم بعد ما مضى خمسون يوما بقوله {أية : لقد تاب الله على النبى} تفسير : [التوبة: 117] الى قوله {أية : وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا} تفسير : [التوبة: 118] الآية اخر الله تعالى امرهم مدة ثم بين توبتهم على اجمل الوجوه حيث قرن توبتهم بتوبته تعالى على النبى صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والانصار وعلم منه ان الهجران للتربية جائز ولو فوق ثلاثة ايام ألا ترى الى الاصحاب كيف قطعوا سلامهم وكلامهم من اولئك الثلاثة الى ان بلغ الكتاب اجله وان اخلاص النية وتفويض الامور الى الله تعالى سبب لرحمة الله تعالى وان البكاء ايضا مدار لقبول التوبة واخلاص الحال فلا بد من الاستغفار والبكاء على الاوزار -حكى- عن بعض اصحاب فتح الموصلى قدس سره قال دخلت يوما على فتح فوجدته يبكى وقد خالطت دموعه صفرة فقلت له بالله عليك يا سيدى هل بكيت الدم فقال والله لولا انك اقسمت على بالله عز وجل ما اخبرتك بكيت الدمع وبكيت الدم فقلت علام بكيت الدم قال على تخلفى عن الله تعالى فعلام بكيت الدم قال على الدموع ان لا تصح لى ان لا تقبل منى قال فلما توفى رأيته فى المنام فقلت ما فعل الله بك قال غفر لى وقربنى ربى وقال يا فتح بكيت كل هذا البكاء على ماذا فقلت يا رب على تخلفى عن حقك وقال والدم لم بكيته قلت يارب على الدموع ان لا تصح لى قال يا فتح فما اردت بهذا كله وعزتى وجلالى لقد صعد الى حافظاك اربعين سنة بصحيفتك وما فيها خطيئة فهذه حال اكابر اولياء الله تعالى يسيئون الظن بانفسهم ويجتهدون فى الله وان علموا العفو والمغفرة. ووقف الفضيل فى بعض حجاته ولم ينطق بشئ فلما غربت الشمس قال واسوأتاه وان عفوت. يقول الفقير وهذا كلام حق فان من الفضاحة العصيان ومن الفضاحة ايضا بقاء اثره الدنيوى بعد الغفران ألا ترى ان عتقاء جهنم لا يستريحون يوم القيامة وان دخلوا الجنة الى ان يمحو الله تعالى ما كتب على جباهم من الأثر: قال الحافظ قدس سره شعر : هرجندكه هجران نمر وصل برآرد دهقان ازل كاشكه اين تخم نكشتى تفسير : وقال السعدى قدس سره شعر : بسا نام نيكوى بنجاه سال كه يك نام زشتش كند بايمال تفسير : وفى الآية اشارة الى ان الحكمة الالهية اقتضت بعض النفوس على الذنوب وتأخير توبتهم وهم مترددون بين الخوف والرجاء ولهم فيما بين ذلك تربية ليطيروا بجناحى الخوف والرجاء الى ان يصلوا الى مقام القبض والبسط الى ان يبلغوا سرادقات الانس والهيبة ثم ليطيروا بجناحى الانس والهيبة الى قاب قوسى السير والتجلى او ادنى الوحدة {والله عليم} بتربية عباده {حكيم} بمن يصلح للقرب والقبول وبمن يصلح للعبد والرد كذا فى التأويلات النجمية

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الإرجاء هو التأخر، يقال: أرجاه ـ بالهمز وتركه ـ: أَخره. يقول الحق جل جلاله: {وآخرون} من المتخلفين، تخلفوا من غير عُذر، ولم يعتذروا بشيء، {مُرْجَوْنَ} أي: مؤخرون {لأمرِ الله} في شأنهم؛ {إما} أن {يُعَذِّبهم} على تخلفهم عن الجهاد مع رسوله، {وإما} أن {يتوب عليهم} حيث تابوا وندموا، والترديد باعتبار العباد، وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادته تعالى، {والله عليم} بأحوالهم، {حكيم} فيما فعل بهم. والمراد بهؤلاء الثلاثة: كَعْب بن مالك، وهِلال بن أمية، ومُرَارَة بن الربيع، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ألا يُسلموا عليهم ولا يكلموهم، فلما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم، وفوضوا أمرهم إلى الله، فرحمهم، وسيأتي تمام قصتهم وتوبة الله عليهم بعدُ، إو شاء الله. الإشارة: وآخرون مؤخرون عن صحبة المشايخ العارفين، حتى ماتوا مفروقين، إما أن يعذبهم على ما أصروا من المساوئ والذنوب، وإما أن يتوب عليهم بفضله وكرمه، إنه عليم لا يخفى عليه ما أسروا، حكيم فيما قضى عليهم من أمر الحجاب بعدله وقضائه. ثم ذكر أهل مسجد الضرار، فقال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل المدينة عن أبي بكر {مرجون} بغير همزة. الباقون بالهمزة. والوجه فيهما أنهما لغتان.. ويقال: أرجأت وأرجيت بمعنى واحد. وهذه الآية عطف على قوله {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق... وآخرون اعترفوا بذنوبهم... وآخرون مرجون لأمر الله} والارجاء تأخير الامر إلى وقت، يقال: أرجأت الأمر إرجاء وأرجيته بالهمزة وترك الهمزة لغتان. وقوله {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} فلفظة {إمّا} لوقوع أحد الشيئين والله اعلم بما يصير اليه امرهم إلا ان هذا للعباد، خوطبوا بما يعلمون. والمعنى وليكن امرهم عندكم على هذا اي على الخوف والرجاء. والآية تدل على صحة قولنا في جواز العفو عن العصاة، لأنه تعالى بين ان قوماً من هؤلاء العصاة أمرهم مرجأ إلى الله: ان شاء عذبهم وان شاء قبل توبتهم فعفا عنهم فلو كان سقوط العقاب عند التوبة واجباً، لما جاز تعليق ذلك بالمشيئة على وجه التخيير، لأنهم ان تابوا وجب قبول توبتهم عند الخصم واسقاط العقاب عنهم، وان أصرّوا ولم يتوبوا فلا يعفي عنهم، فلا معنى للتخيير - على قولهم - وانما يصح ذلك على ما نقوله: من أن مع حصول التوبة تحسن المؤاخذة فان عفا فبفضله وان عاقب فبعدله. وقوله {وإما يتوب عليهم} معناه وإما يقبل توبتهم. وقوله {والله عليم حكيم} معناه عالم بما يؤل اليه حالهم {حكيم} فيما يفعله بهم. والفرق بين الآخِر والآخر أن الآخِر يفيد أنه بعد الأول، والآخر مقابل لأحد في تفصيل ذكر اثنين احدهما كذا والآخر كذا. وقال مجاهد وقتادة: الاية نزلت في هلال بن امية الرافعي وفزارة بن ربعي وكعب بن مالك من الاوس والخزرج، وكان كعب بن مالك رجل صدق غير مطعون عليه، وانما تخلف توانياً عن الاستعداد حتى فاته المسير وانصرف رسول الله ولم يعتذر اليه بالكذب. وقال: والله مالي من عذر، فقال صلى الله عليه وآله: حديث : صدقت فقم حتى يقضي الله فيكتفسير : . وجاء الرجلان الآخران فقالا مثل ذلك وصدقاً، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن كلامهم بعد ما عذر المنافقين وجميع المتخلفين، وكانوا نيفاً وثمانين رجلا فاقام هؤلاء الثلاثة على ذلك خمسين ليلة حتى هجرهم ولدانهم ونساؤهم طاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله بأمره. وبنى كعب خيمة على سلع يكون فيها وحده. وقال في ذلك: شعر : أبعد دور بني القين الكرام وما شادوا علي بنيت البيت من سعف تفسير : ثم نزلت التوبة عليهم في الليل فأصبح المسلمون يبتدرونهم يبشرونهم، قال كعب: فجئت إلى رسول الله في المسجد وكان اذا سر يستبشر كأن وجهه فلقة قمر فقال لي ووجهه يبرق من السرور: ابشر بخير يوم طلع عليك شرفه منذ ولدتك أمك قال كعب، فقلت له: أمن عند الله او من عندك يا رسول الله؟ قال فقال: من عند الله. وتصدق كعب بثلث ما له شكراً لله على توبته.

الجنابذي

تفسير : {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} عطف على آخرون اعترفوا او على ما عطف عليه آخرون اعترفوا، ولمّا كان نزول قوله آخرون اعترفوا فى ابى لبابة بن عبد المنذر، وكان بعد قبول توبته تصدّق بتمام ماله وابى رسول الله (ص) عن اخذ تمام ماله، وقال يكفيك الثّلث ان تتصدّق به، وكان نزول قوله خذ من اموالهم صدقةً فى اخذ صدقته جاء به معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه والارجاء التّأخير، يعنى انّهم مؤخّرون من غير تنجيزٍ بالمغفرة او العذاب لكونهم واقعين بعد بين الملكوت العليا الّتى هى دار الرّحمة والملكوت السّفلى الّتى هى دار العذاب من غير حكمٍ عليهم بكونهم من اهل احدى الملكوتين. اعلم، انّ الانسان بعد البلوغ امّا قادر بحسب قوّته العمّالة والعلاّمة على طلب الدّين والاستشعار بخيره وشرّه الانسانيّين اولا، والثّانى هو المستضعف والاوّل امّا متّصل بنبىّ (ص) او امام (ع) بالبيعة العامّة او الخاصّة اولا، والثّانى امّا منكر لله او لنبىّ وقته وهو الكافر المحكوم عليه بالعذاب، او متحيّر واقف هو المرجى لأمر الله، والاوّل امّا موافق اتّصاله ولسانه لجنانه بحسب قوّته العلاّمة اولا، والثّانى هو المنافق المحكوم عليه بالعذاب سواء كان دخوله وبيعته اكراهاً او طوعاً، والاوّل امّا موافق علمه لعلمه ولا يخالف بحسب قوّته العمّالة تبعيته وعهده اولا، والاوّل هو المؤمن المحكوم عليه بالرّحمة والثّانى هو الخالط للعمل السّيّئ بالعمل الصّالح الّذى على الله ان يعفو عنه، فآخرون مرجون {لأَمْرِ ٱللَّهِ} اى لحكمه الّذى هو من عالم امره {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ} حين خروجهم من الدّنيا بلحوقهم بدار العذاب بواسطة غلبة الحكم السّفلىّ عليهم {وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} بلحوقهم بدار الرّحمة بواسطة غلبة الحكم العلوىّ عليهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} باستعدادهم واستحقاقهم لكلّ من التّوبة والعذاب {حَكِيمٌ} لطيف فى علمه لا يعزب عنه قدر شعرٍ وشعيرةٍ من استعدادهم واستحقاقهم متقن لطيف فى عمله يجازى كلاً بسحب عمله ولو كان بقدر شعيرةٍ وشعرةٍ.

اطفيش

تفسير : {وآخرُون مُرْجَوْن} مبتدأ وخبر، أو معطوف ونعت، أو مبتدأ ونعت، والخبر يعذب كقولك: زيدا ما قائم أو قاعد {لأمْر اللهِ} أى مؤخرون وموقوف أمرهم لأمر الله فى شأنهم، أى حكمه، والإرجاء التأخير من أرجاه، يرجيه بلا همز بعد الجيم، فالأصل مرجاون حذفت الألف الساكن الجائى بعدها، وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، وأبو عمرو، وابن عامر مرجئون بهمزة مضمومة بعدها واو ساكنة سكونا ميتا من أرجأه يرجئه بالهمز، واختلف عن عاصم. {إمَّا يُعذِّبُهم} هذا إن أصرُّوا {وإما يتُوبُ عَليْهم} هذا إن تابوا، والله سبحانه وتعالى عالم بما يقع من حالهم جزما، ولكن ردد للعباد ودلهم بأن كلا الأمرين لله، يفعل ما يريد منهما على ما اقتضت الحكمة. {واللهُ عَليمٌ} بما فى قلوبهم وبحالهم {حَكيمٌ} فيما يفعل بهم، قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن إسحاق: هم الثلاثة الذين خُلِّفوا: هلال بن أمية الواقفى، ومرارة بن الربيع العامرى، وقيل من بنى عمير بن عوف، وكعب بن مالك من بنى عمير بن عوف بانى مسجد قباء، أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لا يسلموا عليهم، ولا يكلموهم، وكانوا لم يربطوا أنفسهم كإخوانهم، ولما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم، وفوضوا أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى، ورحمهم الله عز وجل كما روى، وكما تدل عليه قراءة ابن مسعود: والله غفور رحيم، وكما تنص عليهم الآية الآتية فيهم، وبين ذلك ونزول توبتهم خمسون ليلة، وقيل: هم منافقون ردد فيهم ترغيبا وإبقاء عليهم، وقيل: هم الذين أى أهل مسجد الضرار استدعاهم إلى الإيمان.

اطفيش

تفسير : {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} الأَصل مرجيون بالياءِ لغة من قال أَرجاه بالأَلف يرجيه بالياء، أَو أَصله مرجئُون بالهمزة لغة من قال أَرجأَه يرجئُه بالهمزة بعد الجيم حذفت تخفيفاً أو قلبت ياءً، فحذفت الياءُ، والإِرجاءَ التأْخير {لأَمْرِ اللهِ} إِلى أَمر الله أَو اللام للتعدية أَو التعليل أَخر الله أَمرهم لأَنهم لم يسارعوا إِلى التوبة كما سارع غيرهم عند رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ} بأَن لا يقبل توبتهم فيعذبهم {وإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} يوفقهم إِليها، وهذا تردد مصروف إِلى العباد، والله عالم بما قضى به فى الأَزل، وهو أَنهم تابوا وأَنه يقبل توبتهم، فذلك ترديد من الله للعباد لا تردد كما يذكر أَن تشكيكاً لهم، ولعل وعسى ترجية لهم لا شكاً منه أَو ترجيا منه، والناس ما بين قائِل لا تنزل لهم توبة وقائِل عسى أَن تنزل، فهذا ترددهم، وذلك أَنه تأَخر نزول توبتهم خمسين يوماً من حين يرجع صلى الله عليه وسلم من تبوك إِذ غاب خمسين يوماً. {وَاللهُ عَلِيمٌ} بخلقه وأَحوالهم {حَكِيمٌ} فيما يفعل ودخل هؤُلاءِ المرجون بالأَولى والذات أَو هم المراد وهم ثلاثة: مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال ابن أُمية بضم الهمزة، تخلفوا كسلا وميلا إِلى الراحة لا نفاقاً، ولم يعتذروا كغيرهم تمتعوا فى التخلف فشدد عليهم، تابوا لما رجع من تبوك وعلم بتوبتهم، وقيل اعتذروا ولم يبالغوا فى الاعتذار كما بالغ غيرهم، وكانوا أَصحاب أَموال موسرين، وروى أَنهم قالوا: نحن موسرون، متى شئنا لحقنا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمادوا حتى يئِسوا من اللحوق فندموا، ولكن لم يعتذروا بشدة كأَصحاب السوارى، كأَنهم لم يطمعوا فى قبول التوبة، وروى أَنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لكعب: اعتذر إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا والله حتى تنزل توبتى، وكأَنه آيس من قبوله صلى الله عليه وسلم اعتذاره، وأَما صاحباه فاعتذرا، فقال: ما خلفكما عنى؟ قالا: لا عذر لنا إِلا الخطيئة، ونزلت الآية {وآخرون مرجون لأَمر الله} فنهى الناس عن مجالستهم والتكلم معهم ومن السلام عليهم، وأَمرهم باعتزال نسائِهم وإِرسالهن إِلى أَهليهن، فسأَلته امرأَة هلال أَن تأْتيه بطعامه لأَنه شيخ كبير وأَذن لها فى الطعام خاصة، وجاءَ رجل من الشام بكتاب إِلى كعب يرغبونه فى اللحاق إِلى الشام، وأَنه لم يخلقه الله بدار مهينة، فسجر به التنور وقال: طمع المشركون فىّ لخطيئَتى، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وبكى هلال حتى غشى على بصره، وقد أَخلصوا بنياتهم ونصحوا فى توبتهم فرحمهم الله بقوله: "أية : وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا"تفسير : [التوبة: 118] إِلخ، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أُمك" تفسير : ، وعن ابن بطال: شدد عليهم لأَن الجهاد فرض عين على أَهل المدينة، لأَنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتال، وقيل: الآية فى قوم منافقين يعذبهم إِن أَصروا ويتوب عليهم إِن تابوا، وهو مخالف لما فى الحديث.

الالوسي

تفسير : {وَآخَرُونَ} عطف على{أية : آخَرُونَ} تفسير : [التوبة: 102] قبله أي ومنهم قوم آخرون غير المعترفين المذكورين {مُرْجَوْنَ} أي مؤخرون وموقوف أمرهم {لاْمْرِ ٱللَّهِ} أي إلى أن يظهر أمر الله تعالى في شأنهم. وقرأ أهل المدينة والكوفة غير أبـي بكر {مُرْجَوْنَ} بغير همزة والباقون {مُرْجَؤُوْن} بالهمز وهما لغتان يقال: أرجأته وأرجيته كأعطيته، ويحتمل أن يكون الياء بدلاً من الهمزة كقولهم: قرأت وقريت وتوضأت وتوضيت وهو في كلامهم كثير، وعلى كونه لغة أصلية هو يائي، وقيل: إنه واوي، ومن هذه المادة المرجئة إحدى فرق أهل القبلة وقد جاء فيه الهمز وتركه، وسموا بذلك لتأخيرهم المعصية عن الاعتبار في استحقاق العذاب حيث / قالوا: لا عذاب مع الإيمان فلم يبق للمعصية عندهم أثر، وفي «المواقف» سموا مرجئة لأنهم يرجون العمل عن النية أي يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، أو لأنهم يعطون الرجاء في قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية انتهى. وعلى التفسيرين الأولين يحتمل أن يكون بالهمز وتركه، وأما على الثالث فينبغي أن يقال مرجئة بفتح الراء وتشديد الجيم. والمراد بهؤلاء المرجون كما في «الصحيحين» هلال بن أمية وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهو المروي عن ابن عباس وكبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ما مع الهم باللحاق به عليه الصلاة والسلام فلم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق وحاشاهم فقد كانوا من المخلصين فلما قدم النبـي صلى الله عليه وسلم وكان ما كان من المتخلفين قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له صلى الله عليه وسلم ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باجتنابهم وشدد الأمر عليهم كما ستعلمه إن شاء الله تعالى إلى أن نزل قوله سبحانه: {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلاْنصَـٰرِ }تفسير : [التوبة:117] الخ، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله تعالى فاعل بهم. {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} في موضع الحال أي منهم هؤلاء إما معذبين وإما متوباً عليهم. وقيل: خبر {آخَرُونَ} على أنه مبتدأ و {مُرْجَوْنَ} صفته، والأول أظهر، و{إِمَّا} للتنويع على معنى أن أمرهم دائر بين هذين الأمرين، وقيل: للترديد بالنظر للفساد؛ والمعنى ليكن أمرهم عندكم بين الرجاء والخوف، والمقصود تفويض ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته إذ لا يجب عليه سبحانه تعذيب العاصي ولا مغفرة التائب. وإنما شدد عليهم مع إخلاصهم، والجهاد فرض كفاية لما نقل عن ابن بطال في «الروض الأنف» وارتضاه أن الجهاد كان على الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا النبـي صلى الله عليه وسلم عليه، ألا ترى قول راجزهم في الخندق: شعر : نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا تفسير : وهؤلاء من أَجِلَّتِهم فكان تخلفهم كبيرة، وروي عن الحسن أن هذه الآية في المنافقين وحينئذ لا يراد بالآخرين من ذكرنا لأنهم من علمت بل يراد به آخرون منافقون، وعلى هذا ينبغي أن يكون قول من قال في {إِمَّا يُعَذّبُهُمْ} أي إن أصروا على النفاق، وقد علمت أن ذلك خلاف ما في «الصحيحين»، وحمل النفاق في كلام القائل على ما يشبهه بعيد ودعوى بلا دليل {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بأحوالهم {حَكِيمٌ} فيما فعل بهم من الإرجاء وفي قراءة عبد الله {غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

ابن عاشور

تفسير : هذا فريق آخر عطف خبره على خبر الفرق الآخرين. والمراد بهؤلاء من بقي من المخلَّفين لم يتب الله عليه، وكان أمرهم موقوفاً إلى أن يقضي الله بما يشاء. وهؤلاء نفر ثلاثة، هم: كعب بن مالك، وهِلال ابن أمية، ومُرارة بن الربيع، وثلاثتهم قد تخلفوا عن غزوة تبوك. ولم يكن تخلفهم نفاقاً ولا كراهية للجهاد ولكنهم شُغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام وأيسوا من اللحاق. وسأل عنهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في تبوك. فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم أتوه وصَدَقوه، فلم يكلمهم، ونهى المسلمين عن كلامهم ومخالطتهم، وأمرهم باعتزال نسائهم، فامتثلوا وبقُوا كذلك خمسين ليلة، فهم في تلك المدة مُرْجَون لأمر الله. وفي تلك المدة نزلت هذه الآية {أية : ثم تاب الله عليهم}تفسير : [المائدة: 71]. وأنزل فيهم قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله {أية : وكونوا مع الصادقين}تفسير : [التوبة: 117 ـــ 119]. وعن كعب بن مالك في قصته هذه حديث طويل أغر في «صحيح البخاري». على التوبة والتنبيه إلى فتح بابها. وقد جوز المفسرون عود ضمير {أية : ألم يعلموا}تفسير : [التوبة: 104] إلى الفريقين اللذين أشرنا إليهما. وقوله: {أية : هو يقبل التوبة}تفسير : [التوبة: 104] (هو) ضمير فصل مفيد لتأكيد الخبر. و{أية : عن عباده}تفسير : [التوبة: 104] متعلقة بـــ {يقبل} لتضمنه معنى يتجاوز، إشارة إلى أن قبول التوبة هو التجاوز عن المعاصي المتوب منها. فكأنه قيل: يقبل التوبة ويتجاوز عن عباده. وكان حق تعدية فعل (يقبل) أن يكون بحرف (من). ونقل الفخر عن القاضي عبد الجبار أنه قال: لعل (عن) أبلغ لأنه ينبىء عن القبول مع تسهيل سبيله إلى التوبة التي قبلت. ولم يبين وجه ذلك، وأحسب أنه يريد ما أشرنا إليه من تضمين معنى التجاوز. وجيء بالخبر في صورة كلية لأن المقصود تعميم الخطاب، فالمراد بِـــ {عباده} جميع الناس مؤمنهم وكافرهم لأن التوبة من الكفر هي الإيمان. والآية دليل على قبول التوبة قطعاً إذا كانت توبة صحيحة لأن الله أخبر بذلك في غير ما آية. وهذا متفق عليه بالنسبة لتوبة الكافر عن كفره لأن الأدلة بلغت مبلغ التواتر بالقول والعمل. ومختلفٌ فيه بالنسبة لتوبة المؤمن من المعاصي لأن أدلته لا تعدو أن تكون دلالة ظواهر؛ فقال المحققون من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين. مقبولة قطعاً. ونقل عن الأشعري وهو قول المعتزلة واختاره ابن عطية وأبوه وهو الحق. وادعى الإمام في «المعالم» الإجماعَ عليه وهي أولى بالقبول. وقال الباقلاني وإمام الحرمين والمازري: إنما يقطع بقبول توبة طائفة غير معينة، يعنون لأن أدلة قبول جنس التوبة على الجملة متكاثرة متواترة بلغت مبلغ القطع ولا يقطع بقبول توبة تائب بخصوصه. وكأنَّ خلاف هؤلاء يرجع إلى عدم القطع بأن التائب المعين تاب توبة نصوحاً. وفي هذا نظر لأن الخلاف في توبة مستوفيةٍ أركانها وشروطها. وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة}تفسير : الآية في سورة النساء (17). والأخذ في قوله: {أية : ويأخذ الصدقات}تفسير : [التوبة: 104] مستعمل في معنى القبول، لظهور أن الله لا يأخذ الصدقة أخذاً حقيقياً، فهو مستعار للقبول والجزاء على الصدقة. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم وأبو جعفر وخلف {مرجَوْن} بسكون الواو بدون همز على أنه اسم مفعول من أرجَاه بالألف، وهو مخفف أرجأه بالهمز إذا أخره، فيقال في مضارعه المخفف: أرجيته بالياء، كقوله: {أية : تُرجي من تشاء منهن}تفسير : [الأحزاب: 51] بالياء، فأصل مُرجَون مُرْجَيُون. وقرأ البقية {مُرجَئُون} بهمز بعد الجيم على أصل الفعل كما قرىء {ترْجيءُ من تشاء} [الأحزاب: 51]. واللام في قوله: {لأمر الله} للتعليل، أي مؤخرون لأجل أمر الله في شأنهم. وفيه حذف مضاف، تقديره: لأجل انتظار أمر الله في شأنهم لأن التأخير مشعر بانتظار شيء. وجملة: {إما يعذبهم وإما يتوب عليهم} بيان لجملة: {وآخرون مُرجَون} باعتبار متعلق خبرها وهو {لأمر الله}، أي أمر الله الذي هو إما تعذيبهم، وإما توبته عليهم. ويفهم من قوله {يتوب عليهم} أنهم تابوا. والتعذيب مفيد عدم قبول توبتهم حينئذٍ لأن التعذيب لا يكون إلا عن ذنب كبير. وذنبهم هو التخلف عن النفير العام، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] الآية. وقبول التوبة عما مضى فضل من الله. و{إما} حرف يدل على أحد شيئين أو أشياء. ومعناها قريب من معنى (أو) التي للتخيير، إلا أن (إما) تدخل على كلا الاسمين المخير بين مدلوليهما وتحتاج إلى أن تتلى بالواو، و(أو) لا تدخل إلا على ثاني الاسمين. وكان التساوي بين الأمرين مع (إما) أظهر منه مع (أو) لأن (أو) تشعر بأن الاسم المعطوف عليه مقصود ابتداء. وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين} تفسير : في سورة الأعراف (115). و{يعذبهم ويتوب عليهم} فعلان في معنى المصدر حذفت (أن) المصدرية منهما فارتفعا كارتفاع قولهم: «تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه» لأن موقع ما بعد (إما) للاسم نحو {أية : إما العذاب وإما الساعة}تفسير : [مريم: 75] و{أية : وإما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسناً}تفسير : [الكهف: 86]. وجملة: {والله عليم حكيم} تذييل مناسب لإبهام أمرهم على الناس، أي والله عليم بما يليق بهم من الأمرين، محكم تقديره حين تتعلق به إرادته.

د. أسعد حومد

تفسير : {آخَرُونَ} (106) - وَهؤُلاءِ المُرْجَوْنَ لأَِمْرِ اللهِ تَعَالَى هُمْ: مَرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، قَعَدُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَعَدَ كَسَلاً، وَمَيْلاً إِلَى الرَّاحَةِ، لاَ شَكّاً وَلاَ نِفَاقاً، أَتَوْا إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَاعْتَرَفُوا لَهُ بِأَنَّهُمْ لاَ عُذْرَ لَهُمْ، فَأَرْجَأَهُمْ رَسُولُ اللهِ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي أَمْرِهِمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِأَلاَّ يُكَلِّمُوهُمْ، وَلاَ يُخَالِطُوهُمْ، فَالتَزَمُوا بُيُوتَهُمْ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِم الدُّنيا عَلَى سَعَتِها، خَوْفاً مِنْ عَذَابِ اللهِ وَسُخْطِهِ، وَاللهُ عَليمٌ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، وَيُرَبِّيهِمْ وَيُزَكِّيهِمْ، وَهُوَ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ لَهُمْ. مُرْجَوْنَ - مُؤَخَّرُونَ لاَ يُقْطَعُ لَهُمْ بِتَوْبَةٍ (وَأَصْلُها مُرْجَؤُونَ).

الثعلبي

تفسير : {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} أي مؤخرون لأمر الله ليقضي فيهم ما هو قاض، وهم الثلاثة الذين خلفوا وربطوا بالسواري أنفسهم ولم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه فرفق بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم وأمر نساءهم باعتزالهم حتى شقهم القلق وتهتكهم الحزن وضاقت عليهم الارض برحبها وكانوا من أهل [بدر، فجعل الناس] يقولون: هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى أن يغفر الله لهم، فصاروا فرحين لأمر الله لا يدرون يعذبون أو يرحمون حتى تاب الله عليهم بعد خمسين ليلة ونزلت {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ}. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} الآية، قال المفسرون: حديث : إنّ بني عمر بن عوف اتخذوا مسجد قبا وبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم فأتاهم فصلى فيهم فحسدهم إخوتهم بنو غنم ابن عوف، وقالوا: نبني مسجداً ونرسل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا وليصلي فيه أبو عامر النعمان الراهب إذا قدم من الشام وكان أبو عامر رجلاً منهم وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان قد ترهّب في الجاهلية وتنصّر ولبس المسوح. فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئت به؟ قال: "جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم"، قال أبو عامر: فأنا عليها قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإنك لست عليها" قال: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفيّة ما ليس منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية"، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أمات الله الكاذب منّا طريداً وحيداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آمين"، وسمي العامر الفاسق. فلما كان يوم أُحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أجد قوماً يقاتلونك إلاّ قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله الى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج الى الروم يستنصر وأرسل الى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجداً فإني ذاهب الى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم فأُخرج محمداً وأصحابه، وذلك قوله تعالى: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فبنوا مسجداً الى جنب مسجد قبا وكان الذين بنوه اثنا عشر رجلاً: خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو الأرعد، وعباد بن حنيف، وحارثة بن عامر، [وجارية وابناه] مجمّع وزيد، ونبتل بن الحارث. ولحاد بن عثمان، ووديعة ابن ثابت، وكان يصلي بهم مجمع بن يسار، فلما فرغوا أتوا رسول الله صلى الله عليه سلم هو يتجهز الى تبوك، وقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني على جناح السفر ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه". فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ونزل [بذي أوان]بلد بينه وبين المدينة ساعة، فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن فأخبره الله عزّ وجلّ خبر مسجد الضرار وما هموا به فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي قاتل حمزة وقال لهم: "انطلقوا الى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه" فخرجوا سريعاً حتى اتوا سالم بن عوف واتوا رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لهم: انتظروا حتى آتي لكم بنار من أهلي فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجوا ينشدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدّموه وتفرّق عنه أهله وامر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والدنس والقمامة، تفسير : ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيداً غريباً وفيه يقول كعب بن مالك: شعر : معاذ الله من فعل الخبيث كسعيك في العشيرة عبد عمرو فاما قلت بأن لي شرف ونخل قدما بعت إيماناً بكفر تفسير : قال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلاً منهم ماذا أعنت في هذا المسجد فقال: أعنت في سارية فقال عمر: أبشر بها في عنقك في نار جهنم. ويروى أنّ بني عمر بن عوف الذين بنوا مسجد قبا سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمّهم في مسجدهم فقال: لا ولا نعمة عين أليس هو مسجد الضرار، فقال له مجمّع: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليَّ. فوالله لقد صليت فيه واني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولقد علمت ما صلّيت معهم فيه كنت غلاماً قارئاً للقرآن وكانوا ثبوتاً قد رغبوا وكانوا لا يعلمون من القرآن شيئاً فصليت ولا أحسب منعوا شيئاً إلاّ أنهم يتضرعون الى الله ولم أعلم ما في أنفسهم. فعذره عمر وصدّقه وأمره بالصلاة في مسجد قبا. فهذا قصة مسجد الضرار الذي أنزل الله عزّ وجلّ فيه {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً} قرأه العامة بالواو، وقول أهل المدينة والشام بغير الواو، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام. قال عطاء: لما فتح الله على عمر بن الخطاب الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأمرهم ألاّ يتخذوا في مدينتهم مسجدين مجاوراً أحدهما لصاحبه. وروى ليث أن شقيقاً لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا بعد. قال: لا أحب أن أُصلي فيه فإنه بني على ضرار وكل مسجد بني على ضرار أو رياءً أو سمعة فإن أصله ينتهي الى مسجد ضرار. {وَكُفْراً} نفاقاً {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يفرقون به جماعتهم لأنهم كانوا صلون جمعاً في مسجد قبا فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم دون مسجد قبا وبعضهم في مسجد قبا فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا {وَإِرْصَاداً} وانتظاراً وإعداداً {لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْل} وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق ليصلي فيه إذا رجع من الشام ويظهر على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). قرأ الأعمش وإرصاداً للذين حاربوا الله {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا} ما أردنا {إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} إلاّ الفعلة الحسنى وهي للمرضى المسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المسير الى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم وحلفهم ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً. لَّمَسْجِدٌ} اللام فيه لام الابتداء والقسم تقديره والله لمسجد {أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} أى بني أصله وابتدئ بناؤه {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} أي من أول يوم بني، وقيل معناه: منذ أول يوم وضع أساسه. قال المبرد: قيل في معنى البيت من حج وامن دهر. أي من هو حج وأمن دهر، وأنشأ زهير: شعر : لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حج، ومن دهر تفسير : منذ حج ومنذ دهر. {أَحَقُّ} أولى {أَن تَقُومَ فِيهِ} مصلياً، واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى ما هو؟ فقال قوم: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه منبره وقبره. أخبرنا عبد الله بن حامد وأخبرنا العبدي. حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا الجماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عثمان بن عبد الله بن ابي رافع عن ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). يدل عليه ما روى حميد الخراط "حديث : عن ابي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن حدثه أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه قال: فقلت: يا رسول الله اي المسجد الذي أسس على التقوى؟ فأخذَ كفّاً من الحصى فضرب به الأرض. ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة ". تفسير : وروى أنس بن ابي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العوفي: هو مسجد قبا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: هو هذا، يعني مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ). قال ابن يزيد وابن زيد وعروة بن الزبير: هو مسجد قبا، وهي رواية علي بن أبي طلحة وعطية عن ابن عباس. {فِيهِ} ومن حضر {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} من الأحداث والنجاسات بالماء، قال الكلبي: هو غسل الأدبار بالماء، وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء لاينامون بالليل على الجنابة. يروى "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قبا لما نزلت هذه الآية:إن الله عزّ وجلّ قد أثنى عليكم في الطهور فما هو؟ قالوا: إنا نستنجي بالماء ". تفسير : {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} اي المتطهرين فأدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما. قال يزيد بن عجرة: حديث : أتت الحمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جارية سوداء فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أنت؟" قالت: أم ملدم انشف الدم، وآكل اللحم وأُصفر الوجه وأُرقق العظم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "فاقصدي الأنصار فإن لهم علينا حقوقاً" فَحُمّ الأنصار. فلما كان الغد قال: "ما للأنصار؟" قال: فحموا عن آخرهم. فقال: "قوموا بنا نعودهم" فعادهم وجعل يقول: "أبشروا فإنها كفارة وطهور". تفسير : قالوا: يا رسول الله ادعوا الله أن يديمها علينا [أعواماً] حتى تكون كفّارة لذنوبنا، فأنزل الله تعالى عليهم {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} بالحمى عن معاصيهم {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} من الذنوب. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} اختلف القرآء به فقرأ نافع وأهل الشام: أُسس بنيانه بضم الهمزة والنون على غير تسمية الفاعل، وذكر أبو حاتم عن زيد بن ثابت، وقرأ عمارة بن صايد: أسس بالمد وفتح السين والنون في وزن آمَنَ، وكذلك الثانية وآسس وأُسّس واحد افعل وفعل يتقاربان في التعدية. وقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد السين الأُولى على تسمية الفاعل واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ} وقرأ عيسى بن عمرتقوىً من الله منوّناً {وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا} أي شفير وقال أبو عبيد: الشفا الحد وتثنيته: الشفوان. {جُرُفٍ} قرأ عاصم وحمزة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتثقيل وهما لغتان وهو السير الي لم تطؤ. قال أبو عبيدة: هو الهوّة وما يجرفه السيل من الأودية {هَارٍ} أي هائر وهو الساقط الذي يتداعى بعضه في أثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو. يقال هو من المقلوب يقلب ويؤخر ياؤها فيقال هار [ولات] كما يقال شاكي السلاح وشائك السلاح وعاق وعائق، قال الشاعر: شعر : ولم يعقني عن هواها عاق . تفسير : وقيل: هو من هار يهار إذا انهدم مثل: خاف يخاف، وهذا مثل لضعف نيّاتهم وقلّة بصيرتهم في علمهم {فَٱنْهَارَ} فانتثر يقال: هار وانهار ويهور بمعنى واحد إذا سقط وانهدم ومنه قيل تهوّر الليل إذا ذهب أكثره، وفي مصحف أُبيّ: فإنهارت به قواعده {فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} قال قتادة: والله [ما تنامى] أن وقع في النار، وذكر لنا أنه حفرت بقعة فيها فرأى الدخان يخرج منه قال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار، وقال خلف بن ياسين الكوفي: حججت مع أبي في زمان بني أُمية فرأيت في المدينة مسجد القبلتين يعني مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبا وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر قالوا: يدخل الجاهل فلا يعرف القبلة فهدّم البناء الذي بني على يدي عبد الصمد بن عليّ، ورأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة. {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً} شكّاً ونفاقاً {فِي قُلُوبِهِمْ} يحسبون أنهم كانوا ببنائه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى. قال ابن عباس: شكاً ونفاقاً، وقال الكلبي: حبّبه وزيّنه لأنّهم زعموا أنهم لا يتبعونه، وقال السدي وحبيب والمبرد: لأنّ الله هدم بنيانهم الذي بنوا حزازة في قلوبهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} تتقطع قلوبهم فيموتوا كقوله تعالى: {أية : لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ}تفسير : [الحاقة: 46]لأن الحياة تنقطع بانقطاع القلب. وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم: إلى أن تقطع، خفيفة على الغاية، يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة، لا يزالون في شك منهم إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبيّنوا. واختلف القُراء في قوله {تَقَطَّعَ}. قال أبو جعفر وشيبة وابن عامر وحمزة والمفضل وحفص: تقطع بفتح التاء والطاء مشدداً، يعني تقطع ثم حذفت إحدى التائين، وقرأ يحيى بن كثير ومجاهد ونافع وعاصم وأبو عمرو والكسائي {تُقَطَّعَ} بضم التاء وتشديد الطاء على غير تسمية الفاعل وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، قرأ يعقوب {َُقَطَعَ} بضم التاء خفيفة من القطع. وروي عن ابن كثير (تقطع) بفتح التاء خفيفة {قُلُوبُهُمْ} نصباً أي تفعل أنت ذلك بهم، وقرأ ابن مسعود والأعمش ولو قطعت قلوبهم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمقصودون بهذه الآية هم الثلاثة الذين سيخصهم القرآن بآيات خاصة يقول فيها: {أية : وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع. وهم قد تخلفوا أيضاً عن غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر في التخلف أبداً، فكل واحد يملك راحلته، وعندهم مالهم، وعندهم كل شيء، وقد قصّ واحد منهم حكايته، وبيّن لنا أنه لم يكن له عذر: "وما كنت في يوم من الأيام أقدر على المال والراحلة مني في تلك الغزوة، كنت أقول: أتجهز غداً، ويأتي الغد ولا أتجهز، حتى انفصل الركب، فقلت ألحق بهم، ولم ألحق بهم". هؤلاء هم الثلاثة الذين جاء فيهم القول: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} و {مُرْجَوْنَ} أو "مرجَئون" والإرجاء هو التأخير. أي: أن الحكم فيهم لم يظهر بعد؛ لأن الله يريد أن يبين للناس أمراً، وخاصَّةً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينشئ في الدولة الإسلامية سجناً يُعزَل فيه المجرم؛ وهذا لحكمة، فكونك تأخذ المجرم وتعزله عن المجتمع وتحبسه في مكان فهذا جائز. لكن النكال في أن تدعه طليقاً، وتسجن المجتمع عنه. وهكذا تتجلى عظمة الإيمان؛ لذلك أصدر صلى الله عليه وسلم أمراً بأن يقاطعهم الناس، فلا يكلمهم أحد، ولا يسأل عنهم أحد، حتى أقرباؤهم ولا يختلط بهم أحد في السوق أو في المسجد. وكان أحدهم يتعمد أن يصلي قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم ويختلس النظرات ليرى هل ينظر النبي له أم لا؟ ثم يذهب لبيت ابن عمه ليتسلق السور، ويقول له: أتعلم أنني أحب الله ورسوله؟ فيرد عليه: الله ورسوله أعلم. وهكذا عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع عنهم، ولم يعزلهم عن المجتمع. وكذلك عزلهم عن زوجاتهم، وهو الأمر الذي يصعب التحكم فيه. وحذر صلى الله عليه وسلم زوجاتهم أن يقربوهم إلى أن يأتي الله بأمره. {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} هذا بالنسبة لنا - إما أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم. لكن الحق سبحانه وحده هو الذي يعلم مصير كل واحد منهم. فالتشكيك إذن هو بالنسبة لنا؛ لأنهم مُرْجَوْن لأمر الله ولم يبت فيهم بحكم لا إلى النار ولا إلى الجنة، ولم يَبت فيهم بالعفو. أما أمرهم فهو معلوم له سبحانه إما أن يعذب وإما أن يتوب؛ لأن كل حكم من الله له ميعاد يولد فيه، ولكل ميلاد حكمة، وهناك قوم عجّل الله بالحكم فيهم، وقوم أخّر الله الحكم فيهم؛ ليصفى الموقف تصفية تربية، لهم في ذاتهم، ولمن يشهدونهم. وقد استمرت هذه المسألة أكثر من خمسين يوماً؛ ليتأدبوا الأدب الذي يؤدبهم به المجتمع الإيماني، فلم يشأ الله أن يبين الحكم حتى يستوفي هذا التأديب. وإذا أُدِّب هؤلاء، فإن تأديبهم سيكون على مَرْأى ومسمع من جميع الناس، فيأخذون الأسوة من هذا التأديب. ولو أن الله عجّل بالحكم، لمرّت المسـألة بغير تأديب للمعتذرين كذباً وغيرهم، فقال: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} وما دام سبحانه قد حكم هنا بأنهم مؤخَّرون لأمر الله، فليس لنا أن نتعجل قصتهم، إلى أن يأتي قول الله فيهم: {أية : وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ...} تفسير : [التوبة: 118]. وأراد الله أن يقص لنا قصة أخرى من أحوالهم، فقال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ} معناهُ مُؤخَّرونَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَآخَرُونَ } من المخلفين مؤخرون { لأمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } ففي هذا التخويف الشديد للمتخلفين، والحث لهم على التوبة والندم. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بأحوال العباد ونياتهم { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، فإن اقتضت حكمته أن يغفر لهم ويتوب عليهم غفر لهم وتاب عليهم، وإن اقتضت حكمته أن يخذلهم ولا يوفقهم للتوبة، فعل ذلك.

همام الصنعاني

تفسير : 1126- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ}: [الآية: 106]، قال: هم الثلاثة الذين تخلفوا.