٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر {ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ } بغير واو، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة، والباقون بالواو، وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق. فالأول: على أنه بدل من قوله: {وءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ } والثاني أن يكون التقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً. المسألة الثانية: قال الواحدي: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير رضي الله عنهم: الذين اتخذوا مسجداً ضراراً كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين بنوا مسجداً يضارون به مسجد قباء، وأقول إنه تعالى وصفه بصفات أربعة: الصفة الأولى: ضراراً، والضرار محاولة الضر، كما أن الشقاق محاولة ما يشق. قال الزجاج: وانتصب قوله: {ضِرَارًا } لأنه مفعول له، والمعنى: اتخذوه للضرار ولسائر الأمور المذكورة بعده، فلما حذفت اللام اقتضاه الفعل فنصب. قال وجائز أن يكون مصدراً محمولاً على المعنى، والتقدير: اتخذوا مسجداً ضروا به ضراراً. والصفة الثانية: قوله: {وَكُفْراً } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد به ضرراً للمؤمنين وكفراً بالنبي عليه السلام، وبما جاء به. وقال غيره اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبي عليه السلام والإسلام. الصفة الثالثة: قوله: {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي يفرقون بواسطته جماعة المؤمنين، وذلك لأن المنافقين قالوا نبني مسجداً فنصلي فيه، ولا نصلي خلف محمد، فإن أتانا فيه صلينا معه. وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلاف الكلمة، وبطلان الألفة. والصفة الرابعة: قوله: {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } قالوا: المراد أبو عامر الراهب، والد حنظلة الذي غسلته الملائكة، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية، وترهب وطلب العلم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عاداه، لأنه زالت رياسته وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشأم، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا لي مسجداً فإن ذاهب إلى قيصر، وآت من عنده بجند، فأخرج محمداً وأصحابه. فبنوا هذا المسجد، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلى بهم في ذلك المسجد. قال الزجاج: الإرصاد الانتظار.وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة. وقال الأكثرون: الإرصاد، الأعداد. قال تعالى: { أية : إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ } تفسير : [الفجر: 14] وقوله: {مِن قَبْلُ } يعني من قبل بناء مسجد الضرار، ثم إنه تعالى لما وصف هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال: {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ } أي ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز، عن المصير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة الممطرة والليلة الشاتية. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } والمعنى: أن الله تعالى أطلع الرسول على أنهم حلفوا كاذبين. واعلم أن قوله: {وَٱلَّذِينَ } محله الرفع على الابتداء وخبره محذوف، أي وممن ذكرنا الذين.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً} معطوف، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجداً، عطف جملة على جملة. ويجوز أن يكون رفعاً بالابتداء والخبر محذوف كإنهم «يعذّبون» أو نحوه. ومن قرأ «الذين» بغير واو وهي قراءة المدنيين فهي عنده رفع بالابتداء، والخبر «لاَ تَقُمْ» التقدير: الذين اتخذوا مسجداً لا تقم فيهِ أبداً؛ أي لا تقم في مسجدهم؛ قاله الكسائي. وقال النحاس: يكون خبر الابتداء «لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ». وقيل: الخبر «يعذبون» كما تقدّم. ونزلت الآية فيما روي فى أبي عامر الراهب؛ لأنه كان خرج إلى قَيْصر وتنصّر ووعدهم قيصر أنه سيأتيهم، فَبَنوْا مسجد الضّرار يرصدون مجيئه فيه؛ قاله ٱبن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وقد تقدّمت قِصته في الأعراف وقال أهل التفسير: إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قُبَاء وبعثوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلّى فيه، فحسدهم إخوانهم بنو غُنْم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً ونبعث إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يأتينا فيُصلّي لنا كما صلّى في مسجد إخواننا، ويصلِّي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام؛ فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله، قد بنينا مسجداً لذي الحاجة؛ والعِلّة والليلة المطيرة، ونحب أن تصلّي لنا فيه وتدعو بالبركة؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني على سفر وحالِ شغل فلو قدِمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه»تفسير : فلما ٱنصرف النبيّ صلى الله عليه وسلم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلّوا فيه الجمعة والسبت والأحد، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضِّرار؛ فدعا النبيّ صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم ومعن بن عَدي وعامر بن السَّكَن ووحْشِيّاً قاتل حمزة، فقال: «حديث : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه» تفسير : فخرجوا مسرعين، وأخرج مالك بن الدُّخْشُم من منزله شعلة نار، ونهضوا فأحرقوا المسجد وهدموه، وكان الذين بنوه ٱثني عشر رجلاً: خِذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرِج مسجد الضرار، ومعتّب بن قُشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعَبّاد بن حُنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف. وجارية بن عامر، وابناه مُجمّع وزيد ابنا جارية، ونَبْتل بن الحارث، وبَحْزَج، وبَجَاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت؛ وثعلبة بن حاطب مذكور فيهم. قال أبو عمر بن عبد البر: وفيه نظر؛ لأنه شهد بدراً. وقال عِكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلاً منهم بماذا أعنت في هذا المسجد؟ فقال: أعنت فيه بسارية. فقال: أبشر بها! سارية في عنقك من نار جهنم. الثانية ـ قوله تعالى: {ضِرَاراً} مصدر مفعول من أجله. {وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً} عطف كله. وقال أهل التأويل: ضرار بالمسجد، وليس للمسجد ضراراً، إنما هو لأهله. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن أبي سعيد الخُدْريّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ضَرَر ولا ضِرار مَن ضارّ ضَارّ الله به ومن شاقّ شَاقَّ الله عليه»تفسير : . قال بعض العلماء: الضرر: الذي لك به منفعة وعلى جارك فيه مضرة. والضِّرار: الذي ليس لك فيه منفعة وعلى جارك فيه المضرة. وقد قيل: هما بمعنى واحد، تكلّم بهما جميعاً على جهة التأكيد. الثالثة ـ قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبنى مسجد إلى جنب مسجد، ويجب هدمه؛ والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأوّل فيبقى شاغراً، إلا أن تكون المَحلّة كبيرة فلا يكفي أهلَها مسجدٌ واحد فيبنى حينئذ. وكذلك قالوا. لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع الثاني؛ ومن صلّى فيه الجمعة لم تُجْزِه. وقد أحرق النبيّ صلى الله عليه وسلم مسجد الضّرار وهدمه. وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلِّي في مسجد بني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته، فقيل له: إن مسجد بني فلان لم يصلّ فيه بعدُ؛ فقال: لا أُحبّ أن أُصلِّي فيه؛ لأنه بُني على ضرار. قال علماؤنا: وكل مسجد بُني على ضرار أو رياء وسُمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه. وقال النقاش: يلزم من هذا ألاّ يصلَّى في كنيسة ونحوها؛ لأنها بنيت على شرّ. قلت: هذا لا يلزم؛ لأن الكنيسة لم يقصد ببنائها الضّرر بالغير، وإن كان أصل بنائها على شر، وإنما اتخذ النصارى الكنيسة واليهودُ البيعة موضعاً يتعبدون فيه بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا. وقد أجمع العلماء على أن من صلّى في كنيسة أو بيعة على موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة. وقد ذكر البخاري أن ٱبن عباس كان يصلِّي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل. وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغِيتهم. الرابعة ـ قال العلماء: إن من كان إماماً لظالم لا يصلَّى وراءه؛ إلا أن يظهر عذره أو يتوب؛ فإن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية أن يصلّي بهم في مسجدهم؛ فقال: لا ولا نعْمَة عين! أليس بإمام مسجد الضرار! فقال له مُجَمِّع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ، فوالله لقد صلّيت فيه وأنا لا أعلم ما قد أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت بهم فيه، كنت غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخاً قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئاً، فصليت ولا أحسِب ما صنعتُ إثماً، ولا أعلم بما في أنفسهم؛ فعذره عمر رضي الله عنهما وصدّقه وأمره بالصلاة في مسجد قُباء. الخامسة ـ قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وإذا كان المسجد الذي يُتّخذ للعبادة وحضّ الشرع على بنائه فقال: «حديث : من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة»تفسير : يُهدَم وينزع إذا كان فيه ضرر بغيره، فما ظنك بسواه! بل هو أحْرَى أن يُزال ويُهدم حتى لا يدخل ضرر على الأقدم. وذلك كمن بنى فُرْناً أو رَحًى أو حفر بئراً أو غير ذلك مما يُدخل به الضرر على الغير. وضابط هذا الباب: أن من أدخل على أخيه ضرراً مُنع. فإن أدخل على أخيه ضرراً بفعل ما كان له فعله في ماله فأضر ذلك بجاره أو غير جاره نظر إلى ذلك الفعل؛ فإن كان تركُه أكبر ضرراً من الضرر الداخل على الفاعل قُطع أكبر الضررين وأعظمهما حرمة في الأُصول. مثال ذلك: رجل فتح كوّة في منزله يَطّلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهل، ومن شأن النساء في بيوتهن إلقاء بعض ثيابهن والانتشار في حوائجهن، ومعلوم أن الاطلاع على العورات محرّم وقد ورد النهي فيه؛ فلحرمة الاطلاع على العورات رأى العلماء أن يغلقوا على فاتح الباب والكوّة ما فتح مما له فيه منفعة وراحة وفي غلقه عليه ضرر لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين، إذ لم يكن بُدٌّ من قطع أحدهما وهكذا الحكم في هذا الباب، خلافاً للشافعيّ ومن قال بقوله. قال أصحاب الشافعيّ: لو حفر رجل في ملكه بئراً وحفر آخر في ملكه بئراً يسرق منها ماء البئر الأوّلة جاز؛ لأن كل واحد منهما حفر في ملكه فلا يُمنع من ذلك. ومثله عندهم: لو حفر إلى جنب بئر جاره كِنيفاً يُفسده عليه لم يكن له منعه؛ لأنه تصرف في ملكه. والقرآن والسنة يردّان هذا القول. وبالله التوفيق. ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع العلماء منه، كدخان الفرن والحمام وغبارِ الأندر والدودِ المتولّد من الزّبل المبسوط في الرّحاب، وما كان مثل هذا فإنه يقطع منه ما بان ضرره وخشي تماديه. وأما ما كان ساعة خفيفة مثل نفض الثياب والحصر عند الأبواب؛ فإن هذا مما لا غِنًى بالناس عنه، وليس مما يستحق به شيء؛ فَنفْيُ الضرر في منع مثل هذا أعظمُ وأكبر من الصبر على ذلك ساعةً خفيفة. وللجار على جاره في أدب السنة أن يصبر على أذاه على ما يقدر، كما عليه ألا يؤذيه وأن يحسن إليه. السادسة ـ ومما يدخل في هذا الباب مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عن ٱمرأة عَرَض لها، يعني مَسّاً من الجن، فكانت إذا أصابها زوجُها وأجنبت أو دنا منها يشتدّ ذلك بها. فقال مالك: لا أرى أن يقربها، وأرى للسلطان أن يحول بينه وبينها. السابعة ـ قوله تعالى: {وَكُفْراً} لما كان اعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قُباء ولا لمسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم كفروا بهذا الاعتقاد؛ قاله ٱبن العربي. وقيل: «وَكُفْراً» أي بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به؛ قاله القشيرِيّ وغيره. الثامنة ـ قوله تعالى: {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي يفرّقون به جماعتهم ليتخلف أقوام عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا يدلكَ على أن المقصد الأكبر والغرضَ الأظهر من وضع الجماعة تأليفُ القلوب والكلمة على الطاعة، وعقدُ الذّمام والحرمة بفعل الدّيانة حتى يقع الأنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وَضَر الأحقاد. التاسعة ـ تفطّن مالك رحمه الله من هذه الآية فقال: لا تصلِّي جماعتان في مسجد واحد بإمامين؛ خلافاً لسائر العلماء. وقد رُوي عن الشافعيّ المنع؛ حيث كان تشتيتاً للكلمة وإبطالاً لهذه الحكمة وذرِيعة إلى أن نقول: من يريد الانفراد عن الجماعة كان له عذر فيقيم جماعته ويقدم إمامته فيقع الخلاف ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم. قال ٱبن العربي: وهذا كان شأنه معهم، وهو أثبت قدماً منهم في الحكمة وأعلم بمقاطع الشريعة. العاشرة ـ قوله تعالى: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} يعني أبا عامر الراهب؛ وسُمِّيَ بذلك لأنه كان يتعبّد ويلتمس العلم فمات كافراً بقِنَّسْرِين بدعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم؛ فلم يزل يقاتله إلى يوم حُنين. فلما انهزمت هوازِن خرج إلى الروم يستنصر، وأرسل إلى المنافقين وقال: استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، وٱبنوا مسجداً فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجند من الروم لأخرج محمداً من المدينة؛ فبنوا مسجد الضرار. وأبو عامر هذا هو والد حنظلة غَسِيل الملائكة. والإرصاد: الانتظار؛ تقول: أرصدت كذا إذا أعددته مرتقباً له به. قال أبو زيد: يقال رصدته وأرصدته في الخير، وأرصدت له في الشر. وقال ٱبن الأعرابي: لا يقال إلا أرصدت، ومعناه ارتقبت. وقوله تعالى: {مِن قَبْلُ} أي من قبل بناء مسجد الضرار. {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} أي ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين كما ذكروا لذي العِلة والحاجة. وهذا يدلّ على أن الأفعال تختلف بالمقصود والإرادات؛ ولذلك قال: {وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنَا إلاَّ الْحُسْنَى}. {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي يعلم خُبث ضمائرهم وكِذبَهم فيما يحلفون عليه.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا} عطف على {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ}، أو مبتدأ خبره محذوف أي وفيمن وصفنا الذين اتخذوا أو منصوب على الاختصاص. وقرأ نافع وابن عامر بغير الواو {ضِرَارًا} مضارة للمؤمنين. وروي: (حديث : أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجداً على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام فلما أتموه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد بنينا مسجداً لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة والشاتية فصل فيه حتى نتخذه مصلى فأخذ ثوبه ليقوم معهم فنزلت، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعل واتخذ مكانه كناسة). تفسير : {وَكُفْراً} وتقوية للكفر الذي يضمرونه. {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يريد الذي كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قباء. {وَإِرْصَادًا} ترقباً. {لّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} يعني الراهب فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين حتى انهزم مع هوازن وهرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بقنسرين وحيداً، وقيل كان يجمع الجيوش يوم الأحزاب فلما انهزموا خرج إلى الشام. و {مِن قَبْلُ} متعلق بـ {حَارَبَ} أو بـ {ٱتَّخَذُواْ} أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف، لما روي أنه بني قبيل غزوة تبوك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فقال: أنا على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل كرر عليه. فنزلت {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى أو الإرادة الحسنى وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} في حلفهم.
ابن كثير
تفسير : سبب نزول هذه الآيات الكريمات، أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شرق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فاراً إلى كفار مكة من مشركي قريش، يمالئهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله عز وجل، وكانت العاقبة للمتقين، وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيب ذلك اليوم، فجرح وجهه، وكسرت رباعيته اليمنى السفلى، وشج رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق يا عدو الله ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرد، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيداً طريداً، فنالته هذه الدعوة، وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلاً يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصداً له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وجاؤوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم؛ ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه، فقال: «حديث : إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله» تفسير : فلما قفل عليه السلام راجعاً إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه جبريل بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هدمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: هم أناس من الأنصار، بنوا مسجداً، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً، واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنود من الروم، وأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله عز وجل {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} إلى قوله: {ٱلظَّـٰلِمِينَ} وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعروة بن الزبير وقتادة وغير واحد من العلماء، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم، قالوا: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: من تبوك، حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: «حديث : إني على جناح سفر وحال شغل» تفسير : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم، فصلينا لكم فيه» تفسير : فلما نزل بذي أوان، أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان، فقال: «حديث : انطلقا إلى هذا المسجد الظالمِ أهلُه، فاهدماه وحرقاه» تفسير : فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم. فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله، فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا} إلى آخر القصة. وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وموالي بني أمية بن زيد، ومُعَتِّب بن قشير من بني ضُبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأذعر من بني ضُبَيعة بن زيد، وعَبَّاد بن حُنَيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وحارثة بن عامر وابناه مجمع بن حارثة وزيد بن حارثة، ونَبْتَل الحارث، وهم من بني ضبيعة، ومخرج، وبحزج، وهم من بني ضبيعة، ويجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت، وموالي بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر. وقوله: {وَلَيَحْلِفَنَّ} أي: الذين بنوه {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} أي: ما أردنا ببنيانه إلا خيراً ورفقاً بالناس، قال الله تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} أي: فيما قصدوا، وفيما نووا، وإنما بنوه ضراراً لمسجد قباء، وكفراً بالله، وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وهو أبو عامر الفاسق الذي يقال له، الراهب، لعنه الله، وقوله: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} نهي له صلى الله عليه وسلم والأمة تبع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبداً. ثم حثه على الصلاة بمسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنيانه على التقوى، وهي طاعة الله وطاعة رسوله، وجمعاً لكلمة المؤمنين، ومعقلاً وموئلاً للإسلام وأهله، ولهذا قال تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة في مسجد قباء كعمرة»تفسير : ، وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة، فالله أعلم. وقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نزلت هذه الآية في أهل قباء: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} - قال - كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية»تفسير : . ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث، وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وقال الطبراني: حدثنا الحسن بن علي المعمري، حدثنا محمد بن حميد الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة، فقال: «حديث : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟» تفسير : فقال: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط، إلا وغسل فرجه، أو قال: مقعدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«حديث : هو هذا»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة الأنصاري: أنه حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء، فقال: «حديث : إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟» تفسير : فقالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً، إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا، ورواه ابن خزيمة في صحيحه، وقال هشيم: عن عبد الحميد المدني عن إبراهيم بن إسماعيل الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة: «حديث : ما هذا الذي أثنى الله عليكم {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}، الآية» تفسير : قالوا: يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء، وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد عن إبراهيم بن محمد عن شرحبيل بن سعد قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} قال: كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط. (حديث آخر) قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك، يعني: ابن مغول، سمعت سياراً أبا الحكم عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد الله بن سلام قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: قباء، فقال: «حديث : إن الله عز وجل قد أثنى عليكم في الطهور خيراً، أفلا تخبروني؟» تفسير : يعني: قوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} فقالوا: يا رسول الله إنا نجده مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء. وقد صرح بأنه مسجد قباء جماعة من السلف، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق عن معمر الزهري عن عروة بن الزبير، وقاله عطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة، وقد ورد في الحديث الصحيح: أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في جوف المدينة، هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية وبين هذا؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن عامر الأسلمي عن عمران بن أبي أنس، عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا» تفسير : تفرد به أحمد. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد الساعدي قال: اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه، فقال: «حديث : هو مسجدي هذا» تفسير : تفرد به أحمد أيضاً. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث عن عمران بن أبي أنس عن سعيد بن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هو مسجدي هذا» تفسير : تفرد به أحمد. (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن أبي أنس عن ابن أبي سعيد عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هو مسجدي» تفسير : وكذا رواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن الليث، وصححه الترمذي، ورواه مسلم كما سيأتي. (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان: رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف، في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك، فقال: «حديث : هو هذا المسجد» تفسير : لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «حديث : في ذلك خير كثير» تفسير : يعني: مسجد قباء. (طريق أخرى) قال الإمام أحمد: قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: إني أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول الله أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: «حديث : هو مسجدكم هذا» تفسير : ثم قال: سمعتَ أباك يذكره؟ رواه مسلم منفرداً به عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد به، ورواه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط به، وقد قال بأنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من السلف والخلف، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير، وقوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيباً أبا روح يحدث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ الروم فيها، فأوهم، فلما انصرف قال: «حديث : إنه يلبس علينا القرآن أن أقواماً منكم يصلون معنا، لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء» تفسير : ثم رواه من طريقين آخرين عن عبد الملك بن عمير عن شبيب أبي روح من ذي الكلاع: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها والقيام بمشروعاتها. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهرون من الذنوب. وقال الأعمش: التوبة من الذنوب، والتطهر من الشرك، وقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء: «حديث : قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟» تفسير : فقالوا: نستنجي بالماء، وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أحمد بن عبد العزيز قال: وجدته في كتاب أبي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء، رواه البزار، ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزيز عن الزهري، ولم يرو عنه سوى ابنه، (قلت): وإنما ذكرته بهذا اللفظ؛ لأنه مشهور بين الفقهاء، ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين، أو كلهم، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} منهم {ٱلَّذِيْنَ ٱتَّخَذُواْ مَّسْجِدًا } وهم اثنا عشر من المنافقين {ضِرَارًا } مضارة لأهل مسجد (قباء) {وَكُفْراً } لأنهم بَنَوه بأمر (أبي عامر) الراهب ليكون معقلاً له يقدّم فيه من يأتي من عنده، وكان ذهب ليأتي بجنود من قيصر لقتال النبي صلى الله عليه وسلم {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الذين يُصلّون بقباء بصلاة بعضهم في مسجدهم {وَإِرْصَادًا } ترقباً {لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ } أي قبل بنائه وهو أبو عامر المذكور {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ } ما {أَرَدْنآ } ببنائه {إِلاَّ } الفعلة {ٱلْحُسْنَىٰ } من الرفق بالمسكين في المطر والحرّ والتوسعة على المسلمين {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ } في ذلك.
الشوكاني
.تفسير : لما ذكر الله أصناف المنافقين، وبين طرائقهم المختلفة، عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً، فيكون التقدير: ومنهم الذين اتخذوا على أن {الذين} مبتدأ، وخبره "منهم" المحذوف، والجملة معطوفة على ما تقدّمها، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على الذمّ. وقرأ المدنيون وابن عامر: "الذين اتخذوا" بغير واو، فتكون قصة مستقلة، الموصول مبتدأ، وخبره: {لاَ تَقُمْ } قاله الكسائي، وقال النحاس: إن الخبر هو {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ } وقيل: الخبر محذوف، والتقدير: يعذبون، وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار. و {ضِرَارًا } منصوب على المصدرية، أو على العلية {وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا وَإِرْصَادًا } معطوفة على {ضِرَارًا } فقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا المسجد أمور أربعة: الأوّل: الضرار لغيرهم، وهو المضاررة. الثاني: الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام، لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق. الثالث: التفريق بين المؤمنين؛ لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء، فتقلّ جماعة المسلمين، وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى. الرابع: الإرصاد لمن حارب الله ورسوله، أي الإعداد لأجل من حارب الله ورسوله. قال الزجاج: الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة. وقال الأكثرون: هو الإعداد، والمعنى متقارب؛ يقال أرصدت لكذا: إذا أعددته مرتقباً له به. وقال أبو زيد: يقال: رصدته وأرصدته في الخير، وأرصدت له في الشرّ. وقال ابن الأعرابي: لا يقال إلا أرصدت، ومعناه: ارتقبت، والمراد بمن حارب الله ورسوله: المنافقون، ومنهم أبو عامر الراهب: أي أعدّوه لهؤلاء، وارتقبوا به وصولهم، وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنين، وقوله: {مِن قَبْلُ } متعلق بـ {اتخذوا}: أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار، أو متعلق بـ {حارب}: أي لمن وقع منه الحرب لله ولرسوله من قبل بناء مسجد الضرار. قوله: {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ } أي: ما أردنا إلا الخصلة الحسنى، وهي: الرفق بالمسلمين، فردّ الله عليهم بقوله: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ } فيما حلفوا عليه، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار، فقال: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } أي: في وقت من الأوقات، والنهي عن القيام فيه، يستلزم النهي عن الصلاة فيه. وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال فلان يقوم الليل: أي يصلي، ومنه الحديث الصحيح: «حديث : من قام رمضان إيماناً به واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه»تفسير : . ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام فيه بقوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } واللام في {لَّمَسْجِدٌ } لام القسم، وقيل: لام الابتداء، وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة، وتأسيس البناء: تثبيته ورفعه. ومعنى تأسيسه على التقوى: تأسيسه على الخصال التي تتقى بها العقوبة. واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى، فقالت طائفة: هو مسجد قباء، كما روي عن ابن عباس والضحاك، والحسن، والشعبي، وغيرهم. وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. والأول: أرجح لما سيأتي قريباً إن شاء الله. و {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } متعلق بأسس: أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه، قال بعض النحاة: إن {مِنْ } هنا بمعنى منذ: أي منذ أوّل يوم ابتدىء ببنائه، وقوله: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } خبر المبتدأ، والمعنى: لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله، لكونه أسس على التقوى من أوّل يوم، ولكون {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } وهذه الجملة مستأنفة لبيان أحقية قيامه فيه: أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل، فهو أولى من جهة الحالّ فيه، ويجوز أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال: أي حال كون فيه رجال يحبون أن يتطهروا، ويجوز أن تكون صفة أخرى لمسجد. ومعنى محبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه؛ وقيل: معناه: يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار. والأوّل: أولى. وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة من الذنوب فحموا جميعاً، وهذا ضعيف جدّاً. ومعنى محبة الله لهم: الرضا عنهم، والإحسان إليهم، كما يفعل المحب بمحبوبه. ثم بيّن سبحانه أن بين الفريقين بوناً بعيداً. فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } والهمزة للإنكار التقريري، والبنيان مصدر كالعمران، وأريد به المبنيّ، والجملة مستأنفة. والمعنى: أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة، وهي تقوى الله ورضوانه، خير ممن أسس دينه على ضدّ ذلك، وهو الباطل والنفاق، والموصول مبتدأ، وخبره {خير}، وقرىء: «أسس بنيانه» على بناء الفعل للفاعل، ونصب بنيانه، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقرىء على البناء للمجهول، وقرىء: «أساس بنيانه» بإضافة أساس إلى بنيانه، وقرىء: «أسّ بنيانه» والمراد: أصول البناء، وحكى أبو حاتم قراءة أخرى، وهي «آساس بنيانه» على الجمع، ومنه:شعر : أصبح الملك ثابت الآساس بالبهاليل من بني العباس تفسير : والشفا: الشفير، والجرف: ما يتجرف السيول، وهي: الجوانب التي تنجرف بالماء، والاجتراف: اقتلاع الشيء من أصله، وقرىء بضم الراء من "جرف" وبإسكانها. والهار: الساقط، يقال هار البناء: إذا سقط، وأصله: هائر، كما قالوا: شاك السلاح، وشائك كذا، قال الزجاج. وقال أبو حاتم: إن أصله هاور. قال في شمس العلوم: الجرف ما جرف السيل أصله، وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار ا هـ، جعل الله سبحانه هذا مثلاً لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحلّ بسرعة، ثم قال: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } وفاعل فانهار، ضمير يعود على الجرف: أي فانهار الجرف بالبنيان في النار، ويجوز أن يكون الضمير في {بِهِ } يعود إلى {من}، وهو الباني. والمعنى: أنه طاح الباطل بالبناء، أو الباني في نار جهنم، وجاء بالانهيار الذي هو للجرف ترشيحاً للمجاز، وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام، وأقوى تراكيبه، وأوقع معناه، وأفصح مبناه. ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا موجب لمزيد ريبهم، واستمرار تردّدهم وشكهم فقال: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } أي شكاً في قلوبهم ونفاقاً، ومنه قول النابغة:شعر : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب تفسير : وقيل: معنى الريبة: الحسرة والندامة، لأنهم ندموا على بنيانه. وقال المبرد: أي حرارة وغيظاً. وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم، ولكنهم ازدادوا بهدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاقاً وتصميماً على الكفر، ومقتاً للإسلام، لما أصابهم من الغيظ الشديد، والغضب العظيم بهدمه، ثم ذكر سبحانه ما يدلّ على استمرار هذه الريبة ودوامها، وهو قوله: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } أي: لا يزال هذا إلا أن تتقطع قلوبهم قطعاً، وتتفرّق أجزاء: إما بالموت أو بالسيف، والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء، ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة. وقيل معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص، ويعقوب، وأبو جعفر، بفتح حرف المضارعة. وقرأ الجمهور بضمها. وروي عن يعقوب أنه قرأ «تقطع» بالتخفيف، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم. وقرأ أصحاب عبد الله بن مسعود: «ولو تقطعت قلوبهم». وقرأ الحسن، ويعقوب، وأبو حاتم: «إلى أن تقطع» على الغاية. أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱلَّذِين ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا } قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً، فقال لهم أبو عامر الراهب: ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه؛ فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فيجب أن تصلي فيه، وتدعو بالبركة، فأنزل الله: {لا تقم فِيهِ أَبَدًا}. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عنه، قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم بجدح جدّ عبد الله بن حنيف، ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصاري، فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبجدح: "حديث : ويلك يا بجدح، ما أردت إلى ما أرى"تفسير : ، فقال: يا رسول الله، والله ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب، فصدّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يعذره، فأنزل الله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعني: رجلاً يقال له أبو عامر، كان محارباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد انطلق إلى هرقل، وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه، وكان قد خرج من المدينة محارباً لله ولرسوله. وأخرج ابن إسحاق، وابن مردويه، عنه، أيضاً قال: دعا رسول الله مالك بن الدخشم، فقال مالك لعاصم: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار، ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله، فحرقوه وهدموه، وخرج أهله فتفرّقوا عنه، فأنزل الله هذه الآية. ولعل في هذه الرواية حذفاً بين قوله صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم وبين قوله فقال مالك لعاصم، ويبين ذلك ما أخرج ابن إسحاق، وابن مردويه، عن أبي رهم: كلثوم بن الحصين الغفاري، وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان: بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله: إنا بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة، والليلة الشاتية، والليلة المطيرة، وإنا نحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه؛ قال: إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه؛ فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، وأخاه عاصم بن عدي، أحد بني العجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرّقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يشتدان، وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا } إلى آخر القصة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم: إن الذين بنوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلاً، وذكرا أسماءهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان: رجل من بني خدرة، وفي لفظ: تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: "حديث : هو هذا المسجد"تفسير : ، لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال "حديث : في ذلك خير كثير"تفسير : ، يعني: مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والزبير بن بكار في أخبار المدينة، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والحاكم في الكنى، وابن مردويه، عن سهل بن سعد الساعدي نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب، والضياء في المختارة، عن أبيّ بن كعب قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى قال: حديث : هو مسجدي هذا»تفسير : . وأخرج الطبراني، والضياء المقدسي في المختارة، عن زيد بن ثابت، مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والطبراني، من طريق عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أوّل يوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال عروة: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير منه، إنما أنزلت في مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، عن ابن عمر، قال: المسجد الذي أسس على التقوى: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج المذكوران عن أبي سعيد الخدري مثله. وقد روي عن جماعة غير هؤلاء مثل قولهم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، أنه مسجد قباء. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، مثله. ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى، وجزم بأنه مسجده صلى الله عليه وسلم، كما قدّمنا من الأحاديث الصحيحة، فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم، ولا غيرهم، ولا يصح لإيراده في مقابلة ما قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء، فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده صلى الله عليه وسلم أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء، بلا شك ولا شبهة تعمّ. وأخرج أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } قال: وكانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية، وفي إسناده يونس بن الحارث، وهو ضعيف. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة، فقال: "حديث : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه، أو قال: مقعدته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو هذا"تفسير : . وأخرج أحمد، وابن خزيمة، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، عن عويم بن ساعدة الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: "حديث : إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تتطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا"تفسير : . رواه أحمد عن حسن بن محمد. حدّثنا أبو أويس، حدّثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة، فذكره. وقد أخرجه ابن خزيمة في صحيحه. وأخرج ابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الجارود في المنتقى، والدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، وابن عساكر، عن طلحة بن نافع، قال: حدّثني أبو أيوب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور، فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، قال: فهل مع ذلك غيره؟ قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحبّ أن يستنجي بالماء، قال: هو ذاك فعليكموه."تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، والبغوي في معجمه، والطبراني وابن مردويه، وأبو نعيم في المعرفة، عن محمد بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، قال: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء فقال: "حديث : إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني؟" تفسير : يعني: قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ } فقالوا: يا رسول الله، إنا لنجده مكتوباً علينا في التوراة الاستنجاء بالماء، ونحن نفعله اليوم. وإسناد أحمد في هذا الحديث هكذا: حدّثنا يحيـى بن آدم، حدّثني مالك، يعني ابن مغول، سمعت سياراً أبا الحكم، عن شهر بن حوشب عن محمد بن عبد الله بن سلام. وقد روى عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا. ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله، وبعضها ضعيف، وبعضها لا تصريح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء، وعلى كل حال: لا تقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في صحتها وصراحتها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } قال: يعني قواعده في نار جهنم. وأخرج مسدّد في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال: لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس في قوله: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } قال: يعني الشك {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } يعني: الموت. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن حبيب بن أبي ثابت، في قوله: {رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } قال: غيظاً في قلوبهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } قال: إلى أن يموتوا. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان، في قوله: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } قال: إلا أن يتوبوا.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً} هؤلاء هم بنو عمرو بن عوف وهم اثنا عشر رجلاً من الأنصار المنافقين، وقيل: هم خذام بن خالد ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب، وَمُعَتِّب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وجارية بن عامر، وابناه مُجمِّع وزيد ابنا جارية، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وبحرج وهو جد عبد الله بن حنيف، وله قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : وَيْلَكَ يَا بَحْرَج مَاذَا أَرَدْتَ بِمَا أَرَى؟" تفسير : فقال يا رسول الله ما أردت إلا الحسنى، وهو كاذب، فصدقه، فبنى هؤلاء مسجد الشقاق والنفاق قريباً من مسجد قباء. {ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} يعني ضراراً، وكفراً بالله، وتفريقاً بين المؤمنين أن لا يجتمعوا كلهم في مسجد قباء فتجتمع كلمتهم، ويتفرقوا فتتفرق كلمتهم، ويختلفوا بعد ائتلافهم. {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...} وفي الإرصاد وجهان: أحدهما: أنه انتظار سوء يتوقع. الثاني: الحفظ المقرون بفعل. وفي محاربة الله تعالى ورسوله وجهان: أحدهما: مخالفتهما. الثاني: عداوتهما. والمراد بهذا الخطاب أبو عامر الراهب والد حنظلة بن الراهب كان قد حزّب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خاف فهرب إلى الروم وتنصر واستنجد هرقل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبنوا هذا المسجد له حتى إذا عاد من هرقل صلى فيه، وكانوا يعتقدون أنه إذا صلى فيه نُصِر، وكانوا ابتدأوا بنيانه ورسول الله صلى الله عليه وسلم خارج إلى تبوك، فسألوه أن يصلي لهم فيه فقال: "حديث : أَنَا عَلَى سَفَرٍ وَلَو قَدِمْنَا إِن شَآءَ اللَّهُ أَتَينَاكُم وَصَلَّينَا لَكُم فِيهِ". تفسير : فلما قدم من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد، وقالوا قد فرغنا منه، فأتاه خبر المسجد وأنزل الله تعالى فيه ما أنزل. وحكى مقاتل أن الذي أمّهم فيه مجمع بن جارية وكان قارئاً، ثم حسن إٍسلامه بعد ذلك فبعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة يعلمهم القرآن، وهو علم ابن مسعود بقية القرآن. {... وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: طاعة الله تعالى. والثاني: الجنة. والثالث: فعل التي هي أحسن، من إقامة الدين والجماعة والصلاة، وهي يمين تحرُّج. {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: والله يعلم إنهم لكاذبون في قولهم خائنون في إيمانهم. والثاني: والله يعلمك أنهم لكاذبون خائنون. فصار إعلامه له كالشهادة منه عليهم. {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} أي لا تصلَّ فيه أبداً، يعني مسجد الشقاق والنفاق فعند ذلك أنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم وعاصم بن عدي فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه. فذهبا إليه وأخذا سعفاً وحرقاه. وقال ابن جريج: بل انهار المسجد في يوم الاثنين ولم يُحرَّق. {لَّمَسْجِدٌ أسِسَّ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ} وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، قاله أبو سعيد الخدري ورواه مرفوعاً. الثاني: أنه مسجد قباء، قاله الضحاك وهو أول مسجد بني في الإسلام، قاله ابن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. الثالث: أنه كل مسجد بني في المدينة أسس على التقوى، قاله محمد بن كعب {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: من المسجد الذي أسس على التقوى رجال يحبون أن يتطهروا من الذنوب والله يحب المتطهرين منها بالتوبة، قاله أبو العالية. والثاني: فيه رجال يحبون أن يتطهروا من البول والغائط بالاستنجاء بالماء. والله يحب المتطهرين بذلك. روى أبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار عند نزول هذه الآية: "حديث : يَا مَعْشَرَ الأَنصَارِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنى عَلَيكُم خَيراً فِي الطَّهُورَ فَمَا طَهُورُكُم هَذَا" تفسير : قالوا: يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فَهَلْ مَعَ ذلِكَ غَيرُهُ؟" تفسير : قالوا لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء، فقال: "حديث : هُوَ ذلِكَ فَعَلَيكُمُوهُ" تفسير : الثالث: أنه عني المتطهرين عن إتيان النساء في أدبارهن، وهو مجهول، قاله مجاهد.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَالِّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً} هم بنو عمرو بن عوف، اثنا عشر رجلاً من الأنصار بنوا مسجد الضرار. {وَتَفْرِيقَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} لئلا يجتمعوا في مسجد قباء. {وَإِرْصَادًا} انتظاراً لسوء يتوقع، أو لحفظ مكروه يفعل. {لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} بمخالفتهما، أو عداوتهما، وهو أبو عامر الراهب والد حنظلة بن الراهب، وكان قد حزَّب على الرسول صلى الله عليه وسلم فبنوه له ليصلي فيه إذا رجع من عند هرقل اعتقاداً منهم أنه إذا صلى فيه نُصروا، ابتدءوا بنيانه والرسول صلى الله عليه وسلم خارج إلى تبوك فسألوه أن يصلي فيه فقال: "حديث : أنا على سفر ولو قدمنا ـ إن شاء الله تعالى ـ أتيانكم وصلينا لكم فيه "تفسير : ، فلما رجع أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد وقالوا: قد فرغنا منه، فأتاه خبره وأنزل الله ـ تعالى ـ فيه ما أنزل. {لا تَقُمْ فِيهِ} لا تُصَلِّ فيه فعند ذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بهدمه فحُرق، أو انهار في يوم الاثنين ولم يُحرق.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً} نزلت في جماعة من المنافقين بنوا مسجداً يضارّون به مسجد قباء وكانوا اثني عشر رجلاً من أهل النفاق وديعة بن ثابت وخذام بن خالد ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب وجارية بن عمرو وابناه مجمع وزيد ومعتب بن قشير وعباد ابن حنيف أخو سهل بن حنيف وأبو حبيبة بن الأزعر ونبتل بن الحرث وبجاد بن عثمان وبحزج بنوا هذا المسجد ضراراً يعني مضارة للمؤمنين وكفراً يعني ليكفروا فيه بالله ورسوله {وتفريقاً بين المؤمنين} لأنهم كانوا جميعاً يصلون في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة وكان يصلي بهم فيه مجمع بن جارية وكان شاباً يقرأ القرآن ولم يدر ما أرادوا ببنائه، فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا وتصلي فيه وتدعو لنا بالبركة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني على جناح سفر ولو قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا فيه " تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله} يعني أنهم بنوا هذا المسجد للضرار والكفر وبنوه إرصاداً يعني انتظاراً وإعداداً لمن حارب الله ورسوله {من قبل} يعني من قبل بناء هذا المسجد وهو أبو عامر الراهب والد حنظلة غسيل الملائكة وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر ما هذا الدين الذي جئت به؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جئت بالحنيفية دين إبراهيم". فقال أبو عامر: فأنا عليها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لست عليها. قال أبو عامر: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية. فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طويداً وحيداً غريباً فقال النبي صلى الله عليه وسلم:آمين"تفسير : وسماه الناس: أبا عامر الفاسق. فلما كان يوم أحد، قال أبو عامر الفاسق للنبي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن، يئس أبو عامر وخرج هارباً إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجداً فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك وقوله: سبحانه وتعالى: {وإرصاداً} يعني انتظاراً لمن حارب الله ورسوله يعني أبا عامر الفاسق ليصلي فيه إذا رجع من الشام من قبل يعني أن أبا عامر الفاسق حارب الله ورسوله من قبل مسجد الضرار {وليحلفن} يعني الذين بنوا المسجد {إن أردنا} يعني ما أردنا ببنائه {إلا الحسنى} يعني إلا الفعلة الحسنى وهي: الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم {والله يشهد إنهم لكاذبون} يعني في قيلهم وحلفهم. حديث : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من تبوك راجعاً نزل بذي أوان وهو موضع قريب من المدينة فأتاه المنافقون وسألوه أن يأتي مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فأنزل الله هذه الآية خبر مسجد الضرار وما هموا به فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن ووحشياً فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه، فخرجوا مسرعين حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك أنظروني حتى أخرج إليكم بنار، فدخل أهله فأخذ من سعف النخل فأشعله ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فأحرقوه وهدموه وتفرق عنه أهله وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيها الجيف والنتن والقمامة . تفسير : مات أبو عامر الراهب بالشام غريباً وحيداً. وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب في خلافته، فسألوه أن يأذن لمجمع بن جارية أن يؤمهم في مسجدهم. فقال: لا ولا نعمة عين أليس هو إمام مسجد الضرار؟ قال مجمع: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه ولو علمت ما صليت معهم فيه وكنت غلاماً قارئاً للقرآن وكانوا شيوخاً لا يقرؤون فصليت بهم ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله ولو أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر فصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء. قال عطاء: لما فتح الله على عمر بن الخطاب الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأمرهم أن لا يبنوا في موضع واحد مسجدين يضار أحدهما الآخر.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} الآية. قرأ نافع، وابن عامر "الذين اتَّخَذُوا" بغير "واو". والباقون بواو العطف. فأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر فلموافقةِ مصاحفهم، فإنَّ مصاحف المدينة والشَّام حذفت منها الواوُ، وهي ثابتةٌ في مصاحف غيرهم. فمنْ أسقط الواوَ ففيه أوجه: أحدها: أنَّها بدلٌ من "آخرون" قبلها، وفيه نظر؛ لأنَّ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا مسجداً ضراراً، لا يقال في حقِّهم: إنَّهم مُرجَوْن لأمر الله؛ لأنَّهُ رُوي في التفسير أنَّهم من كبار المنافقين، كـ: أبي عامر الرَّاهب. الثاني: أنَّهُ مبتدأ، وفي خبره حينئذٍ أقوالٌ، أحدها: أنَّهُ "أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ" والعائدُ محذوفٌ تقديره: بنيانه منهم. الثاني: أنَّهُ "لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُم" قاله النَّحاسُ والحوفيُّ وفيه بعدٌ لطول الفصل. الثالث: أنه "لا تقُمْ فيهِ" قالهُ الكسائيُّ. قال ابن عطيَّة: "ويتجه بإضمارٍ، إمَّا في أول الآية، وإمَّا في آخرها، بتقدير: لا تقمْ في مسجدهم". الرابع: أنَّ الخبر محذوفٌ، تقديره: يعذبون، ونحوه، قاله المهدويُّ. الوجه الثالث: أنَّه منصوبٌ على الاختصاص، وسيأتي هذا الوجه أيضاً في قراءة الواو. وأما قراءةُ الواو ففيها ما تقدَّم، إلاَّ أنَّه يمتنع وجه البدل من "آخرون"؛ لأجل العاطف. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ} ما محلُّه من الإعراب؟ قلتُ: محله النصب على الاختصاص، كقوله تعالى: {أية : وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [النساء:162]. وقيل: هو مبتدأ، وخبره محذوفٌ، معناه: فيمن وصفنا الذين اتَّخذُوا، كقوله: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ}تفسير : [المائدة:38]. يريد على مذهب سيبويه فإنَّ تقديرهُ: فيما يُتْلى عليكم السارق؛ فحذف الخبر، وأبقى المبتدأ، كهذه الآية. قال القرطبي: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً} معطوف، أي: ومنهم الذين اتَّخذُوا مسجداً، عطف جملة على جملة. قوله: "ضِرَاراً" فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنَّهُ مفعولٌ من أجله، أي: مُضَارَّةً لإخوانهم. الثاني: أنَّهُ مفعولٌ ثان لـ "اتَّخذوا" قاله أبُو البقاءِ. الثالث: أنَّه مصدر في موضع الحال من فاعل "اتخذوا"، أي: اتخذوه مضارين لإخوانهم. ويجوزُ أن ينتصبَ على المصدريَّةِ أي: يَضُرُّون بذلك غيرهم ضراراً. ومتعلقاتُ هذه المصادرِ محذوفةٌ، أي: ضراراً لإخوانهم، وكفراً بالله. فصل قال ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وعامة المفسِّرين: الذين اتَّخَذُوا مسجد الضرار كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين، وديعة بن ثابت، وخذام بن خالد ومن داره أخرج هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وحارثة بن عامرٍ، وابناهُ مجمع وزيدُ بنُ حارثة، ومعتبُ بنُ قشير وعبادُ بنُ حنيفٍ أخو سهل بن حنيفٍ، وأبُو حبيبةَ بن الأزهرِ، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له: بحزَجٌ، بنوا هذا المسجد ضراراً، يعني مضارة للمؤمنين، والضرار: محاولة الضّر، كما أنَّ الشقاقَ محاولة ما يشُق. و "كُفْراً" قال ابنُ عباسٍ: يريدُ به ضراراً للمؤمنين، وكُفْراً بالنبي - عليه الصلاة والسلام -، وما جاء به. قال ابنُ عباسٍ، ومجاهد وقتادة وغيرهم: إنَّ أبا عامر الرَّاهب كان خرج إلى قيصر وتنصَّر، ووعدهم قيصر أنَّه سيأتيهم، فبنوا مسجد الضّرار يرصدون مجيئه فيه. وقال غيرهم: اتخذوه ليَكْفُرُوا فيه بالطَّعْنِ على النبيِّ - عليه الصلاة والسلام -. "وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ" أي: يفرقُون بواسطته جماعة المؤمنين وذلك لأن المنافقين قالوا: نبني مسجداً فنُصلِّي فيه؛ ولا نصلِّي خلف محمَّدٍ، فإن أتانا فيه صلينا خلفه وفرقنا بينه وبين الذين يصلون في مسجده، فيؤدي ذلك إلى اختلافِ الكلمة وإبطال الألفة. وكان يُصلِّي لهم مجمعُ بنُ حارثة، فلمَّا فرغوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يتجهَّزُ إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله: إنَّا بنينا مسجداً لذي العلَّة والحاجة، والليلةِ المطيرةِ، والليلة الشاتية، وإنَّا نحب أن تأتينا تصلي لنا فيه، وتدعو بالبركةِ، فقال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنِّي على جناح سفرٍ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ". تفسير : فصل قال القرطبيُّ: "تفطَّن مالكٌ - رحمه الله - من هذه الآية وقال: لا يُصلِّي جماعتان في مسجدٍ واحدٍ بإمامين، خلافاً لسائر العلماء. وروي عن الشَّافعي المنع؛ لأنَّ في ذلك تشتيتاً للكلمة، وإبطالاً لهذه الحكمة، وذريعة إلى أن نقول: من يريدُ الانفراد عن الجماعةِ كان له عذر فيقيمُ جماعة، ويقدم إمامه فيقعُ الخلاف بينهم، ويبطل الكلام وخفي ذلك عليهم". قوله: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ}. الإرصاد: الانتظارُ، قاله الزجاجُ: وقال ابنُ قتيبة: الانتظارُ مع العداوةِ. قالوا: والمرادُ به: أبو عامر الرَّاهبُ، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، وكان قد ترهَّب في الجاهليَّة، وتنصَّر ولبس المسوح، حديث : فلمَّا قدم النبيُّ - عليه الصلاة والسلام - المدينة قال له أبُو عامرٍ: ما هذا الذي جِئْتَ به؟ قال: "جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم"، قال أبو عامرٍ: أنا عليها، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم "إنَّكَ لَسْتَ عليهَا" قال بلى، ولكنك أدخلتَ في الحنيفيَّة ما ليس منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ما فعلتُ ولكنِّي جئتُ بها بيضَاءَ نقيَّةٌ" فقال أبُو عامرٍ، أمات اللهُ الكاذبَ طريداً وحيداً غريباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آمين". وسمَّاه أبا عامر الفاسق فلمَّا كان يوم أحد، قال أبُو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجدُ قوماً يقاتلُونك إلاَّ قاتلتك معهم؛ فلمْ يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلمَّا انهزمت هوازن يئس، وخرج هارباً إلى الشَّام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدُّوا لما استطعتم من قوَّة وسلاح، وابنُوا لِي مسجداً فإنِّي ذاهب إلى قيصر ملك الرُّوم، فآتي بجندٍ من الرُّوم، فأخرج مُحمَّداً وأصحابه من المدينة فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}[التوبة:107] وهو أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشَّام. تفسير : قوله: "مِنْ قبلُ" فيه وجهان: أحدهما - وهو الذي لم يذكر الزمخشريُّ غيره -: أنَّهُ متعلقٌ بقوله: "اتَّخَذُوا"، أي: اتَّخذُوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء. والثاني: أنه متعلقٌ بـ "حَاربَ"، أي: حارب من قبل اتِّخاذ هذا المسجد. قوله: {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا} "ليَحْلفُنَّ" جوابُ قسم مقدر، أي: والله ليحْلِفنَّ. وقوله "إنْ أردْنَا" جوابٌ لقوله: "ليَحْلِفُنَّ" فوقع جوابُ القسم المقدر فعل قسم مجاب بقوله "إنْ أرَدْنَا". و "إنْ" نافية، ولذلك وقع بعدها "إلاَّ". و "الحُسْنَى" صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، أي: إلاَّ الخصلة الحسنى، أو إلاَّ الإرادة الحسنى. وقال الزمخشريُّ "مَا أرَدْنَا ببناء هذا المسجد إلاَّ الخصلة الحسنى، أو إلا الإرادة الحسنى، وهي الصلاةُ". قال أبو حيَّان كأنَّه في قوله: "إلاَّ الخَصْلةِ الحسْنَى" جعله مفعولاً، وفي قوله: "أو إلاَّ الإرادة الحسنى" علةً؛ فكأنه ضمَّن "أرادَ" معنى "قَصَدَ"، أي: ما قصدوا ببنائه لشيء من الأشياء إلاَّ الإرادة الحسنى. قال "وهذا وجهُ متكلف" وأرادوا بالفعلة الحسنى: الرفق بالمسلمين، والتوسعة على أهل الضعف، والعلة، والعجز عن المصير إلى مسجد رسُول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّهم قالوا لرسُول الله: إنَّا بَنينا مسجداً لذي العلَّةِ والحاجة واللَّيلة المطيرة. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} أي: أنَّ الله أطلعَ الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - على أنَّهُم حلفُوا كاذبين. روي أنه لمّا انصرفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من تبوك؛ فنزل بذي أوان موضع قريب من المدينةِ، أتوهُ فسألوهُ إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه، ويأتيهم، فنزل القرآن عليه وأخبره خبر مسجد الضرار، وما همُّوا به، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، ومعن بن عديّ، وعامر بن السكن، والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم: "حديث : انْطلقُوا إلى هذا المَسْجدِ الظَّالم أهلُه فاهدمُوهُ وأحْرِقُوهُ"تفسير : فخرجوا مسرعين حتَّى أتوا سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالكٌ: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهلهُ فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد، وفيه أهله فحرقوه وهدموهُ، وتفرَّق عنه أهله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف، والنتن، والقمامة، ومات أبُو عامرٍ الرَّاهب بالشَّام وحيداً غريباً. ورُوي أنَّ بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة، فيؤمّهم في مسجدهم، فقال: لا والله ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ، فوالله لقد صليتُ فيه وأنا لا أعلم ما أضمرُوا عليه، ولو علمتُ ما صلَّيتُ معهم، كنتُ غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شُيُوخاً لا يقرؤون فصليت ولا أحسب إلاَّ أنهم يتقرَّبُون إلى الله، ولم أعلم ما في أنفسهم فعذره عمر وصدَّقه وأمره بالصلاةِ في مسجد قباء. قال عطاءٌ "لمَّا فتح الله على عُمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجدَ، وأمرهم ألاَّ يبنوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه". قوله: "لا تقم فيه أبداً". قال ابن عباس "لا تُصلّ فيه" منع اللهُ نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يُصلِّي في مسجد الضِّرارِ. قال ابنُ جريجٍ: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة، فصلُّوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد، وانهار في يوم الاثنين. ثم إنَّه تعالى بيَّن العلَّة في هذا النَّهْي، وهي أنَّ أحد المسجدين لمَّا كان مبنياً على التَّقوَى من أول يوم، وكانت الصَّلاة في مسجد آخر تمنع من الصَّلاة في مسجد التقوى، علم بالضرورة أنه يمنع من الصَّلاة في المسجد الثاني. فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني. فالجواب: علة المنع وقعت بمجموع الأمرين، أعني كون مسجد الضرار سبباً للمفاسد المذكورة وهي المضارة والكفر والتَّفريق بين المؤمنين وإرصاده لمن حارب الله ورسولهُ، وكون مسجد التقوى يشتمل على الخيرات الكثيرة. فصل قال القرطبي "قال علماؤنا: لا يجوز أن يُبنى مسجد إلى جانب مسجد، ويجب هدمه، والمنع من بنائه، لئلاَّ ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغراً، إلاَّ أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجدٌ واحدٌ فيبنى حينئذٍ. وكذلك قالوا: لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة، ويجب منع الثاني، ومن صلَّى فيه الجمعة لم تجزه. وقال علماؤنا: كلَّ مسجد بُنِيَ على ضرارٍ أو رياء أو سمعة فهو في حكم مسجد الضِّرارِ لا تجوز الصلاة فيه". فصل قال النقاش "ويلزمُ من هذا ألاَّ يصلى في كنيسة ونحوها؛ لأنَّها بنيت على شر". قال القرطبي "وهذا لا يلزمُ؛ لأنَّ الكنيسة لم يقصد ببنائها الضَّرر بالغير، وإن كان أصل بنائها على شرٍّ، وإنما اتَّخذت النَّصارى الكنيسة واليهود البيعة موضعاً لعبادتهم بزعمهم كالمسجد لنا فافترقا، وقد أجمع العلماء على أن من صلَّى في كنسةٍ، أو بيعة على موضع طاهرٍ أنَّ صلاته صحيحةٌ جائزةٌ. وذكر البُخاريُّ أن ابن عباس كان يصلي في البيعة إذا لم يكن فيها تماثيل، وذكر أبو داود عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يبني مسجد الطائف حيثُ كان طواغيتُهم". فصل قال القرطبيُّ "قال علماؤنا: من كان إماماً لظالم لا يصلِّي وارءه، إلاَّ أن يظهر عذره أو يتوب؛ لأنَّ بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة أن يصلِّي بهم في مسجدهم، فقال: لا والله ولا نعمة عين! أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صليتُ فيه، وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمتُ ما صلَّيْتُ بهم فيه، كنتُ غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شُيُوخاً قد عاشوا على جاهليتهم، وكانوا لا يقرءون من القرآن شيئاً، فصلَّيْتُ ولا أحسب ما صنعت إثماً، ولمْ أعلمْ ما في أنفسهم؛ فعذرهُ عمر، وصدَّقه وأمره بالصلاة في مسجد قُبَاء". فصل قال القرطبيُّ "قال علماؤنا: إذا كان المسجد الذي يتَّخذ للعبادة وحضّ الشارع على بنائه بقوله: "مَنْ بنَى للهِ مسجداً، ولوْ كَمَفْحَصِ قطاةٍ بنى اللهُ لهُ بيتاً في الجنَّةِ" يُهْدم إذا كان فيه ضرر بغيره؛ فما ظنُّك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم. كمنْ بنى فرناً أو رحًى أو حفر بئراً، أو غير ذلك ممّا يدخل ضرراً على الغير. والضَّابطُ فيه: أنَّ منْ أدخَلَ ضرراً على أخيه منع، فإن أدخل على أخيه ضرراً بفعل ما كان له فعله في ماله، فأضرَّ ذلك بجاره، أو غير جاره، نظر إلى ذلك الفعل، فإن كان تركه أكبر ضرراً من الضَّررِ الدَّاخل على الفاعل قطع أكبر الضَّررين. مثل من فتح كُوة في منزله يطلع منها على دار أخيه وفيها العيال والأهلُ، ومن شأن النساء في بيوتهن التجرد من بعض ثيابهنّ والانتشار في حوائجهن، ومعلوم أنَّ الاطلاع على العورات محرّم، نهى الشَّارعُ عن الاطلاع إلى العورات فرأى العلماء أن يغلقوا الكُوَّة وإن كان فيها منفعة وراحة؛ لأنَّ ضرر الكُوَّة أعظم من ضرر سدِّها، خلافاً للشافعي، فإنَّ أصحابه قالوا: لو حفر في ملكه بئراً، وحفر آخر في ملكه بئراً يسرقُ منها ماء البئر الأولى جاز؛ لأنَّ كلَّ واحد حفر في ملكه؛ فلا يمنع، ومثله عندهم: لو حفر إلى جنب بئر جاره كنيفاً يفسد عليه ماءه لم يكن له منعه؛ لأنه تصرف في ملكه، والقرآنُ والسُّنَّةُ يردان هذا القول. ومن هذا النوع من الضَّرر الذي منع العلماء منه، دُخان الفرن والحمام وغبار الأندر والدُّود المتولد من الزبل المنشور في الرحاب؛ فإنه يمنع منه ما كثر ضرره وخشي تماديه". قوله: "... لمَسْجِدٌ..." فيه وجهان: أحدهما: أنَّها لامُ الابتداء. والثاني: أنَّها جوابُ قسمٍ محذوف تقديره: والله لمسجدٌ أسِّسَ، أي: بني أصله على التقوى. وعلى التقديرين فيكون "لمَسْجِدٌ" مبتدأ، و "أسِّسَ" في محل رفع نعتاً له، و "أحقُّ" خبره. والقائمُ مقام الفاعل ضميرُ المسجد على حذف مضاف، أي: أسِّسَ بنيانه، و "مِنْ أوَّلِ" متعلقٌ به، وبه استدلَّ الكوفيون على أنَّ "مِنْ" تكون لابتداء الغاية في الزمان؛ واستدلُّوا أيضاً بقوله: [الطويل] شعر : 2845- مِنَ الصُّبْحِ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ لا تَرَى من القَوْمِ إِلاَّ خَارِجيّاً مُسَوَّمَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2846- تُخَيِّرنَ مِنْ أزمانِ يوْمِ حليمَةٍ إلى اليوْمِ قَدْ جُرِّبْنَ كُلَّ التَّجاربِ تفسير : وقد تأوَّله البصريون على حذف مضاف، أي: من تأسيس أول يوم، ومن طلوع الصُّبحِ، ومن مجيء أزمان يوم. قال القرطبي: "مِنْ" عند النحويين مقابلة "مُنذ"، فـ "منذ" في الزمان بمنزلة "من" في المكان، أي: من تأسيس أوَّل الأيام؛ فدخلت على مصدر الفعل الذي هو "أسس"؛ كقوله: [الكامل] شعر : 2847- لِمَنِ الدِّيارُ بقُنَّةِ الحَجْرِ أقْويْنَ مِنْ حِجَجٍ ومِنْ دَهْرِ؟ تفسير : أي من مرور حجج ومن مرور دهر، وإنَّما دعا إلى هذا أنَّ من أصول النحويين أنَّ "مِنْ" لا يجر بها الأزمان، وإنَّما تُجَرّ الأزمانُ بـ "مِنْذُ"، تقولُ: ما رأيته منذُ شهرٍ، أو سنة. قال أبو البقاءِ "وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ التأسيسَ المقدر ليس بمكانٍ، حتَّى تكون لابتداءِ الغاية ويدلُّ على جواز ذلك قوله: {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ}تفسير : [الروم:4]، وهو كثيرٌ في القرآن وغيره". قال شهابُ الدِّين: البصريون إنَّما فرُّوا من كونها لابتداء الغاية في الزَّمان، وليس في هذه العبارة ما يقتضي أنها لا تكونُ إلا لابتداء الغاية في المكان حتَّى يردّ عليهم بما ذكر، والخلاف في هذه المسألة قوي، ولأبي علي فيها كلامٌ طويلٌ. وقال ابنُ عطيَّة: "ويحْسُنُ عندي أن يستغنى عن تقدير، وأن تكون "من" تجر لفظة "أول"؛ لأنَّها بمعنى: البداءة، كأنَّهُ قال: من مبتدأ الأيام، وقد حكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو". وقوله: "أَحَقُّ" ليس للتفضيل، بل بمعنى "حقيقٌ"، إذْ لا مفاضلة بين المسجدينِ. قال القرطبيُّ "أحقُّ" هو أفعل من الحق، و "أفعل" لا يدخلُ إلاَّ بين شيئين مشتركين لأحدهما مزيَّة في المعنى الذي اشتركا فيه على الآخر، فمسجدُ الضِّرار وإن كان باطلاً لا حقَّ فيه، فقد اشتركا في الحقِّ من جهة اعتقاد بانيه، أو من جهة اعتقاد من كان يظُن أنَّ القيام فيه جائز للمسجدية، لكن أحد الاعتقادين باطل باطناً عند الله، والآخر حق باطناً وظاهراً، ومثله قوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}تفسير : [الفرقان:24] ومعلومٌ أنَّه لا خيرية في النَّارِ، لكنه جرى على اعتقاد كلِّ فرقة أنَّها خير، وأنَّ مصيرها إلى خير، إذ كل حزب بما لديهم فرحُون. و "أنْ تقُوم" أي: بأن تقوم. والتاء لخطاب الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -. و "فِيهِ" متعلقٌ به. قوله: "فِيهِ رجالٌ" يجوزُ أن تكون "فيه" صفةً لمسجد و "رِجَالٌ" فاعلٌ، وأن تكون حالاً من الهاء في "فِيهِ"، و "رِجَالٌ" فاعلٌ به أيضاً، وهذان أولى من حيث إنَّ الوصف بالمفرد أصل، والجارُّ قريبٌ من المفرد. ويجوزُ أن يكون "فيهِ" خبراً مقدَّماً، و "رِجَالٌ" مبتدأ مؤخر. وفي هذه الجملة أيضاً ثلاثة أوجه: أحدها: الوصف. والثاني: الحالُ على ما تقدم. والثالث: الاستئناف. وقرأ عبد الله بن زيدٍ "فِيهِ" بكسر الهاء، و "فِيهُ" الثانية بضمها، وهو الأصل، جمع بذلك بين اللغتين، وفيه أيضاً رفع توهُّم التوكيد، ورفع توهُّم أنَّ "رِجَالٌ" مرفوع بـ "تَقُوم". وقوله "يُحِبُّون" صفة لـ "رِجَالٌ"، و "أنْ" مفعول به. وقرأ طلحة بن مصرف، والأعمش "يَطَّهَّرُوا" بالإدغام، وعلي بنُ أبي طالب "المُتَطهِّرين" بالإظهار عكس قراءة الجمهور في اللفظتين. فصل معنى "أسس" أي: بُني أصله {عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} بُني ووضع أساسه {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} مُصلياً. واختلفوا في المسجدِ الذي أسِّسَ على التقوى، فقال ابنُ عمر وزيدُ ابنُ ثابت، وأبو سعيد الخدري: هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويدلُّ عليه ما روى حميد الخراط قال: سمعتُ أبا سلمة بن عبدِ الرَّحمنِ قال: مرَّ بي عبدُ الرحمن بن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: قُلتُ لهُ: كيفَ سمعت أباكَ يذكرُ في المسجدِ الذي أسِّسَ على التَّقْوَى؟ قال: قال أبِي: دخلتُ على رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم في بيتِ بعضِ نسائِهِ فقلتُ حديث : يا رسُول الله،أيُّ المَسْجدينِ الذي أسِّسَ على التَّقْوَى؟ قال: فأخَذَ كفّاً من حَصْبَاءَ فضرب به الأرض ثُمَّ قال: "هُوَ مسجدُكُمْ هذا" تفسير : لِمسجدِ المدينةِ. قال: فقُلتُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ هَكَذَا يَذكره. وهذا قول سعيد بن المسيّب. وقال قوم: إنَّهُ مسجد قباء، وهي رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة لما روي عن ابن عمر قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كلَّ سبتٍ ماشياً وراكباً، وكان عبدُ الله يفعله، وزاد نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "فيُصلِّي فيه رَكعتَيْنِ". وقوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} أي: من الأحداث والجنابات والنجاسات. قال عطاءٌ: كانوا يستنجون بالماءِ، ولا ينامون الليل على جنابة. روى أبو هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: نزلت هذه الآيةُ في أهل قُباء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} قال: كانوا يستنجون بالماءِ؛ فنزلت فيهم هذه الآية، {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ}. وروي حديث : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقف على باب مسجد قباء وقال:"يا معْشَر الأنْصَارِ إنَّ الله أثْنَى عليكُم، فما الذي تصْنَعُونَ فِي الوضُوءِ؟" فقالوا: نتبع الأحجار بالماءِ، فقرأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم {رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} الآية. تفسير : قالوا: المرادُ منه: الطهارة بالماء بعد الحجر. وقيل: المرادُ منه: الطَّهارة من الذنوب والمعاصي. وقيل: محمول على الأمرين. فإن قيل: لفظ الطَّهارة حقيقة في إزالة النَّجاسات، ومجاز في البراءة عن المعاصي، واستعمال اللفظ الواحدة في الحقيقة، والمجاز معاً لا يجوزُ. فالجوابُ: أنَّ لفظ النَّجس اسم للمستقذر، وهذا القذرُ مفهوم مشترك فيه بين القسمين، فزال السُّؤال. قوله: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ}. قرأ نافع، وابن عامر "أسِّسَ" مبنياً للمفعول، "بُنيانُه" بالرفع، لقيامه مقام الفاعل. والباقون "أسَّسَ" مبنياً للفاعل، "بُنيانَهُ" مفعول به، والفاعل ضمير "مَنْ" وقرأ عمارة بن عائذ الأوَّل مبنياً للمفعول، والثاني مبنياً للفاعل، و "بُنْيَانهُ" مرفوع على الأولى ومنصوب على الثانية لما تقدَّم. وقرأ نصر بن علي، ونصر بن عاصم "أسسُ بُنيانِهِ". وقرأ أبُو حيوة "أساسُ بُنيانِهِ" جمع "أُسِّ". وروي عن نصر بن عاصم أيضاً "أَسُّ" بهمزة مفتوحة وسين مضمومة. وقرىء "إسَاسُ" بالكسر، وهي جموع أضيفت إلى "البُنيانِ". وقرىء "أسَاسُ" بفتح الهمزة و "أسّ" بضم الهمزة وتشديد السين، وهما مفردان أضيفا إلى البنيان. ونقل صاحبُ اللوامح فيه "أسَسُ" بالتخفيف ورفع السين، "بنيانِهِ" بالجر، فـ "أسس" مصدر أسس الحائط، يؤسسُه أسَساً، وأسًّا. فهذه عشر قراءات، والأسُّ والأسَاسُ القاعدةُ التي يبنى عليها الشيءُ. ويقالُ: كان ذلك على أس الدهر، كقولهم: على وجه الدهر. ويقال: أسَّ، مضعفاً: أي: جعل له أسَاساً، وآسَسَ، بزنة "فاعل". و "البُنْيَان" فيه قولان: أحدهما: أنَّهُ مصدر، كـ: الغُفْران، والشُّكران، وأطلق على المفعول كـ "الخَلْق" بمعنى المخلوق، وإطلاق المصدر على المفعول مجاز مفهومٌ، يقالُ: هذا ضربُ الأمير ونسج زيدٍ، أي: مضروبه، ومنسوجه. والثاني: أنَّهُ جمعٌ، وواحده "بُنْيَانة"؛ قال الشاعرُ: شعر : 2848- كَبُنْيَانَةِ القَرْيِيِّ موضِعُ رَحْلِهَا وآثَارُ نِسْعَيْهَا مِنْ الدَّفِّ أبْلَقُ تفسير : يعنون أنه اسم جنسٍ، كـ: قمح وقمحة. قوله: "عَلَىٰ تَقْوَىٰ" يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بنفس "أسَّسَ" فهو مفعول في المعنى. والثاني: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من الضَّميرِ المستكن في "أسَّسَ" أي: قاصداً بنيانه التقوى، كذا قدَّره أبُو البقاءِ. وقرأ عيسى بن عمر "تَقْوًى" منونة. وحكى هذه القراءة سيبويه، ولم يرتضها الناسُ لأنَّ ألفها للتأنيث، فلا وجهَ لتنوينها، وقد خرَّجها الناسُ على أن تكون ألفها للإلحاق. قال ابنُ جني: قياسُها أن تكون ألفها للإلحاق، كـ "أرْطَى". قوله: "خَيْرٌ" خبر المبتدأ. والتفضيل هنا باعتبار معتقدهم. و "أمْ" متصلة، و "مِنْ" الثانية عطف على "مِنْ" الأولى، و "أسَّسَ بُنْيانَهُ" كالأولى، قوله: "عَلَىٰ شَفَا جُرفٍ" كقوله: "عَلَىٰ تَقْوَىٰ" في وجهيه. والشَّفا: الشَّفير، وشفا الشيء حرفه، يقال: أشْفَى على كذا إذا دنا منه. وتقدَّم الكلامُ عليه في آل عمران. وقرأ حمزة، وابنُ عامرٍ، وأبو بكر عن عاصم "جُرْفٍ" بسكون الرَّاءِ والباقون بضمها. فقيل: لغتان. وقيل: السَّاكن فرعٌ على المضموم، كـ: "عُنْق" في "عُنُق" و "طُنْب" في "طُنُب". وقيل: العكس كـ: "عُسُر ويُسُر". و "الجُرُف" البئر التي لم تُطْوَ. وقيل: هو الهُوَّةُ، وما يَجْرفُه السَّيْلُ من الأودية، قاله أبُو عبيدة. وقيل: هو المكان الذي يأكلهُ الماء، فيجْرفه، أي: يذهب به، ورجُلٌ جراف، أي: كثير النكاح كأنَّه يجرفُ في ذلك العملِ، قاله الراغبُ. قوله: "هَارٍ" نعت لـ: "جُرُفٍ"، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها - وهو المشهورُ -: أنَّهُ مقلوبٌ بتقديم لامه على عينه، وذلك أنَّ أصله: هاورٌ، أو هايرٌ بالواو والياء؛ لأنه سمع فيه الحرفان قالوا: هَارَ يَهُور فانهارَ، وهَارَ يَهير، وتهَوَّر البناءُ، وتهَيَّر فقُدِّمت اللام، وهي "الراء" على العين - وهي "الواو" أو "الياء" - فصار كـ: غازٍ، ورامٍ، فأعلَّ بالنقص كإعلالهما، فوزنه بعد القلب: "فَالِع"، ثم تزنُه بعد الحذف بـ "فَالٍ". الثاني: أنه حذفت عينه اعتباطاً، أي: لغير موجبٍ، وعلى هذا، فيجري بوجوه الإعراب على لامه، فيقال: هذا هارٌ، ورأيت هاراً، ومررتُ بهارٍ، ووزنه أيضاً "فال". والثالث: أنَّهُ لا قلب فيه ولا حذف، وأنَّ أصله "هَوِر"، أو "هَيِر" بزنة "كَتِف"، فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله، فقُلِب ألفاً، فصار مثل قولهم: كبشٌ صافٌ. أي: صَوِف، ويومٌ راحٌ، أي: روحٌ. وعلى هذا، فيجري بوجوه الإعراب أيضاً كالذي قبله، كما تقولُ: هذا بابٌ ورأيتُ باباً، ومررت ببابٍ. وهذا أعدل الوُجُوهِ، لاستراحته من ادِّعاءِ القلبِ، والحذف اللذين هما على خلاف الأصلِ، لولا أنه غير مشهور عند أهل التَّصريف. ومعنى: "هَارٍ" أي: ساقط متداع منهال. قال الليثُ: الهورُ: مصدر هَارَ الجُرفُ يهورُ، إذا انصدَعَ من خلفه، وهو ثابتٌ بعدُ في مكانه، وهو جرفٌ هارٍ أي: هائر، فإذا سقط؛ فقد انهارَ وتَهيَّر. ومعناه السَّاقط الذي يتداعى بعضه في أثر بعض كما ينهار الرَّمل والشيء الرخو. قوله: "فَٱنْهَارَ" فاعله إمَّا ضميرُ البنيان، والهاءُ في "به" على هذا ضمير المؤسس الباني أي: فسقط بنيان الباني على شفا جرفٍ هار، وإمَّا ضمير الشَّفَا، وإمَّا ضمير الجرف أي: فسقط الشَّفَا، أو سقط الجرفُ، والهاء في "بِهِ" للبنيان، ويجوزُ أن يكون للباني المؤسس. والأولى أن يكون الفاعل ضميرَ الجرف؛ لأنَّهُ يلزمُ من انهياره انهيارُ الشَّفَا والبنيان جميعاً، ولا يلزمُ من انهيارهما أو انهيار أحدهما انهيارهُ. والباءُ في "به" يجوز أن تكون المعدِّية، وأن تكون التي للمصاحبة، وقد تقدَّم الخلاف في أول الكتاب أنَّ المعدِّيةَ عند بعضهم تستلزم المصاحبة. وإذا قيل إنَّها للمصاحبة هنا؛ فتتعلقُ بمحذوفٍ؛ لأنَّها حال أي: فانهار مصاحباً له. فصل معنى الآية: أفمَنْ أسَّس بنيان دينه على قاعدةٍ قويَّة محكمة وهو الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير، أمَّنْ أسَّسَ على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطلُ والنِّفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم؟ وكونه شفا جرف هار كان مشرفاً على السُّقوط ولكونه على طرف جهنم، كان إذا انهار فإنَّما ينهار في قعر جهنم، فالمعنى أنَّ أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأول شريفاً واجب الإبقاء، والبناء الثاني خسيساً واجب الهدم؛ فلا يرى مثال أخس مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال، {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. قوله: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ}. أي: ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم. و "بُنيَانهُم" يحتملُ أن يكون مصدراً على حاله، أي: لا يزالُ هذا الفعلُ الصَّادرُ منهم، ويحتملُ أن يكون مراداً به المبني، وحينئذٍ يضطرُّ إلى حذف مضاف، أي: بناء بنيانهم؛ لأن المبنيَّ ليس ريبةً، أو يقدَّر الحذف من الثاني أي: لا يزال مبنيُّهم سبب ريبة. وقوله: "الذي بَنَوا" تأكيدٌ دفعاً لوهم من يتوهَّم أنهم لم يَبْنُوا حقيقة، وإنَّما دبَّرُوا أموراً، من قولهم: كم أبني وتهدمُ، وعليه قوله: [الطويل] شعر : 2849- متى يبلغُ البُنْيانُ يَوْماً تَمَامَهُ إذَا كُنْتَ تَبْنيهِ وغيْرُكَ يَهْدِمُ؟ تفسير : فصل في كونه سبباً للريبة وجوه: الأول: أنَّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضِّرار، فلمَّا أمر الرسول بتخريبة ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته. وثانيها: أنَّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - لما أمر بتخريبه، ظنُّوا أنَّهُ إنَّما أمر بتخريبه حسداً، فارتفع أمانهم عنه، وعظم خوفهم منه، وصاروا مرتابين في أنَّهُ هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ وثالثها: أنَّهم اعتقدوا كونهم محسنين في بناء ذلك المسجد، كما حبب العجل إلى قوم موسى، فلمَّا أمر الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟ قاله ابن عباس. وقال الكلبيُّ: "ريبة" أي: حسرة وندامة، لأنهم ندموا على بنائه. وقال السُّدي: لا يزال هدم بنيانهم ريبة، أي: حزازة وغيظاً في قلوبهم. قوله: "إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ" المستثنى منه محذوفٌ، والتقدير: لا يزالُ بنيانهم ريبةً في كلِّ وقت إلاَّ وقت تقطيع قلوبهم أو في كل حال إلاَّ حال تقطيعها. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وحفص "تقطَّع" بفتح التَّاء، والأصل تتقطع بتاءين، فحذفت إحداهما. وعن ابن كثير "تَقْطع" بفتح الياء وتسكين القاف "قُلوبَهُم" بالنصب، أي: تفعلُ أنت بقلوبهم هذا الفعل. وقرأ الباقون "تُقَطَّع" بضمِّها، وهو مبني للمفعول، مضارع "قطَّع" بالتشديد. وقرأ أبيّ "تَقْطَع" مخففاً من "قطع". وقرأ الحسنُ، ومجاهد وقتادة، ويعقوب "إلى أن" بـ "إلى" الجارة. وأبو حيوة كذلك، وهي قراءةٌ واضحةٌ في المعنى، إلاَّ أنَّا أبا حيوة قرأ "تُقَطِّع" بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددةً والفاعل ضميرُ الرسول، "قُلُوبَهُم" نصباً على المفعول به، والمعنى بذلك أنه يقتلهم ويتمكَّن منهم كلَّ تمكُّن. وقيل: الفاعلُ ضمير "الرِّيبة"، أي: إلى أنْ تقطع الرِّيبةُ قلوبهم وفي مصحف عبد الله "ولو قُطِّعَتْ" وبها قرأ أصحابه، وهي مخالفةٌ لسوادِ مصاحف الناس. والمعنى أنَّ هذه الريبة باقية في قلوبهم أبداً ويموتون على النِّفاق. وقيل: معناه إلاَّ أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. وقيل: حتى تنشق قلوبهم غماً وحسرة. "وَٱللَّهُ عَلِيمٌ" بأحوالهم، "حَكِيمٌ" في الأحكام التي يحكمُ بها عليهم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً} قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوة وسلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنده من الروم فأخرج محمداً وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة. فأنزل الله {لا تقم فيه أبداً} . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: حديث : لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم يخدج جد عبدالله بن حنيف، ووديعة بن حزام، ومجمع بن جارية الأنصاري، فبنوا مسجد النفاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخدج "ويلك يا يخدج...! ما أردت إلى ما أرى؟ قال: يا رسول الله، والله ما أردت إلا الحسنى - وهو كاذب - فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يعذره، فأنزل الله {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله} يعني رجلاً يقال له أبو عامر، كان محارباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قد انطلق إلى هرقل وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه، وكان قد خرج من المدينة محارباً لله ولرسوله ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال "ذكر أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجداً، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم، فأتاهم فصلى فيه، فلما رأوا ذلك اخوتهم بنو غنم بن عوف حسدوهم، فقالوا: نبني نحن أيضاً مسجداً كما بنى اخواننا فنرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه، ولعل أبا عامر أن يمر بنا فيصلي فيه. فبنوا مسجداً فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم كما صلى في مسجد اخوتهم، فلما جاء الرسول قام ليأتيهم أو همَّ ليأتيهم، فأنزل الله {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً} إلى قوله {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم} إلى آخر الآية". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {والذين اتخذوا مسجداً} قال: المنافقون. وفي قوله {وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله} قال: لأبي عامر الراهب. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً} قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجداً بقباء فعارضه المنافقون بآخر، ثم بعثوا إليه ليصلي فيه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك. حديث : وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم فقال مالك لعاصم: انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وخرج أهله فتفرقوا عنه، فأنزل الله في شأن المسجد {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً} إلى قوله {عليم حكيم} . وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري - وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة - قال "أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان بنى مسجداً الضرار، فأتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. قال: إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه، فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، وأخاه عاصم بن عدي أحد بلعجلان، فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك. فدخل إلى أهله، فأخذ سعفاً من النخل فاشعل فيه ناراً، ثم خرج يشتدان وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، وفيهم نزل من القرآن ما نزل {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً} إلى أخر القصة" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {والذين اتخذوا مسجداً} قال: هم ناس من الأنصار، ابتنوا مسجداً قريباً من مسجد قباء، بلغنا أنه أول مسجد بُنيَ في الإِسلام. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق قال: كان الذين بنوا مسجد الضرار اثني عشر رجلاً. جذام بن خالد بن عبيد بن زيد، وثعلبة بن حاطب، وهزال بن أمية، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعباد بن حنيف، وجارية بن عامر، وأبناء محمع، وزيد، ونبتل بن الحارث، ويخدج بن عثمان، ووديعة بن ثابت. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {والذين اتخذوا مسجداً ضراراً} قال: ضاروا أهل قباء {وتفريقاً بين المؤمنين} قال: فإن أهل قباء كانوا يصلون في مسجد قباء كلهم، فلما بني أقصر من مسجد قباء من كان يحضره وصلوا فيه {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} فحلفوا ما أرداوا به إلا الخير. أما قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} . أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : اختلف رجلان رجل من بني خدرة، وفي لفظ: تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى. فقال الخدري: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال العمري: هو مسجد قباء. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال "هو هذا المسجد، لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: في ذلك خير كثير، يعني مسجد قباء" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم في الكنى وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال: حديث : اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى. فقال أحدهما: هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: هو مسجد قباء. فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال "هو مسجدي هذا" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في المختارة حديث : عن أبي بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال "هو مسجدي هذا" . تفسير : وأخرج الطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال "هو مسجدي هذا" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني من طريق عروة عن زيد بن ثابت قال: المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال عروة: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير منه، إنما أنزلت في مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج الزبير بن بكار وابن جرير وابن المنذر من طريق عثمان بن عبيدالله عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت قالوا: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد المدينة الأعظم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {لمسجد أسس على التقوى} يعني مسجد قباء. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله {لمسجد أسس على التقوى} قال: هو مسجد قباء. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم وصححه وابن ماجه عن أسيد بن ظهيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : صلاة في مسجد قباء كعمرة" تفسير : قال الترمذي: لا نعرف لأسيد بن ظهيرة شيئاً يصح غير هذا الحديث. وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من صلى في قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الاختلاف إلى قباء راكباً وماشياً. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجه عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من خرج حتى يأتي هذا المسجد - مسجد قباء - فيصلي فيه كان كعدل عمرة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين. أنه كان يرى كل مسجد بني بالمدينة أسس على التقوى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمار الدهبي قال: دخلت مسجد قباء أصلي فيه فأبصرني أبو سلمة فقال: أحببت أن تصلي في مسجد أسس على التقوى من أول يوم. فأخبرني أن ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان.
القشيري
تفسير : مَنْ لم يكن مخلصاً في ولائه لم يأنس القلبُ بكدِّه وعنائه، فَتَوَدُّدُه في الظاهر ينادي عليه بالتوائه، وبقوله بالتكلُّفِ شهادةُ صِدْقٍ على عَدَمِ صَفَائه: شعر : مَنْ لم يكنْ للوصال أهلاً فكلُّ إحسانِه ذنوبُ
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين اتخذوا مسجدا} اى ومن المتخلفين عن غزوة تبوك المنافقون الذين اتخذوا مسجد قبا وهو بضم القاف ويذكر ويقصر قرية قرب المدينة على نصف فرسخ منهما كما فى التبيان. اعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر من مكة وقدم قبا نزل فى بنى عمرو ابن عوف وهم بطن من الاوس على كلثوم بن الهدم وكان شيخ بنى عمرو بن عوف وهل كان اسلم قبل وصوله صلى الله عليه وسلم الى قبا او بعده ففيه اختلاف فلما نزل وذلك فى يوم يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول. قال عمار بن ياسر رضى الله عنه ما لرسول الله بد من ان يجعل له مكان يستظل به اذا استيقظ ويصلى فيه فجمع حجارة فاسس رسول الله مسجدا واستتم بنيانه عمار فعمار اول من بنى مسجدا لعموم المسلمين وكان مسجد قبا اول مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم باصحابه جماعة ظاهرين اى آمنين وبعد تحوله عليه السلام الى المدينة وذلك فى يوم الجمعة بعد ان لبث فى قبا بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس او بضع عشرة ليلة وهو المنقول عن البخارى او اربعة عشر يوما وهو المنقول عن مسلم كان يأتيه يوم السبت ماشيا وراكبا ويصلى فيه ثم ينصرف وفى الحديث "حديث : من توضأ واسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قبا فصلى فيه له اجر عمرة " .تفسير : كما فى السيرة الحلبية فهذا المسجد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمار بمعاونة بنى عمرو بن عوف خالصا لله تعالى كما عليه الاكثرون وفى الحديث "حديث : من بنى مسجدا لا يريد به رياء ولا سمعة بنى الله له بيتا فى الجنة " .تفسير : قال القرطبى هذه المسألة ليست على ظاهرها من كل الوجوه وانما معناه بنى له بثوابه بناء اشرف واعظم وارفع لان اجور الاعمال متضاعفة وان الحسنة بعشر امثالها وهذا كما قال فى الثمرة انها تزاد حتى تكون مثل الجبل ولكن هذا التضعيف انما هو بحسب ما يقترن بالفعل من الاخلاص فان بنى على غير الاخلاص او على وجه غير مرضى فلا ثواب له ولا يعبأ الله به وان كان فى ظاهر الشرع له حكم المساجد من الاحترام والتعظيم وغير ذلك وكذا الربط والخوانق والقناطر والمطاهر وكل بناء فهو مشروط بذلك قاله فى شرح الالمام. قال النووى يدخل فى هذا الحديث من عمر مسجدا قد استهدم واذا اشترك جماعة فى عمارة مسجد فهل يحصل لكل منهم بيت فى الجنة كما لو اعتقد جماعة عبدا مشتركا بينهم فانهم يعتقون من النار ويجوزون العقبة لقوله تعالى {أية : وما أدراك ما العقبة فك رقبة} تفسير : [البلد: 12-13] وقد فسر النبى عليه السلام فك الرقبة بعتق البعض والقياس الحاق المساجد بالعتق لان فيه ترغيبا وحملا للناس على انشاء المساجد وعمارتها وهل يمكن الكافر من بناء المسجد فذهب بعضهم الى ان الصحيح جوازه لقوله عليه السلام "حديث : ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " .تفسير : كما فى تفسير البغوى قال الواحدى عند قوله تعالى {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} تفسير : [التوبة: 17] دلت الآية على ان الكفار ممنوعون من عمارة مسجد المسلمين ولو اوصى لم تقبل وصيته انتهى. قال سعدى جلبى المفتى عدم قبول وصيته مجمع عليه بين اصحابنا الحنفية انتهى ولا يصير الكافر ببناء المسجد مسلما وان عظمه حتى ياتى بالشهادتين بخلاف المسلم اذا اتى كنيسة واعتقد تعظيمها فانه يكفر لان الكفر يحصل بمجرد النية والاسلام لا يحصل الا بالتلفظ بالشهادتين كما فى فتح القريب. يقول الفقير سامحه الله القدير علم منه ان بعض القبط فى الديار الرومية ممن اظهر الاسلام رأيناهم يصلون ويصومون كصلاة المخلصين وصيامهم ثم انهم يدخلون كنائس النصارى فى مواسمهم فهم مرتدون بذلك ولا تصح الصلاة على موتاهم ان ماتوا على تلك الحالة لانه لا شك فى تعظيمهم الكنائس وموافقتهم النصارى فى افعالهم فى ايامهم ولياليهم المعهودة فلا نتوقف فى كفرهم واما تلفظهم بالشهادة فهو بحسب العادة ولا يغنى عنهم شيئا فى اعتقادهم وبعض المعاصرين من العلماء يتوقفون فى كفرهم جهلا العياذ بالله تعالى. ثم نرجع ونقول ان بنى عمرو بن عوف لما بنوا ذلك المسجد حسدتهم اخوتهم بنو غنيم بن عوف وقالوا أنصلى فى مربط حمار لامرأة عمرو وذلك لانه كانت امرأته تربط فيه حمارها وقيل كان مكان مسجد قبا محلا يجفف فيه التمر لكلثوم بن هدم رضى الله عنهما فبنوا مسجدا آخر فى قبا على قصد الفساد وتفريق جماعة المؤمنين وان يؤمهم فيه ابو عامر الراهب اذا قدم من الشام. وفى الحدادى انهم بنوه باذن النبى عليه السلام اقول هذا يخالف سوق القصة كما لا يخفى وبعيد ان يأذن رسول الله قبل اشارة الله فى ذلك. وقصة ابى عامر الراهب انه كان من اشراف قبيلة الخزرج تنصر فى الجاهلية وترهب ولبس المسوح وكان ماهرا فى علم التوراة والانجيل. قال الكاشفى [وبيوسته نعت وصفت سيد عالم صلى الله عليه وسلم براهل مدينة مى خواند جون آن حضرت بمدينة هجرت كرد اهل ان خطه شيفته جمال وكمال وى شده واز صحبت ابو عامر برميدند وبرواى اونكردند] شعر : باوجود لب جان بخش تواى آب حيات حيفم آيد سخن از جشمه حيوان كفتن تفسير : فحسده وعاداه لانه زالت به عليه السلام رياسته وقال له لا اجد قوما يقاتلونك الا قاتلتك فلم يزل يتقاتل معه عليه السلام الى ان تقاتل معه يوم هوازن فلما انهزمت هوازن خرج الى الشام. قال الكاشفى [بنزد هرقل كه ملك روم بود برفت ومىخواست ازروم لشكر ساز كرده بجنك مسلمانان آيد نامه نوشت بمنافقان جون ثعلبه بن حاطب وامثال اوكه شمادر مقابله مسجد قبادر محله خويش براى من مسجدى بسازيدكه جون من بمدينه آيم انجابافاده علم اشتغال نمايم ايشان مسجدى ساختند وحضرت رسالت بناه جون عازم تبوك شد بانيان مسجد آمده كفتند يا رسول الله ما براى ضعيفان وبيجاركان در وقت سرما وبارندكى مسجدى ساخته ايم والتماس داريمكه در آن مسجد نماركزارى وغرض ايشان آن بودكه بواسطة نماز آن حضرت صلى الله عليه وسلم مهم خودرا دراستحكام دهند حتانحه در مثنوى معنوى هست] شعر : مسجد واصحاب مسجد را نواز تومهى ما شب دمى بامابساز تاشود شب از جمالت همجوروز اى جمالت آفتاب جان فروز اى دريغا كان سخن ازدل بدى تامراد آن نفر حاصل شدى تفسير : قال فى السيرة الحلبية كانوا يجتمعون فيه ويعيبون النبى عليه السلام ويستهزئون به فقال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : انى على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا لاتيناكم فصليناكم فيه " .تفسير : فلما رجع من تبوك اتوه فسألوه اتيان مسجدهم فدعا عليه السلام بقميصه ليلبسه ويأتيهم فانزل الله هذه الآية فقال {والذين اتخذوا مسجدا} {ضرارا} مفعول له اى مضارة للمؤمنين. قال الكاشفى [براى ضرر مؤمنان وستيزه ايشان] {وكفرا} وتقوية للكفر الذى يضمرونه {وتفريقا بين المؤمنين} الذين كانوا يجتمعون فى مسجد قبا فانهم ارادوا ببنائهم المسجد صرف بعض الجماعة اليه وتفريق كلمة المؤمنين {وارصادا} اى ترقبا وانتظارا {لمن حارب الله ورسوله من قبل} اى من قبل اتخاذ هذا المسجد وهو ابو عامر الراهب اى لاجله حتى يجيئ فيصلى فيه ويظهر على رسول الله وقد سبق حضوره فى الوقائع كلها فمن متعلق بحارب او باتخذوا مسجدا من قبل ان يظهر هؤلاء النفاق بالتخلف {وليحلفن} والله ليحلفن فهو جواب قسم مقدر. قال الكاشفى [وهر آيينه سوكند ميخورند جون كسى كويد جرا اين مسجد ساختيد] {إن} نافية {أردنا} اى ما اردنا ببناء هذا المسجد {إلا الحسنى} الا الخصلى الحسنى وهى الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين {والله يشهد انهم لكاذبون} فى حلفهم ذلك ولما نزلت هذه الآية واعلمه الله بخبرهم وما هموا به "حديث : دعا اى رسول الله الوحشى قاتل حمزة وجماعة معه فقال لهم "انطلقوا الى هذا المسجد الظالم اهله فاهدوه واحرقوه" فخرجوا سراعا واخذوا سعفا من النخل واشعلوا فيه النار وذلك بين المغرب والعشاء وهدموه الى الارض وامر النبى عليه السلام ان يتخذ كناسة يلقى فيها القمامة والجيف ثم بعد زمان اعطاه صلى الله عليه وسلم لثابت بن ارقم يجعله بيتا فلم يولد فى ذلك البيت مولود قط وحفر فيه بقعة فخرج منها الدخانتفسير : ومات ابو عامر بالشام وحيدا غريبا وذلك حديث : انه عليه السلام لما قدم المدينة اقبل الله ابو عامر فقال ما هذا الذى جئت به قال "جئت بالحنفية دين ابراهيم" قال ابو عامر وانا عليها فقال عليه السلام "انك لست عليها" قال بلى ولكنك ادخلت فى الحنفية ما ليس فيها فقال عليه السلام "ما فعلت ذلك ولكن جئت بها بيضاء نقية" فقال ابو عامر امات الله الكاذب منا طريدا غريبا فقال عليه السلام "آمين" فسماه ابا عامر الفاسقتفسير : مكان الراهب فمات كافرا بقنسرين وهى بكسر القاف وتشديد النون المفتوحة او المكسورة اسم بلدة فى الشام ومع هذه الخباثة كان له ولد صالح يقال له ابو حنظلة استشهد يوم احد فغسلته الملائكة عليهم السلام: قال السعدى قدس سره شعر : هنر بنماى اكر دارى نه كوهر كل ازخارست وابراهيم از آزر تفسير : وفى الآية اشارة الى ان اهل الطبيعة {اتخذوا} مزبلة النفس {مسجدا ضرارا} لارباب الحقيقة {وكفرا} باحوالهم كما انهم اتخذوا بستان القلب مسجدا يذكرون الله فيه ويطلبونه وهذا وصف مدعى الطلب الكذابين فى دعواهم المتشبهين بزى ارباب الصدق والطلب {وتفريقا بين المؤمنين} الطالبين الصادقين باظهار الدعوى من غير المعنى اى يفرقون بين الاخوان فى الله فى طلب انواع الحيل تارة بطلب صحبة معهم ومرافقتهم فى الاسفار وتارة بذكر البلدان وكثرة النعم فيها وطيب هوائها وكرم اهلها وارادتهم لهذه الطائفة ليزعجوهم عن خدمة المشايخ وصحبة الاخوان {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} ليوقعوهم فى بلاء صحبة الاباحية من مدعى الفقر والمعرفة وهم يحاربون الله بترك دينه وشريعته ورسوله بترك متابعته واحياء سنته {وليحلفن لهم ان اردنا الا الحسنى} فيما دعوناكم اليه {والله يشهد انهم لكاذبون} فيما يدعون ويحلفون كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: قرأ نافع وابن عامر: بغير واو؛ مبتدأ حذف خبره، أي: معذبون، أو في: (لا تقم فيه أبداً)، أو في قوله: (لا يزال)، أو صفة لقوله: (وآخرون)، على من يقول: إن "المُرْجَوْن" غير الثلاثة المخلفين، بل في المنافقين الذين كانوا معرضين للتوبة مع بنيانهم مسجد الضرار. ومن قرأ بالواو فعطف على قوله: (آخرون)، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: وممن وصفنا: الذين، أو منصوب على الذم، و(ضراراً) وما بعده: علة، وأصل (هارٍ): هائر، فأخرت الهمزة، ثم قلبت ياء، ثم حذفت؛ لالتقاء الساكنين. يقول الحق جل جلاله: {و} منهم {الذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكُفراً} أي: لأجل المضارة بالمؤمنين والكفر الذي أسروه، وهو تعظيم أبي عامر الكافر، {وتفريقاً بين} جماعة {المؤمنين} الذين كانوا يُصلون في مسجد قباء. رُوي أن بَني عَمْرو بن عوف لَمَّا بَنَوا مسجد قُباء سألوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن يأتيهمْ فيصلي فيه، فأتاهُمْ فصلَّى فيه، فَحَسدتهم إخوانُهم؛ بَنو غُنم بن عوفٍ، فبنوا مسجداً على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب، إذا قدم من الشام، فلما أتموه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا قد بنينا مسجداً لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة، فصل لنا فيه حتى نتخذهُ مصلى، وكان ذلك قبل خروجه لتبوك، فقال لهم: "حديث : إني عَلى جَنَاح سَفَرٍ، وإذا قَدِمنا، إِن شاء الله، صلَّينا فيه".تفسير : فلما قدم أتوه، فأخذ ثوبه ليقوم معهم، فنزلت الآية، فدعا مالك بن الدُّخشم، ومَعن بن عدي، وعامر بن السَّكن، فقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه؛ ففعلوا، واتخذوا مكانه كناسة. ثم أشار إلى قصدهم الفاسد، فقال: {وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله}؛ أي: واتخذوه انتظاراً ليؤمهم فيه من حارب الله ورسوله، يعني: أبا عامر الراهب، فإنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لا أجد قوماً يقاتلونك إلاَّ قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فانهزم مع هوازن، ثم هرب إلى الشام؛ ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات بِقنَّسرَينَ طريداً وحيداً. وكان أهل المدينة يسمونه قبل الهجرة: الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق. وقوله: {من قبلُ}: متعلق بحارب، أي: حارب من قبل هذا الوقت، أو باتخذوا، أي: اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف؛ لأنه قبيل غزوة تبوك. {وليَحلِفُن إن أردنا إلا الحسنى} أي: ما أردنا ببنيانه إلا الخصلة الحسنى، وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المسلمين. {والله يشهد إنهم لكاذبون} في حلفهم. ثم نهاه عن الصلاة فيه فقال: {لا تَقُم فيه أبداً} للصلاة؛ إسعافاً لهم، {لمسجدٌ أُسسَ على التقوى من أول يوم} من أيام وجوده، {أحقٌ أن تقوم فيه} أي: أولى بأن تصلى فيه، وهو مسجد قباء، أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مُقامه بقباء، حين هاجر من مكة، من الاثنين إلى الجمعة، وهذا أوفق للقصة. وقيل: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقول أبي سعيد: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه؟ فقال: "حديث : مسْجدُكم هذا، مَسجِدُ المَدِينَةِِ". تفسير : {فيه رجال يُحبون أن يتطهروا}، كانوا يستنجون بالماء، ويجمعون بين الماء والحجر، أو يتطهرون من المعاصي والخصال المذمومة، طلباً لمرضات الله تعالى، أو من الجنابة، فلا ينامون عليها، {والله يُحبُ المُطَّهرِين}؛ يرضى عنهم، ويُدنيهم من جنابه إدْناء المحب لحبيبه. وقيل: لما نَزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه المُهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قُباء، فإذا الأنصار جُلوس، فقال: "حديث : أَمؤمِنونَ أَنتُم؟تفسير : فَسَكَتُوا، فأعادَها، فقال عمر: إنهم مؤمنون وَأَنا مَعَهم، فقال عليه الصلاة والسلام:حديث : أَتَرضَونَ بالقَضاء؟ تفسير : فقالوا: نعم، قال: حديث : أَتَصبِرون على البلاء؟تفسير : قالوا: نعم، قال: حديث : أَتشْكرونَ في الرَّخاءِ؟تفسير : قالوا: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : مؤمِنُونَ وَرَبِّ الكَعبَةِ،تفسير : فَجَلَسَ، ثم قال:حديث : يا مَعشَرَ الأنْصَار، إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أَثنى عَلَيكم، فما الذي تَصنَعُون عند الوضوء وعِندَ الغائط؟تفسير : فقالوا: يا رسول الله، نُتبع الغائط الأحجارَ الثلاثةَ، ثم نُتبعُ الأحجار المَاء. فقال: {رِجَالٌ يُحِبُون أن يتَطَّهَروا} ". {أفمن أَسسَ بُنيانه على تقوى مِنَ الله ورضوان}؛ بإنه قصد به وجه الله، وابتغاء مرضاته، فَحسُنت النية في أوله، {خيرٌ أم من أسس بنيانه على} قصد الرياء والمنافسة، فكأنه بنى على {شفَا} أي: طرف {جُرُفٍ}: حفرة {هَارٍ} أي: واهٍ ضعيف، أشرف على السقوط، أو ساقط، {فانهار به في نار جهنم} أي: طاح في جهنم، وهذا ترشيح للمجاوز، فإنه لما شبهه بالجرف وصفه بالانهيار، الذي هو من شأن الجرف، وقيل: إن ذلك حقيقة، وإنه سقط في جهنم، وإنه لم يزل يظهر الدخان في موضعه إلى قيام الساعة. والاستفهام للتقرير، والذي أُسس على التقوى والرضوان: هو مسجد قباء، أو المدينة، على ما تقدم، والذي أسس على شفا جرف هار هو مسجد الضرار، وتأسيس البناء على التقوى هو تحسين النية فيه، وقصد وجه الله، وإظهار شرعه، والتأسيس على سفا جرف هار هو فساد النية وقصد الرياء، والتفريق بين المؤمنين، وذلك على وجه الاستعارة والتشبيه البالغ. قاله ابن جزي: {والله لا يهدي القوم الظالمين} إلى ما فيه صلاح ونجاه. {لا يزالُ بُنيانُهم} أي: مبنيهم، مصدر بمعنى المفعول، {الذي بَنوا ريبةً} أي: شكاً ونفاقاً {في قلوبهم}، والمعنى: أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم، فإنه حملهم على ذلك، ثم لما هدمه الرسول صلى الله عليه وسلم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد، بحيث لا يزول رسمه من قلوبهم، {إلا أن تقطع} بالموت، بحيث لا يبقى لها قابلية الإدراك، أو لا يزال بنيانهم ريبة، أي: شكاً في الإسلام بسبب بنيانه، لاعتقادهم صواب فعلهم، أو غيظاً بسبب هدمه، {والله عليمٌ} بنياتهم، {حكيم} فيما أمر من هدم بنيانهم. الإشارة: من أراد أن يؤسس بنيان أعماله وأحواله على التقوى والرضوان، فليؤسسه على الإخلاص والنية الحسنة، ومتابعة السنة المحمدية، فإنها لا تنهدم أبداً، ومن أراد أن يؤسسها على شفا جرف هارٍ فليؤسسها على الرياء والسمعة، وقصد الكرامات وطلب الأعواض، فإنها تنهدم سريعاً ولا تدوم، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. وبالله التوفيق. ثم ذكر كرامة أهل الإخلاص، فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وأهل المدينة {الذين اتخذوا} باسقاط الواو. الباقون باثبات الواو. فمن أثبت الواو، عطفه على ما تقدم من الآيات وتقديره: ومنهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً ومن حذفها ابتدأ الكلام وحذف الخبر لطول الكلام قال الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. وعاصم بن عمر بن قتادة: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين، قال الفراء: كانوا من بني عمرو ابن عوف من الأنصار. وقال غيره: كانوا من بني غنم ابن عوف من الأنصار الذين بنوا مسجد الضرار. وقيل انهم كانوا خمسة عشر رجلا منهم عبد الله بن نفيل - في قول الواقدي - وقال ابن اسحاق: هو نفيل بن الحارث ولم يذكر عبد الله وهذا المختلف في اسمه هو الذي كان ينقل حديث النبي إلى المنافقين فأعلم الله نبيه ذلك. وأخبر الله عنهم انهم بنوا المسجد الذي بنوه ضراراً اي مضارة. ونصب على أنه مفعول له أي بنوه للمضارة. والضرار هو طلب الضرّ ومحاولته كما أن الشقاق محاولة ما يشق، تقول: ضاره مضارة وضراراً. والآية تدل على ان الفعل يقع بالارادة على وجه القبح دون الحسن، أو الحسن دون القبح، لأنهم لو بنوا المسجد للصلاة فيه لكان حسناً، لكن لما قصدوا المضارة كان ذلك قبيحاً ومعصية. وقوله {وتفريقاً بين المؤمنين} أي بنوه للمضارة والكفر والتفريق بين المؤمنين. وانما يكون تفريقاً بين المؤمنين بأن يتحزبوا، فحزب يصلي فيه وحزب يصلي في غيره لتختلف الكلمة وتبطل الالفة. واتخذوه ايضاً ليكفروا فيه بالطعن على النبي صلى الله عليه وآله والاسلام والمسلمين. وقوله {وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله} معناه اتخذوه له ليكون متى أراد الاجتماع معهم حضره وأنس به، وهو رجل يقال له ابو عامر الراهب لحق بقيصر فتنصر وبعث الهيم سآتيكم بجند فأخرج به محمّداً واصحابه. فبنوه يترقبونه، وهو الذي حزب الأحزاب وحارب مع المشركين، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما اسلم اهل الطائف لحق بالشام وخرج إلى الروم وتنصر، وابنه عبد الله قتل يوم احد - وهو غسيل الملائكة - ذهب اليه اكثر المفسرين كابن عباس ومجاهد وقتادة. وأصل الارصاد الارتقاب تقول: رصده يرصده رصداً وأرصد له وراصده مراصدة وتراصد تراصداً وارتصده إرتصاداً. وقوله {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} معناه إن هؤلاء يحلفون على أنهم ما أرادوا ببناء هذا المسجد إلا الحسنى يعني إلا الفعلة الحسنى، فقال الله تعالى تكذيباً لهم {والله يشهد إنهم لكاذبون} وكفى بمن يشهد الله بكذبه خزياً ووجّه رسول الله صلى الله عليه وآله قبل قدومه من تبوك عاصم بن عون العجلاني ومالك بن الدخثم وكان مالك من بني عوف، فقال لهما "حديث : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم اهله فاهدماه ثم حرّقاه" تفسير : فخرجا يشتدّان سريعين على أقدامهما ففعلا ما أمرهما به فثبت قوم من جملتهم زيد بن حارثة بن عامر حتى أحترقت البتة.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً} عطف على منافقون او كلّ من معطوفيه او على مرجون من قبيل عطف اوصاف موصوفٍ واحدٍ، او عطف المتغايرين او مبتدء خبرٍ محذوف او خبر متبدءٍ محذوفٍ او مفعول فعلٍ محذوف، روى انّ بنى عمرو بن عوف بنوا مسجد قبا وصلّى فيه رسول الله (ص) فحسدهم اخوتهم بنو غنم بن عوف، فبنوا مسجد الضّرار وارادوا ان يحتالوا بذلك فيفرّقوا المؤمنين ويوقعوا الشّكّ فى قلوبهم، بان يدعوا ابا عامر الرّاهب من الشّام ليعظهم ويذكر وهن دين الاسلام ليشكّ المسلمون ويضطربوا فى دينهم، فأخبر الله تعالى نبيّه (ص) بذلك، فدعوا رسول الله (ص) ليصلّى فى مسجدهم فأبى واعتذر بأنّى على جناح سفرٍ حين ارادة غزوة تبوك، وبعد مارجع من تبوك امر بهدمه واحراقه وجعله كناسة يلقى فيه الجيف وقصّته مذكورة بتفصيلها فى المفصّلات وما فى الصّافى يكفى للتّبصّر {ضِرَاراً وَكُفْراً} لحصول الكفر او لتحصيل ازدياد الكفر {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً} ترقّباً {لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} يعنى ابا عامر الرّاهب، نقل انّه كان قد ترهّب فى الجاهليّة ولبس المسوح فلمّا قدم النّبىّ (ص) المدينة حسده وحزّب عليه ثمّ هرب بعد فتح مكّة وخرج الى الرّوم وتنصّر، وانّه كان يقاتل رسول الله (ص) فى غزواته الى ان هرب الى الشّام ليأتى من قيصر بجنودٍ يحارب بهم رسول الله (ص) ومات بقنّسرين {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ}الاّ الارادة الحسنى او العاقبة الحسنى او الخصلة الحسنى {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} اى للصّلاة فانّ القيام لكثرة استعماله فى القيام للصّلاة يتبادر منه الصّلاة {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} اعلم، انّه كما انّ للبناء سقفاً واساساً ومقرّاً يقوم الاساس عليه كذلك لكلّ عمل صورة واساس ومقرّ يقوم الاساس عليه، فسقف العمل هو صورته الّتى هو عليها، واساسه هو نيّة العامل، ومقرّه هو شأنه الّذى يقتضى تلك النّيّة، فبالنّيّة يوجد العمل ومن شأن العامل ينشأ النّيّة وعليه تستقرّ والعمل مبتنٍ على النّيّة والنّيّة قائمة على شاكلة العامل قل كلّ يعمل على شاكلته والعمل ظهور النّيّة والنّيّة ظهور الشّاكلة لكن يخفى ذلك الظّهور على العميان مع ظهوره لاصحاب البصائر، والعلم بمبنى العمل احد وجوه العلم بتأويل القرآن، فمن كان شاكلته التّقوى من مقتضيات النّفس صارت نيّته آلهيّةً ومن كان كذلك كان عمله مبتنياً على نيّة آلهيّة قائمة على شاكلة التّقوى، واذا كان العمل مبتنياً على نيّة آلهيّةٍ كان العمل آلهيّاً لظهور تلك النّيّة فى العمل ولذلك او لكون قلب عاملها الواقف لها بيت الله يسمّى المساجد بيوت الله مع شركتها لسائر الابنية فى موادّها وصورها وبقاعها وعامل بنائها، وقد مضى تحقيق معنى المسجد فى سورة البقرة عند قوله تعالى: ومن اظلم ممّن منع مساجد الله {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} من ايّام تأسيسها يعنى مسجد قبا {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} للصّلاة من مسجد اسّس على النّفاق لانّه بمظهريّته لنيّة المتّقى مجانس لك {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} من الارجاس الباطنة والانجاس الظّاهرة {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} روى "حديث : عن النّبىّ (ص) انّه قال لأهل قبا: ماذا تفعلون فى طهركم فانّ الله قد احسن عليكم الثّناء؟ - قالوا نغسل اثر الغائط، قال: فأنزل الله فيكم: والله يحبّ المطهّرين ".
الأعقم
تفسير : {الذين اتخذوا مسجداً ضراراً}، "حديث : روي أن بني عمرو بن عوف لما عمروا مسجد قبا بعثوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدهم إخوانهم بنو غانم بن عوف، وقالوا: نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيصلي فيه ويصلي فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوانهم، وهو الذي سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الفاسق فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قبا وقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): مسجداً لذوي العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة، فقال: "إني على جناح سفر وحال شغل فإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه" فلما قدم من غزوة تبوك سألوه اتيان المسجد فنزلت الآية، فدعى بمالك ومعر بن عدي وعامر وقال لهم: "انطلقوا الى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه" وأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتخذوا مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة"تفسير : ، ومات أبو عامر بالشام، وقوله: {ضراراً} مضاررة لإخوانهم أهل قبا، {وتفريقا بين المؤمنين} لأنهم كانوا يصلون جميعاً في مسجد قبا فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم {وإرصاداً} اي أعداداً لأجل من حارب الله ورسوله وهو الراهب {لا تقم فيه أبداً} ذلك أمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعدما أخبره بسرائرهم {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم} من أيام وجوده، قيل: هو مسجد المدينة، وقيل: مسجد قبا {فيه رجال يحبون أن يتطهروا}، قيل: هم الأنصار، وقيل: هم أهل قبا، وقيل: هو عام في المتطهرين من النجاسات كلها، وقيل: المتطهرين من الذنوب بالتوبة، قوله تعالى: {أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} أي ساقط منهدم، وقيل: هذا مثل اتخاذهم مسجداً على معصية الله سبحانه، يعني أن أهل المسجد يصيرون بعملهم الى نار جهنم، وقيل: يهوى مسجدهم يوم القيامة في نار جهنم قال في الغرائب: هارئون، قال: والأصل هائر فقلب وحذفت العين، وقوله: {فانهار به} أي انهار الشفا بالبناء، وقيل: انهار البناء بالباني، وعن جابر بن عبد الله قال: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار، قوله تعالى: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم}، قيل: شكاً ونفاقاً، وقيل: شكاً في النبوة لأنهم لما بنوه وأطلع الله تعالى رسوله على فعلهم شكوا في نبوته وما رجعوا عن الكفر بغضاً، وقيل: حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه {إلا أن تقطع قلوبهم}، قيل: إلا أن يموتوا فتصير قلوبهم إلى التقطيع والبلاء، وقيل: تصير قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسألون عنه وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة فيه، وتقطع بفتح التاء، بمعنى ينقطع {والله عليم} بأعمالهم فيجازيهم بها {حكيم} في خلقه وما يفعل بهم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحُسْنَى} أي: إن أردنا ببنيانه إلا خيراً {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. في تفسير الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك نزل بين ظهراني الأنصار وبنى مسجد قباء وهو الذي أسس على التقوى. وقد كان المنافقون من الأنصار بنوا مسجداً، فقالوا نميل به. فإما يأتينا رسول الله فيه وإما لا يأتيه، ونخلو فيه لحوائجنا. ونبعث إلى أبي عامر الراهب [لمحارب من محاربي الأنصار كان يقال له الراهب] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره فيأتينا ونستشيره في أمورنا. فلما بنوا المسجد وهو الذي قال الله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ} أي: بين جماعة المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر المحارب. قال: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي، فجعل لا يأتيهم ولا يأتونه. فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليأتيهم. قال: فإنه ليزُرُّه عليه إذ أتاه جبريل فقال: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} يعني ذلك المسجد { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} يعني مسجد قباء، في تفسير الحسن، {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ}. أي من الذنوب. ذكروا أنه لما نزلت هذه الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا أهل قباء، إن الله قد أحسن عليكم الثناء [في الطُّهور] فماذا تصنعون؟ قالوا نغسل أدبار المقاعد تفسير : وقال بعضهم: ذكروا لنا أن أناساً من أهل النفاق ابتنوا مسجداً بقباء ليضاهوا به مسجد نبي الله عليه السلام. وبعثوا إلى نبي الله ليصلِّيَ فيه. وذكر لنا أنه أخذ قميصه ليأتيهم حتى أطلعه الله على ذلك. وكان رجل فرّ من الإِسلام يقال له أبا عامر، فلحق بالمشركين فقتلوه بإسلامه وقالوا: إذا جاء صلى فيه. قال مجاهد: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ} أي: لأبي عامر. ذكروا عن عثمان وعلي رضي الله عنهما في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} قالا: هو مسجد النبي عليه السلام. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوَى} قال: حديث : هو مسجدي هذا، وفي ذلك خيرتفسير : ، يعني مسجد قباء. وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا المنافقين الذين بنوا ذلك المسجد فقال: حديث : ما حملكم على بناء هذا المسجد؟ تفسير : فحلفوا له بالله: إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون.
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ} بدل من آخرون، أو خبر لمحذوف، أو مفعول لمحذوف، أى هم أو أعنى، وهذا على أن أهل مسجد الضرار هم المرجون، وإما على أنهم غيرهم فالذين مبتدأ خبره لا تقم فيه، أو منصوب على الاشتغال، ويقدر محذوف، أى لا تقم فى مسجدهم، فلما أعيد الضمير إلى المسجد المضاف إليهم سقط ضميرهم، لأن الضمير لا يضاف، أو مسجد الذين، فالحذف من الأول أو الآخر، وذلك قول الكسائى، وقال النحاس: الخبر لا يزال بنيانهم، وفيه بعد، وذكر بعض أنه أفصح، وقال المهدوى: الخبر محذوف أى معذبون أو مهلكون، أو من المنافقين، وذلك قراءة نافع، وابن عامر، وأبى جعفر، وشيبة وغيرهم، وقرأ غيرهم بالواو عطفا على آخرون، أو على الابتداء والخبر ما ذكرنا وجهة، أو يقدر لمن وصفنا الذين، أو منصوب على الاشتغال على ما مر، أو مفعول لازم محذوفا. {اتَّخذُوا مسْجداً ضِراراً} مفعول لأجله مصدر ضار بالتشديد أو بنوه مضارة للمؤمنين، والنبى صلى الله عليه وسلم، وليست المفاعلة على بالها {وكُفْراً} منهم، أو تقوية للنفاق والشرك، {وتَفْريقا بَيْن المؤمِنينَ} الذين يجتمعون فى مسجد قباء، أرادوا تفريقهم باختلاف الكلمة، وبالصرف إلى مسجدهم {وإرْصاداً} ترقبا، وأجيز تلك المصادر أحوالا مبالغة، أو بتقدير مضاف، أو بالتأويل بالوصف. {لمَنْ حَاربَ} وقرأ الأعمش للذين حاربُوا {اللهَ ورسُولَه} وهو أبو عامر لراهب لعنه الله، وهو والد حنظلة غسيل الملائكة، ولقب عبد عمر، وكانت أمه من الروم، وكان يتعبد فى الجاهلية، ولبس المسموح وترهب وتنصر، فسمى راهبا، وكان سيدا فى قومه، وقريبا من عبد الله بن أبى بن سلول، ترقبوه أن يأتى من الشام فيصلى فيه، وترقبوه أن يتقوى بالاجتماع فيه {مِنْ قَبلُ} متعلق بحارب، أى من قبل اتخاذ المسجد. "حديث : قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، ولم يزل يقاتل إلى يوم حنين فانهزم مع هوازن، وهرب إلى الشام ليأتى من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يجمع الجيوش يوم الأحزاب، وانهزم وخرج إلى الشام لذلك، ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال له: ما هذا الدين الذى جئت به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جئت بالحنيفية دين إبراهيم" قال: فأنا عليها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك لست عليها" فقال: بلا ولكنك أدخلت فى الحنيفية ما ليس فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما فعلت، ولكن جئت بها بيضاء تقية" فقال: أمات الله الكاذب منَّا طريدا وحيدا غريبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمين" وسماه الناس أبا عامر الكذاب، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق. ولما ذهب إلى الشام ليأتى بالروم، وقد أرسل إلى المنافقين أن استعدوا ما استطعتم من قوة وسلاح، وابنوا مسجدا، فإنى ذاهب إلى قيصر لآتى بجند من الروم، فأخرج محمد وأصحابه، فبنوه. مات بقنسرين بكسر القاف وفتح النون وكسرها مشددة بلدة بالشام طريدا وحيدا غريبا ". تفسير : أو من قبل متعلق باتخذوا "حديث : لما روى أنهم بنوه من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف عن غزوة تبوك، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى فيه ليتخذوه مسجدا، ويدعو لهم بالبركة، وهم بنو غنم بن عوف، وبنو سالم بن عوف، أقارب لبنى عمرو بن عوف، فقال: "أنا على جناح سفر" وإذا قدمنا صلينا فيه إن شاء الله ". تفسير : روى أنهم اثنا عشر: وديعة بن ثابت، وحزام بن خالد، ومن داره أخرج هذا المسجد وثعلبة بن حاطب، وحارثة بن عمرو، وأبناؤهم مجمع، وزيد، ومعتب بن قشير، وعبادة بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزعر، ونبتل بن الحارث، ويخرج بن ضبية، وبجاد بن عثمان، وزعموا أنه بنوه لذى الحاجة، والعلة، والليلة المطيرة، والشاتية، فصدقهم وهم إنما بنوه لأبى عامر اللعين إذا قدم من الشام، وتوهينا للإسلام، ولئلا يصلوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسد النبى عمرو بن عوف لما بنو مسجد قباء، فسألوا رضى الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يصلى فيه فصلى، وكان لهم شرف بذلك. وروى قعيصة: فلما رجع من تبوك أعاد له أصحاب مسجد الضرار أن يصلى فيه، فنزلت الآية، وقيل: سألوه قبل ذهابه إلى تبوك، فأخذ ثوبه ليصلى فيه فنزلت، وعلى الروايتين دعا بمالك بن الدخشم، ومعن بن عدى، وأخاه عاصم العجلانيين، وعامر بن السكين، ووحشى قاتل حمزة فقال: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه" فأخذ ثوبه ليصلى فيه فنزلت، وعلى الروايتين دعا بمالك بن الدخشم، فقال مالك: أنظرونى حتى أخرج إليكم بنار، فدخل أهله فأخذ من سعف النخل فأشعله، ثم خرجوا يشدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله، فحرقوه وهدموه، وتفرق أهله عنه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف والنتن. وروى أنه لما قفل راجعا من تبوك، وكان بذى أوان، بينه وبين المدينة ساعة، نزل عليه خبر مسجد الضرار، وذكر النقاش أنه بعث لهدمه عمار بن ياسر، ووحشيا مولى المطعم بن عدى، وكان يؤمهم فيه مجمع بن حارثة المذكور، وكان شابا يقرأ القرآن ولا يدرى ما أرادوا ببنائه، ولما كانت خلافة عمر رضى الله عنه سأله بنو عامر بن عوف أن يأذن لجمع بن حارثة أن يؤمهم فى مسجد قباء، فقال: لا، أليس هو إمام مسجد الضرار؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل علىَّ فوالله لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا، ولو علمت ما فعلت وكنت غلاما أقرأ وهم شيوخ لا يقرءون، فصدقه عمر فأذن له. وروى أن أبا عامر الكذاب الفاسق، لما رد الله الأحزاب بغيظهم، أقام بمكة مظهر العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما فتحت مكة هرب إلى الطائف، ولما أسلم أهل الطائف هرب إلى الشام، وكتب إلى المنافقين أن ابنوا لى مسجدا، وإنى ذاهب أستنصر بالروم، فإذا جئت صليت فيه. {وليحْلفُنَّ إنْ أردْنا} ببنائه {إلا} الخصلة {الحُسْنى} وهى الصلاة والذكر، والتوسعة على المصلين الذين لا يستطيعون، أو الإرادة الحسنى، وهى إرادة الصلاة وما ذكر، وروى أن الحالف يخرج المذكور، وقرأ ابن أبى عبلة: ما أردنا إلا الحسنى. {واللهُ يشْهدُ إنَّهم لكاذِبُونَ} فى حلفهم، وروى أنهم بنوه وقالوا: إما أن يأتينا محمد، وإما أن نأتيه، وروى أنهم بنوه بلا أمر أبى عامر وقالوا نستأثره.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً} فى من وصفنا بالنفاق الذين اتخذوا كما قال سيبويه فى السارق والسارقة والزانية والزانى فيما يتلى عليكم، إلخ، أَو حكم السارق إلخ، أَو خبره أَفمن أُسس والرابط محذوف، أَى أَفمن أَسس بنيانه منهم وليس منهم، أَو منهم نسباً، وفيه بعد لفظاً ومعنى، أَو خبره لا يزال بنيانهم، وفيه بعد لفظاً أَعنى طول الفصل أَو خبره لا تقم، فيقدر مضاف أَول أَى مسجد الذين اتخذوا أَو يكتفى بها فيه لأَنها عائِدة إِلى مسجد مضاف إِليهم، كأَنه قيل لا تقم فى مسجدهم أَو الخبر يعذبون يقدر بعد لكاذبون أو بعد من قبل أَو منصوب بأَخص محذوفاً، أَى أَخصهم بالذكر لمزيد شرهم، أَى بالنظر إِلى من لم يذكر أَو بأَذم لا بدل من آخرون لأَنهم غير مرجين والآخرين مرجون، ومعنى اتخذوا: حصلوا أَو صيروا فقوله {ضِرَاراً} على الثانى مفعول ثان وعلى الأَول تعليل، أَى لأَجل الضرار أَو حال أَى مضارين أَو ذوى ضرار، أَو مفعول مطلق أَى يضارون ضراراً والمراد المضارة لأَهل مسجد قباءَ بإِبطال مسجدهم حسداً ونقصاً من حظه، أَو المضارة للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وعن عطاءٍ: لما فتح الله الأَمصار على عمر رضى الله تعالى عنه أَمر المسلمين أَن يبنوا المساجد وأَن لا يتخذوا فى مدينة مسجدين يضار أَحدهما صاحبه، وروى عن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه أَنه كتب إِلى عماله، وأَمرهم أَن يهدموا كل مسجد ضار آخر، يعنى هدم المسجد الحادث الضار لسابقه {وَكُفْراً} صيروه موضع كفر، أَو حصلوه لأَجل الكفر، أَو حال كونهم كافرين أو ذوى كفر، وكذا فى قوله {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} من قبل أن يتخلف هؤلاءِ المنافقون عن تبوك بنوه وهم اثنا عشر، وهم لعنهم الله: خدام بن خالد من بنى عبيد بن زيد من بنى عمرو بن عوف ومن داره أخرج مسجد الضرار، وعباد بن حنيف من بنى عمرو بن عوف أيضاً وثعلبة بن حاطب ووديعة بن ثابت وهما من بنى أُمية ابن زيد رهط أَبى لبابة بن عبد المنذر، ومعتب بن قشير وأَبو حبيبة ابن الأَزعر وحارثة بن عامر وابناه مجمع وزيد، ونبيل بن الحارث ونجاد بن عثمان وبجحد من بنى ضبيعة بأَمر أَبى عامر الراهب المشرك ليكون ملجأَ له يقيم فيه من يأْتى من عنده، وقد ذهب ليأْتى بجنود من قيصر لقتال النبى صلى الله عليه وسلم، وأَرادوا تفريق جماعة قباءَ المصلين فى مسجدهم بإِمام منهم، ويرصدون أَى يترقبون مجىء من حارب الله ورسوله من قبل بنائِه وهو أَبو عامر المذكور لعنه الله والد حنظلة الغسيل الذى استشهد يوم أُحد وغسلته الملائِكة، وكان أَبو عامر قد تنصر فى الجاهلية ولبس المسوح ولما بعث صلى الله عليه وسلم حسده لزوال رياسته به، وقال يوم أُحد: لا أَجد قوماً يقاتلونك إِلا قاتلتك معهم، لم يزل يقاتله إِلى أَن هزمت هوازن ففر إِلى الشام وأَرسل إِلى المنافقين: استعدوا ما استطعتم للقتال فإِنى آتى بجنود من قيصر لأَخرج محمدا وأَصحابه من المدينة، ومات بقنسرين ـ بكسر القاف وشد النون مفتوحة ومكسورة ـ بلد بالشام، وحيداً لم يحضر جنازته ـ لعنه الله ـ أَحد، لم يقبله النصارى استجابة لدعائِه صلى الله عليه وسلم إِذ قال له إذ قدم المدينة: بم جئْت؟ قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بالحنيفية السمحة البيضاء دين إِبراهيم"تفسير : ، قال: فإِنا عليها، فقال: حديث : لَستُ عليهاتفسير : . فقال ـ لعنه الله ـ: بلى ولكنك أَدخلت ما ليس منها فيها، فقال: حديث : لاتفسير : فقال لعنة الله: أَمات الله الكاذب طريداً فريداً. فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : آمينتفسير : . فأَماته الله كذلك، وقيل: كان يجمع الجيوش يوم الأَحزاب ولما هزمهم الله عز وجل فر إِلى الشام. ويقال: لما بنى بنو عمرو ابن عوف مسجد قباءَ سأَلوه أَن يأْتيهم ليصلى فيه ففعل فحسدهم بنو غنم بن عوف إِخوانهم فبنوا مسجداً ليصلى فيه أَبو عامر الراهب إِذا جاءَ من الشام، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاسق، وسماه الناس الكاذب، ومن متعلق بحارب أو اتخذوا. {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا} بالمسجد {إِلاَّ الْحُسْنَى} إِلا الخصلة الحسنى أَو الإِرادة الحسنى، وفسرها بعض بالصلاة، وروى أَنهم قالوا: بنيناه للصلاة والرفق بالمسكين والضعيف فى المطر والبرد والحر والتوسعة على المسلمين والعجز عن الصلاة فى مسجد قباءَ أَو مسجد المدينة {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فى حلفهم.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِدًا} عطف على ما سبق أي ومنهم الذين، وجوز أن يكون مبتدأ خبره {أية : أَفَمَنْ أَسَّسَ }تفسير : [التوبة: 109]والعائد محذوف للعلم به أي منهم أو الخبر محذوف أي فيمن وصفنا، وأن يكون منصوباً بمقدر كأذم وأعني. وقرأ نافع وابن عامر بغير واو، وفيه الاحتمالات السابقة إلا العطف، وأن يكون بدلاً من {أية : آخَرُونَ }تفسير : [التوبة: 106] على التفسير المرجوح. وقوله سبحانه: {ضِرَارًا} مفعول له وكذا ما بعده وقيل: مصدر في موضع الحال أو مفعول ثان لاتخذوا على أنه بمعنى صيروا أو مفعول مطلق لفعل مقدر أي يضارون بذلك المؤمنين ضراراً، والضرار / طلب الضرر ومحاولته. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار قال لهم أبو عامر: ابنوا مسجداً (واستعدوا) ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً عليه الصلاة والسلام وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبـي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فنزلت. وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أتى أصحاب مسجد الضرار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا، يا رسول الله أنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وأنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل أو كما قال عليه الصلاة والسلام ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لاتيناكم فصلينا لكم فيه فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ونزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار أتاه خبر المسجد فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك فقال مالك لصاحبه: أنظرني حتى أخرج لك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فأحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل. وكان البانون له اثني عشر رجلاً: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج المسجد وعباد بن حنيف من بني عمرو بن عوف أيضاً وثعلبة بن حاطب ووديعة بن ثابت وهما من بني أمية بن زيد رهط أبـي لبابة بن عبد المنذر ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر و(جارية) بن عامر وابناه مجمع وزيد ونبتل بن الحرث وبجاد بن عثمان، وبجدح من بني ضبيعة. وذكر البغوي من حديث ذكره الثعلبـي ـ كما قال العراقي ـ بدون سند «أن النبـي صلى الله عليه وسلم أمر بعد حرق المسجد وهدمه أن يتخذ كناسة يلقى فيها الجيف والنتن والقمامة إهانة لأهله لما أنهم اتخذوه ضراراً. {وَكُفْراً} أي وليكفروا فيه، وقدر بعضهم التقوية أي وتقوية الكفر الذي يضمرونه، وقيل عليه: إن الكفر يصلح علة فما الحاجة إلى التقدير. واعتذر بأنه يحتمل أن يكون ذلك لما أن اتخاذه ليس بكفر بل مقو له لما اشتمل عليه فتأمل {وَتَفْرِيقًا بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهم كما قال السدي أهل قباء فإنهم كانوا يصلون في مسجدهم جميعاً فأراد هؤلاء حسداً أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم {وَإِرْصَادًا} أي ترقباً وانتظاراً {لّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وهو أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة رضي الله تعالى عنه، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر فلما قدم النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الحنيفية البيضاء دين إبراهيم عليه السلام قال: فأنا عليها فقال له عليه الصلاة والسلام: إنك لست عليها فقال: بلى ولكنك أنت أدخلت فيها ما ليس منها فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية فقال أبو عامر: أمات الله تعالى الكاذب منا طريداً وحيداً فأمن النبـي صلى الله عليه وسلم فسماه الناس أبا عامر الكذاب وسماه النبـي صلى الله عليه وسلم الفاسق فلما كان يوم أحد قال النبـي صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فلم يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن يومئذ / ولى هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين يحثهم على بناء مسجد كما ذكرنا آنفاً عن الحبر فبنوه وبقوا منتظرين قدومه ليصلي فيه ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدم كما مر ومات أبو عامر وحيداً بقنسرين وبقي ما أضمروه حسرة في قلوبهم. {مِن قَبْلُ} متعلق بحارب أي حارب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام قبل هذا الاتخاذ، أو متعلق باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك كما سمعت، والمراد المبالغة في الذم {وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَآ} أي ما أردنا ببناء هذا المسجد {إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} أي إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسعة على المصلين؛ فالحسنى تأنيث الأحسن وهو في الأصل صفة الخصلة وقد وقع مفعولاً به لأردنا، وجوز أن يكون قائماً مقام مصدر محذوف أي الإرادة الحسنى {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ} فيما حلفوا عليه.
ابن عاشور
تفسير : هذا كلام على فريق آخر من المؤاخَذين بأعمال عملوها غضب الله عليهم من أجلها، وهم فريق من المنافقين بنوا مسجداً حول قباء لغرض سيء لينصرف إخوانهم عن مسجد المؤمنين وينفردوا معهم بمسجد يخصهم. فالجملة مستأنفة ابتدائية على قراءة من قرأها غيرَ مفتتحة بواو العطف، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر. ونكتة الاستئناف هنا التنبيه على الاختلاف بين حال المراد بها وبين حال المراد بالجملة التي قبلها وهم المرجون لأمر الله. وقرأها البقية بواو العطف في أولها، فتكون معطوفةً على التي قبلها لأنها مثلها في ذكر فريق آخر مثل مَن ذكر فيما قبلها. وعلى كلتا القراءتين فالكلام جملة أثر جملة وليس ما بعد الواو عطف مفرد. وقوله {الذين} مبتدأ وخبره جملة: {لا تقم فيه أبداً} كما قاله الكسائي. والرابط هو الضمير المجرور من قوله: {لا تقم فيه} لأن ذلك الضمير عائد إلى المسجد وهو مفعولُ صلةِ الموصول فهو سببي للمبتدأ، إذ التقدير: لا تقم في مسجد اتخذوه ضراراً، أو في مسجدهم، كما قدره الكسائي. ومن أعربوا {أية : أفمن أسس بنيانه}تفسير : [التوبة: 109] خبراً فقد بعدوا عن المعنى. والآية أشارت إلى قصة اتخاذ المنافقين مسجداً قُرب مسجد قُباء لقصد الضرار، وهم طائفة من بني غُنْم بن عَوف وبني سالم بن عَوف من أهل العوالي. كانوا اثني عشر رجلاً سماهم ابن عطية. وكان سبب بنائهم إيَّاه أن أبا عامر واسمه عبد عمرو، ويلقب بالراهب من بني غنم بن عوف كان قد تنصر في الجاهلية فلما جاء الإسلام كان من المنافقين. ثم جاهر بالعداوة وخرج في جماعة من المنافقين فحزَّب الأحزاب التي حاصرت المدينة في وقعة الخندق فلما هزمهم الله أقام أبو عامر بمكة. ولما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما فتحت الطائف وأسلمت ثقيف خرج أبو عامر إلى الشام يستنصر بقيصر، وكتب إلى المنافقين من قومه يأمرهم بأن يبنوا مسجداً ليخلصوا فيه بأنفسهم، ويعِدهم أنه سيأتي في جيش من الروم ويخرج المسلمين من المدينة. فانتدب لذلك اثنا عشر رجلاً من المنافقين بعضهم من بني عمرو بن عوف وبعضهم من أحلافهم من بني ضبيعَة بن زيد وغيرهم، فبنوه بجانب مسجد قباء، وذلك قُبيل مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تَبوك. وأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه. فلما قفل من غزوة تبوك سألوه أن يأتي مسجدهم فأنزل الله هذه الآية، وحلفوا أنهم ما أرادوا به إلا خيراً. والضرار: مصدر ضار مبالغة في ضر، أي ضِراراً لأهل الإسلام. والتفريق بين المؤمنين هو ما قصدوه من صرف بني غُنم وبني سالم عن قباء. والإرصاد: التهيئة. والمراد بمن حارب الله ورسوله أبو عامر الراهب، لأنه حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأحزاب وحاربه مع ثقيف وهوازنَ، فقوله: {من قبلُ} إشارة إلى ذلك، أي من قبل بناء المسجد. وجملة: {وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} معترضة، أو في موضع الحال. والحسنى: الخير. وجملة: {والله يشهد إنهم لكاذبون} معترضة. وجملة: {لا تقم فيه أبداً} هي الخبر عن اسم الموصول كما قدمْنا. والمراد بالقيام الصلاة لأن أولها قيام. ووجه النهي عن الصلاة فيه أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه تكسبه يُمْناً وبَركة فلا يرى المسلمون لمسجد قباء مزية عليه فيقتصر بنو غُنم وبنو سالم على الصلاة فيه لقربه من منازلهم، وبذلك يحصل غرض المنافقين من وضعه للتفريق بين جماعة المسلمين. فلما كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه مفضية إلى ترويج مقصدهم الفاسد صار ذلك وسيلة إلى مفسدة فتوجه النهي إليه. وهذا لا يطلع على مثله إلا الله تعالى. وهذا النهي يعم جميع المسلمين لأنه لما نهي النبي عن الصلاة فيه علم أن الله سلب عنه وصف المسجدية فصارت الصلاة فيه باطلة لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بنَ ياسر ووحشياً مولى المُطعم بن عدي ومالكَ بن الدخشم ومعنَ بن عدي فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وحرقوه»، ففعلوا. وتحريقه تحريق الأعواد التي يتخذ منها السَّقف، والجذوعِ التي تجعل له أعمدة. وقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} احتراس مما يستلزمه النهي عن الصلاة فيه من إضاعة عبادةٍ في الوقت الذي رغبوه للصلاة فيه فأمره الله بأن يصلي في ذلك الوقت الذي دعَوه فيه للصلاة في مسجد الضرار أن يصلي في مسجده أو في مسجد قُباء، لئلا يكون لامتناعه من الصلاة من حظوظ الشيطان أن يكون صرفه عن صلاة في وقت دعي للصلاة فيه، وهذا أدب نفساني عظيم. وفيه أيضاً دفع مكيدةِ المنافقين أن يطعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه دعي إلى الصلاة في مسجدهم فامتنع، فقوله: {أحقُّ} وإن كان اسم تفضيل فهو مسلوب المفاضلة لأن النهي عن صلاته في مسجد الضرار أزال كونه حقيقاً بصلاته فيه أصلاً. ولعل نكتة الإتيان باسم التفضيل أنه تهكم على المنافقين بمُجازاتهم ظاهراً في دعوتهم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيه بأنه وإن كان حقيقاً بصلاته بمسجد أسس على التقوى أحق منه، فيعرف من وصفه بأنه {أسس على التقوى} أن هذا أسس على ضدها. وثبت في «صحيح مسلم» وغيره عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن المراد من المسجد الذي أسس على التقوى في هذه الآية فقال: «هو مسجدكم هذا». يعني المسجد النبوي بالمدينة. وثبت في الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن الرجال الذين يحبون أن يتطهروا بأنهم بنو عمرو بن عوف أصحاب مسجد قباء. وذلك يقتضي أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم هو مسجدهم، لقوله: {فيه رجالٌ}. ووجه الجمع بين هذين عندي أن يكون المراد بقوله تعالى: {لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم} المسجد الذي هذه صفته لا مسجداً واحداً معيناً، فيكون هذا الوصف كلياً انحصر في فَردين المسجدِ النبوي ومسجدِ قُباء، فأيهما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي دعوه فيه للصلاة في مسجدِ الضرار كانَ ذلك أحق وأجدر، فيحصل النجاء من حظ الشيطان في الامتناع من الصلاة في مَسجدهم، ومن مطاعنهم أيضاً، ويحصل الجمع بين الحديثين الصحيحين. وقد كان قيام الرسول في المسجد النبوي هو دأبَه. ومن جليل المنازع من هذه الآية ما فيها من حجة لصحة آراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جعلوا العام الذي كان فيه يوم الهجرة مبدأ التاريخ في الإسلام. وذلك ما انتزعه السهيلي في «الروض الأنف» في فصل تأسيس مسجدِ قباء إذ قال: «وفي قوله سبحانه: {من أول يوم} (وقد علم أنه ليس أولَ الأيام كلها ولا أضافَه إلى شيء في اللفظ الظاهر فيه) من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم مع عمر حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عَام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام وأمِن فيه النبي صلى الله عليه وسلم فوافق هذا ظاهر التنزيل». وجملة: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمسجد قباء. وجاء الضمير مفرداً مراعاة للفظ (مَسجد) الذي هو جنس، كالإفراد في قوله تعالى: {أية : وتؤمنون بالكتاب كله}تفسير : [آل عمران: 119]. وفيه تعريض بأن أهل مسجد الضرار ليسوا كذلك. وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء كما دل عليه حديث رواه الدارقطني عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} فقال: «حديث : يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطُهور فما طُهوركم؟ قالوا: إنَّ أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال: هو ذلك فعليكموه»تفسير : ، فهذا يعم الأنصار كلهم. ولا يعارضه حديث أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء عن طهارتهم لأن أهل قباء هم أيضاً من الأنصار، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار. وأطلقت المحبة في قوله: {يحبون} كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئاً ممكناً يعمله لا محالة. فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقرباً إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خُلقاً لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم. وجملة: {والله يحب المطهرين} تذييل. وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خلقاً يحبه الله تعالى. وكفى بذلك تنويهاً بزكاء أنفسهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 107- ومن المنافقين جماعة بنوا مسجدا لا يبتغون به وجه اللَّه، وإنما يبتغون به الضرار والكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين، وأنهم سيحلفون على أنهم ما أرادوا ببناء هذا المسجد إلا الخير والعمل الأحسن، واللَّه يشهد عليهم أنهم كاذبون فى أيمانهم. 108- لا تصل - أيها الرسول - فى هذا المسجد أبدا، وإن مسجداً أقيم ابتغاء وجه اللَّه وطلبا لمرضاته من أول أمره كمسجد قُباء لجدير بأن تؤدى فيه شعائر اللَّه، وفى هذا المسجد رجال يحبون أن يُطهروا أجسادهم وقلوبهم بأداء العبادة الصحيحة فيه، واللَّه يحب ويثيب الذين يتقربون إليه بالطهارة الجسمية والمعنوية. 109- لا يستوى فى عقيدته ولا فى عمله من أقام بنيانه على الإخلاص فى تقوى اللَّه وابتغاء رضائه، ومن أقام بنيانه على النفاق والكفر، فإن عمل المتقى مستقيم ثابت على أصل متين، وعمل المنافق كالبناء على حافة هاوية، فهو واه ساقط، يقع بصاحبه فى نار جهنم، واللَّه لا يهدى إلى طريق الرشاد من أصر على ظلم نفسه بالكفر. 110- وسيظل هذا البناء الذى بناه المنافقون مصدر اضطراب وخوف فى قلوبهم لا ينتهى حتى تتقطع قلوبهم بالندم والتوبة أو بالموت، واللَّه عليم بكل شئ، حكيم فى أفعاله وجزائه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ضراراً: أي لأجل الإِضرار. وإرصاداً: انتظاراً وترقباً. إلا الحسنى}: أي إلا الخير والحال الأحسن. لا تقم فيه أبداً: أي لا تَقُمْ فيه للصلاة أبداً. أسس على التقوى: أي بُني على التقوى وهو مسجد قبا. فيه رجال: هم بنو عَمرو بن عوف. على تقوى من الله: اي على خوف. ورضوان: أي رجاء رضوان الله تعالى. على شفا جرف هار: أي على طرف جرف مشرف على السقوط، وهو مسجد الضرار. ريبة في قلوبهم: أي شكاً في نفوسهم. إلا أن تقطع قلوبهم: أي تُفْصَل من صدورهم فيموتوا. معنى الآيات ما زال السياق في فضح المنافقين وإغلاق أبواب النفاق في وجوههم حتى يتوبوا إلى الله تعالى أو يهلكوا وهم كافرون فقال تعالى ذاكراً فريقاً منهم {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} إن المراد من هؤلاء الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً اثنا عشر رجلاً من أهل المدينة كانوا قد أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاخص إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً للعاجز منا والمريض وللّيلة المطيرة فَصَلِّ لنا فيه فقال لهم صلى الله عليه وسلم أنا الآن على جناح سفر وإن عدنا نصلي لكم فيه إن شاء الله أو كما قال. فلما عاد صلى الله عليه وسلم من تبوك ووصل إلى مكان قريب من المدينة يقال له ذواوان وهو بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار نزل عليه الوحي بشأن مسجد الضرار فبعث مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصماً أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالِم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار فخرج بسعف نخل قد أضرم فيه النار وأتيا المسجد وأهله فيه فأضرما فيه النار وهدماه وتفرق أهله ونزل فيهم قوله تعالى {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} أي لأجل الإِضرار بالمسجد النبوي ومسجد قباء حتى يأتيهما أهل الحي وقوله {وَكُفْراً} أي لأجل الكفر بالله ورسوله وقوله {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} علة ثالثة لبناء مسجد الضرار إذ كان أهل الحي مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا تفرقتهم في مسجدين حتى يجد هؤلاء المنافقون مجالاً للتشكيك والطعن وتفريق صفوف المؤمنين على قاعدة: (فرق تسد) {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} وهو أبو عامر الراهب الفاسق لأنه عليه لعائن الله هو الذي أمرهم أن يبنوه ليكون وكراً للتآمر والكيد وهذا الفاسق قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما وجدت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم فكان مع المشركين في حروبهم كلها إلى أن انهزم المشركون في هوازن وأيس اللعين ذهب إلى بلاد الروم يستعديهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا أمر المنافقين ببناء مسجد الضرار ليكون كما ذكر تعالى حتى ينزل به مع جيوش الروم التي قد خرج يستعديها ويؤلِّبها إلا أنه خاب في مسعاه وهلك بالشام إلى جهنم وبئس المصير فهذا معنى قوله تعالى {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} أي قبل بناء مسجد الضرار الذي هُدم وحُرق وأصبح موضع قمامة تلقى فيه الجِيَفْ والقمائم. وقوله تعالى {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} هذا قولهم لما حرق عليهم المسجد وهدم وانفضح أمرهم حلفوا ما أرادُوا ببنائه إلا الحالة التي هي حسنى لا سوء فيها إذ قالوا بنيناه لأجل ذي العلة ولليلة المطيرة، وقوله تعالى {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} تفنيد لقولهم وتقرير لكذبهم. وقوله تعالى {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} نهيّ للرسول صلى الله عليه وسلم أن يصلى لهم فيه كما واعدهم وهو ذاهب إلى تبوك. وقوله تعالى {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} وهو مسجده صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء إذ كل منهما أسس من أول يوم على تقوى من الله ورضوان أي على خوف من الله وطلب رضاه، وقوله تعالى {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} ثناء على أهل قباء بخير واخبار أنهم يحبون أن يتطهروا من الخبث الحسِّي والمعنوي فكانوا يجمعون في الاستنجاء بين الحجارة والماء فأثنى الله تعالى عليهم بذلك، وقوله تعالى {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} أي على مخافة من الله وطلب لرضاه خير أمن أسس بنيانه على شفا أي طرف جرف هار أي مشرف على السقوط، والجرف ما يكون في حافة الوادي من أرض يجرف السيل من تحتها التراب وتبقى قائمة ولكنها مشرفة على السقوط، وقوله تعالى {فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} أي سقط به ذلك الجرف في نار جهنم والعياذ بالله تعالى، هذا حال أولئك المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار. وقوله تعالى {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا يهديهم إلى ما يكمُلون به ويسعدون أي يحرمهم هدايته فيخسرون دنيا وأُخرى وقوله تعالى {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} أي شكاً واضطراباً في نفوسهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} فيهلكوا والشك في قلوبهم أي فكان هذا البناء الظالم سبباً في تأصل النفاق والكفر في قلوبهم حتى يموتوا كافرين وقوله {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تذييل للكلام بما يقرر مضمونه ويثبته فكونه تعالى عليماً حكيماً يستلزم حرمان أولئك الظلمة المنافقين من الهداية حتى يموتوا وهم كافرون إلى جهنم وذلك لتوغلهم في الظلم والشرك والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان أكبر مؤامرة ضد الإِسلام قام بها المنافقون بارشاد الفاسق أبي عامر الراهب. 2- بيان أن تنازع الشرف هو سبب البلاء كل البلاء فابن أُبَيّ حاربَ الإِسلام لأنه كان يُؤمِّلُ في السُّلطة على أهل المدينة فحُرِمَها بالإِسلام. وأبو عامر الراهب ترهَّب لأجل الشرف على أهل المدينة والسلطان الروحي فلذا لما فقدها حارب من كان سبب حرمانه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم حتى قال له مواجهة: ما قاتلك قوم إلا قاتلتك معهم. بل ذهب إلى الروم يؤلِّبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واليهود ما حاربوا الإِسلام إلا من أجل المحافظة على أملهم في مملكة إسرائيل. 3- لا يصح الإِغترار بأقوال أهل النفاق فإنها كذب كلها. 4- أيما مسجد بُني للإِضرار والتفرقة بين المسلمين إلا ويجب هدمه وتحرم الصلاة فيه. 5- فضل التطهر والمبالغة في الطهارتين الروحية والبدنية. 6- التحذير من الظلم والإِسراف فيه فإنه يحرم صاحبه هداية الله فيهلك وهو ظالم فيخسر دنيا وأُخرى.
القطان
تفسير : ضرارا: لمحاولة الضرر. ارصادا: ارتقابا. على شفا: على حرف. جرف: جانب الوادي. هار: متداع آيل للسقوط. سبب نزول هذه الآيات انه كان في المدينة رجل اسمه ابو عامر الراهب، قد تنصّر في الجاهلية وقرأ التوراة. وكان فيه عبادةٌ في الجاهلية وله شرفٌ كبير بين قومه من الأوس والخزرج، فلما قدِم الرسول الى المدينة دعاه الى الله وقرأ عليه القرآن، فأبى أبو عامرٍ أن يُسلم وتمرَّد، فدعا عليه الرسول أن يموت طريداً.. فنالته الدعوة وماتَ في بلاد الروم. وقد تجمَّع حوله جماعةٌ من المنافقين، ورأوا ان افضلَ وسيلةٍ يكيدون فيها للإسلام ونبيّه الكريم أن يبنوا مسجداً تحت شعار الدين، ثم يعملون للكفرِ بالله ورسوله، ولهدْمِ الإسلام، والإضرار بالمسليمن وتفريقِ كلمتهم. وقد بنوا المسجد وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى تبوك، وجاؤا فسألوه ان يصلّيَ في مسجدهم ليكون ذلك ذريعةً الى غَرِضهم، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلّة في الليلة الشاتية. فقال لهم الرسول الكريم: إنا على سَفرٍ، ولكن اذا رجعنا إن شاء الله. وقبل ان يصل المدينةَ في رجوعه من تبوك نزلت عليه هذه الآيات، فبعثَ بعضَ أصحابه وأمرهم أن يهِدموا ذلك المسجدَ، ففعلوا. أما أبو عامر الفاسق كما سمّاه الرسول فإنه لما رأى الاسلام في ظهورٍ وارتفاع - هربَ إلى هِرَقْلَ ملكِ الروم يستنصره. فوعده هذا وأقام أبو عامر عنده، وكتب الى جماعة من اهل النفاق في قومه يعدُهم بانه سيقدم بجيشٍ يقاتل به رسول الله، وامرهم ان يتخذوا معقِلا يَقْدَم عليهم فيه، ويكون له مرصدا بعد ذلك فشرعوا في بناء مسجدٍ مجاورٍ لمسجِد قُباء كما تقدّمت قصته، وهلك ابو عامر ولم يعد. وابو عامر هذا من الأوس، لكنه ورد في تفسير ابن كثير انه من الخزرج.. وقديماً كانوا يسمُّون الأوسَ والخزرج باسمِ "الخزرج". هذا هو مسجد الضرار الذي اتخذ على عهد رسول الله مكيدةً للاسلام والمسلمين. {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. من المنافقين جماعة بنوا مسجدا لا يبتغون به وجه الله، وأنما لإلحاق الضرر والتفريق بين جماعة المؤمنين. وسحلفون على انهم ما ارادوا ببناء هذا المسجد إلا الخيرَ والعملَ الأحسن، لكن الله يشهدُ عليهم أنهم كاذبون في أيمانهم. {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}. لا تصلِّ أيها الرسول في هذا المسجد ابدا. إن المسجد الذي أقيم على التقوى ابتغاءً لوجه الله، وطلباً لمرضاته، من اول يوم - هو أحقُّ من غيره ان تصلّي فيه وتؤدي شعائر الله وهو مسجد قباء. {فيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ}. ان في مسجد قباء رجالاً يعمُرونه بإقامة الصلاة، يحبّون ان يطهِّروا اجسادَهم وقلوبَهم بأداء العبادة الصحيحة فيه، "والله يحب المطهّرين" الذين يبالغون في طهارة الروح والجسد، لأن فيهما الكمالَ الانساني. {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. لا يستوي في عقيدته ولا في عمله مَنْ أقام بنيانه على الإخلاص في تقوى الله وابتغاءِ مَرْضاتِه مع ذاك الذي أقامَ بنيانَه على النفاق والكفر!! فإنّ عمل المؤمن الصالح مستقيمٌ ثابت على أصل متين، فيما عمل المنافق كالبناء على حافَةِ هاويةٍ بدون أساس، فهو واهٍ ساقط، يقع بصاحبه في نار جنهم، واللهُ لايهدي الظالمين إلى طريق الرشاد. {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. سيظل الذي بناه المنافقون ريبةً مَصْدَرَ اضطرابٍ وخوف في قلوبهم، لا ينتهي حتى تتقطع قلوبُهم بالندم والتوبة أو بالموت، والله عليم بكل شيء، حكيم في افعاله. قراءات: قرأ نافع وابن عامر: "الذين اتخذوا مسجدا ضرارا" بدون واو والباقون: "والذين...." وقرأ نافع وابن عامر: "أُسّسِ بنيانه" بضم الألف ورفع بنيانه في الموضعين. وقرأ الباقون: "أَسسَّ بنيانَه" وقرأ ابن عامر وحمزة وابو بكر: "جرف" باسكان الراء. وقرأ الباقون: "جرف" بضم الجيم والراء. وقرا يعقوب: "الى ان تقطع قلوبهم"وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص: "تقطع" بفتح التاء والطاء المشددة. وقرا الباقون: "تقطع" بضم التاء وتشديد الطاء المفتوحة.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَكَاذِبُونَ} (107) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ هَؤُلاَءِ هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَنُوا مَسْجِداً، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرِ الرَّاهِبُ (وَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الخَزْرَجِ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَأَبَى الإِسْلاَمَ، وَأَخَذَ يَكِيدُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَتَآمَرُ عَلَيْهِمْ مَعَ قُرَيشٍ، وَمَعَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَلَّبَ المُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَحَاوَلَ اسْتِمَالَةَ الأَنْصَارِ فِي المَعْرَكَةِ فَسَبُّوهُ): ابْنُوا مَسْجِداً يَكُونُ مَرْصَداً لَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْتَعِدُّوا، وَأَنْ يَجْمَعُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قُوَّةٍ وَسِلاحٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ذَاهِبٌ إِلى قَيْصَرِ الرُّومِ فَآتٍ بِجُنُودٍ مِنَ الرُّومِ لإِخْرَاجِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَأَخَذُوا فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ قُرْبَ مَسْجِدِ قَباءٍ، وَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ بِنَائِهِ أَتَوْا إِلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا فَنُحِبُّ أَنْ تَصَلِّيَ فِيهِ، وَتَدْعُو لَنَا بِالبَرَكَةِ. وَكَانَ الرَّسُولُ خَارِجاً إِلى غَزْوَةِ تَبُوك، فَأَرْجََأَ ذَلِكَ إِلى حينِ عَوْدَتِهِ. وَحِينَ عَادَ نَزَل عَلَيهِ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، يُخْبِرُهُ بِغَايَةِ بُنَاةِ المَسْجِدِ وَقَصَدِهِمْ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ لاَ يُصَلِّيَ فِيهِ أَبَداً. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ بَنُوا هَذا المَسْجِدِ سَيَحْلِفُونَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَرَادُوا بِبِنَائِهِ الخَيْرَ وَالإِحْسَانَ إِلَى النَّاسِ، وَاللهُ يَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِيمَا قَالُوهُ، وَفِيمَا قَصَدُوهُ، وَفِيمَا نَوَوْهُ؛ فَهُمْ إِنَّمَا بَنَوْهُ ضِرَاراً لِمَسْجِدِ قِبَاءٍ، وَكُفْراً بِاللهِ، وَتَفْرِيقاً لِلْمُؤْمِنِينَ (الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعاً فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ هُوَ مَسْجِدُ قبَاءٍ، وَفِي ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّعَارُفُ وَالتَّآلُفُ، وَتُجْمَعُ الكَلِمَةُ)، وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلِ بِنَاءِ هَذا المَسْجِدِ. الضِّرارُ وَالمُضَارَّةُ - مُحَاوَلَةُ إِيقَاعِ الضَّرَرِ. الإِرْصَادُ - الانْتِظَارُ وَالتَّرَقُّبُ مَعَ العَدَاوَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يقص لنا القرآن هنا حالاً من أحوال المنافقين، وأحوالهم مع الإيمان متعددة. وقد ذكر الحق سبحانه عنهم أشياء صدَّرها بقوله: {وَمنْهُمْ}، {وَمنْهُمْ} و {وَيَحْلِفُونَ}، {وَيَحْلِفُونَ}؛ ولذلك يسميها العلماء "مناهم التوبة"، مثل قوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ ...} تفسير : [التوبة: 75]. وقول الحق: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ ...} تفسير : [التوبة: 61]. وقوله الحق: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ...} تفسير : [التوبة: 49]. وقال الحق عنهم أيضاً: {وَيَحْلِفُونَ}، {وَيَحْلِفُونَ}، {وَيَحْلِفُونَ} ويقولون عنها: "محالف التوبة"، ويقص الحق هنا حالاً آخر من أحوال المنافقين، وقد قص له نظيراً فيما سبق، وهؤلاء المنافقون - كما قلنا - متعارضون في ملكاتهم، ملكة لسانية تؤمن، وملكة قلبية تكفر. والمزاوجة بين الملكات المتناقضة أمر عسير على النفس وشاق، ويتطلب مجهوداً عاطفيّاً، ومجهوداً عقليّاً، ومجهوداً حركيّاً، فَهُم إذا خَلَوْا إلى شياطينهم قالوا كلاماً، وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا كلاماً، ويقص الحق ذلك حين يعلنون الإيمان بألسنتهم في قوله: {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا ...} تفسير : [البقرة: 14]. أما إذا خَلَوْا إلى أنفسهم فالحق يصف حالهم: {أية : وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ ...} تفسير : [البقرة: 14]. وهكذا تُكْبَت ملكات لسانهم في أن يقولوا وقت أن يكونوا مع المؤمنين، أما حين يكونون مع إخوانهم فهم يُنفِّسون عن ملكاتهم فيقولون قولاً مختلفاً، وهذه مسألة متناقضة؛ ولذلك قال القرآن فيما سبق: {أية : لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} تفسير : [التوبة: 57]. أي: لو أنهم يجدون مكاناً أميناً، لا يراهم فيه المؤمنون، لنفّسوا عن أنفسهم، وسبّوا النبي، وسبّوا المؤمنين، وقالوا ما يريدون، إلا أنهم لا يجدون هذا المكان، إنهم يتمنون لو وجدوا ملجأ يلجأون إليه، أو مغارة يدخلون فيها؛ لكي يُنفِّسوا عن أنفسهم؛ إذن: {لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}، لكنهم لا يجدون. ويقص الحق سبحانه وتعالى هنا قصة أخرى من أحوالهم فيقول عز وجل: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً...} [التوبة: 107]. نحن نعلم أن كلمة "مسجد" في عمومها هي مكان السجود، وفي الخصوص هي مكان يحجز للسجود وللصلاة فقط، فإن أردت المعنى العام، فكل الأرض مسجد، وتستطيع أن تصلي في أي مكان فيصير مسجداً، لا بالمكان ولكن بالمكين، وبعد ذلك تزاول فيه أعمال الحياة، وقد تصلي في الفصل الدراسي أو المكتب أو المصنع أو الحقل أو في أي مكان تزاول فيه أسباب الحياة. وبذلك يصبح المكان الذي تصلي فيه مسجداً بالمكين، ولكن هناك مسجد آخر مخصص دائماً للصلاة حين يؤخذ حيز من المكان، ويقال: "حجز ليكون مسجداً"، فلا تباشر فيه أي عملية من عمليات الحياة إلا الصلاة وهو مسجد - بالمكان -، ونحن نعلم أن أول مسجد أسِّس هو مسجد قباء والذين بنوه هم بنو عمرو بن عوف، ثم أراد المنافقون أن يُنفِّسوا عن أنفسهم في صورة طاعة، فبنوا مسجداً ضراراً، وقد بناه بنو غُنْم بن عوف وأرادوا بهذا المسجد أن ينافسوا مسجد قباء. ونعلم كيف يكون الضرار بين المتنافسين على شيء، كما يحدث الآن تماماً، وتسمع من يقول: ولماذا أقام الحي الفلاني مسجداً، ولم نقُم نحن مسجداً؟ وعلى ذلك فكل مسجد فيه هذه الصفة؛ صفة التنافس للحصول على سمعة أو تحيز لجهة على جهة، أو رياء، فهذا يعتبر مسجداً ضراراً؛ لأن كل هذه المسائل فرقت جماعة المسلمين. وقد يقول قائل: ولكن هذا الأمر ظاهرة صحية، ونقول: لا، إن لنا أن نعرف أنها ظاهرة مرضية في الإيمان؛ لأنك حين ترى المسجد وليس فيه صفان مكتملان، ثم يوجد بعده بعدة أمتار مسجد، وهناك مسجد ثالث بعد عدة أمتار، ثم مسجد رابع، فهذه كلها مساجد ضرار. إذن: فـ "المسجد" بمعناه الخاص هو المكان الذي يحيز حتى يصير مسجداً، لا يزاول فيه شيء غير المسجدية، ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى واحداً ينشد ضالته في المسجد، قال له: "حديث : لا رد الله عليك ضالتك"تفسير : . لأن المسجد حين تدخله فأنت تعلن نية الاعتكاف لتكون في حضرة ربك، وعندك من الوقت خارج المسجد ما يكفيك لتتكلم في مسائل الدنيا. إذن: فهؤلاء القوم أرادوا أن يُنفِّسوا عن نفاقهم بمظهر من مظاهر الطاعة، فقالوا: نقيم مسجداً، وبذلك نفرق جماعة المسلمين، فجماعة يصلون هنا، وجماعة يصلون هناك، وإن قعدنا نحن نصلي فيه فنكون أحراراً، ونتكلم مثلما نريد، أما حين نذهب للصلاة في المسجد الآخر، فنحن نجلس هناك مكبوتين، وغير قادرين على الكلام، ونحن نريد أن ننفس عن أنفسنا. فهم بَنَوْا المسجد، ثم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي معهم في المسجد الجديد أثناء خروجه لغزوة تبوك فاعتذر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوضح لهم: إننا في حال لا يسمح بذلك، وإن شاء الله عند عودتنا من الغزوة نصلي فيه. وبعد أن عاد من الغزوة حاولوا أن يستوفوه وعده، ويطلبوا منه الوفاء بوعده، فإذا بجبريل ينزل عليه بالآيات التي توضح حكاية هذا المسجد، وكيف أنه مسجد ضرار؛ لأن الله علم نيتهم في ذلك. ومعنى "الضرار" من المضارة، وأنهم أرادوا أن يأخذوا راحتهم في كل الزمن، وأن يبتعدوا عن التواجد مع المؤمنين في المسجد الذي يصلي فيه رسول الله، ويريدون أن يخلو بعضهم ببعض، وأن يتكلموا كما يريدون في مضارة المسلمين، ويفرقوا بين جماعة المسلمين. ثم يقول سبحانه: {وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. إذن: فكل ما يفتت جماعة المسلمين هو أمر ضار بمصلحة الإسلام؛ لأن الإسلام يريد أن يعلم الناس أنهم قوة مجتمعة، ويكون أمر هذه القوة واضحاً؛ ولهذا أباح الحق أن تصلي الصلوات في أي مكان، وحتَّم أن نصلي جميعاً يوم الجمعة في مكان واحد؛ ليفرح المسلمون حين يرون أنفسهم مقبلين على الدين، ويلتقي كل واحد منهم بالآخر؛ ولذلك كان مسجد الضرار هذا تفريقاً بين المسلمين. ثم يقول سبحانه: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} والإرصاد هو الترقب، ولذلك يقال: لقد استمر القوم في المكان الفلاني لرصد فلان، أي: أنهم أناس يترقبون مجيئه بمكان ليفتكوا به، وهذا هو ترقب الكراهية لا ترقب الحب. والذين أقاموا هذا المسجد أرصدوه مترقبين ومنتظرين إنساناً له سابقة في عداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي طلب منهم إقامة هذا المسجد وهو "أبو عامر الراهب" وقد سماه رسول الله "الفاسق". وأبو عامر هذا رجل تنصَّر في الجاهلية، ولم تكن الجاهلية بيئة ديانات، فمن كان مثلاً يسافر إلى مكان ويسمع بدين فهو يأتي به ليدعوا لهذا الدين ويترأس من يتبعونه، وأبو عامر من هؤلاء الذين تنصَّروا وصاروا في المدينة، فلما جاء رسول الله ليبطل كل هذه الأشياء في المدينة وزالت رياسته، عادَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال له في أحد: ما رأيت قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم. وحين تمكن الإسلام في المدينة فر إلى مكة، ولما فتحت مكة فرّ إلى الطائف، فلما آمن أهل الطائف، لم يجد له وطناً فذهب إلى الروم "بالشام". ثم كتب للمافقين أن أعدّوا مسجداً؛ لأني سأتي لكم بقوة من ملك الروم؛ لأهاجم محمداً وأحاربه وأخرجه من المدينة. إذن: فهم قد بَنَوْا ذلك المسجد ضراراً، وكفراً، وتفريقاً، وإرصاداً، أي: ترقباً وانتظاراً لذلك الراهب الذي سيذهب إلى الشام ويأتي بجنود لمحاربة الله ورسوله. ورغم أنهم قد فعلوا ذلك، فقد امتلكوا جراءة الطلب من رسول الله أن يصلي معهم فيه بهدف ترسيم هذا المكان مسجداً ليصلي فيه الناس ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى فيه، وظنوا أن هذه المكيدة سوف تفلح، ولكن الله الذي يحرس نبيه، ويحرس دينه من المنافقين، كشف له حقيقة هذا المسجد. وقد يتغافل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين بعض الشيء لحكمة، فهم قد أخذوا بالإسلام لوناً من الصحبة، ولم يفضحهم أولا حتى لا يقال: إن محمداً يحارب أصحابه؛ لذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم ما لم يكن يعلمه غيره؛ لذلك أراد أن يحمي الإسلام من لسان من لم يعلم. ولكن بعد أن انكشف الأمر أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم "مالك بن الدُّخْشم" و "عامر بن السكن"، و "وحشيّ" قاتل حمزة، و "معن بن عدي" ليهدموا هذا المسجد، وأن يجعلوا في موضعه مكان "القمامة". وبذلك فُضِحَ المنافقون، فَأسرُّوها في نفوسهم. وأنت إذا رأيت من عدوك فعلاً تكرهه، فعليك أولاً أن تفسد عليه الفعل، هذه أول مرحلة، فإذا تكرر الفعل منه، ولم يرتدع، لا بد أن تضعه في مكانه اللائق به. والمنافقون أرادوا بهذا المسجد الضرر والإضرار بالإسلام، وكان يجب أن يكفوا عن مثل هذا العمل ما دام الحق قد كشفهم. لكنهم لم يكفوا، وظلوا سادرين في العداوة للإسلام؛ لذلك كان لا بد كما تخلصت أولاً من الفعل أن تتخلص من الفاعل؛ لذلك أصبحوا خائفين من أن يتجه الردع إلى الفاعل، والحق سبحانه يقول: {أية : يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} تفسير : [التوبة: 64]. ونعلم أن المريب يكاد أن يقول: خذوني. إنه بسلوكه إنما يدل على نفسه، ويأتي القرآن في سورة ثانية فيقول: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ...} تفسير : [المنافقون: 4]. وهم يتصرفون هكذا لأن الريبة تملأ أعماقهم، وكلما رأى واحد منهم مؤمناً يسير إلى ناحيته يظن أنه جاء ليؤدبه ضرباً أو قتلاً. والحق سبحانه يقول هنا: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ}، وكلمة {مِن قَبْلُ} فيها إيحاء بأن لهم سوابق في محاربة رسول الله بغرض أن يؤذوه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق سبحانه يحميه دائماً، ولم يعد هناك مكر أو حرب يمكن أن ينالوا بها منه صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الأمر أمثلة كثيرة، فالقرآن حينما يقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال اليهود ويوضح له: {أية : وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ...} تفسير : [البقرة: 61]. أليس هذا القول يدفع في خاطره احتمال أن يقتلوه؟ بلى فهم ما دامت عندهم الجرأة على قتل الأنبياء فما الذي يمنعهم من قتله؟ لكن الحق يطمئنه ويكبتهم ويقطع عندهم الأمل، ويأتي قوله الحق: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ ...} تفسير : [البقرة: 91]. وقوله: {مِن قَبْلُ} هنا يعني أن ذلك لن يحدث الآن، فقد اختلف الموقف. وهكذا طمأن الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك كُبتت هذه الفكرة إن فكروا فيها. وأيضاً حين يأتي القرآن بشيء في نيتهم أن يفعلوه، ولم يفعلوا بعد، ويفضحهم القرآن بإعلان ما في نيتهم، ومن غبائهم فهم يفعلون الأمر المفضوح، ولو كان عندهم قليل من ذكاء لامتنعوا عن فعل ما فضحهم به القرآن. ويتمثل ذلك في أحد المواقف التي يحلفون فيها، ولو كان فيهم رجل رشيد يملك التفكير المتوازن لقال لهم: إنكم سوف تحلفون {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} فلا تحلفوا حتى يشك المسلمون في القرآن، ومن غبائهم أيضا أنهم حلفوا في أمر لهم فيه اختيار أن يفعلوه أو لا يفعلوه، مثلما قال الحق سبحانه: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ...} تفسير : [البقرة: 142]. إنهم لم يكونوا قد قالوا بعد، وأنزل الحق ذلك في قرآن يتلى كل صلاة، ويعرفه كل مسلم، فيكف يقولون نفس القول بعد أن نزل به القرآن؟ لقد فعل اليهود ذلك؛ وهم بهذا الفعل قد اختاروا أن يكونوا سفهاء، ولم يخرج منهم عاقل واحد يحثهم على ألا يقولوا. وهنا يقول الحق: {وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ} والحق هنا قد أكد الأمر حين جاء بلام القطع. وهم قد أقسموا وقالوا: ما أردنا باتخاذ هذا المسجد إلا مصلحة المسلمين ولنيسر على المعذورين والمرضى، والعاجزين عن السير إلى المسجد الآخر، وإن كانت ليلة مطيرة أو ليلة شاتية، فيستطيع الناس أن يجدوا مسجداً ثانياً ليصلوا فيه، ولكن حكم الله ينزل {وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. ويقول الحق بعد ذلك: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً} الآية، حديث : لما ذكر طرائق ذميمة لأصناف المنافقين أقوالاً وأفعالاً، ذكر أن منهم من بالغ في الشر حتى ابتنى مجمعاً للمنافقين يرتبون ما شاؤا فيه من الشر وسموه مسجداً، ولما بنى بنو عمرو بن عوف مسجد قباء وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء وصلى فيه، حسدهم بنو عمهم بنو غنم بن عوف وبنو سالم بن عوف وحرضهم أبو عامر الفاسق على بنائه حين نزل الشام هارباً من وقعة حنين فراسلهم في بنائه وقال: ابنوا لي مسجداً فإني ذاهب إلى قيصر آتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه. فبنوه إلى مسجد قباء وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين جزام بن خالد ومن داره أخرج المسجد، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قضير، وحارثة بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ونبتل بن الحارث، وعباد بن حنيف، ونجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وأبو حنيفة الأزهر، وبحزج بن عمرو، ورجل من بني ضبيعة وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنينا مسجداً لذي القلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة. فقال صلى الله عليه وسلم: إني على جناح سفر وحال شغل، وإذا قدمنا صلينا إن شاء الله فيه. وكان أمامهم مجمّع بن حارثة وكان غلاماً قارئاً للقرآن حسن الصوت وهو ممن حسن إسلامه وولاّه عمر إمامة مسجد قباء بعد مراجعة، ثم بعثه إلى الكوفة يعلمهم القرآن. فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك نزل بذي اوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار، ونزل عليه القرآن في شأن مسجد الضرار، فدعا مالك بن الدخشم ومعنا وعاصماً ابني عدي. وقيل: بعث عمار بن ياسر ووحشياً قاتل حمزة بهدمه وتحريقه، فهدم وحرف بنار في سعف واتخذ كُناسة ترمي فيها الجيف والقمامة تفسير : وقرىء: الذي بغير واو. فاحتمل أن يكون بدلاً من قوله: وآخرون، مُرْجَوْن. وان يكون خبر مبتدأ تقديره هم الذين وأن يكون مبتدأ محذوف الخبر تقديره منهم الذين. واتخذوا هنا تعدى لواحد كقوله: اتخذت بيتاً أي عملت بيتاً. وضراراً مفعول من أجله. وقوله: ان أردنا إلا الحسنى هي جملة القسم المحلوف عليه مصدرة بأن النافية التقدير ما أردنا إلا الحسنى كقوله: {أية : وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا} تفسير : [فاطر: 41]، أي ما أمسكهما من أحد من بعده. {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} نهاه أن يقوم فيه أبداً لأن بُنَانة كانوا خادعوا الرسول فهمّ الرسول بالمشي معهم واستدعى قميصه لينهض. فنزلت: لا تقم فيه أبداً. وعبّر بالقيام عن الصلاة فيه. قال ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين: المؤسس على التقوى مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهي يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. {يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} في الحديث قال لهم: حديث : يا معشر الأنصار رأيت الله أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟ قالوا: يا رسول الله انا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء يريدون الاستنجاء بالماء ففعلنا ذلك، فلما جاء الإِسلام لم ندعه. فقال: فلا تدعوه اذنتفسير : . وقرىء: أسس بنيانه مبنياً للفاعل وأسس مبنياً للمفعول فيهما. شفا الشىء: حافته، وألفه مقلبة عن واو لذلك يقال في تثنيته شفوان. والجرف: ما جرفه السيل من الأودية أو الهوة، قاله أبو عبيدة. وقيل: الجرف البئر التي لم تطو وهار أي ساقط. يقال: هار يهور وهار يهير، واسم الفاعل هائر فقيل: حذفت الهمزة فبقي هار. وقيل: قلبت الكلمة من هائر إلى هارىء فحذفت الياء لأجل التنوين وصار الإِعراب في الراء، قالوا: في الرفع: هارٌ، وفي النصب: هاراً، وفي الجر: هار. {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ} الآية، ويحتمل أن يكون البنيان هنا مصادراً، أي لا يزال ذلك الفعل وهو البنيان. ويحتمل أن يراد به المبنيُ فيكون على حذف مضاف، أي لا يزال بناء المبنيّ. {رِيبَةً} أي شكا يريد سبب ريبة. وقرىء: {تَقَطَّعَ} مبنياً للمفعول وتقطّع مبنياً للفاعل وأصله تتقطع وحذفت التاء الثانية فبقي تقطع.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كان أناس من المنافقين من أهل قباء اتخذوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، يريدون به المضارة والمشاقة بين المؤمنين، ويعدونه لمن يرجونه من المحاربين للّه ورسوله، يكون لهم حصنا عند الاحتياج إليه، فبين تعالى خزيهم، وأظهر سرهم فقال: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا } أي: مضارة للمؤمنين ولمسجدهم الذي يجتمعون فيه { وَكُفْرًا } أي: قصدهم فيه الكفر، إذا قصد غيرهم الإيمان. { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: ليتشعبوا ويتفرقوا ويختلفوا، { وَإِرْصَادًا } أي: إعدادا { لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } أي: إعانة للمحاربين للّه ورسوله، الذين تقدم حرابهم واشتدت عداوتهم، وذلك كأبي عامر الراهب، الذي كان من أهل المدينة، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إلى المدينة، كفر به، وكان متعبدا في الجاهلية، فذهب إلى المشركين يستعين بهم على حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. فلما لم يدرك مطلوبه عندهم ذهب إلى قيصر بزعمه أنه ينصره، فهلك اللعين في الطريق، وكان على وعد وممالأة، هو والمنافقون. فكان مما أعدوا له مسجد الضرار، فنزل الوحي بذلك، فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم من يهدمه ويحرقه، فهدم وحرق، وصار بعد ذلك مزبلة. قال تعالى بعدما بين من مقاصدهم الفاسدة في ذلك المسجد { وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا } في بنائنا إياه { إِلا الْحُسْنَى } أي: الإحسان إلى الضعيف، والعاجز والضرير. { وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } فشهادة اللّه عليهم أصدق من حلفهم. { لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } أي: لا تصل في ذلك المسجد الذي بني ضرارا أبدا. فاللّه يغنيك عنه، ولست بمضطر إليه. { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } ظهر فيه الإسلام في "قباء" وهو مسجد "قباء" أسس على إخلاص الدين للّه، وإقامة ذكره وشعائر دينه، وكان قديما في هذا عريقا فيه، فهذا المسجد الفاضل { أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } وتتعبد، وتذكر اللّه تعالى فهو فاضل، وأهله فضلاء، ولهذا مدحهم اللّه بقوله: { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } من الذنوب، ويتطهروا من الأوساخ، والنجاسات والأحداث. ومن المعلوم أن من أحب شيئا لا بد أن يسعى له ويجتهد فيما يحب، فلا بد أنهم كانوا حريصين على التطهر من الذنوب والأوساخ والأحداث، ولهذا كانوا ممن سبق إسلامه، وكانوا مقيمين للصلاة، محافظين على الجهاد، مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وإقامة شرائع الدين، وممن كانوا يتحرزون من مخالفة اللّه ورسوله. وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية في مدحهم عن طهارتهم، فأخبروه أنهم يتبعون الحجارة الماء، فحمدهم على صنيعهم. { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } الطهارة المعنوية، كالتنزه من الشرك والأخلاق الرذيلة، والطهارة الحسية كإزالة الأنجاس ورفع الأحداث. ثم فاضل بين المساجد بحسب مقاصد أهلها وموافقتها لرضاه فقال: { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ } أي: على نية صالحة وإخلاص { وَرِضْوَانٍ } بأن كان موافقا لأمره، فجمع في عمله بين الإخلاص والمتابعة، { خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا } أي: على طرف { جُرُفٍ هَارٍ } أي: بال، قد تداعى للانهدام، { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } لما فيه مصالح دينهم ودنياهم. { لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ } أي: شكا، وريبا ماكثا في قلوبهم، { إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } بأن يندموا غاية الندم ويتوبوا إلى ربهم، ويخافوه غاية الخوف، فبذلك يعفو اللّه عنهم، وإلا فبنيانهم لا يزيدهم إلا ريبا إلى ريبهم، ونفاقا إلى نفاقهم. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بجميع الأشياء، ظاهرها، وباطنها، خفيها وجليها، وبما أسره العباد، وأعلنوه. { حَكِيمٌ } لا يفعل ولا يخلق ولا يأمر ولا ينهى إلا ما اقتضته الحكمة وأمر به فللّه الحمد. وفي هذه الآيات فوائد عدة: منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه. ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى. ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها. كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن اللّه علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة للّه ورسوله. ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها. ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد " قباء" حتى قال اللّه فيه: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } . ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان صلى الله عليه وسلم يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه. ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي: كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية للّه، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى اللّه ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه. ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات. ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره اللّه له من باب أولى وأحرى. ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم. والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، واللّه لا يهدي القوم الظالمين.
همام الصنعاني
تفسير : 1127- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً}: [الآية: 107]، قال: هم حي يقال لهم: بنو غنم. 1128- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، قال: الذين بنى فيهم المسجد الذي أسس على التَّقْوَى: بنو عَمْرو بن عَوْف. قال: وفي قوله تعالى: {وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}: [الآية: 107]، أبو عامر الراهب: انطلق إلى الشام فقال الذين بنو مسجداً ضراراً إنّما بنيناه ليُصلي فيه أبو عامر. 1129- حدثنا عبد الرزاق، عن بان عُيَيْنَةَ، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، قال: أحسبه عن أبيه قال: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أُسِّس على التقوى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):