Verse. 1343 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَا تَقُمْ فِيْہِ اَبَدًا۝۰ۭ لَمَسْجِدٌ اُسِّــسَ عَلَي التَّقْوٰى مِنْ اَوَّلِ يَوْمٍ اَحَقُّ اَنْ تَقُوْمَ فِيْہِ۝۰ۭ فِيْہِ رِجَالٌ يُّحِبُّوْنَ اَنْ يَّتَطَہَّرُوْا۝۰ۭ وَاللہُ يُحِبُّ الْمُطَّہِّرِيْنَ۝۱۰۸
La taqum feehi abadan lamasjidun ossisa AAala alttaqwa min awwali yawmin ahaqqu an taqooma feehi feehi rijalun yuhibboona an yatatahharoo waAllahu yuhibbu almuttahhireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

(لا تقم) تصل (فيه أبدا) فأرسل جماعة هدموه وحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيها الجيف (لمسجد أسس) بنيت قواعده (على التقوى من أول يوم) وضع يوم حللت بدار الهجرة، وهو مسجد قباء كما في البخاري (أحق) منه (أن) أي بأن (تقوم) تصلي (فيه، فيه رجال) هم الأنصار (يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) أي يثيبهم، فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء، روي ابن خزيمة في صحيحه عن عويمر بن ساعدة: "" أنه صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا "" وفي حديث رواه البزار فقالوا نتبع الحجارة بالماء "" فقال هو ذاك فعليكموه "".

108

Tafseer

الرازي

تفسير : قال المفسرون: إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة تبوك، قالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة. فقال عليه السلام: إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية، فدعا بعض القوم وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدموه وخربوه، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة. وقال الحسن: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبداً. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {لاَ تَقُمْ فِيهِ } نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه. قال ابن جريج: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد، وانهار في يوم الاثنين. ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنياً على التقوى من أول يوم، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني. فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني. قلنا: التعليل وقع بمجموع الأمرين، أعني كون مسجد الضرار سبباً للمفاسد الأربعة المذكورة، ومسجد التقوى مشتملاً على الخيرات الكثيرة. ومن الروافض من يقول: بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك. وثبت أن علياً ما كفر بالله طرفة عين، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره. وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة، فزال هذا السؤال. واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو؟ قيل: إنه مسجد قباء، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه، والأكثرون أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه، فقال أحدهما: مسجد الرسول، وقال آخر: قباء. فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا. وقال القاضي: لا يمنع دخولهما جميعاً تحت هذا الذكر لأن قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ } هو كقول القائل، لرجل صالح أحق أن تجالسه. فلا يكون ذلك مقصوراً على واحد. فإن قيل: لم قال أحق أن تقوم فيه، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟ قلنا: المعنى أنه لو كان ذلك جائزاً لكان هذا أولى، للسبب المذكور. ثم قال تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ } وفيه مباحث: البحث الأول: أنه تعالى رجح مسجد التقوى بأمرين: أحدهما: أنه بني على التقوى، وهو الذي تقدم تفسيره. والثاني: إن فيه رجالاً يحبون أن يتطهروا، وفي تفسير هذه الطهارة قولان: الأول: المراد منه التطهر عن الذنوب والمعاصي، وهذا القول متعين لوجوه: أولها: أن التطهر عن الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى واستحقاق ثوابه ومدحه. والثاني: أنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر بالله والتفريق بين المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم. وما ذاك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي. والثالث: أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر وقدر عند الله لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، أما لو حصلت طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، ولم تحصل نظافة الظاهر، كأن طهارة الباطن لها أثر، فكان طهارة الباطن أولى. الرابع: روى صاحب «الكشاف»: أنه لما نزلت هذه الآية مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، فقال: « حديث : أمؤمنون أنتم » تفسير : فسكت القوم ثم أعادها. فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم؛ فقال عليه السلام: « حديث : أترضون بالقضاء » تفسير : قالوا نعم. قال: « حديث : أتصبرون على البلاء » تفسير : قالوا: نعم، قال: « حديث : أتشكرون في الرخاء » تفسير : قالوا: نعم، قال عليه السلام: « حديث : مؤمنون ورب الكعبة » تفسير : ثم قال: « حديث : يا معشر الأنصار إن الله أثنى عليكم فما الذي تصنعون في الوضوء » تفسير : قالوا: نتبع الماء الحجر. فقرأ النبي عليه السلام: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } الآية. والقول الثاني: أن المراد منه الطهارة بالماء بعد الحجر. وهو قول أكثر المفسرين من أهل الأخبار. والقول الثالث: أنه محمول على كلا الأمرين، وفيه سؤال: وهو أن لفظ الطهارة حقيقة في الطهارة عن النجاسات العينية، ومجاز في البراءة عن المعاصي والذنوب، واستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً لا يجوز. والجواب: أن لفظ النجس اسم للمستقذر، وهو القدر مفهوم مشترك فيه بين القسمين وعلى هذا التقدير، فإنه يزول السؤال، ثم إنه تعالى أعاد السبب الأول، وهو كون المسجد مبنياً على التقوى، فقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ } وفيه مباحث. البحث الأول: البنيان مصدر كالغفران، والمراد ههنا المبني، وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور، يقال هذا ضرب الأمير ونسج زيد، والمراد مضروبه ومنسوجه، وقال الواحدي: يجوز أن يكون لبيان جمع بنيانة إذا جعلته اسماً، لأنهم قالوا بنيانة في الواحد. البحث الثاني: قرأ نافع وابن عامر {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } على فعل ما لم يسم فاعله، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس، أما قوله: {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه، والرغبة في ثوابه، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله، أما قوله: {أمِن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم {جُرُفٍ } ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق. البحث الثاني: قال أبو عبيدة: الشفا الشفير، وشفا الشيء حرفه، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة. فذلك الشيء هو الجرف، وقوله: {هَارٍ } قال الليث: الهور مصدر هار الجرف يهور، إذا انصدع من خلفه، وهو ثابت بعد في مكانه، وهو جرف هار هائر، فإذا سقط فقد انهار وتهور. إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء، وهو الباطل؟ والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه {شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } كان مشرفاً على السقوط، ولكونه على طرف جهنم، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم، ولا نرى في العالم مثالاً أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال! وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر، فكان البناء الأول شريفاً واجب الإبقاء، وكان الثاني خسيساً واجب الهدم. ثم قال تعالى: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } والمعنى: أن بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سبباً للريبة. وفي كونه سبباً للريبة وجوه: الأول: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته. الثاني: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ الثالث: أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه؟ الرابع: بقوا شاكين مرتابين في أن الله تعالى هل يغفر تلك المعصية؟ أعني سعيهم في بناء ذلك المسجد، والصحيح هو الوجه الأول. ثم قال: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة {أَن تَقَطَّعَ } بفتح التاء والطاء مشددة بمعنى تتقطع، فحذفت إحدى التاءين، والباقون بضم التاء وتشديد الطاء على ما لم يسم فاعله، وعن ابن كثير {تُقَطَّعَ } بفتح الطاء وتسكين القاف {قُلُوبِهِمْ } بالنصب أي تفعل أنت بقلوبهم هذا القطع، وقوله: {تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } أي تجعل قلوبهم قطعاً، وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالحزن والبكاء، فحينئذ تزول تلك الريبة. والمقصود أن هذه الريبة باقية في قلوبهم أبداً ويموتون على هذا النفاق. وقيل: معناه إلا أن يتوبوا توبة تنقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. وقيل حتى تنشق قلوبهم غماً وحسرة، وقرأ الحسن {إِلَىٰ أَن } وفي قراءة عبد الله {وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ } وعن طلحة {وَلَوْ قُطّعَتْ قُلُوبِهِمْ } على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل مخاطب. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } والمعنى: عليم بأحوالهم، حكيم في الأحكام التي يحكم بها عليهم.

القرطبي

تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأُولى ـ قوله تعالى: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} يعني مسجد الضِّرار؛ أي لا تقم فيه للصلاة. وقد يعبّر عن الصلاة بالقيام؛ يقال: فلان يقوم الليل أي يصلّي؛ ومنه الحديث الصحيح: «حديث : من قام رمضان إيماناً وٱحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه»تفسير : . أخرجه البخاريّ عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:...، فذكره. وقد رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية كان لا يمرّ بالطريق التي فيها المسجد، وأمر بموضعه أن يُتخذ كُناسة تلقى فيها الجيف والأقذار والقُمَامات. الثانية ـ قوله تعالى: {أَبَداً} «أبدا» ظرف زمان. وظرف الزمان على قسمين: ظرف مقدّر كاليوم، وظرف مُبْهم كالحين والوقت؛ والأبد من هذا القسم، وكذلك الدهر. وتنشأ هنا مسألة أُصولية، وهي أن «أبدا» وإن كانت ظرفاً مبهماً لا عموم فيه ولكنه إذا اتصل بلا النافية أفاد العموم، فلو قال: لا تقم، لكفى في الانكفاف المطلق. فإذا قال: «أبداً» فكأنه قال في وقت من الأوقات ولا في حين من الأحيان. فأما النكرة في الإثبات إذا كانت خبراً عن واقع لم تعمّ، وقد فَهِم ذلك أهل اللسان وقضى به فقهاء الإسلام فقالوا: لو قال رجل لامرأته أنت طالق أبداً طَلُقت طلقة واحدة. الثالثة ـ قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} أي بُنيت جُدُره ورُفعت قواعده. والأُسّ أصل البناء؛ وكذلك الأساس. والأَسَس مقصور منه. وجمع الأُسّ إساس؛ مثلُ عُسّ وعِساس. وجمع الأساس أُسُس؛ مثل قَذال وقُذُل. وجمع الأَسَس آساس؛ مثل سبب وأسباب. وقد أسّست البناء تأسيساً. وقولهم: كان ذلك على أُسِّ الدهر، وأَسّ الدهر، وإسّ الدهر؛ ثلاث لغات؛ أي على قِدم الدّهر ووجه الدهر. واللام في قوله {لَّمَسْجِدٌ} لام قسم. وقيل لام الابتداء؛ كما تقول: لزيد أحسن الناس فعلاً؛ وهي مقتضية تأكيداً. «أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى» نعت لمسجد. {أَحَقُّ} خبر الابتداء الذي هو «لَمَسْجِدٌ» ومعنى التقوى هنا الخصال التي تُتّقَى بها العقوبة، وهي فَعلى من وَقيت، وقد تقدّم. الرابعة ـ وٱختلف العلماء في المسجد الذي أسّس على التقوى؛ فقالت طائفة: هو مسجد قباء؛ يروى عن ٱبن عباس والضحاك والحسن. وتعلقوا بقوله: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ}، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أوّل يوم؛ فإنه بُني قبل مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قاله ٱبن عمر وٱبن المسيب، ومالك فيما رواه عنه ٱبن وهب وأشهب وٱبن القاسم. وروى الترمذِيّ عن أبي سعيد الخُدْرِيّ: قال حديث : تَمارَى رجلان في المسجد الذي أُسِّس على التّقوى من أوّل يوم؛ فقال رجل هو مسجد قُبَاء، وقال آخر هو مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو مسجدي هذا»تفسير : . قال حديث صحيح. والقول الأوّل ألْيَق بالقصة؛ لقوله: «فيه» وضمير الظرف يقتضي الرجال المتطهرين؛ فهو مسجد قُباء. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. قال الشّعبِيّ: هم أهل مسجد قُباء، أنزل الله فيهم هذا. وقال قتادة: لما نزلت هذه الآيةحديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: «إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء في التطهر فما تصنعون»؟ قالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماءتفسير : ؛ رواه أبو داود. وروى الدَّارَقُطْنِيّ عن طلحة بن نافع قال: حدّثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} فقال: حديث : «يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطُّهور فما طُهوركم هذا»؟ قالوا: يا رسول الله، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فهل مع ذلك من غيره»؟ فقالوا: لا غير، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحبّ أن يستنجي بالماء. قال: «هو ذاك فَعَلَيْكُمُوه»تفسير : . وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء، إلا أن حديث أبي سعيد الخُدْرِيّ نصّ فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه. وقد روى أبو كُريب قال: حدّثنا أبو أُسامة قال حدّثنا صالح بن حيان قال حدّثنا عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}تفسير : [النور: 36] قال: إنما هي أربعة مساجد لم يَبْنهِنّ إلا نبِيّ: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وبيت أَرِيحَا بيتُ المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام، ومسجد المدينة ومسجد قُباء اللذين أسِّسا على التقوى، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. الخامسة ـ {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} «من» عند النحويين مقابلة منذ؛ فمنذ في الزمان بمنزلة مِن في المكان. فقيل: إن معناها هنا معنى منذ؛ والتقدير: منذ أوّلِ يوم ٱبتُدِىء بُنيانه. وقيل: المعنى من تأسيس أوّل الأيام، فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسس؛ كما قال:شعر : لمن الديار بقُنّة الحِجْرِ أَقْوَيْن من حِجَج ومن دَهْرِ تفسير : أي من مَرّ حجج ومن مَرّ دهر. وإنما دعا إلى هذا أن من أُصول النحويين أن «مِن» لا يُجرّ بها الأزمان، وإنما تُجَرّ الأزمان بمنذ. تقول ما رأيته منذ شهر أو سنةٍ أو يوم، ولا تقول: من شهر ولا من سنة ولا من يوم. فإذا وقعت في الكلام وهي يليها زمن فيقدّر مضمر يليق أن يُجرّ بمن؛ كما ذكرنا في تقدير البيت. ٱبن عطيّة. ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير، وأن تكون «من» تجر لفظة «أوّل» لأنها بمعنى البداءة؛ كأنه قال: من مبتدأ الأيام. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} أي بأن تقوم؛ فهو في موضع نصب. و«أَحقُّ» هو أفعل من الحق، وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين، لأحدهما في المعنىٰ الذي اشتركا فيه مَزِيّة على الآخر؛ فمسجد الضّرار وإن كان باطلاً لا حقّ فيه، فقد اشتركا في الحق من جهة اعتقاد بانيه، أو من جهة اعتقاد من كان يظن أن القيام فيه جائز للمسجدية؛ لكن أحد الاعتقادين باطل باطناً عند الله، والآخر حق باطناً وظاهراً، ومثل هذا قوله تعالىٰ: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً}تفسير : [الفرقان: 24] ومعلوم أن الخيرية من النار مبعودة، ولكنه جرىٰ على اعتقاد كل فرقة أنها على خير وأن مصيرها إليه خير؛ إذ كل حزب بما لديهم فرحون. وليس هذا من قبيل: العسل أحلىٰ من الخل؛ فإن العسل وإن كان حلواً فكل شيء ملائم فهو حلو؛ ألا ترىٰ أن من الناس من يقدّم الخل على العسل مفرداً بمفرد ومضافاً إلى غيره بمضاف. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {فِيهِ} من قال: إن المسجد يراد به مسجد النبيّ صلى الله عليه وسلم فالهاء في {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} عائد إليه. و {فِيهِ رِجَالٌ} له أيضاً. ومن قال: إنه مسجد قباء، فالضمير في «فيه» عائد إليه على الخلاف المتقدّم. الثامنة ـ أثنىٰ الله سبحانه وتعالىٰ في هذه الآية على من أحبّ الطهارة وآثر النظافة وهي مُروءة آدمية ووظيفة شرعية؛ وفي الترمذيّ عن عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: مُرْنَ أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم. قال: حديث صحيح. وثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يحمل الماء معه في الاستنجاء؛ فكان يستعمل الحجارة تخفيفاً والماء تطهيراً. ٱبن العربيّ: وقد كان علماء القيروان يتخذون في متوضآتهم أحجاراً في تراب ينقون بها ثم يستنجون بالماء. التاسعة ـ اللازم من نجاسة المخرج التخفيف، وفي نجاسة سائر البدن والثوب التطهير. وذلك رخصة من الله لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه؛ وبه قال عامة العلماء. وشذّ ابن حبيب فقال: لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء. والأخبار الثابتة في الاستجمار بالأحجار مع وجود الماء تردّه. العاشرة ـ واختلف العلماء من هذا الباب في إزالة النجاسة من الأبدان والثياب، بعد إجماعهم على التجاوز والعفو عن دم البراغيث ما لم يتفاحش على ثلاثة أقوال: الأوّل ـ أنه واجب فرض، ولا تجوز صلاة من صلّىٰ بثوب نجس عالماً كان بذلك أو ساهياً؛ روي عن ٱبن عباس والحسن وابن سِيرين، وهو قول الشافعيّ وأحمد وأبي ثور، ورواه ٱبن وهب عن مالك، وهو قول أبي الفرج المالكي والطبريّ إلا أن الطبري قال: إن كانت النجاسة قدر الدرهم أعاد الصلاة. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف في مراعاة قدر الدرهم قياساً على حلقة الدّبر.وقالت طائفة: إزالة النجاسة واجبة بالسنة من الثياب والأبدان، وجوب سنة وليس بفرض. قالوا: ومن صلّىٰ بثوب نجس أعاد الصلاة في الوقت فإن خرج الوقت فلا شيء عليه؛ هذا قول مالك وأصحابه إلا أبا الفرج، ورواية ٱبن وهب عنه. وقال مالك في يسير الدم: لا تعاد منه الصلاة في الوقت ولا بعده، وتعاد من يسير البول والغائط؛ ونحو هذا كله من مذهب مالك قولُ اللّيث. وقال ٱبن القاسم عنه: تجب إزالتها في حالة الذكر دون النسيان؛ وهي من مفرداته. والقول الأوّل أصح إن شاء الله؛ حديث : لأن النبي صلى الله عليه وسلم مَرّ على قبرين فقال: «إنهما ليعذَّبان وما يعذبان في كبير أمّا أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله»تفسير : . الحديث، خرّجه البخاريّ ومسلم، وحسبك. وسيأتي في سورة «سبحان». قالوا: ولا يعذَّب الإنسان إلا على ترك واجب؛ وهذا ظاهر. وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أكثر عذاب القبر من البول»تفسير : . احتج الآخرون بخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه في الصلاة لما أعلمه جبريل عليه السلام أن فيهما قذراً وأذىٰ... الحديث. خرّجه أبو داود وغيره من حديث أبي سعيد الخُدْريّ، وسيأتي في سورة «طه» إن شاء الله تعالىٰ. قالوا: ولمّا لم يُعِد ما صلّىٰ دلّ على أن إزالتها سنة وصلاته صحيحة، ويعيد ما دام في الوقت طلباً للكمال. والله أعلم. الحادية عشرة ـ قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: وأما الفرق بين القليل والكثير بقدر الدرهم البغلِيّ؛ يعني كبار الدراهم التي هي على قدر استدارة الدينار قياساً على المَسْرُبة ففاسد من وجهين؛ أحدهما ـ أن المقدرات لا تثبت قياساً فلا يقبل هذا التقدير. الثاني ـ أن هذا الذي خُفف عنه في المَسْرُبة رخصة للضرورة، والحاجة والرخص لا يقاس عليها؛ لأنها خارجة عن القياس فلا تُرَدّ إليه.

البيضاوي

تفسير : {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} للصلاة. {لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} يعني مسجد قباء أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة لأنه أوفق للقصة، أو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أبي سعيد رضي الله عنه: « حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فقالهو مسجدكم هذا مسجد المدينة»تفسير : {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} من أيام وجوده ومن يعم الزمان والمكان كقوله:شعر : لِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنةِ الحَجَر أَقَوَيْنَ مِنْ حجَجِ وَمِنْ دَهرٍ تفسير : {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} أولى بأن تصلي فيه. {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} من المعاصي والخصال المذمومة طلباً لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وقيل من الجنابة فلا ينامون عليها. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ} يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى إدناء المحب حبيبه. «حديث : قيل لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال عليه الصلاة والسلام: أمؤمنون أنتم فسكتوا.. فأعادها فقال عمر: إنهم مؤمنون وأنا معهم، فقال عليه الصلاة والسلام:أترضون بالقضاء قالوا: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: أتصبرون على البلاء قالوا: نعم، قال: أتشكرون في الرخاء قالوا: نعم. فقال صلى الله عليه وسلم: أنتم مؤمنون ورب الكعبة فجلس ثم قال:يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ }»تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} بنيان دينه. {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} على قاعدة محكمة هو التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة. {أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها. {فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} فأدى به لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار، وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر في مقابلة التقوى تمثيلاً لما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس، ثم رشحه بانهياره به في النار ووضعه في مقابلة الرضوان تنبيهاً على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى رضوان الله ومقتضياته التي الجنة أدناها، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة. وقرأ نافع وابن عامر {أَسَّسَ} على البناء للمفعول. وقرىء «أساس بنيانه» و {أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} على الإِضافة و {أَسَّسَ} و «آساس» بالفتح والمد و «إساس» بالكسر وثلاثتها جمع أس، و {تَقْوَى} بالتنوين على أن الألف للإِلحاق لا للتأنيث كتترى، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر {جُرُفٍ} بالتخفيف. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : وكانوا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي فيه فنزل {لاَ تَقُمْ } تصلِّ {فِيهِ أَبَدًا } فأرسل جماعة هدموه وحرّقوه وجعلوا مكانه كُناسة تلقى فيها الجيف {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ } بنيت قواعده {عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } وضع يوم حللت بدار الهجرة وهو مسجد (قباء) كما في البخاري {أَحَقُّ } منه {أن } أي بأن {تَقُومُ } تصلي {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ } هم الأنصار {يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ } أي يثيبهم، وفي إدغام التاء في الأصل في الطاء، روى ابن خزيمة في صحيحه عن عُوَيْمِ بن ساعدة أنه صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد (قباء) فقال: « حديث : إنّ الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تَطَهَّرون به؟ » تفسير : قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود وكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وفي حديث رواه البزار: فقالوا (نُتْبعُ الحجارة بالماء)، فقال: " حديث : هو ذاك فعليكموه ".

ابن عطية

تفسير : روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت {لا تقم فيه أبداً} كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وهذا النهي إنما هو لأن البانين لمسجد الضرار قد كانوا خادعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: بنينا مسجداً للضرورات والسيل الحائل بيننا وبين قومنا فنريد أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشي معهم إلى ذلك، واستدعى قميصه لينهض فنزلت الآية {لا تقم فيه أبداً} وقوله: {لمسجد} قيل إن اللام لام قسم، وقيل هي لام الابتداء كما تقول: لزيد أحسن الناس فعلاً ، وهي مقتضية تأكيداً، وقال ابن عباس وفرقة من الصحابة والتابعين: المراد " بالمسجد الذي أسس على التقوى " هو مسجد قباء. وروي عن عمر وأبي سعيد وزيد بن ثابت أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ويليق القول الأول بالقصة، إلا أن القول الثاني روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نظر مع الحديث، وأسند الطبري في ذلك عن أبي سعيد الخدري أنه قال: اختلف رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف فقال الخدري: هو مسجد الرسول وقال الآخر: هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: هو مسجدي هذا، وفي الآخر خير كثير إلى كثير من الآثار في هذا عن أبي بن كعب وسهل بن سعد. قال القاضي أبو محمد : ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان في بقعته نخل وقبور مشركين ومربد ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة، وبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، الأولى بالسميط وهي لبنة أمام لبنة، والثانية بالصعيدة، وهي لبنة ونصف في عرض الحائط، والثالثة بالأنثى والذكر، وهي لبنتان تعرض عليهما لبنتان، وكان في طوله سبعون ذراعاً وكان عمده النخل وكان عريشاً يكف في المطر، وعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيانه ورفعه فقال: لا بل يكون عريشاً كعريش أخي موسى كان إذا قام ضرب رأسه في سقفه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل فيه اللبن على صدره، ويقال إن أول من وضع في أساسه حجراً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع أبو بكر حجراً، ثم وضع عمر حجراً، ثم وضع عثمان حجراً، ثم رمى الناس بالحجارة فتفاءل بذلك بعض الصحابة في أنها الخلافة فصدق فأله، قوله: {من أول يوم} قيل معناه منذ أول يوم، وقيل معناه من تأسيس أول يوم، وإنما دعا إلى هذا الاختلاف أن من أصول النحويين أن " من" لا تجر بها الأزمان، وإنما تجر الأزمان بمنذ ، تقول ما رأيته منذ يومين أو سنة أو يوم، ولا تقول من شهر ولا من سنة ولا من يوم، فإذا وقعت " من " من الكلام وهي تلي زمناً فيقدر مضمر يليق أن تجره " من" كقول الشاعر: [زهير بن أبي سلمى ] شعر : لمن الديار كقنة الحجر أقوين من حجج ومن دهر تفسير : ومن شهر رواية، فقدروه من مر حجج ومن مر دهر، ولما كان " أول يوم" يوماً وهو اسم زمان احتاجوا فيه إلى تقدير من تأسيس، ويحسن عندي أن يستغنى في هذه الآية عن تقدير وأن تكون " من" تجر لفظة "أول" لأنها بمعنى البدأة كأنه قال من مبتدأ الأيام، وهي هاهنا تقوم المر في البيت المتقدم، وهي كما تقول جئت من قبلك ومن بعدك وأنت لا تدل بهاتين اللفظتين إلا على الزمن، وقد حكي لي هذا الذي اخترته عن بعض أئمة النحو، ومعنى {أن تقوم فيه} أي بصلاتك وعبادتك، وقرأ جمهور الناس " أن تقوم فيهِ فيهِ رجال" بكسر الهاء، وقرأ عبد الله بن زيد" أن تقوم فيه فيهُ " بضم الهاء الثانية على الأصل ويحسنه تجنب تكرار لفظ واحد، وقال قتادة وغيره: الضمير عائد على مسجد الرسول، و" الرجال" جماعة الأنصار. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: حديث : يا معشر الأنصار إني رأيت الله أثنى عليكم بالطهور فماذا تفعلون؟ تفسير : فقالوا يا رسول الله إنا رأينا جيراننا من اليهود يتطهرون بالماء. قال القاضي أبو محمد : يريد الاستنجاء بالماء، ففعلنا نحن ذلك فلما جاء الإسلام لم ندعه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : فلا تدعوه أبداً تفسير : ، وقال عبد الله بن سلا م وغيره ما معناه: إن الضمير عائد على مسجد قباء والمراد بنو عمرو بن عوف. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قال المقالة المتقدمة لبني عمرو بن عوف والأول أكثر، واختلف أهل العلم في الأفضل بين الاستنجاء بالماء أو بالحجارة فقيل هذا وقيل هذا، ورأت فرقة من أهل العلم الجمع بينهما فينقي بالحجارة ثم يتبع بالماء، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض علماء القيروان كانوا يتخذون في متوضياتهم أحجاراً في تراب ينقون بها، ثم يستنجون بالماء أخذاً بهذا القول. قال القاضي أبو محمد : وإنما يتصور الخلاف في البلا التي يمكن فيها أن تنقى الحجارة، وابن حبيب لا يجيز الاستنجاء بالحجارة حيث يوجد الماء، وهو قول شذ فيه، وقرأ جمور الناس " يتطهروا " وقرأ طلحة بن مصرف والأعمش " يطهروا " بالإدغام، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " المتطهرين" بالتاء، وأسند الطبري عن عطاء أنه قال: أحدث قوم من أهل قباء الاستنجاء بالماء فنزلت الآية فيهم. وروي أن رسول الله صلة الله عليه وسلم قال: منهم عويم بن ساعدة ولم يسم أحد منهم غير عويم، وقوله: {أفمن أسس بنيانه} الآية استفهام بمعنى تقرير، وقرأ نافع وابن عامر وجماعة " أَسس بنيانُه " على بناء " أسس" للمفعول ورفع "بنيان " فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي وجماعة "أسس بنيانَه " على بناء الفعل للفاعل ونصب "بنيان" فيهما، وقرأ عمارة بن ضبا رواه يعقوب الأول على بناء الفعل للمفعول والثاني على بنائه للفاعل، والآية تتضمن معادلة بين شيئين، فإما بين البناءين وإما بين البانين، فالمعادلة الأولى هي بتقدير أبناء من أسس، وقرأ نصر بن علي ورويت عن نصر بن عاصم:" أفمن أس بنيانه " على إضافة "أس" إلى " بنيان" وقرأ نصر بن عاصم وأبو حيوة أيضاً " أساس بنيانه" وقرأ نصر بن عاصم أيضاً "أُسُس بنيانه " على وزن فُعُل بضم الفاء والعين وهو جمع أساس كقذال وقذل حكى ذلك أبو الفتح، وذكر أبو حاتم أن هذه القراءة لنصر إنما هي " أَسَسُ" بهمزة مفتوحة وسين مفتوحة وسين مضمومة، وعلى الحكايتين فالإضافة إلى البنيان، وقرأ نصر بن علي أيضاً "أساس" على جمع " أس" و" البنيان " يقال بنى بيني بناء وبنياناً كالغفران فسمي به المبنى مثل الخلق إذا أردت به المخلوق، وقيل هو جمع واحدة بنيانة، وأنشد في ذلك أبو علي: [الطويل] شعر : كبنيانة القاري موضع رجلها وآثار نسعيها من الدق أبلق تفسير : وقرأ الجمهور {على تقوى} وقرأ عيسى بن عمر " على تقوًى " بتنوين الواو حكى هذه القراءة سيبويه وردها الناس، قال أبو الفتح: قياسها أن تكون الألف للإلحاق كأرطى ونحوه، وأما المراد بالبنيان الذي أسس على التقوى والرضوان فهو في ظاهر اللفظ وقول الجمهور المسجد المذكور قبل ويطرد فيه الخلاف المتقدم، وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: المراد بالمسجد المؤسس على التقوى هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بأنه أسس على تقوى من الله، {ورضوان خير } هو مسجد قباء،وأما البنيان الذي أسس {على شفا جرف هار} فهو مسجد الضرار بإجماع. و" الشفا " الحاشية والشفير و" الجرف " حول البئر ونحوه مما جرفته السيول والندوة والبلى. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي وجماعة " جُرُف" بضم الراء، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وجماعة " جرْف" بسكون الراء، واختلف عن عاصم. وهما لغتان، وقيل الأصل ضم الراء وتخفيفها بعد ذلك مستعمل و {هار}: معناه متهدم منهال وهو من هار يهور ويقال هار يهير ويهير، وأصله هاير أو هاور، فقيل قلبت راؤه قبل حرف العلة فجاء هارو أو هاري فصنع به ما صنع بقاض وغاز، وعلى هذا يقال في حال النصب هارياً، ومثله في يوم راح أصله رايح ومثله شاكي السلاح أصله شايك ومثله قول العجاج: [الوافر ] شعر : لاث به الأشاء والعبري تفسير : أصله لايث. ومثله قول الشاعر [الأجدع الهمداني]: [الكامل] شعر : خَفَضُوا أسنتَهمْ فكلٌّ ناع تفسير : على أحد الوجهين: فإنه يحتمل أنه من نعى ينعي والمراد أنهم يقولون يا ثارات فلان، ويحتمل أن يريد فكلهم نايع أي عاطش كما قال عامر بن شييم، والأسل النياعا وقيل في {هار} إن حرف علته حذف حذفاً فعلى هذا يجري بوجوه الإعراب، فتقول: جرف هار ورأيت جرفاً هاراً، ومررت بحرف هار. واختلف القراء في إمالة {هار} و {انهار }، وتأسيس البناء على تقوى إنما هو بحسن النية فيه وقصد وجه الله تعالى وإظهار شرعه، كما صنع بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجد قباء. والتأسيس {على شفا جرف هار } إنما هو بفساد النية وقصد الرياء والتفريق بين المؤمنين، فهذه تشبيهات صحيحة بارعة، و {خير} في هذه الآية تفضيل ولا شركة بين الأمرين في خير إلا على معتقد يأتي مسجد الضرار، فبحسب ذلك المعتقد صح التفضيل، وقوله {فانهار به في نار جهنم } الظاهر منه وما صح من خبرهم وهدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدهم أنه خارج مخرج المثل، أي مثل هؤلاء المضارين من المنافقين في قصدهم معصية الله وحصولهم من ذلك على سخطه كمن ينهار بنيانه في نار جهنم، ثم اقتضب الكلام اقتضاباً يدل عليه ظاهره، وقيل بل ذلك حقيقة وإن ذلك المسجد بعينه انهار في نار جهنم، قاله قتادة وابن جريج. وروي عن جابر بن عبد الله وغيره أنه قال: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي في بعض الكتب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة ففزع لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي أنهم لم يصلوا فيه أكثر من ثلاثة أيام أكملوه يوم الجمعة وصلوا فيه يوم الجمعة وليلة السبت وانهار يوم الاثنين. قال القاضي أبو محمد : وهذا كله بإسناد لين، وما قدمناه أصوب وأصح، وكذلك بقي أمره والصلاة فيه من قبل سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك إلى أن يقبل صلى الله عليه وسلم. وقوله {والله لا يهدي القوم الظالمين }: طعن على هؤلاء المنافقين وإشارة إليهم، والمعنى لا يهديهم من حيث هم الظالمون، أو يكون المراد الخصوص فيمن يوافي على ظلمه، وأسند الطبري عن خلف بن ياسين أنه قال: رأيت مسجد المنافقين الذين ذكر الله في القرآن، فرأيت فيه مكاناً يخرج منه الدخان، وذلك في زمن أبي جعفر المنصور. وروي شبيه بهذا أو نحوه عن ابن جريج أسنده الطبري.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو مسجد قباء، وهو أول مسجد بني في الإسلام "ع"، أو كل مسجد بني في المدينة أسس على التقوى. {يَتَطَهَّرُواْ} بالتوبة من الذنوب. {واللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} بالتوبة، أو أراد الاستنجاء بالماء، أو المتطهرين من أدبار النساء.

الخازن

تفسير : {لا تقم فيه أبداً} قال ابن عباس: معناه لا تصلّ فيه أبداً منع الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار {لمسجد أسس على التقوى} اللام فيه لام الابتداء. وقيل: لام القسم تقديره والله مسجد أسس يعني بني أصله ووضع أساسه على التقوى يعني على تقوى الله عز وجل {من أول يوم} يعني من أول يوم بني ووضع أساسه كان ذلك البناء على التقوى {أحق أن تقوم فيه} يعني مصلياً واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال عمر وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني مسجد المدينة ويدل عليه ما روي حديث : عن أبي سعيد الخدري قال:"دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت يا رسول الله أي المسجدين أسس على التقوى؟ قال فأخذ كفاً من حصى فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة"تفسير : أخرجه مسلم (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي"تفسير : (ق) عن عبد الله بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"تفسير : عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة"تفسير : أخرجه النسائي قوله رواتب يعني: ثوابت. يقال: رتب بالمكان إذا قام فيه وثبت. وفي رواية عن ابن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وقتادة أنه مسجد قباء ويدل عليه سياق الآية وهو قوله سبحانه وتعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} ويدل على أنهم أهل قباء ما روي عن أبي هريرة "قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت هذه الآية فيهم" أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث غريب. هكذا ذكره صاحب جامع الأصول من رواية أبي داود والترمذي موقوفاً على أبي هريرة ورواه البغوي من طريق أبي داود مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآيةتفسير : ومما يدل على فضل مسجد قباء ما روي عن ابن عمر قال: "حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يزور قباء أو يأتي قباء راكباً وماشياً"تفسير : زاد في رواية فيصلي فيه ركعتين وفي رواية "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي مسجد قباء كل سبت راكباً وماشياً وكان ابن عمر يفعله"تفسير : أخرج الرواية الأولى والزيادة البخاري ومسلم وأخرج الرواية الثانية البخاري عن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من خرج حتى يأتي هذا المسجد مسجد قباء فيصلي فيه كان له كعدل عمرة"تفسير : أخرجه النسائي عن أسد بن ظهير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الصلاة في مسجد قباء كعمرة"تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله سبحانه وتعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} يعني من الأحداث والجنابات وسائر النجاسات وهذا قول أكثر المفسرين. قال عطاء: ولما كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة وروى الطبري بسنده عن عويمر بن ساعدة وكان من أهل بدر، قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء "إني أسمع الله عز وجل قد أحسن عليكم الثناء في الطهور فما هذا الطهور"تفسير : قالوا: يا رسول الله ما نعمل شيئاً إلا أن جيراناً لنا من اليهود رأيناهم يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا. وعن قتادة قال: ذكر لناحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء "إن الله سبحانه وتعالى قد أحسن عليكم بالثناء في الطهور فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنا أثر الغائط والبول"تفسير : وقال الإمام فخر الدين الرازي: المراد من هذه الطهارة الطهارة من الذنوب والمعاصي وهذا القول متعين لوجوه: الأول: أن التطهر من الذنوب هو المؤثر في القرب من الله عز وجل واستحقاق ثوابه ومدحه. الوجه الثاني: أن الله سبحانه وتعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين والتفريق بينهم والكفر بالله وكون هؤلاء يعني أهل قباء بالضد من صفاتهم وما ذاك إلا لكونهم مبرئين من الكفر والمعاصي وهي الطهارة الباطنية. الوجه الثالث: أن طهارة الظاهر إنما يحصل لها أثر عند الله إذا حصلت الطهارة الباطنية من الكفر والمعاصي وقيل يحتمل أنه محمول على كلا الأمرين يعني طهارة الباطن من الكفر والنفاق والمعاصي وطهارة الظاهر من الأحداث والنجاسات بالماء {والله يحب المطهرين} فيه مدح لهم وثناء عليهم والرضا عنهم بما اختاروه لأنفسهم من المداومة على محبة الطهارة.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏نزلت هذه الآية في أهل قباء ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏}‏ قال‏:‏ كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه الآية ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏}‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة قال "ما هذا الطهور الذي اثنى الله عليكم‏؟ فقالوا‏:‏ يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه، أو قال‏:‏ مقعدته‏.‏ فقال النبي‏ صلى الله عليه وسلم: هو هذا‏" ‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عويم بن ساعدة الأنصاري ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال‏: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به‏؟ قالوا‏:‏ والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا‏ "‏. تفسير : وأخرج ابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الجارود في المنتقى والدارقطني والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن طلحة بن نافع قال‏:‏ حدثني أبو أيوب، وجابر بن عبدالله، وأنس بن مالك رضي الله عنهم، إن هذه الآية لما نزلت ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال‏:‏ فهل مع ذلك غيره‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء‏.‏ قال‏: هو ذاك فعليكموه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجمع بن يعقوب بن مجمع ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة‏: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم‏؟‏ فقالوا‏:‏ نغسل الأدبار‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن محمد بن عبدالله بن سلام عن أبيه قال‏:‏ حديث : لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسس على التقوى فقال "إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني‏؟ يعني قوله ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏}‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنا لنجد مكتوباً في التوراة الاستنجاء بالماء، ونحن نفعله اليوم"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه الآية ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء‏ "ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم‏؟ قالوا‏:‏ ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء من الخلاء‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه أن هذه الآية نزلت في أهل قباء ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏} ‏‏. وأخرج عبد الرزاق في مصنفه والطبراني عن أبي أمامة قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء "ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏}‏‏؟‏قالوا‏:‏ يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال ‏"‏حديث : سأل النبي صلى الله عليه وسلم أهل قباء فقال‏: إن الله قد أثنى عليكم فقالوا‏:‏ إنا نستنجي بالماء‏.‏ فقال‏:‏ إنكم قد أثنى عليكم فدوموا‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير عن عطاء قال‏:‏ أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء، فأنزلت فيهم ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏} ‏‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن خزيمة بن ثابت قال‏:‏ كان رجال منا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط، فنزلت فيهم هذه الآية ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏} ‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال‏:‏ قالوا‏:‏ "حديث : يا رسول الله، من هؤلاء الذين قال الله فيهم ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} ‏؟‏ قال‏: كانوا يستنجون بالماء، وكانوا لا ينامون الليل كله وهم على الجنابة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عروة بن الزبير أن عويم بن ساعدة قال‏:‏ حديث : يا رسول الله من الذين قال الله فيهم {رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏} ‏‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "‏نعم القوم منهم عويم بن ساعدة، ولم يبلغنا أنه سمى رجلاً غير عويم‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الأنصار "‏إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم‏؟‏ قالوا‏:‏ نستنجي بالماء من البول والغائط‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في هذه الآية ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ قال ‏"‏حديث : سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طهورهم الذي أثنى الله به عليهم‏.‏ قالوا‏:‏ كنا نستنجي بالماء في الجاهلية، فلما جاء الله بالإِسلام لم ندعه‏.‏ قال‏: فلا تدعوه ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن مجمع عن عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أن هذه الآية نزلت في أهل قباء ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏} وكانوا يغسلون أدبارهم بالماء ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد من طريق موسى بن يعقوب عن السري بن عبد الرحمن عن عبادة بن حمزة‏.‏ أنه سمع جابر بن عبدالله يخبر‏:‏ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏نعم العبد من عباد الله والرجل من أهل الجنة عويم بن ساعدة‏. قال موسى‏:‏ وبلغني أنه لما نزلت ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: منهم عويم أول من غسل مقعدته بالماء فيما بلغني‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال‏:‏ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل الخلاء إلا توضأ أو مس ماء‏. وأخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق الوليد بن سندر الأسلمي عن يحيى بن سهل الأنصاري عن أبيه‏.‏ إن هذه الآية نزلت في أهل قباء، كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط ‏ {‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏} ‏ الآية‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة ‏"‏حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض الأنصار‏:‏ ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم ‏{‏فيه رجال يحبون أن يتطهروا‏}‏‏؟‏ قالوا‏:‏ نستطيب بالماء إذا جئنا من الغائط‏ "‏.

ابو السعود

تفسير : {لاَ تَقُمْ} للصلاة {فِيهِ} في ذلك المسجدِ حسبما دعَوْك إليه {أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ} أي بُني أصلُه {عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} يعني مسجدَ قباءَ أسسه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيامَ مقامِه بقباء وهي يومُ الاثنين والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ وخرج يومَ الجمعة، وقيل: هو مسجدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وعن أبـي سعيد رضي الله عنه سألت النبـيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أُسس على التقوى فأخذ حصباءَ فضرب بها الأرضَ وقال: «مسجدُكم هذا مسجدُ المدينة»، واللامُ إما للابتداء أو للقسم المحذوفِ أي والله لَمسجدٌ، وعلى التقديرين فمسجدٌ مبتدأٌ وما بعده صفتُه وقوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} أي من أيام تأسيسِه، متعلقٌ بأسس وقوله تعالى: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} أي للصلاة وذكرِ الله تعالى خبرُه وقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ} جملةٌ مستأنفةٌ مبـينةٌ لأحقّيته لقيامه عليه الصلاة والسلام فيه من جهة الحال بعد بـيانِ أحقيتِه له من حيث المحلُّ، أو صفةٌ أخرى للمبتدأ أو حالٌ من الضمير في فيه وعلى كل حالٍ ففيه تحقيقٌ وتقريرٌ لاستحقاقه القيامَ فيه والمرادُ بكونه أحق نفس كونه حقيقاً به إذ لا استحقاقَ في مسجد الضرارِ رأساً وإنما عبر عنه بصيغة التفضيلِ لفضله في نفسه أو الأفضلية في الاستحقاق المتناولِ لما يكون باعتبار زعمِ الباني ومن يشايعُه في الاعتقاد وهو الأنسب بما سيأتي {يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} من المعاصي والخصالِ الذميمةِ لمرضاة الله سبحانه وقيل: من الجنابة فلا ينامون عليه. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ} أي يرضىٰ عنهم ويُدْنيهم من جنابه إدناءَ المحبِّ حبـيبَه. قيل: (لما نزلت مشىٰ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباءَ فإذا الأنصارُ جلوسٌ فقال: «حديث : أمؤمنون أنتم؟» تفسير : فسكت القومُ ثم أعادها فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه: يا رسولَ الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أترضَوْن بالقضاء؟» تفسير : قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء؟ قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أتصبِرون على البلاء؟» تفسير : قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : مؤمنون وربِّ الكعبة»تفسير : . فجلس ثم قال: «حديث : يا معشرَ الأنصار إن الله عز وجل قد أثنىٰ عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟» تفسير : فقالوا: نُتبعُ الغائطَ الأحجارَ الثلاثة ثم نتبع الأحجارَ الماءَ، فتلا النبـيُّ عليه الصلاة والسلام {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} وقرىء أن يطّهروا بالإدغام وقيل: هو عام في التطهر عن النجاسات كلِّها وكانوا يُتبعون الماءَ إثرَ البول. وعن الحسن رضي الله عنه هو التطهرُ عن الذنوب بالتوبة وقيل: يحبّون أن يتطهروا بالحُمّى المكفرةِ لذنوبهم فحُمُّوا عن آخرهم.

التستري

تفسير : قوله: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}[108] قال: هذه الطهارة أراد بها الذكر لله تعالى سراً وعلانية والطاعة له.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [الآية: 108]. قال أبو بكر الوراق: من صحح إرادته بدا ولم يعارضه شك أو ريبة، فإن أحواله تجرى على الاستقامة، فتصحيح الإرادة هو الخلع عن مراده أجمع، والرجوع إلى مراد الله فيه، قال الله عز وجل: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ}. وقال عبد الله بن مبارك: المقام فى عرضات الشر وأماكنه من أوائل الخذلان، وقد أمر الله بالفرار منها. قال الله تعالى: { أية : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } تفسير : [النساء: 97]. قال أبو عثمان: أرض الفتنة لا ينبت فيها إلا الفتنة، وأرض الرحمة يصيب الإنسان رحمتها ولو بعد حين. قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ}. قال سهل: الطهارة على ثلاثة أوجه: طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة الطاعة من المعصية. قال بعضهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} أى يطهروا أسرارهم من دنس الأكوان. قال سهل: هذه الطهارة التى ذكر الله هى الطاعة لله عز وجل وإدامة الذكر له سرًا وعلنًا. قال بعضهم: طهارتهم من الأوهام القبيحة والأمانى الفاسدة دون ارتكابها.

القشيري

تفسير : المقام في أماكن العصيان، والتعريج في أوطان أهل الجحود والطغيان - من علامات الممالأة مع أربابها، وسُكَّانِها وقُطَّانِها. والتباعدُ عن مَسَاكِنِهم، وهجرانُ مَنْ جَنَحَ إلى مَسالِكهم عَلَمٌ لِمَنْ أشرب قلبه مخالفتهم، وباشرت سِرَّه عداوتُهم. {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}: يتطهرون عن المعاصي وهذه سِمَة العابدين، ويتطهرون عن الشهوات والأماني وتلك صفة الزاهدين، ويتطهرون عن محبة المخلوقين، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين. قوله: {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ}: أسرارَهم عن المساكنةِ إلى كل مخلوق، أو ملاحظةِ كل مُحْدَثٍ مسبوق.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} بين الله سبحانه ان تاسيس كل عبادة لا يكون الا بالتقوى والتقوى بطهور الاسرار عن النظر الى الاغيار وكل موضع يتضرم فيه ونيران التقوى تحرق جميع الاوصاف النفسانية والشيطانية من الشرك والشك والرياء والنفاق والسمعة ولا يبقى هناك الا صفاء السّر وطهارة الضمير وخلوص النية وصفاء القلب وتجريد ذكر الله عن ذكر مخلوق واذا كان كذلك يكون العبادة والارادة تبلغ الايمان والايقان الى درجة العرفان والعرفان يبلغ هذه المراتب الى درجة التوحيد والتوحيد يبلغ الجميع الى مشاهدة الموحد حتى صارت كل غيبة عياناً وكل نكرة عرفاناً وكل ايهام بيانا قال الله تعالى اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وفى هذه الاية عرفنا الله سبحانه ان الشرّ قديم وفى كل زمان لكل صادق قيض الله لا بذاته ملعوناً سالوساً يوذيه قال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبىّ عدوّا من المجرمين ومن حمله من كان يوذى نبينا صلى الله عليه وسلم ابو عامر الفاسق وكان راهباً امر المنافقين ليبنوا مسجدا ضد المسجد قبا او مسجد النبى صلى الله عليه وسلم رياء وسمعة ونفاق وصدّ الخلق عن الدخول فى الاسلام كذلك فى زماننا هذا لبسوا الصوف واظهروا الزهد وبنوا بقاع السّوء وجلسوا فيه بالاربعين ويرسلون الشياطين الى ابواب الاتراك والعوانين حتى يقولون ان فلاناً فى الاربعين ينبغى ان تزوروه فانه من اولياء الله ويريدون بذلك جر المنفعة اليهم وصرف وجوه الناس اليهم مع === اولياء الله فاذا دخلوا عليهم احد من العوام يقعون فى ذكر مساوى اولياء الله وعيبهم وقبح المقال فيهم ليصدوا الناس عن التبرك بهم والاعتقاد فيهم يخونون الله ويخونون اولياء بالله والله لا يهدى كيد الخائنين ==== وجه الارض من مثلهم قال ابو بكر الوراك فى قوله المسجد اسس على التقوى من صحح ارادته بدا ولم يعارضه شك او ريبة فان احواله تجرى على الاستقامة وتصحيح الارادة هو الخلع عن مراده اجمع والرجوع الى مراد الله فيه قال الله لمسجد اسس على التقوى قال ابو عثمان ارض الفتنة لا تنبت فيها الا الفتنة وارض الرحمة تصيب الانسان رحمته ولو بعد حين ثم ان الله سبحانه وصف اهل القباء بتقديس اسرارهم وعلوم مراتبهم وقبولهم فى الازل المحبته لهم بقوله {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} وصفهم بحب الطهارة ووصف نفسه تعالى بحب المطهرين والطهارة طهارة الاسرار من الخطرات وطهارة الارواح من الغفلات وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة العقول من الجهلات وطهارة النفوس من الكفريات وطهارة الابدان من الزلات ومن احبه الله فى الازل يطهره فى الدنيا ممّا يشغله عن الله طرفة عين فان المحب لا يترك حبيبه فى شئٍ يضرّ به قال سهل الطهارة على ثلاثة اوجه طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة الطاعة من المعصية وقال بعضهم يحبون ان يتطهروا اى يطهروا اسرارهم عن دنس الاكوان ثم وصف سبحانه هؤلاء الرجال وتأسيسهم بناء الطاعات على موافقة الله ورسوله وطلب رضوانه بقوله {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} لله بنيان وهى قلوب الصديقين وفيها مناظر القدس ومحافل الانس تحفوها انوا رتجلى الحق سبحانه فمن اسس بنيانه قلبه بعد تطهيره عن دنس الاخلاق وتنويره بنور الخلاق لذكر جلاله وتعظيم عظمته وحب لقائه وشوقه الى جماله ومعرفته وتوحيده وافراد قدمه عن الحوادث بنعت فنائه فى احتشام الله وخونه واجلال وخشيته من كبريائه ومراقبته خطابه واسراره وطلب رضوانه ووصاله يصل بهذه الاوصاف الى ان يكون قلبه موضع اسرار الله ولطائف رضوان الله وظرف محبة الله ومحل زيارة الله كما حكى النبى صلى الله عليه وسلم لله سبحانه بان له تعالى ظروف اسراره فى الارض قال ان لله اوانى الا وهى القلوب قال ابو تراب النخشى من كان ابقاء ارادته على الصحة والسلامة من هواجس نفسه الى الرضوان الاكبر والمقام الارفع قال الله فمن اسس بنيانه على تقوى من الله قال الواسطى على تقوى من الله لا من نفسه يكون الله اصل ذلك التقوى.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا تقم} يا محمد للصلاة {فيه} اى فى مسجد هؤلاء المنافقين {ابدا}. قال سعدى المفتى اى لا تصل فيه عبر بالقيام عن الصلاة كما فى قولهم فلان يقوم الليل ومنه الحديث الصحيح "حديث : من قام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " .تفسير : {لمسجد} مسجد قبا واللام للابتداء او القسم {اسس} التأسيس احكام اس البناء وهو اصله يعنى اسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ايام مقامه بقبا {على التقوى}. قال فى التبيان اى بُنيت حدوده ورفعت قواعده على طاعة الله. وفى الحدادى لوجه الله وعلى ههنا للمصاحبة بمعنى مع كما فى قوله تعالى {أية : وآتى المال على حبه} تفسير : [البقرة: 177]. كما فى حواشى سعدى المفتى {من أول يوم} من ايام وجوده وتأسيسه متعلق باسس وكلمة من الجارة اذا كانت للابتداء تجر المكان كثيرا كما فى قولك جئت من البصرة وقد تجر الزمان ايضا عند الكوفيين كما فى هذه الآية فالمعنى منذ اول يوم بنى لان منذ لابتداء الغاية فى الزمان تقول ما رأيته منذ شهر. وقال الرضى من فى الآية بمعنى فى وذلك كثير فى الظروف. ويقال اراد بالمسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة والاول اشهر واوفق للقصة اذ المسجد بقبا فالموازنة بينهما اولى من الموازنة بين ما بقبا وما بالمدينة. قال الحدادى لا يمتنع ان يكون المراد بالمسجد الذى اسس على التقوى كلا المسجدين مسجد النبى عليه السلام ومسجد قبا {احق ان تقوم فيه} اى اولى ان تصلى فيه. فان قيل لم قال الله تعالى احق أن تقوم فيه مع ان المفاسد الاربع المذكورة بقوله ضرارا وكفرا وتفريقا وارصادا تمنع جواز قيامه فى الآخر. والجواب ان الكلام مبنى على النزول والمعنى لو فرضنا جواز القيام فى مسجد الضرار لكان القيام فى مسجد التقوى احق واولى لكونه على قاعدة محكمة فكيف والقيام فيه باطل لكونه مبنيا لاغراض فاسدة ويجوز ان يقال احق ليس للتفضيل بل بمعنى حقيق كما قال المولى ابو السعود والمراد بكونه احق كونه حقيقا به اى لا استحقاق فى مسجد الضرار رأسا وانما عبر عنه بصيغة التفضيل لفضله وكماله فى نفسه او الافضلية فى الاستحقاق المتناول ما يكون باعتبار زعم البانى ومن يتابعه فى الاعتقاد وهو الانسب بما سيأتى {فيه} اى فى المسجد المؤسس على التقوى {رجال} يعنى الانصار جملة مستأنفة مبينة لاحقية لقيامه عليه السلام فيه من جهة الحال بعد بيان احقيته له من حيث المحل {يحبون ان يتطهروا} من الانجاس والاخباث مطلقا بدنية كانت او عملية كالمعاصى والخصال الذميمة {والله يحب المطهرين} اى يرضى عن المتطهرين ويدنيهم من جنابه ادناء المحب حبيبه - "حديث : روى - ان هذه الآية لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قبا فاذا الانصار جلوس فقال "أمؤمنون انتم" فسكت القوم ثم اعادها فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله انهم لمؤمنون وانا معهم فقال عليه السلام "أترضون بالقضاء" قالوا نعم قال "أتصبرون على البلاء" قالوا نعم قال "أتشكرون فى الرخاء" قالوا نعم قال عليه السلام "مؤمنون ورب الكعبة" فجلس ثم قال "يا معشر الانصار ان الله قد اثنى عليكم فما الذى تصنعون عند الوضوء وعند الغائط" فقالوا نتبع الغائط الاحجار الثلاثة ثم نتبع الاحجار الماء فتلا فيه {رجال يحبون ان يتطهروا}تفسير : وفى كلام بعضهم اول من استنجى بالماء ابراهيم عليه السلام والاستنجاء مسح موضع النجو اى ما خرج من البطن وهو فى الاصل اعم منه ومن غسله كما فى المغرب فيطهر موضع النجو بثلاثة امداد فان لم يجد فبالأحجار فان لم يجد فبكفه ولا يستنجى بما سوى الثلاثة لانه يورث الفقر والمقصود التقنية فلو حصل بالواحد كفاه ولم يحصل بالثلاثة زاد ولا يستنجى من النوم والريح فانه بدعة وليس على المستحاضة استنجاء لكل صلاة بلا بول وغائط كما فى النوازل واستعمال المنشفة ادب وذلك قبل ان يقوم وبعد الغسل ليزول اثر الماء المستعمل بالكلية وكان الانصار يتبعون الماء اثر البول ايضا وعن بعضهم ان المراد التطهر من الجنابة فلا ينامون عليها وفى الحديث "حديث : ثلاثة لا تقربهم الملائكة" تفسير : المراد بالملائكة هنا هم الذين ينزلون بالرحمة والبركة دون الحفظة فانهم لا يفارقونه على اى حال من الاحوال. وقال بعض العلماء المراد بالملائكة غير الحفظة وغير ملائكة الموت وقيل اراد لا تحضره الملائكة بخير "حديث : جيفة الكافر" تفسير : المراد بها ذاته حيا وميتا لان الكافر نجس بعيد من الرحمة فى الحياة وبعد الموت "حديث : والمتضمخ" تفسير : بالضاد والخاء المعجمتين اى المتلطخ المتدهن بالخلوق بفتح الخاء المعجمة طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من انواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة. وقال ابو عبيدة عند العرب هو الزعفران وحده ووجه النهى عن الخلوق لما فيه من الرعونة والتشبه بالنساء والنهى عن الخلوق مختص بالرجال دون النساء كما فى المفاتيح "حديث : والجنب " .تفسير : الجنابة لغة البعد وسمى الانسان جنبا لانه نهى ان يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر وقيل لمجانبته الناس حتى يغتسل "حديث : إلا ان يتوضأ" تفسير : وهذا فى حق كل من اخر الغسل لغير عذر او لعذر اذا امكنه الوضوء فلم يتوضأ. وقيل لم يرد بالجنب من اصابته جنابة فاخر الاغتسال ولكنه الجنب الذى يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لان النبى صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ويطوف على نسائه بغسل واحد. وفى الشرعة وينام بعد الوطء نومة خفيفة فانه اروح للنفس لكن السنة فيه ان يتوضأ اولا وضوءه للصلاة ثم ينام كما فى شرح ابن السيد على. قال فى فتح القريب المراد بالوضوء الشرعى بلا خلاف وفى رواية شعبة "حديث : إغسل ذكرك ثم توضأ وارقد" تفسير : هذا هو الصحيح يعنى الامر بغسل الذكر ثم الوضوء ومن نام ولم يتوضأ فليستغفر الله تعالى ولو اراد العود اى من غير نوم فليتوضأ اى ليتنظف بغسل الذكر واليدين فليس المراد بالوضوء الشرعى المشهور كما ذهب اليه المالكية كما فى شرح المشارق. والوضوء يطلق على غسل اليدين كما فى قوله عليه السلام "حديث : الوضوء قبل الطعام ينفى الفقر " .تفسير : واذا توضأ وضوءه للصلاة واراد ان ينام فهل الاولى ان ينوى رفع الحدث الاصغر او ينوى سنة العود او رفع الجنابة او ما اصابه من الاعضاء المغسولة الظاهر الاول ليكون عبادة مستقلة او مخففة للحدث بزوال احد الحدثين كذا فى فتح القريب. وفيه ايضا اختلف فى علة الوضوء فقيل لانه يخفف الحدث وقيل ليبيت على احدى الطهارتين خشية ان يموت فى نومه ذلك لان الملائكة لا تدخل بيتا فيه جنب فيزول ذلك بالوضوء ومذهب الشافعى ومالك استحباب الوضوء للجنب قبل النوم لانه عليه السلام كان يفعل ذلك. وعن بعض المالكية لا تسقط العدالة بتركه لاختلاف العلماء فيه. وقال بعضهم فى الآية يحبون ان يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم -روى- حديث : ان جابرا قال استأذنت الحمى على رسول الله عليه وسلم فقال "من هذه" قيل ام ملدم فامر بها عليه السلام الى اهل قبا فلقوا فيها ما لا يعلمه الا الله فشكوا اليه عليه السلام فقال "ان شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم وان شئتم تكون لكم طهورا" قالوا أو تفعل ذلك فقال "نعم" قالوا فدعهاحديث : وقد جاء ان حمى ليلة كفارة سنة ومن حم يوما كان له براءة من النار وخرج من ذنوبه كيوم ولدته امه حديث : وعن عائشة رضى الله عنها لما قدمت المدينة اخذتها الحمى فسبتها فقال عليه السلام "لا تسبيها فانها مأمورة ولكن ان شئت علمتك كلمات اذا قلتهن اذهبها الله تعالى عنك" قالت علمنى قال "قولى اللهم ارحم جلدى الرقيق وعظمى الدقيق من شدة الحريق يا ام ملدم ان كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعى الرأس ولا تنتنى الفم ولا تأكلى اللحم ولا تشربى الدم وتحولى عنى الى من اتخذ مع الله الها أخر" فقالتها فذهبت عنها حديث : ولما استوخم المهاجرون هواء المدينة ولم يوافق امزجتهم فمرض كثير منهم وضعفوا تشوقوا الى مكة المكرمة ولذا نظر عليه السلام يوما الى السماء لانها قبلة الدعاء وقال "اللهم حبب الينا المدينة كما حببت الينا مكة وبارك لنا فى مدها وصاعها وصححها لنا ثم انقل وباءها الى مهيعة" .تفسير : اى الجحفة وهى قرية قريبة من رابغ محل احرام من يجيئ من جهة مصر حاجا وكان سكانها ذا ذاك يهودا ودعاؤه عليه السلام ان يحبب اليهم المدينة انما هو لما جلبت عليه النفوس من حب الوطن والحنين اليه ومن ثم جاء حديث : فى حديث عائشة رضى الله عنها انها سألت رجلا بخضور النبى عليه السلام قدم المدينة من مكة فقالت له كيف تركت مكة فذكر لها من اوصافها الحسنة ما غرغرت منه عينا رسول الله عليه السلام وقال "لا تشوقها يا فلان " شعر : فتنها درانجمن وبيدا شود ازسوزمن جون مرادر خاطر آيد مسكن ومأواى دوست تفسير : وفى اسئلة الحكم ان الختان للتطهر لانه يوجب المحبة الالهية كما قال تعالى {والله يحب المطهرين} فيحصل الاحتراز والتطهر من البول بالختان. قال الفقهاء الاقلف يجب ايصال الماء الى القلفة اذ لا حرج فيه وفى الحديث "حديث : اتقوا البول فان عامة عذاب القبر من البول فانه اول ما يحاسب به العبد فى القبر " .تفسير : كما فى الترغيب. اعلم ان مسجد المنافقين اشارة الى مزبلة النفس والمسجد المؤسس على التقوى اشارة الى مسجد القلب وهو قد اسس على العبودية والطاعة والاقرار بالوحدانية من اول يوم الميثاق عند خطاب ألست ببكم وجواب قالوا بلى واهله متطهرون عن الصفات الذميمة والاخلاق اللئيمة بل عن دنس الوجود ولوث الحدوث والله يحب المطهرين الفانين عن وجودهم الباقين بالله ولولا محبته اياهم ما وفقهم للتطهير فتطهرهم مطلقا اثر من آثار محبة الله لهم: قال الحافظ شعر : طهارت ارنه بخون جكر كند عاشق بقول مفتى عشق اش درست نيست نماز تفسير : وفى المثنوى شعر : روى ناشسته نبيند روى حور لا صلاة كفت الا بالطهور تفسير : وهو بالفتح مصدر بمعنى التطهير ومنه "حديث : مفتاح الصلاة الطهور" تفسير : واسم لما يتطهر به كذا فى المغرب

الطوسي

تفسير : نهى الله نبيه - وعنى معه جميع المؤمنين - أن يقوموا في المسجد الذي بني ضراراً {أبداً} أو يصلوا فيه، وأقسم ان المسجد الذي {أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} وقيل في المسجد الذي اسس على التقوى قولان: احدهما - قال ابن عباس والحسن وعطية: إنه مسجد قباء. وقال ابن عمرو ابن المسيب: هو مسجد المدينة. وقال عمر بن شبه: المسجد الذي اسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله والذي اسس على تقوى ورضوان مسجد قباء كذلك فصل بينهما، ورواه عن أشياخه. والتقوى خصلة من الطاعة يحترز بها من العقوبة، والمتقي صفة مدح لا تطلق الا على مستحق الثواب. وواو (تقوى) ابدلت من الياء، لأنه من تقيت وانما ابدلت للفرق بين الاسم والصفة في الابنية. ومثله شروى من شريت، فأما الصفة فنحو خزياً. ولو قيل: كيف يبنى (فعلى) من قصيت؟ قلت: قصوى في الاسم وقصيا في الصفة. وقوله {من أول يوم} معناه اول الأيام اذا ميزت يوماً يوماً، لان افعل بعض ما اضيف اليه. ومثله اعطيت كل رجل في الدار اي كل الرجال إذا ميزوا رجلا رجلا. والفرق بين من اول يوم، ومنذ اول يوم، ان (منذ) اذا كانت حرفاً، فهي الوقت الخاص كقولك: منذ اليوم ومنذ الشهر ومنذ السنة، وليس كذلك (من) وإذا كانت اسما وقع على ما بعدها على تقدير كلامين و (من) على النهاية لأنها نقيض (إلى) قال زهير: شعر : لمن الديار بقنة الحجر أقوين من حجج ومن شهر تفسير : وقوله {أحق أن تقوم فيه} مع أن القيام في الأخر قبيح منهي عنه، وانما قال ذلك على وجه المظاهرة بالحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق. ويجوز على هذا أن تقول: عمل الواجب أصلح من تركه. وقيل: المراد به القيام فيه حق ظاهراً وباطناً اذ كانت الصلاة في المساجد على ظاهرها حق. وقوله {فيه رجال} الأول ظرف للقيام. والثاني ظرف لكون الرجال وقوله {يحبون أن يتطهروا} قال الحسن: معناه يريدون أن يتطهروا من الذنوب وقيل: يتطهرون بالماء من الغائط والبول، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام ثم قال {والله يحب المطهرين} اي يريد منافع المتطهرين من الذنوب وكذلك المتطهرين من النجاسة بالماء. "حديث : وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لأهل قباء"ماذا تفعلون في طهركم فإن الله أحسن عليكم الثناء" قالوا: نغسل أثر الغائط فقال "أنزل الله فيكم والله يحب المطهرين""تفسير : . وقيل: إن سبب نزول هذه الاية أن أهل مسجد ضرار جاءوا اليه، فقالوا يا رسول الله بنينا مسجداً للضعيف في وقت المطر نسألك أن تصلي فيه وكان متوجهاً إلى تبوك فوعدهم أن يفعل إذا عاد فنهاه الله عن ذلك. وقوله {والذين اتخذوا مسجداً} مبتدأ وخبره في قوله {لا تقم فيه أبداً} كما تقول: والذي يدعوك إلى الغي فلا تسمع دعاءه. والتقدير في الآية لا تقم في مسجدهم أبداً. واسقط ذلك اختصاراً.

اطفيش

تفسير : {لا تَقُم فيه أبداً} أى لا تُصلِّ فيه، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمر به فى الطريق بعد نزول هذا، وكان النهى عن القيام فيه مبالغة مراد بها النهى عن الصلاة فيه، كما قال: {أية : لا تقربوا الزنى} تفسير : على ما قيل، والمعنى عند النهى عن مقدمات الزنى ودواعيه، وكذا هذه الآية تحتمل النهى عن دخوله مطلقا، إذ كان تعظيما له، فيكون ذكر القيام فيه، وأراد مطلق الكون فيه، وكل مسجد بنى ضرارا أو رياء وسمعة، أو لغير الله مطلقا فحكمه حكم مسجد الضرار. ولما فتح الله الأمصار على عمر رضى الله عنه، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأن لا يتخذوا فى مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه، قال النقاش: لا يصلى فى كنيسة لأنها بنيت على شر. {لمسْجدٌ} اللام للابتداء، وقيل: هى اللام الواقعة فى جواب القسم، والقسم محذوف أى والله، ومعنى اللامين تأكيد، وهذا القول عندى ضعيف لا الأصل عدم الحذف ولا دليل عليه. {أسِّسَ} أى وضع أساسه، أى أصله {عَلى التَّقوَى} الطاعة وترك المعاصى، هو مسجد قباء بضم القاف والمد والصرف، لأنه موضع، والمنع لأنه بلدة وبقعة وقرية، وضع أساسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر وبلغ قباء، وقد كان موضع صلاة قبل ذلك، وصلى فيه أيام قيامه فى قباء، وهى أربعة عشر كما فى صحيح مسلم، وقيل: اثنان وعشرون، وقيل: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وخرج حين ارتفع النهار من يوم الجمعة، وكان بعد ذلك يزوره فى كل سبت راكبا أو ماشيا ويصلى فيه ركعتين، وقال: "حديث : إن ركعتين فيه كعمرة ". تفسير : ويدل على أنه مسجد قباء قوله: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} فانه كما قال أبو هريرة: نزلت فى أهل قباء، وكذلك قال ابن عباس، والحسن، وفرقة من الصحابة والتابعين وهو المشهور الصحيح فيما قيل وأوفق للقصة، فإن الموازنة بينه وبين مسجد الضرار أولى، لأنهما جميعا بقاء من الموازنة بين مسجد الضرار ومسجد المدينة، وقيل: إن الذى أسسه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أسس على الإسلام لوقوع الإسلام فى الأنصار قبل الهجرة، ووجده مبنيا، وكان مربطا لحمار امرأة من الأنصار تسمى لبة، فكان المنافقون يقولون: والله لا نصبر على الصلاة فى مربط حمار لبة ونحو ذلك. وقال علىّ، وعثمان، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد: المراد مسجد المدينة، قال أبو سعيد: "حديث : اختلف رجل من بنى خدرة، ورجل من بنى عمرو بن عوف، فقال الخدرى: هو مسجد الرسول، وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال: "هو مسجدى هذا وفى الآخر خير كثير" ". "حديث : ودخل أبو سعيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت بعض نسائه فسأله، فأخذ كفا من حصباء فضرب به الأرض وقال: "هذا مسجدكم"" تفسير : فإن صح ذلك فلا نظر مع الحديث: وعليه فالرجال بعد ذلك رجال الأنصار لا خصوص رجال قباء، والطهارة مطلق الطهارة الشاملة للطهارة من الذنوب، وورد فى فضله: "حديث : ما بين بيتى ومنبرى روضة من رياض الجنة" تفسير : و "حديث : ودان قوائم منبرى هذا رواتب فى الجنة" تفسير : أى ثوابت، وبناه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: الأولى: بالسميط، وهى لبنة أمام لبنة. والثانية: بالصعيدة، وهى لبنة ونصف فى عرض الحائط. والثالثة: بالأنثى والذكر، وهى لبنتان تعرض عليهما لبنتان. وطوله سبعون ذراعا، وعمده النخل، وكان عريشا، وعرض عليه رفعه فقال: "لا بل يكون عريشا كعريش أخى موسى" كان إذا قام ضرب رأسه فى سقفه، ووضع أول حجر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم وضع الناس فتفاءل بعض الصحابة بترتيب الخلافة، فصدق فأله. {مِنْ أوَّل يَومٍ} من أيام وجوده، أو وضع أساسه، وفيه دليل على أن من تجىء للابتداء فى الزمان كالمكان وهو الصحيح عندى، وزعم أكثر البصريين أنها لا تجىء لابتداء الزمان، وقدروا هنا من تأسس أول يوم، والأصل عدم الحذف، وقيل: أول بمعنى البداءة، والبداءة ليست زمانا، ومن الابتداء فى الزمان حديث: "حديث : مطرنا من الجمعة إلى الجمعة". شعر : * تخيرين من الزمان يوم حليمة * تفسير : وقوله: شعر : * قوين من حجج ومن دهره * تفسير : وأجيب بأن الأصل من صلاة الجمعة، ومن استمرار الزمان، ومن مر حجج ومن مر دهر، والأصل عدم الحذف، ولا دليل على ذلك الحذف، والذى رويت عن الأستاذ: مذ حجج ومذ دهر. {أحقُّ أنْ تَقُوم فيهِ} بالصلاة والعبادة {فِيهِ} فى ذلك المسجد الذى هو مسجد قباء، أو مسجد المدينة على ما مر، وقرأ عبد الله بن يزيد بضم هذه الهاء على الأصل وكسر الأولى، ويحسنه تجنب تكرار اللفظ الواحد {رِجالٌ} جماعة الأنصار أو رجال قباء، وهو المشهور {يحبُّونَ أنْ يتَطهَّروا} وقرأ طلحة بن مصرف، والأعمش ليطهر بإبدال طاء وإدغامها. {واللهُ يحبُّ المطَّهِّرينَ} وقرأ على: المتطهرين، بإظهار التاء، "حديث : لما نزلت مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون، حتى وقف على باب مسجد قباء، فإذا الأنصار جلوس، منهم عويم بن ساعدة، فقال: "أمؤمنون أنتم؟" فسكتوا، ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال صلى الله عليه وسلم: "أترضون بالقضاء؟" قالوا: نعم، فقال: "أتصبرون على البلاء؟" قالوا: نعم، قال: "أتشكرون فى الرخاء؟" قالوا: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: "مؤمنون ورب الكعبة" فجلس ثم قال: "يا معشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فى الطَّهور فما الذى تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟" فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء، فتلى عليهم الآية ". تفسير : فمن ذلك وغيره أخذنا معشر المغاربة الأباضية الاستنجاء بالحجارة، ثم الماء، وعليه فرقة من قومنا، وبعض علماء القيروان، وعن بعض: أن الثناء على مخلوق نصفه إيجاب لتلك الصفة، ولا يجزى الاستنجاء بالماء وحدهِ للزُوجَة الغائط، ولا بالحجارة وحدها، فإن ذلك المحل لا يطهر بالمسح فبلله نجس قبل الاستنجاء بالماء. وأجاز مشارقتنا وجمهور المخالفين الماء بلا حجارة، فقال بعض المخالفين: إن الحجارة تكفى، وإنها أفضل من الماء، وبعضهم أنه أفضل منها، وذكر ابن حبيب المالكى: أنه لا تكفى الحجارة إلا إن لم يوجد الماء، ومن قال الحجارة تكفى فبلل المحل بعدها عنده طاهر، والمحل عنده يطهر بالمسح، وقيل: إن الحجارة تطهر لكن لا بد أيضا من الماء، وهذا على أن الاستنجاء تعبدى، فالبلل أيضا طاهر. وقيل فى تطهرهم: إنهم يستنجون بالماء أخذا من اليهود، أقروا بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن سألهم عن تطهرهم إذ أثنى عليهم الله به، رواه أبو هريرة، قيل: هذا كان بلا حجارة ثم وجبت، وقيل: تطهرهم من الأحداث والجنابات وسائر النجاسات، وقيل: الاستنجاء وعدم نومهم على جنابة بالليل. وقال الحسن: يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة، وبه قال الفخر، لأن التطهر منها هو المؤثر فى التقرب إلى الله، واستحقاق الثواب، ولأن الكلام مقابل للكلام على أهل مسجد الضرار وهم غير متطهرين منها، فهؤلاء بالضد، ولأن طهارة الظاهر تؤثر لطهارة الباطن، وليس بشىء، لأن من جملة طهارة الباطن، والطهارة من الذنوب، قصد غسل النجاسة للصلاة والتقرب، اللهم إلا أن يقول مع هذا أيضا: إن القصد إلى ذكر طهارتهم الباطن أولى، ولا مانع من أن يقال: المراد التطهر من النجس والذنوب، وقيل: التطهر من الذنوب بالحمى، أرادوها لتكفر بها ذنوبهم فحموا عن آخرهم.

اطفيش

تفسير : {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} للصلاة ولا لغيرها، أَى لا تمكث فهي ولا تدخله، وعن ابن عباس: لا تقم لا تصل، وإِن القيام بمعنى الصلاة، بنى قبل غزوة تبوك، فقالوا: صل لنا فيه ليكون مسجداً كما كنا نصلى فى قباءَ، فقال: حديث : أَنا على سفر وإِذا قدمت صليت فيه إِن شاءَ اللهتفسير : ، ولما قدم كرروا الطلب فأَراد إِتيانه فنزلت الآية "أية : والذين اتخذوا"تفسير : [التوبة: 107] وقوله {لا تقم فيه أبداً} فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدى وعامر بن السكن ووحشى فقال: حديث : انطلقوا إِلى المسجد الظالم أَهله فاهدموه وحرقوهتفسير : ، فخرجوا مسرعين حتى أَتوا بنى سالم بن عوف رهط مالك بن الدخشم، فقال: أَنظرونى حتى أَخرج لكم بنار، فخرج من أَهله بشعلة من سعف وأَسرعوا بها حتى دخلوا المسجد، وفيه أَهله فأَحرقوه وهدموه وتفرق أَهله عنه، وأَمر صلى الله عليه وسلم أَن يتخذ كناسة تلقى فيه الجيف والنتن والقمامة، وروى أَنه لما نزل بذى أَوان موضع قريب من المدينة، بينه وبين المدينة ساعة راجعاً من تبوك سأَلوه أَن يأْتيه فدعا بقميصه ليلبسه فيأْتيهم فنزلت الآية. وقيل: قال له جبريل: لا تقم فيه أَبداً. فأَمر بهدمه وإِحراقه. قال عطاءُ: لما فتح الله عز وجل الأَمصار على عمر أَمر المسلمين أَن يبنوا المساجد، وأَن لا يبنوا فى موضع واحد مسجدين يضار أحدهما الآخر، وأَمر أَن يهدم كل مسجد حادث ضار الآخر. {لمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسه أَى أصله على التقوى أَى شبه التقوى بنحو صخرة فى تمسك ما وضع عليه، وأَسس تخييل، أُو على للاستعلاء المجازى والاستعارى التبعى أَو للتعليل والثانى أَولى واللام للابتداء لا غيره، ومن العجيب أَن بعض المحققين كلما رأَى لام ابتداءِ أَجاز أَنه لام فى جواب قسم مقدر، ولو لم يكن دليل على تقديره سوى أَن المعنى قابل له، وروى أَن بنى عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباءَ أَتوا عمر بن الخطاب فسأَلوه أَن يأْذن لمجمع بن جارية أَن يؤَمهم فيه، فقال: لا أَو ليس هو إِمام مسجد الضرار؟ قال: يا أَمير المؤمنين لا تعجل فوالله لقد صليت فيه وأَنا لا أَعلم ما أَضمروا، ولو علمت ما صليت فيه، وكنت غلاماً قارئاً للقرآن، وكانوا شيوخاً لا يقرأون. فعذره عمر فأَباح له الإِمامة فى مسجد قباءَ {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} من يوم أَول أَو من أَول وقت، والآية حجة على مجىءِ من لابتداءِ الزمان وله أَدلة كثيرة، وأَخطأَ البصريون فى منع ذلك، وتأْويل كل ما ورد من ذلك بغير الزمان مثل أَن يقدر من تأْسيس أَول يوم مع أَنه لو صرح بتأْسيس لكان الزمان به أَولى لكثرة المصدر بمعنى الزمان، كجئْت طلوع الشمس، وقلته فى المكان كجلست قرب زيد، قال أَبو سعيد الخدرى: سأَلت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا المسجد فأَخذ كفَّا من حصباءَ فضرب به الأرض، فقال: حديث : مسجدكم هذا مسجد المدينةتفسير : ، واختلف رجلان فسأَلاه صلى الله عليه وسلم: أَهذا أَو مسجد قباءَ؟ فقال: حديث : مسجدى هذاتفسير : ، وقيل: مسجد قباءَ، وعليه البخارى لأَنه ذكر فى جنب ذكر مسجد الضرار، بناه صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أَيام إِقامته بقباءَ من الاثنين إِلى الجمعة فى طريق هجرته، خرج صبيحة الجمعة وصلى الجمعة فى الوادى ودخل المدينة، وقيل: أَقام أربعة عشر، وقيل اثنين وعشرين، ولما بناه قالوا: صل لنا فيه، وهذا نفس ما قيل، بنوه فقالوا: صل لنا فيه، فإِنهم يبنون معه، بل معظم بنائِه منهم، وبعد وصول المدينة كان يأْتيهم راكباً وماشياً يوما فى الأُسبوع أَحياناً يصلى فيه، وقد يقال أَراد بمسجدى هذا الإِشارة إلى كل ما بنى للإِسلام تحرزا عن مسجد الضرار خاصة، وأَما أَن يراد بمسجد أُسس على التقوى العموم فخلاف الأَصل لأَنه نكرة فى الإِثبات ولقوله عز وجل {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} يجازيهم فإِنه فى رجال قباءَ وفى استنجائِهم بالحجارة ثم بالماءِ، وفى هذا أَحاديث لأَحمد والبخارى وابن أَبى شيبة والطبرى والطبرانى وعبد الرزاق وابن مردوية والبغوى وابن خزيمة والحاكم. وكلام من جماعة من الصحابة كابن عمر وسهل الأَنصارى وهو الصحيح، وعن أَبى سعيد الخدرى أَنه مسجد المدينة، وأَنه أَخبره النبى صلى الله عليه وسلم، وأَحاديث تفسيره بمسجد قباءَ أَكثر وأَصح، فنقول نزلت فى شأْن مسجد قباءَ ولا تختص به وأَحق بمعنى حقيق، أَو على ظاهره على زعم مسجد الضرار أَن مسجدهم حقيق بالقيام فيه أَو باعتبار أَنه لو جاز القيام فيه وإِما أَن يقال بالنظر إِليه فى ذاته لأَن المحظور قصدهم به ونيتهم فلا يصح لأَنه مع نيتهم فى بنائِه لا حظ له فى الخير فإِنه شر من الكنيف، والرجال قوم من الأَنصار من بنى عمرو بن عوف وتطهرهم استنجاؤهم المذكور، لما نزلت مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون إِلى باب مسجدهم فقال: أَمؤْمنون؟ فسكتوا، فأَعادها فسكتوا، فقال عمر إِزالة لاستحيائِهم: إِنهم مؤمنون وأَنا معهم، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : أَترضون بالقضاءِ؟ تفسير : قالوا: نعم. قال: حديث : أَتصبرون على البلاءِتفسير : ، قالوا، نعم. قال: حديث : أَتشكرون فى الرخاءِ؟تفسير : قالوا: نعم. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : مُؤْمنون ورب الكعبة،تفسير : فجلس ثم قال: حديث : يا معشر الأَنصار إِن الله عز وجل قد أَثنى عليكم فما الذى تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟تفسير : قالوا: يا رسول الله نتبع الغائِط الأَحجار الثلاثة ثم نتبع الأَحجار الماء فتلا: {رجال يحبون أَن يتطهروا} وأَراد بالغائط ما يشمل البول لأَن كلا من فضلة الطعام والماء فى الأَرض المطمئِنة واختصاص الغائِط بفضلة الطعام عرف للفقهاء للبيان، ولفظ البزار كذلك نتبع الحجارة بالماءِ، فقال هو ذاكم فعليكموه، ولفظ ابن خزيمة، إِن الله قد أَحسن عليكم الثناءَ فى الطهور فى قصة مسجدكم فما هو؟ قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إِلا أَنه كان لنا جيران من اليهود يغسلون أَدبارهم أَى وأَقبالهم فغسلنا كما غسلوا، وفسر بعض التطهر بغسل الجنابة لا ينامون عليها، وبعض بالتطهر من المعاصى ومساوىءِ الأَخلاق طلباً لرضى الله عز وجل، ويجمع بأَن سبب النزول التطهر المذكور للصلاة وعموم اللفظ باقى المعنى والمدح على عدم النوم بالجنابة لا على غسلها، لأَنه لا بد منه لكل أَحد قادر وفسره بعض بطهارة الباطن والظاهر وفى المسأَلة بيت مشهور: شعر : وإِن سأَلت وضوءًا ليس ينقضه إِلا الجماع وضوءُ النوم للجنب تفسير : أبدلته بقولى: شعر : إِن الوضوءَ الذى ليس بناقضه غير الجماع وضوءُ النوم للجنب تفسير : لسلام قولى هذا من الركة، وأَكدت ردا على من قد ينكر أَو يشك بل يجوز التأكيد قصداً للتقرير ولم لم يكن شك ولا إِنكار بحذف فاءِ الجواب وبابتداءِ الكلام بالواو وإِثبات واو الاستئناف لا يحسن، ودعوى أَن هذه الواو أَول البيت عاطفة على محذوف خلاف الأَصل.

الالوسي

تفسير : {لاَ تَقُمْ} أي للصلاة {فِيهِ} أي في ذلك المسجد {أَبَدًا} وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير {لاَ تَقُمْ} بلا تصل على أن القيام مجاز عن الصلاة كما في قولهم: فلان يقوم الليل، وفي الحديث «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له» {لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ} أي بنى أساسه {عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ} أي تقوى الله تعالى وطاعته، و {عَلَىٰ} على ما يتبادر منها، ولا يخفى ما في جعل التقوى وهي ـ هي ـ أساساً من المبالغة، وقيل: إنها بمعنى مع، وقيل: للتعليل لاعتباره فيما تقدم من الاتخاذ، واللام اما للابتداء أو للقسم أي والله لمسجد. وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ والجملة بعده صفته، وقوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} متعلق بأسس و {مِنْ} لابتداء الزمان على ما هو الظاهر، وفي ذلك دليل للكوفيين في أنها تكون للابتداء مطلقاً ولا تتقيد بالمكان، وخالف في ذلك البصريون ومنعوا دخولها على الزمان وخصوه بمذ ومنذ وتأولوا الآية بأنها على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم. وتعقبه الزجاج وتبعه أبو البقاء بأن ذلك ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون {مِنْ} لابتداء الغاية فيه. وأجيب بأن مرادهم من التأويل الفرار من كونها لابتداء الغاية في الزمان وقد حصل بذلك التقدير، وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان، وقال الرضي: لا أرى في الآية ونظائرها معنى الابتداء إذ المقصود منه أن يكون الفعل شيئاً ممتداً كالسير والمشي ومجرور ـ من ـ منه الابتداء نحو سرت من البصرة أو يكون أصلاً لشيء ممتد نحو خرجت من الدار إذ الخروج ليس ممتداً وليس التأسيس ممتداً ولا أصلا لممتد بل هما حدثان واقعان فيما بعد {مِنْ} وهذا معنى. في، و {مِنْ} في الظروف كثيراً ما تقع بمعنى في انتهى. وفي كون التأسيس ليس أصلاً لممتد منع ظاهر. نعم ذهب إلى احتمال الظرفية العلامة الثاني وله وجه وحينئذ يبطل الاستدلال ولا يكون في الآية شاهد للكوفيين، والحق أن كثيراً من الآيات وكلام العرب يشهد لهم والتزام تأويل كل ذلك تكلف لا داعي إليه. وقوله تعالى: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} خبر المبتدأ و {أَحَقُّ} أفعل تفضيل والمفضل عليه كل مسجد أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير أو هو على زعمهم، وقيل: إنه بمعنى حقيق أي حقيق ذلك المسجد بأن تصلي فيه. واختلف في المراد منه. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك أنه مسجد قباء، وقد جاءت أخبار في فضل الصلاة فيه، فأخرج ابن أبـي شيبة والترمذي والحاكم وصححه وابن ماجه عن أسيد بن ظهير عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: / «حديث : صلاة في مسجد قباء كعمرة»تفسير : قال الترمذي: لا نعرف لأسيد هذا شيئاً يصح غير هذا الحديث، وفي معناه ما أخرجه أحمد والنسائي عن سهل بن حنيف. وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة»تفسير : وذهب جماعة إلى أنه مسجد المدينة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدلوا بما أخرجه مسلم والترمذي وابن جرير والنسائي وغيرهم عن أبـي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيا رسول الله عليه الصلاة والسلام فسألاه عن ذلك فقال: «هو هذا المسجد» لمسجده صلى الله عليه وسلم وقال في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء. وجاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن ذلك فقال: «هو مسجدي هذا» وأيد القول الأول بأنه الأوفق بالسباق واللحاق وبأنه بني قبل مسجد المدينة، وجمع الشريف السمهودي بين الأخبار وسبقه إلى ذلك السهيلي وقال: كل من المسجدين مراد لأن كلاً منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه، والسر في إجابته صلى الله عليه وسلم السؤال عن ذلك بما في الحديث دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك، ولا يخفى بعد هذا الجمع فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبـي سعيد الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني وأيده بأن مسجد النبـي صلى الله عليه وسلم أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم وبأن التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله سبحانه: {أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} يستدعي المداومة، ويعضده توكيد النهي بقوله تعالى: {أَبَدًا} ومداومة الرسول عليه الصلاة والسلام لم توجد إلا في مسجده الشريف عليه الصلاة والسلام. وأما ما رواه الترمذي وأبو داود عن أبـي هريرة من أن قوله جل وعلا: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء فهو لا يعارض نص رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما رواه ابن ماجه عن أبـي أيوب وجابر وأنس من أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال: فهل مع ذلك غير؟ قالوا: لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء قال عليه الصلاة والسلام: هو ذاك فعليكموه» تفسير : فلا يدل على اختصاص أهل قباء ولا ينافي الحمل على أهل مسجده صلى الله عليه وسلم من الأنصار، وأنا أقول: قد كثرت الأخبار في نزول هذه الآية في أهل قباء، فقد أخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني وابن مردويه والحاكم عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبـي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: «حديث : إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فذكروا أنهم كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط» تفسير : . وأخرج أحمد وابن أبـي شيبة والبخاري في «تاريخه». والبغوي في «معجمه» وابن جرير والطبراني عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه نحو ذلك، وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن أبـي أمامة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء: ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته». / وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن عبد الله بن الحرث بن نوفل نحوه إلى غير ذلك، وروي القول بنزولها في أهل قباء عن جماعة من الصحابة وغيرهم كابن عمر وسهل الأنصاري وعطاء وغيرهم. وأما الأخبار الدالة على كون المراد بالمسجد المذكور في الآية مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكثيرة أيضاً وكذا الذاهبون إلى ذلك كثيرون أيضاً، والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفاً فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عول على الأقوى. وظاهر كلام البعض يشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أن المراد من المسجد مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم أن تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده لا حادثاً بعده ولا يمكن أن يراد من أول الأيام مطلقاً ضرورة. نعم قال الذاهبون إلى أن المراد بالمسجد مسجد قباء: إن المراد من أول أيام الهجرة ودخول المدينة. قال السهيلي: ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي أعز الله فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبـي صلى الله عليه وسلم، وبنيت المساجد وعبد الله تعالى كما يجب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بنقلهم أن قوله تعالى: {مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ} أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ كذلك وليس هٰهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال فتدبره ففيه معتبر لمن أدكر وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر انتهى. ولا يخفى على المطلع على التاريخ أن ما وقع كان عن اجتهاد وأن قوله: وليس هٰهنا إضافة الخ محل نظر. ويستفاد من الآية أيضاً على ما قيل النهي عن الصلاة في مساجد بنيت مباهاة أو رياء وسمعت أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى، وألحق بذلك كل مسجد بني بمال غير طيب. وروي عن شقيق ما يؤيد ذلك. وروي عن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه، ومن حمل التطهير فيها على ما نطقت به الأخبار السابقة قال: يستفاد منها سنة الاستنجاء بالماء، وجاء من حديث البزار تفسيره بالجمع بين الماء والحجر وهو أفضل من الاقتصار على أحدهما، وفسره بعضهم بالتخلص عن المعاصي والخصال المذمومة وهو معنى مجازي له، وإذا فسر بما يشمل التطهير من الحدث الأكبر والخبث والتنزه من المعاصي ونحوها كان فيه من المدح ما فيه. وجوز في جملة {فِيهِ رِجَالٌ} ثلاثة أوجه أن تكون مستأنفة مبينة لأحقية القيام في ذلك المسجد من جهة الحال بعد بيان الأحقية من جهة المحل، وأن يكون صفة للمبتدأ جاءت بعد خبره، وأن تكون حالاً من الضمير في {فِيهِ} وعلى كل حال ففيها تحقيق وتقرير لاستحقاق القيام فيه. وقرىء {أن يطهروا} بالإدغام. {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ} أي يرضى عنهم ويكرمهم ويعظم ثوابهم وهو المراد بمحبة الله تعالى عند / الأشاعرة وأشياعهم وذكروا أن المحبة الحقيقية لا يوصف بها سبحانه، وحمل بعضهم التعبير بها هنا على المشاكلة، والمراد من المطهرين إما أولئك الرجال أو الجنس ويدخلون فيه.

الواحدي

تفسير : {لا تقم فيه أبداً لمسجدٌ أسس على التقوى} بُنيت جُدُره، ورُفعت قواعده على طاعة الله تعالى {من أول يوم} بُني وحَدث بناؤه، وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو مسجد قباء {أحقُّ أن تقوم فيه} للصَّلاة {فيه رجال} يعني: الأنصار {يحبون أن يتطهروا} يعني: غسل الأدبار بالماء، وكان من عادتهم في الاستنجاء استعمال الماء بعد الحجر {والله يحب المطهرين} من الشِّرك والنِّفاق. {أفمن أسس بنيانه} أَيْ: بناءه الذي بناه {على تقوى من الله} مخافة الله، ورجاء ثوابه، وطلب مرضاته {خيرٌ أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} على حرف مهواةٍ {فانهار به} أُوقع بنيانه {في نار جهنم} وهذا مَثَل. والمعنى: إنَّ بناء هذا المسجد كبناءٍ على حرفِ جهنَّم يتهوَّر بأهله فيها، لأنَّه معصيةٌ وفعلٌ لما كرهه الله من الضِّرار. {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبه في قلوبهم} شكَّاً في قلوبهم {إلاَّ أن تقطَّع قلوبهم} بالموت، والمعنى: لا يزالون في شكٍّ منه إلى الموت، يحسبون أنَّهم كانوا في بنائه محسنين {والله عليم} بخلقه {حكيم} فيما جعل لكلِّ أحدٍ. {إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم...} الآية. نزلت في بيعة العقبة، حديث : لمَّا بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً، وأن يمنعوه ممَّا يمنعون أنفسهم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك يا رسول الله، فماذا لنا؟ قال: الجنَّة. قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيلتفسير : ، فنزلت هذه الآية ومعنى: {اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة} أنَّ المؤمن إذا قاتل في سبيل الله حتى يُقتل، وأنفق ماله في سبيل الله أخذ من الله الجنَّة في الآخرة جزاءً لما فعل، وقوله: {وعداً} أَيْ: وعدهم اللَّهُ الجنَّة وعداً {عليه حقاً} لا خلف فيه {في التوراة والإِنجيل والقرآن} أَيْ: إنَّ الله بيَّن في الكتابين أنَّه اشترى من أمة محمَّدٍ أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنَّة، كما بيَّن في القرآن {ومَنْ أوفى بعهده من الله} أَيْ: لا أحدٌ أوفى بما وعد من الله، ثمًّ مدحهم فقال: {التائبون} أَيْ: هم التَّائبون من الشِّرك {العابدون} يرون عبادة الله واجبةً عليهم {الحامدون} الله على كلِّ حال {السائحون} الصًّائمون {الراكعون الساجدون} في الفرائض {الآمرون بالمعروف} بالإِيمان بالله وفرائضه وحدوده {والناهون عن المنكر} الشِّرك وترك فرائض الله {والحافظون لحدود الله} العاملون بما افترض الله عليهم. {ما كان للنبيِّ...} الآية. نزلت في استغفار النبيِّ عليه السَّلام لعمِّه أبي طالب، وأبيه،وأُمِّه، واستغفار المسلمين لآبائهم المشركين، نُهوا عن ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: حديث : لأستغفرنَّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيهتفسير : ، فبيَّن الله سبحانه كيف كان ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : (108) - أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ لاَ يَقُومَ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ هذا، وَحَثَّهُ عَلَى الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ قبَاءٍ الذِي أُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَى التَّقْوَى (وَهِيَ طَاعَةُ اللهِ، وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، وَجَمْعُ كَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ)، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الحَدِيثِ:"حديث : صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِ قِبَاءٍ كَعُمْرَةٍ"تفسير : . وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ مَسْجِدَ قبَاءٍ فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وَذِكْرِ اللهِ، وَتَسْبِيحِهِ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ. وَيُثْنِي اللهُ تَعَالَى عَلَى الأَنْصَارِ فِي تَطَهُّرِهِمْ، وَفِي عِنَايَتِهِمْ بِنَظَافَةِ أَبْدَانِهِمْ، لأَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فهل قوله الحق: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} معناه أن يظل المسجد قائما ولا تقام فيه صلاة؟ هل {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} صيغتها النهي، أي لا تُصَلِّ فيه، أم أنها إخبار من الحق بأنك لن تقيم فيه صلاة أبداً؛ لأنه لن يكون له وجود؟ إن قوله الحق سبحانه يعني أن هذا المسجد يجب ألا يكون له وجود، ثم تجد الله سبحانه يقول: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} إذن: فالمسألة ليست في بناء المسجد، ولكنها فيمن يدخل المسجد ويعمره، فهنا مسجد، وهناك مسجد، أما المسجد الأول فقد أسس على التقوى، وفيه أناس يحبون أن يتطهروا، أما مسجد الضرار فقد أقامه منافقون يحبّون أن يتقذروا؛ لأنهم المقابل لمن يحبون أن يتطهروا. ومعنى الحب هو ميل الطبع إلى شيء تنبسط له النفس وتخِفُّ لعمله. وحينما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم هذا؟ قالوا: يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهل مع ذلك من غيره؟ ". تفسير : وهنا قال أهل قباء: "لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء"، وكان الواحد منهم يمسك الحجر ويمسح به محل قضاء الحاجة؛ فيخفف من استخدام المياه؛ لأن المياه كانت قليلة عندهم، ثم يستخدم الماء بعد الأحجار ليكمل ويتم نظافته، وأضافوا: "ولا نبيت على جنابة، ولا نُصرّ على ذنب، فإن غلبنا الذنب تعجّلنا التوبة". {يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} والحب هنا متبادل، فلا شيء أقسى على النفس من أن يكون الحب من طرف واحد، وهذا هو الشقاء بعينه. والشاعر يقول: شعر : أنتَ الحبِيبُ ولَكنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ أنْ أكُونَ حَبِيباً غَيْرَ مَحْبُوبِ تفسير : وشقاء المحبين أن يكون الحب من جانب واحد، أما حين يكون الحب متبادلاً من الجانبين فهو قمة الإسعاد، وكذلك حين تكون العداوة من جانبين فهي تأخذ قمة الإيعاد والإبعاد، فحين تكون العداوة من جانب واحد، تنتهي بسرعة، لكن عندما تكون من الجانبين فإنها لا تنتهي بل تزداد اشتعالاً. إذن: فحين يكون الحب متبادلاً تجد المحب كلما رأى حبّاً من حبيبه رد عليه بحب، فينمو الحب ويزداد، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كان حب القلوب فيما لا يتغير وهو "الحب في الله"، فإذا رأيت حبّاً بين اثنين يتناقص بمرور الزمن؛ فاعلم أنه حب لغير الله، وإن رأيت الحب ينمو كل يوم، فاعلم أنه حب في الله. والحق سبحانه يقول في قصة فرعون وموسى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ...} تفسير : [القصص: 8]. هم لم يلتقطوه ليكون عدواً لهم؛ فهذا الاحتمال لو كان قد جاء في بال آل فرعون لقتلوه، ولكنهم التقطوه ليكون قرة عين لهم، فانظر كيف يدخل الله على تغفيل الكافرين به، فآل فرعون هم من يربون موسى؛ ولذلك قال له فرعون: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 18]. ولكن موسى عليه السلام لا يجامل في الحق؛ لأن الحق سبحانه وتعالى هو من ربّاه، أما تربية فرعون فلم يكن لها اعتبار في ميزان الحق، وقد تكون العداوة هينة لو كانت من جانب موسى وحده، ولكن شاء سبحانه ألا تكون العداوة من جانب موسى فقط، بل من جانب فرعون أيضاً، فيقول سبحانه: {أية : يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} تفسير : [طه: 39]. ويقول سبحانه في مجال الحب المتبادل: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...} تفسير : [المائدة: 54]. فحين يحبون الله يرد سبحانه على تحية الحب بحب زائد، وهم يردون على تحية الحب منه سبحانه بحب زائد، وهكذا تتوالى زيادات وزيادات؛ حتى نصل إلى قمة الحب، ولكن الحب عند الله لا نهاية له، وأنت حين تقرأ تجد قوله سبحانه وتعالى: {أية : قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَىٰ...} تفسير : [النمل: 59]. ويقول سبحانه أيضاً: {أية : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ...} تفسير : [الأحزاب: 44]. لم يأت سبحانه هنا بـ "الـ" التعريفية؛ لأنها لو جاءت لانحصر السلام في لون واحد. فأنت حين تقول: لَقِيت الرجل، فأنت تحدد الرجل. لكنك إنْ قلت: لقيت رجلاً. فقد يكون الرجل هذا أو ذاك أو غيرهما. فإن جاء الاسم نكرة صار شائعاً، أما إن كان بالتعريف فيكون محدداً. والحق حين تكلم عن يحيى عليه السلام قال: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً} تفسير : [مريم: 15]. لأنه يريد أن يكثر السلام. وحين تكلم عيسى عليه السلام عن نفسه قال: {أية : وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 33]. وحين يلقاك إنسان فهو يقول لك: "سلام عليكم"، وأنت ترد: "وعليكم السلام"، لماذا؟ لأن "سلام عليكم" معناها أن السلام مني يكون عليك وعلى غيرك، أما ردُّك "وعليكم السلام" فيعني أنك خَصَصْته بهذا السلام. وهنا الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها زادت في التحية حيث يقول الحق سبحانه: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهِّرِينَ} وهذا لأن الذي يحب أن يكون طاهراً دائماً، قد أنس بفيوضات الله عليه، وما دامت ذراته كلها طاهرة من النجاسات المعنوية ومن النجاسات الحسية يصبح جهاز استقبال الفيوضات من الله عنده صالحاً دائماً للاستقبال، والحق سبحانه وتعالى يرسل إمداداته في كل لحظة، ولا تنتهي إمداداته على الخلق أبداً، وسبحانه يصف نفسه بأنه القيوم فاطمئنوا أنتم، فإن كنتم تريدون أن تناموا فناموا؛ فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم. إذن: فقد جاء الإيمان ليريحنا لا ليتعبنا، كما أنه سبحانه يصف نفسه: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ...} تفسير : [المائدة: 64]. أي: يطمئن الخلق أنهم بمجرد إيمانهم ستأتيهم إمدادات الله وفيوضاته المعنوية والمادية. فصحِّح جهاز استقبالك؛ بألا توجد فيه نجاسة حسيّة أو نجاسة معنوية؛ ولذلك إذا رأيت إنساناً عنده فيوضات من الحق فاعلم أن ذرات جسمه مبنية من حلال، ولا توجد به قذارة معنوية، ولا قذارة حسّية، ويتضح ذلك كله على ملامح وجهه، وكلماته، وحسن استقباله. وإن كان أسمر اللون فتجده يأسرك ويخطف قلبك بنورانيته. وقد تجد إنساناً أبيض اللون لكن ليس في وجهه نور؛ لأن فيوضات ربنا غير متجلية عليه. وكيف تأتي الفيوضات؟ إنها تأتي بتنقية النفس؛ لأن الإنسان إن افتقر إلى الفيوضات الربانية، فعليه أن يبحث في جهازه الاستقبالي. وأضرب هنا مثلاً بالإرسال الإذاعي، فمحطات الإذاعة ترسل، ومن يملك جهاز استقبال سليم فهو يلتقط البث الإذاعي، أما إن كان جهاز الاستقبال فاسداً فهذا لا يعني أن محطات الإذاعة لا تبث برامجها. ولذلك قال الحق: {أية : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ...} تفسير : [المائدة: 64]. فاحرص دائماً على أن تتناول من يد ربك المدد الذي لا ينتهي، والحديث الشريف يقول: "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها "تفسير : . والليل قد ينتهي عند إنسان، ويبدأ عند إنسان آخر، وهكذا النهار، فالليل مستمر دائماً والنهار مستمر دائماً، فيداه سبحانه مبسوطتان دائما ولا تنقبضان أبداً. ثم يقول سبحانه: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ ...}.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} [108] 248- أنا قُتيبة بن سعيد، نا الليث، عن عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد الخُدري، عن أبي سعيد الخُدري أنه قال: حديث : تَمَارى رجلان في المسجد الذي أُسِّس على التقوى من أول يوم، فقال ر جل: هو مسجد قُبَاء، وقال الآخر، هو مسجد رسول الله صلى الله عيه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو مسجدي هذا ". تفسير : 249- أخبرني زكريا بن يحيى، نا ابن أبي عمر، نا سفيان عن أبي الزِّناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه قال: المسجدُ الذي أُسِّس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

همام الصنعاني

تفسير : 1131- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: لمّا نزلت: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}: [الآية: 108]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : يا معشر الأنصار ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم فيه؟ قالوا: إنا لنستطِيبُ بالماء إذا جئنا مِنَ الغائط .