Verse. 1344 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اَفَمَنْ اَسَّـسَ بُنْيَانَہٗ عَلٰي تَقْوٰى مِنَ اللہِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ اَمْ مَّنْ اَسَّـسَ بُنْيَانَہٗ عَلٰي شَفَا جُرُفٍ ھَارٍ فَانْہَارَ بِہٖ فِيْ نَارِ جَہَنَّمَ۝۰ۭ وَاللہُ لَا يَہْدِي الْقَوْمَ الظّٰلِــمِيْنَ۝۱۰۹
Afaman assasa bunyanahu AAala taqwa mina Allahi waridwanin khayrun am man assasa bunyanahu AAala shafa jurufin harin fainhara bihi fee nari jahannama waAllahu la yahdee alqawma alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفمن أسَّس بنيانه على تقوى» مخافة «من الله» رجاء «ورضوان» منه «خيرٌ أم من أسَّس بنيانه على شفا» طرف «جُرُفِ» بضم الراء وسكونها، جانب «هارِ» مشرف على السقوط «فانهار به» سقط مع بانيه «في نار جهنم» خير تمثيل لبناء على ضد التقوى بما يؤول إليه، والاستفهام للتقرير، أي الأول خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار «والله لا يهدي القوم الظالمين».

109

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {أَفَمَنْ أَسَّسَ} أي أصّل، وهو استفهام معناه التقرير. و «مَن» بمعنىٰ الذي، وهي في موضع رفع بالابتداء، وخبره «خَيْرٌ». وقرأ نافع وابن عامر وجماعة «أُسِّسَ بُنْيَانُهُ» على بناء أسس للمفعول ورفع بنيان فيهما. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائيّ وجماعة «أسّس بنيانه» على بناء الفعل للفاعل ونصب بنيانه فيهما، وهي ٱختيار أبي عبيد لكثرة من قرأ به، وأن الفاعل سمي فيه. وقرأ نصر بن عاصم بن عليّ «أفمن أَسَسُ» بالرفع «بُنيانه» بالخفض. وعنه أيضاً «أساس بنيانه» وعنه أيضاً «أَسُّ بنيانه» بالخفض. والمراد أصول البناء كما تقدّم. وحكىٰ أبو حاتم قراءة سادسة وهي «أَفَمَنْ آسَاسُ بُنْيَانِهِ» قال النحاس: وهذا جمع أُسّ؛ كما يقال: خُفٌّ وأخْفَاف، والكثير «إساسٌ» مثل خفاف. قال الشاعر:شعر : أصبح المُلْك ثابتَ الآسَاسَ في البهَالِيل من بني العباس تفسير : الثانية ـ قوله تعالىٰ: {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ} قراءة عيسىٰ بن عمر ـ فيما حكى سيبويه ـ بالتنوين، والألف ألف إلحاق كألف تَتْرَىٰ فيما نُوّن، وقال الشاعر:شعر : يَسْتَنّ في عَلْقىً وفي مُكُورِ تفسير : وأنكر سيبويه التنوين، وقال: لا أدري ما وجهه. {عَلَىٰ شَفَا} الشفا: الحرف والحدّ، وقد مضىٰ في «آل عمران» مستوفى. و {جُرُفٍ} قُرىء برفع الراء، وأبو بكر وحمزة بإسكانها؛ مثل الشُّغُل والشُّغْل، والرُّسُل والرُّسْل، يعني جُرُفاً ليس له أصل. والجُرُف: ما يُتجرّف بالسيول من الأدوية، وهو جوانبه التي تنحفر بالماء، وأصله من الجَرْف والاجتراف؛ وهو ٱقتلاع الشيء من أصله. {هَارٍ} ساقط؛ يقال: تهوّر البناء إذا سقط، وأصله هائر، فهو من المقلوب يقلب وتؤخر ياؤها، فيقال: هارٍ وهائر، قاله الزجاج. ومثله لاَثَ الشيءَ به إذا دار؛ فهو لاثٍ أي لائث. وكما قالوا: شاكي السلاح وشائك السلاح. قال العجاج:شعر : لاثٍ بـه الأشَـاء والعُبْـريّ تفسير : الأشاء النخل، والعُبْرِي السِّدْر الذي على شاطىء الأنهار، ومعنىٰ لاَث به مُطِيف به. وزعم أبو حاتم أن الأصل فيه هاور، ثم يقال هائر مثل صائم، ثم يقلب فيقال هارٍ. وزعم الكسائي أنه من ذوات الواو ومن ذوات الياء، وأنه يقال: تهور وتهير. قلت: ولهذا يمال ويفتح. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فاعل ٱنهار الجُرُف؛ كأنه قال: فانهار الجرف بالبنيان في النار؛ لأن الجرف مذكر. ويجوز أن يكون الضمير في به يعود على «مَن» وهو الباني؛ والتقدير: فانهار مَنْ أسس بنيانه على غير تقوىٰ. وهذه الآية ضربُ مثلٍ لهم، أي من أسس بنيانه على الإسلام خير أم من أسس بنيانه على الشرك والنفاق. وبين أن بناء الكافر كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. والشَّفَا: الشفير. وأشفىٰ على كذا أي دنا منه. الرابعة ـ في هذه الآية دليل على أن كل شيء ابتدىء بنيّة تقوى الله تعالىٰ والقصد لوجهه الكريم فهو الذي يبقىٰ ويَسْعَد به صاحبه ويصعد إلى الله ويرفع إليه، ويخبر عنه بقوله: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 27] على أحد الوجهين. ويخبر عنه أيضاً بقوله: {أية : وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ}تفسير : [الكهف: 46] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالىٰ. الخامسة ـ واختلف العلماء في قوله تعالىٰ: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} هل ذلك حقيقة أو مجاز على قولين؛ الأوّل ـ أن ذلك حقيقة وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أرسل إليه فهُدِم رؤي الدّخان يخرج منه؛ من رواية سعيد بن جُبير. وقال بعضهم: كان الرجل يُدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة. وذكر أهل التفسير أنه كان يُحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان. وروىٰ عاصم بن أبي النُّجُود عن زِرّ بن حبيش عن ٱبن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا «فَٱنَهَار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». وقال جابر بن عبد الله: أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والثاني ـ أن ذلك مجاز، والمعنىٰ: صار البناء في نار جهنم، فكأنه ٱنهار إليه وَهَوىٰ فيه؛ وهذا كقوله تعالىٰ: {أية : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} تفسير : [القارعة: 9]. والظاهر الأوّل، إذ لا إحالة في ذلك. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ} بناؤهم الذي بنوه مصدر أريد به المفعول وليس بجمع ولذلك قد تدخله التاء ووصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: {رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ} أي شكا ونفاقاً، والمعنى أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم فإنه حملهم على ذلك ثم لما هدمه الرسول صلى الله عليه وسلم رسخ ذلك في قلوبهم وازداد بحيث لا يزول وسمه عن قلوبهم. {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} قطعاً بحيث لا يبقى لها قابلية الإِدراك وهو في غاية المبالغة والاستثناء. من أعم الأزمنة. وقيل المراد بالتقطع ما هو كائن بالقتل أو في القبر أو في النار. وقيل التقطع بالتوبة ندماً وأسفاً. وقرأ يعقوب «إلى» بحرف الانتهاء و {تُقَطَّعَ} بمعنى تتقطع وهو قراءة ابن عامر وحمزة وحفص. وقرىء «يقطع» بالياء و {تُقَطَّعَ} بالتخفيف و {تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} على خطاب الرسول، أو كل مخاطب ولو قطعت على البناء للفاعل والمفعول. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بنياتهم. {حَكِيمٌ } فيما أمر بهدم بنيانهم. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} تمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله. {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} استئناف ببيان ما لأجله الشراء. وقيل {يُقَـٰتَلُونَ} في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول وقد عرفت أن الواو لا توجب الترتيب وأن فعل البعض قد يسند إلى الكل. {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا} مصدر مؤكد لما دل عليه الشراء فإنه في معنى الوعد. {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ} مذكوراً فيهما كما أثبت في القرآن. {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } مبالغة في الإِنجاز وتقرير لكونه حقاً. {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ} فافرحوا به غاية الفرح فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال: {وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}. {ٱلتَّـٰئِبُونَ} رفع على المدح أي هم التائبون، والمراد بهم المؤمنون المذكورون ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله: {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [النساء: 95] أو خبره ما بعده أي التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. وقرىء بالياء نصباً على المدح أو جراً صفة للمؤمنين. {ٱلْعَـٰبِدُونَ} الذين عبدوا الله مخلصين له الدين. {ٱلْحَـٰمِدُونَ} لنعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء. {ٱلسَّـٰئِحُونَ} الصائمون لقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : سياحة أمتي الصوم» تفسير : شبه بها لأنه يعوق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، أو السائحون للجهاد أو لطلب العلم. {ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ } في الصلاة. {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالإِيمان والطاعة. {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} عن الشرك والمعاصي، والعاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال: الجامعون بين الوصفين، وفي قوله تعالى: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها. وقيل إنه للايذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك سمي واو الثمانية. {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل، ووضع {ٱلْمُؤْمِنِينَ} موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان، ومن بنى مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، فإنما يبني هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار، أي: طرف حفيرة، مثاله {فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: لا يصلح عمل المفسدين. قال جابر بن عبد الله: رأيت المسجد الذي بني ضراراً يخرج منه الدخان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالاً حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه، وكذا قال قتادة، وقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة، رواه ابن جرير رحمه الله. وقوله تعالى: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ} أي: شكاً ونفاقاً؛ بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفاقاً في قلوبهم؛ كما أشرب عابدو العجل حبه، وقوله: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي: بموتهم، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وزيد بن أسلم والسدي وحبيب بن أبي ثابت والضحاك وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} أي: بأعمال خلقه {حَكِيمٌ} في مجازاتهم عنها من خير وشر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ } مخافة {مِّنَ ٱللَّهِ وَ} رجاء {رِضْوٰنٍ } منه {خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا } طرف {جُرُفٍ } بضم الراء وسكونها: جانب {هَارٍ } مشرف على السقوط {فَٱنْهَارَ بِهِ } سقط مع بانيه {فِى نَارِ جَهَنَّمَ } خير تمثيل للبناء على ضدّ التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير، أي: الأوّل خير: وهو مثال مسجد (قباء)، والثاني: مثال مسجد (الضرار) {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} يعني مسجد قباء والألف من {أَفَمَنْ} ألف إنكار. ويحتمل قوله {عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} وجهين: أحدهما: أن التقوى اجتناب معاصيه، والرضوان فعل طاعته. الثاني: أن التقوى اتقاء عذابه، والرضوان طلب ثوابه. وكان عمر بن شبة يحمل قوله تعالى {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} على مسجد المدينة، ويحتمل {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مَنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} على مسجد قباء، فيفرق بين المراد بهما في الموضعين. {أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} يعني شفير جرف وهو حرف الوادي الذي لا يثبت عليه البناء لرخاوته وأكل الماء له {هَارٍ} يعني هائر، والهائر: الساقط. وهذا مثل ضربه الله تعالى لمسجد الضرار. ويحتمل المقصود بضرب هذا المثل وجهين: أحدهما: أنه لم يبق بناؤهم الذي أسس على غير طاعة الله حتى سقط كما يسقط ما بني على حرف الوادي. الثاني: أنه لم يخف ما أسرُّوه من بنائه حتى ظهر كما يظهر فساد ما بنى على حرف الوادي بالسقوط. {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم ببنيانهم له سقطوا في نار جهنم. الثاني: أن بقعة المسجد مع بنائها وبُناتها سقطت في نار جهنم، قاله قتادة والسدي. قال قتادة: ذكر لنا أنه حفرت منه بقعة فرئي فيها الدخان وقال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار. قوله عزوجل {لاَ يََزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ} يعني مسجد الضرار. {رِيبَةً فِي قُلُوبِهِم} فيه قولان: أحدهما: أن الريبة فيها عند بنائه. الثاني: أن الريبة عند هدمه. فإن قيل بالأول ففي الريبة التي في قلوبهم وجهان: أحدهما: غطاء على قلوبهم، قاله حبيب بن أبي ثابت. الثاني: أنه شك في قلوبهم، قاله ابن عباس وقتادة والضحاك، ومنه قول النابغة الذبياني: شعر : حَلَفْتُ فلم أترك لنَفْسِكَ ريبة وليس وراءَ الله للمرءِ مذهب تفسير : ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن تكون الريبة ما أضمروه من الإضرار برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وإن قيل بالثاني أن الريبة بعد هدمه ففيها وجهان: أحدهما: أنها حزازة في قلوبهم، قاله السدي. الثاني: ندامة في قلوبهم، قاله حمزة. ويحتمل وجهاً ثالثاً: أن تكون الريبة الخوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المؤمنين. {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: إلا أن يموتوا، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. الثاني: إلا أن يتوبوا، قاله سفيان. الثالث: إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم، قاله عكرمة. وكان أصحاب ابن مسعود يقرأُونها: {وَلَوْ تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ}.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} مسجد قباء، أو قوله: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى} مسجد المدينة، وقوله {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} مسجد قباء. {جُرُفٍ} حرف الوادي الذي لا يثبت عليه البناء لرخاوته. {هَارٍ} هائر، وهو الساقط. {فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} سقطوا ببنيانهم في جهنم، أو سقط المسجد بنفسه مع بقعته في جهنم، قال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حتى انهار، وقيل حفرت فيه بقعة فرئي فيها الدخان.

النسفي

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } وضع أساس ما يبنيه {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } هذا سؤال تقرير وجوابه مسكوت عنه لوضوحه، والمعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة وهي تقوى الله ورضوانه، خير أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وهو الباطل والنفاق الذي مثله شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك، وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى لأنه جعل مجازاً عما ينافي التقوى. والشفا: الحرف والشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول فيبقى واهياً، والهار الهائر وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط، ووزنه فعل قصر عن فاعل كخلف من خالف، وألفه ليس فاعل إنما هي عينه وأصله «هور» فقلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولا ترى أبلغ من هذا الكلام ولا أدل على حقيقة الباطل وكنه أمره {أَفَمَنْ أُسَّسَ بُنْيَانَهُ } شامي ونافع {جرْف } شامي وحمزة ويحيـى {هارِ} بالإمالة: أبو عمرو وحمزة في رواية ويحيـى { فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } فطاح به الباطل في نار جهنم. ولما جعل الجرف الهائر مجازاً عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو للجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانه على شفا جرف هارٍ من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في قعرها. قال جابر: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حين انهار {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } لا يزال هدمه سبب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم لما غاظهم من ذلك وعظم عليهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّع قُلُوبُهُمْ } شامي وحمزة وحفص أي تتقطع. غيرهم {تُقطّع } أي إلا أن تقطع قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء فحينئذ يسلون عنه، وأما ما دامت سالمة مجتمعة فالريبة باقية فيها متمكنة، ثم يجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة عنها، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم أو في القبور أو في النار، أو معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بعزائمهم {حَكِيمٌ } في جزاء جرائمهم. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } مثل الله إثابتهم بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء. ورُوي: تاجرهم، فأغلى لهم الثمن. وعن الحسن: أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها. ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي وهو يقرؤها فقال: بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو واستشهد {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } بيان محل التسليم {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } أي تارة يقتلون العدو وطوراً يقتلهم العدو. {فَيُقتلون وَيَقْتلون } حمزة وعلي {وَعْدًا عَلَيْهِ } مصدر أي وعدهم بذلك وعداً {حَقّاً } صفته، أخبر بأن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ } وهو دليل على أن أهل كل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه. ثم قال {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } لأن إخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكريم منا فكيف بأكرم الأكرمين، ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } فافرحوا غاية الفرح فإنكم تبيعون فانياً بباقٍ {وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } قال الصادق: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها. {ٱلتَّـٰئِبُونَ } رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين، أو هو مبتدأ خبره {ٱلْعَـٰبِدُونَ } أي الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة، وما بعده خبر بعد خبر أي التائبون من الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال. وعن الحسن: هم الذين تابوا من الشرك وتبرءوا من النفاق {ٱلْحَـٰمِدُونَ } على نعمة الإسلام {ٱلسَّـٰئِحُونَ } الصائمون لقوله عليه السلام «حديث : سياحة أمتي الصيام»تفسير : أو طلبة العلم لأنهم يسيحيون في الأرض يطلبونه في مظانه، أو السائرون في الأرض للاعتبار {ٱلرَّكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ } المحافظون على الصلوات {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } بالإيمان والمعرفة والطاعة {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } عن الشرك والمعاصي ودخلت الواو للإشعار بأن السبعة عقد تام، أو للتضاد بين الأمر والنهي كما في قوله: {أية : ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً }تفسير : [التحريم: 5] {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } أوامره ونواهيه، أو معالم الشرع {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } المتصفين بهذه الصفات. وهمّ عليه السلام أن يستغفر لأبي طالب فنزل {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ } أي ما صح له الاستغفار في حكم الله وحكمته {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } من بعد ما ظهر لهم أنهم ماتوا على الشرك، ثم ذكر عذر إبراهيم فقال {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } أي وعد أبوه إياه أن يسلم أو هو وعد أباه أن يستغفر وهو قوله {أية : لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }تفسير : [الممتحنة: 4] دليله قراءة الحسن {وَعَدَهَا أَبَاهُ } ومعنى استغفاره سؤاله المغفرة له بعد ما أسلم أو سؤاله إعطاء الإسلام الذي به يغفر له {فَلَمَّا تَبَيَّنَ } من جهة الوحي {لَهُ } لإبرهيم {أَنَّهُ } أن أباه {عَدُوٌّ لِلَّهِ } بأن يموت كافراً وانقطع رجاؤه عنه {تَبَرَّأَ مِنْهُ } وقطع استغفاره {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأوَّاهٌ} هو المتأوه شفقاً وفرقاً، ومعناه أنه لفرط ترحمه ورقته كان يتعطف على أبيه الكافر { حَلِيمٌ } هو الصبور على البلاء الصفوح عن الأذى، لأنه كان يستغفر لأبيه وهو يقول لأرجمنك {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } أي ما أمر الله باتقائه واجتنابه كالاستغفار للمشركين وغيره مما نهى عنه وبين أنه محظور، لا يؤاخذ به عباده الذين هداهم للإسلام، ولا يخذلهم إلا إذا قدموا عليه بعد بيان حظره وعلمهم بأنه واجب الاجتناب، وأما قبل العلم والبيان فلا، وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين، والمراد بـ {مَّا يَتَّقُونَ } ما يجب اتقاؤه للنهي، فأما ما يعلم بالعقل فغير موقوف على التوقيف {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ}. {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ }

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان} يعني طلب ببنائه المسجد الذي بناه تقوى الله ورضاه. والمعنى: أن الباني لما بنى ذلك البناء كان قصده تقوى الله وطلب رضاه وثوابه {خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} الشفا: هو الشفير وشفا كل شيء حرفه ومنه يقال: أشفى على كذا إذا دنا منه وقرب أن يقع فيه. والجرف: المكان الذي أكل الماء تحته فهو إلى السقوط قريب وقال أبو عبيد: الجرف هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية فينحفر بالماء فيبقى واهياً هار أي هائر وهو الساقط فهو من هار يهور فهو هائر وقيل: هو من هاريها إذا تهدم وسقط وهو الذي تداعى بعضه في أثر بعض كما يهار الرمل والشيء الرخو {فانهار به} يعني سقط بالباني {في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين} والمعنى أن بناء هذا المسجد الضرار كالبناء على شفير جهنم فيهور بأهله فيها. وهذا مثل ضربه الله تعالى للمسجدين مسجد الضرار ومسجد التقوى مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى المثل: أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهو الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير أم من أسس دينه على أضعف القواعد وأقلها بقاء وثباتاً وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل بناء على غير أساس ثابت وهو شفا جرف هار وإذا كان كذلك كان أسرع إلى السقوط في نار جهنم ولأن الباني الأول قصد ببنائه تقوى الله ورضوانه فكان بناؤه أشرف البناء، والباني الثاني قصد ببنائه الكفر والنفاق وإضرار المسلمين فكان بناؤه أخسّ البناء وكانت عاقبته إلى نار جهنم. قال ابن عباس: صيرهم نفاقهم إلى النار. وقال قتادة: والله ما تناهى بناؤهم حتى وقع في النار ولقد ذكر لنا أنه حفرت بقعة منه فرؤي الدخان يخرج منها. وقال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار.

البقاعي

تفسير : ولما علم من هذا بطريق الإشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء خلق الحيوان، فمن جبل من أول مرة جبلة شر لا يصلح للخير أبداً ولا يقبله كما قال تعالى{أية : ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} تفسير : [الأنفال: 23] ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلاً الباطل ببناء على حرف واد واه جداً على شفير جهنم: {أفمن أسس بنيانه} أي كما أشرت إليه في المسجد المحثوث بالإقبال عليه {على تقوى من الله} أي الملك الأعلى {ورضوان} فكان كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول {خير أم من أسس بنيانه} على فسق وفجور وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه {على شفا} أي حرف، ومنه الشفه {جرف} أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار مشرفاً على السقوط، ولذلك قال: {هار} أي هائر، من هار الجرف - إذا أشرف لتخريق السيول على السقوط {فانهار} أي فكان بناؤه لذلك سبباً لأنه سقط سقوطاً لا تماسك معه {به} أي وهو فيه آمناً من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رأيه {في نار جهنم} فالجواب: لا شك الأول خير بل، لا خير في الثاني أصلاً، والعجب كل العجب من كونه بنى هذا البناء هكذا، فأجيب بأنه لا عجب لأن الأمر بيد الله، لا مفر من قضائه، وهو قد هدى الأول إلى ما فيه صلاحه، ولم يهد الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير {والله} الذي له صفات الكمال {لا يهدي القوم} أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون {الظالمين*} أي المطبوعين على ظلام البصائر، فهم لا يكفرون في شيء إلا جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات الماشي في الظلام، وقد علم أن الآية من قبيل الاحتباك: أثبت أولاً التقوى لأن أهل الإسلام أحق بها، فدلت على حذف ضدها ثانياً، وأثبت ثانياً ضعف البناء حساً لأن مسجد الضرار أولى به، فدل على حذف ضده أولاً، فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة للناظرين لها؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال: رأيت الدخان من مسجد الضرار؛ وحكي عن خلف بن يسار أنه رأى فيه حجراً يخرج منه الدخان في أول دولة بني العباس. ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد من الحرمة، استأنف الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه، وإنما هو في عداد بيوت الأصنام فهو واجب الإعدام فقال: {لا يزال بنيانهم} أي نفس المبنى وهو المسجد {الذي بنوا ريبة } أي شكاً ونفاقاً {في قلوبهم} كما أن بيوت الأصنام كذلك لأهلها، فكان ذلك حثاً على إخرابه ومحوه وقطع أثره. والمعنى أنه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون {إلا أن} ولما كان القطع محصلاً للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين، قال بانياً للمفعول: {تقطع قلوبهم} أي إلا زمان يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم وعزائمهم ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه، وقراءة يعقوب بـ "إلى" الجارة واضحة في المراد، أو يكون المراد أنه لايزال حاملاً لهم على التصميم على النفاق إلى أن يموتوا، فهو كناية عن عدم توبتهم. ولما كان التقدير: فالله عليم بما أخبركم به فلا تشكوا فيه، عطف عليه تعميماً للحكم وتعظيماً للأمر قوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {عليم} أي بالغ العلم بكل معلوم {حكيم*} فهو يتقن ما يأمر به. ولما تقدم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى{أية : ما لكم إذا قيل لكم انفروا }تفسير : [التوبة: 38] ثم الجزم بالأمر بالجهاد بالنفس والمال في قوله {أية : انفروا خفافاً وثقالاً} تفسير : [التوبة: 41] وكان أمره تعالى كافياً للمؤمن الذي صدق إيمانه بالإسلام في امتثاله لذلك في منشطه ومكرهه، وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما يقدح في إيمانهم طعماً في ستره بمعاذيرهم وإيمانهم، اقتضى المقام تبكيت المتثاقلين وتأنيب المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم، فلما استوفى تعالى في ذلك أقسامهم، ونكس ألويتهم وأعلامهم، وختمهم بهذه الطائفة التي ظهر فيها امتثاله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} بأن هدّ مسجدهم وحرقة بالنار وأزال بنيانه وفرقة، وقدّ أديمه عن جديد الأرض ومزقه، أتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ما أمرهم به في قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} وقوله {انفروا خفافاً وثقالاًً} ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر به، فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال: لقد طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار القبائح، فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر وأخذ العفو؟ قوله: {إن الله} أي الملك الذي لا ملك في الحقيقة غيره ولا يخشى إلا عذابه ولا يرجى إلا خيره {اشترى} أي بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة، ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال: {من المؤمنين } أي بالله وما جاء من عنده، وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على اكتساب المال فقال مقدماً للأعز: {أنفسهم} أي التي تفرد بخلقها {وأموالهم} أي التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم. ولما ذكر المبيع أتبعه الثمن فقال: {بأن لهم الجنة} أي خاصة بهم مقصورة عليهم، لا يكون لغير مؤمن، فميزهم حتى يقابل كل بما يستحقه، فكأنه قيل: اشترى منهم ذلك بماذا؟ فقيل: {يقاتلون في سبيل الله} أي الملك الأعلى بسبب دينه الذي لا يرضي غيره، قتالاً يكون الدين محيطاً به وظرفاً، فلا يكون فيه شائبة لغيره؛ ثم سبب عن ذلك ما هو حقيق به، فقال: {فيقتلون و يقتلون} أعم من يكون ذلك بالقوة أو بالفعل، فيخصهم بالجنة كما وعدهم، وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أمدح، لأن من طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى: فطلبوا أن يكونوا مقتولين فقتلوا أقرانهم، ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون المعنى أنهم يقاتلون بعد رؤية مصارع أصحابهم من غير أن يوهنهم ذلك، وعن بعض الأعراب أنه لما سمع هذه الاية قال: بيع والله مربح! لا نقيل ولا نستقيل، فخرج إلى الغزو فاستشهد. ولما كان القتل لكونه سبباً للجنة بشارة ووعداً، أكد ذلك بقوله: {وعداً} وزاده بحرف الإيجاب فقال: {عليه } وأتم التأكيد بقوله: {حقاً} ولما أكد هذه المبايعة الكريمة هذه التأكيدات العظيمة، زاد ذلك بذكره في جميع الكتب القديمة فقال: {في التوراة} كتاب موسى عليه السلام {والإنجيل} كتاب عيسى عليه السلام {والقرآن} أي الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير، وهؤلاء المذكورون في هذه السورة كلهم ممن ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان، ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من أقوالهم ومساوىء أفعالهم فعل الكاذب في دعواه أو الشاك أعم من أن يكون كذب بالآخرة المشتملة على الجنة أو يكون شك في وعد الله بإيراثهم إياها أو بتخصيصهم بها، وجوز أن يدخلها غيرهم وطمع أن يكون هو ممن يدخلها مع التكذيب، والله تعالى منزه عن جميع ذلك وهو وفي بعهده {ومن} أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول فيه على طريق الاستفهام الإنكاري: من {أوفى بعهده من الله} أي الذي له جميع صفات الكمال لأن الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق. ولما كان ذلك سبباً للتبشير، لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه، قال مهنئاً لهم: {فاستبشروا} أي فأوجدوا في نفوسكم غاية البشر يا معاشر المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد يدل على التأكيد، ذكره في آخر بلفظ يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء فقال: {ببيعكم الذي بايعتم} أي أوقعتم المبايعة لله {به} فإنه موفيكم لا محالة فذلك هو الأجر الكريم {وذلك} أي إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها {هو} أي خاصة لا غيره {الفوز العظيم*} فالحاصل أن هذه الآية واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس والمال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير‏} ‏ قال‏:‏ هذا مسجد قباء ‏ {‏أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار‏} ‏ قال‏:‏ هذا مسجد الضرار‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال‏:‏ مسجد الرضوان أول مسجد بني بالمدينة في الإِسلام. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ حديث : لما أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسسه على التقوى كان كلما رفع لبنة قال "‏اللهمَّ إن الخير خير الآخرة‏. ثم يناولها أخاه، فيقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي اللبنة منتهاها، ثم يرفع الأخرى فيقول‏:‏ اللهمَّ اغفر للأنصار والمهاجرة، ثم يناولها أخاه، فيقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي اللبنة منتهاها‏"‏ . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم‏} ‏ قال‏:‏ بنى قواعده في نار جهنم‏. وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏فانهار به في نار جهنم‏} ‏ قال‏:‏ والله ما تناهى أن وقع في النار، ذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرؤي منها الدخان‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏فانهار به في نار جهنم‏}‏ قال‏:‏ مسجد المنافقين انهار فلم يتناه دون أن وقع في النار‏.‏ ولقد ذكر لنا‏:‏ إن رجالاً حفروا فيه فرأوا الدخان يخرج منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فانهار به في نار جهنم‏}‏ قال‏:‏ فمضى حين خسف به‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة‏.‏ أنه لا يزال منه دخان يفور لقوله ‏ {‏فانهار به في نار جهنم‏} ‏ ويقال‏:‏ إنه بقعة في نار جهنم‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال‏:‏ في قراءة عبدالله بن مسعود ‏"‏فانهار به قواعده في نارجهنم" ‏‏يقول‏:‏ خر من قواعده في نار جهنم.

ابو السعود

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} على بناء الفعلِ للفاعل والنصبِ، وقرىء على البناء للمفعول والرفعِ وقرىء أُسسُ بنيانِه على الإضافة جمع أساس، وإءَساسُ بالفتح والكسر جمع أُسّ وقرىء أَساسُ بنيانِه جمع أُس أيضاً وأُسُّ بنيانِه، وهي جملةٌ مستأنفة مبـينةٌ لخيرية الرجالِ المذكورين من أهل مسجد قُباء والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي أبعدَ ما عَلِمَ حالَهم: مَنْ أسّس بنيانَ دينِه {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} أي على قاعدةٍ محكمة هي التقوى من الله وابتغاءُ مرضاتِه بالطاعة، والمرادُ بالتقوى درجتُها الثانية التي هي التوقّي عن كل ما يُؤثِمَ من فعل أو ترك، وقرىء تقوىً بالتنوين على أن الألف للإلحاق دون التأنيث {خَيْرٌ أَمِّن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} تركُ الإضمار للإيذان باختلاف البُنيانين ذاتاً مع اختلافهما وصفاً وإضافةً {عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} الشفا الحَرْف والشفير والجُرُف ما جرفه السيلُ أي استأصله واحتفَر ما تحته فبقىَ واهياً يريد الانهدام، والهارُ الهائرُ المتصدِّعُ المشرِفُ إلى السقوط من هار يهورُ ويهار أو هار يهير قُدّمت لامُه على عينه فصار كغازٍ ورامٍ وقيل: حذفت عينه اعتباطاً أي بغير موجب فجرى وجوهُ الإعرابِ على لامه {فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} مثّل ما بنَوا عليه أمرَ دينِهم في البُطلان وسرعةِ الانطماسِ بما ذُكر ثم رشّح بانهياره في النار، ووُضع بمقابلة الرضوانِ تنبـيهاً على أن تأسيسَ ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى الرضوان ومقتضياتِه التي أدناها الجنةُ وتأسيسَ هذا على ما هو بصدر الوقوعِ في النار ساعةً فساعة ثم مصيرُهم إليها لا محالة. وقرىء جُرْف بسكون الراء {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في غير مواضِعها أي لا يُرشدهم إلى ما فيه نجاتُهم وصلاحُهم إرشاداً موجباً له لا محالة، وأما الدلالةُ على ما يرشدهم إليه إن استرشدوا به فهو متحققٌ بلا اشتباه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} [الآية: 109]. قال أبو تراب النخشى: من كان ابتداء إرادته على الصحة والسلامة من هواجس نفسه بلغ إلى الرضوان الأكبر والمقام الأرفع، قال الله: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: على تقوى من الله لا من نفسه يكون الله أصل ذلك التقوى.

القشيري

تفسير : المريدُ يجب أن يؤسِّسَ بنيانَه على يقينٍ صادقٍ فيما يعتقده، ثم على خلوص في العزيمة ألا ينصرِفَ قبل الوصولِ عن الطريق الذي يسلكه، ثم على انسلاخه عن جميع مُناه وشهواتِه، ومآرِبه ومطالبِه، ثم يبني أَمْرَه على دوام ذِكْرِه بحيث لا يعترِضُه نِسيان، ثم على ملازمة حق المسلمين وتقديم مصالحهم... بالإيثار على نفسه. والذي ضَيَّع الأصولَ في ابتدائه حُرِمَ الوصول في انتهائه، والذي يَحْكِمُ الأساسَ في بنائِه سَقَطَ السَّقْفُ على جدرانه.

اسماعيل حقي

تفسير : {أفمن اسس بنيانه} جملة مستأنفة مبينة لخيرية الرجال المذكورين من اهل مسجد الضرار وهمزة الاستفهام للانكار والفاء للعطف على مقدر. والتأسيس احكام اس البناء وهو اصله والبنيان مصدر كالغفران اريد به المفعول اى المبنى. والمعنى ابعد ما علم حالهم فمن اسس بنيان مسجده اذ الكلام فيه ويؤيده اسس على التقوى. وقال الكاشفى [آيا هر كس اساس افكند بناى دين خودرا] {على تقوى من الله} المراد بالتقوى درجتها الثانية التى هى التقوى عن كل ما يؤثم من فعل او ترك فيكون غير منصرف كحبلى فلا تنوين فيه اذا. وقرئ بالتنوين على ان يكون الفه للالحاق كالف ارطى {ورضوان} وطلب مرضاته بالاشتغال بالطاعة {خير} اطلاق خير على معتقد اصحاب مسجد الضرار من اعتقاد الاشتراك فى الخيرية {أم من اسس بنيانه} والمعنى أى الفريقين خير واحق بالمصاحبة والصلاة معهم من اسس بناء مسجده مريدا به تقوى الله وطاعته وهم اهل مسجد قبا ام من اسس بنيان مسجده على النفاق والكفر وتفريق المؤمنين وارصاد كافر شأنه كيد المسلمين وتوهين امر الدين وترك الاضمار للايذان باختلاف البنيانين ذاتا واختلافهما وصفا واضافة {على شفا جرف هار} شفا الشئ بالقصر طرفه وشفيره وتثنيته شفوان والجرف بالضم والاسكان وهما لغتان الارض التى جرفت السيول اصلها اى حفرته واكلته والهارى المتصدع المشرف على السقوط يقال هار الجرف يهور او يهير اذا انشق من خلفه وهو ثابت بعد مكانه فهو هائر فهارى مقلوب هاير نقلت لامه الى مكان العين كما فعل فى شاك اصله شايك فصار هارى فاعل كقاضى. قال ابو البقاء اصله هاور اوهاير ثم اخرت عين الكلمة فصارت بعد الراء وقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت لسكونها وسكون التنوين فوزنه بعد القلب فالع وبعد الحذف قال وعين الكلمة واو اوياء يقال تهور البناء وتهير {فانهار فى نار جهنم} يقال هار البناء هدمه فالانهار والانهيار [ريهيده شدن] كما فى تاج المصادر وفاعل انهار ضمير البنيان وضميربه للمؤسس البانى اى تساقط بنيانه وتناثر به اى بصاحبه فى النار. قال قتادة ذكر لنا انه حفرت بقعة من مسجد الضرار فرؤى الدخان يخرج منها. وقال جابر بن عبد الله رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار. قال الحدادى كما ان من بنى على جانب نهر صفته ما ذكرنا انهار بناؤه فى الماء فكذلك بناء اهل النفاق مسجد الشقاق كبناء على جرف جهنم يهور بأهله فيها {والله لا يهدى القوم الظالمين} اى لانفسهم او الواضعين للاشياء فى غير موضعها اى لا يرشدهم الى ما فيه نجاتهم وصلاحهم ارشادا موصلا لا محالة واما الدلالة على ما يرشدهم اليه ان استرشدوا به فهو متحقق بلا اشتباه. والظلم فى الحقيقة وضع عبادة الدنيا ومحبتها والحرص فى طلبها فى موضع عبادة الله تعالى ومحبته والصدق فى طلبه

الطوسي

تفسير : قرأ نافع وابن عباس {أسس بنيانه} بضم الهمزة وكسر السين ورفع النون من بنيانه في الموضعين جميعاً. الباقون بفتح الهمزة ونصب النون من بنيانه. وقرأ ابن عامر الا الداحوني عن هشام وحمزة وخلف وأبوا بكر الا الاعشى والبرجمي {جرف} بسكون الراء. الباقون بضمها. وقرأ ابو عمرو والكسائي والداحوني عن ابي ذكوان وهبة الله عن حفص من طريق النهرواني والدوري عن سليم من طريق ابن فرج وابو بكر الا الأعشى والبرجمي {هار} بالامالة. وافقهم على الوقف علي بن مسلم وابن غالب ومحمّد في الوقف من طريق السوسي من طريق ابن جيش. قال ابو علي الفارسي: البنيان مصدر، وهوجمع كشعير وشعيرة لأنهم قالوا في الواحد بنيانة قال أوس: شعر : كبنيانة القري موضع رحلها وآثار نسعيها من الدف أبلق تفسير : وجاء بناء المصادر على هذا المثل في غير هذا الحرف نحو الغفران وليس بنيان جمع بناء، لأن فعلاناً اذا كان جمعاً نحو كثبان وقضبان لم تلحقه تاء التأنيث، وقد يكون ذلك في المصادر، نحو: أكل وأكلة وضرب وضربة من ذلك. وقال ابو زيد يقال: بنيت أبني بنياً وبناء وبنية وجمعها البنى وأنشد: شعر : بنى السماء فسواها ببنيتها ولم تمد باطناب ولا عمد تفسير : فالبناء والبنية مصدران ومن ثم قوبل به الفراش في قوله {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء } تفسير : فالبناء لما كان رفعاً للمبني قوبل به الفراش الذي هو خلاف البناء. ومن ثم وقع على ما كان فيه ارتفاع في نصبته وان لم يكن مبنياً فأما من فتح الهمزة وبنى الفعل للفاعل، فلأنه الباني والمؤسس فأسند الفعل اليه وبناه له كما اضاف البنيان اليه في قوله {بنيانه} فكما ان المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك يكون الفعل مبنياً له. ومن بنى الفعل للمفعول لم يبعد ان يكون في المعنى كالاول، لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنائه هو له. والأول أقوى لما قلناه. وقال ابو علي (الجرف) - بضم العين - هو الأصل، والاسكان تخفيف ومثله الشغل والشغل. ومثله الطنب والطنب. والعنق والعنق، يجوز في جميعه التثقيل والتخفيف. وكلاهما حسن وقال ابو عبيدة {على شفا جرف هار} مثل، قال: لأن ما يبنى على التقوى فهو أثبت أساساً من بناء يبنى على شفا جرف ويجوز ان تكون المعادلة وقعت بين البنائين، ويجوز أن تكون بين البناءين. فاذا عادلت بين البنائين كان المعنى المؤسس بنيانه متقناً خير ام المؤسس بنيانه غير متقن لأن قوله {على شفا جرف} يدل على أن بانيه غير متق لله. ويجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف كأنه قال: أبناء من أسس بنيانه على تقوى خير أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف. والبنيان مصدر يراد به المبني، كما أن الخلق يراد به المخلوق إذا أردت ذلك، وضرب الامير اذا اردت به المضروب. وكذلك نسج اليمن يراد به المنسوج، فانما قلنا ذلك لأنه لا يجوز أن يراد به الحدث، لأنه إنما يؤسس المبني الذي هو عين. يبين ذلك قوله {على شفا جرف} والحدث لا يكون على شفا جرف. والجار في قوله {على تقوى} وفي قوله {على شفا جرف} في موضع نصب، والتقدير افمن اسس بنيانه متقياً خير ام من اسس بنيانه معاقباً على بنيانه، وفاعل (انهار) البنيان، وتقديره انهار البنيان بالباني في نار جهنم، لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضّرار والكفر والتفريق بين المؤمنين. ومن أمال {هار} فقد أحسن لما في الراء من التكرير فكأنك لفظت براءين مكسورتين وبحسب كثرة الكسرات تحسن الامالة. ومن لم يمل فلأن كثيراً من العرب لا يميلون هذه الألفات. وترك الامالة هو الأصل. وأما ألف {هار} فمنقلبة عن الواو، لأنهم قالوا: تهوّر البناء إذا تساقط وتداعى، والانهيار والانهيال متقاربان في المعنى. والالف في قوله {أفمن} الف استفهام يراد بها - ها هنا - الانكار ومعنى {خير} في الآية أفضل، وليس فيه إشتراك، يقولون: هذا خير، وهذا شر، ولا يراد به (أفعل من) قال الشاعر: شعر : والخير والشر مقرونان في قرن فالخير متبع والشر محذور تفسير : وأما قوله: وافعل الخير معناه افعلوا الأفضل. و (الشفا جرف) الشيء وشفيره وجرفه نهايته في المساحة ويثنى شفوان، والجرف جرف الوادي وهو جانبه الذي ينحفر بالماء أصله فيبقى واهياً، وهو من الجرف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله. ومعنى (انهار) انصدع بالتهدم هار الجرف يهور هوراً فهو هائر وتهور تهوراً وانهار انهياراً، ويقال ايضاً: هار يهار، وأصل هار هائر إلا انه قلب كما قال الشاعر: شعر : لاث به الأشاء والعبري تفسير : اي لائث بمعنى دائر، ومثله شاك في السلاح وشائك والاشاء النخل، والعبري السدر الذي على ساقي الأنهار، ومعنى لاث أي مطيف به. شبه الله تعالى بنيان هؤلاء المنافقين مسجد الضرار ببناء يبنى على شفير جهنم فانهار ذلك البناء بأهله في نار جهنم، ووقع فيه. وروي عن جابر بن عبد الله انه قال: رأيت المسجد الذي بني ضراراً يخرج منه الدخان، وهو قول ابن جريح.

الجنابذي

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} بنيان وجوده {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} من الله عطف على محذوف مستفادٍ من سابقه والهمزة والفاء على التّقديم والتّأخير او على تقدير المعطوف عليه بينهما تقديره امسجد اسّس على التّقوى خير ام مسجد اسّس على النّفاق فامّن اسّس بنيانه او فمن اسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوانٍ خير {أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ} الجرف جانب الوادى الّذى تجرفه السّيول وتذهب بتراب اصله فتنشقّ والشّفا شفيره {هَارٍ} اصله هائر وهور وهو المنشقّ المشرف على السّقوط {فَٱنْهَارَ بِهِ} اسقط اى البنيان او من اسّس النبيان {فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال فمن اسّس بنيانه على شفير جهنّم ظالم والله لا يهدى القوم الظّالمين. اعلم، انّ النّفس الانسانيّة فى اوّل الخلقة ليس لها الاّ فعليّة الجماد ثمّ تتدرّج الى فعليّة النّبات ثمّ الى فعليّة مراتب الحيوان من مراتب الخراطين الى مراتب البهيميّة والسّبعيّة، ثمّ الى فعليّة الشّيطانيّة، ثمّ الى فعليّة الانسانيّة فى الجملة، وهى مقام تميزها للخير والشّرّ العقليّين فى الجملة فى اوّل مراتب البلوغ والتّكليف وحينئذٍ تقع برزخاً بين عالم الجنّة والشّياطين وفيه جهنّم ونيرانها، وبين عالم الملائكة بمراتبها وفيه الجنان ونعيمها وروحها وريحانها، والانسان فى هذا المقام ليس الاّ قابلاً صرفاً يتصرّف فيه الشّياطين ويجذبونه الى السّفل والى عالمهم ويتصرّف فيه الملائكة ويجذبونه الى العلو والى عالمهم وله القوّة والاستعداد للسير على مراتب السّفل والاتّصاف بها وعلى تمام مراتب العلو والاتّصاف بها، فان ساعده التّوفيق وادرك ببصريته شروره وانّ جذب الشّياطين له ليس الاّ الى دار الشّرور واتّقى ذلك ولم ينصرف الى ما اقتضيه القوّة الشّيطانيّة والسّبعيّة والبهيميّة، بل كان على حذرٍ من ذلك وقام فى مقام الانسانيّة متدرّجاً فى مراتبها فقد اسّس دار وجوده وتعيّشه على تقوى من لوازم سخط الله وهى مقتضيات القوى المذكورة، وان ادراكه خذلان الله العياذ بالله، وانصرف عن مقام الانسانيّة وانجذب بوسوسة الشّيطان الى مقام القوى المذكورة وهو اقرب مقاماته الى العالم السّفلىّ الّذى فيه جهنّم وقام فى هذا المقام الّذى هو اضعف مراتبه واوهنها فقد اسّس دار وجوده وتعيّشه على اوهن مقاماته الّذى اذا انهدم سقط فى جهنّم.

الهواري

تفسير : قوله: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} يقول: لا يكونون بالظلم مهتدين عند الله، وهو ظلم النفاق، وهو ظلم دون ظلم، وظلم فوق ظلم. أي إن الذي أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير من الآخر. قال بعضهم: ما تناهى أن وقع في النار. وذكر لنا أنهم حفروا فيه بقعه فَرِىءَ منها الدخان. وقال الحسن: شبه الله أعمال المنافقين مثل إنسان بنى على الرمل فانهار، فلم يثبت البناء عليه. وكذلك أعمال المنافقين لا تثبت عند الله لأنها ليس لها أصل تثبت به، فانهارت لهم أعمالهم في نار جهنم. وبعضهم يقرأها بالنصب: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ}، بالنصب جميعاً، {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ}. قوله: { لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوا رِيبَةً} أي: شكا { فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي: إلا أن يموتوا. أخبر أنهم يموتون على النفاق. { وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي: عليم بخلقه، حكيم في أمره.

اطفيش

تفسير : {أفَمنْ أسَّسَ بُنْيانهُ} وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائى وجماعة ببناء أسس للفاعل، ونصب بنيان فى الموضعين، وعن عمارة بن ضياء: أنه قرأ الأول على بناء المفعول، والثانى على بناء الفاعل، وقرأ نصر بن على: أفمن أسس بنيانه بضم الهمزة والسين، والاضافة إلى البنيان، ورويت عن نصر بن عاصم، وعنه أسس بنيانه بضم الهمزة والسين جمع أساس كقذال وقذل، وعنه أسس بفتح الهمزة والسين الأولى، وضم الثانية مخفف من أساس بالألف، كما روى عنه، وعن أبى حيوة أساس بألف قيل: إنه جمع، وعن نصر بن على آساس بمد الهمزة جمع آس، وقرىء إساس بكسر الهمزة، قيل: إنه جمع وذلك كله فى الموضعين مع جر البنيان بالإضافة. {عَلَى تَقْوى مِنَ الله} وقرأ عيسى بن عمرو بتنوين تقوى، على أن ألفه للإلحاق بجعفر، ومن منع تنوينه فعلى أن ألفه للتأديب، قال ابن هشام: قال أبو البقاء: على تقوى حال، أى على قصد التقوى، أو متعلق بأسس، وهذا الوجه الذى أخره هو المعتمد عندى لتعينه فى {أية : لمسجد أسس على التقوى} تفسير : {ورِضْوانٍ} منه. {خَيرٌ} اسم تفضيل، ووجهه أن من أسس بنيانه على شفا جرف كان يعتقد فيه منفعة، بل يدعى أنه أفضل {أمْ مَن أسَّس بُنْيانهُ} البنيان فى الأصل مصدر كالطغيان والغفران، ثم جعل اسما المبنى {عَلَى شَفَا} جانب، وشفا كل شىء جانبه المشرف {جُرُفٍ} وقرأ ابن عامر، وأبو بكر، وحمزة بإسكان الراء وهو لغة، وقيل: مخفف من المضموم، وعن عاصم روايتان، والجرف ما أكل الماء أو غيره ماء تحته فهو إلى السقوط قريب. {هَارٍ} بالإمالة، وأخلص ابن كثير، وحمزة، وحفص، وهشام، والأخفش الفتح، وقرأ ورش بين بين وهو المتصدع الذى أشرف على التهدم، حتى أنه لا يمكن تماسكه، وهو من هار يهور أو هار يهير، أو هار يهار كخاف يخاف اسم فاعل كقائل أو بائع، قدمت لامه وهو الراء على عينه فعمل به كداع وقاض، فوزنه، فال، وقيل: إن عينه محذوفة فتطرفت تخفيفا، فعلى هذا الوجه أيضا وزنه فال، لكنه كعرب على الرأى بخلاف الأول، وقيل: المحذوف ألف فاعل، والموجودة هى بدل الأصل الذى هو عين الكلمة، فوزنه فعل بفتح الفاء وكسر العين، أصله هور أو هير، قلبت الواو أو الياء ألفا لتحركها بعد فتح، فهو أيضا يعرب على الرأى. {فانْهَار} أى بناينه {بِهِ} أو انهار هو بنيانه، أى سقط سقوطا عظيما معه، أو سقط حال كونه به أى فيه لضعفه وقلة تماسكه {فى نَارِ جَهنَّم} مَنْ أسس بنيانه على التقوى والرضوان هم المؤمنون، وبنيانه مسجد قباء، وقيل: مسجد المدينة، ومن أسس بنيانه على شفا جرف هار هم أهل مسجد الضرار، وقرأ ابن مسعود: فانهارت به قواعده، وكذا فى مصحفه، وذلك عندى استعارة تمثيلية، فهو مجاز مركب، وهى الكلام المستعمل فيها شبه بمعناه الأصلى تشبيه التمثيل للمبالغة، وتشبيه التمثيل وما وجهه منتزع من متعدد. قال السعد: حاصل المجاز المركب الاستعارى أن تشبه إحدى الصورتين المنتزعتين من متعدد بالأخرى، ثم تدعى أن الصورة المشبهة من جنس الصورة المشبه بها، فتطلق على الصورة المشبهة اللفظ الدال بالمطابقة، وعلى الصورة المشبهة بها، بيان ذلك هنا أن قوله: {أفمن أسس} إلى قوله: {فى نار جهنم} كلام مشتمل على عطف وفضلات، ومعناه الأصلى هو حقيقة صاحب البناء بنحو الحجر والطين، وحقيقة صاب البناء بنحوهما فى موضع مشرف على الوقوع، واستعمل هذا فى معنى يشبه هذا المعنى الأصلى، وهو بناء الدين على أمر نافع صحيح، وبناءه على أمر ضار باطل، وهذا المعنى صورة مستنزعة من متعدد هو الدين وتأسيسه على نافع صحيح، والدين وبناؤه على باطل ظاهر. والمعنى: الأصل أيضا صورة أخرى منتزعة من متعدد كما ترى، وهذا المتعدد البناء وتأسيسه، والبناء الآخر وكونه على شفا جرف هار، وشبهت تلك الصورة بهذه، وذكر التقوى والرضوان تجريد، لأنه يناسب المشبه، والانهيار فى نار جهنم، ترشيح، لأنه يناسب المشبه به، هذا ما ظهر لى، فانظر شرحى على شرح عصام الدين، ووجه الشبه فى الشق الأول مطلق الثبات والانتفاع، وفى الثانى مطلق البطلان، وسرعة الذهاب والضر، وجعل الانهيار فى نار جهنم فى مقابلة الرضوان، لأن رضا الله يحفظ عنها، ويوصل إلى الجنة. وعن الحسن: شبه الله أعمال المنافقين بالبناء على الرمل المنهار، لا تثبت عند الله، وعن قتادة: والله ما تناهى بناؤهم حتى وقع فى النار، وعليه فالتأسيس على شفا جرف هار، والانهيار فى نار جهنم حقيقان، وكذا قال ابن جريج. وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه حين انهار حتى بلغ الأرض السابعة ففزع، وعن جابر بن عبد الله وغيره: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا رأى خلف بن ياسين، وابن جريج فى زمان أبى جعفر المنصور، وروى أن بقعة حفرت منه فرأى الدخان يخرج منها، وكان مدة صلاتهم فيه فى قرب الخروج إلى تبوك إلى الرجوع، وقيل: أكملوه يوم الجمعة، وصلوا فيه الجمعة وليلة السبت، وانهار يوم الاثنين وهو ضعيف. {واللهُ لا يَهْدى} إلى ما فيه النجاة {القَومَ الظَّالمينَ} أى سبقت شقاوته ممن ظلمه نفاق أو شرك، أو أراد هؤلاء فوضع الظاهر موضع المضمر، ليذكر أنهم ظلموا أنفسهم بما استوجبوا به ذلك.

اطفيش

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ} هم أَهل قباءَ الهمزة مما بعد الفاءِ العاطفة أَو داخلة معطوف عليه محذوف أَمستو عندهم الفريقان بل من أَسس إِلخ، أو أَبعد ما علم حالهم تكون الجهالة. {بُنْيَانَهُ} أَى مبناه، وهو مسجد قباءَ مصدر بمعنى مفعول وهو المسجد لتقدم الكلام فيه {عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ} متعلق بتقوى لتضمنه معنى خوف أَو بنعت محذوف أَى آتية من الله. {وَرِضْوَانٍ} أَى وعلى رجاءِ رضوان أَو على نفس الرضوان لأَنه العمدة الموصلة إلى بنائِه وهو توفيقه أَو علمه أَو طلب رضاه بالطاعة، والتقدير ورضوان منه أَى من الله كما قال على تقوى من الله {خَيْرٌ أَم مَّنْ} هم أَهل مسجد الضرار {أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} مسجد الضرار عطف على من أَسس بنيانه عطف مفرد ففى خير ضمير من فى الموضعين أَو يقدر أَو من أَسس بنيانه {عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} خبر فيكون عطف جملة وفى خير ضمير من الأُولى فقط، وخير مقابل السوءِ أَو اسم تفضيل خارج عنه أَو باق على حد ما مر فى أَحق وشفا طرف، والمراد الضلال مقابلة لقوله على تقوى وهو متعلق بأَسس والجرف الجانب أَى جانب ما ذهب به السيل أَو غيره وبقى ضعيفا مائلا للسقوط، ويقال: جرفه السيل وشفى المريض وكان على طرف من البرءِ، وهار أَلفه عن واو أَو عن ياءٍ لغتان أَصله هور أَو هير ـ بكسر الواو والياء قلبت فاء ـ آخره الراء بدليل قوله فانهار لا كما قيل أَصله هارو أَو هارى أَعل كقاض فأُعرب على العين كيد وأَخ، ولا كما قيل لامه وهى واو أَو باءٌ على عينه ثم حذفت فأَعرب على العين لأَن ذلك كله خلاف الأَصل، ومعنى هار مشرف على السقوط، وضمير انهار للبيان، وبه لمن أَو ضمير انهار للجرف أَو الشفا وبه للبنيان أَو لمن، وانهار انفعل بمعنى سقط، والياء للتعدية أَى فاهاره فى نار جهنم، أَو للمصاحبة فتعلق بانهار، أَو الحال، واختير عود ضمير انهار لجرف لأَنه يلزم من انهياره انهيار الشفا والبنيان ومن فيه بلا عكس، ومسجد الضرار بنى على طرف هوة توصل لنار جهنم، وقد ورد أَن الدخان يخرج من اَساسه حين حفروه يرونه، وبعد هدمه ما زال الدخان يخرج منه، وحفرت بقعة منه فرأَى الدخان يخرج منه، وعن قتادة والله ما تناهى بناؤُهم حتى وقع فى النار، قال جابر بن عبدالله: رأَيت الدخان يخرج من مسجد الضرار، وشهر أَن البنيان فى الموضعين الدين، شبه النفاق بشفا جرف فى سرعة الذهاب واستعار له اسم الشفا والقرينة مقابلة التقوى، وانهار ترشيح لأَنه يلائِم المشبه به وهو الشفا، وشبه التقوى والرضوان بما يتعمد عليه البناء ورمز إِليه بلازمه وهو التأْسيس باقياً على حقيقته مستحلقاً أَو استعارة للإِثبات أَو البنيان استعارة للدين والتأْسيس ترشيح. أَو شبه حال من اتقى المحارم وداوم على العبادة بحال من بنى بنياناً مقوياً به فتكون الاستعارة تمثيلية وهى أَولى {وَاللهُ لاَ يَهْدِى} هداية توفيق بعد هداية البيان {الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين سبقت شقاوتهم.

الالوسي

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} أي مبنيه فهو مصدر كالغفران واستعمل بمعنى المفعول، وعن أبـي علي أن البنيان جمع واحده بنيانة ولعل مراده أنه اسم جنس جمعي واحده ما ذكر وإلا فليس بشيء، والتأسيس وضع الأساس وهو أصل البناء وأوله، ويستعمل بمعنى الإحكام وبه فسره بعضهم هنا، واختار آخرون التفسير الأول لتعديه بعلى في قوله سبحانه: {عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ} فإن المتبادر تعلقه به، وجوز تعلقه بمحذوف وقع حالاً من الضمير المستكن في {أَسَّسَ} وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى، والمراد من الرضوان طلبه بالطاعة مجازاً وإن شئت قدرت المضاف ليكون المتعاطفان من أعمال العبد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر كما قالوا في نظائره أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس بنيانه على تقوى وخوف من الله تعالى وطلب مرضاته بالطاعة {خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ} أي طرفه، ومنه أشفى على الهلاك أي صار على شفاء وشفى المريض لأنه صار على شفا البرء والسلامة ويثنى على شفوان. والجرف بضمتين البئر التي لم تطو، وقيل: هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية لجرف الماء له أي أكله وإذهابه. وقرأ أبو بكر وابن عامر وحمزة {جُرُفٍ} بالتخفيف وهو لغة فيه {هَارٍ} أي متصدع مشرف على السقوط وقيل ساقط؛ وهو نعت لجرف وأصله هاور أو هاير فهو مقلوب ووزنه فالع، وقيل: إنه حذفت عينه اعتباطاً فوزنه قال، والإعراب على رائه كباب، وقيل: إنه لا قلب فيه ولا حذف وأصله هور أو هير على وزن فعل بكسر العين ككتف فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفاً، والظاهر أنه وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى فيما سبق، وفيه استعارة تصريحية تحقيقية حيث شبه الباطل والنفاق بشفا جرف هار في قلة الثبات ثم استعير لذلك والقرينة المقابلة. وقوله تعالى: {فَٱنْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ} ترشيح، وباؤه إما للتعدية أو للمصاحبة، ووضع في مقابلة الرضوان تنبيهاً على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه مما يخاف ويوصله إلى ما أدنى مقتضياته الجنة، وتأسيس هذا على ما هو بصدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم المصير إليها لا محالة، والاستعارة فيما تقدم مكنية حيث شبهت فيه التقوى بقواعد البناء تشبيهاً مضمراً في النفس ودل عليه ما هو من روادفه ولوازمه وهو التأسيس والبنيان. واختار غير واحد أن معنى الآية أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة هي التقوى وطلب الرضا بالطاعة خير أم من أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها فأدى به ذلك لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار، وإنما اختير ذلك على ما قيل لما أنه أنسب بتوصيف أهل مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر والتفريق والإرصاد وتوصيف أهل مسجد التقوى بأنهم يحبون أن يتطهروا بناء على أن المراد التطهير عن المعاصي والخصال المذمومة لأنه المقتضي بزعم البعض لمحبة الله تعالى لا التطهير المذكور في الأخبار، وأمر الاستعارة على هذا التوجيه على طرز ما تقدم في التوجيه الأول، وجوز أن يكون في الجملة الأولى تمثيل لحال من أخلص لله تعالى وعمل الأعمال الصالحة / بحال من بنى بناء محكماً يستوطنه ويتحصن به، وان يكون البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيحاً أو تبعية وكذا جوز التمثيل في الجملة الثانية وإجراء ذلك فيها ظاهر بعد اعتبار إجرائه في مقابله، وفاعل {أَنْهَارٌ} إما ضمير البنيان وضمير {بِهِ} للمؤسس وإما للشفا وضمير ـ به ـ للبنيان وإليه يميل ظاهر التفسير المار آنفا. وظاهر الأخبار أن ذلك المسجد إذا وقع وقع في النار. فقد أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال في الآية: والله ما تناهى أن وقع في النار، وذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرئي منه الدخان. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي أنه قال فيها: مضى حين خسف به إلى النار. وعن سفيان بن عيينة يقال: إنه بقعة من نار جهنم. وأنت تعلم أني والحمد لله تعالى مؤمن بقدرته سبحانه على أتم وجه وأنه جل جلاله فعال لما يريد لكني لا أومن بمثل هذه الظواهر ما لم يرد فيها خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ نافع وابن عامر {أسس} بالبناء للمفعول في الموضعين، وقرىء {أساس بنيانه} و {أس بنيانه} على الإضافة ونسب ذلك إلى علي بن نصر {وأسس} بفتحات ونسبت إلى عاصم و {إساس} بالكسر، قيل: وثلاثتها جمع أس وفيه نظر، ففي الصحاح الأس أصل البناء وكذلك الأساس والأسس مقصور منه وجمع الأس إساس مثل عُس وعِساس وجمع الأساس أسس مثل قذال وقُذُل وجمع الأسس أساس مثل سبب وأسباب انتهى. وجوز في أسس أن يكون مصدراً. وقرأ عيسى بن عمرو {وتقوى} بالتنوين، وخرج ذلك ابن جنى على أن الألف للإلحاق كما في أرطى ألحق بجعفر لا للتأنيث كألف تترى في رأي وإلا لم يجز تنوينه. وقرأ ابن مسعود {فانهار به قواعده في نار جهنم}. {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في غير مواضعها أي لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم إرشاداً موجباً له لا محالة.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على قوله: {أية : لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه}تفسير : [التوبة: 108] لزيادة بيان أحقية المسجد المؤسَّس على التقوى بالصلاة فيه. وبيان أن تفضيل ذلك المسجد في أنه حقيق بالصلاة فيه تفضيل مسلوب المشاركة لأن مسجد الضرار ليس حقيقاً بالصلاة فيه بعد النهي، لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لو وقعت لأكسبت مَقصدَ وَاضعيه رواجاً بين الأمة وهو غرضهم التفريق بين جماعات المسلمين كما تقدم. والفاء مؤخرة عن همزة الاستفهام لأحقية حرف الاستفهام بالتصدير. والاستفهام تقريري. والتأسيس: بناءُ الأساس، وهو قاعدة الجدار المبني من حجر وطين أو جص. والبنيان في الأصل مصدر بوزن الغُفران والكفران، اسم لإقامة البيت ووضعه سواء كان البيت من أثواب أم من أدم أم كان من حجر وطين فكل ذلك بناء. ويطلق البنيان على المبني من الحجر والطين خاصة. وهو هنا مطلق على المفعول، أي المبني. وما صدق (من) صاحبُ البناء ومستحقه، فإضافة البنيان إلى ضمير (مَن) إضافة على معنى اللام. وشُبه القصد الذي جعل البناء لأجله بأساس البناء، فاستعير له فعل {أسس} في الموضعين. ولما كان من شأن الأساس أن تطلب له صلابة الأرض لدوامه جعلت التقوى في القصد الذي بني له أحد المسجدين، فشبهت التقوى بما يرتكز عليه الأساس على طريقة المكنية، ورُمز إلى المشبه به المحذوف بشيء من ملائماته وهو حرف الاستعلاء. وفُهم أن هذا المشبه به شيء راسخ ثابت بطريق المقابلة في تشبيه الضد بما أسس على شفاً جُرُف هار، وذلك بأن شبه المقصد الفاسد بالبناء بجرْف جُرف منهار في عدم ثبات ما يقام عليه من الأساس بله البناء على طريقة الاستعارة التصريحية. وحرف الاستعلاء ترشيح. وفرع على هذه الاستعارة الأخيرة تمثيل حالة هدمه في الدنيا وإفضائه ببانيه إلى جهنم في الآخرة بانهيار البناء المُؤسس على شفَا جُرف هارَ بساكنه في هوّة. وجعل الانهيار به إلى نار جهنم إفضاء إلى الغاية من التشبيه. فالهيئة المشبهة مركبة من محسوس ومعقول وكذلك الهيئة المشبه بها. ومقصود أن البنيان الأول حصل منه غرض بانيه لأن غرض الباني دوام ما بناه. فهم لما بنوه لقصد التقوى ورضى الله تعالى ولم يُذكر ما يقتضي خيبتهم فيه كما ذُكر في مقابله عُلم أنهم قد اتقوا الله بذلك وأرضوه ففازوا بالجنة، كما دلت عليه المقابلة، وأن البنيان الثاني لم يَحصل غرضُ بانيه وهو الضرار والتفريق فخابوا فيما قصدوه فلم يثبت المقصد، وكان عدم ثباته مفضياً بهم إلى النار كما يفضي البناء المنهار بساكنه إلى الهلاك. والشَّفا ـــ بفتح الشين وبالقصر ـــ: حرف البئر وحرف الحفرة. والجُرف ـــ بضمتين ـــ: جانب الوادي وجانب الهُوة. وهارٍ: اسم مشتق من هَارَ البناءُ إذا تصدع، فقيل: أصله هَوَر بفتحتين كما قالوا خَلَف في خالف. وليست الألف التي بعد الهاء ألف فاعل بل هي عين الكلمة منقلبة عن الواو لأن الواو متحركة وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وقيل هو اسم فاعل من هار البناء وأصل وزنه هاور، فوقع فيه قلب بين عينه ولامه تخفيفاً. وقد وقع ذلك في ألفاظ كثيرة من اللغة مثل قولهم: شاكي السلاح، أصله شائِك. ورجل صاتٌ عالي الصوت أصله صائتٌ. ويدل لذلك قولهم: انهار ولم يقولوا انهرى. وهَرٍ مبالغةً في هَار. وقرأ نافع وابن عامر وحدهما فعل {أسس} في الموضعين بصيغة البناء للمفعول ورفع {بنيانُه} في الموضعين. وقرأها الباقون بالبناء للفاعل ونصب {بنيانَه} في الموضعين. وقرأ الجمهور {جُرُف} ـــ بضم الراء ـــ. وقرأه ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ ـــ بسكون الراء ـــ. وجملة: {والله لا يهدي القوم الظالمين} تذييل، وهو عام يشمل هؤلاء الظالمين الذين بنوا مسجد الضرار وغيرهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {بُنْيَانَهُ} {وَرِضْوَانٍ} {ٱلظَّالِمِينَ} (109) - لاَ يَسْتَوِي فِي عَقِيدَتِهِ، وَلاَ فِي عَمَلِهِ، مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوًى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، مَعَ مَنْ بَنَى مَسْجداً لِلضِّرَارِ وَالكُفْرِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنينَ، فَهَذَا الأَخِيرُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ يَبْنِي بُنْيَانَهُ عَلَى طَرَفِ حُفْرَةٍ فِي أرْضٍ رِخْوَةٍ فِي جَانِبِ جَهَنَّمَ، انْهَارَتْ بِهِ، وَبِبُنْيَانِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَاللهُ لاَ يَهْدِي إِلى الحَقِّ وَالعَدلِ، القَوْمَ الظَّالِمِينَ المُتَجَاوِزِينَ طَاعَةَ اللهِ. فَالإِيمَانُ ثَابِتٌ رَاسِخٌ قَوِيٌّ، وَأَهْلُهُ سُعَدَاء بِرِضْوَانِ رَبِّهِمْ، وَالبَاطِلُ مُضْمَحِلٌّ وَاهٍ سَرِيعُ الانْهِيَارِ، وَأَهْلُهُ أَشْقِيَاءُ مُتَرَدِّدُونَ حَائِرُونَ. عَلَى شَفَا جُرُفٍ - عَلَى حَرْفِ بِئْرٍ لَمْ تُبْنَ بِالحِجَارَةِ. هَارٍ - هَائِرٍ مُتَصَدِّعٍ أَوْ مُتَهَدِّمٍ. فَانْهَارَ بِهِ - فَسَقَطَ البُنْيَانُ بِالبَانِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله: {أَفَمَنْ} استفهام، وكأنه يقول: وكيف تساوون بين مسجد أسِّسَ على التقوى من أول يوم، ومسجد اتُّخِذ للضرار وللكفر ولتفريق جماعة المسلمين وإرصاداً لمن حارب الله؟ إنهما لا يستويان أبداً، وساعة يطرح الحق هذه العملية بالاستفهام فسبحانه واثق من أن عبده سيجيب بما يريد الله. وقوله الحق: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ} نجد كلمة "بنيان" وهي مصدر؛ "بنى" "بنياناً"، لكن أطلق على الشيء المبني، فنقول، إن هذا البنيان جميل، أو نقول مثلاً: إن طراز هذا البنيان فرعوني. إذن: هناك فرق بين عملية البناء وبين الشيء الذي ينشأ من هذه العملية، وكلمة البنيان اسم جنس جمعي؛ لأنه يصح أن يكون جمعاً ومفرده "بنيانة" مثلما نقول: "رمان"، ومفرده "رمانة"، و "عنب" ومفرده "عنبة"، وأيضاً "روم" مفرده "رومي" فياء النسب هنا دخلت على الجمع فجعلته مفرداً. إذن: يُفرق بين الواحد والجمع، إما بالياء وإما بالتاء. وقد حكم سبحانه بألا يصلوا في مسجد الضرار، وعليهم أن يصلوا في المسجد الآخر، وهو مسجد قباء، ثم يرد سبحانه الأمر إلى المؤمنين، ليعرفوا أن ما حكم به سبحانه هو ما تقبله العقول، وأن حكمهم يوافق حكم ربهم. ثم يقول سبحانه: {أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَٱنْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} وهنا ثلاث كلمات: شفا، وجُرف، وهَار. والشفا مأخوذ من الشَّفَة، و"الشفا" حرف الشيء وطرفه. وسكانُ سواحل البحار يعرفون أن البحار لها نحر من تحت الأرض، وتجد الماء يحفر لنفسه مساحة تحت الأرض ويترك شفة من الأرض، ولو سار عليها الإنسان لوقع؛ لأنها الطرف الذي ليس له قاعدة وأسفله مَنْحور. و"شفا جُرُف" أي طرف سينهار؛ لأنه "هارٍ" أي غير متماسك، فتكون الصورة أن الماء ينحر في الساحل، فيصنع شفة لها سطح وليس لها قاعدة تحتها، وهذه اسمها "شفا جُرُف". وقد قال القرآن في موضع آخر: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا ...} تفسير : [آل عمران: 103]. إنها الحفرة في النار، فكيف يكون شكلها؟ لا بد أنه مرعب. ونحن نعلم أنهم كانوا حين يحفرون الآبار ليأخذوا منها الماء، كانوا يضعون في جدار البئر أحجاراً تمنع ردمه؛ لأن البئر إن لم يكن له جدار من حجارة قد ينهار بفعل سقوط الرمال من على فوهته، وهكذا تمنع الأحجار أي جزء متآكل من سطح البئر من الوقوع فيه، والجزء المتآكل هو جرف هَارٍ، وهكذا كان مسجد الضرار، ينهار بمن فيه في نار جهنم. ويذيل الحق الآية: {وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} وهم كانوا ظالمين بالنفاق؛ لذلك لم يَهْدِهم الله إلى عمل الخير؛ لأن الله لا يهدي الظالم. وسبحانه يقول في أكثر من موضع بالقرآن: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [المائدة: 108]. ويقول سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 264]. ويقول عز وجل: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 258]. والهداية - كما علمنا من قبل - قسمان: هداية الدلالة، وهي لجميع الخلق ويدل بها الله الناس على طريق الخير، ولهم أن يسلكوه أو لا يسلكوه، فهم أحرار، فلله هداية شملت الجميع، وهي هداية الدلالة، أما الهداية المنفية هنا فهي هداية المعونة. ويقول الحق بعد ذلك: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} والشَّفا: الجَانبُ، والحَرفُ [من] الرَّكيةِ التي لم تَتَبينْ.

الجيلاني

تفسير : {أَفَمَنْ أَسَّسَ} ووضع {بُنْيَانَهُ عَلَىٰ} قاعدة محكمة وركن شديد، هي {تَقْوَىٰ} أي: تحفظ وتحصن {مِنَ اللَّهِ} أي: غضبه وسخطه {وَ} طلب {رِضْوَانٍ} ومثوبة عظيمة، ومنزلة رفيعة منه {خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} أي: على طرف واد جوفه السيول والأمطار فسقط البعض، وأشرف على السقوط والانهدام البعض الآخر، فوضع عليه بناءه {فَٱنْهَارَ بِهِ} وسقط معه {فِي نَارِ جَهَنَّمَ} أي: الوادي الغائر، الهائر، المملوءة من نار الحرمان والخذلان {وَٱللَّهُ} الهادي لخلَّص عباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [التوبة: 109] الخارجين عن مقتضى أوامره ونواهيه. ومن شدة غيظهم وخبث باطنهم {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ} يورث ويزيد {رِيبَةً} شكاً وريباً متزايداً {فِي قُلُوبِهِمْ} مترشحاً فيها {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} بنيران الحسرة، وتفتتت وتلاشت بأهوال العذاب إلى حيث لا يتأتى منها الإدراك {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بمخايلهم الكامنة في صدورهم {حَكِيمٌ} [التوبة: 110] في جزائها وانتقامها. ثم قال سبحانه تبشيراً للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ} المتفضل بالفضل العظيم واللطف الجسيم {ٱشْتَرَىٰ} استبدل {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} الفانية في أنفسها، المعدومة المبذولة في سبيله سبحانه في النشأة الأولى {وَأَمْوَالَهُمْ} المصروفة فيه أيضاً {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ} الباقية واللذة المستمرة الدائمة، بدلها لذلك {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أولئك المتمثلون بحكم الله، المصدقون لوعده {فَيَقْتُلُونَ} أعداءه، فيستحقون المثوبة التي وعد الغزاة المجاهدين {وَيُقْتَلُونَ} ويصلون إلى درجة الشهداء الذين هم أحياء عند الله يُرزقون من موائد أفضاله، فرحون يوعدون من عنده سبحانه {وَعْداً عَلَيْهِ} بلا خلف فيه {حَقّاً} ثابتاً مثبتاً {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} المنزلة من عنده {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ} ووفى العهود استحق {مِنَ ٱللَّهِ} الوعد الموعود {فَٱسْتَبْشِرُواْ} أي: افرحوا واربحوا أيها المؤمنون {بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} مع ربكم، بأن استبدلتم الفاني الزائل بالباقي المستمر الدائم {وَذَلِكَ} الموعود لكم {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 111] المعد لأرباب العناية.