Verse. 1345 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَا يَزَالُ بُنْيَانُھُمُ الَّذِيْ بَنَوْا رِيْبَۃً فِيْ قُلُوْبِہِمْ اِلَّاۗ اَنْ تَقَطَّعَ قُلُوْبُھُمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ۝۱۱۰ۧ
La yazalu bunyanuhumu allathee banaw reebatan fee quloobihim illa an taqattaAAa quloobuhum waAllahu AAaleemun hakeemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة» شكا «في قلوبهم إلاً أن تقطَّع» تنفصل «قلوبهم» بأن يموتوا «والله عليم» بخلقه «حكيم» في صنعه بهم.

110

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ} يعني مسجد الضرار. {رِيبَةً} أي شكا في قلوبهم ونفاقاً؛ قاله آبن عباس وقتادة والضحاك. وقال النابغة:شعر : حلفتُ فلم أترك لنفسك رِيبةً وليس وراء الله للمرء مَذْهَبُ تفسير : وقال الكلبي: حسرة وندامة؛ لأنهم ندِموا على بنيانه. وقال السُّدِّي وحبيب والمبرّد: «رِيبة» أي حزازة وغيظاً. {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} قال ٱبن عباس: أي تنصدع قلوبهم فيموتوا؛ كقوله: {أية : لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ}تفسير : [الحاقة: 46] لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين؛ وقاله قتادة والضحاك ومجاهد. وقال سفيان: إلا أن يتوبوا. عكرمة: إلا أن تقطع قلوبهم في قبورهم، وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقرؤونها: ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم. وقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم «إلى أن تقطع» على الغاية أي لا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبينوا. واختلف القراء في قوله «تَقَطّع» فالجمهور «تُقَطَّعَ» بضم التاء وفتح القاف وشد الطاء على الفعل المجهول. وقرأ ٱبن عامر وحمزة وحفص ويعقوب كذلك إلا أنهم فتحوا التاء. وروي عن يعقوب وأبي عبد الرحمن «تُقْطَع» على الفعل المجهول مخفف القاف. وروي عن شبْل وٱبن كثير «تَقْطع» خفيفة القاف «قُلُوبهم» نصباً، أي أنت تفعل ذلك بهم. وقد ذكرنا قراءة أصحاب عبد الله. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تقدم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ رِيبَةً } شكّا {فِى قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ } تنفصل {قُلُوبُهُمْ } بأن يموتوا {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ } بخلقه {حَكِيمٌ } في صنعه بهم.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {بنيانهم} عائد على المنافقين البانين للمسجد ومن شاركهم في غرضهم، وقوله {الذي بنوا} تأكيد وتصريح بأمر المسجد ورفع للإشكال، و" الريبة" الشك، وقد يسمى ريبة فساد المعتقد واضطرابه والاعتراض في الشيء والتحفظ فيه والحزازة من أجله وإن لم يكن شكاً، فقد يرتاب من لا يشك، ولكنها في معتاد اللغة تجري مع الشك، ومعنى " الريبة " في هذه الآية أمر يعم الغيظ والحنق ويعم اعتقاد صواب فعلهم ونحو هذا مما يؤدي كله إلى الريبة في الإسلام، فمقصد الكلام لا يزال هذا البنيان الذي هدم لهم يبقى في قلوبهم حزازة وأثر سوء، وبالشك فسر ابن عباس الريبة هنا، وفسرها السدي بالكفر، وقيل له أفكفر مجمع بن جارية؟ قال: لا ولكنها حزازة. قال القاضي أبو محمد: ومجمع رحمه الله قد أقسم لعمر أنه ما علم باطن القوم ولا قصد سوءاً، والآية إنما عنت من أبطن سوءاً فليس مجمع منهم، ويحتمل أن يكون المعنى لا يزالون مريبين بسبب بنائهم الذي اتضح فيه نفاقهم، وجملة هذا أن الريبة في الآية تعم معاني كثيرة يأخذ كل منافق منها بحسب قدره من النفاق، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي "إلا أن تُقطع قلوبهم " بضم التاء وبناء الفعل للمفعول، وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم بخلاف عن "إلا أن تَقطع " بفتح التاء على أنها فاعلة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب: " إلى أن تقطع " على معنى إلى أن يموتوا، وقرأ بعضهم: " إلى أن تقطع " وقرأ أبو حيوة " إلا أن يُقطِع " بالياء مضمومة وكسر الطاء ونصب " القلوبَ " أي بالقتل، وأما على القراءة الأولى فقيل بالموت قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، وقيل، بالتوبة وليس هذا بالظاهر إلا أن يتأول: أو يتوبوا توبة نصوحاً يكون معها من الندم والحسرة على الذنب ما يقطع القلوب هماً وفكرة، وفي مصحف ابن مسعود " ولو قطعت قلوبهم "، وكذلك قرأها أصحابه وحكاها أبو عمرو " وان قطَعت" بتخفيف الطاء، وفي مصحف أبيّ " حتى الممات " وفيه " حتى تقطع "، وقوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} الآية، هذه الآية نزلت في البيعة الثالثة وهي بيعة العقبة الكبرى، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وكان أصغرهم سناً عقبة بن عمرو، وذلك أنهم اجتمعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة فقالوا: اشترط لك ولربك، والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة، فاشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم حمايته مما يحمون منه أنفسهم، واشترط لربه التزام الشريعة وقتال الأحمر والأسود في الدفع عن الحوزة، فقالوا: ما لنا على ذلك؟ قال الجنة، فقالوا: نعم ربح البيع لا نقيل ولا نقال، وفي بعض الروايات ولا نستقيل فنزلت الآية في ذلك. ثم الآية بعد ذلك عامة في كل من جاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، وقال بعض العلماء: ما من مسلم إلا ولله في عنقه هذه البيعة وفى بها أو لم يف، وفي الحديث أن فوق كل بر براً حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك، وهذا تمثيل من الله عز وجل جميل صنعه بالمبايعة، وذلك أن حقيقة المبايعة أن تقع بين نفسين بقصد منهما وتملك صحيح، وهذه القصة وهب الله عباده أنفسهم وأموالهم ثم أمرهم ببذلها في ذاته ووعدهم على ذلك ما هو خير منها،فهذا غاية التفضل، ثم شبه القصة بالمبايعة، وأسند الطبري عن كثير من أهل العلم أنهم قالوا: ثامن الله تعالى في هذه الآية عباده فأعلى لهم وقاله ابن عباس والحسن بن أبي الحسن، وقال ابن عيينة: معنى الآية اشترى منهم أنفسهم ألا يعملوها إلا في طاعة الله، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا في سبيل الله. قال القاضي أبو محمد : فالآية على هذا أعم من القتل في سبيل الله، ومبايعة الخلفاء هي منتزعة من هذه الآية، كان الناس يعطون الخلفاء طاعتهم ونصائحهم وجدهم ويعطيهم الخلفاء عدلهم ونظرهم والقيام بأمورهم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه سمع الواعظ أبا الفضل بن الجوهري يقول على المنبر بمصر: ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى والثمن جنة المأوى والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقوله {يقاتلون في سبيل الله } مقطوع ومستأنف وذلك على تأويل سفيان بن عيينة، وأما على تأويل الجمهور من أن الشراء والبيع إنما هو مع المجاهدين فهو في موضع الحال، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وقتادة وأبو رجاء وغيرهم: " فيَقتلون " على البناء للفاعل " ويُقتلون" على البناء للمفعول، وقرأ حمزة والكسائي والنخعي وابن وثاب وطلحة والأعمش بعكس ذلك، والمعنى واحد إذ الغرض أن المؤمنين يقاتلون فيوجد فيهم من يَقتل وفيهم من يُقتل وفيهم من يجتمعان له وفيهم من لا تقع له واحدة منهما، وليس الغرض أن يجتمع ولا بد لكل واحد واحد، وإذا اعتبر هذا بان، وقوله سبحانه {وعداً عليه حقاً } مصدر مؤكد لأن ما تقدم من الآية هو في معنى الوعد فجاء هو مؤكداً لما تقدم من قوله: {بأن لهم الجنة} ، وقال المفسرون: يظهر من قوله: {في التوراة والإنجيل والقرآن}، أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن ميعاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم تقدم ذكره في هذه الكتب، وقوله {ومن أوفى بعهده من الله} استفهام على جهة التقرير أي لا أحد أوفى بعهده من الله، وقوله {فاستبشروا } فعل جاء فيه استفعل بمعنى أفعل وليس هذا من معنى طلب الشيء، كما تقول: استوقد ناراً واستهدى مالاً واستدعى نصراً بل هو كعجب واستعجب، ثم وصف تعالى ذلك البيع بإنه {الفوز العظيم}، أي أنه الحصول على الحظ الأغبط من حط الذنوب ودخول الجنة بلا حساب.

ابن عبد السلام

تفسير : {رِيبَةً} حين بنوه شك، أو غطاء، أو بعد هدمه حزازة، أو ندامة. {تَقَطَّعَ} يموتوا "ع"، أو يتوبوا، أو تقطع في القبور.

الخازن

تفسير : {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة} يعني شكاً ونفاقاً {في قلوبهم} والمعنى: أن ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم، لأن المنافقين فرحوا ببناء مسجدهم، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه، ثقل ذلك عليهم وازدادوا غماً وحزناً وبغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان سبب الريبة في قلوبهم. وقيل: إنهم كانوا يحسبون أنهم محسنون في بنائه كما حبب العجل إلى بني إسرائيل فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخريبه، بقوا شاكّين مرتابين لأي سبب أمر بتخريبه. وقال السدي: لا يزال هدم بنيانهم ريبة أي حرارة وغيظاً في قلوبهم {إلا أن تقطع قلوبهم} أي تجعل قلوبهم قطعاً وتفرق أجزاء إما بالسيف وإما بالموت. والمعنى: أن هذه الريبة باقية في قلوبهم إلى أن يموتوا عليها {والله عليم} يعني بأحوالهم وأحوال جميع عباده {حكيم} يعني فيما حكم به عليهم. قوله عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} الآية قال محمد بن كعب القرظي: حديث : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وكانوا سبعين رجلاً قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا إذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيلتفسير : . فنزلت {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} قال ابن عباس: بالجنة. قال أهل المعاني لا يجوز أن يشتري الله شيئاً هو له في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والأشياء كلها ملك الله عز وجل، ولهذا قال الحسن: أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها لكن جرى هذا مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد، وذلك لأن المؤمن إذا قاتل في سبيل الله يقتل أو أنفق ماله في سبيل الله عوَّضه الله الجنة في الآخرة جزاء لما فعل في الدنيا فجعل ذلك استبدالاً واشتراء فهذا معنى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة والمراد باشتراء الأموال إنفاقها في سبيل الله وفي جميع وجوه البر والطاعة {يقاتلون في سبيل الله} هذا تفسير لتلك المبايعة. وقيل: فيه معنى الأمر أي قاتلوا في سبيل الله {فيقتلون ويقتلون} يعني: فيقتلون أعداء الله ويقتلون في طاعته وسبيله {وعداً عليه حقاً} يعني ذلك الوعد بأن لهم الجنة وعداً على الله حقاً {في التوراة والإنجيل والقرآن} يعني أن هذا الوعد الذي وعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله قد أثبته في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن وفيه دليل على أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع ومكتوب على جميع أهل الملل {ومن أوفى بعهده من الله} يعني لا أحد أوفى بالعهد من الله {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} فاستبشروا أيها المؤمنون بهذا البيع الذي بايعتم الله به {وذلك} يعني هذا البيع {هو الفوز العظيم} لأنه رابح في الآخرة. قال عمر بن الخطاب: إن الله بايعك وجعل الصفقتين لك وقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن وعنه قال: إن الله سبحانه وتعالى أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها. وقال قتادة: ثامَنهم فأغلى لهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ يعني الشك ‏ {‏إلا أن تقطع قلوبهم‏} ‏ يعني الموت‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال‏:‏ قلت لإِبراهيم‏:‏ أرأيت قول الله ‏ {‏لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم‏} ‏‏؟‏ قال‏:‏ الشك‏.‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فما تقول أنت‏؟‏ قلت‏:‏ القوم بنوا مسجداً ضراراً وهم كفار حين بنوا، فلما دخلوا في الإِسلام جعلوا لا يزالون يذكرون، فيقع في قلوبهم مشقة من ذلك فتراجعوا له، فقالوا‏:‏ يا ليتنا لم نكن فعلنا، وكلما ذكروه وقع من ذلك في قلوبهم مشقة وندموا‏.‏ فقال إبراهيم‏:‏ استغفر الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت في قوله ‏ {‏ريبة في قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ غيظاً في قلوبهم ‏{‏إلا أن تقطع قلوبهم‏}‏ قال‏:‏ إلى أن يموتوا‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏{‏إلا أن تقطع‏} ‏ قال‏:‏ الموت أن يموتوا‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال‏:‏ كان عكرمة يقرأها ‏"‏لا أن تقطع قلوبهم في القبر‏"‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله ‏ {‏إلا أن تقطّع قلوبهم‏}‏ قال‏:‏ إلا أن يتوبوا، وكان أصحاب عبد الله يقرأونها ‏"‏ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ} البنيانُ مصدرٌ أُريد به المفعولُ، ووصفُه بالموصول الذي صلتُه فعله للإيذان بكيفية بنائِهم له وتأسيسِه على أوهن قاعدةٍ وأوهىٰ أساسٍ وللإشعار بعلة الحُكم، أي لا يزال مسجدُهم ذلك مبنياً ومهدوماً {رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ} أي سببَ ريبةٍ وشكَ في الدين كأنه نفسُ مُريبِه. أما حالَ بنيانه فظاهرٌ لِما أن اعتزالَهم من المؤمنين واجتماعَهم في مجمع على حياله يُظهرون فيه ما في قلوبهم من آثار الكفرِ والنفاقِ ويدبِّرون فيه أمورَهم ويتشاورون في ذلك، ويُلقي بعضُهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكاً في الدين، وأما حالَ هدمِه فلما أنه رسَخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت آثارُه وأحكامُه أو سبّب ريبةً في أمرهم حيث ضعُفت قلوبُهم ووهَى اعتقادُهم بخفاء أمرِهم على أمر المؤمنين لأنهم أظهروا من أمرهم بعد البناءِ أكثرَ مما كانوا يُظهرونه قبل ذلك وقت اختلاطِهم بالمؤمنين وساءت ظنونُهم بأنفسهم فلما هُدم بنيانُهم تضاعف ذلك الضَّعفُ وتقوّى وصاروا مُرتابـين في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتركهم على ما كانوا عليه من قبل أو يأمرُ بقتلهم ونهبِ أموالِهم. وقال الكلبـي: معنى ريبةً حسرةً وندامة. وقال السدي وحبـيب والمبرد: لا يزال هدمُ بنيانِهم حزازةً وغيظاً في قلوبهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ} من التفعل بحذف إحدى التاءين أي إلا أن تتقطع {قُلُوبِهِمْ} قِطعاً وتتفرّقَ أجزاءً بحيث لا يبقى لها قابليةُ إدراكٍ وإضمار قطعاً، وهو استثناءٌ من أعم الأوقاتِ أو أعم الأحوال ومحلُّه النصبُ على الظرفية أي لا يزال بنيانُهم ريبةً في كل الأوقات أو كلِّ الأحوال إلا وقتَ تقطُّع قلوبهم أو حالَ تقطعِ قلوبِهم، فحينئذ يسْلُون عنها وأما ما دامت سالمةً فالريبةُ باقيةٌ فيها فهو تصويرٌ لامتناع زوالِ الريبةِ عن قلوبهم، ويجوزُ أن يكون المرادُ حقيقةً تقطُّعُها عند قتلِهم أو في القبور أو في النار، وقرىء تُقَطّع على بناء المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على خطاب النبـي صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تُقطِّع أنت قلوبَهم بالقتل، وقرىء على البناء للمجهول من الثلاثي مذكراً ومؤنثاً وقرىء إلى تقطُّعِ قلوبهم وإلى أن تُقطِّع قلوبَهم على الخطاب، وقرىء ولو قُطِّعت قلوبُهم على إسناد الفعل مجهولاً إلى قلوبهم ولو قَطَّعتَ قلوبَهم على الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد يصلُح للخطاب. وقيل: إلا أن يتوبوا توبةً تتقطّع بها قلوبُهم ندماً وأسفاً على تفريطهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بجميع الأشياءِ التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم {حَكِيمٌ} في جميع أفعالِه التي من زمرتها أمرُه الواردُ في حقهم. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ} ترغيبٌ للمؤمنين في الجهاد ببـيان فضيلتِه إثرَ بـيانِ حالِ المتخلفين عنه، ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيدَ عليه حيث عبّر عن قَبول الله تعالى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم التي بذلوها في سبـيله تعالى وإثابتِه إياهم ـ بمقابلتها ـ الجنةَ بالشراء على طريقة الاستعارةِ التبعية ثم جُعل المبـيعُ الذي هو العُمدةُ والمقصِدُ في العقد أنفُسَ المؤمنين وأموالَهم والثمنُ الذي هو الوسيلةُ في الصفقة الجنةُ ولم يُجعل الأمرُ على العكس بأن يقال: إن الله باع الجنةَ من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصِد في العقد هو الجنةُ وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلةٌ إليها إيذاناً بتعليق كمالِ العنايةِ بهم وبأموالهم ثم إنه لم يقل بالجنة بل قيل: {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} مبالغةً في تقرير وصولِ الثمنِ إليهم واختصاصِه بهم كأنه قيل: بالجنة الثابتةِ لهم المختصةِ بهم. وأما ما يقال من أن ذلك لمدح المؤمنين بأنهم بذلوا أنفسَهم وأموالَهم بمجرد الوعدِ لكمال ثقتِهم بوعده تعالى وأن تمامَ الاستعارةِ موقوفٌ على ذلك إذ لو قيل: بالجنة لاحتمل كونُ الشراء حقيقةً لأنها صالحةٌ للعِوضية بخلاف الوعيدِ بها فليس بشيء لأن مناطَ دِلالةِ ما عليه النظمُ الكريمُ على الوعد ليس كونُه جملةً ظرفيةَ مصدّرةً بأن فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنةُ التي يستحيل وجودُها في الدنيا ولو سلم ذلك يكون العوضُ الجنةَ الموعودَ بها {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} استئنافٌ لكن لا لبـيان ما لأجله الشراءُ ولا لبـيان نفسِ الاشتراء لأن قتالَهم في سبـيل الله تعالى ليس باشتراء الله تعالى منهم أنفسَهم وأموالَهم بل هو بذلٌ لهما في ذلك بل لبـيان البـيعِ الذي يستدعيه الاشتراءُ المذكورُ كأنه قيل: كيف يبـيعون أنفسَهم وأموالَهم بالجنة؟ فقيل: يقاتلون في سبـيل الله وهو بدلٌ منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهة الله سبحانه وتعريضٌ لهما للهلاك وقوله تعالى: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} بـيانٌ لكون القتالِ في سبـيل الله بذلاً للنفس وأن المقاتِلَ في سبـيله باذلٌ لها وإن كانت سالمةً غانمة، فإن الإسنادَ في الفعلين ليس بطريق اشتراطِ الجمعِ بـينهما ولا اشتراطِ الاتصافِ بأحدهما البتةَ بل بطريق وصفِ الكلِّ بحال البعضِ فإنه يتحقق القتالُ من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدَهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدُرْ منهم أحدُهما أيضاً كما إذا وُجدت المضاربةُ ولم يوجد القتلُ من أحد الجانبـين أو لم توجد المضاربةُ أيضاً فإنه يتحقق للجهادُ بمجرد العزيمة والنفير وتكثيرِ السواد، وتقديمُ حالةِ القاتلية على حالة المقتوليةِ للإيذان بعدم الفرقِ بـينهما في كونهما مصداقاً لكون القتالِ بذلاً للنفس وقرىء بتقديم المبنيِّ للمفعول رعايةً لكون الشهادة عريقةً في الباب وإيذاناً بعدم مبالاتِهم بالموت في سبـيل الله تعالى بل بكونه أحبَّ إليهم من السلامة كما قيل في حقهم: شعر : لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً وليسوا مَجازيعاً إذا نِيلوا لا يقع الطعنُ إلا في نحورِهم وما لهم عن حِياض الموتِ تهليلُ تفسير : وقيل: في يقاتلون الخ معنى الأمر كما في قوله تعالى: {أية : وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} تفسير : [الصف: 11] {وَعْدًا عَلَيْهِ} مصدرٌ مؤكدٌ لما يدل عليه كونُ الثمنِ مؤجلاً {حَقّاً} نعتٌ لوعداً والظرفُ حال منه لأنه لو تأخر لكان صفةً له وقوله تعالى: {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ} متعلقٌ بمحذوف وقعَ صفةً لوعداً أي وعداً مثبتاً في التوراة والإنجيل كما هو مثبتٌ في القرآن {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله من حقية الوعدِ على نهج المبالغةِ في كونه سبحانه أوفى بالعهد من كل وافٍ فإن اختلافَ الميعاد مما لا يكاد يصدُر عن كرام الخلقِ مع إمكان صدورِه عنهم فكيف بجناب الخلاقِ الغنيِّ عن العالمين جل جلاله وسبكُ التركيب وإن كان على إنكارِ أن يكون أحدٌ أوفى بالعهد منه تعالى من غير تعرّضٍ لإنكار المساواةِ ونفيها لكن المقصودَ به قصداً مطرداً إنكارُ المساواةِ ونفيُها قطعاً فإذا قيل: مَنْ أكرمُ من فلان؟ أو لا أفضلَ منه، فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضل {فَٱسْتَبْشِرُواْ} التفاتٌ إلى الخطاب تشريفاً لهم على تشريف وزيادةً لسرورهم على سرور، والاستبشارُ إظهارُ السرور، والسينُ فيه ليس للطلب، كاستوقَدَ وأوقد، والفاء لترتيب الاستبشارِ أو الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذاك فسُرّوا نهايةَ السرور وافَرحوا غايةَ الفرحِ بما فُزتم به من الجنة، وإنما قيل: {بِبَيْعِكُمُ} مع أن الابتهاجَ به باعتبار أدائِه إلى الجنةِ لأن المرادَ ترغيبُهم في الجهاد الذي عبّر عنه بالبـيع وإنما لم يُذكر العقدُ بعنوان الشراءِ لأن ذلك من قبل الله سبحانه لا من قبلهم، والترغيبُ إنما يكون فيما يتم من قبلهم، وقوله تعالى: {ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ} لزيادة تقرير بـيعِهم وللإشعار بكونه مغايراً لسائر البـياعات فإنه بـيعٌ للفاني بالباقي ولأن كِلا البدلين له سبحانه وتعالى. عن الحسن رضي الله عنه أنفُساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها. روي حديث : أن الأنصارَ لما بايعوه عليه الصلاة والسلام على العقبة قال عبدُ اللَّه بنُ رواحةَ رضي الله تعالى عنه: اشترِطْ لربك ولنفسك ما شئت. قال عليه الصلاة والسلام: "أشترطُ لربـي أن تعبُدوه ولا تشرِكوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسَكم"، قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: «لكم الجنة»، قالوا: ربِحَ البـيعُ لا نُقيل ولا نستقيلتفسير : . ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابـيٌّ وهو يقرأها قال: كلامُ مَنْ؟ قال: «كلامُ الله عز وجل» قال: بـيعٌ والله مُربحٌ لا نُقيله ولا نستقيله، فخرج إلى الغزو واستُشهد. {وَذَلِكَ} أي الجنةُ التي جعلت ثمناً بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالِهم {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوزَ أعظمُ منه، وما في ذلك من معنى البُعد إشارةٌ إلى بُعد منزلةِ المشارِ إليه وسموِّ رتبتِه في الكمال، ويجوز أن يكون ذلك إشارةً إلى البـيع الذي أُمروا بالاستبشار به ويجعل ذلك كأنه نفسُ الفوز العظيم أو يُجعل فوزاً في نفسه، فالجملةُ على الأول تذيـيلٌ للآية الكريمة وعلى الثاني لقوله تعالى: {فَٱسْتَبْشِرُواْ} مقرِّرٌ لمضمونه.

القشيري

تفسير : عروقُ النِّفاقِ لا تُقْتَلَعُ من عَرَصَاتِ اليقين إلا بِمِنْجَل التَّحَقُّقِ بصحيح البرهان؛ فَمَنْ أُيِّدَ لإدامة المسير، وَوفِّقَ لتأمل البرهان وَصَلَ إِلى ثَلَجِ الصدور ورَوْحِ العرفان. ومَنْ أقام على مُعْتَادِ التقليد لم يسترِحْ قلبُه من كَدِّ التردُّدِ، وظلمةِ التجويز، وَجَوَلاَنِ الخواطر المشكلة في القلب.

اسماعيل حقي

تفسير : {لا يزال بنيانهم الذى بنوا} البنيان مصدر اريد به المفعول ووصفه بالموصول الذى صلته فعله للايذان بكيفية بناتهم له وتأسيسه على اوهن قاعدة واوهى اساس وللاشعار بعلة الحكم اى لا يزال مسجدهم ذلك مبنيا ومهدوما {ريبة فى قلوبهم} اى سبب ريبة وشك فى الدين كأنه نفس الريبة. اما حال بنائه فظاهر لما ان اعتزالهم من المؤمنين واجماعهم فى مجمع على حياله يظهرون فيه ما فى قلوبهم من آثار الشرك والنفاق ويدبرون فيه امورهم ويتشاورون فى ذلك ويلقى بعضهم الى بعض ما سمعوا من اسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكا فى الدين. واما حال هدمه فلما انه رسخ به كان فى قلوبهم من الشر والفساد وتتضاعفت آثاره واحكامه {إلا أن تقطع} من التفعل بحذف احدى التائين اى الا ان تقطع {قلوبهم} قطعا وتتفرق اجزاء بحيث لا يبقى لها قابلية ادراك واضمار قطعا وهو استثناء من اعم الاوقات او اعم الاحوال محله النصب على الظرفية اى لا يزال بنيانهم ريبة فى كل وقت الاوقات او كل حال من الاحوال الا وقت تقطع قلوبهم فحينئذ يسلون عنها. واما ما دامت سالمة فالريبة باقية فيها فهو تصوير لامتناع زوال الريبة عن قلوبهم الى الموت ويجوز ان يكون المراد حقيقة تقطعها عند قتلهم او فى القبور بالبلى او فى النار {والله عليم} [وخداى تعالى داناست بتأسيس بنا وايشان كه بجه نيت بوده] {حكيم} فيما حكم وامر من هدم مسجدهم واظهار نفاقهم. واعلم ان فى الآيتين المذكورتين اشارات منها ان صفاء الطوية وحسن الاعتقاد كالاساس فى باب الاعمال فكما ان البناء لا يقوم على الماء بل يقوم على الارض الصلبة كذلك الاعمال لا تقوم الا على محكم الاعتقاد وهو الباعث على الاخلاص العمل الذى هو ارادة التقرب الى الله تعالى وتعظيم امره واجابة دعوته وضده النفاق وهو التقرب الى الخلق من دون الله تعالى. واما اخلاص طلب الاجر فهو ارادة نفع الآخرة بعمل الخير وضده الرياء وهو ارادة نفع الدنيا بعمل الآخرة سواء اراده من الله او من الناس لان الاعتبار فى الرياء بالمراد منه. فعلى العاقل ان يجعل اساس دينه على الاعتقاد الصحيح والاخلاص والتقوى حتى يكون كشجرة اصلها ثابت وفرعها فى السماء. ومنها ان المنافقين بنوا مسجدا للصلاة صوره فهم انما بنوا متحدثا لهم حقيقة ومحلا لقاذورات اقوالهم وافعالهم ولذا كان حريا بالقاء الجيف فيه بعد الهدم فتتمتعوا قليلا ثم وقعوا فى النار جميعا كما قال تعالى {أية : إن الله جامع المنافقين والكافرين فى جهنم} تفسير : [النساء: 140]. فكما ان من جالسهم فى مجالسهم القذرة العذرة شقى شقاوة حقيقية كذلك من جالس الصديقين والعارفين فى مجالسهم المطهرة وانديتهم المقدسة سعد سعادة ابدية وتطهر طهارة اصلية وقد قال عليه السلام "حديث : انهم القوم لا يشقى بهم جليسهم " .تفسير : فالمراد السامع او الجالس لان المجالسة والسماع ينتجان عن المحبة قال عليه السلام "حديث : المرء مع من احب" . تفسير : وهنا سر صوفى يريد صلى الله عليه وسلم فى الدنيا والآخرة فى الدنيا بالطاعة والادب الشرعى وفى الآخرة بالمعاينة والقرب المشهدى. ومنها انهم ارادوا ببنيانهم مكرا وخديعة وغفلوا عن مكر الله تعالى بهم ولذا افتضحوا شعر : مكر حق سر جشمه اين مكر هاست قلب بين الاصبعين كبر ياست آنكه سازد دردلت مكرو قياس آتشى داند زدن اندر بلاس تفسير : ومنها ان من كانت شقاوته اصلية ازلية فهو لا يزداد بما ابتلاه الله تعالى به الا ضلالا وغيظا وانكارا والعاقل يختار فضوح الدنيا لانه اهون من فضوح الآخرة شعر : ازين هلاك مينديش وباش مردانه كه اين هلاك بودموجب خلاص ونجات تفسير : ومنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يذب الناس عن النار وعن الوقوع فيها ولذا هدم مسجدهم الضرار اذ لو تركه على حاله لعاد الضرر على العامة بنزول البلية وهى نار معنى ولافتتن به بعض الناس والفتنة الدينية سبب للنار حقيقة فأهل الفساد والشر لا يقرون على ما هم عليه بل ينكر عليهم اشد الانكار بهتك اعراضهم واخراجهم من مساكنهم ان مست الحاجة الى الاخراج وكذا هدم بيوتهم ومنازلهم. ذكر فى فتاوى ابى الليث رجل بنى رباطا للمسلمين على ان يكون فى يده ما دام حيا فليس لاحد ان يخرجه من يده ما لم يظهر منه امر يستوجب الاخراج من يده كشرب الخمر فيه وما اشبه ذلك من الفسق الذى ليس فيه رضى الله لان شروط الوقف يجب اعتبارها ولا يجوز تركها الا للضرورة. وقال فى نصاب الاحتساب فاذا كان الخانقاه يخرج من يد بانيه لفسقه فكيف يترك فى الخانقاه فاسق او مبتدع. مثل الحديدية الذين يلبسون الحديد لان الحديد حلية اهل النار سواء اتخذ خاتما او حلقة فى اليد او فى الاذن او فى العنق او غير ذلك. ومثل الجوالقية الذين يلبسون الجوالق والكساء الغليظ ويحلقون اللحية وكلاهما منكر. فأما الاول فلانه لباس شهرة وقد نهى عنه. واما الثانى فلانه من فعل الافرنج وفيه تغيير خلق الله تعالى والتشبه بالنساء. ومثل القلندرية الذين يقصون الشعور حتى الحاجب والاهداب وفيهم يقول الحافظ شعر : قلندرى نه بريشست وموى يا ابرو حساب راه قلندر موى بموست كدشتن از سرمو در قلندرى سهلست جو حافظ آنكه زسر بكذردقلندراوست تفسير : وقس عليهم سائر فرق اهل البدعة وفى الحديث "حديث : لقد هممت ان آمر رجلا يصلى بالناس وانظر الى اقوام يتخلفون عن الجماعة فاحرق بيوتهم " .تفسير : وهذا يدل على جواز احراق بيت الذى بيت الذى يتخلف عن الجماعة لان الهم على المعصية لا يجوز من الرسول عليه السلام لانه معصية فاذا علم جواز احراق البيت على ترك السنة المؤكدة فما ظنك فى احراق البيت على ترك الواجب والفرض عصمنا الله واياكم من الاقوال والافعال المنكرة

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وحمزة وحفص وابو جعفر ويعقوب {تقطع} بفتح التاء الباقون بضمها. وقرأ يعقوب وحده {إلى أن} على أنه حرف جر. وقوله {لا يزال} من اخوات (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر وانما عمل في الاسم والخبر، لأنه إنما يتعلق في معنى الجملة، فيدل على انه يدوم إذ المعنى فيه أن يكون الشيء على الصفة أبداً. قال ابو علي: البنيان مصدر واقع على المبني وتقديره لا يزال بناء المبني الذي بنوه ريبة أي شكاً في قلوبهم فيما كان من إظهار اسلامهم وثباتاً على النفاق إلى أن تقطع قلوبهم بالموت والبلى لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون عن النفاق إلى أن تقطع قلوبهم بالموت والبلى. ومن قرأ {إلى أن تقطع} فانه يريد حتى تبلى وتقطع بالبلى أي لا تثلج قلوبهم بالايمان ابداً ولا ينزعون عن الخطيئة في بناء المسجد ولا يتوبون. ومن ضم الياء اضاف الفعل إلى المقطع المبلي للقلوب بالموت، ومن فتحها اسند الفعل إلى القلوب لما كانت هي البالية، كما قالوا: مات زيد ومرض عمرو، ووقع الحائط. وفي قراءة ابي (حتى الممات). ومعنى قوله {الذي بنوا} مع قوله {بنيانهم} انما هو ليعلم ان البناء ماض دون المستقبل اذ قد تجوز الاضافة على جهة الاستقبال كقولك للغير: أقبل على عملك. وقيل في معنى الريبة في الاية ثلاثة اقوال: احدها - ان هذا البنيان الذي بنوه لا يزال شكاً في قلوبهم. وقيل معناه حزازة في قلوبهم، وقيل حسرة في قلوبهم يتردّدون فيها. وقوله {إلا أن تقطع قلوبهم} موضع {أن تقطع} نصب والتقدير الا على تقطع قلوبهم غير ان حرف الاضافة يحذف مع (ان) ولا يحذف مع المصدر. ومعنى (إلا) ها هنا (حتى) لأنه استثناء من الزمان المستقبل، والاستثناء منه منته اليه فاجتمعت مع (حتى) في هذا الموضع على هذا المعنى. قال الزجاج: يحتمل ان يكون المراد الا ان يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً واسفاً على تفريطهم. وقوله {والله عليم حكيم} اي عالم بنيتهم في بناء مسجد الضرار {حكيم} في امره بنقضه والمنع من الصلاة فيه.

الجنابذي

تفسير : {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ} يعنى اهل مسجد الضّرار {رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ} سبب شكٍّ {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} فلا يبقى منها اثر حتّى تتّصف بالرّيبة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} يعنى انّ بنيانهم سبب جهلهم وبلاهتهم والله عليمٌ حكيمٌ فيكون بنيانهم سبب بعدهم من الله فليهدم كما روى انّه (ص) امر بهدمه واحراقه.

اطفيش

تفسير : {لا يَزالُ بُنْيانُهم الَّذى بَنوْا رِيبةً فى قُلُوبهم} تقدم أن البنيان بمعنى اسم المفعول، فيقدر مضاف، أى بناء بنيانهم، لأن المبنى لا يكون ريبة، وقد تدخله التاء أشد الفارسى وقال: شعر : كبنيانة القارى موضع زَجْلها وآثار نسعَيْها من الدقّ أبلق تفسير : ويجوز إبقاؤه على أصله من المصدرية، فلا يقدر مضاف كذا قيل، قلت: ليس البناء أيضا شكا، فليس تأويل البنيان بتقدير مضاف أو بإبقائه على المصدرية ما نغنى، فالواضح إبقاؤه على المصدرية، أو جعله بمعنى اسم مفعول، مع تقدير المضاف قبل ريبة، أى سبب ريبة، والريبة الشك وفساد الاعتقاد واضطرابه والتعرض فى الشىء والتجنف فيه، والحرازة من أجله، وإن لم يكن ذلك شكا فقد يرتاب من لا يشك، فهو هنا يعم الغيظ والحنق، ويعم اعتقاد صواب فعلهم واعتقاد خطأ هدمه ونحو ذلك، مما يؤدى إلى الشك فى الإسلام، أما هدمه قالوا: لم هدمه وقد بناه للعبادة، وازدادوا غيظا وشكا، ورسخ ذلك فيهم بحيث لا يزول. {إلا أن تَقطَّع قُلوبُهم} أن مصدرية، والمصدر مستثنى، والاستثناء منقطع، ولك أن تقول: مصدر نائب عن ظرف الزمان بتقدير مضاف، أى إلا وقت تقطيع قلوبهم، فيكون استثناء مفرغا متصلا، أى لا يزال فى وقت إلا وقت التقطيع، وتشديد تقطع للمبالغة، والمراد تقطيعها حتى لا تكون قابلة للإدراك ولا للاضمار شىء فيها، وذلك تصوير للحال، وقيل: المراد التقطيع بالسيف ونحوه، قال ابن عباس: بالموت، وقيل: فى القبر، أو فى النار، وقيل: بالتوبة ندما وأسفا على تفريطهم. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وعاصم بخلاف عنهم، وأبو جعفر بفتح التاء والطاء، أى إلا أن تتقطع، فحذفت إحدى التاءين، وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، ويعقوب: إلى أن تقطع بإلى وضم التاء وكسر الطاء أى إلى أن يموتوا، ويصلح أيضا تفسيره فأمر غير الموت، وقرأ إلى أن تقطع بإلى وفتحهما وقرأ أبو حيوة إلا أن يقطع بالتحتية المضمومة وكسر الطاء مشددة، ونصب القلوب، على أن الضمير المستتر لله ولرسوله، أو للبيان من حيث إنه سبب لهلاكهم، وقرأ تقطع بضم المثناة وكسر الطاء مشددة ونصب القلوب. والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لمن يصلح بالخطاب مطلقا، وقرأ تقطع بالتخفيف والبناء للمفعول، ورفع القلوب، وقرأ ابن مسعود ولو قطعت بالتشديد والبناء للمفعول، ورفع القلوب وكذا فى مصحفه، وقال أبو عمرو عنه، وإن قطعت بالتخفيف والبناء للمفعول والرفع، وفى مصحف أبىّ حتى الممات، وقيل فيه: حتى تقطع بالبناء للمفعول والتشديد. {واللهُ عَليمٌ} بأحوالهم ونياتهم وبسائر الخلق {حَكيمٌ} فى أفعله وفى أمره بهدم بنيانهم، "حديث : ولما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الكبرى، وهى البيعة الثالثة، وهم سبعون أو أكثر على ما مر، أصغرهم عقبة بن عامر، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لك ولربك ما شئت، قال: "أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تقاتلوا الأحمر والأسود، وأشترط لنفسى أن تمنعونى بما تمنعون به أنفسكم وأموالكم" قالوا: إذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة" فقالوا: نعم ربح البيع، لا نقيل ولا نقالتفسير : ، وروى: حديث : لا نقيل ولا نستقيلتفسير : ، فنزل قوله عز وجل: {إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنفسَهُم وأمْوالَهم بأنَّ لَهم الجنَّة ...}.

اطفيش

تفسير : {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمْ الَّذِى بَنَوْا} هو مسجد الضرار كما هو الظاهر، ويبعد أَن يكون المراد به نفاقهم، ويجوز بقاءُ بنيان على المعنى المصدرى فهاءُ بنوة المقدرة مفعول مطلق على هذا {رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ} سبب ريبة أَو موجب ريبة، بنوه شكا فى دين الله وردا عليه ولما هدم لم يزالوا معتاظين بهدمه لافتضاحهم به، إِذ لم يؤخر أَمرهم ويمهل، وربما خيل لهم الشيطان وأَنفسهم أَنه حق، وأَنه هدم حسداً وأَنه لا أَقل من جوازِ إِبقائِه، وتضاعف حقدهم ولمجىءِ الشر فى حال توقعهم الخير فى بنائِه، وقد يكون فى قلب بعضهم ما ليس فى آخر، وقيل الريبة الشك فى سبب تخريبه، وقيل كانوا يحسبون أَنهم محسنون فى بنائِه كما حبب العجل إلى بنى إِسرائيل فارتابوا فى سبب تخريبه، وقيل: الشك أَيقتلون بعده أَم يبقون {إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أَى فى كل وقت إِلا وقت تقطيع قلوبهم بالقتل أَو الموت، والشد للمبالغة فى القطع وفى دوام الريبة تدوم دواماً عظيماً حتى تبقى مع مبدإِ القطع إِلى أَن يكون القلب قطعاً متعددة، ولو كان هذا لا يوجد أَو يتصور بإِيلام القلب شيئاً فشيئاً عند الموت أَو القتل، وقد قيل: تقطيعها تفريق أَجزائها فى القبر أَو النار فهم مغتاظون ولو بعد الموت، وقيل إِلا أَن تقطع قلوبهم بالتوبة النصوح فإِنه لا يبقى لهم اغتياظ وارتياب فيكون التقطيع مجازاً كما أَنه مجاز فى صورة حمله على الإِيلام {وَالله عَلِيمٌ} بسوءِ اعتقادهم، وبكل شىءٍ {حَكِيمٌ} فى أَمره بهدمه وفى كل فعل له وقول.

الالوسي

تفسير : {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِى بَنَوْاْ} أي بناؤهم الذي بنوه، فالبنيان مصدر أريد به المفعول كما مر، ووصفه بالمفرد ما يرد على مدعي الجمعية وكذا الإخبار عنه بقوله سبحانه: {رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ} واحتمال تقدير مضاف وجعل الصفة وكذا الخبر له خلاف الظاهر. نعم قيل: الإخبار بريبة لا دليل فيه على عدم الجمعية لأنه يقال: الحيطان منهدمة والجبال راسية؛ وجوز بعضهم كون البنيان باقياً على المصدرية و {ٱلَّذِي} مفعوله، والريبة اسم من الريب بمعنى الشك وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد به شكهم في نبوته صلى الله عليه وسلم المضمر في قلوبهم وهو عين النفاق، وجعل بنيانهم نفس الريبة للمبالغة في كونه سبباً لها. قال الإمام: ((وفي ذلك وجوه. أحدها أن المنافقين عظم فرحهم ببنيانه فلما أمر بتخريبه ثقل عليهم وازداد غيظهم وارتيابهم في نبوته صلى الله عليه وسلم. وثانيها: أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد فارتفع أمانهم عنه صلى الله عليه وسلم وعظم خوفهم [منه في كل الأوقات] فارتابوا في أنهم هل يتركون على حالهم أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم؟ وثالثها أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بذلك والصحيح هو الأول)) ويمكن كما قال العلامة الطيبـي أن يرجح الثاني بأن تحمل الريبة على أصل موضوعها ويراد منها قلق النفس واضطرابها. وحاصل المعنى لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سبباً للقلق والاضطراب والوجل في القلوب ووصف بنيانهم بما وصف للإيذان بكيفية بنائهم له وتأسيسه على ما عليه تأسيسه مما علمت وللإشعار بعلة الحكم، وقيل: وصف بذلك للدلالة على أن المراد بالبنيان ما هو المبني حقيقة لا ما دبروه من الأمور فإن البناء قد يطلق على تدبير الأمر وتقديره / كما في قولهم كم أبني وتهدم؟ وعليه قوله:شعر : متى يبلغ البنيان يوماً تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم تفسير : وحاصله أن الوصف للتأكيد وفائدته دفع المجاز، وهذا نظير ما قالوا في قوله سبحانه: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً } تفسير : [النساء: 164] وفيه بحث. والاستثناء في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} من أعم الأوقات أو أعم الأحوال وما بعد {إِلاَّ} في محل النصب على الظرفية أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطع قلوبهم أو في كل حال إلا حال تقطعها أي تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وهذا كناية عن تمكن الريبة في قلوبهم التي هي محل الإدراك وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء إلا إذا تقطعت وفرقت وحينئذ تخرج منها الريبة وتزول، وهو خارج مخرج التصوير والفرض، وقيل: المراد بالتقطع ما هو كائن بالموت من تفرق أجزاء البدن حقيقة وروي ذلك عن بعض السلف. وأخرج ابن المنذر وغيره عن أيوب قال: كان عكرمة يقرأ (إلا أن تقطع قلوبهم في القبور) وقيل: المراد إلا أن يتوبوا ويندموا ندامة عظيمة تفتت قلوبهم وأكبادهم فالتقطع كناية أو مجاز عن شدة الأسف. وروى ذلك ابن أبـي حاتم عن سفيان، وتقطع من التفعل بِ [حذف] إحدى التاءين والبناء للفاعل أي تتقطع. وقرىء {تقطع} على بناء المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع أنت قلوبهم بالقتل، وقرىء على البناء للمفعول من الثلاثي مذكراً ومؤنثاً. وقرأ الحسن {إِلَىٰ أَن تُقَطَّعَ} على الخطاب، وفي قراءة عبد الله (ولو قطعت قلوبهم) على إسناد الفعل مجهولاً إلى قلوبهم. وعن طلحة { ولو قطعت قلوبهم} على خطاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصح أن يعني بالخطاب كل مخاطب، وكذا يصح أن يجعل ضمير {تَقَطَّعَ} مع نصب {قُلُوبُهُمْ} للريبة. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ} بجميع الأشياء التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم {حَكِيمٌ} في جميع أفعاله التي من جملتها أمره سبحانه الوارد في حقهم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ ءاتَـٰنَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [التوبة: 75] إشارة إلى وصف المغرورين الذين ما ذاقوا طعم المحبة ولا هب عليهم نسيم العرفان، ومن هنا صححوا لأنفسهم أفعالاً فقالوا: لنصدقن {أية : فَلَمَّا آتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ }تفسير : [التوبة: 76] أي أنهم نقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه، والبخل كما قال أبو حفص: ترك الإيثار عند الحاجة إليه {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ} وهو ما لا يعلمونه من أنفسهم {أية : وَنَجْوٰهُم }تفسير : [التوبة: 78] أي ما يعلمونه منها دون الناس، وقيل: السر ما لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة {أية : وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً} تفسير : [التوبة: 81] أرادوا التثبيط على المؤمنين ببيان بعض شدائد الغزو وما دروا أن المحب يستعذب المر في طلب وصال محبوبه ويرى الحزن سهلاً والشدائد لذائذ في ذلك، ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد، ورد عليهم بأنهم آثروا بمخالفتهم النار التي هي أشد حراً ويشبه هؤلاء المنافقين في هذا التثبيط أهل البطالة الذين يثبطون السالكين عن السلوك ببيان شدائد السلوك وفوات اللذائذ الدنيوية {لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ} فأفنوا كل ذلك في طلب مولاهم جل جلاله {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ} المشاهدات والمكاشفات والقربات {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }تفسير : [التوبة: 88] الفائزون بالبغية. {لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَاء} أي الذين أضعفهم حمل المحبة {وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} بداء الصبابة حتى ذابت أجسامهم / بحرارة الفكر وشدائد الرياضة {وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ} وهم المتجردون من الأكوان {حَرَجٌ} اثم في التخلف عن الجهاد الأصغر {أية : إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ }تفسير : [التوبة: 91] بأن أرشدوا الخلق إلى الحق {أية : وَمِنَ ٱلاْعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا } تفسير : [التوبة: 98] غرامة وخسراناً، قيل: كل من يرى الملك لنفسه يكون ما ينفق غرامة عنده وكل من يرى الأشياء لله تعالى وهي عارية عنده يكون ما ينفق غنماً عنده {وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلاْوَّلُونَ} أي الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصنف الأول {مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ} وهم الذين هجروا مواطن النفس {وَٱلاْنصَـٰرِ} وهم الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس {وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم} في الاتصاف بصفات الحق {بِإِحْسَـٰنٍ} أي بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال {رَضِيَ ٱللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ} بما أعطاهم من عنايته وتوفيقه {وَرَضُواْ عَنْهُ} بقبول ما أمر به سبحانه وبذل أموالهم ومهجهم في سبيله عز شأنه {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ} من جناب الأفعال والصفات {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ }تفسير : [التوبة: 100] وهي أنهار علوم التوكل والرضا ونحوهما ووراء هذه الجنات المشتركة بين المتعاطفات جنة الذات وهي مختصة بالسابقين {وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ} وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل من القبائح إلا حسناً {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً} حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالاً صالحة وذلك إذا استولى القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالاً سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها وهي دائماً بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات، ولعل قوله سبحانه: {أية : عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }تفسير : [التوبة: 102] إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيآت المظلمة فترجع القهقرى ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوى إلى سجين الطبيعة فتهلك مع الهالكين، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم، وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولله در من قال: شعر : عليك بأرباب الصدور فمن غدا مضافاً لأرباب الصدور تصدراً وإياك أن ترضى صحابة ناقص فتنحط قدراً عن علاك وتحقرا فرفع أبو من ثم خفض مزمل يبين قولي مغرياً ومحذراً تفسير : وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله سبحانه وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} لأن المال مادة الشهوات فأمر النبـي صلى الله عليه وسلم بالأخذ من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس وتضعف أهواؤها وصفاتها فتتزكى من الهيآت المظلمة وتتطهر من خبث الذنوب ورجس دواعي الشيطان {وَصَلّ عَلَيْهِمْ} بإمداد الهمة وإفاضة أنوار الصحبة {أية : إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ}تفسير : [التوبة: 103] أي سبب لنزول السكينة فيهم، وفسروا السكينة بنور يستقر في القلب وبه يثبت على التوجه إلى الحق ويتخلص عن الطيش {لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ} لأن النفس تتأثر / فيه بصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان بخلاف ما إذا كان مبنياً على ضد ذلك فإنها تتأثر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض. وأصل ذلك أن عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره فيلزم أن يكون لنيات النفوس وهيأتها تأثير فيما تباشره من الأعمال، ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت محلاً للتبرك لما أنها كانت مبنية بيد خليل الله تعالى عليه الصلاة والسلام بنية صادقة ونفس شريفة، ونحن نجد أيضاً أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع وضد ذلك في بعضها، ولست أعني إلا وجود ذوي النفوس الحساسة الصافية لذلك وإلا فالنفوس الخبيثة تجد الأمر على عكس ما تجده أرباب تلك النفوس، والصفراوي يجد السكر مراً، والجُعَل يستخبث رائحة الورد. ومن هنا كان المنافق في المسجد كالسمك في اليبس والمخلص فيه كالسمكة في الماء {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ} أي أهل إرادة وسعي في التطهر عن الذنوب، وهو إشارة إلى أن صحبة الصالحين لها أثر عظيم، ويتحصل من هذا وما قبله الإشارة إلى أنه ينبغي رعاية المكان والإخوان في حصول الجمعية، وجاء عن القوم أنه يجب مراعاة ذلك مع مراعاة الزمان في حصول ما ذكر {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُطَّهّرِينَ }تفسير : [التوبة: 108] ولو محبته إياهم لما أحبوا ذلك. وعن سهل الطهارة على ثلاثة أوجه: طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة الطاعة من المعصية. وقال بعضهم: الطهارة على أقسام كثيرة: فطهارة الأسرار من الخطرات، وطهارة الأرواح من الغفلات، وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة العقول من الجهالات، وطهارة النفوس من الكفريات، وطهارة الأبدان من الزلات. وقال آخر: الطهارة الكامل طهارة الأسرار من دنس الأغيار والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {لا يزال بنيانهم} يجوز أن تكون مستأنفة لتعدَاد مساوي مسجد الضرار بذكر سوءِ عواقبه بعد أن ذكرَ سوء الباعثِ عليه وبعد أن ذكر سوء وقعه في الإسلام بأن نهى الله رسوله عن الصلاة فيه وأمرَه بهدمه، لأنه لما نهاه عن الصلاة فيه فقد صار المسلمون كلهم منهيين عن الصلاة فيه، فسلب عنه حكم المساجد، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدمه. ويرجح هذا الوجه أنه لم يؤت بضمير المسجد أو البنيان بل جيء باسمه الظاهر. ويجوز أن تكون خبراً ثانياً عن {أية : الذين اتخذوا مسجداً ضراراً}تفسير : [التوبة: 107] كأنه قيل: لا تقم فيه ولا يزال ريبةً في قلوبهم، ويكون إظهار لفظ {بنيانهم} لزيادة إيضاحه. والرابط هو ضمير {قلوبهم}. والمعنى أن ذلك المسجد لما بنوه لغرض فاسد فقد جعلهُ اللّهُ سبباً لبقاء النفاق في قلوبهم ما دامت قلوبهم في أجسادهم. وجَعل البنيان ريبةً مبالغة كالوصف بالمصدر. والمعنى أنه سبب للريبة في قلوبهم. والريبة: الشك، فإن النفاق شك في الدين، لأن أصحابه يترددون بين موالاة المسلمين والإخلاص للكافرين. وقوله: {إلا أن تقطع قلوبهم} استثناء تهكمي. وهو من قبيل تأكيد الشيء بما يشبه ضده كقوله تعالى: {أية : ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَم الخياط}تفسير : [الأعراف: 40]، أي يبقى ريبة أبداً إلا أن تقطع قلوبهم منهم وما هي بمُقطعة. وجملة: {والله عليم حكيم} تذييل مناسب لهذا الجعل العجيب والإحكام الرشيق. وهو أن يكون ذلك البناء سببَ حسرة عليهم في الدنيا والآخرة. وقرأ الجمهور {تُقطع} بضم التاء. وقرأه ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب {تَقطَّعَ} بفتح التاء على أن أصله تتقطع. وقرأ يعقوب {إلى أن تقطع} بحرف (إلى) التي للانتهاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {بُنْيَانُهُمُ} (110) - وَسَيَظَلُّ البُنْيَانُ، الذِي بَنَاهُ هؤُلاءِ المُنَافِقُونَ، يُورِثُهُمْ شَكّاً فِي قُلُوبِهِمْ، وَنِفاقاً حَتَّى مَوْتِهِمْ، بِسَبَبِ إِقْدَامِهِمْ عَلَى هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِأَحْوَالِ النَّاسِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ. رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ - شَكّاً وَنِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ. تَقَطَّعَ قُلوبُهُمْ - تَتَقَطَّعُ وَتَتَفَرَّقُ أَجْزَاءً بِالمَوْتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : البنيان الذي بنوا هو مسجد الضرار، وأرادوا به ضرراً وكفراً وتفريقاً وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعدهم أن يصلي فيه، وكشف له الحق أنهم أرادوا بصلاة رسول الله فيه ذريعة وأن يرسموا الصلاة فيه. ولما عاد صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أنزل الله عليه: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً} وأرسل صلى الله عليه وسلم بعضاً من صحابته ليهدموا هذا المسجد، ولم يكتف بالهدم، بل أمر أن يُجْعَل مكان المسجد قمامة إشعاراً منه صلى الله عليه وسلم بأن المسجد بنيته الأولى كانت نجاسته نجاسة معنوية، وحين توضع فيه النجاسة الحسّية، تكون طهارة بالنسبة للنجاسة المعنوية، فكأنه طهر المكان من النجاسة المعنوية بالنجاسة الحسيّة. ورسول الله يعلمنا هنا أن الأمر ليس أمر نجاسات حسيّة، وإنما النجاسات المعنوية أفظع من النجاسات الحسيّة، فالإنسان قد يتحرز من النجاسات الحسيّة، لكن النجاسات التي تخامر القلوب والعقائد والعواطف فهي التي تسبب للإنسان الشقاء. وهنا يقول الحق: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} فبعد أن هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البنيان وصار موقعه موضع القذارة، بقي أمر هذا البنيان موضع شك منهم وصاروا يتوجسون أن ينزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العقاب، وظلوا في شك من أن يصيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء، ولن يذهب هذا الشك من قلوبهم إلا أن تقطع تلك القلوب بالموت. إن الشك والريبة محلها القلب، والقلب هو العضو الثاني في استبقاء الحياة، أما العضو الأول في استبقاء الحياة فهو المخ، فما دامت خلايا المخ سليمة، فمن الممكن أن تعود الحياة إلى الإنسان ولكن برتابة، أما القلب فحين يتوقف فالأطباء يحاولون أن يعيدوا له الحركة، إما بشق الصدر أو تدليك القلب ليعود إليه النبض، وقد يفلحون ما دامت خلايا المخ سليمة، فالمخ في الإنسان هو سيد الجسم كله، ولذلك تجدون أن الحق قد صان المخ بأقوى الصيانات بعظام الجمجمة. وكذلك النخاعات التي تتحكم في إدارة الجسد، نجده سبحانه قد كفل لها من العظام أعلى درجات الصيانة. ونرى في الحفريات أن الجماجم هي أبقى شيء، مما يدل على أنه للحفاظ على المخ قد جعل الله له أقوى العظام، وما دام المخ سيد الجسم سليماً فمن الممكن أن تستمر الحياة، ولذلك نجد أن الجسم كله يخدم المدبر للجسم، ويحافظ على صيانته. والإنسان إن تعرض للجوع يأكل من شحمه، وحين يفوته ميعاد تناوله للطعام، يعرض عليه الطعام يقول: ليس لي رغبة في الأكل، وهذا ليس إلاّ تعبيراً علمياً لما حدث في الجسم، فأنت أكلت بالفعل، فما دام قد مر ميعاد طعامك ولم تأكل فإن جسمك يأخذ ما يحتاجه من الدهون المخزونة به، وإذا ما انتهى الدهن يأخذ الإنسان من لحمه، وإذا ما انتهى اللحم يأخذ الإنسان غذاءه من عظامه، وكل ذلك من أجل أن يبقى السيد وهو "المخ" مصاناً. ولذلك تجد القرآن حينما عرض مسألة سيدنا زكريا، قال على لسانه: {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي ...} تفسير : [مريم: 4]. أي: أن آخر مخزن للقوت قد قارب على الانتهاء، أما النبات فهو عكس الإنسان، فسيد النبات أسفل شيء فيه وهو الجذر، ويحاول النبات المحافظة على جذره، فإن امتنع الغذاء عن النبات بامتناع المياه عنه، بدأت أوراق النبات في الذبول؛ لأنها تعطي حيويتها ومائيتها للجذر، ثم تجد الساق تجف لأنها تعطي حياة للجذر ليستمر إلى أن يأتي قليل من المياه أو قليل من الغذاء، فيعود الجذر قويّاً. والقلب هو محل العقائد والاعتقادات، وهي الأشياء التي تنشأ من المحسّات، وتتكون في الفؤاد لتصير عقائد لا تطفو للمناقشة من جديد، أما العقل فهو يناقش كل المسائل، وما إن ينتهي من الاقتناع بفكرة حتى تستقر في القلب. وهنا يوضح لنا الله أن هذا البنيان سيظل أثره في قلوبهم، ولن ينتهي منهم أبداً إلا بشيء واحد هو: {أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} والقلوب لا تتقطع إلا بالموت، وكأن الشك من هذا البنيان سيظل يلاحقهم إلى أن يموتوا. أو: {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} أي: أن تتقطع توبة وأسفاً وحزناً. وهذا تهديد لهم بأن مسيئاتهم ليست من الخارج، وإنما مسيئاتهم من ذوات نفوسهم. ووجود الريبة في نفوسهم، يعني أنها لن تجعلهم يستشرون في الإفساد لخوفهم المستمر من العقاب. ثم يقول سبحانه: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وعلمه سبحانه شامل فلا تخفى عليه خافية، وحكمته سبحانه أنه يضع كل شيء في مكانه. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [الآية: 110]. يقول: إِلا أَن يموتوا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {ٱلسَّائِحُونَ} [الآية: 112]: الصائمون. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قيل للنبي، صلى الله عليه وسلم، أَن فلاناً يستغفر لأَبويه المشركين. قال: ونحن نستغفر لآبائنا المشركين. فأَنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} [الآية: 113]. إِلى قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [الآية: 114]. فأَمسكوا عن الاستغفار لهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد قال: "الأَوّاه" [الآية: 114]. الموقن.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} والرَّيبةُ: الشَّكُ. وإِلاَّ أَنْ تَقَطعَ قُلوبُهُم: معناهُ إِلاَّ أَنْ يَموتُوا.

همام الصنعاني

تفسير : 1130- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ}: [الآية: 110]، قال: شكّاً في قلوبهم {إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}: [الآية: 110]، يقول: إلاّ أنْ يَمُوتُوا.