٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
111
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما شرع في شرح فضائح المنافقين وقبائحهم لسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، فلما تمم ذلك الشرح والبيان وذكر أقسامهم، وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقته فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القرطبي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: « حديث : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم » تفسير : قالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: « حديث : الجنة » تفسير : قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت هذه الآية. قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم. المسألة الثانية: قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك، ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، لكن هذا ذكره تعالى لحسن التلطف في الدعاء إلى الطاعة، وحقيقة هذا، أن المؤمن متى قاتل في سبيل الله حتى يقتل، فتذهب روحه، وينفق ماله في سبيل الله، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاء لما فعل. فجعل هذا استبدالاً وشراء. هذا معنى قوله: {ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } أي بالجنة، وكذا قراءة عمر بن الخطاب والأعمش. قال الحسن: اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة، بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة. وقال الصادق عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها» تفسير : وقوله: {وَأَمْوٰلَهُمْ } يريد التي ينفقونها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي الآية لطائف: اللطيفة الأولى المشتري لا بد له من بائع، وههنا البائع هو الله والمشتري هو الله، وهذا إنما يصح في حق القيم بأمر الطفل الذي لا يمكنه رعاية المصالح في البيع والشراء، وصحة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة العظيمة، فهذا المثل جار مجرى التنبيه على كون العبد شبيهاً بالطفل الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه، وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه بشرط الغبطة التامة، والمقصود منه التنبيه على السهولة والمسامحة، والعفو عن الذنوب، والإيصال إلى درجات الخيرات ومراتب السعادات. واللطيفة الثانية: أنه تعالى أضاف الأنفس والأموال إليهم فوجب أن كون الأنفس والأموال مضافة إليهم يوجب أمرين مغايرين لهم، والأمر في نفسه كذلك، لأن الإنسان عبارة عن الجوهر الأصلي الباقي، وهذا البدن يجري مجرى الآلة والأدوات والمركب، وكذلك المال خلق وسيلة إلى رعاية مصالح هذا المركب، فالحق سبحانه اشترى من الإنسان هذا المركب وهذا المال بالجنة، وهو التحقيق. لأن الإنسان ما دام يبقى متعلق القلب بمصالح عالم الجسم المتغير المتبدل، وهو البدن والمال، امتنع وصوله إلى السعادات العالية والدرجات الشريفة، فإذا انقطع التفاته إليها وبلغ ذلك الانقطاع إلى أن عرض البدن للقتل، والمال للإنفاق في طلب رضوان الله، فقد بلغ إلى حيث رجح الهدى على الهوى، والمولى على الدنيا، والآخرة على الأولى، فعند هذا يكون من السعداء الأبرار والأفاضل الأخيار، فالبائع هو جوهر الروح القدسية والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الثاني الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والهم والغم زائل، ولهذا قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ }. ثم قال: {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } قال صاحب «الكشاف»: قوله: {يُقَـٰتَلُونَ } فيه معنى الأمر كقوله: {تُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } وقيل جعل {يُقَـٰتَلُونَ } كالتفسير لتلك المبايعة، وكالأمر اللازم لها. قرأ حمزة والكسائي بتقديم المفعول على الفاعل وهو كونهم مقتولين على كونهم قاتلين، والباقون بتقديم الفاعل على المفعول. أما تقديم الفاعل على المفعول فظاهر، لأن المعنى أنهم يقتلون الكفار ولا يرجعون عنهم إلى أن يصيروا مقتولين. وأما تقديم المفعول على الفاعل، فالمعنى: أن طائفة كبيرة من المسلمين، وإن صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة، بل يبقون بعد ذلك مقاتلين مع الأعداء. قاتلين لهم بقدر الإمكان، وهو كقوله: { أية : فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 146] أي ما وهن من بقي منهم. واختلفوا في أنه هل دخل تحت هذه الآية مجاهدة الأعداء بالحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم لا؟ فمنهم من قال: هو مختص بالجهاد بالمقاتلة، لأنه تعالى فسر تلك المبايعة بالمقاتلة بقوله: {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } ومنهم من قال: كل أنواع الجهاد داخل فيه، بدليل الخبر الذي رويناه عن عبد الله بن رواحة. وأيضاً فالجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل آثاراً من القتال، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: « حديث : لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس » تفسير : ولأن الجهاد بالمقاتلة لا يحسن أثرها إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة. وأما الجهاد بالحجة فإنه غني عن الجهاد بالمقاتلة. والأنفس جوهرها جوهر شريف خصه الله تعالى بمزيد الإكرام في هذا العالم، ولا فساد في ذاته، إنما الفساد في الصفة القائمة به، وهي الكفر والجهل. ومتى أمكن إزالة الصفة الفاسدة، مع إبقاء الذات والجوهر كان أولى. ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه، لا جرم حث الشرع على إبقائه، فقال: « حديث : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به » تفسير : فالجهاد بالحجة يجري مجرى الدباغة، وهو إبقاء الذات مع إزالة الصفة الفاسدة، والجهاد بالمقاتلة يجري مجرى إفناء الذات، فكان المقام الأول أولى وأفضل. ثم قال تعالى: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ } قال الزجاج: نصب {وَعْداً } على المعنى، لأن معنى قوله: {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } أنه وعدهم الجنة، فكان وعداً مصدراً مؤكداً. واختلفوا في أن هذا الذي حصل في الكتب ما هو؟ فالقول الأول: أن هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيل الله وعد ثابت، فقد أثبته الله في التوراة والإنجيل كما أثبته في القرآن. والقول الثاني: المراد أن الله تعالى بين في التوراة والإنجيل أنه اشترى من أمة محمد عليه الصلاة والسلام أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، كما بين في القرآن. والقول الثالث: أن الأمر بالقتال والجهاد هو موجود في جميع الشرائع. ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } والمعنى: أن نقض العهد كذب. وأيضاً أنه مكر وخديعة، وكل ذلك من القبائح، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها، فالغني عن كل الحاجات أولى أن يكون منزهاً عنها. وقوله: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ } استفهام بمعنى الإنكار، أي لا أحد أوفى بما وعد من الله. ثم قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } واعلم أن هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيدات: فأولها: قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } فيكون المشتري هو الله المقدس عن الكذب والخيانة، وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد. والثاني: أنه عبر عن إيصال هذا الثواب بالبيع والشراء، وذلك حق مؤكد. وثالثها: قوله: {وَعْداً } ووعد الله حق. ورابعها: قوله: {عَلَيْهِ } وكلمة «على» للوجوب. وخامسها: قوله: {حَقّاً } وهو التأكيد للتحقيق. وسادسها: قوله: {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ } وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة. وسابعها: قوله: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } وهو غاية في التأكيد. وثامنها: قوله: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } وهو أيضاً مبالغة في التأكيد. وتاسعها: قوله: {وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ } وعاشرها: قوله: {ٱلْعَظِيمُ } فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق. ونختم الآية بخاتمة وهي أن أبا القاسم البلخي استدل بهذه الآية على أنه لا بد من حصول الأعواض عن آلام الأطفال والبهائم. قال لأن الآية دلت على أنه لا يجوز إيصال ألم القتل وأخذ الأموال إلى البالغين إلا بثمن هو الجنة، فلا جرم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } فوجب أن يكون الحال كذلك في الأطفال والبهائم، ولو جاز عليهم التمني لتمنوا أن آلامهم تتضاعف حتى تحصل لهم تلك الأعواض الرفيعة الشريفة، ونحن نقول: لا ننكر حصول الخيرات للأطفال والحيوانات في مقابلة هذه الآلام، وإنما الخلاف وقع في أن ذلك العوض عندنا غير واجب، وعندكم واجب، والآية ساكتة عن بيان الوجوب.
القرطبي
تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولىٰـ قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} قيل؛ هذا تمثيل؛ مثل قوله تعالىٰ: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}تفسير : [البقرة: 16]. ونزلت الآية في البيعة الثانية، وهي بيعة العقبة الكبرىٰ، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين، وكان أصغرهم سناً عُقبة بن عمرو؛ وذلك أنهم اجتمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقال عبد الله بن رواحة للنبيّ صلى الله عليه وسلم اشترط لربك ولنفسك ما شئت؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أشترطُ لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم»تفسير : . قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: «حديث : الجنة» تفسير : قالوا: رَبح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل؛ فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} الآية. ثم هي بعد ذلك عامّة في كل مجاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. الثانية ـ هذه الآية دليل على جواز معاملة السيد مع عبده، وإن كان الكل للسيد لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه. وجائز بين السيد وعبده ما لا يجوز بينه وبين غيره؛ لأن ماله له وله ٱنتزاعه. الثالثة ـ أصل الشراء بين الخلق أن يعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع؛ فاشترىٰ الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته، وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضاً عنها إذا فعلوا ذلك. وهو عوض عظيم لا يدانيه المعوّض ولا يقاس به، فأجرىٰ ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثواب والنوال فسمى هذا شراء. وروىٰ الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن فوق كل بِرٍّ بِرٌ حتى يبذُل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا برّ فوق ذلك»تفسير : . وقال الشاعر في معنىٰ البر:شعر : الجود بالماء جود فيه مكرمة والجود بالنفس أقصىٰ غاية الجود تفسير : وأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه:شعر : أُثَامِنُ بالنفس النفيسة ربَّها وليس لها في الخلق كلِّهِمُ ثَمَنْ بها تُشْترىٰ الجناتُ، إن أنا بعتها بشيء سواها إن ذلكُمُ غبَنْ لئن ذهبَتْ نفسي بدنيا أصبتُها لقد ذهبتْ نفسي وقد ذهب الثمن تفسير : قال الحسن: حديث : ومرّ أعرابيّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} فقال: كلام من هذا؟ قال: «كلام الله» قال: بَيْعٌ والله مُرْبح لا نُقيله ولا نستقيلهتفسير : . فخرج إلى الغَزْوِ وٱستُشْهِد. الرابعة ـ قال العلماء: كما ٱشترىٰ من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك ٱشترىٰ من الأطفال فآلمهم وأسقمهم؛ لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحاً وأقلَّ فساداً منهم عند ألم الأطفال، وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهمّ ويتعلق بهم من التربية والكفالة. ثم هو عز وجل يعوّض هؤلاء الأطفال عِوَضاً إذا صاروا إليه. ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليَبْنِيَ وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذىً، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر. الخامسة ـ قوله تعالىٰ: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} بيان لما يقاتلُ له وعليه؛ وقد تقدّم. {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخَلَف بتقديم المفعول على الفاعل؛ ومنه قول ٱمرىء القيس:شعر : فـإن تَقْتُلـونا نُقَتِّلكـم... تفسير : أي إن تقتلوا بعضنا يقتلكم بعضنا. وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول. السادسة ـ قوله تعالىٰ: {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} إخبار من الله تعالىٰ أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه السلام. و «وعْداً» و «حقَّاً» مصدران مؤكدانَّ. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} أي لا أحد أوفىٰ بعهده من الله. وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد. ولا يتضمن وفاء البارىء بالكل؛ فأما وعده فللجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي بعض الأحوال. وقد تقدّم هذا المعنىٰ مستوفىٰ. الثامنة ـ قوله تعالىٰ: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} أي أظهروا السرور بذلك. والبشارةُ إظهارُ السرور في البَشَرة. وقد تقدّم. وقال الحسن: واللَّهِ ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة. {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي الظفر بالجنة والخلود فيها.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه عاوض عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم - إذ بذلوها في سبيله بالجنة - وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قبل العوض عما يملكه بما تفضل به على عبيده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم والله، فأغلى ثمنهم. وقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا ولله عز وجل في عنقه بيعة، وفى بها، أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية. ولهذا يقال: من حمل في سبيل الله، بايع الله، أي: قبل هذا العقد، ووفى به. وقال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: «حديث : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم» تفسير : قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: «الجنة» قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل، فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} الآية، وقوله: {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} أي: سواء قتلوا أو قتلوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة. ولهذا جاء في الصحيحين: «حديث : وتكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي؛ بأن توفاه، أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة» تفسير : وقوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ} تأكيد لهذا الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وقوله: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} فإنه لا يخلف الميعاد. هذا كقوله: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} تفسير : [النساء: 87]، {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} تفسير : [النساء: 122] ولهذا قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووفى بهذا العهد، بالفوز العظيم، والنعيم المقيم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } بأن يبذلوها في طاعته كالجهاد {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } جملة استئناف بيان للشراء. وفي قراءة بتقديم المبني للمفعول. أي فَيُقْتَلُ بعضُهم ويقاتِل الباقي {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } أي لا أحد أوفى منه {فَٱسْتَبْشِرُواْ } فيه التفات عن الغيبة {بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ } البيع {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } المنيل غاية المطلوب.
الشوكاني
.تفسير : لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم، وفرّع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه، وذكر الشراء تمثيل، كما في قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16] مثل سبحانه إثابة المجاهدين بالجنة على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيل الله بالشراء، وأصل الشراء بين العباد هو: إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه، أو أنفع منه، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها للمؤمنين، أي: بأن يكونوا من جملة أهل الجنة، وممن يسكنها فقد جادوا بأنفسهم، وهي أنفس الأعلاق، والجود بها غاية الجود:شعر : يجود بالنفس أن ضنّ الجبان بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود تفسير : وجاد الله عليهم بالجنة، وهي أعظم ما يطلبه العباد، ويتوسلون إليه بالأعمال؛ والمراد بالأنفس هنا: أنفس المجاهدين، وبالأموال: ما ينفقونه في الجهاد. قوله: {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } بيان للبيع الذي يقتضيه الاشتراء المذكور، كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة؟ فقيل: يقاتلون في سبيل الله، ثم بيّن هذه المقاتلة في سبيل الله بقوله: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } والمراد أنهم: يقدمون على قتل الكفار في الحرب، ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد، والتعرّض للموت بالإقدام على الكفار. قرأ الأعمش، والنخعي، وحمزة، والكسائي وخلف بتقديم المبنيّ للمفعول على المبنيّ للفاعل. وقرأ الباقون بتقديم المبني للفاعل على المبني للمفعول. وقوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ } إخبار من الله سبحانه أن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله في التوراة والإنجيل، كما وقع في القرآن، وانتصاب و{عداً} و{حقاً} على المصدرية أو الثاني: نعت للأوّل، و{في التوراة} متعلق بمحذوف: أي وعداً ثابتاً فيها. قوله: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ } في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد، والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال، ما لا يخفى، فإنه أوّلاً أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم، وأموالهم، بأن لهم الجنة، وجاء بهذه العبارة الفخيمة، وهي كون الجنة قد صارت ملكاً لهم، ثم أخبر ثانياً بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزّلة، ثم أخبر بأنه بعد هذا الوعد الصادق، لا بدّ من حصول الموعود به، فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه، وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، ثم زادهم سروراً وحبوراً، فقال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } أي: أظهروا السرور بذلك، والبشارة هي إظهار السرور، وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال: أسارير الوجه: أي التي يظهر فيها السرور. وقد تقدّم إيضاح هذا، والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله. والمعنى: أظهروا السرور بهذا البيع الذي بايعتم به الله عزّ وجلّ، فقد ربحتم فيه ربحاً لم يربحه أحد من الناس، إلا من فعل مثل فعلكم، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الجنة، أو إلى نفس البيع الذي ربحوا فيه الجنة، ووصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظم، يدل على أنه فوز لا فوز مثله. قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } خبر مبتدأ محذوف: أي هم التائبون، يعني: المؤمنون، والتائب الراجع: أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة. وقال الزجاج: الذي عندي أن قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } رفع بالابتداء وخبره مضمر: أي التائبون، ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضاً، وإن لم يجاهدوا. قال: وهذا أحسن، إذ لو كانت هذه أوصافاً للمؤمنين المذكورين في قوله: {ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لكان الوعد خاصاً بمجاهدين. وقد ذهب إلى ما ذهب إليه الزجاج من أن هذا الكلام منفصل عما قبله طائفة من المفسرين، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى المؤمنين في الآية الأولى، وأنها على جهة الشرط: أي لا يستحق الجنة بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف. وفي مصحف عبد الله بن مسعود: التائبين العابدين إلى آخرها ــ وفيه وجهان: أحدهما: أنها أوصاف للمؤمنين. الثاني: أن النصب على المدح. وقيل: إن ارتفاع هذه الأوصاف على البدل من ضمير {يقاتلون}، وجوز صاحب الكشاف أن يكون {التائبون} مبتدأ، وخبره {العابدون}، وما بعده أخبار، كذلك أي: التائبون من الكفر على الحقيقة، الجامعون لهذه الخصال، وفيه من البعد ما لا يخفى، والعابدون القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص. و {ٱلْحَـٰمِدُونَ } الذين يحمدون الله سبحانه على السرّاء والضرّاء، و {ٱلسَّـٰئِحُونَ } قيل: هم الصائمون، وإليه ذهب جمهور المفسرين، ومنه قوله تعالى: {أية : عَـٰبِدٰتٍ سَـٰئِحَـٰتٍ }تفسير : [التحريم: 5] وإنما قيل للصائم سائح؛ لأنه يترك اللذات، كما يتركها السائح في الأرض، ومنه قول أبي طالب بن عبد المطلب:شعر : وبالسائحين لا يذوقون فطرة لربهم والراكدات العوامل تفسير : وقال آخر:شعر : تراه يصلي ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحا تفسير : قال الزجاج: ومذهب الحسن أن السائحين ها هنا هم الذين يصومون الفرض، وقيل: إنهم الذين يديمون الصيام. وقال عطاء: السائحون المجاهدون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: السائحون: المهاجرون. وقال عكرمة: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم. وقيل: هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته، وما خلق من العبر. والسياحة في اللغة أصلها: الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء، وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق، ولما يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه، و {ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ } معناه: المصلون، و {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ } القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } القائمون بالإنكار على من فعل منكراً: أي شيئاً ينكره الشرع {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها في كتبه، وعلى لسان رسله، وإنما أدخل الواو في الوصفين الآخرين، وهما: {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ } الخ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمنزلة خصلة واحدة، ثم عطف عليه الحافظون بالواو لقربه. وقيل: إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها، كقوله: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ }تفسير : [غافر: 3]. وقيل: إن الواو زائدة. وقيل: هي واو الثمانية المعروفة عند النحاة، كما في قوله تعالى: {أية : ثَيّبَـٰتٍ وَأَبْكَاراً } تفسير : [التحريم: 5]، وقوله: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا }تفسير : [الزمر: 73]، وقوله: {أية : سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } تفسير : [الكهف: 22]، وقد أنكروا الثمانية، أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } الموصوفين بالصفات السابقة. وقد أخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: حديث : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تنعون منه أنفسكم وأموالكم"تفسير : ، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "حديث : الجنة»تفسير : ، قال: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله، قال: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } فكبر الناس في المسجد، فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه، فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية؟ قال: "حديث : نعم"تفسير : ، فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل، ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد، عن عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار: أن يشهدوا أن لا إلٰه إلا الله وأنه رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا ينازعوا في الأمر أهله، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم. قالوا: نعم؛ قال قائل الأنصار: نعم، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ قال: "حديث : الجنة"تفسير : . وأخرجه ابن سعد أيضاً من وجه آخر، وليس في قصة العقبة ما يدلّ على أنها سبب نزول الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال: من مات على هذه التسع، فهو في سبيل الله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ } إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال: الشهيد من كان له التسع الخصال المذكورة في هذه الآية. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: العابدون الذين يقيمون الصلاة. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عنه، أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أوّل من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السرّاء والضرّاء.»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين، فقال: "حديث : هم الصائمون"تفسير : . وأخرج الفريابي، وابن جرير، والبيهقي في شعب الإيمان، من طريق عبيد بن عمير، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن النجار، من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، مرفوعاً مثله. وقد روي عن أبي هريرة موقوفاً، وهو أصح من المرفوع من طريقه، وحديث عبيد بن عمير مرسل، وقد أسنده من طريق أبي هريرة في الرواية الثانية. وقد روي من قول جماعة من الصحابة مثل هذا: منهم عائشة عند ابن جرير، وابن المنذر، ومنهم ابن عباس عند ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، ومنهم ابن مسعود، عند هؤلاء المذكورين قبله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن أبي أمامة أنّ رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: «حديث : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» تفسير : وصححه عبد الحق. وأخرج أبو الشيخ، عن الربيع، في هذه الآية قال: هذه أعمال قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قضى على نفسه في التوراة والإنجيل والقرآن لهذه الأمة أن من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيداً، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله. وأخرج ابن المنذر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة. قال: وقال ابن عباس: من مات وفيه تسع، فهو شهيد، وقرأ هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ } يعني: بالجنة، ثم قال: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } إلى قوله: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } يعني: القائمين على طاعة الله، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد، وإذا وفوا لله بشرطه وفى لهم بشرطهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} اشترى أنفسهم بالجهاد، {وَأَمْوَالَهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: نفقاتهم في الجهاد. والثاني: صدقاتهم على الفقراء. {بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} قال سعيد بن جبير: يعني الجنة، وهذا الكلام مجاز معناه أن الله تعالى أمرهم بالجهاد بأنفسهم وأموالهم ليجازيهم بالجنة، فعبر عنه بالشراء لما فيه من عوض ومعوض مضار في معناه، ولأن حقيقة الشراء لما لا يملكه المشتري. {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} لأن الثواب على الجهاد إنما يستحق إذا كان في طاعته ولوجهه. {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} يعني أن الجنة عوض عن جهادهم سواء قَتَلُوا أو قُتِلُوا. فروى جابر بن عبد الله الأنصاري أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فكبّر الناس، فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرف ردائه على أحد عاتقيه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ فقال: نَعَم، فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقبل ولا نستقبل. وقال بعض الزهاد: لأنه اشترى الأنفس الفانية بالجنة الباقية.
ابن عبد السلام
تفسير : {اشْتَرَى} لما جُوزوا بالجنة على ذلك عُبِّر عنه بلفظ الشراء تَجوزاً.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فيقتلون} مبنياً للمفعول {ويقتلون} مبنياً للفاعل: حمزة علي وخلف الآخرون على العكس. {ويقتلون} بالتشديد: أبو عون عن قنبل. {إبراهام} وكذلك ما بعده: هشام {يزيغ} بياء الغيبة. حمزة وحفص والمفضل. والباقون بتاء التأنيث. {خلفوا} بالتخفيف وفتح اللام روى ابن رومي عن عباس. الباقون بالتشديد مجهولاً. الوقوف: {الجنة} ط {ويقتلون} ط {والقرآن} ط {بايعتهم به} ط {العظيم} ه {لحدود الله} ط {المؤمنين} ه {الجحيم} ه {إياه} ط {منه} ط ج {حليم} ه ط {ما يتقون} ط {عليم} ه {والأرض} ط {ويميت} ط {نصير} ه {تاب عليهم} ط {رحيم} ه ط للعطف على النبي {خلفوا} ط {إلا إليه} ط {ليتوبوا} ط {الرحيم} ه {الصادقين} ه. التفسير: لما شرح فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم ما كان لائقاً به، عاد إلى بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه فقال: {إن الله اشترى} الآية. قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة - وهم سبعون نفساً - قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت {إن الله اشترى} الآية. قال مجاهد والحسن ومقاتل: ثامنهم فأغلى ثمنهم. وقال جعفر الصادق عليه السلام: والله ما لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها. واعلم أن هذا الاشتراء وقع مجازاً عن الجزاء لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملك والعبد وما يملكه لمولاه. ولهذا قال الحسن: اشترى أنفساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها. والمراد بأنفسهم النفوس المجاهدة وبأموالهم التي ينفقونها في أسباب الجهاد وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم على الوجه المشروع. وههنا نكتة هي أن قيم الطفل له أن يبيع مال الطفل من نفسه بشرط رعاية الغبطة، ففي هذه الآية البائع والمشتري هو الله ففيه تنبيه على أن العبد كالطفل الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه وأنه تعالى هو المراعي لمصالحه حتى يوصله إلى أنواع الخيرات وأصناف العادات. وبوجه آخر الإنسان بالحقيقة عبارة عن الجوهر المجرد الذي هو من عالم الأرواح وهذا البدن وما يحتاج إليه من ضرورات المعاش كالآلات والوسائط لتحصيل الكمالات الموصلة الى الدرجات العاليات؛ فالبائع هو جوهر الروح القدسي، والمشتري هو الله، وأحد العوضين الجسد البالي والمال الفاني، والعوض الآخر الجنة الباقية والسعادات الدائمة، فالربح حاصل والخسران زائل ولهذا قال {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} وفي قوله {يقاتلون} معنى الأمر كقوله {أية : وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم}تفسير : [الصف: 11] وهو كالتفسير لتلك المبايعة {فيقتلون ويقتلون} أي إنهم يقتلون الكفار فلا يرجعون عنهم حتى يصيروا مقتولين. ومن قرأ بتقديم المجهول فمعناه أن طائفة منهم إذا صاروا مقتولين لم يصر ذلك رادعاً للباقين عن المقاتلة بقدر الإمكان. ومن العلماء من خصص هذا الوعد بجهاد السيف لظاهر قوله: {يقاتلون}. والتحقيق أن كل أنواع الجهاد يدخل فيه لأن الجهاد بالحجة والدعوة إلى دلائل التوحيد أكمل أثراً من القتال ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام:"حديث : لأن يهدي الله على يدك رجلاً خير لك مما طلعت عليه الشمس" تفسير : ولأن الجهاد بالسيف لا يحسن إلا بعد تقديم الجهاد بالحجة، ولأن الإنسان جوهر شريف فمتى أمكن إزالة صفاته الرذيلة مع إبقاء ذاته الشريفة كان أولى من إفناء ذاته، ألا ترى أن جلد الميتة لما كان منتفعاً به من بعض الوجوه حث الشرع على إبقائه فقال: "حديث : هلا أخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به" تفسير : قوله {وعداً عليه} قال الزجاج: إنه منصوب بمعنى قوله: {بأن لهم الجنة} كأنه قيل: وعدهم الجنة وعداً فهو مصدر مؤكد، وكذا قوله {حقاً} أو هو نعت للمصدر مؤكد وما الذي حصل {في التوراة والإنجيل والقرآن} قيل: وعد المجاهدين على الإطلاق، وقيل: ذكر هذا البيع لأمة محمد، وقيل: الأمر بالقتال {ومن أوفى} استفهام بمعنى الإنكار أي لا أحد أوفى بما وعد {من الله} لأنه الغني عن كل الحاجات القادر على كل المقدورات. وفي الآية أنواع من التوكيدات فأولها قوله: {إن الله اشترى} وإذا كان المشتري هو الإله الواجب الذات المتصف بجميع الكمالات المفيض لك الخيرات فما ظنك به، ومنها أنه عبر عن إيصال الثواب بالبيع والشراء حتى يكون حقاً مؤكداً. ومنها أنه قال {بأن لهم الجنة} بحرف التحقيق وبلام التمليك دون أن يقول بالجنة. ومنها قوله {وعداً} و {إنه لا يخلف الميعاد}. ومنها قوله {عليه} وكلمة "على" للوجوب ظاهراً. ومنها قوله: {حقاً} وهو تأكيد التحقيق. ومنها قوله: {في التوراة والإنجيل والقرآن} وإنه يجري مجرى الإشهاد لجميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل هذه المبايعة. ومنها قوله: {ومن أوفى بعهده من الله} وفيه تنبيه على أنه لا يكذب ولا يخلف ألبتة. ومنها قوله: {فاستبشروا} والبشارة الخبر الصدق الأول. ومنها قوله: {وذلك هو الفوز} ثم وصف الفوز بـ {العظيم} واعلم أن هذه الخاتمة تقع على ثلاثة أوجه: أحدها {ذلك الفوز} بغير "هو" وإنه في ستة مواضع: في "براءة" موضعان، وفي "النساء والمائدة والصف والتغابن" وما في "النساء" بزيادة واو. والآخر {وذلك هو الفوز} بزيادة "هو" وذلك في ستة مواضع أخرى في "براءة" موضعان و "يونس" و "المؤمن" و "الدخان" و "الحديد" وما في براءة أحدهما بزيادة الواو وهو خاتمة هذه الآية، وكذلك ما في "المؤمن". وسبب هذا الاختلاف أن الجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخٍ بنزول جاءت مربوطة إما بواو العطف وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى وإما بإشارة فيها إليها. وربما جمع بين الشيئين منها والثلاثة للدلالة على المبالغة. وقد جمع في هذه الخاتمة بين الثلاثة لغاية التوكيد والمبالغة، أو لأنه ذكر الكتب الثلاثة فكل رابطة في مقابلة كتاب واحد. وكذلك في "المؤمن" وقع الثلاثة في مقابلة ثلاثة أدعية {فاغفر} {وقهم} {وأدخلهم} قال أبو القاسم البلخي: لا بد من حصول الأعواض على الآلام للأطفال والبهائم قياساً على ما أثبته الله تعالى للمكلفين من العوض على ألم القتل وهو الجنة. ثم ذكر أن حكم سائر المؤمنين كذلك فقال: {التائبون} قال الزجاج: إنه مبتدأ محذوف الخبر أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله{أية : وكلاً وعد الله الحسنى}تفسير : [النساء: 95] وقيل: التائبون رفع على البدل من الضمير في {يقاتلون} وقيل: مبتدأ خبره {العابدون} وما بعده أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. أما تفسير هذه الأوصاف فقد قال ابن عباس والحسن: التائبون هم الذين تابوا من الشرك وتبرأوا عن النفاق. ومال آخرون الى التعميم ليشمل المعاصي أيضاً إذ لا دليل على التخصيص {والعابدون} قال ابن عباس: هم الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم. وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء، والعبادة لا شك أنها عبارة عن نهاية التعظيم وغاية الخضوع. وقال قتادة: وهم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. و {الحامدون} هم الذين يقومون بحق شكر نعم الله ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وذلك أن الحمد ذكر من كان قبل آدم لقول الملائكة{أية : ونحن نسبح بحمدك}تفسير : [البقرة: 30] وذكر أهل الدنيا يقولون في كل يوم سبع عشرة مرة الحمد لله رب العالمين، وذكر من يكون بعد خراب الدنيا لقوله:{أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] و {السائحون} قال عامة المفسرين: هم الصائمون لقوله:"حديث : سياحة أمتي الصيام"تفسير : . ثم قيل: هذا صوم الفرض. وقيل: الذين يديمون الصيام. قال الأزهري: إنما قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدٌ لا زاد معه فيكون ممسكاً عن الأكل والشرب كالصائم. وقيل: أصل السياحة الاستمرار على الذهاب كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي عنه من الأكل والشرب والوقاع. وقال أهل المعنى: الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب انفتحت عليه أبواب المعاني والحكم وتحلت له أنوار المعارف والحقائق فيحصل له سياحة في عالم العقول. وقيل: السائحون طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم في مظانه، وكانت السياحة في بني إسرائيل. قال عكرمة عن وهب بن منبه: لا ريب أن للسياحة أثراً عظيماً في تكميل النفس لأنه يلقى أنواعاً من الضر والبؤس فيصبر عليها، وقد ينقطع زاده فيتوكل على الله فيصير ذلك ملكه له، وقد ينتفع بالمشاهد والزيارات للأحياء وللأموات ويستفيد ممن هو فوقه ويفيد من هو دونه ويكتسب التجارب ومعرفة الأحوال والأخلاق والسير والآثار {الراكعون الساجدون} يعني المصلين قال بعض العلماء: إنما جعل الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر هيئات المصلي موافقة للعادة كالقيام والقعود، وإنما الفصل بين المصلي وغيره بالركوع والسجود. وقيل: أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود فخصا بالذكر تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع. ثم قال: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} ومعناهما مذكور فيما مر إلا أن ههنا بحثاً آخر وهو أنه لم أدخل الواو في قوله: {والناهون} {والحافظون} دون سائر الأوصاف؟ وأجيب بأن النسق يجيء بالواو وبغيرها كقوله:{أية : غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب}تفسير : [غافر: 2] أو المراد أن الموصوفين بالصفات الستة هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ويكون فيه ترغيب في الجهاد لأن رأس المعروف الإيمان بالله ورأس المنكر الكفر به والجهاد يوجب حصول الإيمان وإزالة الكفر، أو النهي عن المنكر أصعب أقسام التكاليف لإفضائه في الأغلب إلى الخصومة وثوران الغضب فأدخل عليه الواو تنبيهاً على هذه المخالفة والمباينة. ولبعض النحويين جواب عام يشمل هذه الآية وما في "الكهف" في قوله:{أية : ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم}تفسير : [الآية: 22] وما في "الزمر" في قوله في ذكر الجنة{أية : وفتحت أبوابها}تفسير : [الآية: 73] وما في "التحريم" في قوله:{أية : ثيبات وأبكاراً}تفسير : [الآية: 5] وذلك أنهم سموا هذه الواوات واو الثمانية قائلين إن السبعة نهاية العدد ولهذا أكثر ذكرها في القرآن والأخبار. فالثمانية تجري مجرى استنئاف كلام فلهذا فصل بالواو. وأما قوله: {والحافظون لحدود الله} فكإجمال بعد تفصيل؛ وذلك أن التكاليف إما أن تتعلق بمصالح الدين وهي باب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذر ونحوها، أو بمصالح الدنيا وهي المعاملات. وإنها إما لجلب المنافع أو لدفع المضار والمنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية. فالمقصودة بالأصالة هي المنافع الحاصلة من طرق الحواس الخمس وهي المذوقات ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة والصيد والذبائح والضحايا، والملموسات ويدخل فيها باب أحكام الوقاع فمنها ما يفيد حله كالنكاح والرضاع وما يتبعهما من المهر والنفقة والسكنى وأحوال القسم والنشوز، ومنها ما يوجب إزالته كالطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان، ومن أحكام الملموسات البحث عما يحل لبسه واستعماله وعما لا يحل كالأواني الذهبية وغيرها. والمبصرات وهو باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل، والمسموعات وهو باب ما يحل سماعه وما لا يحل، والمشمومات وقد قيل إنه ليس للفقهاء فيه مجال، ويحتمل أن يقال إن منها جواز استعمال الطيب في بعض الأوقات ومنعه في بعضها كحالة الإحرام. ومنها ما يكره كأكل البصل والثوم للمصلي بالجماعة في المسجد. والمنافع المقصودة بالتبعية هي الأموال والبحث عنها إما من جهة الأسباب المفيدة للملك كالإرث والهبة والوصية وإحياء الموات والالتقاط وأخذ الفيء والغنائم والزكاة، وكالبيع بيع العين بالعين أو بيع الدين بالعين وهو السلم أو بالعكس كما إذا اشترى شيئاً في الذمة أو بيع الدين بالدين وهو بيع الكاليء بالكالىء المنهي عنه إلا عند تقاص الدينين، أو من جهة الأسباب المفيدة للمنفعة كالإجارة والجعالة وعقد المضاربة، أو من جهة الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف فيه كالوكالة والوديعة، أو من جهة الأسباب التي تمنع المالك التصرف في ملكه كالرهن والإجارة والتفليس. وأما دفع المضار والمضرة إما في النفس وهو كتاب الجراح أو في الدين وهو كتاب الجهاد وباب الارتداد وأحكام البغاة، وإما في النسب وهو باب أحكام الزنا والقذف واللعان، وإما في العقل كباب تحريم الخمر، وإما في المال والضرر فيه إما على سبيل الإعلان والجهار وهو الغصب وقطع الطريق، أو على سبيل الخفية وهو السرقة. وههنا باب آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه عن نفسه لضعفه فلهذا السبب أمر الله بنصب الإمام لتنفيذ الأحكام، وقد يكون للإمام نواب وهم الأمراء والقضاة وليس قول الغير مقبولاً إلا بحجة وهي الشهادة والأيمان فحصل من ذلك كتاب آداب القضاء وباب الدعاوى والبينات. فهذا ما أمكن من ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده، وكلها منوطة بأعمال الجوارح دون أعمال القلوب التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى. ولكن قوله: {والحافظون لحدود الله} يشمل ذلك أيضاً بل رعايته أهم من رعاية أحوال الظواهر. ثم ختم الآية بتكرير البشارة وفيه من كمال العناية ما فيه. ولما بين من أول السورة إلى ههنا وجوب إظهار البراءة من المنافقين الكفرة الأحياء أراد أن يبين وجوب البراءة من أمواتهم أيضاً وإن كانوا أقارب فقال: {ما كان للنبي} ومعناه النهي أي ما صح له وما استقام وما ينبغي له ذلك. ثم علل المنع بقوله: {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} لأنهم ماتوا على الشرك وقد قال تعالى:{أية : إن الله لا يغفر أن يشرك به} تفسير : [النساء: 116] فطلب غفرانهم جارٍ مجرى طلب إخلاف وعد الله ووعيده، وفيه حط لمرتبة النبي حيث يدعو بما لا يستجاب له. وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأباعد أو من الأقارب فلهذا بالغ فيه بقوله: {ولو كانوا أولي قربى} روى الواحدي بإسناده عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية - فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنه فاستغفر له بعد ما مات فقال المسلمون: ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قراباتنا قد استغفر إبراهيم لأبيه، وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت {ما كان للنبي} الآيتان. وقيل عن ابن عباس: لما افتتح صلى الله عليه وسلم مكة سأل أي أبويه أحدث به صلى الله عليه وسلم عهداً أي آخرهما موتاً؟ فقيل: أمك آمنة. فزار صلى الله عليه وسلم قبرها ثم قام باكياً فقال: إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل عليّ {ما كان للنبي} الآية. فقال بعضهم كصاحب الكشاف والحسين بن أبي الفضل: هذا أصح لأن هذه السورة في آخر القرآن نزولاً، وكانت وفاة أبي طالب بمكة في أول الإسلام. ويمكن أن يوجه الأول بأنه صلى الله عليه وسلم لعله بقي مستغفراً إلى حين نزول الآية. ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم لأبيه بأنه صدر عن موعدة وعدها إياه، وذلك أن أباه كان وعد إبراهيم أن يؤمن فكان يستغفر له بناء على ذلك الوعد. {فلما تبين} لإبراهيم {أنه عدو لله} إما بإصراره على الكفر أو بموته على ذلك أو بطريق الوحي {تبرأ منه} وترك الاستغفار. ويجوز أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام ويوافقه قراءة الحسن {وعدها أباه} بالباء الموحدة وذلك في قوله:{أية : لأستغفرن لك}تفسير : [الممتحنة: 4] وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه. وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام الموجب للغفران، وكان يتضرع إلى الله تعالى أن يرزقه الإيمان. وقيل: المقصود النهي عن صلاة الجنازة فكان قوله:{أية : ولا تصل على أحد منهم}تفسير : [التوبة: 84] في حق المنافقين خاصة وهذه في حق الكافرين عامة. ثم ختم الآية بقوله: {إن إبراهيم لأوّاه حليم} قال أهل اللغة: أوّاه "فعال" مأخوذ من حروف "أوه" كلمة يقولها المتوجع، وذلك أن الروح القلبي يختنق عند الحزن في داخل القلب ويشتد حرارته فإذا تكلم صاحبه بها خرج ذلك النفس المختنق فخفف بعض ما به، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : الأوّاه الخاشع المتضرع"تفسير : والحلم ضد السفه، وصفه تعالى بشدّة الرأفة والشفقة والخوف والوجل فبين أن إبراهيم مع هذه العادة تبرأ من أبيه حين انقطع رجاؤه منه فأنتم بهذا المعنى أولى. ثم إن المسلمين خافوا أن يؤاخذوا بما سلف منهم من الاستغفار للمشركين فأنزل الله {ما كان الله ليضل قوماً} أي عن طريق الجنة أو يحكم عليهم بالضلال أو يخذلهم أو يوقع الضالة في قلوبهم حين يكون منهم الأمر الذي يستحق به العقاب {بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} ما يجب عليهم أن يحترزوا عنه. والحاصل أن الله لا يسمي قوماً ضلالاً بعد إذ سماهم مهديين ما لم يقدموا على شيء مبين خطره، وأما قبل العلم والبيان فلا يؤاخذهم كما لم يؤاخذ بشرب الخمر والربا قبل تحريمهما. وفي الآية تشديد عظيم حيث جعل المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض المحظورات داخلاً في حكم الضلال. ثم قال: {إن الله بكل شيء عليم إن الله له ملك السموات والأرض يحيي ويميت} والمراد أن من كان عالماً قادراً هكذا لم يحتج إلى أن يفعل العقاب قبل البيان وإزاحة العذر. قالت المعتزلة: وفيه دليل على أنه يقبح من الله الابتداء بالعقاب. وأجيب بأن له ذلك بحكم المالكية غاية ما في الباب أنه لا يعاقب إلا بعد إزاحة العذر عادة، وفي قوله: {إن الله له ملك السموات والأرض} فائدة أخرى هي أنه لما أمر بالبراءة من الكفار بين غاية قدرته ونهاية نصرته لمن أراد استظهاراً للمسلمين كيلا تضعف قلوبهم بالانقطاع عن الأقارب والأنصار كأنه قال: وجب عليكم أن تفيئوا إلى حكمي وتكاليفي لأني إلهكم وأنتم عبيدي. ثم عاد إلى بقية أحكام الكفار فقال {لقد تاب الله على النبي} الآية. ولنبن تفسير الآيتين على أسئلة مع جواباتها. فالسؤال الأول: أن قبول التوبة دليل سبق الذنب، والنبي معصوم والمهاجرون والأنصار الذين اتبعوه تحملوا أعباء ذلك السفر الطويل فكان اللائق بحالهم أن يثني عليهم. الجواب أنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار لأنه لا ينفك عن هفوة إما من باب الكبائر وإما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأولى. والأفضل كما أشير إلى ذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:{أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43] ولعله قد وقع في قلوب المؤمنين نوع نفرة من تلك السفرة لما عاينوا المتاعب ولا أقل من الوساوس والهواجس فأخبر الله سبحانه أن تلك الشدائد صارت مكفرة لجميع الزلات التي صدرت عنهم في ذلك السفر الطويل بل في مدة عمرهم وصارت قائمة مقام التوبة المقرونة بالإخلاص. ويجوز أن يكون ذكر الرسول لأجل تعظيم شأن المهاجرين والأنصار لا لأنه صدر عنه ذنب. السؤال الثاني: ما المراد بساعة العسرة؟ فالجواب قد تستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق والعسرة تعذر الأمر وصعوبته. والمراد الزمان الذي صعب عليهم الأمر جداً في ذلك السفر، كانوا في عسرة من الظهر تعتقب العشرة على بعير واحد. وفي عسرة من الزاد تزوّدوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة المنتنة، وقد بلغت بهم الشدة إلى أن اقتسم التمرة اثنان ثم إلى أن مصتها جماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها وفي شدة زمان من حرارة القيظ كما قال المنافقون{أية : لا تنفروا في الحر}تفسير : [التوبة: 81] وقال أبو مسلم: يجوز أن يراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات العسرة التي مرت عليهم في غزواتهم كما ذكر الله تعالى في غزوة الخندق{أية : وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر}تفسير : [الأحزاب: 10] الثالث: ما معنى {كاد يزيغ} وكيف إعرابه؟ والجواب هما استعمالان: كاد زيد يخرج، وكاد يخرج زيد. معنى الأول كاد زيد خارجاً أي قارب الخروج، ومعنى الثاني كاد الشأن يكون كذا يعني قارب الشأن هذا الخبر. وشبهه سيبويه بقولهم ليس خلق الله مثله أي ليس الشأن ذاك ولكن ضده، والزيغ الميل عن الجادة قيل: قارب بعضهم أن يميل عن الإيمان. وقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة بالمفارقة ثم حبسوا أنفسهم وصبروا وثبتوا وندموا. وقيل: ما كان إلا حديث نفس بلا عزيمة ومع ذلك خافوا أن يكون معصية. الرابع: ذكر التوبة في أول الآية فلم كررها في قوله: {ثم تاب عليهم}؟ الجواب إن عاد الضمير في {عليهم} الى الفريق فلا تكرار، وإن عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار جميعاً فالتكرير للتوكيد مع رعاية دقيقة هي أن التوبة اكتنفت الذنب من جانبيه، وذلك أنه بدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب، ثم أردفه بذكر التوبة ليدل على أن العفو عفو متأكد كما يقول السلطان عند كمال الرضا: عفوت عنك ثم عفوت عنك. وإليه الإشارة بقوله: صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله يغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة"تفسير : . وقال ابن عباس في تفسير قوله: {ثم تاب عليهم} يريد ازداد عنهم رضا. ثم أكد هذه المعاني بقوله {إنه بهم رؤوف رحيم} فيشبه أن يراد بالرأفة إزالة الضرر، وبالرحمة إيصال المنفعة. أو الأوّل رحمة سابقة، والثاني لاحقة. الخامس: الثلاثة الذين خلفوا من هم؟ الجواب هم المرجون لأمر الله كما مرّ، سّمُّوا مخلفين كما سمو مرجئين أي مؤخرين عن أبي لبابة وأصحابه حيث تيب عليهم بعد أولئك. وقيل: لأنهم خلفوا عن الغزو ومثله قراءة من قرأ بالتخفيف أي خلفوا الغازين. وقيل: المخلف من خلوف الفم أي فسدوا، وقرأ جعفر الصادق عليه السلام: {خالفوا}. {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض} مع سعتها وهو مثل للحيره في الأمر، {وضاقت عليهم أنفسهم} أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور {وظنوا} أي علموا وتيقنوا {أن لا ملجأ من} سخط {الله إلا} إلى استغفاره كقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أعوذ بك منك"تفسير : . وقيل: الظن بمعناه الأصلي وهو الرجحان وذلك أنهم ما كانوا قاطعين بأن ينزل الله في شأنهم قرآنا، وإن سلم أنهم قطعوا بذلك إلا أنهم جوزوا أن تكون المدة قصيرة وجواب "إذا" محذوف والتقدير حتى إذا كان كذا وكذا تاب عليهم، وحسن حذفه لتقدم ذكره. عن كعب بن مالك قال: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه فرد عليّ كالمغضب بعدما كان ذكرني في الطريق وقال: ليت شعري ما خلف كعباً فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه. فقال: معاذ الله ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً ونهى عن كلامنا - أيها الثلاثة - فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد، فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن، فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع - وهو جبل بالمدينة - أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي{أية : وضاقت عليهم الأرض بما رحبت}تفسير : [التوبة: 25] وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقال إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول إلي حتى صافحني وقال: لتهنك توبة الله عليك فلن أنساها لطلحة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنير استنارة القمر: أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية. سئل أبو بكر الورّاق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. السادس: قد عرفنا فائدة قوله: {ثم تاب عليهم} فما فائدة قوله: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}؟ الجواب معناه رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم، أو تاب عليهم في الماضي ليتوبوا في المستقبل إذا فرطت منهم خطيئة علماً منهم بأن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة، أو تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، أو تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة وثوابها لأن الانتفاع بها لا يحصل إلا بعد توبة الله عليهم. وقالت الأشاعرة: المقصود بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى حتى إنه لو لم يتب عليهم لم يتوبوا. وأيضاً قالوا: في الآية دلالة على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً لأن توبة هؤلاء قد حصلت من أوّل الأمر، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إليهم وتركهم خمسين يوماً. ويمكن أن يجاب بأن شرائط التوبة من الإخلاص والنصح وغير ذلك لعلها لم تكن حاصلة من أوّل الأمر فلهذا تأخر القبول دليله قوله تعالى: {حتى إذا ضاقت} الآية. ثم حث سبحانه المؤمنين على ملازمة سيرة التقوى والانضمام في زمرة أهل الصدق لا النفاق فقال: {يا أيها الذين آمنوا} الآية. قال بعض العلماء: ظاهر الأمر للوجوب فوجب على المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين لا بمعنى أن يكونوا على طريقهم وسيرتهم، لأن ذلك عدول عن الظاهر بل بمعنى المصاحبة. والكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فلا بد من وجود الصادقين. ثم إنه ثبت بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة علىالمكلفين إلى يوم القيامة فلا يكون هذا الأمر مختصاً بالكون مع الرسول وأصحابه في الغزوات بل أعم من ذلك. ثم إن الصادق لا يجوز أن يكون منحصراً في الإمام المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما يقوله الشيعة، لأن كون كل واحد من المؤمنين مع ذلك الصادق بعد تسليم وجوده تكليف بما لا يطاق، فالمراد بالصادقين أهل الحل والعقد في كل حين، والمراد أنهم إذا أجمعوا على شيء كانوا صادقين فيه محقين ويجب على الباقين أن يكونوا معهم ظاهراً وباطناً. وقال أكثر المفسرين: الصادقون هم الذين صدقوا في دين الله وفيما عاهدوا عليه من الطاعة نية وقولاً وعملاً. وقيل: أي كونوا مع الثلاثة المذكورين في الصدق والثبات. وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أي وافقوا المهاجرين والأنصار في الصدق، وقيل: الخطاب للذين شدوا أنفسهم على السواري. وفي الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته. ومن خصائص الصدق ما روي أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إني أريد أن أؤمن بك إلا إني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء كلها ولا طاقة لي بتركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقبل ذلك وشرط له الصدق ثم أسلم. فلما خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها، ثم عرض عليه الزنا فجاءه ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسد أبواب المعاصي علي وتبت عن الكل. ومن فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، ومن مثالب الكذب أن إبليس مع تمرّده وكفره استنكف منه حتى استثنى في قوله{أية : لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين}تفسير : [ص: 82]. ثم المقتضي لقبح الكذب هو كونه كذباً عند المعتزلة وكونه مفضياً إلى المفاسد عند الأشاعرة والله أعلم. التأويل: {إن الله اشترى} في التقدير الأزلي ولهذا تيسر لهم الآن بذل النفس والمال في الجهاد الأصغر وفي الجهاد الأكبر، وإنه كما {اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} اشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الجنة. {التائبون} عما سوى الله {العابدون} المتوجهون إليه على قدم العبودية {الحامدون} له على ما وفقهم لنعمة طلبه {السائحون} السائرون إليه بقدمي الصبر والشكر أو التبري والتولي {الراكعون} أي الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم {الساجدون} الساقطون على عتبة الوحدة بلاهم {الآمرون بالمعروف} الحقيقي {الناهون} عما سواه {والحافظون لحدود الله} لئلا يتجاوزوا عن طلبه إلى طلب غيره. {ما كان للنبي} فيه أن الاجتهاد ليس سبباً لنيل المراد، وأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية {إن إبراهيم لأواه} الأواه هو المتبرىء من المخلوقات لكثرة نيل المواجيد والكرامات فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وأراد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق. {حليم} عما أصابه من الخلق للحق فلا رجوع له من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لجبرائيل حين سأله ألك حاجة: أما إليك فلا {وما كان الله ليضل قوماً} ليردّهم بالمكر إلى الاثنينية والبعد {بعد إذ هداهم} إلى الوحدانية والفردانية بالتوحيد والتفريد {حتى يبين لهم ما يتقون} من آفات البشرية وعاهات الدنيا فهي رأس كل خطيئة، فإن لم يتحرزوا عنها وقعوا بالاستدراج إلى حيث خرجوا عنها نعوذ بالله من الحور بعد الكور أو نقول: إن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء بالجود لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو والصحو بعد السكر وقد سماه المشايخ الإثبات التأني حتى يبين لهم ما يتقون من الأعمال والأقوال رعاية لتلك الأحوال. {إن الله له ملك السموات} سموات القلوب {والأرض} أرض النفوس {يحيي} بنور ربوبيته {من يشاء ويميت} عن صفات بشريته {من يشاء ومالكم من دون الله من ولي} فلا يشغلنكم طلب الملك عن المالك فإن طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً {لقد تاب الله على النبي} التوبة فضل من الله ورحمة، فقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم على المهاجرين ليكون وصول فضله إليهم بعد العبور على النبي تحقيقاً لقوله{أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 107] {الذين اتبعوه في ساعة} عسرة الدنيا وترك شهواتها. أو نقول {لقد تاب الله} أي أفاض أنوار عرفانه على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة - عالم الروح - إلى مدينة الجسد {والأنصار} من القلب والنفس وصفاتهما {الذين اتبعوه في ساعة} رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة لأنهم من عالم السفل. {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} من النفس والهوى والطبع وما تبعوا الروح عند رجوعه إلى عالمه ابتلاء {حتى إذا ضاقت عليهم} أرض البشرية شوقاً إلى تلك الحضرة {وضاقت عليهم أنفسهم} تحنناً إلى نيل تلك السعادات وتحقق لهم بنور اليقين أن لو بقوا في السفل لا ملجأ لهم من عذاب البعد عن الله إلا الفرار إليه {ثم تاب عليهم} بجذبة العناية، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقوله عزَّ وجلَ: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ...} الآية: هذه الآيةُ نزلَتْ في البَيْعة الثالثة، وهي بيعةُ العَقَبة الكُبْرَى، وهي التي أَنَافَ فيها رجالُ الأنصار على السبعين؛ وذلك أنهم اجتمعوا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقالوا: ٱشْتَرِطْ لك، وَلَرَبِّكَ، والمتكلِّمُ بذلك عبدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَة فاشترط نبيُّ اللَّه حمايته ممَّا يحمُونَ منه أنفسهم، وَٱشترط لربِّهِ ٱلتزامَ الشريعةِ، وقِتَالَ الأَحمَرِ والأَسْوَدِ في الدَّفْع عن الحَوْزَة، فقالوا: مَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ فَقَالَ: الجَنَّةُ، فَقَالُوا: نَعَمْ، رَبحَ البَيْعُ، لاَ تَقِيلُ وَلاَ تُقَالُ»، وفي بعض الرواياتِ: «وَلاَ نَسْتَقِيلُ» فنزلَتِ الآية في ذلك. وهكذا نقله ابن العربيِّ في «أحكامه»، عن عبد اللَّه بن رَوَاحَة، ثم ذكر من طريق الشعبيِّ، عن أبي أمامة أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ نحو كلام ابنِ رَوَاحَةَ. قال ابن العربيِّ: وهذا وإن كان سنده مقطوعاً، فإن معناه ثابتٌ مِنْ طرق. انتهى. ثم الآية بَعْدَ ذلك عامَّة في كلِّ من جَاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ مِنْ أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، قال بعضُ العلماء: مَا مِنْ مُسْلِم إلا وللَّه في عُنُقِهِ هذه البَيْعَةُ، وَفَىٰ بِهَا أو لم يَفِ، وفي الحديث: « حديث : إِنَّ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرًّا حَتَّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ، فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ » تفسير : . وأسند الطبريُّ عن كثير من أهْلِ العِلْم؛ أنهم قالوا: ثَامَنَ اللَّه تَعَالَى في هذه الآية عِبَادَهُ، فَأَغْلَى لهم؛ وقاله ابن عباس وغيره، وهذا تأويلُ الجمهور. وقال ابن عُيَيْنَة: معنى الآية: ٱشْتَرَى منهم أنفسهم ألاَّ يُعْمِلُوهَا إلا في طاعته، وأموالَهُمْ أَلاَّ يُنْفِقُوها إِلاَّ في سبيله، فالآية علَى هذا: أعمُّ من القَتْلِ في سبيل اللَّه. وقوله: {يُقَـٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} على تأويل ابْنِ عُيَيْنة: مقطوعٌ، ومستأنفٌ، وأما على تأويل الجمهور مِنْ أَنَّ الشراء والبَيْع إِنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال. وقوله سبحانه: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ}: قال المفسِّرون: يظهر من قوله: {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ } أن كلَّ أُمَّة أُمِرَتْ بالجهاد، ووُعِدَتْ عليه. قال * ع *: ويحتملُ أَنَّ ميعاد أُمَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تقدَّم ذكره في هذهِ الكُتُب، واللَّه أعلم. قال * ص *: وقوله: {فَٱسْتَبْشِرُواْ}: ليس للطلب، بل بمعنى: أَبْشِرُوا؛ كَٱسْتَوْقَدَ، قال أبو عُمَرَ بْنُ عبد البِرِّ في كتابه المسمَّى بـــ «بهجة المَجَالِسِ»: وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ: « حديث : مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَاباً، فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وَعَدَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَاباً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ » تفسير : . وعن ابن عباس مثله. انتهى. وباقي الآية بَيِّن. قال الفَخْر: وٱعْلَمْ أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على أنواع من التأكيدات. فأولها: قوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ}، فكون المشتَرِي هو اللَّه المقدَّس عن الكَذِبِ والحِيلَة مِنْ أَدَلِّ الدلائل على تأكيد هذا العَهْد. والثاني: أنه عبر عن إِيصال هذا الثواب بالبَيْعِ والشراءِ، وذلك حَقٌّ مُؤَكَد. وثالثها: قوله: {وَعْداً}، ووعد اللَّه حقٌّ. ورابعها: قوله: {عَلَيْهِ}، وكلمةُ عَلى للوجوب. وخامسها: قوله: {حَقّاً }، وهو تأكيد للتحقيق. وسادسها: قوله: {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ }، وذلك يجري مَجْرَى إِشهاد جميع الكُتُب الإِلهية، وجمِيعِ الأَنبياء والمُرْسلين عَلى هذه المبايعة. وسابعها: قوله: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ}، وهو غايةُ التأكيد. وثامنها: قوله: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ }، وهو أيضاً مبالغةٌ في التأكيد. وتاسعها: قوله: {وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ}. وعاشرها: قوله: {ٱلْعَظِيمِ}. فثبت ٱشتمالُ هذه الآية على هذه الوجوهِ العَشَرةِ في التأكيدِ والتقريرِ والتحقيق. انتهى. وقوله عزَّ وجلَّ: {ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ}، إلى قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، هذه الأوصافُ هي مِنْ صفات المؤمنين الذين ذكر اللَّه أنَّه ٱشْتَرَى منهم أنفُسَهُمْ وأموالهم، ومعنى الآية، على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشَّرْعُ: أنها أوصافُ الكَمَلَةِ من المؤمنين، ذكرها سبحانه، لِيَسْتَبِقَ إِليها أهْلُ التوحيد؛ حتى يكُونوا في أعْلَى رتبةٍ، والآية الأولى مستقلَّة بنفسها، يقع تَحْتَ تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتَلَ في سبيل اللَّهِ، لتكونَ كلمة اللَّه هي العليا، وإِنْ لم يتَّصفْ بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها، وقالَتْ فرقةٌ: بل هذه الصفاتُ جاءت علَى جهة الشَّرْط، والآيتان مرتبطتان، فلا يَدْخُلُ في المبايعة إِلا المؤْمِنُونَ الذين هُمْ عَلى هذه الأوصاف، وهذا تحريجٌ وتضييقٌ، والأول أصوبُ، واللَّه أعلم. والشهادة ماحيةٌ لكلِّ ذنب إلا لمظالِمِ العِبَادِ، وقد روي أن اللَّه عِزَّ وجلَّ يحمل على الشَّهِيدِ مَظَالِمَ العبادِ، ويجازِيهِمْ عنه، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بالحسنَى. و{ٱلسَّـٰئِحُونَ}: معناه: الصائمون، وروي عن عائشة، أَنها قالَتْ: سِيَاحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيَام؛ أسنده الطبريُّ، وروي أنه من كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ الفَخْر: ولما كان أصل السياحة ٱلاستمرارَ على الذَّهاب في الأرض، سُمِّي الصائم سائحاً؛ لاستمراره على فِعْل الطاعة وترك المَنْهِيِّ عنه مِنْ المفطِّرات. قال الفَخْر: عندي فيه وجْهٌ آخر، وهو أن الإِنسان إذا ٱمتنع مِنَ الأَكل والشُّرب والوِقاع، وسَدَّ عَلَى نفسه بَابَ الشهواتِ، ٱنفتحتْ له أبوابُ الحكمةُ وتجَلَّتْ له أنوار عالَمِ الجَلالِ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ أَخْلَصَ للَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ فَيَصير من السائحين في عالَمِ جلالِ اللَّه المنتقلينِ مِنْ مقامٍ إلى مقام، ومن درجةٍ إلى درجةٍ ) تفسير : . انتهى. قال * ع *: وقال بعضُ النَّاس، وهو في كتاب النَّقَّاش: {ٱلسَّـٰئِحُونَ}: هم الجائلون بأفكارهم في قُدْرة اللَّه ومَلَكُوتهُ وهذا قولٌ حَسَن، وهو من أفضل العباداتِ، و{ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ}: هم المصلُّون الصَّلوات؛ كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أنَّ من يكثر النَّوافلَ هو أَدْخَلُ في ٱلاسم، وأَعْرَقُ في ٱلاتصاف. وقوله: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} لفظٌ عامٌّ تحته ٱلتزامُ الشريعة. * ت *: قال البخاريُّ: قال ابن عباس: الحدود: الطاعة. قال ابن العربيُّ في «أحكامه»، وقوله: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} خَاتمةُ البيان، وعمومُ ٱلاشتمال لكلِّ أمْر ونهْي. انتهى. وقوله سبحانه: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: قِيل: هو لفظ عامٌّ، أُمِرَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يبشِّر أمته جميعاً بالخير من اللَّه، وقيل: بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي: لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفَضْلُهم، أمر صلى الله عليه وسلم، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} الآية. لمَّا شرح أحوال المنافقين، عاد إلى بيانِ فضيلة الجهادِ. قيل: هذا تمثيلٌ كقوله تعالى {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرُواْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ}تفسير : [البقرة:16] قال مُحمَّدُ بن كعب القرظيُّ:حديث : لمَّا بايعت الأنصارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكَّة وهم سبعون نفساً، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربِّك ولنفْسِكَ ما شئتَ. فقال: "أشترطُ لربِّي أن تعبُدُوهُ ولا تُشرِكُوا بِهِ شَيْئاً ولنفْسِي أن تمنعوني ممَّا تمنعون منه أنفسكُم وأموالكُم" قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنَّة" قالوا ربح البيعُ لا نقيلُ ولا نستقيلُتفسير : ، فنزل: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}. قال الحسنُ، ومجاهدٌ، ومقاتل: "ثامنَهُم فأغْلَى ثمنهُمْ". قوله: "بِأَنَّ لَهُمُ" متعلقٌ بـ "اشْتَرى"، ودخلت الباءُ هنا على المترُوكِ على بابها، وسمَّاها أبُو البقاءِ "باء" المقابلةِ، كقولهم: "باء" العوض، و "باء" الثمنية. وقرأ عمرُ ابنُ الخطاب والأعمش "بِالجنَّةِ". قال أهلُ المعاني: لا يجوزُ أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة؛ لأنه مالك الكل، ولهذا قال الحسنُ: اشترى أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، وإنَّما ذكر اللهُ ذلك، لحسن التَّلُّطفِ في الدُّعاءِ إلى الطَّاعةِ؛ لأن المؤمنَ إذا قاتل في سبيل اللهِ حتى يقتل؛ فتذهب روحه، وينفق ماله في سبيل الله تعالى جزاؤه في الآخرة الجنَّة، فكان هذا استبدالاً وشراءً. قال الحسنُ: "والله بيعة رَابحةٌ، وكفةٌ راجحةٌ، بايع اللهُ بها كلَّ مُؤمِنٍ والله ما على الأرض مؤمن إلاَّ وقد دخل في هذه البيعة". وفيه لطيفةٌ، وهي أن المشتري لا بدَّ وأن يغاير البائع، وههنا البائعُ هو اللهُ تعالى، والمشتري هو الله، وهذا إنما يصحُّ في حقِّ القيم بأمر الطفل الذي لا يمكُنُه رعاية المصالح في البيع والشراء وصحَّة هذا البيع مشروطة برعاية الغبطة؛ فهذا جارٍ مجرى التَّنبيه على كون العبد كالطِّفلِ الذي لا يهتدي إلى رعاية مصالح نفسه؛ وأنَّهُ تعالى هو الرَّاعي لمصالحه بشرط الغبطةِ. فصل قال القرطبيُّ: "هذه الآية دليلٌ على جواز معاملة السيد مع عبده، وإن كان الكل للسَّيد، لكن إذا ملكه عامله فيما جعل إليه، وجاز بين السيد وعبده ما لا يجوزُ بينه وبين غيره؛ لأنَّ ماله له، وله انتزاعه". فصل أصل الشراءِ من الخلق أن يعوضوا بما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم، أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله من العباد إتلاف أنفسهم، وأموالهم في طاعته، وإهلاكها في مرضاته وأعطاهم الجنَّة عوضاً عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيمٌ لا يدانيه المعوض، فأجرى ذلك على مجرى ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومن الله الثَّواب والنَّوال فسمّي هذا شراء. فصل قال بعضُ العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغينَ المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم، وأسقمهم، لما في ذلك من المصلحة ومن الاعتبار للبالغين، فإنهم لا يكونُون عند شيءٍ أكثر صلاحاً، وأقل فساداً منهم عند ألم الأطفالِ، وما يحصلُ للوالدين من الثَّواب فيما ينالهم من الهم، ثم إنَّ الله تعالى يعوض هؤلاء الأطفال عوضاً إذا صارُوا إليه. قوله: "يُقَاتِلُون" يجوز أن يكون مستأنفاً، ويجوز أن يكون حالاً. وقال الزمخشري: "يُقَاتلُون" فيه معنى الأمر، كقوله: {أية : وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}تفسير : [الصف:11]. وعلى هذا فيتعيَّنُ الاستئناف، لأنَّ الطَّلبَ لا يقع حالاً. وقد تقدَّم الخلاف في {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} في آل عمران قرأ حمزة والكسائيُّ: "فيُقْتلُونَ" بتقديم المفعول على الفاعل. وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول. قوله: "وَعْداً" منصوبٌ على المصدر المؤكد لمضمون الجملة؛ لأنَّ معنى "اشْتَرَى" معنى: وعدهم بذلك، فهو نظير: "هَذَا ابني حقّاً". ويجوزُ أن يكُون مصدراً في موضع الحال وفيه ضعفٌ. و "حَقّاً" نعت له. و "عَلَيْهِ" حالٌ من "حَقّاً"؛ لأنَّهُ في الأصل صفةٌ لو تأخَّر. قوله: "فِي ٱلتَّوْرَاةِ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ متعلقٌ بـ "اشْتَرَى"، وعلى هذا فتكُونُ كل أمَّةٍ قد أمِرَت بالجهادِ، ووعدتْ عليه الجنَّة. والثاني: أنَّهُ متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه صفةٌ للوعد، أي: وعداً مذكوراً وكائناً في التَّوراة. وعلى هذا فيكون الوعد بالجنَّة لهذه الأمَّة مذكوراً في كتب الله المنزلةِ، وقال الزمخشريُّ في أثناء الكلامِ: "لا يجُوزُ عليه قبيحٌ قطّ" قال أبُو حيَّان: "استعمل "قَطْ" في غير موضوعه، لأنَّهُ أتَى به مع قوله "لا يجُوزُ عليه"، و "قطّ" ظرفٌ ماضٍ، فلا يعمل فيه إلاَّ الماضي". قال شهابُ الدِّين "ليس المرادُ هنا زمناً بعينه". ثم قال تعالى: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} أي: أنَّ نقض العهد كذبٌ، ومكرٌ، وخديعة وكل ذلك من القبائح، وهي قبيحة من الإنسان مع احتياجه إليها، فالغني عن كلِّ الحاجات أولى أن يكون مُنزهاً عنها. أي لا أحد أوفى بعهده من الله، وهذا يتضمَّنُ وفاء الباري بالكل فأمَّا وعده فللجميع، وأمَّا وعيده فمخصوصٌ ببعض المذنبين وببعض الذُّنُوب، وفي بعض الأحوال. قوله: "فَٱسْتَبْشِرُواْ" فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب؛ لأنَّ في خطابهم بذلك تشريفاً لهم و "استفعل" هنا ليس للطلب، بل بمعنى "أفعل"، كـ "اسْتوْقَدَ"، و "أوقد" والمعنى: أظهروا السُّرورَ بذلك، والبشارة: إظهار السُّرور في البشرة. وقوله: {ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} توكيد، كقوله: {أية : ٱلَّذِي بَنَوْاْ}تفسير : [التوبة:110]، لينصَّ لهم على هذا البيع بعينه. قوله تعالى: {ٱلتَّائِبُونَ} الآية. لمَّا بينَّ أنَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم، بيَّن ههنا أنَّ أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات. وقال جماعةٌ: الآية الأولى مستقلة بنفسها، يقع تحت تلك المبايعة كل مُوحّد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإنْ لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية. قوله: "ٱلتَّائِبُونَ" فيه خمسةُ أوجه: أحدها: أنَّهُ مبتدأ، وخبره "ٱلْعَابِدُونَ" وما بعده أوصاف، أو أخبار متعددة عند من يرى ذلك. الثاني: أنَّ الخبر قوله "ٱلآمِرُونَ". الثالث: أنَّ الخبر محذوفٌ، أي: التَّائِبُون الموصوفون بهذه الأوصاف من أهل الجنة، أي من لم يجاهد غير معاندٍ، ولا قاصد لترك الجهادِ فله الجنَّةُ، قال الزجاجُ: وهو حسن، كأنه وعد الجنَّة لجميع المؤمنين، كقوله: {أية : وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [النساء:95] ويؤيده قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، وهذا عند من يرى أنَّ هذه الآية منقطعةٌ ممَّا قبلها وليست شرطاً في المجاهدةِ. وأمَّا من زعم أنَّها شرطٌ في المجاهدة، كالضَّحاك وغيره فيكون إعراب التَّائبين خبر مبتدأ محذوف، أي: هم التائبون، وهذا من باب قطع النُّعُوتِ، وذلك أنَّ هذه الأوصاف عند هؤلاء القائلين من صفات المؤمنين في قوله تعالى: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ويؤيِّدُ ذلك قراءة أبيّ، وابن مسعود، والأعمش "التَّائبينَ" بالياءِ، ويجوزُ أن تكون هذه القراءةُ على القطع أيضاً؛ فيكون منصوباً بفعل مقدر، وقد صرَّح الزمخشري، وابنُ عطية بأنَّ التائبين في هذه القراءةِ نعتٌ للمؤمنين. الخامس: أنَّ "التَّائبُونَ" بدلٌ من الضمير المتصل في "يُقاتِلُونَ". ولم يذكر لهذه الأوصاف متعلقاً فلم يقل: التَّائبُون من كذا لله، ولا العابدون لله لفهم ذلك، إلاَّ صفتي الأمر والنَّهي، مبالغةً في ذلك. ولم يأتِ بعاطفٍ بين هذه الأوصاف، لمناسبتها لبعضها، إلاَّ في صفتي الأمر والنَّهي، لتبايُن ما بينهما، فإنَّ الأمر طلبُ فعلٍ، والنَّهْيَ طلبُ تركٍ، أو كفٍّ. وكذا "الحَافِظُونَ" عطفه وذكر متعلقه وأتى بترتيب هذه الصفاتِ في الذِّكْر على أحسنِ نظمٍ، وهو ظاهرٌ بالتأمل، فإنَّهُ قدَّم التوبة أولاً، ثم ثنَّى بالعبادة إلى آخرها. وقيل: إنَّما دخلت الواوُ؛ لأنها "واوُ" الثمانية، كقولهم: {أية : وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}تفسير : [الكهف:22] وقوله: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}تفسير : [الزمر:73] لمَّا كان للجنَّة ثمانية أبواب أتى معها بالواو. قال بعض النَّحويين: هي لغة فصيحةٌ لبعض العربِ، يقولون إذا عدُّوا: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، عشرة. قال القرطبيُّ: "وهي لغة قريش" وقال أبو البقاءِ: "إنَّما دخلت "الواو" في الصفة الثامنة، إيذاناً بأنَّ السبعة عندهم عدد تام، ولذلك قالوا: سبع في ثمانية، أي: سبع أذرع في ثمانية أشبارٍ، وإنَّما دلَّت الواوُ على ذلك لأنَّ الواو تُؤذن بأنَّ ما بعدها غير ما قبلها، ولذلك دخلت في باب عطفِ النَّسق". وهذا قولٌ ضعيفٌ جدّاً، لا تحقيقَ له. فصل في تفسير هذه الصفات قوله "ٱلتَّائِبُونَ" قال ابنُ عبَّاسٍ: التَّائِبُونَ من الشِّرْكِ وقال الحسنُ: من الشِّرك والنفاق. وقيل: التائبون الراجعون عن الحالة المذمومة قال القرطبيُّ: "الراجع إلى الطَّاعة أفضل من الراجع عن المعصية، لجمعه بين الأمرين" وقال الأصوليُّون: التَّائبُونَ من كلِّ معصيةٍ، لأنَّها صيغة عموم محلاة بالألف واللام فتتناول الكل، فالتخصيص تحكم. و "العَابِدُونَ" قال ابنُ عباسٍ "الذين يؤدُّون العبادة الواجبة عليهم" وقال غيره: المطيعون الذين أخلصُوا العبادة لله تعالى وقال الحسنُ "هم الذين عبدُوا الله في السَّراء والضَّراء" وقال قتادةُ "قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم "ٱلْحَامِدُونَ" الذين يحمدون الله على كُلِّ حال في السّراء والضّراء. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أوَّلُ مَنْ يُدعَى إلى الجنَّةِ يوْمَ القيامةِ الذين يَحمدُونَ الله فِي السَّراءِ والضَّراءِ ". تفسير : "ٱلسَّائِحُونَ" قال ابنُ مسعودٍ: الصائمون. وقال ابن عباس "ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام" وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : سياحةُ أمتي الصيامُ". تفسير : وعن الحسن "أنَّ هذا صوم الفرض" وقيل: هم الذين يديمون الصيام. قال سفيانُ بنُ عيينة "إنَّما سُميَ الصَّائمُ سائحاً، لتركه اللذات كلها، من المطعم والمشرب والنكاح" وقال عطاءٌ: "السَّائحون هم الغزاةُ في سبيل الله" وهو قول مسلم. وقال عكرمةُ: "هم طلبة العلم، ينتقلون من بلدٍ إلى بلدٍ" وقوله {ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ} يعني: المُصلِّين. وقوله {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالإيمان {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} عن الشّرك. وقيل: المعروفُ: السنّةُ، والمنكر: البدعة. قوله: {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} القائمون بأوامر الله. وقال الحسنُ "أهلُ الوفاءِ ببيعة الله". قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآيات. لمَّا بيَّن في أول السُّورة إلى هذا الموضع وجوب البراءة عن المشركين، والمنافقين من جميع الوجوه، بيَّن في هذه الآية وجوب البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القُرْبِ من الإنسان كالأب والأم، كما أوجب البراءة عن الأحياء منهم. قال ابنُ عباسٍ: لمَّا فتح رسُول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة، أتى قبر أمه آمنة، فوقف عليه حتى حميت الشمسُ، رجاء أن يؤذن له ليستغفر لها، فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} وعن أبي هريرة قال: "حديث : زَارَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبرَ أمه فبكَى وأبْكَى من حولهُ، فقال: "اسْتأذَنْتُ ربِّي في أنْ أسْتَغْفِرَ لها؛ فَلمْ يُؤذَنْ لِي واسْتَأذَنتُهُ في أنْ أزُورَ قَبْرهَا فأذِنَ لِي، فزُورُوا القُبُور فإنَّهَا تُذكرُ المَوْتَ ". تفسير : قال قتادة: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لأستغفرنَّ لأبي، كما استغفر إبراهيم لأبيه" تفسير : فأنزل الله هذه الآية. وروى سعيد بن المسيب عن أبيه قال:"حديث : لمَّا حضرت أبَا طالب الوفاةُ جاءَهُ رسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم فوجدَ عندهُ أبَا جهْلٍ، وعبد الله بنَ أبِي أميَّة بن المُغِيرة - فقال: يا عم قُلْ لا إله إلاَّ اللهُ أحَاجُّ لَكَ بِها عند اللهِ" فقال أبو جَهْلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أميَّة: أتَرغَبُ عن ملَّةِ عَبْدِ المُطلبِ؟ فلمْ يزلْ رسُول الله صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُها عليْهِ ويُعيدُ لَهُ تِلكَ المقالةَ، حتَّى قَالَ أبُو طالب آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: على مِلَّة عبدِ المُطَّلبِ وأبَى أنْ يقُولَ لا إلهَ إلاَّ اللهُ، فقال رسُول الله صلى الله عليه وسلم "لأسْتَغفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أنه عَنْكَ" تفسير : فأنزل الله هذه الآية، وقوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص:56]. وفي رواية قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ "حديث : قُلْ: لا إله إلاَّ اللهُ أشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القيامةِ"، قال: لَوْلاَ أنْ تُعَيِّرنِي قُريشٌ، يقُولُونَ: إنَّما حملهُ على ذَلِكَ الجَزَعُ لأقْرَرْتُ بها عيْنكَ؛ تفسير : فنزل قوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص:56] الآية. قال الواحديُّ: "وقد استبعده الحسينُ بنُ الفضلِ؛ لأنَّ هذه السُّورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة أول الإسلام". قال ابنُ الخطيب "وليس هذا بمُسْتَبعدٍ؛ فإنَّهُ يمكن أن يقال: إنَّ النبي - عليه الصلاة والسلام - بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى حين نزول {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص:56] وروي عن علي بن أبي طالبٍ أنَّه سمع رجُلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، قال: فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو ليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان؟ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية". وفي رواية: فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : إلى قوله {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}تفسير : [الممتحنة:4]. فصل قال القرطبيُّ: "تضمَّنَتْ هذه الآية قطع موالاة الكُفَّارِ حيِّهم وميِّتهم؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين؛ فطلب الغفران للمشرك لا يجوز، فإن قيل: صحَّ أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد حين كُسِرَتْ رباعيتُه وشُجَّ وجهه: "حديث : اللَّهُمَّ اغفر لِقوْمِي فإنَّهُم لا يَعْلمُونَ" تفسير : فكيف الجمع بين الآية والخبر؟ فالجوابُ أنَّ ذلك القول من النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان على سبيل الحكاية عمَّنْ تقدَّمه من الأنبياء، بدليل ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأنِّي أنظرُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نبيّاً من الأنبياءِ ضربهُ قومهُ وهو يمسَحُ الدَّمَ عَنْ وجههِ ويقُولُ "حديث : ربِّ اغفرْ لِقوْمِي فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ"تفسير : وروى البخاريُّ نحوه وهذا صريح في الحكاية عمَّن قبله". قال القرطبيُّ: "لأَنَّهُ قاله ابتداء عن نفسه. وجواب ثان: أنَّ المراد بالاستغفار في الآية: الصّلاة. قال عطاءُ بن أبي رباح: الآية في النَّهْي عن الصَّلاةِ على المشركين، والاستغفار هنا يراد به الصلاة. جواب ثالث: أنَّ الاستغفارَ للأحياءِ جائز؛ لأنَّهُ مرجو إيمانهم، ويمكن تألفهم بالقول الجميل، وترغيبهم في الدِّين بخلاف الأموات". قوله: {وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} كقوله: "أعطوا السائل ولو على فرس" وقد تقدَّم أنها حالٌ معطوفةٌ على حال مقدرة. وقوله: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [التوبة:113] كالعلَّةِ للمنع من الاستغفار لهم. قوله: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ}. في تعلُّق هذه الآية بما قبلها وجوهٌ: أحدها: أنَّهُ لا يتوهم إنسان أنَّه تعالى منع محمّداً من بعض ما أذن لإبراهيم فيه. وثانيها: أنه تعالى لمَّا بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء والأموات، بيَّن ههنا أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد - عليه الصلاة والسلام -، بل وجوب الانقطاع مشروع أيضاً في دين إبراهيم؛ فتكون المبالغة في تقرير وجوبِ المقاطعةِ أكمل، وأقوى. وثالثها: أنَّهُ تعالى وصف إبراهيم بكونه حليماً أي: قليل الغضب، وبكونه أواهاً، أي: كثير التَّوجع والتَّفجُّع عند نزول المضار بالنَّاس، ومن كان موصوفاً بهذه الصِّفةِ كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديداً؛ فكأنه قيل: إنَّ إبراهيم مع جلالة قدره، وكونه موصوفاً بالأواهية والحلمية منعه الله من الاستغفار لأبيه الكافر، فمنع غيره أولى. قوله: "وَعَدَهَآ إِيَّاهُ". اختلف في الضمير المرفوعِ، والمنصوبِ المنفصل، فقيل - وهو الظاهرُ - إنَّ المرفوعَ يعودَ على "إبراهيم"، والمنصُوب على "أبيه"، يعني: أنَّ إبراهيم كان وعد أباه أن يستغفر له، ويؤيد هذا قراءةُ الحسنِ، وحماد الرَّاوية. وابنُ السَّميفَع ومعاذ القارئ "وعدهَا أباهُ" بالباءِ الموحَّدةِ. وقيل: المرفوع لأبي إبراهيم والمنصوب لـ "إبراهيم". وفي التفسير أنه كان وعد إبراهيم أنَّه يُؤمنُ؛ فذلك طمع في إيمانه. فصل دلَّ القرآن على أنَّ إبراهيم استغفر لأبيه، لقوله: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ}تفسير : [الشعراء:86] وقوله: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}تفسير : [إبراهيم:41] وقال: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}تفسير : [مريم:47] وقال أيضاً {أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}تفسير : [الممتحنة:4]، والاستغفار للكافر لا يجوز. فأجاب تعالى عن هذا الإشكال بقوله {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} والمعنى: أن أباه وعده أن يؤمن؛ فلذا استغفر لهُ، فلمَّا تبيَّن له أنَّهُ لا يؤمن وأنَّهُ عدو لله، تبرَّأ منه. وقيل: إنَّ الواعدَ "إبراهيم" وعد أباهُ أن يستغفر لهُ رجاء إسلامه وقيل في الجواب وجهان آخران: الأول: أنَّ المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإسلام، وكان يقول له آمنْ حتى تتخلَّص من العقاب، ويدعو الله أن يرزقه الإيمان فهذا هو الاستغفارُ، فلمَّا أخبره تعالى بأنَّه يموتُ كافراً وترك تلك الدَّعوة. والثاني: أنَّ من النَّاس من حمل قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} على صلاة الجنازة لا على هذا الطريق، قالوا: ويدل عليه قوله: {أية : وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً}تفسير : [التوبة:84]. فصل اختلفوا في السَّببِ الذي تبيَّن إبراهيم به أنَّ أباهُ عَدُوّ للهِ. فقيل: بالإصْرارِ والموت وقيل: بالإصْرارِ وحده. وقيل: بالوحي. فكأنه تعالى يقولُ: لمَّا تبيَّن لإبراهيم أنَّ أباهُ عدو لله تبَّرأ منه؛ فكونوا كذلك، لأنِّي أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله: {أية : ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [النحل:123]. قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}. الأوَّاهُ: الكثيرُ التأوه، وهو من يقولُ: أوَّاه، وقيل: من يقولُ: أوَّهْ، وهو أنْسَبُ؛ لأنَّ "أوه" بمعنى: أتوجع، فـ "الأوَّاهُ": فعَّال مثالُ مبالغة من ذلك، وقياسُ فعله أن يكون ثلاثياً؛ لأنَّ أمثله المبالغة إنَّما تطَّرد في الثُّلاثي وقد حكى قطربٌ فعله ثلاثياً، فقال: يقال: آهَ يَئُوهُ، كـ "قَامَ يقُومُ، "أوْهاً". وأنكر النحويون هذا القول على قطرب، وقالوا: لا يقال من "أوَّهْ" بمعنى: أتوَجَّعُ، فعلٌ ثلاثي، إنما يقال: أوَّه تأويهاً، وتأوَّه تأوهاً؛ قال الراجز: [الرجز] شعر : 2850- فَأوَّهَ الرَّاعِي وضَوْضَى أكْلُبُهْ تفسير : وقال المثقبُ العَبْدِيُّ: [الوافر] شعر : 2851- إِذَا ما قُمْتُ أرْحَلُهَا بليْلٍ تأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزينِ تفسير : وقال الزمخشريُّ: "أوَّاه: فعَّال، مِنْ أوَّهْ، كـ: "لئّالٍ" من اللُّؤلؤ، وهو الذي يكثر التَّأوُّه". قال أبُو حيان "وتشبيه "أوَّاه" مِنْ "أوَّهْ" كـ "لَئّال" من اللؤلؤ ليس بجيدٍ؛ لأنَّ مادة "أوَّهْ" موجودةٌ في صورة "أوَّاه"، ومادة "لؤلؤ" مفقودةٌ في "لَئّال"؛ لاختلاف التركيب إذ "لَئّال" ثلاثي، و "لؤلؤ" رباعيّ، وشرط الاشتقاق التوافق في الحروف الأصلية". قال شهابُ الدِّين: "لَئّال"، و "لؤلؤ" كلاهما من الرُّباعي المكرر، أي: إنَّ الأصل لام وهمزة ثم كرَّرْنا، غاية ما في الباب أنَّهُ اجتمع الهمزتان في "لَئّال" فأدغمت أولاهما في الأخرى، وفُرق بينهما في "لؤلؤ" وقال ابن الأثير في قوله عليه السلام: "حديث : أوْه عن الرِّبا"تفسير : كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجُّع وهي ساكنة الواو ومكسورة الهاء، وربَّما قلبُوا الواو ألفاً فقالوا: آهِ من كذا، وربَّمَا شدَّدُوا الواو وكسرُوها وسكَّنُوا الهاء فقالوا "أوّهْ" وربما حذفُوا مع التَّشديد الهاء فقالوا: "أوّ" وبعضهم فتح الواو مع التشديد فيقول "أوَّهْ". وقال الجوهريُّ: بعضهم يقول "آوَّه" بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاءِ؛ لتطويل الصوت بالشِّكاية، ورُبَّمَا أدخلُوا فيه التَّاء فقالوا "أوَّتَاهُ" بمدٍّ وبغير مدّ. فصل قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : الأوَّاه: الخاشع المُتضرِّع" تفسير : وعن عمر: "حديث : أنَّهُ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأوَّاه، فقال: الدَّعَّاءُ"تفسير : . ويروى"حديث : أن زينب تكلَّمت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بما غيَّر لونه؛ فأنكر عمر، فقال عليه الصلاة والسلام: دعهَا فإنَّها أوَّاهَةٌ" فقيل يا رسُول الله، وما الأواهةُ؟ قال: "الدَّاعيةُ الخاشِعةُ المُتضرِّعَةُ ". تفسير : وقيل: معنى كون إبراهيم أوَّاهاً، كلَّما ذكر لنفسه تقصيراً، أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوَّه إشفاقاً من ذلك واستعظاماً لهُ. وعن عبَّاسٍ: الأوَّاه، المؤمن التَّواب. وقال عطاءٌ وعكرمةُ: هو الموقن. وقال مجاهدٌ والنخعيُّ: هو الفقيه. وقال الكلبيُّ وسعيد بنُ المسيِّب: هو المُسبِّحُ الذي يذكر الله في الأرض القفر الموحشة. وقال أبُو ذرٍّ: هو المتأوه؛ لأنه كان يقول "آهٍ من النَّار قَبْلَ ألا تنفعَ آهُ". و"الحَلِيمُ" معلوم. وإنَّما وصفهُ بهذين الوصفين ههنا؛ لأنَّه تعالى وصفه بشدّة الرقة والشَّفقة والخوف، ومن كان كذلك فإنَّه تعظم رقته على أبيه وأولاده، ثم إنَّهُ مع هذه الصفات تَبَرَّأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لمَّا ظهر له إصراره على الكُفْرِ، فأنتم بهذا المعنى أولى. قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} الآية. لمَّا منع المسلمين من أن يستغفرُوا للمشركين، والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول الآية، فلمَّا نزلت هذه الآية خافُوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين. وأيضاً فإنَّ أقواماً من المسلمين الذين استغفروا للمشركين، كانوا ماتوا قبل نزولِ هذه الآية فوقع الخوفُ في قلوب المسلمين أنَّهُ كيف يكون حالهم؛ فأزال الله ذلك عنهم بهذه الآية وبيَّن أنه لا يؤاخذهم بعمل إلاَّ بعد أن يُبيِّنَ لهم أنَّه يجبُ عليهم أن يتَّقُوهُ ويحترزوا عنه فهذا وجهٌ حسنٌ في النَّظْمِ. فصل معنى الآية: ما كان الله ليحكم عليكم بالضَّلالةِ بترك الأوامرِ باستغفاركم للمشركين {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ}. قال مجاهدٌ: "بيان الله للمؤمنين في ترْكِ الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة". وقال الضحاك: "ما كان اللهُ ليُعذِّبَ قوماً حتى يُبيِّنَ لهم ما يأتون وما يذَرُونَ". وقال مقاتلٌ والكلبيُّ: هذا في المنسوخ، وذلك أنَّ قوماً قدمُوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمُوا قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبةِ؛ فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة، ولا علمَ لهم بذلك، ثم قدمُوا بعد ذلك المدينة؛ فوجدُوا الخمر قد حُرِّمَتْ والقبلة قد صُرفتْ، فقالوا يا رسول الله: قد كنت على دينٍ ونحن على غيره، فنحن ضلال؟ فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم} الناسخ، وقيل: المعنى: أنَّهُ أضلهُ عن طريق الجنَّةِ أي: صرفه ومنعه من التوجّه إليه. وقالت المعتزلة: المراد من هذا الإضلال، الحكم عليهم بالضلال؛ واحتجُّوا بقول الكميت: [الطويل] شعر : 2852- وطَائِفَةٍ قَدْ أكفرُونِي بحُبِّكُم ........................ تفسير : قال ابنُ الأنباري "وهذا التَّأويلُ فاسدٌ؛ لأنَّ العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا: ضلل يضلل، واحتجاجهم ببيت الكميت باطلٌ؛ لأنه يلزم من قولنا: أكفر في الحُكْم صحة قولنا: أضَلّ. وليس كل موضع صح فيه "فعل" صح فيه "أفعل". فإنَّه يجوزُ أن يقال "كسر"، و "قتل"، ولا يجوزُ "أكْسَرَ"، و "أقْتَلَ"؛ بل يجبُ فيه الرُّجوع إلى السماع". قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية. فيها فوائد: أحدها: أنَّه تعالى لمَّا أمر بالبراءة من الكُفَّارِ، بيَّن أنَّه له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو ناصركم فهم لا يقدرون على إضراركم. وثانيها: أنَّ المسلمين قالوا: لمَّا أمرتنا بالانقطاع عن الكُفَّار؛ فحينئذٍ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا، وأولادنا، وإخواننا، فكأنَّهُ قيل: إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم، فالإله المالكُ للسَّمواتِ والأرضِ، المُحْيِي المُمِيت ناصركم؛ فلا يضركم انقطاعهم عنكم. وثالثها: أنَّهُ تعالى لمَّا أمر بهذه التكاليف الشَّاقة كأنَّهُ قال: وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي، لكوني إلهكم، ولكونكم عبيداً لي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: حديث : قال عبدالله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزلت {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم...} الآية . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه حديث : عن جابر بن عبدالله قال "نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم} الآية. فكبر الناس في المسجد. فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقبل ولا نستقيل" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت "حديث : أن أسعد بن زرارة أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة فقال: يا أيها الناس هل تدرون علام تبايعون محمداً؟ إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم والجن والإِنس كافة. فقالوا: نحن حرب لمن حارب وسلم لمن سالم. فقال أسعد بن زرارة: يا رسول الله اشترط عليَّ، فقال: تبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، والسمع والطاعة، ولا تنازعوا الأمر أهله، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم. قالوا: نعم. قال قائل الأنصار: نعم هذا لك يا رسول الله فما لنا؟ قال: الجنة والنصر ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال: حديث : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم بالعباس بن عبد المطلب - وكان ذا رأي - إلى السبعين من الأنصار عند العقبة فقال العباس: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة، فإن عليكم للمشركين عيناً وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم وهو أبو أمامة أسعد: يا محمد سل لربك ما شئت ثم سل لنفسك وأصحابك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. فقال "أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم. قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة. فكان الشعبي إذا حدث هذا الحديث قال: ما سمع الشيب والشبان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان إذا قرأ هذه الآية {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} قال: أنفس هو خلقها وأموال هو رزقها. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة} قال: ثامنهم - والله - وأعلى لهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال: ما على ظهر الأرض مؤمن إلا قد دخل في هذه البيعة. وفي لفظ: اسعوا إلى بيعة بايع الله بها كل مؤمن {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} . وأخرج ابن المنذر من طريق عياش بن عتبة الحضرمي عن إسحق بن عبدالله المدني حديث : قال: لما نزلت هذه الآية {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم} دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله نزلت هذه الآية؟ فقال: نعم. فقال الأنصار: بيع رابح لا نقيل ولا نستقيل قال عياش: وحدثني اسحق أن المسلمين كلهم قد دخلوا في هذه الآية، ومن كان منهم إذا احتيج إليه نفع وأغار، ومن كان منهم لا يغير إذا احتيج إليه فقد خرج من هذه البيعة" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون} يعني يقاتلون المشركين {في سبيل الله} يعني في طاعة الله {فيقتلون} العدو {ويقتلون} يعني المؤمنين {وعداً عليه حقاً} يعني ينجز ما وعدهم من الجنة {في التوراة والإِنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله} فليس أحد أوفى بعهده من الله {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} الرب تبارك بإقراركم بالعهد الذي ذكره في هذه الآية {وذلك} الذي ذكر من الثواب في الجنة للقاتل والمقتول {هو الفوز العظيم} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} قال: ثامنهم - والله - فأعلى لهم الثمن {وعداً عليه حقاً في التوراة والإِنجيل والقرآن} قال: وعدهم في التوراة والإِنجيل أنه من قتل في سبيل الله أدخله الجنة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: ما من مسلم إلا ولله تعالى في عنقه بيعة وفّى بها أو مات عليها {إن الله اشترى من المؤمنين} الآية. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال: في قراءة عبدالله رضي الله عنه "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة". وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {إن الله اشترى...} الآية. قال: نسخها {أية : ليس على الضعفاء} تفسير : [التوبة: 91] الآية. وأخرج أبو الشيخ عن سليمان بن موسى رضي الله عنه: وجبت نصرة المسلمين على كل مسلم لدخوله في البيعة التي اشترى الله بها من المؤمنين أنفسهم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ}[111] يعني اشتراها من شهوات الدنيا وما يوجب الاشتغال عن ذكره، حتى تكون نفسه وماله خالصة له، فمن لم يبع من الله حياته الفانية وشهواته الزائلة، كيف يعيش مع الله تعالى؟ وكيف يحيا حياة طيبة؟ ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ}[111] بما لا خير فيه، وعوضهم ما فيه الخير كله، مع أن ما في الكونين فهو ملكه، وهذا من غاية لطفه وكرمه بعباده المؤمنين. وقد حكي عن مالك بن دينار أنه مر بقصر يعمر، فسأل الأجراء عن أجرتهم، فأجابه كل واحد منهم بما كانت أجرته، ولم يجبه واحد، فقال: ما أجرتك؟ فقال: لا أجر لي. فقال: ولم ذلك؟ قال: لأني عبد صاحب القصر. فقال مالك: إلهي ما أسخاك، الخلق كلهم عبيدك، كلفتهم العمل ووعدتهم الأجر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [الآية: 111]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول: سمعت ابن عطاء يقول: فى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} قال: نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل أثم ومعصية، فأراد أن يزيل ملكك عما يضرك، ويعوضك عليه ما ينفعك عاجلاً وآجلاً. قال سهل: لا نفس للمؤمن إنها دخلت فى البيع من الله، فمن لم يبع من الله حياته الفانية كيف يعيش مع الله ويحيا حياة طيبة قال الله عز وجل: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. قال جعفر فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} قال: مكر بهم على لسان الحقيقة وعلى لسان المعاملة اشترى منهم الأجساد لمواضع وقوع المحبة من قلوبهم وأحياهم بالوصلة. وقال بعضهم: من سمع الخطاب فانتبه له، كان كأبى بكر رضى الله عنه لما قيل له: ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: "الله ورسوله" أى أبقيت لنفسى من لا يفنى ولا يزال باقيًا. فأبقى ببقائهما دون الأعراض التى هى عوارى. وقال بعضهم: اشترى منك ما هو محل الآفات و البَليَّات وهو النفس والمال، وجعل ثمنهما الجنة، فإن آنس قلبك كان الثواب عليه المشاهدة والقربة. قال الحسين: نفوس المؤمنين نفوس أبية استرقها الحق فلا يملكها سواه. قال النصرآباذى: سُئل الجنيد رحمة الله عليه متى أشترى؟ قال: حين لأمنى أزال عنهم العلل يزول ملكهم عن أنفسهم وأموالهم ليصلحوا المجاورة للحق ومخاطبته. قال ابن عطاء: مكر بهم وهم لا يشعرون، لكن الكلام فيه من جهة المعاملة مليح اشترى منهم الأجساد لمواضع وقوع المحبة من قلوبهم، فاجتباهم بالوصلة. قال النصرآباذى: اشترى منك ما هو صفتك، والقلب تحت صفته فلم تقع عليه المبايعة. قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن " تفسير : قال: مباينه منك فى الابتداء أوجبت المشاراة، ومن لم يباين الحق لم يقع عليه اسم الشراء ألا ترى أن الله الكريم خاطب الكليم بقوله: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41] فلا شراء ولا بيع ولا مباينة بحال. قال أبو عثمان: اشترى من المؤمنين أنفسهم، كى لا يخاصموا عنها، فإنها ليست لهم، والإنسان لا يخاصم عما ليس له. قال أبو بكر الوراق: اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ولا شىء يتقرب به العبد إلى الله فى أداء الأوامر والفرائض، إلا النفس والمال فاشترى منهم النفس والمال لئلا ينظروا إلى ما يبدو منهم من أنواع القرب، لأنهم باعوا قبل فلا يعجبوا بشىء من أفعالهم، ولا يفتخروا بشىء من طاعاتهم، لأن مواضعها النفس والمال، وليس لهم عليها ملك، ومن لا يملك الأصل كيف يفتخر بالفرع. قوله تعالى: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ}. قال الحسين: عهد الحق فى الأزل إلى خواصه باختصاص خاصيته، خصهم بها من بين تكوينه فأظهر آثار أنوار ذلك عليهم عند استخراج الذر، فرأى آدم الأنوار تتلألأ فقال: من هؤلاء؟ ثم أظهر سمات ذلك حين أوجدهم، وهى آثار ذلك العهد الذى عهد إليهم، فوفى لهم بعهودهم {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ}. قال النصرآباذى: البشرى فى هذا البيع أنه يوفى بما وعد، بأن لهم الجنة ويزيد لمن يشاء، فضلاً منه وكرمًا بالرؤية والمشاهدة ولو لم يكن فيه إلا مساواة المساومة لكان عظيمًا، فكيف المبايعة والمشاراة.
القشيري
تفسير : لمّا كان من المؤمنين تسليمُ أَنفسهم وأموالهم لحُكْمِ الله، وكان من الله الجزاءُ والثوابُ؛ أي هناك عِوَضٌ ومُعَوض، فَلِمَا بَين ذلك وبين التجارة من مشابهة أطلق لفظَ الاشتراءِ، وقد قال تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ...}تفسير : [الصف: 10]، وقال: {أية : فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ}تفسير : [البقرة: 16]. وفي الحقيقة لا يصحُّ في وصف الحق - سبحانه - الاشتراء لأنه مَالِكُ سِوَاه، وهو مالِكُ الأعيانِ كلِّها. كما أَنَّ مَنْ لم يستَحْدِثْ مِلْكاً لا يُقَال إنه - في الحقيقة - باع. وللمقال في هذه الآية مجال... فيقال: البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتنع عن تسليم المبيع، فكذلك لا يستحق العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليمِ النَّفسِ والمالِ على موجب أوامر الشرع، فَمَنْ قَعَدَ أو فَرَّطَ فغيرُ مستحقٍ للجزاء. ويقال لا يجوز في الشرع أن يبيع الشخصُ ويشتري شيئاً واحداً فيكونَ بائعاً ومشترياً إلا إذا كان أباً وجَدَّاً! ولكن ذلك هنا بلفظ الشفقة؛ فالحقُّ بإذنه كانت رَحْمَتُه بالعبد أتمَّ، ونظرُه له أبلغَ، وكان للمؤمِن فيه من الغبطة، ما لا يخفى، فصحَّ ذلك وإن كان حُكمه لا يقاس على حكم غيره. ويقال إنما قال: {ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} ولم يقل "قلوبهم" لأنَّ النَّفْسَ محلُّ الآفات فجعل الجنة في مقابلتها، وجعل ثَمَنَ القلبِ أَجَلَّ من الجنة، وهو ما يخصُّ به أولياءه في الجنة مِنْ عزيزِ رؤيته. ويقال النَّفْسُ محلُّ العيب، والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره. ويقال مَنْ اشترى شيئاً لينتفع به اشترى خيرَ ما يجده، ومن اشترى شيئاً لِيَنْتَفِعَ به غيرهُ يشتري ما رُدَّ على صاحبه لِيَنْفَعَه بثمنه. وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء - عليهم السلام -: يا بني آدم، ما خلقتُكم لأربحَ عليكم ولكن خَلَقْتُكم لتربحوا عليَّ. ويقال اشترى منهم نفوسَهم فرهبوا على قلوبهم شكراً له حيث اشترى نفوسَهم، وأمَّا القلبُ فاستأثره قهراً، والقهر في سُنَّةِ الأحبابِ أعزُّ من الفضل، وفي معناه أنشدوا: شعر : بُنِيَ الحبُّ على القَهْرِ فلو عَدَلَ المحبوبُ يوماً لَسَمُج ليس يُسْتَحْسَنُ في حكم الهوى عاشِقٌ يَطْلُبُ تأليفَ الحُجَج تفسير : وكان الشيخ أبو علي الدقاق رحمه الله يقول: "لم يقل اشترى قلوبَهم لأن القلوبَ وَقْفٌ على محبته، والوقفُ لا يُشترى". ويقال الطيرُ في الهواء، والسَّمَكُ في الماءِ لا يصحُّ شراؤهما لأنه غير ممكن تسليمهما، كذلك القلبُ.. صاحبُه لا يمكنه تسليمه، قال تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}تفسير : [الأنفال: 24]. وفي التوراة: "الجنَّةُ جنتي والمالُ مالي فاشتروا جنتي بمالي فإنْ ربحتم فلكم وإِنْ خَسِرْتُمْ فعليَّ". ويقال عَلِمَ سوءَ خُلقِك فاشتراك قبل أَنْ أوجدك، وغَالِي بثمنك لئلا يكونَ لَكَ حقُّ الاعتراض عند بلوغك. ويقال ليس للمؤمن أن يتعصَّبَ لنفسه بحالٍ لأنها ليست له، والذي اشتراها أَوْلى بها من صاحبها الذي هو أجنبيٌّ عنها. ويقال أخبر أنه اشتراها لئلا يَدَّعِيَ العبدُ فيها؛ فلا يساكنها ولا يلاحظها ولا يُعْجَبُ بها. قوله: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} سيّان عندهم أن يَقْتُلُوا أو يُقْتَلُوا، قال قائلهم: شعر : وإنَّ دَمَاً أجريتَه لك شاكرٌ وإِنَّ فؤاداً خِرْتَه لكَ حامدُ تفسير : ويقال قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ} ولم يقل بثمن مبيعكم لأنه لم يكن مِنَّا بَيْعٌ، وإنما أخبر عن نفسه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فجعل بَيْعَه بَيْعَنا، وهذا مثلما قال في صفة نبيه - صلى الله عليه وسلم - {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17] وهذا عين الجَمْع الذي أشار إليه القوم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} يقتضى همة المعرفة انه اغار على نفسه فى الازل بعد ان وصف نفسه محبتهم فمنهم عن نفسه وشغلهم === مكرا بهم واستدراجا اشترى نفسه منهم لانه بذاته نفس الكل حيث قامت الوجود بنفسه ولولا قيامة على شئ تلاشت الاشياء ما قل من لمحة عرض نفسه الحدثان ولم يرها اهلا لنفسه فاشترى نفسه من نفسه لعمل بضعف الخلق عن حمل وارد تجلى عظمة نفسه وكيف يقوم الحدث جلال القدم هو تعالى قيمة نفسه لا غير اشترى شفقة عليهم كيلا يتلاشوا فى سبحات عزته ثم اشترى اموالهم وهى كشوف نعوته الازلية وتمتعهم بمشاهدتها حتى لا يبقى سر العدم الا فى القدم فلما وقطعهم عن رؤية سسبحات القدم بالحقيقة شغلهم بما يليق بهم وهى الجنة وايضا لم ير للنفوس والاموال نفاسة حيث اشتراها بالجنة ولو كان لها موقع لا اشتراها بنفسه لا بشئ محدث وايضا اشترى النفوس لانها حجاب القلب من الرب وكذلك المال حتى لم يبق بينه وبين الرب حجاب وايضاً اشترى منهم النفوس التى تحت سلطانهم بالمجاهدات وما اشترى قلوبهم لان قلوبهم لم يدخل تحت املاكهم فانه مستغرقة فى رؤية الصفات فقال ابن عطا نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل اثم ومعصية فاراد ان يزيل ملكك عما نصرك ويعوضك عليه ما ينفعك عاجلا واجلا قال سهل لا نفس للمؤمن لانها دخلت فى التبليغ من الله فمن لم يبلغ من الله حياته الفانية كيف يعيش مع الله ويحيى حياة طيبة قال الله ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم وقال جعفر === على لسان الحقيقة ولسان المعاملة اشترى منهم الاجساد لمواضع وقوع المحبة فى قلوبهم فاحياهم بالوصلة وقال الحسين نفوس المؤمنين نفوس ابية استرفاها الحق فلا يملكها سواه وقال النصرابادى سئل الجنيد متى اشترى قال حين لا متى ازال عنهم العلل بزوال ملكهم عن انفسهم واموالهم ليصلحوا المجاورة الحق ومخاطبه وقال النصرابادى اشترى منك ما هو صفتك والقلب تحت صفته لم يقع عليه المبايعة قال النبى صلى الله عليه وسلم قلب ابن ادم بين اصبعين من اصابع الرّحمن فقا لالنفس محل الغيب والكريم يرغب فى شراء ما يزهد فيه غيره وما سنح لى بعد قولهم وما ذكرت فى مقدم قولهم انه تعالى البس النفوس حين اوجدها لباس قهر الربوبية فاستحطت من مباشرته وصف الكبرياء فلما اتصف بقهره تعالى نازعته فعلم الحق تعالى لو تركها مع المؤمنين اغوتهم كما اغوت فرعون بقوله انا ربكم الاعلى وكما قال ابليس انا خير منه فهلكها بقهره حتى لا يبقى فى المؤمن غير العبودية ثم ان الله سبحانه فرّح فواد العارفين بوفائه معهم وخطابه بأخباره عن صدقه بوفائه ليكونوا فى بذل وجودهم وقتل نفوسهم والجهاد مع عدوهم على حسن الظن فى الله وحسن الرضا الى وعد الله وفائه بعهده بقوله {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} اى كل حادث ناقص فى امر المستقبل والقديم منزه عن نقايص الحدثان فيفعل بموجب الاخبار على موافقة الحكم ويعطى للعبد ما وعد به واكثر اظهار الربوبية ومننا على عباده قال الحسين عهد الحق فى الازل الى خواصه باختصاص خاصية خصهم من بين تكوينه فاظهر اثار انوار ذلك عليهم عند استخراج الذر فراى ادم الانوار يتلالأ فقال من هؤلاء ثم اظهر سمات ذلك حين اوجدهم وهو اثار ذلك العرمد الذى عهد اليهم فوفى لهم بعهودهم ومن اوفى بعهد من الله ثم ان الله سبحانه بشر المؤمنين باشترائه نفوسهم منهم وبما يجازيهم بها من لطفه وكرمه وفضله ومشاهدته بقوله {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} اضاف اشتراء النفوس الى نفسه اشتراها فى الازل واضاف بيعها الى المؤمنين واين المؤمنون فى الازل واقام نفسه مقام المؤمنين لاشارة مقام الاتصاف ولاتحاد كما اشار الى النبى صلى الله عليه وسلم بقوله وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى والاية من قبيل عين الجمع بشرهم نبيهم والغرض من ذلك المشترى اى بشروا بمتابعتكم معى حيث اصطفيتكم بخطابى وشرائى الذى ينبئكم عن كريم لطفى بكم بانى اعطيكم ما وعدتكم بلا عذاب ولا حساب واكشف عن وجهى قناع الجبروت واريكم جمالى وجلالى وذلك قوله سبحانه {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} قال النصرابادى البشرى فى هذا البيع انه يوفى بما وعد بان لهم الجنة ويزيد لمن يشاء فضلا منه وكرماً بالرؤية والمشاهدة ثم وصف اهل ذلك البيع و الشرى باوصاف المقامات مفصلا ومقسماً بعد ان جعل جميع الاوصاف فى اسم العام الذى هو المؤمن وذلك الاسم اسم جامع لمعان كثيرة وهى ما وصفهم الله بهذا فى قوله {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} بين تسع مقام وذكر فى اولها ذكر الايمان حيث قال ان الله اشترى من المؤمنين لان الايمان اصل جميع العاملات والحالات والدرجات والمنازلات وهو اصل جميع الخيرات فى الدنيا والاخرة وهو تعريف الله نفسه لعبده بعد ان جعله عاقلا مستعدا لمعرفته فهما لخطابه ومن الايمان ينشعب هذه الخصال وهذه المقامات فصار قسمة المقامات عشرة مع الايمان والايمان اولها والمؤمن ممتحن ببلايا المعرفة من الله فيذوق مرارة الفرقة بعد ذوق الوصلة فيقع بتوفيق الله السابق فى الازل فيوفضه من نوم الغفلة وينتبهه من قدرة الفرقة حتى يتنبه ويفتح عين قلبه فيعرف ما افسد النفس و الشيطان فى مضارع قلبه بذياب الشهوات وسباع الشبهات ويرى خيول الهوى فى محل الروح الناطقة فيهيج سره نور الايمان الى اخراجها من منظر نظر الله فيقدس اسراره من النظر الى الاغيار ويخرج نفسه من منازل الاغترار ويندم على ما فاته من اوقات الطاعات ويرجع بالحياء والخجل الى ابواب المداناة وتستانف عمل الارادات حتى يستحق له مرتبة التوبة فيتوب الله عليه بعطف وصاله وكشف جماله فالتائبون قوم رجعوا من غير الله الى الله واستقاموا بالله مع الله ولا يرجعون من الله الى غير الله ابدا ثم يوجب هذه الاوصاف للتائب الصادق العبادات والمجاهدات والرياضات حتى يذوق لعلم العبودية === الحرمة عما سوى الله حتى يكون عبد الله لا بغير الله ويرى مشاهدة الله فى عبادة الله بعين الاحسان ونور === كما قال سيّد فرسان العام=لمين فى ميادين المعرفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الاحسان ان تعبد الله كانك تراه" تفسير : فالعابدون القائمون بالله فى الله عن غير الله فاذا تم هذه النعم لهذا العابد يقتضى حاله حمد المنعم القديم باحسانه السابق للعابد فى الازل بانعامه فيحمده بوصل الخجل وخرس السنة اسراره عن البلوغ الى ثنائه فيحمده بلسان حمده بنعت نسيان غيره فى حمده فيحمد منعمه بنعمة تعريف نفسه له فستغفر لسان الحمد من صفته فيصفه بصفته لا بوصفه لان الحادث كيف يطيق ان يحمد القديم الا ترى كيف اى النبى صلى الله عليه وسلم نفسه عن حمده فى رؤية جلاله مقصرة عن البلوغ الى حقيقة حمده وثنائه بقوله لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك فالحامدون الذاكرون الله الجميع الوجود ظاهرا او باطنا سرا وعلانية حتى لا تخلوا شعره منهم لا ولها لسان من الله يحمد الله به فى جميع الانفاس المستغرقون فى بحار امتنان مشاهدته ثم يقتضى حمده للحامد جسر النفس عن مألوفاتها حين عاين هلال جماله فى سماء الايقان الا ترى كيف قال عليه السّلام "حديث : صوموا لرؤيته" تفسير : ولا يكون فطوره الا حلاوة مشاهدته لقوله عليه السّلام "حديث : وافطروا لرؤيته" تفسير : فالسائحون السيارون بقلوبهم فى الملكوت الطائرون باجنحة المحبة فى هواء الجبروت ثم الساحة فى اقطار الغيب يقتضى المشائخ الخضوع بنعت الفناء عند مشاهدة العظمة والكبرياء فى مراكع الكشوف فيركع بنعت السكر لجبروته فى كل موطن من العالم شوقا الى جود جماله وحسن وصاله فالراكعون العاشقون المنحنيون من ثقل وقار المعرفة على باب العظمة من رؤية الهيبة ثم يقتضى ركوع هذا الراكع شهود اسراره فى منازل الانوار لطلب === الملك الغفار جل جلاله وعز كبريائه فيسجد عند كل كشف فى كل موضع وحش حتى يصير مدهوشا فى دهشة بديهة كشف جماله من كل قبلة فى العالم فيسجد لجميع الجهات لغيبة فى معانيات الصفات وهكذا كان هشام بن عبدان الشرازى رحمة الله عليه فى سكره ومات بهذه الصفة بارك الله فى حياته ومماته وجعلنا مثله فى عرصات المقبولين بسيف محبته وكشف مشاهدته ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله فالساجدون الشاهدون مشاهدة الغيب بعد كشف الغيب حرقة وهيجاناً وشوقاً وهيمانا انشد شعر : لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا للعزة ركعاً وسجوداً تفسير : وهذه السجود يقتضى التوبة والقربة تقتضى المشاهدة والمشاهدة تصير شاهدها متصفاً بصفاتها فمن وقع فى نور اسماء الله وصفاته صار متصفاً بوصف الربوبية متمكناً فى العبودية فيحكم بحكم الله بهذه النعوت وقال الامرون بالمعروف الداعون الخلق الى الحق بلسان الظرافة ومباشرة المعاملة الباذلون انفسهم فى دفع النصرة عنهم واخراجهم عن معصية الله بتائيد الله وبما كساهم الله من انوار هيبته وكسوة سنا عظمته فيكونون محتشمين باحتشام بين الخلائق فنهاهم عن متابعة الشهوات بعد منعهم نفوسهم عن جميع المخالفات قال تعالى والناهون عن المنكر الناهون نفوسهم عن الهواجس وشياطينهم عن الوساوس وقلوبهم عن طلب الاخرة وارواحهم عن وقوفها فى مقام المحبة لان الازلية بلا نهاية والوقوف على منزل واحد حرام على كل العاشق وهذا الحال يقتضى رتبة الاعلى وعلى حفظ حدود الله تابعوا سنة الله ورسوله فى شريعته وامروا على انفسهم وعلى خلقة امر الله ورسوله ولا يتجاوزون عن حدود الله التى اعلامها معروفة فى خطابه فالحافظون لحدود الله القائمون فى مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم فلا يتجاوزون عن حد العبودية وان ذاقوا طعم حلاوة الربوبية وبعد ان اتصفوا بصفاته وعائنوا جمال ذاته لا تدعون الربوبية كفعل سكارى المحبة لانهم فى محل التمكين على اسوة مراتب النبى صلى الله عليه وسلم مع كماله قال انا العبد لا اله الا الله ثم جمع هذه الاوصاف الشريفة والمراتب الرفيعة فى اسم واحد وهو اسم المؤمن وبشرهم بجزيل المقامات فى الدنو والمداناة بقوله وبشر المؤمنين يعنى العارفين الذين هذه الاوصاف صفتهم وهم فى اعلى الدرجات من التوحيد اى بشرهم انا لهم وهم لى حجاب بينى وبينهم ابدا واذا خرجوا من هذه المفاوز الوعرة لا يبقى بينى وبينهم امتحان بعد ذلك فان هناك لهيب الوصال بلا علة الفرقة وكشف الجمال بلا حجاب الوحشة قال تعالى فلنحيينه حياة طيبة ولى ايضا لطيفة فى حق المؤمنين ان الله سبحانه ذكر اوصاف هؤلاء الكبرياء من هل المقامات والدرجات وما ذكر ذكر البشارة هناك كأنه ذلك تقتضى حزن المؤمنين الذين هم فى ادنى الدرجات من درجاتهم فبشرهم بالبشارة وعاملهم بالبيع والشرى قال فى الاول ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم وقال فى اخر الاية وبشر المؤمنين اى اشتريت منهم نفوسهم بثمن كريم قال وبشر المؤمنين بان ذلك فى الثمن الكريم جنة مشاهدتى التى بسّامه بنعت الرضا فى وجوههم حين تطلع لعيونهم فان ليس لهم هذه المقامات افنا مشترى المفلسين وانا مبشر المحزونين اى الدرجات هؤلاء وانا للمؤمنين خاصة بلا علة المعاملة ولا شبهة الجهل والجاهدة وايضاً بشر المؤمنين بهؤلاء المقامات فانهم ايضا من اهل المقام بايمانهم بهؤلاء الاصفياء الا ترى الى قول رويم قدس الله روحه حيث قال من امن بكلامنا هذا من وراء سبعين حجاباً فهو من اهله قال سهل فى قوله التائبون ليس فى الدنيا شيء من الحقوق اوجب على الخلق من التوبة ولا التوبة الا بالحمل على وقفت به عليه من طلب طريق التوبة ولا يصح التوبة الا بمداومة السياحة والرياضة ولا يدرك هذه المقامات الا بمداومة الركوع والسجود ولا يصح هذا كله الا بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا يصح مما تقدم الا بحفظ الحدود ظاهرا وباطناً والمؤمن من يكون هذه صفته لان الله يقول وبشر المؤمنين الذين هم بهذه الصفة قيل فى قوله التائبون الراجعون الى الله بالكلية عن جميع ما لهم من صفاتهم واحوالهم العابدون القائمون معه على حقيقة شرايط الخدمة الحامدون العارفون نعم الله عليهم فى كل خطرة وطرفة عين السّائحون الذين حبسوا انفسهم عن مرادها طلباً لرضا الراكعون الخاضعون له على الدوام والساجدون الطالبون قربة الامرون بالمعروف الامرون لسنة النبى صلى الله عليه وسلم والناهون عن المنكر عن الامر لكتاب مخالفات السنن الحافظون لحدود الله المراعون اوامر الله عليهم فى خوارجهم وقلوبهم واسرارهم وارواحهم وبشر المؤمنين القائمين بحفظ هذه الحرمات وقال ابو يزيد الساحة راحة من ساح استراح وقال ابو سعيد الخراز فى قوله الحافظون لحدود الله قال هم الذين اصغوا الى الله باذان فهومهم الواعية وقلوبهم الطاهرة ولم يتخلفوا عن ندائه محال وعن على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر قال لا يصح العبادة الا بالتوبة فلذلك قدم التوبة على العبادة ولا يتم التوبة الا بملازمة العبادة فجعله تاالفا قال ابن عطا التائبون الراجعون الى الله من كل ما سواه من الاغيار والعابدون الواقفون على بابه يطلبون الاذن عليه شوقا منهم اليه والحامدون هم الذين يشكرونه على السراء والضراء اذ كل منه وما كان منه فهو مقبول بالسمع والطاعة والسايحون التاركون شهواتهم ومراداتهم لمراد الحق فيهم والراكعون الخاضعون لعظمة الله والساجدون المتفربون الى الله بخدمته والامرون بالمعروف القائمون باوامر الله بحسب الطاقة الناهون عن المنكر التاركون مخالفة الحق اجمع وهم الذين يوالون اولياء الله وتعادون اعداءه قال الاستاد فى قوله التائبون الراجعون الى الله فمن راجع يرجع عن زلته الى طاعته ومن راجع يرجع عن متابعة هواه الى موافقة رضاه ومن راجع يرجع عن شهود نفسه الى شهود لطفه ومن راجع يرجع عن الاحسان بنفسه وابناء جنسه الى الاستقرار فى حقائق حقه وقال فى قوله العابدون هم الخاضعون لكل وجه الذى لا يسترقهم كرايم الدنيا ولا يستعبدهم عظائم العقبى والحامدون الشاكرون له على وجود افضاله المثنون عليه عند شهود جماله وجلاله والسايحون الممتنعون عن خدمة غير الله المكتفون من الله بالله والراكعون الخاضعون لله فى جميع الاحوال تحت سلطان التجلى والساجدون فى الظاهر بنفوسهم على بساط العبودية وفى الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم الذين يدعون الخلق الى الله ويحذرونه عن غير الله يتواصون بالاقبال على الله وترك الاشغال بغير الله والحافظون بحدود الله يحفظون الله مع الله انفاسهم قيل فى قوله السايحون الذين يسيحون فى الارض على جهة الاعتبار طلبا للاستبصار ويسيحون بقلوبهم فى مشارق الارض ومغاربها بالتفكر فى جوانبها ومساكنها والاستدلال بتغيرها على منشاها والتحقق بحكمة خالقها كلما يرون من الايات التى فيها ويسيحون باسرارهم فى الملكية فيجدون مرجع الوصال ويعيشون بنسيم الانس والتحقق بشهود الحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الله اشترى} حديث : -روى- ان الانصار لما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً او اربعة وسبعون من اهل المدينة قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال "اشترطت لربى ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً واشترطت لنفسى ان تمنعونى ما تمنعون منه انفسكم واموالكم" قال فاذا فعلنا ذلك فما لنا قال "الجنة" قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل اى لا نفسخه ولا ننقضه" شعر : آن بيع راكه روز ازل باتو كرده ايم اصلا دران حديث اقاله نميرود تفسير : فنزلت {انّ الله اشترى} {من المؤمنين} لا من المنافقين والكافرين فانهم غير مستعدين لهذه المبايعة. قال الحسن اسمعوا الى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن والله ما على وجه الارض مؤمن الا وقد دخل فى هذه البيعة وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية. قال ابن ملك فى شرح المشارق المبايعة من جهة الرسول عليه السلام هو الوعد بالثواب ومن جهة الآخر التزام طاعته {أنفسهم} [نفسهاى ايشانرا كه مباشر جهاد شوند] فالمراد بالنفس هو البدن الذى هو المركب والآلة فى اكتساب الكمالات للروح المجرد الانسانى {واموالهم} [وما لهاى ايشانرا كه درراه نفقه كنند] فالمال الذى هو وسيلة الى رعاية مصالح هذا المركب {بأن لهم الجنة} [باآنكه مرايشانرا باشد بهشت] اى باستحقاقهم الجنة فى مقابلتها وهو متعلق باشترى ودخلت الباء هنا على المتروك على ما هو الاصل فى باء المقابلة والعوض ولم يقل بالجنة مبالغة تقرر وصول الثمن اليهم واختصاصه بهم كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم. فان قيل كيف يشترى احد ملكه بملكه والعبد وماله لمولاه. قيل انما ذكر على وجه التحريض فى الغزو. يعنى [اى بنده ازتو بذل كردن نفس ومال وازمن عطا دادن بهشت بى زوال] ففيه تلطف للمؤمنين فى الدعاء الى الطاعة البدنية والمالية وتأكيد للجزاء كما قال تعالى {أية : من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا} تفسير : [الحديد: 11]. فذكر الصدقة بلفظ القرض للتحريض على ذلك والترغيب فيه اذ القرض يوجب رد المثل لا محالة وكأن الله تعالى عامل عباده معاملة من هو غير مالك فالاشتراء استعارة عن قبول الله تعالى من المؤمنين انفسهم واموالهم التى بذلوها فى سبيله واثابته اياهم بمقابلتها الجنة فالله تعالى بمنزلة المشترى والمؤمن بمنزلة البائع وبدنه وامواله بمنزلة المبيع الذى هو العمدة فى العقد والجنة بمنزلة الثمن الذى هو الوسيلة وانما لم يجعل الامر على العكس بان يقال ان الله باع الجنة من المؤمنين بانفسهم واموالهم ليدل على ان المقصد فى العقد هو الجنة وما بذله المؤمنون فى مقابلتها من الانفس والاموال وسيلة اليها ايذانا بتعلق كمال العناية بانفسهم واموالهم. وعن جعفر الصادق رضى الله عنه انه كان يقول يا ابن آدم اعرف قدر نفسك فان الله عرفك قدرك لم يرض ان يكون لك ثمن غير الجنة: وفى المثنوى شعر : خويشتن نشناخت مسكين آدمى از فزونى آمد وشد در كمى خويشتن را آدمى ارزان فروخت بوداطلس خويش رابردلق دوخت تفسير : قال الكاشفى [نفس سرمايه سر وشورست ومال سبب طغيان وغرور اين دوناقص معيوب را درراه خدا كن وبهشت باقى مرغوبرا بستان] شعر : سنك بينداز وكهر مى ستان خاك زمين مى ده وزر مى ستان درعوض فانى خوار وحقير نعمت باكيزه باقى بكير تفسير : .وفى التفسير الكبير -حكى- فى الخبر ان الشيطان يخاصم ربه بهذه الآية ويحتج بالمسألة الشرعية فى البيع اذا اشترى المشترى متاعا معيوبا يرده الى البائع يقول يا رب انت اشتريت نفوسهم واموالهم فنفوسهم واموالهم كلها معيوبة ردّ لى عبادك بشرعك وعدلك يكونوا معى حيث اكون فيقول الله تعالى انت جاهل بشرعى وعدلى وفضلى اذا اشترى المشترى متاعا بكل عيب فيه بفضله وكرمه لا يجوز رده فى شرعى فى مذهب من المذاهب فيخسأ الشيطان حجلا طريدا مخذولا: وفى المثنوى شعر : كاله كه هيج خلقش ننكريد از خلاقت آن كريم آنرا خريد هيج قلبى بيش حق مردود نيست زانكه قصدش ازخريدن سودنيست تفسير : [بس حق سبحانه وتعالى مارا خريده وبعيوب مادانا اميداست كه ازدركاه كرم رد نكند. ودر نفخات الانس مذكورست از ابو زجانى نقل ميكندكه] شعر : توبعلم ازل مرا ديدى ديدى آنكه بعيب بخريدى توبعلم آن ومن بعيب همان ردمكن آنجه خودبسنديدى تفسير : {يقاتلون فى سبيل الله} استئناف لبيان البيع الذى يستدعيه الاشتراء المذكور كأنه قيل كيف يبيعون انفسهم واموالهم بالجنة فقيل يقاتلون فى سبيل الله: يعنى [درراه خدا وطلب رضاى او] وهو بذل منهم لانفسهم واموالهم الى جهة الله تعالى وزتعريض لهما للهلاك. وقال الحدادى فيه بيان الغرض لاجل اشترائهم وهو ان يقاتلوا العدو فى طاعة الله انتهى. اقول هل الافعال الالهية معللة بالاغراض اولا ففيه اختلاف بين العلماء فانكره الاشاعرة واثبته اكثر الفقهاء لان الفعل الخالى عن الغرض عبث والعبث من الحكيم محال وتمامه فى التفاسير عند قوله تعالى {أية : وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] {فيقتلون} [بس كاهى مى كشند دشمانرا} فهم الغزاة فلهم الجنة {ويقتلون} [وكاهى كشته ميشوند دردست ايشان] فهم الشهداء فلهم الجنة. قال فى الارشاد هو بيان لكون القتل فى سبيل الله بذلا للنفس وان المقاتل فى سبيله باذل لها وان كانت سالمة غانمة فان الاسناد فى الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف باحدهما البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض فانه يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان او احدهما منهم او من بعضهم بل يتحقق ذلك وان لم يصدر منهم احدهما ايضا كما اذا وجدت المضاربة ولم يوجد القتل من احد الجانبين او لم توجد المضاربة ايضا فانه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثير السواد وتقديم حالة القاتلية على حالة المقتولية للايذان بعدم الفرق بينهما فى كونهما مصداقا لكون القتال بذلا للنفس. وقرئ بتقديم المبنى للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة فى الباب وايذانا بعدم مبالاتهم بالموت فى سبيل الله بل بكونه احب اليهم من السلامة واختار الحسن هذه القراءة لانه اذا قرئ هكذا كان تسليم النفس الى اسراء اقرب وانما يستحق البائع تسليم الثمن اليه بتسليم المبيع وانشد الاصمعى لجعفر رضى الله عنه شعر : اثامن بالنفس النفيسة ربها وليس لها فى الخلق كلهمو ثمن بها تشترى الجنات ان انابعتها بشئ سواها ان ذلكموغبن اذا ذهبت نفسى بشئ اصيبه فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن تفسير : وانشد ابو على الكوفى شعر : من يشترى قبة فى عدن عالية فى ظل طوبى رفيعات مبانيها دلالها المصطفى والله بائعها ممن اراد وجبريل مناديها تفسير : واعلم ان من بذل نفسه وماله فى طلب الجنة فله الجنة وهذا هو الجهاد الاصغر ومن بذل قلبه وروحه فى طلب الله فله رب الجنة وهذا هو الجهاد الاكبر لان طريق التصفية وتبديل الاخلاق اصعب من مقاتلة الاعداء الظاهرة فالقتل اما قتل العدو الظاهر واما قتل العدو الباطن وهو النفس. وهواها {وعدا} مصدر مؤكد لما يدل عليه كون الثمن مؤجلا اذ الجنة يستحيل وجودها فى الدنيا فمضمون الجملة السابقة ناصب له. قال سعدى المفتى لان معنى اشترى بان لهم الجنة وعدهم الله على الجهاد فى سبيله {عليه} حال من قوله {حقا} لانه لو تأخر عنه لكان صفة له فلما تقدم عليه انتصب حالا واصله وعدا حقا اى ثابتا مستقرا عليه تعالى. قال الكاشفى {حقا ثابت وباقى كه خلاف دران نيست] {فى التورية والانجيل والقرآن} متعلق بمحذوف وقع صفة لو عدا اى وعدا مثبتا مذكورا فى التوراة والانجيل كما هو مثبت مذكور فى القرآن. يعنى ان الوعد بالجنة للمقاتلين فى سبيل الله من هذه الامة مذكور فى كتب الله المنزلة وجوز تعلقه باشترى فيدل على ان اهل التوراة والانجيل ايضا مأمورون بالقتال موعودون بالجنة {ومن اوفى بعهده من الله} من استفهام بمعنى الانكار واوفى افعل تفضيل وقوله من الله صلته اى لا يكون احد وافيا بالوعد والعهد وفاء الله بعهده ووعده لانه تعالى قادر على الوفاء وغيره عاجز عنه الا بتوفيقه اياه كما فى التأويلات النجمية {فاستبشروا} الاستبشار اظهار السرور والسين فيه ليس للطلب كاستوقد واوقد والفاء لترتيب الاستبشار على ما قبله اى فاذا كان كذلك فسروا نهاية السرور وافرحوا غاية الفرح بما فزتم به من الجنة وانما قيل {بيعكم} مع ان الابتهاج به باعتبار ادائه الى الجنة لان المراد ترغيبهم فى الجهاد الذى عبر عنه بالبيع وانما لم يذكر العقد بعنوان الشراء لان ذلك من قبل الله لا من قبلهم والترغيب انما يكون فيما يتم من قبلهم. قال الحدادى بيعكم انفسكم من الله فانه لا مشترى ارفع من الله ولا ثمن اعلى من الجنة وقوله تعالى {الذى بايعتم به} [آنكه مبايعه كرديد بآن] لزيارة تقرير بيعهم وللاشعار بكونه مغايرا لسائر البياعات فانه بيع للفانى بالباقى ولان كلا البدلين له سبحانه وتعالى {وذلك} اى الجنة التى جعلت ثمنا بمقابلة ما بذلوا من انفسهم واموالهم {هو الفوز العظيم} الذى لا فوز اعظم منه. قال الحدادى اى النجاة العظيمة والثواب الوافر لانه نيل الجنة الباقية بالنفس الفانية ويجوز ان يكون ذلك اشارة الى البيع الذى امروا بالاستبشار به وبجعل ذلك كأنه نفس الفوز العظيم او يجعل فوزا فى نفسه. واعلم ان الخلق كلهم ملك الله وعبيده وان الله يفعل فى ملكه وعبيده ما يريد. لا يسأل عما يفصل وهم يسألون. ولا يقال لم لم يرد ولم لا يكون ومع هذا فقد اشترى من المؤمنين انفسهم لنفاستها لديه احسانا منه. ثم اعلم ان الاجل محكوم ومحتوم. وان الرزق مقسوم ومعلوم. وان من اخطأ لا يصيب. وان سهم المنية لكل احد مصيب. وان كل نفس ذائقة الموت. وان ما قدر ازلا لا يخشى من الفوت. وان الجنة تحت ظلال السيوف. وان الرى الاعظم فى شرب كؤوس الحتوف. وان من اغبرت قدماه فى سبيل الله حرمه الله على النار. ومن انفق دينارا كتب بسبعمائة دينار وفى رواية بسبعمائة الف دينار. وان الشهداء حقا عند الله من الاحياء. وان ارواحهم فى جوف طيور خضر تتبوأ من الجنة حيث تشاء. وان الشهيد يغفر له جميع ذنوبه وخطاياه. وانه يشفع فى سبعين من اهل بيته واولاده. وانه آمن يوم القيامة من الفزع الاكبر. وانه لا يجد كرب الموت ولا هول المحشر. وانه لا يحس بالم القتل. وان الطاعم النائم فى الجهاد افضل من الصائم القائم فى سواه. ومن حرس فى سبيل الله لا تبصر النار عيناه. وان المرابط يجرى له اجر عمله الصالح الى يوم قيامه. وان الف يوم لا تساوى يوما من ايامه. وان رزقه يجرى عليه كالشهيد ابدا لا يقطع. وان رباط يوم خير من الدنيا وما فيها. وانه يأمن من فتنة القبر وعذابه. وان الله يكرمه فى القيامة بحسن مآبه. الى غير ذلك واذا كان الامر كذلك. فيتعين على كل عاقل التعرض لهذه الرتبة وصرف عمره فى طلبها والتشمير للجهاد. عن ساق الاجتهاد. والنفير الى ذوى العناد. من كل العباد. وتجهيز الجيوش والسرايا. وبذل الصلات والعطايا. واقراض الاموال لمن يضاعفها ويزكيها. ودفع سلع النفوس من غير مماطلة لمشتريها. وان ينفر فى سبيل الله خفافا وثقالا. ويتوجه الى جهاد اعداء الله ركبانا ورجالا. حتى يخرجوا الى الاسلام من اديانهم. او يعطوا الجزية صغرة بايمانهم. او تستلب نفوسهم من ابدانهم؛ وتجتذب رؤسهم من تيجانهم. فجموع ذوى الالحاد مكسرة. وان كانت بالتعداد مكثرة. وجيوش اولى العناد مدبرة مدمرة. وان كانت بعقولهم مقدمة مدبرة. وعزمات رجال الضلال مؤنثة مصغرة. وان كانت ذواتهم مذكرة مكبرة. ألا ترى ان الله تعالى جعل كل مسلم يغلب منهم اثنين. وللذكر من العقل مثل حظ الانثيين. فوجب علينا ان نطير اليهم ونغير عليهم رجالا وفرسانا. ونجهد فى خلاص اسير ومكروب. واغتنام كل خطير ومحبوب. ونبيد بايدى الجلاد حماة الشرك وانصاره. ونصول بالنصول الحداد على دعاة الكفر انهتك استاره. ونتطهر بدماء المشركين والكفار. من ارجاس الذنوب وانحاس الاوزار. هناك فتحت من الجنة ابوابها. وارتفعت فرشها ووضعت اكوابها. وبرزت الحور العين عربها واترابها. وقام للجلاد على قدم الاجتهاد خطابها. فضربوا ببيض المشرفية فوق الاعناق. واستعذبوا من المنية مر المذاق. وباعوا الحياة الفانية بالعيش الباق. فوردوا من مورد الشهادة موردا لم يظمأوا بعده ابدا. وربحت تجارتهم فكانوا اسعد السعدا. اولئك فى صفقة بيعهم هم الرابحون. فرحين لما آتاهم الله من فضله ويستبشرون. اليك اللهم نمد اكف الضراعة ان تجعلنا منهم. وان لا تحيد بنا عند قيام الساعة عنهم. وان ترزقنا من فضلك شهادة ترضيك عنا. وغفرا للذنب الذى انقض الظهر عنى. وقبولا لنفوسنا اذعر ضناها رحمة منك وتفضلا ومنا. وحاشى كرمك ان نأوب بالخيبة مما رجوناه واملنا. وانت ارحم الراحمين. وعن الشيخ عبد الواحد بن زيد قدس سره قال بينما نحن ذات يوم فى مجلسنا هذا قد تهيأنا للخروج الى الغزو وقد امرت اصحابى بقراءة آيتين فقرأ رجل من مجلسنا {ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} اذ قام غلام فى مقدار خمس عشرة سنة او نحو ذلك وقد مات ابوه وورثه مالا كثيرا فقال يا عبد الواحد بن زيد {ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة} فقلت نعم حبيبى فقال انى اشهدك انى قد بعت نفسى ومالى بان لى الجنة فقلت له ان حد السيف اشد من ذلك وانت صبى وانى اخاف عليك ان لا تصبر او تعجز عن ذلك فقال يا عبد الواحد ابايع الله بالجنة ثم اعجز اشهد الله انى قد بايعته او كما قال رضى الله عنه قال عبد الواحد فتقاصرت الينا انفسنا وقلنا صبى يعقل ونحن لا نعقل فخرج من ماله كله وتصدق به الا فرسه وسلاحه ونفقته فلما كان يوم الخروج اول من طلع علينا فقال السلام عليك يا عبد الواحد فقلت وعليك السلام ربح البيع ان شاء الله ثم سرنا وهو معنا يصوم النهار ويقوم الليل ويخدمنا ويخدم دوابنا ويحرسنا اذا نمنا حتى اذا انتهينا الى دار الروم فبينما نحن كذلك اذا به قد اقبل وهو ينادى واشوقاه الى العيناء المرضية فقال اصحابى لعله وسوس هذا الغلام واختلط عقله فقلت حبيبى وما هذه العيناء المرضية فقال قد غفوت غفوة فرأيت كأنه قد اتانى آت فقال لى اذهب الى العيناء المرضية فهجم بى على روضة فيها بحر من ماء غير آسن واذا على شاطئ النهر جوار عليهن من الحلل ما لا اقدر ان اصفه فلما رأيننى استبشرن بى وقلن هذا زوج العيناء المرضية فقلت السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية فقلن لا نحن خدمها واماؤها امض امامك فمضيت امامى فاذا انا ينهر من لبن لم يتغير طعمه فى روضة فيها من كل زينة فيها جوار لما رأيتهن افتتنت بحسنهن وجمالهن فلما رأيننى استبشرن وقلن والله هذا زوج العيناء المرضية فقلت السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية فقلن وعليك السلام يا ولىّ الله نحن خدمها واماؤها فتقدم امامك فتقدمت فاذا انا بنهر من خمر وعلى شط الوادى جوار انسيننى من خلفت فقلت السلام عليكن أفيكن العيناء المرضية قلن لا نحن خدمها واماؤها امض امامك فمضيت فاذا انا بنهر آخر من عسل مصفى امامى فوصلت الى خيمة من درة بيضاء وعلى باب الخيمة جارية عليها من الحلى والحلل ما لا اقدر ان اصفه فلما رأتنى استبشرت بى ونادت من الخيمة ايتها العيناء المرضية هذا بعلك قد قدم قال فدنوت من الخيمة ودخلت فاذا هى قاعدة على سرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت فلما رأيتها افتتنت بها وهى تقول مرحبا بك يا ولى الله قد دنا لك القدوم علينا فذهبت لاعانقها فالت مهلا فانه لم يأن لك ان تعافنى لان فيك روح الحياة وانت تفطر الليلة عندنا ان شاء الله تعالى فانتبهت يا عبد الواحد ولا صبر لى عنها قال عبد الواحد فما انقطع كلامنا حتى ارتفعت بنا سرية من العدو فحمل الغلام فعددت تسعة من العدو قتلهم وكان هو العاشر فمررت به وهو يتشحط فى دمه وهو يضحك ملئ فيه حتى فارق الدنيا ولله در القائل شعر : يا من يعانق دنيا لا بقاء لها يمسى ويصبح مغرورا وغرارا هلا تركت من الدنيا معانقة حتى تعانق فى الفردوس ابكارا ان كنت تبغى جنان الخلد تسكنها فينبغى لك ان لا تأمن النارا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة (يقاتلون): حال من (المؤمنين)؛ بياناً للشراء، أو استئنافاً؛ لبيان ما لأجله الشراء، وقيل: "يقاتلون": بمعنى الأمر، و(وعداً): مصدراً لما دل عليه الشراء، فإنه في معنى الوعد، أي: وعدهم وعداً حقاً لا خلف فيه. يقول الحق جل جلاله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} أي: عوضهم في بذل مُهجهم وأموالهم في سبيله الجنة ونعيمها، ومن جملته: النظر إلى وجهه الكريم. قال بعضهم: فانظر... ما أكرمه سبحانه، فإن أنفسنا هو خلقها، وأموالنا هو رزقها، ثم وهبها لنا، ثم اشتراها منا بهذا الثمن الغالي، فإنها لصفقة رابحة. هـ. ثم بيَّن وجه الشراء فقال: {يُقاتِلُون في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله، {فيَقتلون} الكفارَ، {ويُقتلون} شهداء في سبيل الله. وقرأ الأخَوَانِ بتقديم المبني للمفعول؛ لأن الواو لا ترتب، وأن فعل البعض قد يسند إلى الكل، أي: فيموت بعضهم ويجاهد الباقي. وعد ذلك لهم {وعداً عليه حقاً}؛ لا خلف فيه، مذكوراً ذلك الوعد {في التوراة والإنجيل والقرآن} أي: إن الله بيَّن في الكتابين أن الله اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بالجنة، كما بيَّنه في القرآن، أو كل أمة أمرت بالجهاد ووعدهم هذا الوعد. {ومن أوفى بعهده من الله}؟ هومبالغة في الإنجاز، أي: لا أحد أوفى منه بالعهد، {فاستبشروا ببيعكُم الذي بايعتم به} أي: فافرحوا به غاية الفرح، فإنه أوجب لكم أعظم المطالب، كما قال: {وذلك هو الفوزُ العظيم}. قال بعضهم: ناهيك من بيع، البائع فيه رب العلا، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم. الإشارة: قد اشترى الحق جل جلاله منا أنفسنا وأموالنا بالجنة، فمن باع نفسه لله؛ بأن خالف هواها وخرق عوائدها، وسعى في طلب مولاها، عوضه جنة المعارف، معجلة، وزاده جنة الزخارف، مؤجلة. ومن باع ماله؛ بأن أنفقه في مرضاة الله، وبخل بنفسه، عوضه جنة الزخارف، مؤجلة. قال في الإحياء ـ في باب الذكر وفضيلته ـ: وأنه يوجب الأنس والحب، فإذا حصل الأنس بذكر الله انقطع عن غير الله، وما سوى هو الذي يفارقه عند الموت، فلا يبقى معه في القبر أهل، ولا مال، ولا ولد، ولا ولاية، ولا يبقى معه إلا ذكر الله، فإن كان في أنس به تمتع به، وتلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه، إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عن ذكر الله، ولا يبقى بعد الموت عائق، فكأنه خلّى بينه وبين محبوبه، فعظمت غبطته وتخلص من السجن الذي كان ممنوعاً فيه، عما به أنسُه. ثم قال: ولأجل شرف ذكر الله عظمت رتبة الشهادة؛ لأن المطلوب هو الخاتمة، ومعنى الخاتمة: وداع الدنيا كلها، والقدوم على الله، والقلب مستغرق بالله، منقطع العلائق عن غيره، والحاضرُ صَفّ القتال قد تجرد قلبه لله، وقطع طعمه من حياته، حباً لله وطمعاً في مرضاته، وحالة الشهيد توافق معنى قولك: (لا إله إلا الله)، فإنه لا مقصود له سوى الله. هـ. فما يجده أهل التملق من لذيذ الحلاوة في مناجاتهم، وأهل الشهود في حال غيبتهم في محبوبهم، ليس هو من نعيم الدنيا، بل من نعيم الجنة، قدَّمه الله لأوليائه، وهو معنى جنة المعارف المعجلة؛ عوضاً لمن باع نفسه لله. قال بعض العارفين: النفوس ثلاثة: نفس معيبة، لا يقع عليها بيع ولا شراء، وهي نفس الكافر، ونفس تحررت؛ لا يصح بيعها، وهي نفس الأنبياء والمرسلين، لأنها خُلقت مطهرة من البقايا، ونفس يصح بيعها وشراؤها، وهي نفس المؤمن، فإذا باعها لله، واشتراها الحق تعالى منه، وقع عليها التحرير، وذلك حين تحرر من رقّ الأكوان، وتتخلص من بقايا الأثر. وقال بعض أهل التحقيق: اشترى الله تعالى أعز الأشياء بأجل الأشياء، وإنما اشترى الأنفس دون القلوب؛ لأن القلب حر لا يقع عليه البيع؛ لأنه لله؛ فلا يباع ولا يشتري، أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : القلبُ بيت الرب ". تفسير : أي: لأنه محل مناجاته، ومعدن معرفته، وخزانة سره، فليس للشيطان عليه من سبيل. قال تعالى:{أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الإسراء: 65]. وأما النفس فإنها مملوكة تباع وتشتري. هـ. ثم بيَّن أوصاف البائعين، فقال: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {فيقتلون ويقتلون} على مفعول وفاعل. الباقون على فاعل ومفعول. من قدم الفعل المسند إلى الفاعل، فلأنهم يقتلون اولا في سبيل الله ويقتلون، ولا يقتلون اذا قتلوا. ومن قدّم الفعل المسند إلى المفعول جاز أن يكون اراد ذلك المعنى ايضاً لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم وان لم يقدّر ذلك كأن المعنى يقتل بعضهم ويقتل من بقي منهم بعد قتل من قتل منهم، كما أن قوله {أية : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله}تفسير : ومعناه ما وهن من بقي منهم لقتل من قتل من المؤمنين. وحقيقة الاشتراء لا تجوز على الله تعالى، لأن المشتري انما يشتري ما لا يملك، والله تعالى مالك الأشياء كلها. وانما هو كقوله {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : في أنه اجري بحسن المعاملة والتلفظ في الدعاء إلى الطاعة مجرى ما لا يملكه المعامل فيه، ولما كان الله تعالى رغب في الجهاد وقتال الأعداء وضمن على ذلك الثواب عبر عن ذلك بالاشتراء. فجعل الثواب ثمناً والطاعات مثمناً على ضرب من المجاز، وكما أن في مقابلة الطاعة الثواب فكذلك في مقابلة الألم العوض غير أن الثواب مقترن بالاجلال والاكرام، والعوض خال منهما، والمثاب محسن مستحق على احسانه المدح وليس كذلك المعوض. أخبر الله تعالى أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بما ضمن لهم على بذلها من الثواب في قوله {بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله} اعداء الله واعداء نبيه فيقتلون اعداء الله ويقتلهم اعداء الله فيصبرون على ذلك. ومن قدم المفعول اراد يقتل بعضهم، فيقتل الباقون أعداء الله. وقوله {وعداً عليه حقاً} نصب {وعداً} على المصدر بما دل عليه اشترى اذ يدل على أنه وعد، ومثله {أية : صنع الله الذي أتقن كل شيء}تفسير : و {أية : فطرة الله التي فطر الناس عليها }تفسير : والوعد خبر بما يفعله المخبر من الخير بغيره. والوعيد خبر بما يفعله المخبر من الشر بغيره. وقوله {حقاً} معناه يتبين الوعد بالحق الواجب من الوعد بما لم يكن واجباً. فالوعد بالثواب دل على وجوبه من وجهين: احدهما - من حيث انه جزاء على الطاعة. والثاني - أنه إنجاز الوعد. وقوله {في التوراة والإنجيل والقرآن} معناه إن هذا الوعد للمجاهدين مذكور في هذه الكتب. قال الزجاج: وذلك يدل على أن. الجهاد كان واجباً على أهل كل ملة. وقوله {ومن أوفى بعهده من الله؟!} معناه لا أحد أحق بالوفاء بالعهد من الله {فاستبشروا} ايها المؤمنون {ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} يعني ذلك الشراء والبيع هو الفلاح العظيم الذي لا يقارنه شيء.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} بعد ما ذكر اصناف المنافقين واحوالهم ذكر اوصاف المؤمنين وما هم عليه وما لهم فى الآخرة لازدياد حسرة المنافقين. اعلم، انّ النّفوس البشريّة خلقت متعلّقة بمعنى انّ التّعلّق جزؤ جوهر ذواتها وفصل مميّز لها عن الجواهر المجرّدة الصّرفة لا انّ التّعلّق وصف خارج عن ذواتها عارض لها، وهذا التّعلّق الفطرىّ هو الّذى يكون منشأ شوقها الّذى يعبّر عنه بالفارسيّة بـ "درد" وهو يقتضى التّعلّق الاختيارىّ حين البلوغ فان ساعدها التّوفيق وتعلّقت اختياراً حسبما كلّفها الله بالعقول المجرّدة ومظاهرها البشريّة فازت بالحياة الابديّة، وان خذلها الله وتعلّقت بالشّيطان ومظاهره البشريّة اعاذنا الله منها، هوت الى المظاهر القهريّة وهلكت، ولمّا كان فى بدو الامر مداركها العقليّة ضعيفة ومداركها الحيوانّية والشّيطانيّة قويّةً بحيث لا تدرك الا ما ادركته المدارك الظّاهرة والباطنة الحيوانيّة او ما اقتضته القوى الحيوانيّة والشّيطانيّة، ولا يتيسّر لها ادراك العقول والتّعلّق بها بلا واسطة بشريّة مدركة بمداركها الحيوانيّة، امرهم الله تعالى شأنه بالتّعلّق بمظاهر العقول من الانبياء وخلفاءهم والانقياد لهم واتباعهم، ولتطابق العوالم وتوافق المراتب ولزوم سريان حكم كلّ عالم ومرتبته الى سائر العوالم والمراتب، امرهم الله تعالى بالبيعة الّتى هى مشتملة على التّعلّق الجسمانىّ بعقد يدى المتعلّق والمتعلّق به وتعلّق سمع كلّ بلسان الآخر وصوته ليكون التّعلّق النّفسانىّ موافقاً للجسمانىّ وسارياً الى المرتبة البشريّة، وتلك البيعة كانت سنّةً قائمةً من لدن آدم (ع) الى زمان ظهور دولة الخاتم (ص)، بحيث كان اهل كلّ دين لا يعدّون من اهل ذلك الدّين احداً الا بالبيعة مع صاحب ذلك الدّين او مع من نصبه لاخذ البيعة من النّاس ولتلك كانت شرائط وآداب مقرّرة مكتومة عندهم، ولشرافة تلك البيعة والضّنة بابتذالها عند من ليس لها باهلٍ كانت تختفى فى كلّ دين بعد قوّته ورحلة صاحبه واختيار العامّة له بأغراضهم الفاسدة على سبيل الرّسم والملّة، وقوله {أية : وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} تفسير : [الحج: 45] اشارة الى التّحقّق بالدّين بالدّخول فيه بما به تحقّقه من البيعة، {أية : وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} تفسير : [الحج: 45] اشارة الى صورة الدّين المأخوذة على طريق الرّسم والملّة من دون التّحقّق به اذا تقرّر ذلك، فاعلم، انّ تلك البيعة لمّا لم تكن الاّ مع المظاهر البشريّة لعدم امكان الوصول الى الله والى العقول من غير توسّط تلك المظاهر وقد تحقّق انّ المظاهر يعنى الانبياء وخلفاءهم (ع) لفنائهم فى الله خصوصاً وقت اخذ البيعة واشتراء الانفس والاموال، وجودهم وجود الله لا وجود انفسهم لعدم نفسيّة لهم حينئذٍ وفعلهم فعل الله لا فعل انفسهم، وكان القاصرون لا يرون البيعة الاّ مع الوسائط من غير نظرٍ الى الظّاهر فيها، قال الله تعالى بطريق حصر القلب والتّعيين او الافراد انّ الله اشترى لا الوسائط البشريّة كما اعتقدوا لقصورهم وقد صرّح بالحصر فى قوله انّما يبايعون الله يعنى انّ المشترى هو الله لا انت، وهكذا قوله {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الفتح:10] للحصر اعتباراً لمفهوم اضافة اليد الى الله يعنى يد الله لا يدك، كما مضى عند قوله تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} انّه اشارة الى تلك البيعة وانّه للحصر فانّ قبول التّوبة من اجزاء تلك البيعة ومقدّماته، وقول المفسّرين انّ الآية وذكر الاشتراء تمثيل لاثابة الله ايّاهم على بذل الانفس والاموال انّما هو بالنّظر الى المبايعة الماليّة لا المبايعة الاسلاميّة {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} حال لبيان حالهم وما يشترط عليهم حين الاشتراء او مستأنف جواب لسؤالٍ عن حالهم وما اشترط عليهم. اعلم، انّ الدّاخل فى الاسلام بالبيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة والدّاخل فى الايمان بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة لا ينفكّ عن المقاتلة مع الاعداء الباطنة وجنود الشّيطان، وان كان قد ينفكّ عن المقاتلة مع الاعداء الظّاهرة وايضاً لا ينفكّ عن قتل لشيءٍ من جنود الجهل واتباع الشّيطان وعن مقتوليه بحسب مراتب جنود الحيوان ما لم يمت اختياراً او اضطراراً، ولذا اتى بالافعال الثّلاثة مضارعاتٍ داّلاتٍ على الاستمرار {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} قرئ الاوّل مبنيّاً للفاعل والثّانى مبنيّاً للمفعول وبالعكس {وَعْداً عَلَيْهِ} وعد المقاتلة بحسب الشّرط فى البيعة او وعد الجنّة بازاء الانفس والاموال وعداً ثابتاً عليه {حَقّاً} صفة لوعداً او حال منه او مصدر لمحذوفٍ اى ثبت ذلك الوعد ثبتاً {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ} افعل التّفضيل او فعل ماض {بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ} الله بتوسّط مظاهره {بِهِ} ان كان اوفى افعل تفضيل ومن استفهاميّة فالفاء جواب شرطٍ محذوفٍ اى اذا لم يكن احدا اوفى بعهده من الله فاستبشروا، وان كان فعلاً ماضياً ومن شرطيّة او موصولة فالفاء جواب الشرط المذكور اذ الموصولة فى مثل هذا المقام متضمّنة لمعنى الشّرط لكن يقدّر حينئذٍ بعد الفاء القول اى فيقال لهم: استبشروا، والوجه الاوّل اولى لتناسبه لقوله وعداً عليه حقّاً {وَذَلِكَ} البيع الّذى بايعتم على ايدى خلفائه او ذلك الوعد {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٱلتَّائِبُونَ} هو على قراءة الرّفع مقطوع عن الصّفة للمدح او مستأنف مقطوع عمّا قبله جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: من المؤمنون المستبشرون؟ - فقال: التّائبون، وعلى كلا التّقديرين فهو خبر مبتدءٍ محذوفٍ، ونسب الى المعصومين (ع) انّهم قرؤه بالجرّ صفة للمؤمنين والمراد التّائبون بالتّوبة الخاصّة على ايدى خلفاء الله الّتى هى من اجزاء البيعة المذكورة {ٱلْعَابِدُونَ} الصّائرون عبيداً خارجين من رقّيّة انفسهم داخلين فى رقّيّة مولاهم او فاعلين فعل العبيد يعنى كان فعلهم بامر مولاهم لا بامر أنفسهم {ٱلْحَامِدُونَ} المعتقدون المشاهدون كلّ كمال وجمال من الله فانّه الحمد حقيقةً الذّاكرون الله بكماله وجماله بألسنتهم طبق اعتقادهم وشهودهم {ٱلسَّائِحُونَ} فى اراضى العالم الصّغير والعالم الكبير وفى اخبار الامم الماضية وفى شرائع الانبياء ومواعظ الاولياء ونصائحهم وفى الكتب السّماويّة ولا سيّما القرآن المهيمن على الكلّ وقد اشير فى الاخبار الى كلّ، وفسّر ايضاً بالصّائمين وقد ورد انّ سياحة امّتى الصّيام وهو من قبيل التّفسير بالسّبب، فانّ الصيام وهو منع القوى الحيوانيّة عن مشتهياتها يضعّفها وبتضعيفها يرتفع الحجاب عن المدارك الانسانيّة وينفتح بصيرة القلب وينطلق رجل العقل فيسيح فى اراضى وجوده ويسرى سياحتها الى اراضى سيرة الانبياء (ع) والاولياء (ع) وكتبهم، او يسرى الى سياحة العالم الكبير بالنّظر فى آياته والعبرة من تقليباته بأهله فانّه السّياحة حقيقةً لا المشى فى وجه الارض خالياً من ذلك النّظر وتلك العبرة {ٱلرَّاكِعُونَ} بالرّكوع المخصوص الّذى هو من اركان الصّلاة الصّوريّة او باظهار الخضوع والذّلّ لله ولخلفائه {ٱلسَّاجِدونَ} بسجدة الصّلاة او بمطلق السّجدة لله او بغاية الخضوع والتّذلّل {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} لأهالى عوالمهم او لأهل العالم الكبير بعد استكمال اهالى عوالمهم والفراغ منهم {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} هكذا، والاتيان بالعاطف لتماميّة السّبعة والعرب فى التّعداد اذا تمّ عدد السّبعة يأتى بالواو وتسمّى واو الثّمانيّة وسرّه تماميّة العوالم الكلّيّة الآلهيّة بالسّبع، وقد مضى فى اوّل سورة البقرة تحقيق للامر بالمعروف والنّهى عن المنكر عند قوله تعالى: اتأمرون النّاس بالبّر (الآية) {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} بعد الفراغ من الامر والنّهى بابقاء المأمورين والمنهيّين على الايتمار والانتهاء فى العالم الصّغير والعالم الكبير والحافظون على حدود احكام الله من العبادات والمعاملات وغاياتها المقصودة منها، مثل ان يحفظ فى الصّلاة على الانقياد والخشوع والتّشبّه بالملائكة والشّخوص بين يدى الله والانصراف من التّوجّه الى عالم الطّبع والحيوان الى الله، ومثل ان يحفظ فى النّكاح على التّوالد وابقاء النّسل وازدياد المودّة والرّحمة والاستيناس، لا ان يكون نكاحه لمحض قضاء الشّهوة الحيوانيّة واللّذّة النّفسانيّة بل يكون حين اللّذة حافظاً لتلك الغايات ناظراً اليها، وما رود فى تفسيره بالحفظ على الصّلاة بحفظ اوقاتها وركوعها وسجودها او بحفظ احكام الله فهو مشير الى هذا المعنى. امّهات منازل السّالكين اعلم، انّ الآية الشّريفة جامعة لامّهات منازل السّالكين الى الله واسفارهم مشيرة الى جميع مقامات السّائرين، فانّ التّائبون اشارة الى منازلهم الحيوانيّة ومقاماتهم الخلقيّة لانّ التّوبّة هى السّير من الخلق الى الحقّ وهو السّفر الاوّل من الاسفار الاربعة وللانسان فى هذا السّفر مقاماتٌ ومراحل عديدة وليس له الاّ التّعب والكلفة ولا يوازى لذّته كلفته، ولذا ترى اكثر السّالكين واقفين فى هذا السّفر حائرين لا يمكنهم الرّجوع ولا الوقوف على مقامهم الحيوانىّ، لما ايقنوا من انّ ذلك المقام من مقامات الجحيم ولما رأوا لانفسهم فيه من العذاب الاليم ولا يمكنهم التّجاوز والسّير الى ما فوقه لكثرة المتاعب وضعف يقينهم وقلّة التذاذهم بالمقامات الانسانيّة وضعف نفوسهم عن التحمّل وقوّة قويهم فى طلب مقتضياتها، والعابدون اشارة الى مقاماتهم الحقّيّة الخلقيّة، لانّ العبوديّة هى السّير فى المقامات الانسانيّة وعلى المراحل الرّوحانيّة الى الانتهاء الى حضرة الاسماء والصّفات، وهو السّفر الثّانى من الاسفار الاربعة اى السّفر من الحق الى الحقّ، والحامدون السّائحون الرّاكعون السّاجدون اشارة الى مقاماتهم الحقّيّة اى السّير فى حضرة الاسماء والتّمكّن فى التّحقّق بحقائق الصّفات الالهيّة، وهو السّفر الثّالث اى السّفر بالحقّ فى الحقّ، {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} اشارة اى مقاماتهم الالهيّة ومراتبهم الرّبوبيّة اى السّير فى المظاهر الالهيّة متّصفين بصفات الرّبوبيّة مبدّلين للخلقيّة بالحقّيّة ناظرين الى المظاهر الى كلّ فى مرتبته معطين لكلّ ذى حقّ حقّه، وهو آخر الاسفار الاربعة يعنى السّفر بالحقّ فى الخلق. وبيان هذه الاسفار ومقاماتها وما يرد فيها وما يشاهد منها من الآيات ممّا يضيق عنه بيان البشر ولا يسعه هذا المختصر، واجمال القول فيها: انّ الانسان فى زمان الصّبا الى اوان البلوغ حيوان كالخراطين والدّيدان او كالبهائم والسّباع لا يدرى من الخيرات الاّ ما اقتضته القوى الحيوانيّة ولا من الشّرور الاّ ما تستضرّ به، وبعد بلوغ الاشدّ وظهور اللّطيفة الانسانيّة وتميز الخيرات والشّرور العقليّة الانسانيّة، امّا يقف على الحيوانيّة باقياً فيه شيءٌ من الانسانيّة، او يهوى عن الحيوانيّة الى اسفل السّافلين مهلكاً للطّيفة الانسانيّة، او ينزجر عن الحيوانيّة ويرغب فى الخيرات الانسانيّة متدرّجاً فيه الى ان يطلب من يبيّن له طريق جلب خيراته ودفع شروره الانسانيّة، لانّه خارج عن ادراك مداركه الحيوانيّة غير مدرك بمداركه العقليّة لضعفها، وذلك التّدرّج فى الانزجار وان كان توبة وانابة لغة لكنّه لا يسمّى عند اهل الله توبة ولا انابة، لانّ التّوبة والانابة عندهم اسم للرّجوع عن الحيوانيّة الى الانسانيّة الآلهيّة ولخفاء طريقها كثيراً ما يقع الرّاجع عن الحيوانيّة الى حيوانيّة او شيطانيّة بتدليس الشّيطان وظنّه انّها خيرات انسانيّة فيقع فيما فرّ منه، فلما لم يظهر صحّة رجوعه عن الحيوانيّة الى الانساينّة لم يطلق عليه اسم التّوبة وصحّة الرّجوع عن الحيوانيّة الى الانسانيّة لا تظهر الاّ بقبوله من الله، وقبوله من الله لا يظهر الاّ بقبول خلفاءه وهم المظاهر الانسانيّة والكاملون الفارقون ببصيرتهم بينها وبين الحيوانيّة، فاذا وصل الى نبىٍّ او ولىٍّ وتاب هو عليه هى توبة الله عليه واستغفر له فى البيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة صدق على رجوعه التّوبة والانابة بجهتيه وصار تائباً، وبتلك التّوبة لا يحصل له الاّ خيراته القالبيّة المؤدّية الى خيراته الاناسنيّة لا يلتذّ بها بل لا يرى فيها الاّ التّعب والكلفة ولا يسكن حرارة طلبه للخيرات الانسانيّة ولا يتمّ توبته، فاذا طلب ووجد وتاب بالتّوبة الخاصّة فى البيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة ودخول الايمان فى القلب وهناك يتمّ صورة توبته فقد يلتذّ بانموذج خيراته الانسانيّة، لكنّه ما لم يخرج من ملكه ولم يلج ملكوت السّماوات ولم يشاهد ملكوت شيخه كان تائباً ولم يخلص له اللّذّات الانسانيّة وكان بعد فى تعب وكلفة وضيق لا يرضى بحالٍ من احواله ويتقلّب فى الاحوال، حتّى شياهد ملكوت الشّيخ ويسكن الشّيخ فى ارض صدره ويتمكّن له دينه الّذى ارتضاه له وحينئذٍ يتمّ سيره من الخلق الى الحقّ، فانّ ملكوت الشيخ هى الحقّ بحقّيّة الحقّ الاوّل ويصير حينئذٍ سالكاً الى الله، لانّه كان قبل ذلك سالكاً الى الطّريق ويصير عبداً خارجاً من رقّيّة نفسه داخلاً فى رقّيّة الله ويصير فعله ايضاً فعل العبد حيث تمكّن الشّيخ فى وجوده وصار بالنّسبة الى شيخه كالملائكة بالنّسبة الى الحقّ الاوّل، لا يعصى الشّيخ وهو بأمره يعمل لا بأمر نفسه ويصدق عليه انّه عبد وعابد ويصير مسافراً بالسّفر الثّانى من الحقّ الى الحقّ لانّ المبدأ ملكوت الشّيخ وهى الحقّ، والمنتهى هو الحقّ المضاف، ومراحل السّفر ومقاماتها خارجة عن الحصر والعدّ، والسّالك فى هذا السّفر واله غير شاعرٍ كالمجذوب فاذا وصل الى حضرة الاسماء والصّفات تمّت عبوديّته وفنى عن افعاله وصفاته وذاته واتّصف بالرّبوبيّة اذا تمّ له هذا السّفر وصحا عن فنائه وصدق ما قالوا: الفقر اذا تمّ هو الله، وانتهاء العبوديّة ابتداء الرّبوبيّة، وفى هذا المقام يظهر بعض الشّطحيّات من السّالكين مثل: انّا الحقّ، وسبحانى ما اعظم شانى، وليس فى جبّتى سوى الله، والسّالك حينئذٍ مسافر فى الحقّ وهو السّفر الثّالث ولا انتهاء لمقامات هذا السّفر، وفى هذا السّفر لا يرى فى الوجود الاّ الله ولا يرى جمالاً وكمالاً الاّ الله فينسب تمام الكمال والجمال اليه تعالى من غير شعورٍ بهذه النّسبة منه وهو حمده بل يتحقّق بالصّفات الجماليّة والاسماء الحسنى الآلهيّة وهو حامديّته حقيقة، ويصدق حينئذٍ عليه انّه سائح حيث انّ السّياحة هى السّير لمشاهدة غرائب صنع الله وهو فى السّفر الاوّل لا يمكنه مشاهدة صنع الله بل لا يرى الاّ المصنوع، وفى السّفر الثّانى امّا لا يشعر بصنع ومصنوع بل لا يشعر الاّ بشيخه او لا يرى الاّ المصنوع بحسب تقليباته ذات اليمين وذات الشّمال، وفى هذا السّفر حين يفيق من جذبته يرى ويشاهد لكن لا يرى الاّ صنع الله وغرائبه لخروجه من التّعيّنات الكونيّة فلا يرى فى الوجود الاّ صفاته واسماءه تعالى، وكلّ ما يشاهد يتذلّل ويخضع له وهو الرّكوع والسّجود بحسب تفاوت مراتب خضوعه، فاذا تحقّق باسمائه وصفاته وتمّ سفره هذا عاد الى ما منه رجع لاصلاح العباد وسافر بالحقّ فى الخلق وامر بامر الله ونهى بنهى الله وحفظ الامر والنّهى على المأمورين والمنهيّين، وكذا يحفظ غايات اوامره ونواهيه عليهم، والمسافر بهذا السّفر امّا نبىّ او رسول او خليفة لهما، ومقامات هذا السّفر ايضاً غير متناهية بحسب عدم تناهى كلمات الله وبحسب مقاماته يتعدّد ويختلف مراتب الانبياء والرّسل، وما ورد من تحديد الانبياء بمائة وعشرين الفاً او بمائة واربعة وعشرين الفاً فهو امّا لمحض بيان الكثرة او لتحديد امّهات المقامات؛ وما ورد عن المعصومين (ع) من تخصيص الاوصاف بأنفسهم قد علم وجهه حيث لا يوجد تلك الاوصاف بحقائقها الاّ فيهم لكن اذا صحّ ايمان المؤمن وصدق فى ايمانه توجد رقائقها وانموذجاتها فيه فليطلب المؤمن من نفسه فاذا لم يجد لم يكن صادقاً فى ايمانه {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} عطف على الامر السّابق وبينهما اعتراض لبيان حال المؤمنين ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للاشعار بعلّة الحكم ولتصويرهم بأوصافهم المذكورة حيث انّ اللاّم للعهد الّذكرىّ والمذكور المؤمنون الموصوفون بالاوصاف المذكورة.
فرات الكوفي
تفسير : {إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن111} فرات قال: حدّثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: حديث : كان الحسين [عليه السّلام. أ، ب] مع أمه تحمله فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: لعن الله قاتلك، ولعن الله سالبك، و أهلك الله المتوازرين عليك وحكم الله بيني وبين من أعان عليك. قالت فاطمة [الزهراء عليها السلام. ر]: يا أبة أي شيءٍ تقول؟ قال: يا بنتاه ذكرت [ر، أ: ذكرته] ما يصيب بعدي وبعدك من الأذى والظلم [والعذر. ر، ب] والبغي، وهو يومئذٍ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون إِلى القتل وكأني أنظر إِلى معسكرهم وإِلى موضع رحالهم وتربتهم. قالت: يا أبة وأنى [ن: وأي. كـ: وأين] هذا الموضع الذي تصف؟ قال: موضع يقال له كربلاء وهي دار كربٍ وبلاء علينا وعلى الأمة، يخرج [عليهم. ب] شرار أمّتي وإن أحدهم لو [ب: ولو أن أحدهم. ر: لوان] يشفع [ر، ب: شفع] له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيه وهم المخلدون في النار. قالت: يا أبة فيقتل؟ قال: نعم يا بنتاه وما قتل قتلته أحد كان قبله، وتبكيه السماوات والأرضون والملائكة [والوحش. ب، ر] والنباتات والبحار والجبال، ولو يؤذن لها [ما. أ، ر. بقي.ب] على الأرض. متنفس، ويأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا [أ: لحقنا] منهم، وليس على ظهر الأرض أحدٌ يلتفت إِليه غيرهم، أولئك مصابيح في ظلمات الجور، وهم الشفعاء، وهم واردون حوضي غداً أعرفهم إِذا [أ. ر، أ] وردوا عليّ بسيماهم، وكل أهل دين [يطلبون أئمّتهم وهم] يطلبونا [و. أ] لا يطلبون غيرنا، وهم قوام الأرض، وبهم ينزل الغيث. فقالت فاطمة [الزهراء. ر] عليها السلام: يا أبة إِنا لله، وبكت. فقال لها: "يا بنتاه إِن أهل الجنان هم الشهداء في الدنيا بذلوا {أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا} [ر، أ: الحق] فما عندالله خيرٌ من الدنيا وما فيها، [وما فيها] قتلة أهون من ميتته، من كتب عليه القتل خرج إلى مضجعه، ومن لم يقتل فسوف يموت. يا فاطمة بنت محمد! أما تحبين أن تأمرين غداً [بأمرٍ. ر، ب] فتطاعين في هذا الخلق عند الحساب، أما ترضين أن يكون إِبنك من حملة العرش، أما ترضين [أن يكون] أبوك يأتونه [أ، ر: يأتيه] يسألونه الشفاعة، أما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض فيسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه، أما ترضين أن يكون بعلك قسيم النار [أ: الجنة.و.أ،ب] يأمر النار فتطيعه يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء، أما ترضين أن تنظرين إِلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليك وإِلى ما تأمرين به وينظرون إلى بعلك [و.أ] قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله فما ترين الله صانع بقاتل ولدك وقاتليك إذا أفلحت [ب. فلجت] حجته على الخلائق وأمرت النار أن تطيعه، أما ترضين أن تكون الملائكة تبكي لابنك ويأسف عليه كل شيء، أما ترضين أن يكون من أتاه زائراً في ضمان الله ويكون من أتاه بمنزلة من حج إلى بيت [الله. ر، ب. الحرام.أ] واعتمروا لم يخلو من الرحمة طرفة عين وإِذا مات مات شهيداً وإِن بقي لم تزل الحفظة تدعو له ما بقي ولم يزل في حفظ الله وأمنه حتى يفارق الدنيا. قالت: يا أبة سلمت ورضيت وتوكلت على الله، فمسح على قلبها ومسح [على أ، ب] عينيها [ب: جنها] فقال: إِني [ب: أنا] وبعلك وأنت وابناك في مكانٍ تقر عيناك ويفرح قلبك .
الأعقم
تفسير : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} "حديث : الآية نزلت في الأنصار حين بايعوه على العقبة، وقال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني من كل ما تمنعون منكم أنفسكم"، قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "لكم الجنة" قال: ربح البيع لا يقيل ولا يستقيل"تفسير : ، ومرّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إعرابي وهو يقرأُها فقال: كلام من؟ قال: "كلام الله تعالى" قال: بيع والله مربح لا يقيله ولا يستقيله، فخرج إلى الغزو فاستشهد {وعداً عليه حقاً} أي وعداً صادقاً واجباً لا خلف فيه يعني أن هذا الوعد منه في الكتب المنزلة في التوراة والانجيل، {والقرآن ومن أوفى بعهده من الله} يعني لأن أخلاف الميعاد قبح أي لا أحد أوفى بعهده من الله تعالى فإنه يوفي ما وعده ويصدق ما أوعد به فلا يجوز عليه الخلف {فاستبشروا} أيها المؤمنون {ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} {التائبون} أي الراجعون إليه {الحامدون} الله على كل حال {السائحون}، قيل: الصائمون روي مرفوعاً، وقيل: الغزاة والمجاهدون، وقيل: طلبة العلم، وقيل: السائر في الأرض لوجه من وجوه البر {الراكعون الساجدون} يعني المصلين {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله}، قيل: القائمون بطاعة الله يؤدون فرائضه وأمره ويتجنبون نواهيه، {وبشر المؤمنين} المصدقين بوعده ووعيده {ما كان للنبي والذين آمنوا} الآية، قيل: هي نهي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين أن يفعلوا ذلك، وقيل: نفي بمعنى أن أحداً من الأنبياء لم يستغفروا لمشرك ولا جعل ذلك في دينه ولا أباح ذلك له، وروي أن الآية نزلت في شأن أبوي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أراد أن يستغفر لهما، حديث : روي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قدم مكة أتى قبر أمه وقد رجى أن يؤذن له أن يستغفر لها فنزلت، فقام فبكا وبكا من حوله، وقال: "استأذنت ربي أن أزورها فأذن لي واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي" تفسير : وقيل: نزلت في غيره لما كانوا يستغفرون لأمواتهم، وقيل: قال رجل: يا رسول الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام أفلا نستغفر لهم فنزلت، ذكره الحالكم {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاَّ عن موعدة وعدها إياه} أي وعدها إبراهيم أبوه وعده أن يؤمن به، وقيل: كان ينافقه {إن إبراهيم لأوَّاه حليم} أواه فعالٌ، وهو الذي يكثر التأوُّه.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالقُرْءَانِ} أي: هذا حكم الله في هذا في التوراة والإنجيل والقرآن. {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} على الاستفهام، أي: لا أحد. قال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} أي النجاة العظيمة. قوله: {التَّائِبُونَ} قال الحسن: تابوا من الشرك وبَرِئُوا من النفاق { العَابِدُونَ} أي عبدوا الله مخلصين. { الحَامِدُونَ} أي الحامدون الله على السراء والضرّاء. قال الحسن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قضى الله خيراً لكل مسلم؛ إن أعطاه شكر، وإن ابتلاه صبر تفسير : { السَّائِحُونَ} ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن السائحين فقال: حديث : هم الصائمون تفسير : . وذكروا عن الحسن قال: السياحة كثرة الصيام. {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} يقول: أهل الصلاة. {الأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} وهو كل ما يعرف العباد عدله. { وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنكَرِ} وهو كل ما يعرف العباد جوره. {وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ} فيما أمروا به ونهوا عنه. { وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} وهم أهل هذه الصفة. أي: بشِّرهم يا محمد بالجنة.
اطفيش
تفسير : {إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المؤمِنينَ أنفسَهُم وأمْوالَهم بأنَّ لَهم الجنَّة} ترغيب فى الجهاد والإنفاق فيه، وتمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيله، لا حقيقة شراء، لأنهم خلق له وملك، وأمواله رزق منه وملك له، وبيَّن ما لأجله الشراء بقوله: {يُقاتِلونَ} بأموالهم وأنفسهم {فى سَبيلِ اللهِ فيَقْتلونَ} أعداء الله {ويُقْتلُون} وقرأ حمزة والكسائى بتقديم المبنى للمفعول، وكذا قرأ النخعى، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، ومعلوم أن الواو لا تفيد الترتيب، فلا يقال على هذه القراءة: كيف يوصفون بأنهم قاتلون بعد وصفهم بأنهم مقتولون؟ ومعلوم أنه قد يسند إلى البعض ما للكل، فليسوا كلهم قاتلين، ولا كلهم مقتولين. وقيل: وجه الشراء أنه وهب لهم أنفسهم وأموالهم ثم اشتراها منهم، وقال ابن عيينة: اشترى منهم أنفسهم أن لا يعلموها إلا فى طاعة الله، وأموالهم أن لا ينفقوها إلا فى سبيله، فالآية تعم الطاعات كلها، فقوله: يقاتلون إلخ بيان لبعضها، وهو أعظم ما روى أن الطاعات فى الجهاد كقطرة فى البحر، وفى الحديث: "حديث : إن فوق كل بر برا حتى يبذل العبد دمه، فإذا فعل فلا بر فوق ذلك" تفسير : والأول قول الجمهور، ولا ثمن أغلى من ذلك، اشترى بعضا من الدنيا بالجنة. قال بعض العلماء: ما من مسلم إلا ولله فى عنقه هذه البيعة، وفى بها أو لم يوف، وجملة يقاتلون مستأنفة، أو حال، وقيل: حال فى تفسير الجمهور، ومستأنفة فى تفسير ابن عيينة، ويجوز أن يكون يقاتلون بمعنى الأمر، فيكون مستأنفا. {وعْداً عَليه حَقًّا} مصدران لعالمين محذوفين من لفظيهما، مؤكدان لمضمون قوله: {إن الله اشترى} فإن شراءه بالجنة وعد بها، وحق أكد الله ذلك بأن، وأكده بأن المشترى هو الله المقدس عن الكذب والحيل، وبالشراء بدلا من الإثابة، فإن ما به الشراء أحق بالإنجاز، وبقوله: {وعداً} وبقوله: {عليه} وهو نعت لوعد، أو متعلق بحق، أو حال منه، وبقوله: {حقًّا} ولو جعل نعت لوعد أو بقوله: {فى التَّوراة والإنْجيلِ والقُرآنِ} تعلق بمحذوف، وذلك المحذوف نعت لوعداً أو حقا، أو حال أى مذكورا فى الكتب الثلاثة، وهذا جار مجرى إشهاد وكتب الله وملائكته ورسله، ويجوز أن يرد أن تلك الأمم أمرت بالجهاد، وفيه أيضا تأكيد، وأكد أيضا بقوله: {ومَنْ أوفَى بعَهْدِه مِنَ اللهِ} استفهام إنكارى أى لا أحد أوفى منه، فوعده منجز لا محالة، وحق قطعا، فإن إخلاف الميعاد أقبح لا يقدم عليه المخلوق الكريم، مع جواز الحاجة والافتقار عليه، فكيف بالغنى الذى لا يجوز عليه قبح قط؟ وقد روى حديث : أن أعرابيا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الآية، فقال الأعرابى: كلام من هذا؟ قال: "كلام الله" قال: بيع والله مربح، لا نقيله ولا نستقيلهتفسير : ، فخرج إلى الغزو واستشهد بقوله: {فاسْتبشِرُوا} أى افرحوا التفات إلى الخطاب {ببَيْعكُم} لأنفسكم وأموالكم بالجنة {الَّذِى بايعْتُم} مفاعلة من البيع، وذلك أنهم باعوا من الله، وباع منهم الله {بِه} فإنه شىء عظيم أحق بالفرح، والاستبشار استفعال لغير الطلب، بل لموافقة المجرد، كأنه قيل: فأبشروا، بل هو للتأكيد بالزيادة التى فيه، فكأنه قيل: افرحوا به غاية الفرح، وهذا تأكيد آخر، فإن الأمر من مجرد الفرح يستلزم أعظم المفروح به، فكيف الأمر بغاية الفرح وأكد أيضا بقوله: {وذَلكَ} البيع {هُو الفَوزُ} وبقوله: {العَظيمُ} قال أبو الفضل بن الجوهرى على منبر بمصر: ناهيك من صفقة البائع فيها رب العلى، والثمن جنة المأوى، والواسطة محمد المصطفى.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الجَنَّةَ} شبه بذلهم أَنفسهم فى الجهاد على رجاءِ الثواب ببيع الشىءِ وقبوله، وإِعطاءِ الجنة على ذلك بالشراء على الاستعارة التمثيلية لا المفردة التبعية إِلا أَنه قال بأَن لهم الجنة ولم يقل بالجنة لأَنه أَبلغ فى وصول الثمن واختصاصه بهم، ولم يقل باع لهم الجنة بأَنفسهم وأَموالهم، لأَن المقصود فى العقد الجنة والأَنفس والأَموال وسيلة إِليها ففى ذلك كمال العناية بأَنفسهم وأَموالهم، وذلك كناية للإِقراض إِليه فإِن كل شىءٍ مملوك لله عز وجل، وفى الاية استعارة تمثيلية، قال عبدالله بن رواحة فى العقبة من سبعين رجلا: حديث : اشترط لربك ولنفسك ما شئت، قال أَشترط لربى أَن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأَشترط لنفسى أَن تمنعونى مما تمنعون منه أَنفسكم وأَموالكم. قال: إِذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. فنزل {إِن الله اشترى} الآيةتفسير : ، والعقبة الثانية لقيه فيها اثنا عشر بايعوه بيعة النساءِ لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أَولادنا ولا نأْتى بهتانا ولا نعصى فى معروف، وبايعوا فى العقبة الأُولى ستة حضروا بأَنفسهم مع ستة أُخرى فى الثانية إِلا جابر بن عبدالله بن رياب رضى الله عنه لم يحضر فى الثانية، وقال ابن إِسحاق فى الثالثة ثلاثة وسبعون، وبسطت هذا فى الهميان وغيره، وبين البيع بقوله {يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} لأَن بذل أَنفسهم لله هو البيع لا الشراءُ، وإِن شئْت فقل بيان للشراءِ أَيضاً لأَن بيان البيع للشراءِ وبالعكس، وفى ذكر القتال ذكر لإِنفاق المال، لأَنه بالمال ذهابا ومباشرة ورجوعاً، وفى ذلك شمول من لم يتفق له القتال لعيره، وقد قصده، وشمول من لم يتفق أَنه مقتول فإِن القتال المدافعة وقعت القاتلية أَو المقتولية أَولا، وقيل: يقاتلون أَمر فى صورة الإِخبار، ولا دليل عليه ولا يناسبه ما بعده بخلاف تجاهدون فإِن جزم يغفر فى جوابه يدل أَنه أَمر، والمقتولية إِن كانت إِخباراً نافرت وإِن كانت أَمراً فإِنه لا يعتاد أَن يأْمرهم الله بأَن يكونوا مقتولين ثم إِن بعضاً قاتل مقتول بعد أَو غير مقتول، وبعض مقتول غير قاتل، والآية على التوزيع، وأَيضاً فعل البعض أَو صفته قد يسند إِلى الكل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما من غازية تغزو فى سبيل الله فيصيبون الغنيمة إِلا تعجلوا ثلثى أَجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإِن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أَجرهم"تفسير : ،وفى رواية "حديث : إِن مات فى الغزو تم أَجره أَى ولو غنم أَو مات بلا قتل"تفسير : : قلت إِنما ينقص ثلثاً الأَجر إِن نوى الجهاد للتقرب إِلى الله تعالى وللغنيمة، وإِن لم ينو الغنيمة تم له الأَجر وإِن نواها وحدها فلا شىءَ له فى الآخرة، وفى صحيح البخارى ومسلم:"حديث : إِن المجاهد يرجع بما نال من غنيمة وأَجر"تفسير : ، وظاهره رجوعه بالأَجر التام {وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا} مصدران مؤكدان لغيرهما لأَن معنى الشراءِ بأَن لهم الجنة وعد لهم بها أَى وعد الله ذلك على نفسه وعدا وحقه حقاً، أَو حق أَى ثبت ذلك حقاً كقولك أَنت ابنى حقاً، ويجوز كون حقاً نعت وعداً والأَول آكد وكون عليه نعتاً لوعدا أَو حالا من حقاً. وزعم بعض المحققين أَن وعدا منصوب مضمون اشترى من الوعد، وفيه أَن هذا المضمون هو الذى دل على تعدى الناصب لأَن الآية ليست من باب قمت وقوفاً {فِى التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} فالوعد بالجنة لهذه الأمة مذكور فى كتب الله السابقة {وَالْقُرْآنِ} من غير هذه الآية، من كل آية ذكر فيها ثواب الجهاد أو أُشير فيها إِليه، ويجوز دخول هذه الآية كشاة الأَربعين أَثرت فى نفسها وفى غيرها، وهو متعلق بحقاً أَو بوعداً، أَو نعت لأَحدهما، وإِن علق باشترى شملت الآية أَمر أَهل التوراة والإِنجيل بالقتال الثواب لهم، وشملت الأُمة، قيل فى الآية دليل على أَن الأَمر بالجهاد مشروع فى جميع الشرائِع، وليس كذلك فإِن كثيراً من الأَنبياءِ لم يؤمر بالقتال كعيسى عليه السلام {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ} استفهام إِنكار أَى لا أَوفى به منه، والوفاءُ بالعهد هو الأَصل طبعاً وشرعاً ولا سيما من الأَكابر، فكيف من الخالق، وهذا فى غاية التأْكيد للوعد، وزاد التأْكيد بأَن سماه عهدا فقد أكد الشراءَ بكونه من الله الغنى الذى لا يحتاج، وبوعدا وبحقاً وبعلى وبذكره فى الكتب، وبمن أَوفى وبتسميته عهداً {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ} إِذا كان الأَمر كذلك، فاستبشروا أَى افرحوا به لأَن لكم به النجاة من النار دار الغضب، والفوز بالجنة دار الرضى وجوار الله، والاستبشار إِظهار الفرح على البشرة أَى الجلدة، جلدة الوجه، والسين والتاء للتأكيد أَو للمطاوعة، بمعنى عالجوا الفرح فيحصل، وأَولى من هذا أَن يقال لموافقة ما ليستا فيه كأَنه قيل أَبشروا وليس هذا مطاوعة، ولعل من عبر بالمطاوعة أَراد بها الموافقة لا المطاوعة المعهودة فى النحو والصرف، ثم إِن الاستبشار إِما أَن يكون مما لا يكسب فالأَمر به مجاز عن وقوعه بعد العلم، وإِما أَن يراد به ما يكسب بنطق بتشديد الوجه إِلى الجوانب وبسطه، فهو أضمر على ظاهر، وفى استبشروا التفات من الغيبة إِلى الخطاب، ومقتضى الظاهر فليستبشروا بشراءِ الله، ولكن المراد أبشروا بأَن فعلكم الذى هو البيع أَصاب المقصود الأَعظم وهو الجنة، فليرغب الراغب فى مثل ذلك الفعل، والرابط ضمير به وهو فى الأَصل مفعول مطلق أَى بايعتموه، والمراد بايعتم الله به وليست الآية التفاتاً إِلى الخطاب من الغيبة، لأَن المراد بالمؤمنين فى قوله{إِن الله اشترى} إِلخ أَنه على طريق العموم، ولو صدق بالمخاطبين فى قوله استبشروا. {وَذَلِكَ} البيع {هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ} خبر لمحذوف، أَى أُولئك المؤْمنون همُ التائِبون من الشرك والمعاصى ومساوىءُ الأَخلاق على طريق قطع النعت، ويدل له قراءَة عبدالله وأُبى التائِبين بالياءِ على أَنه نعت للمؤمنين، ولا دليل على أَن مقطوع إِلى النصب أَو مبتدأٌ خبره محذوف أَى التائبون لهم الجنة أَو من أَهل الجنة، وإِن لم يجاهدوا حيث أُبيح لهم ترك الجهاد، قال الله تعالى: "أية : وكلاًّ وَعَد اللهُ الحسنى"تفسير : [النساء: 95] أَو خبره قوله {الْعَابِدُونَ} وما بعد هذا نعوت أَو أَخبار متعددة، أَو الخبر الآمرون والمراد العابدون لله بإِخلاص عبادتهم على وجهها ودوامها فى مدة حياتهم، "أية : وأَوصانى بالصلٰوة والزكاة ما دمت حياً" تفسير : [مريم: 31] {الْحَامِدُونَ} لله فى السراءِ والضراءِ. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : أَول من يدعى إِلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله على كل حال فى السراءِ والضراءِتفسير : . والحمد الوصف بالجميل، وقيل: المراد هنا الشكر فى مقابلة النعمة، وعن عائِشة رضى الله عنها: كان النبى صلى الله عليه وسلم إِذا أَتاه الأَمر يسره قال: حديث : الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحاتتفسير : ، وإِذا أَتاه الأَمر يكرهه قال: حديث : الحمد لله على كل حال تفسير : {السَّائِحُونَ} الصائِمون قال: ابن عباس كل سياحة فى القرآن صوم، قال صلى الله عليه وسلم: حديث : سياحة أُمتى الصيامتفسير : ، وذلك أَن السائح يكتفى بما وجد من قوت والصائِم يمتنع عما حل له قبل وعما حرم، على الاستعارة، ومن حقق الصوم لم يحتفل بما يلتذ به وقت الإِفطار، أَو السائحون فى عالم الروحانيات بالانتقال فى المعارف على مراكب الفكر، أَو بترك ما يعوق من اللذات، وعن علي هم الغزاة يقطعون الأَرض إلى العدو، وعن عكرمة طلاب العلم من بلد إِلى بلد، ولا مانع من تفسيره بالسير فى الأَرض للعبادة كطلب العلم والزيارة والغزو والحج. وسئِل صلى الله عليه وسلم عن السياحة فى الآية ففسرها بالصوم وكذا عن عائِشة وعنه صلى الله عليه وسلم الجهاد {الرَّاكِعُونَ السَاجِدُونَ} فى الصلاة، أَو كَانه قيل والمصلون وخصهما لامتياز المصلى بها عن غيره. ولذم من لا يركع فى صلاته أَو لا يسجد وهم أَهل الكتاب، والقرآن ولو كان أَعظم لكن هما أَدل على الخضوع، والآية فى الفرض والنفل فالمراد أَكثر الصلاة، وفسرها بعض بصلاة الفرض ولم يعطف فيما مر لأَنه صفات للشخص فى نفسه، ولا بد لكل شخص منها، فترك العطف لشدة الاتصال بخلاف الأَمر والنهى والحد كالرجم والجلد فيجوز اختلاف فاعلها، وقدم التوبة والعبادة والحمد والسياحة والركوع والسجود، لأَن الإِنسان يكمل بها فلا يكون مكملا لغيره بالأَمر والنهى وإِقامة الحدود حتى يكون كاملا فى نفسه، ولا يقال: الصحيح فى الحدود أَن لا تفسر بنحو الجلد والرجم لأَنا نقول نفسرها بالعموم فهو يعمهما ونحوهما من الفرائِض {الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ} من واجب وما دونه ومكارم الأَخلاق. {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} من شرك وما دونه ومساوىءِ الأَخلاق {وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ} أَى لحدوده الشرعية التى لم تذكر من القلب والجارحة، أَو عطف عام على خاص، فقيل: العطف تنبيه على أَن ما قبله مفصل الفضائِل وهذا مجملها، نحو زيد وعمر وسائِر قبيلته كرماء، وقيل عطف على ما قبله من الأَمر والنهى لأَن من لم يصدق قوله فعله لا يقيد أَمره نفعاً ولا نهيه منعاً، وقيل الحدود القصاص والرجم والجلد والأَدب، وعطف الناهون يتبادر أَنه موصول بما يناسبه وهو الآمرون، كلاهما طلب: الأَول طلب فعل والثانى طلب ترك فهو معطوف على الآمرون، وما شهر من أَن العطف على الأَول إِذا كان العاطف لا يرتب إِنما هو إِذا لم يقم دليل على غيره، وعطف على الحافظون لأَنه ثامن، والعدد تم بالسبعة وهو واو الثمانية، كما قيل فى وثامنهم كلبهم، فالعطف لمغايرة ما بعد التمام لما قبله، قال بعض النحويين واو الثمانية لغة فصيحة، قال القرطبى: لغة قريش وإِنما جعلنا هذه واو الثمانية لأَنا جعلنا الآمرين والناهين قسماً واحدا، ولا سيما أَن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر، وهو ترك المعروف والناهى عن المنكر ناه أَيضاً عن ترك المعروف آمر بالمعروف، وإِلا فواو الثمانية و كقوله والناهون ولم يرض أَكثر النحويين بواو الثمانية، والحق عندى جواز واو الثمانية مع أَنها للعطف أَو غيره من معانى الواو، لا على أَن معناها الثمانية، ولعل من قال بها أَراد ما ذكرت. وقيل العطف فى الناهون إِلخ لما بين الأَمر والنهى من التقابل فإِن الأَمر والنهى من حيث هما أَمر ونهى متقابلان بخلاف الصفات الباقية، فإِن الآمر ناه والناهى آمر فأُشير إِلى الاعتداد بكل من الوصفين، وأَنه لا يكفى عن واحد ما فى ضمن الآخر، ولأَن بينهما تلازما فى الذهن والخارج، لأَن الأَوامر تتضمن النواهى وبالعكس، وتنافرا بحسب الظاهر لأَن الأَمر طلب فعل والنهى طلب ترك، فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضى للعطف، وقيل: العطف فيهما للدلالة على أَنهما فى حكم خصلة واحدة كأَنه قيل: الجامعون بين الأَمر والنهى. واعترض بأَن الركوع والسجود فى حكم خصلة واحدة، أَى الجامعون بين الركوع والسجود، ويدفع بأَن كلا غير الاخر بخلاف الأَمر والنهى كما مر {وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} بالجنة، وحذفه للتعظيم كأَنه قال: بشرهم بما لا يطيق الخلق تفصيله واختصاره الجنة. أَو رضى الله وأَلـ للعهد، وهم من ذكر فمقتضى الظاهر بشرهم لكن أظهر للفاصلة ولبيان أَن إيمانهم كامل حتى استحق ذلك الفضل، وليؤذن بعلة التبشير وهى الإِيمان.
الالوسي
تفسير : {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى منَ المُؤْمنينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} الخ ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان [فضيلته إثر بيان] حال المتخلفين عنه ((ولا ترى كما نقل الشهاب ترغيباً في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد عاقِده رب العزة جل جلاله، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل كونهم قاتلين أيضاً لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلاً في الكتب السماوية وناهيك به من صك، وجعل وعده حقاً ولا أحد أوفى من وعده فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار إلى ما فيه من الربح والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلية. صوَّر جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: {يُقَاتِلُونَ} الخ بياناً لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الجنة تحت ظلال السيوف»تفسير : ثم أمضاه جل شأنه بقوله {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ})) ومن هنا أعظم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أمر هذه الآية. فقد أخرج ابن أبـي حاتم. وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ} الخ فكبَّر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. ومن الناس من قرر وجه المبالغة بأنه سبحانه عبر عن قبوله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثباته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ثم جعل / المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يعكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصد بالعقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها بكمال العناية بهم وبأموالهم ثم إنه تعالى لم يقل بالجنة بل قال عز شأنه: {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم، ومن هنا يعلم أن هذه القراءة أبلغ من قراءة الأعمش - ونسبت أيضاً إلى عبد الله رضي الله تعالى عنه - (بالجنة) على أنها أوفق بسبب النزول. فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره أنهم قالوا: «قال عبد الله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: اشترط لربـي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ} الآية». وقيل: عبر بذلك مدحاً للمؤمنين بأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم بمجرد الوعد لكمال ثقتهم بوعده تعالى مع أن تمام الاستعارة موقوف على ذلك إذ لو قيل بالجنة لاحتمل كون الشراء على حقيقته لأنها صالحة للعوضية بخلاف الوعد بها، واعترض بأن مناط دلالة ما عليه النظم الجليل على الوعد ليس كونه جملة ظرفية مصدرة بِ {إِنَّ} فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في عالم الدنيا ولو سلم ذلك يكون العوض الجنة الموعود بها لا نفس الوعد بها، على أن حديث احتمال كون الشراء حقيقة لو قيل (بالجنة) لا يخلو عن نظر كما قيل لأن حقيقة الشراء مما لا يصح منه تعالى لأنه جل شأنه مالك الكل والشراء إنما يكون ممن لا يملك، ولهذا قال الفقهار: طلب الشراء يبطل دعوى الملكية، نعم قد لا يبطل في بعض الصور كما إذا اشترى الأب داراً لطفله من نفسه فكبر الطفل ولم يعلم ثم باعها الأب وسلمها للمشتري ثم طلب الابن شراءها منه ثم علم بما صنع أبوه فادعى الدار فإنه تقبل دعواه ولا يبطلها ذلك الطلب كما يقتضيه كلام الاستروشني لكن هذا لا يضرنا فيما نحن فيه، ومن المحققين من وجه دلالة ما في النظم الكريم على الوعد بأنه يقتضي بصريحه عدم التسليم وهو عين الوعد لأنه إذا قلت: اشتريت منك كذا بكذا احتمل النقد بخلاف ما إذا قلت: بأن لك كذا فإنه في معنى لك عليَّ كذا وفي ذمتي، واللام هنا ليست للملك إذ لا يناسب شراء ملكه بملكه كالمهورة إحدى خدمتيها فهي للاستحقاق وفيه إشعار بعدم القبض، وأما كون تمام الاستعارة موقوفاً على ذلك فله وجه أيضاً حيث كان المراد بالاستعارة الاستعارة التمثيليلة إذ لولاه لصح جعل الشراء مجازاً عن الاستبدال مثلاً وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه مع تأتي التمثيل المشتمل من البلاغة واللطائف على ما لا يخفى، لكن أنت خبير بأن الكلام بعد لا يخلو عن بحث، ومما أشرنا إليه من فضيلة التمثيل يعلم انحطاط القول باعتبار الاستعارة أو المجاز المرسل في {ٱشْتَرَىٰ} وحده كما ذهب إليه البعض. وقوله تعالى: {يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} قيل بيان لمكان التسليم كما أشير إليه فيما تقدم، وذلك لأن المبيع سلم كما قال الطيبـي وغيره، وقيل: بيان لما لأجله الشراء كأنه لما قال سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ} الخ، قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: ليقاتلوا في سبيله تعالى وقيل: بيان للبيع الذي يستدعيه الاشتراء المذكور كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة، فقيل: يقاتلون في سبيله عز شأنه وذلك بذل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهته تعالى وتعريض لهما للهلاك، / وقيل: بيان لنفس الاشتراء وقيل: ذكر لبعض ما شمله الكلام السابق اهتماماً به على أن معنى ذلك أنه تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم بصرفها في العمل الصالح وأموالهم ببذلها فيما يرضيه وهو في جميع ذلك خبر لفظاً ومعنى ولا محل له من الأعراب. وقيل: إنه في معنى الأمر كقوله سبحانه: {أية : وَتُجَـٰهِدُونَ [فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ] بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ } تفسير : [الصف: 11] ووجه ذلك بأنه أتى بالمضارع بعد الماضي لإفادة الاستمرار كأنه قيل: اشتريت منكم أنفسكم في الأزل وأعطيت ثمنها الجنة فسلموا المبيع واستمروا على القتال، ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من النظر. وانظر هل ثم مانعَ من جعل الجملة في موضع الحال كأنه قيل: اشترى منهم ذلك حال كونهم مقاتلين في سبيله فإني لم أقف على من صرح بذلك مع أنه أوفق الأوجه بالاستعارة التمثيلية تأمل. وقوله سبحانه: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} بيان لكون القتال في سبيل الله تعالى بذلا للنفس وأن المقاتل في سبيله تعالى باذل لها وإن كانت سالمة غانمة، فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض، فإنه يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضاً كما إذا وجد المضاربة ولم يوجد القتل من أحد الجانبين، ويفهم كلام بعضهم أنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثير السواد وإن لم توجد مضاربة وليس بالبعيد لما أن في ذلك تعريض النفس للهلاك أيضاً. والظاهر أن أجور المجاهدين مختلفة قلة وكثرة وإن كان هناك قدر مشترك بينهم. ففي «صحيح مسلم» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم»تفسير : . وفي رواية أخرى «حديث : ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تُخْفِق وتصاب إلا أتم أجورهم»تفسير : . وزعم بعضهم أنهم في الأجر سواء ولا ينقص أجرهم بالغنيمة، واستدلوا عليه بما في «الصحيحين» من أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، وبأن أهل بدر غنموا وهم ـ هم ـ ويرد عليه أن خبر «الصحيحين» مطلق وخبر مسلم مقيد فيجب حمله عليه، ((وبأنه لم يجىء نص في أهل بدر أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم هم ـ هم ـ لا يلزم منه أن لا يكون وراء مرتبتهم مرتبة أخرى أفضل منها، والقول بأن في السند أبا هانىء وهو مجهول فلا يعول على خبره غلط فاحش فإنه ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد وحيوة وابن وهب وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في «صحيحه»، ومثل هذا ما حكاه القاضي عن بعضهم من أن تعجل ثلثي الأجر إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها إذ لو كانت كذلك لم يكن ثلث الأجر، وكذا ما قيل: من أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معاً فإن ذلك ينقص ثوابه لا محالة، فالصواب أن أجر من لم يغنم أكثر من أجر من غنم لصريح ما ذكرناه الموافق لصرائح الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم)). ويعلم من ذلك أن أجر من قتل أكثر من أجر من قتل لكون الأول من الشهداء دون الثاني، وظاهر ما أخرجه مسلم من رواية أبـي هريرة «حديث : من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ومن مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد»تفسير : أن القتل في سبيل الله تعالى والموت فيها سواء في الأجر وهو الموافق لمعنى قوله تعالى: {أية : وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَـٰجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 100]. واستدل له أيضاً بعض / العلماء بغير ذلك مما لا دلالة فيه عليه كما نص عليه النووي رحمه الله تعالى، وتقديم حالة القاتلية في الآية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتال بذلاً للنفس، وقرأ حمزة والسكائي بتقديم المبني للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة في هذا الباب [و] إيذاناً بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله تعالى بل بكونه أحب إليهم من السلامة كما قال كعب بن زهير في حقهم: شعر : لا يفرحون إذا نالت رماحهم قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما لهم عن حياض الموت تهليل تفسير : وفيه على ما قيل دلالة على جراءتهم حيث لم ينكسروا لأن قتل بعضهم، ومن الناس من دفع السؤال بعدم مراعاة الترتيب في هذه القراءة بأن الواو لا تقتضيه. وتعقب بأن ذلك لا يجدي لأن تقديم ما حقه التأخير في أبلغ الكلام لا يكون بسلامة الأمير كما لا يخفى. {وَعْدًا عَلَيْهِ} مصدر مؤكد لمضمون الجملة لأن معنى الشراء بأن لهم الجنة وعد لهم بها على الجهاد في سبيله سبحانه، وقوله تعالى: {حَقّاً} نعت له و {عَلَيْهِ} في موضع الحال من {حَقّاً} لتقدمه عليه، وقوله سبحانه: {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} متعلق بمحذوف وقع نعتاً لوعداً أيضاً أي وعداً مثبتاً في التوارة والإنجيل كما هو مثبت في القرآن فالمراد إلحاق ما لا يعرف بما يعرف إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن، ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أمة محمد صلى الله عليه وسلم اشترى الله تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بذلك أو أن من جاهد بنفسه وماله له ذلك، وفي كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن، وجوز تعلق الجار باشترى ووعداً وحقاً {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد، والمقصود من مثل هذا التركيب عرفاً نفي المساواة أي لا أحد مثله تعالى في الوفاء بعهده، وهذا كما يقال: ليس في المدينة أفقه من فلان فإنه يفيد عرفاً أنه أفقه أهلها، ولا يخفى ما في جعل الوعد عهداً وميثاقاً من الاعتناء بشأنه. {فَٱسْتَبْشِرُواْ} التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار إظهاراً لسرورهم، وليست السين فيه للطلب، والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذلك فاظهروا السرور بما فزتم به من الجنة، وإنما قال سبحانه: {بِبَيْعِكُمُ} مع أن الابتهاج به باعتبار أدائه إلى الجنة لأن المراد ترغيبهم في الجهاد الذي عبر عنه بالبيع، ولم يذكر العقد بعنوان الشراء لأن ذلك من قبله سبحانه لا من قبلهم والترغيب على ما قيل إنما يتم فيها هو من قبلهم، وقوله تعالى: {ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ} لزيادة تقرير بيعهم وللإشعار بتميزه على غيره فإنه بيع الفاني بالباقي ولأن كلا البدلين له سبحانه وتعالى، ومن هنا كان الحسن إذا قرأ الآية يقول: أنفس هو خلفها وأموال هو رزقها {وَذَلِكَ} أي البيع الذي أمرتم به {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوز أعظم منه، وما في (ذلك) من البعد إشارة إلى بعد منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال؛ والجملة تذييل مقرر لمضمون الأمر السابق، ويجوز أن يكون تذييلاً للآية الكريمة والإشارة إلى الجنة التي جعلت ثمناً بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالهم، وفي ذلك إعظام للثمن ومنه يعلم حال المثمن، ونقل عن الأصمعي أنه أنشد للصادق رضي الله تعالى عنه: شعر : / أثامن بالنفس النفيسة ربها فليس لها في الخلق كلهم ثمن بها أشتري الجنات أن أنابعتها بشيء سواها إن ذلكم غبن إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها فقد ذهبت مني وقد ذهب الثمن تفسير : والمشهور عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، وهو ظاهر في أن المبيع هو الأبدان، وبذلك صرح بعض الفضلاء في «حواشيه على تفسير البيضاوي» حيث قال: إن الله تعالى اشترى من المؤمن الذي هو عبارة عن الجوهر الباقي بدنه الذي هو مركبه وآلته. والظاهر أنه أراد بالجوهر الباقي الجوهر المجرد المخصوص وهو النفس الناطقة، ولا يخفى أن جمهور المتكلمين على نفي المجردات وإنكار النفس الناطقة وأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وبذلك أبطل بعض أجلة المتأخرين من أفاضل المعاصرين القول بخلق الأفعال لما يلزم عليه من كون الفاعل والقابل واحداً، وقد قالوا بامتناع اتحادهما؛ والإنصاف إثبات شيء مغاير للبدن والهيكل المحسوس في الإنسان، والمبيع إما ذاك ومعنى بيعه تعريضه للمهالك والخروج عن التعلق الخاص بالبدن وإما البدن ومعنى بيعه ظاهر إلا أنه ربما يدعى أن المتبادر من النفس غير ذلك كما لا يخفى على ذوي النفوس الزكية.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع الأخير من السورة - أو الدرس الأخير فيها - بقية في الأحكام النهائية في طبيعة العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره؛ تبدأ من تحديد العلاقة بين المسلم وربه، وتحديد طبيعة "الإسلام" الذي أعلنه؛ ومن بيان تكاليف هذا الدين، ومنهج الحركة به في مجالاته الكثيرة. * إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين.. الله - سبحانه - فيها هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع. فهي بيعة مع الله لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون الله - سبحانه - ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة الله العليا، وليكون الدين كله لله. فقد باع المؤمن لله في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم، هو الجنة: وهو ثمن لا تعدله السلعة، ولكنه فضل الله ومَنَّه: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم}. * والذين باعوا هذه البيعة، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوة مختارة، ذات صفات مميزة.. منها ما يختص بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع الله في الشعور والشعائر؛ ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارج ذواتهم لتحقيق دين الله في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حدود الله في أنفسهم وفي سواهم: {التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله. وبشر المؤمنين}. * والآيات التالية في السياق تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة، وبين كل من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولى قربى - فقد اختلفت الوجهتان، واختلف المصيران، فالذين عقدوا هذه الصفقة هم أصحاب الجنة، والذين لم يعقدوها هم أصحاب الجحيم. ولا لقاء في دنيا ولا في آخرة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم. وقربى الدم والنسب إذن لا تنشئ رابطة، ولا تصلح وشيجة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم}.. * وولاء المؤمن يجب أن يتمحض لله الذي عقد معه تلك الصفقة؛ وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة - وهذا بيان من الله للمؤمنين يحسم كل شبهة ويعصم من كل ضلالة - وحسب المؤمنين ولاية الله لهم ونصرته؛ فهم بها في غنى عن كل ما عداه، وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، إن الله بكل شيء عليم، إن الله له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}. * ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة؛ فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل الله أمراً عظيماً، تجاوز الله عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف؛ فتاب عليهم رحمة منه وفضلاً: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم؛ ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم}.. * ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب؛ أولئك القريبون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية، ومركز الانطلاق الإسلامي؛ واستنكار لما وقع منهم من تخلف؛ مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه. ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}.. * ومع هذا التحضيض العميق على النفرة للجهاد بيان لحدود التكليف بالنفير العام. وقد اتسعت الرقعة وكثر العدد، وأصبح في الإمكان أن ينفر البعض ليقاتل ويتفقه في الدين؛ ويبقى البعض للقيام بحاجيات المجتمع كله من توفير للأزواد ومن عمارة للأرض، ثم تتلاقى الجهود في نهاية المطاف: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون!}. * وفي الآية التالية تحديد لطريق الحركة الجهادية - بعدما أصبحت الجزيرة العربية بجملتها قاعدة للإسلام ونقطة لانطلاقه - وأصبح الخط يتجه إلى قتال المشركين كافة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله..وقتال أهل الكتاب كافة كذلك حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين}.. * وعقب هذا البيان المفصل لبيان طبيعة البيعة ومقتضياتها وتكاليفها وخطها الحركي.. يعرض السياق مشهداً من صفحتين تصوران موقف المنافقين وموقف المؤمنين من هذا القرآن وهو يتنزل بموحيات الإيمان القلبية، وبالتكاليف والواجبات العملية. ويندد بالمنافقين الذين لا تهديهم التوجيهات والآيات، ولا تعظهم النذر والابتلاءات: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيماناً؛ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون. أو لا يرون أنهم يُفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون؟ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا. صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون}.. *ويختم الدرس وتختم معه السورة بآيتين تصوران طبيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرصه على المؤمنين ورأفته بهم ورحمته. مع توجيهه - صلى الله عليه وسلم - إلى الاعتماد على الله وحده، والاستغناء عن المعرضين الذين لا يهتدون: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم}.. ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لمحتويات هذا المقطع الأخير في السورة يتجلى مدى التركيز على الجهاد؛ وعلى المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة، وعلى الانطلاق بهذا الدين في الأرض - وفقاً للبيعة على النفس والمال بالجنة للقتل والقتال - لتقرير حدود الله والمحافظة عليها؛ أي لتقرير حاكمية الله للعباد، ومطاردة كل حاكمية مغتصبة معتدية! ولعله من خلال هذا العرض الإجمالي لهذه الحقيقة كذلك يتجلى مدى التهافت والهزيمة التي تسيطر على شراح آيات الله وشريعة الله في هذا الزمان؛ وهم يحاولون جاهدين أن يحصروا الجهاد الإسلامي في حدود الدفاع الإقليمي عن "أرض الإسلام"! بينما كلمات الله - سبحانه - تعلن في غير مواربة عن الزحف المستمر على من يلون "أرض الإسلام" هذه من الكفار؛ دون ذكر لأنهم معتدون! فالاعتداء الأساسي متمثل في اعتدائهم على ألوهية الله - سبحانه - بتعبيد أنفسهم وتعبيد العباد لغير الله. وهذا الاعتداء هو الذي يقتضي جهادهم ما استطاع المسلمون الجهاد! وحسبنا هذه الإشارة في هذا التقديم المجمل للدرس الأخير، لنواجه نصوصه بالتفصيل. {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله؟ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم، التائبون العابدون الحامدون السائحون، الراكعون الساجدون، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله، وبشر المؤمنين}.. هذا النص الذي تلوته من قبل وسمعته ما لا أستطيع عده من المرات، في أثناء حفظي للقرآن، وفي أثناء تلاوته، وفي أثناء دراسته بعد ذلك في أكثر من ربع قرن من الزمان.. هذا النص - حين واجهته في "الظلال" أحسست أنني أدرك منه ما لم أدركه من قبل في المرات التي لا أملك عدها على مدى ذلك الزمان! إنه نص رهيب! إنه يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالله؛ وعن حقيقة البيعة التي أعطوها - بإسلامهم - طوال الحياة. فمن بايع هذه البيعة ووفى بها فهو المؤمن الحق الذي ينطبق عليه وصف (المؤمن) وتتمثل فيه حقيقة الإيمان.. وإلا فهي دعوى تحتاج إلى التصديق والتحقيق! حقيقة هذه البيعة - أو هذه المبايعة كما سماها الله كرماً منه وفضلاً وسماحة - أن الله - سبحانه - قد استخلص لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم؛ فلم يعد لهم منها شيء.. لم يعد لهم أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيله. لم يعد لهم خيار في أن يبذلوا أو يمسكوا.. كلا.. إنها صفقة مشتراة، لشاريها أن يتصرف بها كما يشاء، وفق ما يفرض ووفق ما يحدد، وليس للبائع فيها من شيء سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يتلفت ولا يتخير، ولا يناقش ولا يجادل، ولا يقول إلا الطاعة والعمل والاستسلام.. والثمن: هو الجنة.. والطريق: هو الجهاد والقتل والقتال.. والنهاية: هي النصر أو الاستشهاد: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون}.. من بايع على هذا. من أمضى عقد الصفقة. من ارتضى الثمن ووفى. فهو المؤمن.. فالمؤمنون هم الذين اشترى الله منهم فباعوا.. ومن رحمة الله أن جعل للصفقة ثمناً، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال، وهو مالك الأنفس والأموال. ولكنه كرم هذا لإنسان فجعله مريداً؛ وكرمه فجعل له أن يعقد العقود ويمضيها - حتى مع الله - وكرمه فقيده بعقوده وعهوده؛ وجعل وفاءه بها مقياس إنسانيته الكريمة؛ ونقضه لها هو مقياس ارتكاسه إلى عالم البهيمة:.. شر البهيمة..{أية : إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون}تفسير : كما جعل مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء. وإنها لبيعة رهيبة - بلا شك - ولكنها في عنق كل مؤمن - قادر عليها - لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه. ومن هنا تلك الرهبة التي أستشعرها اللحظة وأنا أخط هذه الكلمات: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون}.. عونك اللهم! فإن العقد رهيب.. وهؤلاء الذين يزعمون أنفسهم "مسلمين" في مشارق الأرض ومغاربها، قاعدون، لا يجاهدون لتقرير ألوهية الله في الأرض، وطرد الطواغيت الغاصبة لحقوق الربوبية وخصائصها في حياة العباد. ولا يقتلون. ولا يقتلون. ولا يجاهدون جهاداً ما دون القتل والقتال! ولقد كانت هذه الكلمات تطرق قلوب مستمعيها الأولين - على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتحول من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع من واقع حياتهم؛ ولم تكن مجرد معان يتملونها بأذهانهم، أو يحسونها مجردة في مشاعرهم. كانوا يتلقونها للعمل المباشر بها. لتحويلها إلى حركة منظورة، لا إلى صورة متأملة.. هكذا أدركها عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - في بيعة العقبة الثانية. قال محمد بن كعب القرظي وغيره: قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يعني ليلة العقبة) -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال:"حديث : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"تفسير : . قال: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال:"حديث : الجنة"تفسير : . قالوا: ربح البيع، ولا نقيل ولا نستقيل. هكذا.."ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل".. لقد أخذوها صفقة ماضية نافذة بين متبايعين؛ انتهى أمرها، وأمضى عقدها، ولم يعد إلى مرد من سبيل: "لا نقيل ولا نستقيل" فالصفقة ماضية لا رجعة فيها ولا خيار؛ والجنة: ثمن مقبوض لا موعود! أليس الوعد من الله؟ أليس الله هو المشتري؟ أليس هو الذي وعد الثمن وعداً قديماً في كل كتبه: {وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن}.. {ومن أوفى بعهده من الله؟}. أجل! ومن أوفى بعهده من الله؟ إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن.. كل مؤمن على الإطلاق منذ كانت الرسل ومنذ كان دين الله.. إنها السنة الجارية التي لا تستقيم هذه الحياة بدونها ولا تصلح الحياة بتركها: {أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}.. {أية : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً }.. تفسير : إن الحق لا بد أن ينطلق في طريقه. ولا بد أن يقف له الباطل في الطريق!.. بل لا بد أن يأخذ عليه الطريق..إن دين الله لا بد أن ينطلق لتحرير البشر من العبودية للعباد وردهم إلى العبودية لله وحده. ولا بد أن يقف له الطاغوت في الطريق.. بل لا بد أن يقطع عليه الطريق.. ولا بد لدين الله أن ينطلق في "الأرض" كلها لتحرير "الإنسان" كله. ولا بد للحق أن يمضي في طريقه ولا ينثني عنه ليدع للباطل طريقاً!.. وما دام في "الأرض" كفر. وما دام في "الأرض" باطل. وما دامت في "الأرض" عبودية لغير الله تذل كرامة "الإنسان" فالجهاد في سبيل الله ماض، والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء. وإلا فليس بالإيمان: و"حديث : من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو، مات على شعبة من النفاق"تفسير : . (رواه الإمام أحمد، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي). {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم}. استبشروا بإخلاص أنفسكم وأموالكم لله، وأخذ الجنة عوضاً وثمناً، كما وعد الله.. وما الذي فات؟ ما الذي فات المؤمن الذي يسلم لله نفسه وماله ويستعيض الجنة؟ والله ما فاته شيء. فالنفس إلى موت، والمال إلى فوت. سواء أنفقهما صاحبهما في سبيل الله أم في سبيل سواه! والجنة كسب. كسب بلا مقابل في حقيقة الأمر ولا بضاعة! فالمقابل زائل في هذه الطريق أو ذاك! ودع عنك رفعة الإنسان وهو يعيش لله. ينتصر - إذ انتصر - لإعلاء كلمته، وتقرير دينه، وتحرير عباده من العبودية المذلة لسواه. ويستشهد - إذا استشهد - في سبيله، ليؤدي لدينه شهادة بأنه خير عنده من الحياة. ويستشعر في كل حركة وفي كل خطوة - أنه أقوى من قيود الأرض وأنه أرفع من ثقلة الأرض، والإيمان ينتصر فيه على الألم، والعقيدة تنتصر فيه على الحياة. إن هذا وحده كسب. كسب بتحقيق إنسانية الإنسان التي لا تتأكد كما تتأكد بانطلاقه من أوهاق الضرورة؛ وانتصار الإيمان فيه على الألم، وانتصار العقيدة فيه على الحياة.. فإذا أضيفت إلى ذلك كله.. الجنة.. فهو بيع يدعو إلى الاستبشار؛ وهو فوز لا ريب فيه ولا جدال: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم فيه، وذلك هو الفوز العظيم}. ثم نقف وقفة قصيرة أمام قوله تعالى في هذه الآية: {وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن}.. فوعد الله للمجاهدين في سبيله في القرآن معروف مشهور مؤكد مكرور.. وهو لا يدع مجالاً للشك في إصالة عنصر الجهاد في سبيل الله في طبيعة هذا المنهج الرباني؛ باعتباره الوسيلة المكافئة للواقع البشري - لا في زمان بعينه ولا في مكان بعينه - ما دام أن الجاهلية لا تتمثل في نظرية تقابل بنظرية ولكنها تتمثل في تجمع عضوي حركي، يحمي نفسه بالقوة المادية؛ ويقاوم دين الله وكل تجمع إسلامي على أساسه بالقوة المادية كذلك؛ ويحول دون الناس والاستماع لإعلان الإسلام العام بألوهية الله وحده للعباد، وتحرير "الإنسان" في "الأرض" من العبودية للعباد. كما يحول دونهم ودون الانضمام العضوي إلى التجمع الإسلامي المتحرر من عبادة الطاغوت بعبوديته لله وحده دون العباد.. ومن ثم يتحتم على الإسلام في انطلاقه في "الأرض" لتحقيق إعلانه العام بتحرير "الإنسان" أن يصطدم بالقوة المادية التي تحمي التجمعات الجاهلية؛ والتي تحاول بدورها - في حتمية لافكاك منها - أن تسحق حركة البعث الإسلامي وتخفت إعلانه التحريري، لاستبقاء العباد في رق العبودية للعباد! فأما وعد الله للمجاهدين في التوراة والإنجيل. فهو الذي يحتاج إلى شيء من البيان.. إن التوراة والإنجيل اللذين في أيدي اليهود والنصارى اليوم لا يمكن القول بأنهما هما اللذان أنزلهما الله على نبيه موسى وعلى نبيه عيسى عليهما السلام! وحتى اليهود والنصارى أنفسهم لا يجادلون في أن النسخة الأصلية لهذين الكتابين لا وجود لها؛ وأن ما بين أيديهم قد كتب بعد فترة طويلة ضاعت فيها معظم أصول الكتابين؛ ولم يبق إلا ما وعته ذاكرة بعد ذاكرة.. وهو قليل.. أضيف إليه الكثير! ومع ذلك فما تزال في كتب العهد القديم إشارات إلى الجهاد، والتحريض لليهود على قتال أعدائهم الوثنيين، لنصر إلههم وديانته وعبادته! وإن كانت التحريفات قد شوهت تصورهم لله - سبحانه - وتصورهم للجهاد في سبيله. فأما في الأناجيل التي بين أيدي النصارى اليوم فلا ذكر ولا إشارة إلى جهاد.. ولكننا في حاجة شديدة إلى تعديل المفهومات السائدة عن طبيعة النصرانية؛ فهذه المفهومات إنما جاءت من هذه الأناجيل التي لا أصل لها - بشهادة الباحثين النصارى أنفسهم! - وقبل ذلك بشهادة الله سبحانه كما وردت في كتابه المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والله سبحانه يقول في كتابه المحفوظ: إن وعده بالجنة لمن يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون؛ ثابت في التوراة والإنجيل والقرآن.. فهذا إذن هو القول الفصل الذي ليس بعده لقائل مقال! إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن. كل مؤمن على الإطلاق. منذ كانت الرسل، ومنذ كان دين الله.. ولكن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال؛ إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال. والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة، والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة: {التائبون. العابدون. السائحون. الراكعون الساجدون. الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. والحافظون لحدود الله}.. {التائبون}.. مما أسلفوا، العائدون إلى الله مستغفرين. والتوبة شعور بالندم على ما مضى، وتوجه إلى الله فيما بقي، وكف عن الذنب، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك، فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلاح. {العابدون}.. المتوجهون إلى الله وحده بالعبادة وبالعبودية، إقراراً بالربوبية.. صفة هذه ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر، كما يترجمها التوجه إلى الله وحده بكل عمل وبكل قول وبكل طاعة وبكل اتباع. فهي إقرار بالألوهية والربوبية لله في صورة عملية واقعية. {الحامدون}.. الذين تنطوي قلوبهم على الاعتراف للمنعم بالنعمة، وتلهج ألسنتهم بحمد الله في السراء والضراء. في السراء للشكر على ظاهر النعمة، وفي الضراء للشعور بما في الابتلاء من الرحمة. وليس الحمد هو الحمد في السراء وحدها، ولكنه الحمد في الضراء حين يدرك القلب المؤمن أن الله الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إلا لخير يعلمه، مهما خفي على العباد إدراكه. {السائحون}.. وتختلف الروايات فيهم. فمنها ما يقول: إنهم المهاجرون. ومنها ما يقول: إنهم المجاهدون. ومنها ما يقول: إنهم المتنقلون في طلب العلم. ومنهم من يقول: إنهم الصائمون.. ونحن نميل إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق الله وسننه، ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر:{أية : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك!...}تفسير : فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد. فمع التوبة والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت الله على هذا النحو الذي ينتهي بالإنابة إلى الله، وإدراك حكمته في خلقه، وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق. لا للاكتفاء بهذا الإدراك وإنفاق العمر في مجرد التأمل والاعتبار. ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا الإدراك.. {الراكعون الساجدون}.. الذين يقيمون الصلاة ويقومون بالصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم؛ وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم. {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر}.. وحين يقوم المجتمع المسلم الذي تحكمه شريعة الله، فيدين لله وحده ولا يدين لسواه، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل هذا المجتمع؛ ويتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج الله وشرعه.. ولكن حين لا يكون في الأرض مجتمع مسلم؛ وذلك حين لا يكون في الأرض مجتمع الحاكمية فيه لله وحده، وشريعة الله وحدها هي الحاكمية فيه، فإن الأمر بالمعروف يجب أن يتجه أولاً إلى الأمر بالمعروف الأكبر، وهو تقرير ألوهية الله وحده سبحانه وتحقيق قيام المجتمع المسلم. والنهي عن المنكر يجب أن يتجه أولاً إلى النهي عن المنكر الأكبر. وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس لغير الله عن طريق حكمهم بغير شريعة الله.. والذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - هاجروا وجاهدوا ابتداء لإقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة الله، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة. فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي. ولم ينفقوا قط جهدهم، قبل قيام الدولة المسلمة والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل! ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع. فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم! {والحافظون لحدود الله}.. وهو القيام على حدود الله لتنفيذها في النفس وفي الناس. ومقاومة من يضيعها أو يعتدي عليها.. ولكن هذه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يقام عليها إلا في مجتمع مسلم. ولا مجتمع مسلم إلا المجتمع الذي تحكمه شريعة الله وحدها في أمره كله؛ وإلا الذي يفرد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والحاكمية والتشريع؛ ويرفض حكم الطاغوت المتمثل في كل شرع لم يأذن به الله.. والجهد كله يجب أن ينفق ابتداء لإقامة هذا المجتمع. ومتى قام كان هناك مكان للحافظين لحدود الله فيه.. كما وقع كذلك أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم! هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد الله معها بيعته. وهذه هي صفاتها ومميزاتها: توبة ترد العبد إلى الله، وتكفه عن الذنب، وتدفعه إلى العمل الصالح. وعبادة تصله بالله وتجعل الله معبوده وغايته ووجهته. وحمد لله على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل لله والثقة المطلقة برحمته وعدله. وسياحة في ملكوت الله مع آيات الله الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق. وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة. وحفظ لحدود الله يرد عنها العادين والمضيعين، ويصونها من التهجم والانتهاك.. هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها الله على الجنة، واشترى منها الأنفس والأموال، لتمضي مع سنة الله الجارية منذ كان دين الله ورسوله ورسالاته. قتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله؛ وقتل لأعداء الله الذين يحادّون الله؛ أو استشهاد في المعركة التي لا تفتر بين الحق والباطل، وبين الإسلام والجاهلية، وبين الشريعة والطاغوت، وبين الهدى والضلال. وليست الحياة لهواً ولعباً. وليست الحياة أكلاً كما تأكل الأنعام ومتاعاً. وليست الحياة سلامة ذليلة، وراحة بليدة ورضى بالسلم الرخيصة.. إنما الحياة هي هذه: كفاح في سبيل الحق، وجهاد في سبيل الخير، وانتصار لإعلاء كلمة الله، أو استشهاد كذلك في سبيل الله.. ثم الجنة والرضوان.. هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون بالله:{أية : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}تفسير : وصدق الله. وصدق رسول الله.. والمؤمنون الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، أمة وحدهم، العقيدة في الله بينهم هي وشيجة الارتباط والتجمع الوحيدة. وهذه السورة التي تقرر العلاقات الأخيرة بين الجماعة المسلمة ومن عداها، تحسم في شأن العلاقات التي لا تقوم على هذه الوشيجة. وبخاصة بعد ذلك التخلخل الذي أنشاه التوسع الأفقي الشديد في المجتمع المسلم عقب فتح مكة، ودخول أفواج كثيرة في الإسلام لم يتم انطباعها بطابعه؛ وما تزال علاقات القربى عميقة الجذور في حياتها. والآيات التالية تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا تلك البيعة وبين من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولي قربى - بعد ما اختلفت الوجهتان واختلفت العاقبتان في الدنيا والآخرة: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - ولو كانوا أولي قربى - من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم. وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم. وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، إن الله بكل شيء عليم. إن الله له ملك السماوات والأرض، يحيي ويميت، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}. والظاهر أن بعض المسلمين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين ويطلبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر لهم؛ فنزلت الآيات تقرر أن في هذا الاستغفار بقية من تعلق بقرابات الدم، في غير صلة بالله، لذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يفعلوه.. ما كان لهم قطعاً وليس من شأنهم أصلاً.. أما كيف يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، فالأرجح أن يكون ذلك بموتهم على الشرك، وانقطاع الرجاء من أن تكون لهم هداية إلى الإيمان. إن العقيدة هي العروة الكبرى التي تلتقي فيها سائر الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية. فإذا انبتَّت وشيجة العقيدة انبتَّت الأواصر الأخرى من جذورها، فلا لقاء بعد ذلك في نسب، ولا لقاء بعد ذلك في صهر. ولا لقاء بعد ذلك في قوم. ولا لقاء بعد ذلك في أرض.. إما إيمان بالله فالوشيجة الكبرى موصولة، والوشائج الأخرى كلها تنبع منها وتلتقي بها. أو لا إيمان فلا صلة إذن يمكن أن تقوم بين إنسان وإنسان. {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، إن إبراهيم لأواه حليم}.. فلا أسوة بإبراهيم في استغفاره لأبيه. فإنما كان استغفار إبراهيم لأبيه بسبب وعده له أن يستغفر له الله لعله يهديه، ذلك إذ قال له: {أية : سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً}.. تفسير : فلما أن مات أبوه على الشرك، وتبين إبراهيم أن أباه عدو لله لا رجاء في هداه، {تبرأ منه} وقطع صلته به. {إن إبراهيم لأواه حليم}.. كثير التضرع لله، حليم على من آذاه. ولقد آذاه أبوه فكان حليماً؛ وتبين أنه عدو لله فتبرأ منه وعاد لله ضارعاً. وقد ورد أنه لما نزلت الآيتان خشي الذين كانوا يستغفرون لآبائهم المشركين أن يكونوا قد ضلوا لمخالفتهم عن أمر الله في هذا فنزلت الآية التالية تطمئنهم من هذا الجانب، وتقرر القاعدة الإسلامية أنه لا عقوبة بغير نص؛ ولا جريمة بغير بيان سابق على الفعل: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون. إن الله بكل شيء عليم}.. إن الله لا يحاسب الناس إلا على ما بين لهم أن يتقوه ويحذروه ولا يأتوه. وليس من شأنه أن يذهب بهدى قوم بعد إذ هداهم ويكلهم إلى الضلال لمجرد الفعل، ما لم يكن هذا الفعل مما نهاهم عنه قبلاً.. ذلك أن الإنسان قاصر والله هو العليم بكل شيء. ومنه البيان والتعليم. ولقد جعل الله هذا الدين يسراً لا عسراً، فبين ما نهى عنه بياناً واضحاً، كما بين ما أمر به بياناً واضحاً. وسكت عن أشياء لم يبين فيها بياناً - لا عن نسيان ولكن عن حكمة وتيسير- ونهى عن السؤال عما سكت عنه، لئلا ينتهي السؤال إلى التشديد. ومن ثم فليس لأحد أن يحرم شيئاً من المسكوت عنه، ولا أن ينهى عما لم يبينه الله. تحقيقاً لرحمة الله بالعباد.. وفي نهاية هذه الآيات، وفي جو الدعوة إلى التجرد من صلات الدم والنسب، بعد التجرد من الأنفس والأموال يقرر أن الولي الناصر هو الله وحده. وأنه مالك السماوات والأرض ومالك الموت والحياة. {إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}.. فالأموال والأنفس، والسماوات والأرض، والحياة والموت، والولاية والنصرة.. كلها بيد الله دون سواه. وفي الصلة بالله وحده كفاية وغناء. وهذه التوكيدات المتوالية، وهذا الحسم القاطع في علاقات القرابة تدل على ما كان يعتور بعض النفوس من اضطراب وأرجحة بين الروابط السائدة في البيئة، ورابطة العقيدة الجديدة. مما اقتضى هذا الحسم الأخير، في السورة التي تتولى الحسم في كل علاقات المجتمع المسلم بما حوله.. حتى الاستغفار للموتى على الشرك قد لقي هذا التشديد في شأنه.. ذلك لتخلص القلوب من كل وشيجة إلا تلك الوشيجة. إن التجمع على آصرة العقيدة وحدها هو قاعدة الحركة الإسلامية. فهو أصل من أصول الاعتقاد والتصور: كما أنه أصل من أصول الحركة والانطلاق.. وهذا ما قررته السورة الحاسمة وكررته أيضاً.. ولما كانت تلك طبيعة البيعة، كان التخلف عن الجهاد للقادرين - أياً كانت الأسباب - أمراً مستنكراً عظيماً؛ وكان ما بدا في الغزوة من التردد والتخلف ظاهرة لا بد من تتبعها والتركيز عليها.. وفي الآيات التالية يبين مدى فضل الله ورحمته بالمؤمنين إذ يتجاوز عما بدا من التردد والتخلف من المؤمنين المخلصين، ويتوب عليهم فيما وقع منهم من أخطاء صغرت أم كبرت.. كذلك يبين عن مصير الثلاثة الذين خلفوا بغير حكم في أمرهم - وهم المرجون لأمر الله الذين سبق ذكرهم حتى نزل هذا الحكم بعد فترة من الزمان: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه؛ ثم تاب عليهم ليتوبوا. إن الله هو التواب الرحيم}.. وتوبة الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها؛ والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال الله عنه لنبيه:{أية : عفا الله عنك. لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}تفسير : ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم. وقد عفا الله عنه في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين! وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى: {الذين ابتعوه في ساعة العسرة من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم}.. وقد كان بعضهم تثاقل في الخروج ثم لحق بالركب كما سنفصل - وهم من خلص المؤمنين - وبعضهم ما استمع للمنافقين المرجفين بهول لقاء الروم! ثم ثبت الله قلبه ومضى بعد تردد. ويحسن أن نستعرض بعض ظروف الغزوة وملابساتها لنعيش في جوها الذي يقرر الله - سبحانه - أنه كان {ساعة العسرة}. ولندرك طبيعة الانفعالات والحركات التي صاحبتها (ونحن نلخص في هذا من السيرة لابن هشام، ومن إمتاع الأسماع للمقريزي، ومن البداية والنهاية لابن كثير، ومن تفسير ابن كثير): لما نزل قوله تعالى: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون..} تفسير : أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم (ويلاحظ أن الاشتباك بالروم كان قد سبق نزول هذه الآيات في غزوة مؤتة فهذا الأمر الأخير إنما جاء تقريراً للخطة الدائمة المستقرة في آخر ما نزل من القرآن) وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاء، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال والزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، واخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له (أي يقصد إليه) إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم. واستأذن بعض المنافقين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التخلف مخافة الفتنة ببنات الروم! فأذن! وفي هذا نزل عتاب الله لنبيه في الإذن مصدرا بالعفو عنه في اجتهاده:{أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين؟ }.. تفسير : وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر - زهادة في الجهاد، وشكاً في الحق، وإرجافاً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم:{أية : وقالوا: لا تنفروا في الحر، قل: نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون }. تفسير : وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، يثبطون الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك؛ فبعث إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحاك بن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا. ثم تاب الضحاك. ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والإسراع. وحض أهل الغنى على النفقة وحمل المجاهدين الذين لا يجدون ما يركبون؛ فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين عند الله. وكان في مقدمة المنفقين المحتسبين، عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فأنفق نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها.. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض"تفسير : . وقال عبد الله بن أحمد في مسند أبيه - بإسناده - عن عبد الرحمن بن حباب السلمي، قال: خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال: ثم نزل مرقاة من المنبر، ثم حث، فقال عثمان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بيده هكذا يحركها (وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب): "ما على عثمان ما عمل بعد هذا".. (وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي، عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به. وقال: غريب من هذا الوجه). ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به، وقال: ثلاث مرات وأنه التزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.. وأخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال: حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة (يعني في غزوة تبوك) فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف (أي درهم)، فقال يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها وأمسكت نصفها. فقال:"حديث : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت"تفسير : . وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال: يا رسول الله أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي. قال: فلمزة المنافقون، وقالوا: ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء. وقالوا ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟! في روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل (وهو الذي بات يعمل عند يهودي ليحصل على صاعين أجرا له جاء بأحدهما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -) إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه! ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم البكاءون. وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أي طلبوا منه أن يحملهم على ركائب إلى أرض المعركة، وكانوا أهل حاجة. فقال:"حديث : لا أجد ما أحملكم عليه"تفسير : . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل (من السبعة البكائين) وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قال: جئنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحاً له (أي جملاً يستقي عليه الماء) فارتحلاه. وزودهما شيئاً من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد (أحد البكائين) فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض.. ثم أصبح مع الناس. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : أين المتصدق هذه الليلة؟"تفسير : فلم يقيم أحد! ثم قال:"حديث : أي المتصدق؟ فليقم"تفسير : فقام إليه فأخبره. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : أبشر، فوالذي نفسي بيده، لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة ". تفسير : ثم خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وقد قارب عددهم ثلاثين ألفاً من أهل المدينة ومن قبائل الأعراب من حولها. وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب ابن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية (وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم) وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي.. وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عسكره على "ثنية الوداع" وضرب عبد الله بن أبي - رأس النفاق - عسكره على حدة، أسفل منه، قال ابن إسحاق: (وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين).. ولكن الروايات الأخرى تقول: إن الذين تخلفوا فعلاً دون المائة.. فلما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب. ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائراً، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول:"حديث : دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله تعالى بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه"تفسير : . وتلوّم أبو ذر على بعيره (أي انتظر عليه)، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماشياً. ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : كن أبا ذر"تفسير : فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده ". تفسير : ثم إن أبا خيثمة رجع - بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً - إلى أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه (أي في حديقته) قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء. وهيأت له فيه طعاماً. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الضحَّ (أي الشمس) والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهيئا لي زاداً. ففعلتا. ثم قدم ناضحة فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه حين نزل تبوك.. وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطلب يطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترافقا، حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل. حتى إذا دنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بتبوك قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : كن أبا خيثمة"تفسير : . فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : أولى لك يا أبا خيثمة!"تفسير : . ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم - الخبر. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيراً، ودعا له بالخير. قال ابن إسحاق: وقد كان رهط من المنافقين منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له: "مُخشن بن حُمير" (قال ابن هشام: ويقال: مخشى) يشيرون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر (يعنون الروم) كقتال العرب بعضهم بعضاً؟ والله لكأنا بكم غداً مقرنين في الحبال.. إرجافاً وترهيباً للمؤمنين.. فقال مخشن بن حمير: والله لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل فينا قرآن لمقاتلكم هذه. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني - لعمار بن ياسر:"حديث : أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا فإن أنكروا فقل: بلى قلتم كذا وكذا"تفسير : فانطلق إليهم عمار، فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها (وهو الحبل يشد على بطن البعير) يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فأنزل الله عز وجل:{أية : ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب. قل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تسهزئون؟}تفسير : وقال مخشن بن حمير: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي! وكان الذي عفي عنه في هذه الآية مخشن بن حمير. فتسمى عبد الرحمن. وسأل الله تعالى أن يقتله شهيداً لا يعلم بمكانه فقتل يوم اليمامة، فلم يوجد له أثر.. قال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير قال: لما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تبوك - بعدما أقام بها بضع عشرة ليلة لم يلق فيها حرباً - هَمَّ جماعة من المنافقين بالفتك به، وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي، وصعد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه. عمار آخذ بزمام الناقة، وحذيفة يسوقها؛ فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبصر حذيفة غضبه، فرجع إليهم ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد ظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم؛ فأسرعوا حتى خالطوا الناس؛ وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم فأسرعا حتى قطعوا العقبة، ووقفوا ينتظرون الناس. ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة: "حديث : هل عرفت هؤلاء القوم؟"تفسير : قال: ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم. ثم قال:"حديث : علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب؟"تفسير : قالا: لا. فأخبرهما بما كانوا تمالأوا عليه، وسماهم لهما، واستكتمهما ذلك، فقال: يا رسول الله، أفلا تأمر بقتلهم؟ فقال: "حديث : أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ".. تفسير : قال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد ذكر ابن إسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أعلم بأسمائهم حذيفة ابن اليمان وحده. وهذا هو الأشبه، والله أعلم.. فأما العسرة التي لقيها المسلمون في الغزوة فقد وردت بعض الروايات بشواهد منها.. قال ابن كثير في التفسير: قال مجاهد وغير واحد نزلت هذه الآية: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم}.. في غزوة تبوك. وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر، في سنة مجدبة، وحر شديد، وعسر من الزاد والماء.. قال قتادة: خرجوا إلى الشام على تبوك في لهبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد، فأصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم. وروى ابن جرير - بإسناده - إلى عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده. وقال ابن جرير في قوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} - أي من النفقة والظهر والزاد والماء - {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} - أي عن الحق، ويشك في دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويرتاب للذين نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم - {ثم تاب عليهم} يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه {إنه بهم رؤوف رحيم}.. ولعل هذا الاستعراض أن يصور لنا اليوم كيف كانت {العسرة} كما ينقل لنا لمحة من الجو الذي عاشه المجتمع المسلم في تلك الفترة؛ يتجلى فيها تفاوت المقامات الإيمانية؛ من اليقين الجاد عند طائفة. إلى الزلزلة والأرجحة تحت مطارق العسرة عند طائفة. إلى القعود والتخلف - بغير ريبة - عند طائفة. إلى النفاق الناعم عند طائفة. إلى النفاق الفاجر عند طائفة. إلى النفاق المتآمر عند طائفة.. مما يشي أولاً بالحالة العامة للتركيب العضوي للمجتمع في هذه الفترة؛ ويشي ثانياً بمشقة الغزوة - في مواجهة الروم ومع العسرة - هذه المشقة الممحصة. الممتحنة الكاشفة؛ والتي لعل الله سبحانه قد قدرها من أجل التمحيص والكشف والتمييز. هذه هي العسرة التي تخلف فيها المتخلفون وكثرتهم من المنافقين الذين سلف بيان أمرهم. ومن المؤمنين الذين لم يقعدوا شكاً ولا نفاقاً، إنما قعدوا كسلاً واسترواحاً للظلال في المدينة. وهؤلاء جماعتان؛ جماعة قضي في أمرهم من قبل، وهم الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واعترفوا بذنوبهم، وجماعة أخرى:{أية : مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم}تفسير : وهم هؤلاء الثلاثة الذين خلفوا، أي تركوا بلا حكم. وأرجئوا حتى يحكم الله فيهم. وهنا تفصيل أمرهم بعد الإرجاء في الحكم والإرجاء في السياق.. وقبل أن نقول نحن عن هؤلاء شيئاً في تفسير النص المصور لحالهم؛ وقبل أن نعرض الصورة الفنية المعجزه التي رسمها التعبير لهم ولحالهم، ندع أحدهم يتحدث عما كان.. هو كعب بن مالك - رضي الله عنه -: أخرج أحمد والبخاري ومسلم من طريق الزهري قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عمي - قال: سمعت كعب ابن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزة؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدواً كثيراً، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان -. قال كعب رضي الله عنه: فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصغو، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدوا لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إن أردت. فلم يزل ذلك يتهادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض في جهازي شيئاً، فلم يزل يتهادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، وليت أني فعلت؛ فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً من عذر الله. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك:"حديث : ما فعل كعب بن مالك"تفسير : ؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيراً فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه قافلاً من تبوك حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم انج منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له. وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً؛ فقبل رسول الله عليه وسلم منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله؛ حتى جئت؛ فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي:"حديث : تعال"تفسير : فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "حديث : ما خلفك؟ ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟"تفسير : فقلت يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه، وإني لأرجو فيه عقبى من الله. والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك"تفسير : فقمت. وبادرني رجال من بني سلمة وأتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً، لي فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس - أو قال تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما. وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتىإذا طال ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه. فوالله ما رد علي السلام. فقلت: له: يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى. هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال فسكت، قال فعدت فنشدته فسكت؛ فعدت فنشدته. قال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب ابن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاء فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً، فقرأته فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء. فتيممت بها التنور فسجرتها.. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذ برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربنها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امراة هلال بن أمية رسول الله صلى الله وسلم فقالت: يا رسول الله، إن هلالاً شيخ ضائع، وليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال"حديث : لا، ولكن لا يقربنك"تفسير : فقالت: إنه والله ما به من حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك! فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أدري ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفى على جبل سَلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجداً؛ وعرفت أن الفرج؛ فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر. فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليَّ رجل فرساً وسعى ساع من أسلم قِبلي، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ؛ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم - يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد. فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد وحوله الناس، فقام إليّ طلحة ابن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة. قال كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور:"حديث : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك"تفسير : قلت:أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال:"حديث : لا بل من عند الله"تفسير : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، قال:"حديث : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"تفسير : فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت يا رسول الله إنما أنجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. وأنزل الله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله وكونوا مع الصادقين}. قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه. فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال:{أية : سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس - إلى قوله - الفاسقين }. تفسير : هذه هي قصة الثلاثة الذين خلفوا - كما رواها أحدهم كعب بن مالك - وفي كل فقرة منها عبرة، وفيها كلها صورة بارزة الخطوط عن القاعدة الصلبة للمجتمع الإسلامي، ومتانة بنائها، وصفاء عناصرها، ونصاعة تصورها لمعنى الجماعة، ولتكاليف الدعوة، ولقيمة الأوامر، ولضرورة الطاعة. فهذا كعب بن مالك - وزميلاه - يتخلفون عن ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة. يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة، فيؤثرونها على الحر والشدة والسفر الطويل والكد الناصب. ولكن كعباً ما يلبث بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحس ما فعل، يشعره به كل ما حوله: "فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحزنني أنني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله" - يعني بمن عذر الله الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون. فالعسرة لم تقعد بالمسلمين عن تلبية دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزوة البعيدة الشقة. لم يقعد إلا المطعون فيهم المظنون بهم النفاق، وإلا العاجزون الذين عذرهم الله. أما القاعدة الصلبة للجماعة المسلمة فكانت أقوى روحاً من العسرة، وأصلب عوداً من الشدة.. هذه واحدة. والثانية هي التقوى. التقوى التي تلجئ المخطئ إلى الصدق والإقرار. والأمر بعد ذلك لله: "فقلت: يا رسول الله، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلاً. ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله أن يسخطك علي. ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى من الله. والله ما كان لي عذر. والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك". فالله حاضر في ضمير المؤمن المخطئ. ومع حرصه البالغ على رضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا الرضى يومئذ يعز ويذل ويرفع ويخفض ويترك المسلم مرموقاً بالأنظار أو مهملاً لا ينظر إليه إنسان - مع هذا فإن مراقبة الله أقوى وتقوى الله أعمق؛ والرجاء في الله أوثق. "ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس عن كلامنا. أيها الثلاثة. من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس - أو قال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما؛ وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد. وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إلي - فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى. هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته. قال: الله ورسول أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار". هكذا كان الضبط، وهكذا كانت الطاعة في الجماعة المسلمة - على الرغم من كل ما وقع من خلخلة بعد الفتح ومن بلبلة في ساعة العسرة -.. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة. فلا مخلوق يفتح فمه بكلمة، ولا مخلوق يلقى كعباً بأنس، ولا مخلوق يأخذ منه أو يعطي. حتى ابن عمه وأحب الناس إليه، وقد تسور عليه داره، لا يرد عليه السلام، ولا يجيبه عن سؤال. فإذا أجاب بعد الإلحاح لم يطمئن لهفته ولم يسكن قلقه، إنما قال: "الله ورسوله أعلم". وكعب في لهفته - وقد تنكرت له الأرض فلم تعد الأرض التي كان يعرف - يتلمس حركة من بين شفتي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويخالسه النظر لعله يعلم أن رسول الله قد ألقى إليه بنظرة يحيا على الأمل فيها، ويطمئن إلى أنه لم يقطع من تلك الشجرة، ولم يكتب له الذبول والجفاف! وبينما هو طريد شريد، لا يلقي إليه مخلوق من قومه بكلمة - ولو على سبيل الصدقة - يجيئه من قبل ملك غسان كتاب يمنيه بالعزة والكرامة والمجد والجاه.. ولكنه بحركة واحدة يعرض عن هذا كله، وما يزيد على أن يلقي بالكتاب إلى النار، ويعد هذا بقية من البلاء، ويصبر على الابتلاء. وتمتد المقاطعة فتعزل عنه زوجه. لتدعه فريداً طريداً من الأنس كله، مخلفاً بين الأرض والسماء. فيخجل أن يراجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأته، لأنه لا يدري كيف يكون الجواب. هذه صفحة. والصفحة الأخرى هي صفحة البشرى. بشرى القبول. بشرى العودة إلى الصف. بشرى التوبة من الذنب. بشرى البعث والعودة إلى الحياة.. "فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا. قد ضاقت علي نفسي، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفىَ على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء الفرج. فآذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قِبلَ صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجل فرساً، وسعى ساع من أسلم قِبلي وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته. والله ما أملك غيرهما يومئذ، فاستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أؤم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة، ويقولون: ليهنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس في المسجد وحوله، الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة".. هكذا كانت الأحداث تقدر وتقوّم في هذه الجماعة. وهكذا كانت توبة مقبولة تستقبل وتعظم؛ كانت بشرى يركض بها الفارس إلى صاحبها، ويهتف بها راكب الجبل ليكون أسرع بشارة. وكانت التهنئة بها والاحتفاء بصاحبها جميلاً لا ينساه الطريد الذي رد إلى الجماعة واتصلت بها وشائجه، فهو في يوم كما قال عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك"تفسير : قالها - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور. كما قال كعب، فهذا القلب الكبير الكريم الرحيم قد فاض به السرور أن تقبل الله توبة ثلاثة من أصحابه وردهم مكرمين إلى جماعته. تلك هي قصة الثلاثة الذين خلفوا ثم تاب الله عليهم، وهذه هي بعض لمحات دلالتها الواضحة على حياة الجماعة الإسلامية، وعلى القيم التي كانت تعيش بها. والقصة كما رواها أحد أصحابها، تقرب إلى نفوسنا معنى الآية: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه...}.. {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت}.. فما الأرض؟ إن هي إلا بأهلها. إن هي إلا بالقيم السائدة فيها. إن هي إلا بالوشائج والعلاقات بين أصحابها. فالتعبير صادق في مدلوله الواقعي فوق صدقه في جماله الفني، الذي يرسم هذه الأرض تضيق بالثلاثة المخلفين، وتتقاصر أطرافها، وتنكمش رقعتها، فهم منها في حرج وضيق. {وضاقت عليهم أنفسهم}.. فكأنما هي وعاء لهم تضيق بهم ولا تسعهم، وتضغطهم فيتكرب أنفاسهم. {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه}.. وليس هناك ملجأ من الله لأحد، وهو آخذ بأقطار الأرض والسماوات. ولكن ذكر هذه الحقيقة هنا في هذا الجو المكروب يخلع على المشهد ظلاً من الكربة واليأس والضيق، لا مخرج منه إلا بالالتجاء إلى الله مفرج الكروب.. ثم يجيء الفرج.. {ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}. تاب عليهم من هذا الذنب الخاص، ليتوبوا توبة عامة عن كل ما مضى، ولينيبوا إلى الله إنابة كاملة في كل ما سيأتي. ومصداق هذا في قول كعب: قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال:"حديث : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك"تفسير : قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي إلا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني الله تعالى. والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا. وإني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي. ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا - في ظلال القرآن - مع هذه القصة الموحية ومع التعبير القرآني الفريد فيها. فحسبنا هنا ما وفق الله إليه فيها. وفي ظل قصة التوبة على الذين ترددوا والذين تخلفوا؛ وفي ظل عنصر الصدق البادي في قصة الثلاثة الذين خلفوا؛ يجيء الهتاف للذين آمنوا جميعاً أن يتقوا الله ويكونوا مع الصادقين في إيمانهم من أهل السابقة؛ ويجيء التنديد بتخلف أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب، مع الوعد بالجزاء السخي للمجاهدين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً، إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً، إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}.. إن أهل المدينة هم الذين تبنوا هذه الدعوة وهذه الحركة، فهم أهلها الأقربون. وهم بها ولها. وهم الذين آووا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبايعوه؛ وهم الذين باتوا يمثلون القاعدة الصلبة لهذا الدين في مجتمع الجزيرة كله. وكذلك القبائل الضاربة من حول المدينة وقد أسلمت؛ وباتت تؤلف الحزام الخارجي للقاعدة.. فهؤلاء وهؤلاء ليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله. وليس لهم أن يؤثروا أنفسهم على نفسه.. وحين يخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحر أو البرد. في الشدة أو الرخاء. في اليسر أو العسر. ليواجه تكاليف هذه الدعوة وأعباءها، فإنه لا يحق لأهل المدينة، أصحاب الدعوة، ومن حولهم من الأعراب، وهم قريبون من شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عذر لهم في ألا يكونوا قد علموا، أن يشفقوا على أنفسهم مما يحتمله رسول الله صلى الله عليه وسلم. من أجل هذه الاعتبارات يهتف بهم أن يتقوا الله وأن يكونوا مع الصادقين الذين لم يتخلفوا، ولم تحدثهم نفوسهم بتخلف، ولم يتزلزل إيمانهم في العسرة ولم يتزعزع.. وهم الصفوة المختارة من السابقين والذين اتبعوهم بإحسان: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. ثم يمضي السياق بعد هذا الهتاف مستنكراً مبدأ التخلف عن رسول الله: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه}. وفي التعبير تأنيب خفي. فما يؤنب أحد يصاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأوجع من أن يقال عنه. إنه يرغب بنفسه عن نفس رسول الله، وهو معه، وهو صاحبه! وإنها لإشارة تلحق أصحاب هذه الدعوة في كل جيل. فما كان لمؤمن أن يرغب بنفسه عن مثل ما تعرضت له نفس رسول الله في سبيل هذه الدعوة؛ وهو يزعم أنه صاحب دعوة؛ وأنه يتأسى فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم! إنه الواجب الذي يوجبه الحياء من رسول الله - فضلاً على الأمر الصادر من الله - ومع هذا فالجزاء عليه ما أسخاه! {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً، إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً، إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون}.. إنه على الظمأ جزاء، وعلى النصب جزاء، وعلى الجوع جزاء. وعلى كل موطئ قدم يغيظ الكفار جزاء. وعلى كل نيل من العدو جزاء. يكتب به للمجاهد عمل صالح، ويحسب به من المحسنين الذين لا يضيع لهم الله أجراً. وإنه على النفقة الصغيرة والكبيرة أجر. وعلى الخطوات لقطع الوادي أجر.. أجر كأحسن ما يعمل المجاهد في الحياة. ألا والله، إن الله ليجزل لنا العطاء. وإنها والله للسماحة في الأجر والسخاء. وإنه لمما يخجل أن يكون ذلك كله على أقل مما احتمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشدة واللأواء. في سبيل هذه الدعوة التي نحن فيها خلفاء،وعليها بعده أمناء! ويبدو أن تنزل القرآن في هذه السورة بالنكير على المتخلفين؛ والتنديد بالتخلف وبخاصة من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب؛ قد جعل الناس يتزاحمون في المدينة ليكونوا رهن إشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبخاصة من القبائل المحيطة بالمدينة. مما اقتضى بيان حدود النفير العام - في الوقت المناسب للبيان من الناحية الواقعية - فقد اتسعت رقعة الأرض الإسلامية حتى كادت الجزيرة كلها تدين للإسلام، وكثر عدد الرجال المستعدين للجهاد، وقد بلغ من عددهم - بعد تخلف المتخلفين في تبوك - نحواً من ثلاثين ألفاً، الأمر الذي لم يتهيأ من قبل في غزوة من غزوات المسلمين. وقد آن أن تتوزع الجهود في الجهاد وفي عمارة الأرض وفي التجارة وفي غيرها من شؤون الحياة التي تقوم بها أمة ناشئة؛ وهي تختلف عن مطالب القبيلة الساذجة، وعن حاجات المجتمع القبلي الأولية.. ونزلت الآية التالية تبين هذه الحدود في جلاء: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.. ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية، وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم.. والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أن المؤمنين لا ينفرون كافة. ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة؛ وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم، بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة.. والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس - رضي الله عنهما - ومن تفسير الحسن البصري، واختيار ابن جرير، وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي، لا يفقهه إلا من يتحرك به؛ فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه؛ بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه؛ وبما يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به. أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا، لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا؛ ولا فقهوا فقههم؛ ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه المتحركون وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقه. ولعل هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن، من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة، هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين! ولكن هذا وهم، لا يتفق مع طبيعة هذا الدين.. إن الحركة هي قوام هذا الدين؛ ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس، وتغليبه على الجاهلية، بالحركة العملية. والتجارب تجزم بأن الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه؛ مهما تفرغوا لدراسته في الكتب - دراسة باردة! - وأن اللمحات الكاشفة في هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به حركة جهادية لتقريره في حياة الناس؛ ولا تتجلى للمستغرقين في الكتب العاكفين على الأوراق! إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلا في أرض الحركة. ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة. والذين يعكفون على الكتب والأوراق في هذا الزمان لكي يستنبطوا منها أحكاماً فقهية "يجددون" بها الفقه الإسلامي أو "يطورونه" - كما يقول المستشرقون من الصليبيين! - وهم بعيدون عن الحركة التي تسهتدف تحرير الناس من العبودية للعباد، وردهم إلى العبودية لله وحده، بتحكيم شريعة الله وحدها وطرد شرائع الطواغيت.. هؤلاء لا يفقهون طبيعة هذا الدين؛ ومن ثم لا يحسنون صياغة فقه هذا الدين! إن الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية.. فقد وجد الدين أولاً ثم وجد الفقه. وليس العكس هو الصحيح.. وجدت الدينونة لله وحده، ووجد المجتمع الذي قرر أن تكون الدينونة فيه لله وحده.. والذي نبذ شرائع الجاهلية وعاداتها وتقاليدها؛ والذي رفض أن تكون شرائع البشر هي التي تحكم أي جانب من جوانب الحياة فيه.. ثم أخذ هذا المجتمع يزاول الحياة فعلاً وفق المبادئ الكلية في الشريعة - إلى جانب الأحكام الفرعية التي وردت في أصل الشريعة - وفي أثناء مزاولته للحياة الفعلية في ظل الدينونة لله وحده، واستيحاء شريعته وحدها، تحقيقاً لهذه الدينونة، جدت له أقضية فرعية بتجدد الحالات الواقعية في حياته.. وهنا فقط بدأ استنباط الأحكام الفقهية، وبدأ نمو الفقه الإسلامي.. الحركة بهذا الدين هي التي أنشأت ذلك الفقه، والحركة بهذا الدين هي التي حققت نموه. ولم يكن قط فقها مستنبطاً من الأوراق الباردة، بعيداً عن حرارة الحياة الواقعة!.. من أجل ذلك كان الفقهاء متفقهين في الدين، يجيء فقههم للدين من تحركهم به، ومن تحركه مع الحياة الواقعة لمجتمع مسلم حي، يعيش بهذا الدين، ويجاهد في سبيله، ويتعامل بهذا الفقه الناشئ بسبب حركة الحياة الواقعة. فأما اليوم.. "فماذا"..؟ أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته لله وحده؛ والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد؛ والذي قرر أن تكون شريعة الله شريعته؛ والذي رفض بالفعل شرعية أي تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد؟ لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود! ومن ثم لا يتجه مسلم يعرف الإسلام ويفقه منهجه وتاريخه، إلى محاولة تنمية الفقه الإسلامي أو "تجديده" أو "تطويره!" في ظل مجتمعات لا تعترف ابتداء بأن هذا الفقه هو شريعتها الوحيدة التي بها تعيش. ولكن المسلم الجاد يتجه ابتداء لتحقيق الدينونة لله وحده؛ وتقرير مبدأ أن لا حاكمية إلا لله، وأن لا تشريع ولا تقنين إلا مستمداً من شريعته وحدها تحقيقاً لتلك الدينونة.. إنه هزل فارغ لا يليق بجدية هذا الدين أن يشغل ناس أنفسهم بتنمية الفقه الإسلامي أو "تجديدة" أو "تطويره" في مجتمع لا يتعامل بهذا الفقه ولا يقيم عليه حياته. كما أنه جهل فاضح بطبيعة هذا الدين أن يفهم أحد أنه يستطيع التفقه في هذا الدين وهو قاعد، يتعامل مع الكتب والأوراق الباردة، ويستنبط الفقه من قوالب الفقه الجامدة؛.. إن الفقه لا يستنبط من الشريعة إلا في مجرى الحياة الدافق؛ وإلا مع الحركة بهذا الدين في عالم الواقع. إن الدينونة لله وحده أنشأت المجتمع المسلم، والمجتمع المسلم أنشأ "الفقه الإسلامي".. ولا بد من هذا الترتيب.. لا بد أن يوجد مجتمع مسلم ناشئ من الدينونة لله وحده، مصمم على تنفيذ شريعته وحدها. ثم بعد ذلك - لا قبله - ينشأ فقه إسلامي مفصل على قد المجتمع الذي ينشأ، وليس "جاهزاً" معداً من قبل! ذلك أن كل حكم فقهي هو - بطبيعته - تطبيق للشريعة الكلية على حالة واقعة، ذات حجم معين، وشكل معين، وملابسات معينة. وهذه الحالات تنشئها حركة الحياة، داخل الإطار الإسلامي لا بعيداً عنه، وتحدد حجمها وشكلها وملابساتها؛ ومن ثم "يفصل" لها حكم مباشر على "قدها".. فأما تلك الأحكام "الجاهزة" في بطون الكتب؛ فقد "فصلت" من قبل لحالات معينة في أثناء جريان الحياة الإسلامية على أساس تحكيم شرعة الله فعلاً. ولم تكن وقتها "جاهزة" باردة! كانت وقتها حية مليئة بالحيوية؛ وعلينا اليوم أن "نفصل" مثلها للحالات الجديدة.. ولكن قبل ذلك يجب أن يوجد المجتمع الذي يقرر ألا يدين لغير الله في شرائعه؛ وألا يفصل حكماً شرعياً إلا من شريعة الله دون سواها. وفي هذا يكون الجهد الجاد المثمر، اللائق بجدية هذا الدين. وفي هذا يكون الجهاد الذي يفتح البصائر؛ ويمكن من التفقه في الدين حقاً.. وغير هذا لا يكون إلا هزلاً تفرضه طبيعة هذا الدين؛ وإلا هروباً من واجب الجهاد الحقيقي تحت التستر بستار "تجديد الفقه الإسلامي" أو "تطويره"!.. هروب خير منه الاعتراف بالضعف والتقصير؛ وطلب المغفرة من الله على التخلف والقعود مع المتخلفين القاعدين! بعد ذلك ترد آية تضع خطة الحركة الجهادية ومداها كذلك. وهما الخطة والمدى اللذان سار عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه من بعده بصفة عامة، فلم تشذ عنها إلا حالات كانت لها مقتضيات واقعة: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين}.. فأما خطة الحركة الجهادية التي تشير إليها الآية في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}.. فقد سارت عليها الفتوح الإسلامية، تواجه من يلون "دار الإسلام" ويجاورونها، مرحلة فمرحلة. فلما أسلمت الجزيرة العربية - أو كادت ولم تبق إلا فلول منعزلة لا تؤلف قوة يخشى منها على دار الإسلام بعد فتح مكة - كانت غزوة تبوك على أطراف بلاد الروم. ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم وفي بلاد فارس، فلم يتركوا وراءهم جيوباً؛ ووحدت الرقعة الإسلامية، ووصلت حدودها، فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء، متماسكة الأطراف؛.. ثم لم يأتها الوهن فيما بعد إلا من تمزقها، وإقامة الحدود المصطنعة فيما بينها على أساس ملك البيوت، أو على أساس القوميات! وهي خطة عمل أعداء هذا الدين على التمكين لها جهد طاقتهم وما يزالون يعملون. وستظل هذه الشعوب التي جعل منها الإسلام "أمة واحدة" في "دار الإسلام" المتصلة الحدود - وراء فواصل الأجناس واللغات والأنساب والألوان - ستظل ضعيفة مهيضة إلا أن تثوب إلى دينها، وإلى رايته الواحدة؛ وإلا أن تتبع خطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتدرك أسرار القيادة الربانية التي كفلت لها النصر والعز والتمكين. ونقف مرة أخرى أمام قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين}.. فنجد أمراً بقتال الذين يلون المسلمون من الكفار. لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم.. وندرك أن هذا هو الأمر الأخير، الذي يجعل "الانطلاق" بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد، وليس هو مجرد "الدفاع" كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة المسلمة في المدينة. ويريد بعض الذين يتحدثون اليوم عن العلاقات الدولية في الإسلام، وعن أحكام الجهاد في الإسلام، وبعض الذين يتعرضون لتفسير آيات الجهاد في القرآن.. أن يتلمسوا لهذا النص النهائي الأخير قيداً من النصوص المرحلية السابقة؛ فيقيدوه بوقوع الاعتداء أو خوف الاعتداء! والنص القرآني بذاته مطلق، وهو النص الأخير! وقد عودنا البيان القرآني عند إيراد الأحكام، أن يكون دقيقاً في كل موضع؛ وألا يحيل في موضع على موضع؛ بل يتخير اللفظ المحدد؛ ويسجل التحفظات والاستثناءات والقيود والتخصيصات في ذات النص. إن كان هناك تحفظ أو استثناء أو تقييد أو تخصيص. ولقد سبق لنا في تقديم السورة في الجزء العاشر، وفي تقديم آيات القتال مع المشركين والقتال مع أهل الكتاب، أو فصلنا القول في دلالة النصوص والأحكام المرحلية والنصوص والأحكام النهائية على طبيعة المنهج الحركي للإسلام فحسبنا ما ذكرناه هناك. إلا أن الذين يكتبون اليوم عن العلاقات الدولية في الإسلام، وعن أحكام الجهاد في الإسلام، والذين يتصدون لتفسير الآيات المتضمنة لهذا الأحكام، يتعاظمهم ويهولهم أن تكون هذه هي أحكام الإسلام! وأن يكون الله - سبحانه - قد أمر الذين آمنوا ان يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار، وأن يظلوا يقاتلون من يلونهم من الكفار، كلما وجد هناك من يلونهم من الكفار!.. يتعاظمهم ويهولهم أن يكون الأمر الإلهي هكذا، فيروحون يتلمسون القيود للنصوص المطلقة؛ ويجدون هذه القيود في النصوص المرحلية السابقة! إننا نعرف لماذا يهولهم هذا الأمر ويتعاظمهم على هذا النحو... إنهم ينسون أن الجهاد في الإسلام جهاد في "سبيل الله".. جهاد لتقرير ألوهية الله في الأرض وطرد الطواغيت المغتصبة لسلطان الله.. جهاد لتحرير "الإنسان" من العبودية لغير الله، ومن فتنته بالقوة عن الدينونة لله وحده والانطلاق من العبودية للعباد..{أية : حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}تفسير : وأنه ليس جهاداً لتغليب مذهب بشري على مذهب بشري مثله. إنما هو جهاد لتغليب منهج الله على مناهج العبيد! وليس جهاداً لتغليب سلطان قوم على سلطان قوم، إنما هو جهاد لتغليب سلطان الله على سلطان العبيد! وليس جهاداً لإقامة مملكة لعبد، وإنما هو جهاد لإقامة مملكة الله في الأرض.. ومن ثم ينبغي له أن يطلق في "الأرض" كلها، لتحرير "الإنسان" كله. بلا تفرقة بين ما هو داخل في حدود الإسلام وبين ما هو خارج عنها.. فكلها "أرض" يسكنها "الإنسان" وكلها فيها طواغيت تعبد العباد للعباد! وحين ينسون هذه الحقيقة يهولهم طبعاً أن ينطلق منهج ليكتسح كل المناهج، وأن تنطلق أمة لتخضع سائر الأمم.. إنها في هذا الوضع لا تستساغ! وهي فعلاً لا تستساغ!.. لولا أن الأمر ليس كذلك. وليس له شبيه فيما بين أنظمة البشر اليوم من إمكان التعايش! إنها كلها اليوم أنظمة بشرية. فليس لواحد منها أن يقول: إنه هو وحده صاحب الحق في البقاء! وليس الحال كذلك في نظام إلهي يواجه أنظمة بشرية؛ ليبطل هذه الأنظمة كلها ويدمرها كي يطلق البشر جميعاً من ذلة العبودية للعباد؛ ويرفع البشر جميعاً إلى كرامة العبودية لله وحده بلا شريك! ثم إنه يهولهم الأمر ويتعاظمهم لأنهم يواجهون هجوماً صليبياً منظماً لئيماً ماكراً خبيثاً يقول لهم: إن العقيدة الإسلامية قد انتشرت بالسيف، وأن الجهاد كان لإكراه الآخرين على العقيدة الإسلامية؛ وانتهاك حرمة حرية الاعتقاد! والمسألة على هذا الوضع لا تكون مستساغة.. لولا أن الأمر ليس كذلك على الإطلاق.. إن الإسلام يقوم على قاعدة: {أية : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}تفسير : ولكن لماذا ينطلق إذن بالسيف مجاهداً؛ ولماذا اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون}؟.. إنه لأمر آخر غير الإكراه على العقيدة كان هذا الجهاد.. بل لأمر مناقض تماماً للإكراه على العقيدة.. إنه لضمان حرية الاعتقاد كان هذا الجهاد؛.. لأن الإسلام كإعلان عام لتحرير "الإنسان" في "الإرض" من العبودية للعباد؛ يواجه دائماً طواغيت في الأرض يخضعون العباد للعباد. ويواجه دائماً أنظمة تقوم على أساس دينونة العبيد للعبيد؛ تحرس هذه الأنظمة قوة الدولة أو قوة تنظيمية في صورة من الصور؛ وتحول دون الناس في داخلها ودون سماع الدعوة الإسلامية؛ كما تحول دونهم ودون اعتناق العقيدة إذا ارتضتها نفوسهم، أو تفتنهم عنها بشتى الوسائل.. وفي هذا يتمثل انتهاك حرية الاعتقاد بأقبح أشكاله.. ومن هنا ينطلق الإسلام بالسيف ليحطم هذه الأنظمة، ويدمر هذه القوى التي تحميها.. ثم ماذا؟.. ثم يترك الناس - بعد ذلك - أحراراً حقاً في اختيار العقيدة التي يريدونها. إن شاءوا دخلوا في الإسلام، فكان لهم ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات، وكانوا إخواناً في الدين للسابقين في الإسلام! وإن شاءوا بقوا على عقائدهم وأدوا الجزية، إعلاناً عن استسلامهم لانطلاق الدعوة الإسلامية بينهم بلا مقاومة؛ ومشاركة منهم في نفقات الدولة المسلمة التي تحميهم من اعتداء الذين لم يستسلموا بعد، وتكفل العاجز منهم والضعيف والمريض كالمسلمين سواء بسواء. إن الإسلام لم يكره فرداً على تغيير عقيدته؛ كما انطلقت الصليبية على مدار التاريخ تذبح وتقتل وتبيد شعوباً بأسرها - كشعب الأندلس قديماً وشعب زنجبار حديثاً - لتكرههم على التنصر. وأحياناً لا تقبل منهم حتى التنصر، فتبيدهم لمجرد أنهم مسلمون.. وأحياناً لمجرد أنهم يدينون بمذهب نصراني مخالف لمذهب الكنيسة الرسمية.. وقد ذهب مثلاً اثناء عشر ألفاً من نصارى مصر ضحايا بصور بشعة إذا أحرقوا أحياء على نار المشاعل لمجرد مخالفتهم لجزئية اعتقادية عن كنيسة روما تتعلق بانبثاق الروح القدس من الآب فقط، أو من الآب والابن معاً! أو يتعلق بما إذا كان للمسيح طبيعة واحدة لاهوتية، أو طبيعة لاهوتية ناسوتية... إلى آخر هذه الجزئيات الاعتقادية الجانبية! وأخيراً فإن صورة الانطلاق في الأرض لمواجهة من يلون المسلمين من الكفار تهول المهزومين روحياً في هذا الزمان وتتعاظمهم؛ لأنهم يبصرون بالواقع من حولهم وبتكاليف هذا الانطلاق فيهولهم الأمر.. وهو يهول فعلاً!.. فهل هؤلاء الذين يحملون أسماء المسلمين، وهم شعوب مغلوبة على أمرها؛ أو قليلة الحيلة عموماً! هل هؤلاء هم الذين سينطلقون في الأرض يواجهون أمم الأرض جميعاً بالقتال، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؟! إنه لأمر لا يتصور عقلاً.. ولا يمكن أن يكون هذا هو أمر الله فعلاً ولكن فات هؤلاء جميعاً أن يروا متى كان هذا الأمر؟ وفي أي ظرف؟ لقد كان بعد أن قامت للإسلام دولة تحكم بحكم الله؛ دانت لها الجزيرة العربية ودخلت في هذا الدين، ونظمت على أساسه. وقبل ذلك كله كانت هناك العصبة المسلمة التي باعت أنفسها لله بيعة صدق، فنصرها الله يوماً بعد يوم، وغزوة بعد غزوة، ومرحلة بعد مرحلة.. وأن الزمان قد استدار اليوم كهيئته يوم بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ليدعو الناس - في جاهليتهم - إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فجاهد والقلة التي معه حتى قامت الدولة المسلمة في المدينة. وأن الأمر بالقتال مر بمراحل وأحكام مترقية حتى انتهى إلى تلك الصورة الأخيرة.. وأن بين الناس اليوم وهذه الصورة أن يبدأوا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول.. ثم يصلوا - يوم أن يصلوا - إلى هذه الصورة الأخيرة بإذن الله.. ويومئذ لن يكونوا هم هذا الغثاء الذي تتقاسمه المذاهب والمناهج والأهواء؛ والذي تتقاسمة الرايات القومية والجنسية والعنصرية. ولكنهم سيكونون العصبة المسلمة الواحدة التي ترفع راية: لا إله إلا الله. ولا ترفع معها راية أخرى ولا شعاراً، ولا تتخذ لها مذهباً ولا منهجاً من صنع العبيد في الأرض؛ إنما تنطلق باسم الله وعلى بركة الله.. إن الناس لا يستطيعون أن يفقهوا أحكام هذا الدين، وهم في مثل ما هم فيه من الهزال! إنه لن يفقه أحكام هذا الدين إلا الذين يجاهدون في حركة تستهدف تقرير ألوهية الله وحده في الأرض ومكافحة ألوهية الطواغيت! إن فقه هذا الدين لا يجوز أن يؤخذ عن القاعدين، الذين يتعاملون مع الكتب والأوراق الباردة! إن فقه هذا الدين فقه حياة وحركة وانطلاق. وحفظ ما في متون الكتب. والتعامل مع النصوص في غير حركة، لا يؤهل لفقه هذا الدين، ولم يكن مؤهلاً له في يوم من الأيام! وأخيراً فإن الظروف التي نزل فيها قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين}.. تشير إلى أن أول المقصودين به كانوا هم الروم.. وهم أهل كتاب.. ولكن لقد سبق في السورة تقرير كفرهم الاعتقادي والعملي، بما في عقيدتهم من انحراف، وبما في واقعهم من تحكيم شرائع العبيد.. وهذه لفتة لا بد من الوقوف عندها لفقه منهج هذا الدين في الحركة تجاه أهل الكتاب، المنحرفين عن كتابهم، المتحكمين إلى شرائع من صنع رجال فيهم!.. وهي قاعدة تشمل كل أهل كتاب يتحاكمون - راضين - إلى شرائع من صنع الرجال وفيهم شريعة الله وكتابه، في أي زمان وفي أي مكان! ثم لقد أمر الله المسلمين أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار وليجدوا فيهم غلظة، وعقب على هذا الأمر بقوله: {أن الله يحب المتقين}.. ولهذا التعقيب دلالته.. فالتقوى هنا.. التقوى التي يحب الله أهلها.. هي التقوى التي تنطلق في الأرض تقاتل من يلون المسلمين من الكفار؛ وتقاتلهم في {غلظة} أي بلا هوادة ولا تميع ولا تراجع.. حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ولكنه ينبغي أن نعرف وأن يعرف الناس جميعاً أنها الغلظة على الذين من شأنهم أن يحاربوا وحدهم - وفي حدود الآداب العامة لهذا الدين - وليست هي الغلظة المطلقة من كل قيد وأدب! إنه قتال يسبقه إعلان، وتخيير بين: قبول الإسلام، أو أداء الجزية، أو القتال.. ويسبقه نبذ العهد إن كان هناك عهد - في حالة الخوف من الخيانة - (والأحكام النهائية تجعل العهد لأهل الذمة الذين يقبلون مسالمة الإسلام وأداء الجزية؛ ولا عهد في غير هذه الحالة إلا أن يكون بالمسلمين ضعف يجعل الحكم المتعين في حالتهم هذه هو الحكم المرحلي الذي كان في حالة تشبه الحالة التي هم فيها). وهذه آداب المعركة كلها، من وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: * "عن بريدة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "حديث : اغزوا باسم الله، في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. وإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله تعالى عليهم وقاتلهم..." تفسير : ... (أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي). * وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان"... (أخرجه الشيخان). وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه - إلى أهل اليمن معلماً فكانت وصيته له: "حديث : إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بأن الله تعالى افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بأن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم. واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ". تفسير : وأخرج أبو داود - بإسناده - عن رجل من جهينة. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لعلكم تقاتلون قوماً فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فإنه لا يصلح لكم ". تفسير : وعن العرباض بن سارية قال: "نزلنا مع رسول الله قلعة خيبر، ومعه من معه من المسلمين. وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً متكبراً. فأقبل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد! لكم أن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟ فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال:حديث : يا ابن عوف اركب فرسك، ثم ناد: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن وأن اجتمعوا للصلاةتفسير : . فاجتمعوا. ثم صلى بهم، ثم قام فقال: "حديث : أيحسب أحدكم متكئاً على أريكته قد يظن أن الله تعالى لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن! ألا وإني قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر. وإن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوا الذي عليهم ". تفسير : ورفع إليه - صلى الله عليه وسلم - بعد إحدى المواقع أن صبية قتلوا بين الصفوف، فحزن حزناً شديداً، فقال بعضهم: ما يحزنك يا رسول الله وهم صبية للمشركين؛ فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وقال - ما معناه - إن هؤلاء خير منكم، إنهم على الفطرة، أو لستم أبناء المشركين. فإياكم وقتل الأولاد. إياكم وقتل الأولاد. وهذه التعليمات النبوية هي التي سار عليها الخلفاء بعده: روى مالك عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: "ستجدون قوماً زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، ولا تقتلن امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً". وقال زيد بن وهب: أتانا كتاب عمر - رضي الله عنه - وفيه: "لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً، واتقوا الله في الفلاحين". ومن وصاياه! "ولا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات". وهكذا تتواتر الأخبار الخط العام الواضع لمستوى المنهج الإسلامي في قتاله لأعداءه، وفي آدابه الرفيعة، وفي الرعاية لكرامة الإنسان. وفي قصر القتال على القوى المادية التي تحول بين الناس وبين أن يخرجوا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. وفي اليسر الذي يعامل به حتى أعداءه. أما الغلظة فهي الخشونة في القتال والشدة؛ وليست هي الوحشية مع الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، غير المحاربين أصلاً؛ وليست تمثيلاً بالجثث والأشلاء على طريقة المتبربرين الذين يسمون أنفسهم متحضرين في هذا الزمان. وقد تضمن الإسلام ما فيه الكفاية من الأوامر لحماية غير المحاربين، ولاحترام بشرية المحاربين. إنما المقصود هو الخشونة التي لا تميع المعركة؛ وهذا الأمر ضروري لقوم أمروا بالحرمة والرأفة في توكيد وتكرار فوجب استثناء حالة الحرب، بقدر ما تقتضي حالة الحرب، دون رغبة في التعذيب والتمثيل والتنكيل. وقبيل ختام السورة التي تكلمت طويلاً عن المنافقين، تجيء آيات تصور طريقة المنافقين في تلقي آيات الله وفي استقبال تكاليف هذه العقيدة التي يتظاهرون بها كاذبين؛ وإلى جانبها صورة الذين آمنوا وتلقيهم لهذا القرآن الكريم: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول: أيكم زادته هذه إيماناً؟ فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون؛ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون. أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون ولا هم يذّكرون؟ وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا. صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون}.. والسؤال في الآية الأولى: {أيكم زادته هذه إيماناً؟}.. سؤال مريب، لا يقوله إلا الذي لم يستشعر وقع السورة المنزلة في قلبه. وإلا لتحدث عن آثارها في نفسه، بدل التساؤل عن غيره. وهو في الوقت ذاته يحمل رائحة التهوين من شأن السورة النازلة والتشكيك في أثرها في القلوب! لذلك يجيء الجواب الحاسم ممن لا راد لما يقول: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}.. فأما الذين آمنوا فقد أضيفت إلى دلائل الإيمان عندهم دلالة فزادتهم إيماناً؛ وقد خفقت قلوبهم بذكر ربهم خفقة فزادتهم إيماناً؛ وقد استشعروا عناية ربهم بهم في إنزال آياته عليهم فزادتهم إيماناً.. وأما الذين في قلوبهم مرض، الذين في قلوبهم رجس من النفاق، فزادتهم رجساً إلى رجسهم، وماتوا وهم كافرون.. وهو نبأ من الله صادق، وقضاء منه سبحانه محقق. وقبل أن يعرض السياق الصورة الثانية لاستجابتهم يسأل مستنكراً حال هؤلاء المنافقين الذين لا يعظهم الابتلاء، ولا يردهم الامتحان: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون؟}. والفتنة كانت تكون بكشف سترهم، أو بنصر المسلمين بدونهم، أو بغيرهما من الصور، وكانت دائمة الوقوع كثيرة التكرار في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما يزال المنافقون يفتنون ولا يتوبون! فأما الصورة الحية أو المشهد المتحرك فترسمه الآية الأخيرة، في شريط متحرك دقيق: {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا. صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون!}. وإننا - حين نتلو الآية - لنستحضر مشهد هؤلاء المنافقين وقد نزلت سورة. فإذا بعضهم ينظر إلى بعض ويغمز غمزة المريب: {هل يراكم من أحد؟}.. ثم تلوح لهم غرة من المؤمنين وانشغال فإذا هم يتسللون على أطراف الأصابع في حذر: {ثم انصرفوا}.. تلاحقهم من العين التي لا تغفل ولا تنشغل دعوة قاصمة تناسب فعلتهم المريبة: {صرف الله قلوبهم!}.. صرفها عن الهدى فإنهم يستحقون أن يظلوا في ضلالهم يعمهون: {بأنهم قوم لا يفقهون}.. عطلوا قلوبهم عن وظيفتها فهم يستحقون! إنه مشهد كامل حافل بالحركة ترسمه بضع كلمات، فإذا هو شاخص للعيون كأنها تراه! وتختم السورة بآيتين ورد أنهما مكيتان، وورد أنهما مدنيتان. ونحن نأخذ بهذا الأخير، ونلمح مناسبتهما في مواضع متفرقة في هذا الدرس وفي جو السورة على العموم. آيتين تتحدث إحداهما عن الصلة بين الرسول وقومه، وعن حرصه عليهم ورحمته بهم. ومناسبتها حاضرة في التكاليف التي كلفتها الأمة المؤمنة في مناصرة الرسول ودعوته وقتال أعدائه واحتمال العسرة والضيق. والآية الثانية توجيه لهذا الرسول أن يعتمد على ربه وحده حين يتولى عنه من يتولى، فهو وليه وناصره وكافيه: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم}.. ولم يقل: جاءكم رسول منكم. ولكن قال: {من أنفسكم} وهي أشد حساسية وأعمق صلة، وأدل على نوع الوشيجة التي تربطهم به. فهو بضعة من أنفسهم، تتصل بهم صلة النفس بالنفس، وهي أعمق وأحس. {عزيز عليه ما عنتم}.. يشق عليه عنتكم ومشقتكم. {حريص عليكم}.. لا يلقي بكم في المهالك، ولا يدفع بكم إلى المهاوي، فإذا هو كلفكم الجهاد، وركوب الصعاب، فما ذلك من هوان بكم عليه، ولا بقسوة في قلبه وغلظة، إنما هي الرحمة في صورة من صورها. الرحمة بكم من الذل والهوان، والرحمة بكم من الذنب والخطيئة، والحرص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة، وحظ رضوان الله، والجنة التي وعد المتقون. ثم ينتقل الخطاب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعرفه طريقه حين يتولى عنه من يتولى، ويصله بالقوة التي تحميه وتكفيه: {فإن تولوا فقل: حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم}. فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه، وهو حسب من لاذ به وحسب من والاه. إنه ختام سورة القتال والجهاد: الارتكان إلى الله وحده، والاعتماد على الله وحده، واستمداد القوة من الله وحده.. {وهو رب العرش العظيم}.. وبعد فإن هذه السورة المحكمة تحتوي بيان الأحكام النهائية في العلاقات الدائمة بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات حوله - كما بينا في خلال عرضها وتقديمها - ومن ثم ينبغي أن يرجع إلى نصوصها الأخيرة بوصفها الكلمة الأخيرة في تلك العلاقات؛ وأن يرجع إلى أحكامها بوصفها الأحكام النهائية المطلقة، حسبما تدل عليها نصوص السورة. كما ينبغي ألا تقيد هذه النصوص والأحكام النهائية بنصوص وأحكام وردت من قبل - وهي التي سميناها أحكاماً مرحلية - مستندين في هذه التسمية: أولاً وبالذات إلى ترتيب نزول الآيات. ومستندين أخيراً إلى سير الأحداث في الحركة الإسلامية، وإدراك طبيعة المنهج الإسلامي في هذه الحركة.. هذه الطبيعة التي بيناها في التقديم للسورة وفي ثناياها كذلك.. وهذا هو المنهج الذي لا يدركه إلا الذين يتحركون بهذا الدين حركة جهادية لتقرير وجوده في واقع الحياة؛ برد الناس إلى ربوبية الله وحده، وإخراجهم من عبادة العباد! إن هنالك مسافة شاسعة بين فقه الحركة، وفقه الأوراق! إن فقه الأوراق يغفل الحركة ومقتضياتها من حسابه، لأنه لا يزاولها ولا يتذوقها! أما فقه الحركة فيرى هذا الدين وهو يواجه الجاهلية، خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، وموقفاً موقفاً. ويراه وهو يشرع أحكامه في مواجهة الواقع المتحرك، بحيث تجيء مكافئة لهذا الواقع وحاكمة عليه؛ ومتجددة بتجدده كذلك! وأخيراً فإن تلك الأحكام النهائية الواردة في السورة الأخيرة؛ إنما جاءت وواقع المجتمع المسلم، وواقع الجاهلية من حوله كذلك، كلاهما يحتم اتخاذ تلك الإجراءات وتنفيذ تلك الأحكام.. فأما حين كان واقع المجتمع المسلم وواقع الجاهلية من حوله يقتضي أحكاماً أخرى.. مرحلية.. فقد جاءت في السور السابقة نصوص وأحكام مرحلية.. وحين يوجد المجتمع المسلم مرة أخرى ويتحرك! فإنه يكون في حل من تطبيق الأحكام المرحلية في حينها. ولكن عليه أن يعلم أنها أحكام مرحلية، وأن عليه أن يجاهد ليصل في النهاية إلى تطبيق الأحكام النهائية التي تحكم العلاقات النهائية بينه وبين سائر المجتمعات.. والله الموفق، والله المعين..
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للتنويه بأهل غزوة تبوك وهم جيش العُسْرة، ليكون توطئة وتمهيداً لذكر التوبة على الذين تخلفوا عن الغزوة وكانوا صادقين في أيمانهم، وإنْبَاءِ الذين أضمروا الكفر نفاقاً بأنهم لا يتوب الله عليهم ولا يستغفر لهم رسوله صلى الله عليه وسلم والمناسبة ما تقدم من ذكر أحوال المنافقين الذين تسلسل الكلام عليهم ابتداءً من قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] الآيات، وما تولد على ذلك من ذكر مختلف أحوال المخلفين عن الجهاد واعتلالهم وما عقب ذلك من بناء مسجد الضرار. وافتتحت الجملة بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر، المتضمنة على أنه لما كان فاتحة التحريض على الجهاد بصيغة الاستفهام الإنكاري وتمثيلهم بحال من يُستنهض لعمل فيتثاقل إلى الأرض في قوله تعالى: {أية : مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] ناسب أن ينزل المؤمنون منزلة المتردد الطالب في كون جزاء الجهاد استحقاق الجنة. وجيء بالمسند جملة فعلية لإفادتها معنى المضي إشارة إلى أن ذلك أمر قد استقر من قبل، كما سيأتي في قوله: {وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن}، وأنهم كالذين نسوه أو تناسوه حين لم يخفُوا إلى النفير الذي استنفروه إشارة إلى أن الوعد بذلك قديم متكرر معروف في الكتب السماوية. والاشتراء: مستعار للوعد بالجزاء عن الجهاد، كما دل عليه قوله: {وعداً عليه حقاً} بمشابهة الوعدِ الاشتراءَ في أنه إعطاء شيء مقابل بذل من الجانب الآخر. ولما كان شأن الباء أن تدخل على الثمن في صِيغ الاشتراء أدخلت هنا في {بأن لهم الجنة} لمشابهة هذا الوعد الثمنَ. وليس في هذا التركيب تمثيل إذ ليس ثمة هيئة مشبهة وأخرى مشبه بها. والمراد بالمؤمنين في الأظهر أن يكون مؤمني هذه الأمة. وهو المناسب لقوله بعد: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به}. ويكون معنى قوله: {وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل} ما جاء في التوراة والإنجيل من وصف أصحاب الرسول الذي يختِم الرسالة. وهو ما أشار إليه قوله تعالى: {أية : والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} تفسير : [الفتح: 29] إلى قوله {أية : ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل} تفسير : [الفتح: 29] إلى قوله {أية : ليغيظ بهم الكفار}تفسير : [الفتح: 29]. ويجوز أن يكون جميع المؤمنين بالرسل ـــ عليهم الصلاة والسلام ـــ وهو أنسب لقوله: {في التوراة والإنجيل}، وحينئذٍ فالمراد الذين أمروا منهم بالجهاد ومن أمروا بالصبر على اتباع الدين من أتباع دين المسيحية على وجهها الحق فإنهم صبروا على القتل والتعذيب. فإطلاق المقاتلة في سبيل الله على صبرهم على القتل ونحوه مجاز، وبذلك يكون فعل {يقاتلون} مستعملاً في حقيقته ومجازه. واللام في {لهم الجنة} للملك والاستحْقاق. والمجرور مصدر، والتقدير: بتحقيق تملكهم الجنة، وإنما لم يقل بالجنة لأن الثمن لما كان آجلاً كان هذا البيع من جنس السلم. وجملة: {يقاتلون في سبيل الله} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن اشتراء الأنفس والأموال لغرابته في الظاهر يثير سؤال من يقول: كيف يبذلون أنفسهم وأموالهم؟ فكان جوابه {يقاتلون في سبيل الله} الخ. قال الطيبي: «فقوله {يقاتلون} بيان، لأن مكان التسليم هو المعركة، لأن هذا البيع سَلَم، ومن ثَم قيل {بأن لهم الجنة} ولم يقل بالجنة. وأتي بالأمر في صورة الخبر ثم ألزم الله البيع من جانبه وضمن إيصال الثمن إليهم بقوله: {وعداً عليه حقاً}، أي لا إقالة ولا استقالة من حضرة العزة. ثم ما اكتفى بذلك بل عين الصكوك المثبت فيها هذه المبايعة وهي التوراة والإنجيل والقرآن» اهـــ. وهو يرمي بهذا إلى أن تكون الآية تتضمن تمثيلاً عكس ما فسرنا به آنفاً. وقوله: {فيَقتُلُون ويُقتلون} تفريع على {يُقاتلون}، لأن حال المقاتل لا تخلو من أحد هذين الأمرين. وقرأ الجمهور {فيَقتلون} بصيغة المبني للفاعل وما بعده بصيغة المبني للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي بالعكس. وفي قراءة الجمهور اهتمام بجهادهم بقتل العدو، وفي القراءة الأخرى اهتمام بسبب الشهادة التي هي أدخل في استحقاق الجنة. و{وَعدا} منصوب على المفعولية المطلقة من {اشترى}، لأنه بمعنى وعد إذ العِوض مؤجل. و{حقاً} صفة {وعْداً}. و{عليه} ظرف لغو متعلق بـــ {حقاً}، قُدم على عامله للاهتمام بما دل عليه حرف (على) من معنى الوجوب. وقوله: {في التوراة} حال من {وعداً}. والظرفية ظرفية الكتاب للمكتوب، أي مكتوباً في التوارة والإنجيل والقرآن. وجملة: {ومن أوفى بعهده من الله} في موضع الحال من الضمير المجرور في قوله: {وعداً عليه حقاً}، أي وعداً حقاً عليه ولا أحد أوفى بعهده منه، فالاستفهام إنكاري بتنزيل السامع منزلة من يجعل هذا الوعد محتملاً للوفاء وعدمه كغالب الوعود فيقال: ومن أوفى بعهده من الله إنكاراً عليه. و{أوفى} اسم تفضيل من وفّى بالعهد إذا فعل ما عاهد على فعله. و{مِن} تفضيلية، وهي للابتداء عند سيبويه، أي للابتداء المجازي. وذُكر اسم الجلالة عوضاً عن ضميره لإحضار المعنى الجامع لصفات الكمال. والعهد: الوعد بحلف والوعد الموكد، والبيعة عهد، والوصية عهد. وتفرع على كون الوعد حقاً على الله، وعلى أن الله أوفى بعهده من كل واعد، أنْ يستبشر المؤمنون ببيعهم هذا، فالخطاب للمؤمنين من هذه الأمة. وأضيف البيع إلى ضميرهم إظهاراً لاغتباطهم به. ووصفه بالموصول وصلته {الذي بايعتم به} تأكيداً لمعنى {بيعكم}، فهو تأكيد لفظي بلفظ مرادف. وجملة: {وذلك هو الفوز العظيم} تذييل جامع، فإن اسم الإشارة الواقع في أوله جامع لصفات ذلك البيع بعوضيْه. وأكد بضمير الفصل وبالجملة الاسمية والوصف بــ{العظيم} المفيد للأهمية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 111- يؤكد اللَّه وعده للمؤمنين الذين يبذلون أنفسهم وأموالهم فى سبيله، فإنه اشترى منهم تلك الأنفس والأموال بالجنة ثمنا لما بذلوا، فإنهم يجاهدون فى سبيل اللَّه فيقتلون أعداء اللَّه أو يستشهدون فى سبيله، وقد أثبت اللَّه هذا الوعد الحق فى التوراة والإنجيل، كما أثبته فى القرآن، وليس أحد أبر ولا أوفى بعهده من اللَّه، فافرحوا - أيها المؤمنون المجاهدون - بهذه المبايعة التى بذلتم فيها أنفسكم وأموالكم الفانية، وعُوضتم عنها بالجنة الباقية، وهذا الشراء والبيع هو الظفر الكبير لكم. 112- إن أوصاف أولئك الذين باعوا أنفسهم للَّه بالجنة أنهم يكثرون التوبة من هفواتهم إلى اللَّه، ويحمدونه على كل حال، ويسعون فى سبيل الخير لأنفسهم ولغيرهم، ويحافظون على صلواتهم. ويؤدونها كاملة فى خشوع، ويأمرون بكل خير يوافق ما جاء به الشرع، وينهون عن كل شر يأباه الدين ويلتزمون بشريعة اللَّه، وبشر - أيها الرسول - المؤمنين. 113- ليس للنبى وللمؤمنين أن يطلبوا المغفرة للمشركين، ولو كانوا أقرب الناس إليهم، من بعد أن يعلم المؤمنون من أمر هؤلاء المشركين بموتهم على الكفر، أنهم مستحقون للخلود فى النار. 114- لم يكن ما فعله إبراهيم - عليه السلام - من الاستغفار لأبيه، إلا تحقيقا لوعد من إبراهيم لأبيه، رجاء إيمانه، فلمَّا تبين لإبراهيم أن أباه عدو للَّه، بإصراره على الشرك حتى مات عليه، تبرأ منه وترك الاستغفار له، ولقد كان إبراهيم كثير الدعاء والتضرع للَّه صبورا على الأذى.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الجنة: هي دار السلام التي أعدها الله تعالى للمتقين. يقاتلون: أي الكفار والمشركين. وعداً: أي وعدهم وعداً حقاً. في التوراة: أي مذكوراً في التوراة والإِنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده: أي لا أحد أوفى بعهده من الله تعالى. ذلك هو الفوز العظيم: أي ذلك البيع هو الفوز العظيم. التائبون: أي من الشرك والنفاق والمعاصي. العابدون: أي المطيعون لله في تذلل وخشوع مع حبهم لله وتعظيمهم له. السائحون: أي الصائمون والخارجون في سبيل الله لطلب علم أو تعليمه أو جهاد لأعدائه. الآمرون بالمعروف: أي بعبادة لله الله تعالى وتوحيده فيها. الناهون عن المنكر: أي عن الشرك والمعاصي. والحافظون لحدود الله: اي القائمون عليها العاملون بها. وبشر المؤمنين: اي بالجنة دار السلام. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال المتخلفين عن الجهاد فضل الجهاد ترغيباً فيه وفيما أعد لأهله فقال {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ} وهذا هو المُثَّمَن الذي أعطى الله تعالى فيه الثمن وهو الجنة، وقوله {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ} أي أعداء الله المشركين {وَيُقْتَلُونَ} أي يستشهدون في معارك القتال وقوله {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} أي وعدهم بذلك وعداً وأحقه حقاً أي أثبته في الكتب الثلاثة التوراة والإِنجيل والقرآن تقريراً له وتثبيتاً وقوله {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} استفهام بمعنى النفي أي لا أحد مطلقا أوفى بعهده إذا عاهد من الله تعالى وقوله {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} فبناء على ذلك فاستبشروا أيها المؤمنون ببيعكم الذي بايعتم الله تعالى به أي فسروا بذلك وافرحوا وذلك البيع والاستبشار هو الفوز العظيم الذي لا فوز خير ولا أعظم منه. وقوله {ٱلتَّائِبُونَ} إلى قوله: {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} هو ذكر لأوصاف أهل البيع وتحديد لهم فهم الموصوفون بتسع صفات الأولى التائبون أي من الشرك والمعاصي والثانية العابدون وهم المطيعون لله طاعة ملؤها المحبة لله تعالى والتعظيم له والرهبة منه والثالثة الحامدون لله تعالى في السراء والضراء وعلى كل حال والرابعة السائحون وهم الصائمون كما في الحديث والذين يخرجون في سبيل الله لطلب علم أو غزو أو تعليم أو دعوة إلى الله تعالى ليُعْبد ويوحَّد ويُطاع في أمره ونهيه والخامسة والسادسة الراكعون الساجدون أي المقيمون الصلاة المكثرون من نوافلها كأنهم دائماً في ركوع وسجود والسابعة والثامنة الآمرون بالمعروف وهو الإِيمان بالله وتوحيده وطاعته وطاعة رسوله والناهون عن المنكر وهو الكفر به تعالى والشرك في عبادته ومعصية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم والتاسعة الحافظون لحدود الله بالقيام عليها وعملها بعد العلم بها وقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهم أهل الإِيمان الصادق الكامل المستحقون لبشرى الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر والتأييد في الدنيا والنجاة من النار ودخول الجنة يوم القيامة اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان فضل الله تعالى ومننه على عباده المؤمنين حيث وهبهم أرواحهم وأموالهم واشتراها منهم. 2- فضل الجهاد والاستشهاد في سبيل الله. 3- على المؤمن أن يشعر نفسه أن بدنه وماله لله تعالى وأن عليه رعايتهما وحفظهما حتى ترفع راية الجهاد ويطالب إمام المسلمين بالنفس والمال فيقدم نفسه وماله إذ هما وديعة الله تعالى عنده. 4- على المؤمن أن لا يدخل الضرر على نفسه ولا على ماله بحكم أنهما لله تعالى. 5- على المؤمن أن يتعاهد نفسه ليرى هل هو متصف بهذه الصفات التسع أولاً فإن رأى نقصاً كمله وإن رأى كمالاً حمد الله تعالى عليه وحفظه وحافظ عليه.
القطان
تفسير : يؤكد الله وعْده للمؤمنين الذين يبذلون أنفسَهم وأموالَهم في سبيله بأنه اشترى منهم تلك الأنفسَ والأموال بالجنة ثمناً لما بذلوه. انهم يجاهدون في سبيل الله فَيَقْتُلون اعداء الله أو يُسْتَشْهدون في سبيل الله. وقد أثبتَ الله هذا الوعدَ الحقَّ في التوراة والانجيل كما اثبته في القرآن، وليس أحدٌ أبَرَّ وأوفى بعهده من الله، فافرحوا ايها المجاهدون وأبشروا بهذه المبايعة. فيها الظفر الكبير لكم. وهذا ترغيب في الجهاد على أبلغ وجه، فالله سبحانه هو المشتري، والمؤمنون هم البائعون، والانفس والاموال هي المبيع، والثمن هو الجنة ذاك عقد ذكرته الكتب السماوية كلها، وفي ذلك منتهى الربح والفوز العظيم. روى ابن ابي حاتم عن جابر قال: حديث : نزلت هذه الآية على رسول الله في المسجِد، فكّبر في المسجد. فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرف ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله، أنزلتْ فينا هذه الآية؟ قال: نعم فقال الانصاري: بيعٌ ربيح لا نقيل ولا نستقيل . تفسير : ثم وصف الله هؤلاء الكَمَلَةَ من المؤمنين الذين اشترى منهم انفسهم وأموالهم، بأنهم صفوة مختارة، ذات صفات مميزة، منها ما يختص بذوات انفسم، ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة فقال: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. ان اوصاف هؤلاء باعوا انفسَهم لله بالجنة، انهم: يكثِرون التوبة الى الله من هفواتهم، ويحمدونه على كل حال، ويسعون في سبيل الخير لأنفسهم ولغيرهم، ويحافظون على صلواتهم ويؤدونها كاملة في خشوع، ويأمرون بكل خير يوافق ما جاء به الشرع، وينهون عن كل شرٍ يأباه، ويلتزمون بشريعة الله. وبشرِّ أيها الرسول المؤمنين المتصفين بهذه الصفات بخَيْرَي الدنيا والآخرة. قراءات: قرأ عاصم: (فيَقتُلون ويُقتَلون) وهي قراءة المصحف وقرأ حمزة والكسائي: "فيُقتَلون ويَقتُولون" بتقديم الفعل المبني للمفعول.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَالَهُمْ} {يُقَاتِلُونَ} {ٱلتَّوْرَاةِ} {وَٱلْقُرْآنِ} (111) - يُرَغِّبُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ فِي الجِهَادِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ سَيُعَوِّضُ المُؤْمِنينَ بِالجَنَّةِ عَنْ بَذْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةَ اللهِ هِيَ العُلْيَا، وِلإِحْقَاقِ الحَقِّ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ فِي الأَرْضِ، فَهُمْ حِينَ يُجَاهِدُونَ يَقْتُلُونَ أَعْدَاءَهُمْ، وَيُقْتَلُونَ هُمْ، وَهُمْ فِي كِلاَ الحَالَيْنِ مُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ وَعَدَ اللهُ عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بِهذا الجَزَاءِ الحَقِّ، وَجَعَلَهُ حَقّاً عَلَيهِ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ. ثُمَّ يَدْعُو اللهُ تَعَالَى مَنِ التَزَمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعَهْدِهِ للهِ إِلى الاسْتِبْشَارِ بِذَلِكَ الفَوْزِ العَظِيمِ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، لأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَفَاءً بِالعَهْدِ، وَلاَ أَكْثََرُ مِنْهُ التِزَاماً بِالوَعْدِ الذِي يَقْطَعُهُ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ رِبْحٌ أَكْبَرُ مِنَ الرّبِحِ الذِي يُحَقّقُهُ المُؤْمِنُونَ فِي هَذِهِ الصَّفْقَةِ.
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} قال محمد بن كعب القرظي: حديث : لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً. قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: "اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم أموالكم"،قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة". تفسير : وقال الأعمش: الجنة وهي قراءة عمر بن الخطاب (رضي الله عليه) {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} قال إبراهيم النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل على معنى فيقتل بعضهم ويقتل الباقون، وقرأ الباقون: بتقديم الفاعل على المفعول {وَعْداً} نصب على المصدر {عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} ثم هنّأهم فقال عزّ من قائل: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} قال قتادة: ثامنهم وأغلى ثمنهم، وقال الحسن: أسمعوا بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على وجه الأرض مؤمن إلاّ دخل في هذه البيعة. قال: حديث : ومرّ أعرابي بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية قال: كلام من هذا؟ قال: كلام الله. قال: بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد . تفسير : أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي. قال: أنشدنا أبو الحسن العقيلي. أنشدنا بشر بن موسى الأسدي. أنشدني الأصمعي عن جعفر الصادق (رضي الله عنه). شعر : أُثامن بالنفس النفيسة ربها فليس لها في الخلق كلهم ثمن @_ بها تشترى الجنات إن أنا بعتها بشيء سواها إن ذلكم غبن إذا أذهبت نفسي بدنيا أصبتها فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن تفسير : وكان الصادق يقول: أيا من ليست له قيمة أنه ليس لأبدانكم إلاّ الجنة فلا تبيعوها إلاّ بها. وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي. أنشدنا القاضي أبو الربيع محمد بن علي. أنشدنا أبو علي الحسن بن عاصم الكوفي: شعر : من يشتري قبة في العدن عالية في ظل طوبى رفيعات مبانيها دلالها المصطفى والله بايعها فمن أراد وجبريل يناديها تفسير : ثم وصفهم فقال {ٱلتَّائِبُونَ} أي هم التائبون، وقرأ ابن مسعود التائبين العابدين بالنصب آخرها، قال المفسرون: تابوا من الشرك وبرأوا من النفاق {الْعَابِدُونَ} المطيعون الذي أخلصوا فيه الشهادة. وقال الحسن وقتادة: هم قوم اتخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم فعبدوا الله على أحايينهم كلها في السراء والضراء {ٱلْحَامِدُونَ} الله على كل حال في كل نعمة {ٱلسَّائِحُونَ} الصائمون. الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : السائحون الصائمون ". تفسير : وروى شيبان بن عبد الرحمن عن الأشعث قال: سألت سعيد بن جبير عن السائحين فقال: هم الصائمون ألم تر أنّ الله عزّ وجلّ إذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين وإذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين. قال سفيان بن عيينة: أما إنّ الصائم سائح لأنه تارك اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح. وقال الشاعر في الصوم: شعر : تراه يصلي ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحاً تفسير : وقال الحسن: السائحون الذين صاموا عن الحلال وأمسكوا عن الحرام وههنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال ولا يمسكون عن الحرام فالله ساخط عليهم، وقال عطاء: السائحون الغزاة والمجاهدون، وعن عمرو بن نافع. قال: سمعت عكرمة وسُئل عن قول الله تعالى: {ٱلسَّائِحُونَ} قال: هم طلبة العلم {ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ} يعني المصلين {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} قال بسام بن عبد الله: المعروف السنّة والمنكر البدعة. {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: القائمون على طاعة الله، وقال الحسن: أهل الوفاء ببيعة الله {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ * مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية، واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية. فروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أي عم إنك أعظم الناس عليَّ حقاً وأحسنهم عندي [قولاً] ولأنت أعظم عليَّ حقاً من والدي فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي يوم القيامة. قل: لا إله إلا الله أُحاجّ لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر شيء تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأستغفر لك يا عم الله" تفسير : فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية، ونزلت{أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص: 56]الآية. قال الحسن بن الفضل: وهذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة. وقال عمرو بن دينار: قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث : استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى نهاني عنه ربيتفسير : . فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمّه. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن محمّد بن كعب [قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا جعفر بن عون] قال: بلغني "حديث : أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه الذي قبض فيه، قالت قريش له: يا أبا طالب أرسل إلى ابن أخيك فيرسل إليك من هذه الجنّة فيكون لك شفاء، فخرج الرسول حتى وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر معه جالس فقال زيد: إنّ عمك يقول لك يا ابن أخي إني كبير وشيخ ضعيف فادعوا إليّ من جنتك هذه التي تذكر من طعامها وشرابها شيء يكون لي فيه شفاء. فقال أبو بكر: إن الله حرّمها على الكافرين. قال: فرجع إليهم الرسول فقال: بلغت محمّداً الذي أرسلتموني به فلم يحر إليّ شيئاً فقال أبو بكر: إن الله حرمها على الكافرين قال: فحملوا أنفسهم عليه حتى أرسل رسولاً من عنده فوجد الرسول في مجلسه فقال له مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله حرّمهما على الكافرين طعامها وشرابها"،ثم قام في أثره حتى دخل معه البيت فوجده مملوءاً رجالا فقال: "خلوّا بيني وبين عمي"، فقالوا: ما نحن بفاعلين وما أنت أحق به منا إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابة مثل قرابتك فجلس إليه فقال: "يا عم جزيت عني خيراً كفلتني صغيراً وحفظتني كبيراً فجزيت عني خيراً. يا عماه أعنّي على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة، قال: وما هي يا ابن أخي؟ قال: قل لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له". قال: إنك لي لناصح، والله لولا أن تعيّر بها بعدي يقال جزع عمك عند الموت لأقررت بها عينك، قال: فصاح القوم: يا أبا طالب أنت رأس الحنيفية ملة الأشياخ لا تحدث نساء قريش أني جزعت عند الموت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أزال أستغفر لك ربي حتى يردّني فاستغفر له بعد ما مات ". تفسير : فقال المسلمون: ما منعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قرابتنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت هذه الآية. والدليل على ما قيل أن أبا طالب مات كافراً ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال أخبرنا المزني. قال: حدثنا أحمد بن نجدة حدثنا سعد بن منصور حدثنا أبو الأحوص أخبرنا أبو إسحاق قال: حديث : قال علي (عليه السلام) لما مات أبو طالب: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن عمك....... قال: اذهب فادفنه ولا تحدثن شيئاً حتى تأتيني، فانطلقت فواريته ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعليَّ أثر التراب فدعا لي بدعوات ما يسرني أنَّ لي بها ما على الأرض من شيء . تفسير : وقال أبو هريرة وبريدة: حديث : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمّه آمنة فوقف عليه حتى حميت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآية، فقام وبكى وبكى من حوله فقال: "إني استأذنت ربي أن أزورها فأذن لي واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت"، تفسير : فلم نرَ باكياً أكثر من يومئذ. علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية فأمسكوا عن الاستغفار فنهاهم ولم ينتهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، وقال قتادة: "حديث : قال رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم ألا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بلى، وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه، فأنزل الله تعالى {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ}"تفسير : أي ما ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين. وقال أهل المعاني: ما كان في القرآن على وجهين أحدهما بمعنى النفي كقوله تعالى: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا}تفسير : [النمل: 60] {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} تفسير : [آل عمران: 145] والأُخرى بمعنى النهي كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب: 53]، وقوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} نهي. {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} بموتهم على الكفر، وتأوّل بعضهم الاستغفار في هذه الآية على الصلاة. قال عطاء بن أبي رباح: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلاّ عن المشركين كقوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ} الآية، ثم عذر خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} الآية. قال علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): أنزل الله قوله تعالى خبراً عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قال: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47]. [قال علي:] سمعت فلاناً يستغفر لوالديه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لهما مشركان، قال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فرويت ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الممتحنة: 4] إلى قوله {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}تفسير : [الممتحنة: 4] وقوله: {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} يعني بعد موعده. وقال بعضهم: الهاء في إيّاه عائدة إلى إبراهيم، وذلك إن أباه وعده أن يسلم فعند ذلك قال إبراهيم: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}تفسير : [مريم: 47] وقال بعضهم: هي راجعة إلى إبراهيم وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وهو قوله: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}، وقوله: {أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ}تفسير : [الممتحنة: 4] الآية، تدلّ عليه قراءة الحسن: وعدها أباه بالباء. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ} [بموت أبيه] {تَبَرَّأَ مِنْهُ} وقيل: معناه: فلمّا تبين له في الآخرة أنه عدو لله،وذلك على ما روى في الأخبار أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم يقول يوم القيامة: رب والدي رب والدي، فإذا كانت الثالثة يريه الله فيقول له إبراهيم: إني كنت آمرك في الدنيا فتعصيني ولست بتاركك اليوم لشيء فخذ (بحبري) فتعلق به حتى تريد الجواز على الصراط حتى إذا أراد أن يجاوزه به كانت من إبراهيم (عليه السلام) التفاتة فإذا هو بأبيه في صورة ضبع، فتخلّى عنه وتبرأ منه يومئذ وعلى هذا التأويل يكون معنى الكلام الاستقبال، تقديره: يتبيّن ويتبرأ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ} اختلفوا في معناه، فروى شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد بن الهاد مرسلاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأوّاه فقال: الخاشع المتضرع، وقال أنس: حديث : تكلّمت امرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم بشيء كرهه فنهاها عمر (رضي الله عنه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعرض عنها فأنها أوّاهة" قيل: يا رسول الله وما الأوّاهة؟ قال: "الخاشعة" . تفسير : وروى عبد الله بن رباح عن كعب في قول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ} فقال: كان إذا ذكر النار قال: أوه. وقال عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير: الأواه الدعَّاء، وقال الضحاك: هو الجامع الدعاء. وروى الأعمش عن الحكم عن يحيى بن الجرار قال: جاء أبو العبيدي رجل من سواد وكان ضريراً إلى ابن مسعود قال: يا عبد الرحمن من يسأل إذا لم يسألك، ما الأوّاه؟ فكأن ابن مسعود رق له فقال: الأواه الرحيم. وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله، وقال أبو ميسرة: الأواه الرحيم يوم الحشر، عطية عن ابن عباس الأواه المؤمن بالحبشية. علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الأواه المؤمن التواب، مجاهد: الأواه المؤمن [الموقن، وروي عن......] عن ابن عباس وعلي ابن الحكم عن الضحاك، وقال عكرمة: هو المستيقن، بلغة الحبشة، ألا ترى أنك إذا قلت للحبشي الشيء فعرفه قال: أوّه، ابن أبي نجيح: المؤتمن. الكلبي: الأواه: المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفرة الموحشة، وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله، وروى الحكم عن الحسن بن مسلم بن [ساق] حديث : أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح فذكر ذلك للنبيَ صلى الله عليه وسلم فقال: إنه أوّاهتفسير : ، وقيل: هو الذي يكثر تلاوة القرآن. وقال ابن عباس: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن ميّتاً فقال: يرحمك الله إن كنت لأواه"تفسير : ، يعني تلاوة القرآن. وقيل: هو الذي يجهر صوته بالذكر والدعاء والقرآن ويكثر تلاوته، وكان إبراهيم (عليه السلام) يقول: آه من النار قبل أن لا تنفع آه. وروى شعبة عن أبي يونس الباهلي عن قاضي كان يجمع الحديث "حديث : عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: أوه أوه، فشكاه أبو ذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعه فإنه أواه". قال: فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح . تفسير : وقال النخعي: الأواه: الفقيه، وقال الفراء: هو الذي يتأوه من الذنوب، وقال سعيد بن جبير: الأواه المعلم للخير، وقال عبد العزيز بن يحيى: هو المشفق، وكان أبو بكر (رضي الله عنه) يُسمّى الأواه لشفقته ورحمته، وقال عطاء: هو الراجع عن كلمة ما يكره الله، وقال أيضاً: هو الخائف من النار، وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقاً وفرقاً المتضرع يقيناً ولزوماً للطاعة. قال الزجاج: انتظم قول أبي عبيدة جميع ما قيل: في الأواه وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوتاً من تنفس الصعداء والفعل منه أوه وتأوه، وقال المثقب العبدي: شعر : إذا ما قمت أُرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين تفسير : قال الراجز: شعر : فأوه الراعي وضوضا كلبه ولا يقال منه فعل يفعل تفسير : {حَلِيمٌ} عمن سبه وناله بالمكروه وقد قيل أنه (عليه السلام) استغفر لأبيه عند وعده إياه وشتمه، وقوله: {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}تفسير : [مريم: 46] فقال له: {أية : قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47] وقال ابن عباس: الحليم السيد.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تكلم الحق عن الذين تخلفوا عن الغزو، وعن الذين اعتذروا بأعذار كاذبة، وعن الذين أرجأ الله فيهم الحكم، أراد أن يبين سبحانه أن تخلفهم ليس له أي أهمية؛ لأن الله سبحانه وتعالى عوَّض الإيمان وعوّض الإسلام بخير منهم، فإياكم أن تظنوا أنهم بامتناعهم عن الغزو سوف يُتعبون الإسلام، لا؛ لأن الحق سبحانه ينصر دينه دائماً. فيقول الله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} يقول العلماء: كيف يشتري الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وهو الذي خلق الأنفس وهو الذي وهب المال؟ وقالوا: ولكن هبة الله لهم لا يرجع فيها، بدليل أن المال مال الله، وحين أعطاه لإنسان نتيجة عمله أوضح له: إنه مالك بحيث إذا احتاجه أخ لك في الدين، فأنا أقترضه منك، ولم يقل: "أسترده". فسبحانه القائل: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 245]. لقد احترم الحق الهبة للإنسان، واحترم عرقه وسعيه، وكأنه سبحانه حينما وهب البشر الحياة، ووهبهم الأنفس أعلن أنها ملكهم حقّاً، ولكنه أعطاها لهم، وحين يريد أخذها منكم فلا يقول: إنه يستردها بل هو يشتريها منكم بثمن؛ ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "حديث : إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله هي الجنة ". تفسير : أي: اجعلوا ثمنها غالياً. {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ}. وكلمة {ٱشْتَرَىٰ} تدل على أن هناك صفقة، عملية شراء وبيع. وإذا كان هذا ملكاً لله، فالله هو المشتري، والله هو البائع، فلابد أن لهذا الأمر رمزية، وهذه الرمزية يلحظها الإنسان في الولي على اليتيم أو السفيه، فقد يصح أن يكون عندي شيء وأنا ولي على يتيم، فأشتري هذا الشيء بصفتي، ثم أبيعه بصفتي الأخرى، فالشخص الواحد يكون هو الشاري وهو البائع، فكأن الله يضرب لنا بهذا المثل: "إنكم بدون منهج الله سفهاء، فدعوا الله يبيع ودعوا الله يشتري". وما الثمن؟ يأتي التحديد من الحق: {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} هذا هو الثمن الذي لا يفنى، ولا يبلى، ونعيمك فيها على قدر إمكانيات الله التي لا نهاية لها، أما نعيمك في حياتك فهو على قدر إمكانياتك أنت في أسباب الله، وهكذا يكون الثمن غالياً. حديث : وحينما جاء الأنصار في بيعة العقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال له عبدالله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم" ". تفسير : قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ ماذا قال رسول الله؟ أقال لهم ستفتحون قصور بُصْرى والشام وتصيرون ملوكاً، وينفتح لكم المشرق والمغرب؟ لم يقل صلى الله عليه وسلم شيئاً من هذا، بل قال: "الجنة"؛ لأن كل شيء في الدنيا تافه بالنسبة لهذا الثمن، قالوا: "ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل" وبمجرد عقد الصفقة العهدية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الأنصار، كان من الممكن أن يموت واحد أو اثنان أو ثلاثة قبل أن يبلغ الإسلام حظه وذروته، وقد يقال: فلان مات ولم يأخذ شيئاً من ماديات الحياة. لكنه صلى الله عليه وسلم حين قال: "الجنة"، فمن مات يدخلها. {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} هذا هو الثمن، وهو وعد بشيء يأتي من بعد، ولكنه وعد ممن يملك إنفاذه؛ لأن الذي يقدح في وعود الناس للناس، أنك قد تعدُ بشيء ولكن تظل حياتك ولا تفي به، أو أن تقل إمكاناتك عن التنفيذ. إذن: الوعد الحق هو ممن يملك ويقدر، وحيّ لا يموت، لذلك يقول في هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} ويقول في آخرها: {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} و "وَعْد" مصدر، فأين الفعل، إننا نفهمها: أي وعدهم الله بالجنة وعداً منه سبحانه وهو الذي يملك وهو وعد حق. والقرآن حين يأتي بقضية كونية، فالمؤمن يستقبلها بأنها سوف تحدث حتماً، فإذا ما جاء زمنها وحدثت صارت حقّاً ثابتاً، مثلما يقول سبحانه: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 173]. هذه قضية قرآنية، حدثت من قبل وثبتت في الكون. وماذا بعد أن اشترى الله من المؤمنين أموالهم وأنفسهم؟ هنا يحدد الحق المهمة أمامهم: {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} و"قَاتَل"، من "فَاعَلَ"، و"قَتَلَ" غير "قَاتَلَ". فالقتل عمل من جهة واحدة، لكن "قَاتَلَ" تقتضي مفاعلة، مثلها مثل "شَارَكَ زيدٌ عَمْراً". وكل مادة "فاعَلَ" و"تفاعَلَ" توضح لنا الشركة في الأمر، فكل واحد منهم فاعل، وكل واحد منهم مفعول. ولذلك تجد في أساليب العرب ما يدلك على أن ملحظ الفاعلية في واحد هو الغالب، وملحظ المفعولية في الآخر هو الغالب، ولكن على التحقيق فإن كل واحد منهم فاعل من جهة، ومفعول من الجهة الأخرى. فمثلاً: الرجل الذي سار في الصحراء التي فيها حيّات وثعابين، ولم يُهِج الرجل أثناء سيره الحيّات ولا الثعابين، بل تجنبها، والثعبان ما دُمْت لا تهيجه فهو لا يفرز سمّاً؛ لأن سمّ الثعبان لا يفرز إلا دفاعاً. وساعة يرى الثعبان أنك ستواجهه يستعمل سُمَّه، فإذا كان الرجل سائراً وله قدرة المحافظة على عدم إهاجة الثعابين ولا الحيات، فهو قد "سالمها"، والشاعر يقول: شعر : قد سَالَمَ الحيَّاتُ منه القَدَما والأفْعُوان والشُّجَاعَ الشَّجْعَما تفسير : والأفعوان هو الثعبان الفظيع، ونلحظ أن "الأفعوان" منصوب، وأن "الحياتُ" مرفوعة، إذن: فالقدم مفعول، والحيات فاعل وجاء بالقدم منصوبة، وكذلك الشجعم لما في الحيات من المفعولية؛ لأن الحيّات إذا سالمت القدمَ فقد سالمها القدمُ، فكأنه قال: سالم القدمُ الحيّاتِ، ثم جعل الأفعوان بدلاً منها. وهنا يقول الحق: {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ} فمن يقاتل: إما أن يَقْتل وإما أن يُقْتَل، وفي قراءة الحسن يقدم الثانية على الأولى، ويقول: "فيُقْتَلُون ويَقْتُلوُنَ"؛ فالمسألة صفقة بمقتضى قوله: {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} لذلك يُقدم قتلهم، وهو الأقرب لمعنى الصفقة. وأيضاً فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً؛ وإذا ما جاء المؤمنون في جانب؛ والكفار في جانب آخر فالمؤمنون بنيان، والحق هو القائل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} تفسير : [الصف: 4]. فإذا ما سبق قوم من المؤمنين بأن يُقْتَلوا، فكأن الكل قُتل. إذن: فحين قتل بعض المؤمنين، يمكننا أن نقرأ قول الحق على قراءة الحسن ونقول: "فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ". أو: أنهم حينما دخلوا إلى القتال وضعوا في أنفسهم أن يقتلوا، ولم يغلبوا جانب السلامة. وكلنا نعرف قصة الصحابي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس بيني وبين الجنة إلا أن ألقى هؤلاء فيقتلوني؟ قال له: "نعم" فأخرج الصحابي تمرة كانت في فمه، ودخل إلى القتال وكأنه يستعجل الجنة. {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ}، وهذا تأكيد بأن لهم الجنة، وهو وعد من الحق في التوراة والإنجيل والقرآن لمن يدخلون المعارك دفاعاً عن الإيمان. وكل دين في وقته له مؤمنون به، ويدخلون المعارك دفاعاً عنه. إذن: فالقتال في سبيل نصرة الدين والدفاع عنه ليس مسألة مقصورة على المسلمين، لكنها لم تكن عامة عند الرسل، فقد كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتدخل لعقاب أهل الكفر، وكان الرسول يبلِّغ، فإذا لم يستجِبْ له قومه؛ عاقبهم الله سبحانه، والقرآن يقول: {أية : فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ...} تفسير : [العنكبوت: 40]. ولم تَأْتِ مسألة القتال في سبيل الله إلا عندما طلب اليهود من بعد سيدنا موسى عليه السلام أن يقاتلوا في سبيل الله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}تفسير : [البقرة: 246]. إذن: فهذا وعد من الله في التوراة للذين آمنوا بموسى عليه السلام، وطالبوا بالقتال في سبيل الله، وكذلك في الإنجيل للذين آمنوا بعيسى عليه السلام، وأخيراً في القرآن للذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. أو: أن هذا الوعد خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنها الأمة المأمونة للدفاع عن كلمة الله بالمجهود البشري. وبهذا يكون الوعد في التوراة والإنجيل والقرآن هو وعد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكأن التوراة قد بُشِّر فيها بهذا للمسلمين المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإنجيل قد بُشِّر فيه بهذا الوعد للأمة المسلمة. والدليل على ذلك هو قول الحق سبحانه في آخر سورة الفتح: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ...} تفسير : [الفتح: 29]. إذن: فالدين لا يطبع المتدين لا على الشدة ولا على الرحمة، إنما يطبعه انطباعاً يصلح لموقف الشدة فيكون شديداً، ولموقف الرحمة فيكون رحيماً. ولو أنه مطبوع على الشدة لكان شديداً طوال الوقت، ولو طُبع على الرحمة فقط لكان رحيماً كل الوقت، ولكن شاء الحق أن يطبع المؤمنين ليكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم؛ ولذلك فالدين لا يطبع الناس على ذلة ولا على عزة، إنما يجعلهم أذلة على المؤمنين، وأعزة على الكفار. وبذلك يُطوِّع المؤمن نفسه، فهو شديد ورحيم، عزيز وذليل، فهو طوع للمنهج، فحين يتطلب منه منهج الله أن يكون شديداً يشتد، وحين يتطلب منهج الله منه أن يكون رحيماً يرحم، وحين يتطلب الله من أن يكون ذليلاً بالنسبة لإخوانه المؤمنين يذل، وحين يتطلب الله منه أن يكون عزيزاً على الكافرين يعز. {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ...} تفسير : [الفتح: 29]. وتتابع صفات المؤمنين في قوله سبحانه: {أية : تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ...} تفسير : [الفتح: 29]. وهم في ركوعهم وسجودهم إنما يعبرون عن قيم الولاء لله. ثم يصفهم سبحانه: {أية : يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ...} تفسير : [الفتح: 29]. وهم لا يريدون إلا رضاء الله وفضله، والنور يشع من وجوههم؛ لأنهم أهل للقيم، ويضيف سبحانه: {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ...} تفسير : [الفتح: 29]. أي: أن التوراة جاءت فيها البشارة بأن محمداً سيجيء بأمة فيها الخصال الإيمانية والقيمية التي لا توجد في اليهود، هؤلاء الذين تغلب عليهم المادية ولا ترتقي أرواحهم بالقيم الدينية، فأنت إن نظرت إلى التوراة المحرفة فلن تجد فيها أي شيء عن اليوم الآخر، بل كلها أمور مادية. أما في الإنجيل فقد جاءت المسيحية بالرهبنة، والماديات فيها ضعيفة؛ ولذلك جاء القرآن منهجاً متكاملاً تنتظم به الحياة، قيماً حارسة، ومادة محروسة؛ فالعالم يفسد حين تأتي المادة فتطغى وتنحسر القيم، أو حين توجد قيم ليس لها قوة مادية تدافع عنها، فيأبى القوي الظالم إلا أن يطغى بقوته المادية على القيم الروحية فيكون الخلل في البناء الاجتماعي. إذن: فنحن في حاجة دائمة إلى قيم تحرسها مادة، ومادة تحرسها قيم. وأخبر الله قوم موسى: أنتم لا تملكون القيم المعنوية، وتعتزون بالقيم المادية، لذلك ستأتي أمة محمد وهي تملك قيم الروح والمادة، فهم رُكَّع، سُجَّد، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود. وأبلغ سبحانه قوم عيسى عليه السلام أنه سيأتي في أمة محمد بمنهج يعطيهم ما فقدتموه من المادة؛ بسبب أنكم انعزلتم عن الحياة وابتدعتم رهبنة ما كتبها الله عليكم، بينما نحن نريد حركة في الحياة. {أية : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ...} تفسير : [الفتح: 29]. ومن حق المسلمين أن يقولوا: أيها الكافرون ليست لكم مادة تطغون بها علينا؛ لأن الإسلام يريد من حركة حياتنا على ضوء منهجه في الأرض أن تتوازن المادة مع القيم؛ لأن القيم هي التي تحرس الحضارة، والمادة إنما تحرس القيم، وحين يمتلك المسلمون القوة المادية فسيرتدع أي إنسان عن أن يطمع في فتنة المسلمين في دينهم؛ ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ...} تفسير : [الأنفال: 60]. فالكفار إذا رأوك قد أعددْتَ لهم يتهيبون. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق: {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} وما دام الحق قد أعطى الوعد، فلن يوجد من هو أوفى منه؛ لذلك يقول: {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} وبذلك يطمئننا سبحانه على أن وعده محقق؛ لأن العهد ارتباط بين مُعَاهَد ومُعَاهِد، والذي يخرج عن هذا الارتباط أمران: الأول: ألا يكون صادقاً حين أعطى عهداً، بل كان في نيته ألا يوفي، ولكنه أقام العهد خديعة حتى يستنيم له المعَاهَد. والأمر الثاني: أن يكون قد أعطى وعداً بما لا يستطيع تنفيذه، فهو كاذب. والله لا يليق به لا الكذب ولا الخديعة؛ فسبحانه مُنزَّه عن كل ذلك، ولا أحد أوْفَى بالعهد من الله. فقد يُطعن في العهد والوفاء به عدم القدرة، لكن قدرة الحق مستوفية. إذن: فالعهد الحقيقي إنما يؤخذ من الله، وقد جاء الحق بهذه القضية بشكل استفهامي {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ}؟ فالإجابة: لا أحد؛ لأن الذي يقدح في مسألة العهد الخُلف والكذب وغير ذلك. والله سبحانه مُنزَّه عن الكذب والخديعة؛ لأن الخديعة لا تأتي إلا من ماكر، وإذا سمع أي إنسان {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} ثم أدار فكره في الكون ليبحث عن جواب، فلا يجد إلا أن يقول: "الله"، ولا أحد أوفى من الله بالعهد. وما دام الوعد بالجنة، فالجنة لا يملكها إلا هو سبحانه ووعده حق، وكلها تأكيدات بأن المسألة واقعة وحادثة. ولهذا يقول سبحانه: {أية : فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 111]. فالنتيجة لهذه المسألة كلها من شراء الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ثم وعده الحق المبيَّن في التوراة والإنجيل والقرآن، وكلها شهادات مسجلة هي الاستبشار بما باعه المؤمن لله. فالإنسان - ولله المثل الأعلى - لا يسجل إلا ما يكون في صالح قضيته، ولا يسجل للخصم، فعندما يكون عندك صَكٌّ على فلان، فأنت الذي تحتفظ به وتحرص عليه؛ لأنه يؤيد حقك. والحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. والقرآن هو الحجة الكاملة الشاملة في كل أمور الدنيا والآخرة، ومن فَرْط صدق القرآن أن البشر قد يصلون إلى قضية كونية ما، ومن بعد ذلك تُخَالَف، وحين تعود إلى القرآن تجد أن كلام القرآن هو الذي صدق، وقد حفظ الحق سبحانه القرآن لأن قضايا الكون الذي خلقه الله لا يمكن أن تخرج عن قضايا القرآن؛ لأن منزل القرآن وخالق الكون واحد، فلا شيء يصادمه. {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} قوله الحق: {فَٱسْتَبْشِرُواْ} مأخوذ من "البشرة"، وهي الجلد عامة، وإن كان الظاهر منه هو الوجه. وحين يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} فقد يفهم أحد أن النفس سوف تضيع، وأن الأموال سوف تنفق، وهذا قد يُقبِضُ النفس فهذا فيه الموت، وخسارة للمال، وكان من الطبيعي أن يشحب وجه الإنسان ويفزع ويخاف. ولكن ساعة يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ} تجد بشرة المؤمن تطفح بالسرور. والبشر، ويحدث له تهلل وإشراق، مع أنه هنا سيأخذ نفسه، ولكن المؤمن يعرف أنه سبحانه سيأخذ نفسه ليعطيه الحياة الخالدة. إذن: قضايا الإيمان كلها هكذا لا يجب أن تصيبنا بالخوف، بل علينا أن نستقبلها بالاستبشار، ولذلك يقول الحق: {فَٱسْتَبْشِرُواْ} أي: فليظهر أثر ذلك على بشرتكم إشراقاً وسروراً وانبساطاً. {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ} وهل يستبشر الإنسان بالبيع؟ نعم؛ لأن الإنسان لا يبيع إلا ما يستغني عنه عادة، ويشتري ما يحتاج إليه، فهنا الاستبشار بالبيع وليس بالشراء، فالمؤمن هنا يبيع فانياً بباق. {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وأنت إذا ما نظرت إلى الذين يخالفون العهد الذي أخذ عليهم، تجد الواحد منهم يحتاج للمخالفة لأن وفاءه يتعبه. لكن الحق سبحانه ليس في حاجة لأحد وهو غني عن الجميع، ولا يوجد أدنى مبرر لخُلْف الوعد أبداً. وتأتي {وَذَلِكَ} إشارة إلى الصفقة التي انعقدت بينكم وبين ربكم. {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} والفوز هو بلوغ الغاية المأمولة في عرف العقل الواعي، كما تقول لابنك: "ذاكر لتفوز بالنجاح" وتقول للتاجر: "اجتهد في عملك بإخلاص لتفوز بالربح". إذن: فهناك "فوز"، وهناك "فوز عظيم" والفوز في الدنيا أن يتمتع الإنسان بالصحة والمال وراحة البال. وهناك فوز أعظم من هذا؛ أن تضمن أن النعمة التي تفوز بها لا تفارقك ولا أنت تفارقها، فيكون هذا هو الفوز الذي لا فوز أعظم منه. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال المنافقين، المتخلفين عن الجهاد، المثبطين عنه، ذكر صفات المؤمنين المجاهدين، الذين باعوا أنفسهم لله.. ثم ذكر قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتوبة الله عليهم، وختم السورة بتذكير المؤمنين بالنعمة العظمى، ببعثة السراج المنير، النبي العربي، الذي أرسله الله رحمة للعالمين. اللغَة: {أَوَّاهٌ} كثير التأوه ومعناه الخاشع المتضرع، يقال: تأوه الرجل تأوهاً إِذا توجع قال الشاعر: شعر : إِذا ما قمت أُرحلها بليلٍ تأوه آهة الرجل الحزين تفسير : {حَلِيمٌ} الحليم: الكثير الحلم وهو الذي يصفح عن الذنب ويصبر على الأذى {ٱلْعُسْرَةِ} الشدة وصعوبة الأمر وتسمى غزوة تبوك "غزوة العسرة" لما فيها من المشقة والشدة {يَزِيغُ} الزيغ: الميل: يقال زاغ قلبه إِذا مال عن الهدى والإِيمان {ظَمَأٌ} الظمأ: شدة العطش {نَصَبٌ} النصب: الإِعياء والتعب {مَخْمَصَةٌ} مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن {يَنَالُونَ} يصيبون، نال الشيء إِذا أدركه وأصابه {غِلْظَةً} شدة وقوة وحمية {عَزِيزٌ} صعب وشاق {عَنِتُّمْ} العنت: الشدة والمشقة. سَبَبُ النّزول: أ - حديث : لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة - وكانوا سبعين رجلاً - قال عبد الله بن رواحة يا رسول الله: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قالوا: فإِذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ..} تفسير : الآية. ب - حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال: أي عم قل "لا إِله إِلا الله" كلمة أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وابن أبي أُمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول "لا إِله إِلا الله" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ..}تفسير : ونزلت {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. التفسِير: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ} أي اشترى أموال المؤمنين وأنفسهم بالجنة وهو تمثيل في ذروة البلاغة والبيان لأجر المجاهدين، مَثَّل تعالى جزاءهم بالجنة على بذلهم الأموال والأنفس في سبيله بصورة عقد فيه بيع وشراء قال الحسن: بايعهم فأغلى لهم الثمن وانظروا إِلى كرم الله، أنفساً هو خلقها، وأموالاً هو رزقها، ثم وهبها لهم، ثم اشتراها منهم بهذا الثمن الغالي فإِنها لصفقة رابحة وقال بعضهم: ناهيك عن بيعٍ البائعُ فيه المؤمن، والمشتري فيه رب العزة والثمن فيه الجنة، والصك فيه الكتب السماوية، والواسطة فيه محمد عليه الصلاة والسلام {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي يجاهدون لإِعزاز دين الله وإِعلاء كلمته {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} أي في حالتي الظفر بالأعداء بقتلهم، أو الاستشهاد في المعركة بموتهم {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} أي وعدهم به المولى وعداً قاطعاً {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} أي وعداً مثبتاً في الكتب المقدسة "التوراة، والإِنجيل، والقرآن" {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} الاستفهام إِنكاري بمعنى النفي أي لا أحد أوفى من الله جل وعلا قال الزمخشري: لأن إِخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكرام من الخلق، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه القبيح؟ ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} أي أبشروا بذلك البيع الرابح وافرحوا به غاية الفرح {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} هو الفوز الذي لا فوز أعظم منه {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ} كلام مستأنف قال الزجاج: مبتدأ خبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً وإِن لم يجاهدوا كقوله {أية : وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [النساء: 95] والمعنى التائبون عن المعاصي، العابدون أي المخلصون في العبادة، الحامدون لله في السراء والضراء {ٱلسَّائِحُونَ} أي السائرون في الأرض للغزو أو طلب العلم، من السياحة وهي السير والذهاب في المدن والقفار للعظة والاعتبار {ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ} أي المصلون {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} أي الداعون إِلى الله، يدعون الناس إِلى الرشد والهدى، وينهونهم عن الفساد والردى {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} أي المحافظون على فرائض الله، المتمسكون بما شرع الله من حلال وحرام قال الطبري: أي المؤدون فرائض الله، المنتهون إِلى أمره ونهيه {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بشرهم بجنات النعيم، وحذف المبشر به إِشارة إِلى أنه لا يدخل تحت حصر، بل لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} أي لا ينبغي ولا يصح للنبي والمؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة للمشركين {وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} أي ولو كان المشركون أقرباء لهم {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أي من بعد ما وضح لهم أنهم من أهل الجحيم لموتهم على الكفر، والآية نزلت في أبي طالب {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} هذا بيان للسبب الذي حمل إِبراهيم على الاستغفار لأبيه آزر أي ما أقدم إِبراهيم على الاستغفار {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} أي إِلا من أجل وعدٍ تقدم له بقوله {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} تفسير : [مريم: 47] وأنه كان قبل أن يتحقق إِصراره على الشرك {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} أي فلما تبين لإِبراهيم أن أباه مصرّ على الكفر ومستمر على الكفر، تبرأ من أبيه بالكلية فضلاً عن الاستغفار له، ثم بيّن تعالى بأن الذي حمل إِبراهيم على الاستغفار هو فرط ترحمه وصبره على أبيه فقال {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ} أي كثير التأوه من فرط الرحمة ورقة القلب {حَلِيمٌ} أي صبور على ما يعترضه من الأذى ولذلك حلم عن أبيه مع توعده له بقوله {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ} تفسير : [مريم: 46] فليس لغيره أن يتأسى به في ذلك قال أبو حيان: ولما كان استغفار إِبراهيم لأبيه بصدد أن يُقتدى به بيّن تعالى العلة في استغفار إِبراهيم لأبيه، وهو الوعد الذي كان وعده به، فكان يرجو إِيمانه فلما تبيّن له من جهة الوحي أنه عدو لله، وأنه يموت كافراً، وانقطع رجاؤه منه تبرأ منه وقطع استغفاره {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} نزلت الآية في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين، فخافوا على أنفسهم من ذلك فنزلت الآية تأنيساً لهم أي ما كان الله ليقضي على قوم بالضلال {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} أي بعد أن وفقهم للإِيمان {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} أي حتى يبين لهم ما يجتنبونه فإِن خالفوا بعد النهي استحقوا العقوبة {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي عليم بجميع الأشياء ومنها أنه يعلم من يستحق الهداية، ومن يستحق الإِضلال {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي له سلطان السماوات والأرض وملكهما، وكل من فيهما عبيده ومماليكه {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي بيده وحده حياتهم وموتهم {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ما لكم أيها الناس من أحد غير الله تلجأون إِليه أو تعتمدون عليه قال الألوسي: لما منعهم سبحانه عن الاستغفار للمشركين وإِن كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري عنهم، بيّن لهم أن الله سبحانه مالك كل موجود، ومتولي أمره، والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إِلا منه تعالى، ليتوجهوا إِليه بكليتهم، متبرئين عما سواه، غير قاصدين إِلا إِياه {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} أي تاب الله على النبي من إِذنه للمنافقين في التخلف، وتاب على المهاجرين والأنصار لما حصل منهم من بعض الهفوات في غزوة تبوك، حيث تباطأ بعضهم، وتثاقل عن الجهاد آخرون، والغرض التوبة على من تخلفوا من المؤمنين عن غزوة تبوك ثم تابوا وأنابوا، وعلم الله صدق توبتهم فقبلها منهم، وصدّرها بتوبته على رسوله وكبار صحبه جبراً لقلوبهم، وتنويهاً لشأنهم، وبعثاً للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إِلا وهو محتاج إِلى التوبة والاستغفار، حتى النبي والمهاجرون والأنصار {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي اتبعوه في غزوة تبوك وقت العسرة في شدة الحر، وقلة الزاد، والضيق الشديد روى الطبري عن عمر رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى تبوك في قيظٍ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إِن الرجل لينحر البعير فيعصر فرثه فيشربه، فقال أبو بكر يا رسول الله: إِن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا، قال: تحب ذلك؟ قال: نعم فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سكبت السماء فملأوا ما معهم، فرجعنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} أي من بعد ما كادت قلوب بعضهم تميل عن الحق وترتاب، لما نالهم من المشقة والشدة {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أي وفقهم للثبات على الحق وتاب عليهم لما ندموا {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي لطيف رحيم بالمؤمنين {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} أي وتاب كذلك على الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو، وهم "كعب، وهلال، ومرارة" {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي ضاقت عليهم مع سعتها {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} أي ضاقت نفوسهم بما اعتراها من الغم والهم، بحيث لا يسعها أنس ولا سرور، وذلك بسبب حديث : أن الرسول عليه السلام دعا لمقاطعتهم، فكان أحدهم يفشي السلام لأقرب أقربائه فلا يرد عليه، وهجرتهم نساؤهم وأهلوهم وأهملوهم حتى تاب الله عليهم تفسير : {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} أي وأيقنوا أنه لا معتصم لهم من الله ومن عذابه، إِلا بالرجوع والإِنابة إِليه سبحانه {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} أي رجع عليهم بالقبول والرحمة، ليستقيموا على التوبة ويدوموا عليها {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي المبالغ في قبول التوبة وإِن كثرت الجنايات وعظمت، المتفضل على العباد بالرحمة الشاملة {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} أي راقبوا الله في جميع أقوالكم وأفعالكم، وكونوا مع أهل الصدق واليقين، الذين صدقوا في الدين نية وقولاً وعملاً {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} عتاب لمن تخلف عن غزوة تبوك أي ما صح ولا استقام لأهل المدينة ومن حولهم من سكان البوادي أن يتخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي لا يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا لها المكاره ولا يكرهوها له عليه السلام، بل عليهم أن يفدوه بالمُهَج والأرواح، وأن يكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والخطوب قال الزمخشري: أُمروا بأن يصحبوه على البأساء والضراء، وأن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه، علماً بأنها أعز نفس على الله وأكرمها عليه، لا أن يضنوا بأنفسهم على ما سمح بنفسه عليه، وهذا نهي بليغ، وتهييج لمتابعته عليه السلام {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي ذلك النهي عن التخلف بسبب أنهم لا يصيبهم عطش {وَلاَ نَصَبٌ} أي ولا تعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي ولا مجاعة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في طريق الجهاد {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً} أي ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأرجلهم أو حوافر خيولهم {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} أي يغضب الكفار وطؤها {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} أي ولا يصيبون أعداءهم بشيء بقتل أو أسرٍ أو هزيمة قليلاً كان أو كثيراً {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} أي إِلا كان ذلك قربة لهم عند الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي لا يضيع أجر من أحسن عملاً {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} قال ابن عباس: تمرة فما فوقها {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} أي ولا يجتازون للجهاد في سيرهم أرضاً ذهاباً أو إِياباً {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} أي أثبت لهم أجر ذلك {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ليجزيهم على كل عمل لهم جزاء أحسن أعمالهم قال الألوسي: على معنى أن لأعمالهم جزاءً حسناً وجزاء أحسن، وهو سبحانه اختار لهم أحسن جزاء {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} أي لا ينبغي خروج جميع المؤمنين للغزو بحيث تخلو منهم البلاد، روي عن ابن عباس انه تعالى لما شدد على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيشٍ أو سرية أبداً، فلما قدم الرسول المدينة وأرسل السرايا إِلى الكفار، نفر المسلمون جميعاً إِلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة فنزلت هذه الآية {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} أي فإِذا لم يمكن نفير الجميع ولم يكن فيه مصلحة فهلا نفر من كل جماعة كثيرة فئة قليلة {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} أي ليصبحوا فقهاء ويتكلفوا المشاق في طلب العلم {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي وليخوفوا قومهم ويرشدوهم إِذا رجعوا إِليهم من الغزو، لعلهم يخافون عقاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه قال الألوسي: وكان الظاهر أن يقال (ليعلِّموا) بدل {لِيُنذِرُواْ} و (يفقهون) بدل {يَحْذَرُونَ} لكنه اختير ما في النظم الجليل للإِشارة الى أنه ينبغي أن يكون غرض المعلم: الإِرشاد والإِنذار، وغرض المتعلم: اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} أي قاتلوا القريبين منكم وطهروا ما حولكم من رجس المشركين ثم انتقلوا الى غيرهم، والغرض إِرشادهم إِلى الطريق الأصوب والأصلح، وهو أن يبتدئوا من الأقرب فالأقرب حتى يصلوا الى الأبعد فالأبعد {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي وليجد هؤلاء الكفار منكم شدة عليهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي واعلموا أن من اتقى الله كان الله معه بالنصر والعون {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي من سور القرآن {فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} أي فمن هؤلاء المنافقين من يقول استهزاء: أيكم زادته هذه إِيماناً؟ على وجه الاستخفاف بالقرآن كأنهم يقولون: أي عجب في هذا وأي دليل في هذا؟ يقول تعالى {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي فأما المؤمنون فزادتهم تصديقاً وذلك لما يتجدد عندهم من البراهين والأدلة عند نزول كل سورة {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي وهم يفرحون لنزولها لأنه كلما نزل شيء من القرآن ازدادوا إِيماناً {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي وأما المنافقون الذين في قلوبهم نفاق وشك في دين الله {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} أي زادتهم نفاقاً إِلى نفاقهم وكفراً إِلى كفرهم، فازدادوا رجساً وضلالاً فوق ما هم فيه من الرجس والضلال {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} أي ماتوا على الكفر {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} الهمزة للإِنكار والتوبيخ أي أوَلا يرى هؤلاء المنافقون الذين تُفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين حين ينزل فيهم الوحي؟ {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي ثم لا يرجعون عما هم فيه من النفاق ولا يعتبرون {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} أي وإِذا أنزلت سورة من القرآن فيها عيب المنافقين وهم في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم نظر بعضهم لبعض هل يراكم أحد من المسلمين لننصرف، فإِنا لا نصبر على استماعه وهو يفضحنا ثم قاموا فانصرفوا {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} جملة دعائية أي صرفها عن الهدى والإِيمان {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي لأجل أنهم لا يفهمون الحق ولا يتدبرون فهم حمقى غافلون {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي لقد جاءكم أيها القوم رسول عظيم القدر، من جنسكم عربي قرشي، يُبلغكم رسالة الله {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يشق عليه عنتكم وهو المشقة ولقاء المكروه {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي حريص على هدايتكم {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي رءوف بالمؤمنين رحيم بالمذنبين، شديد الشفقة والرحمة عليهم قال ابن عباس: سماه باسمين من أسمائه {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} أي فإِن أعرضوا عن الإِيمان بك يا محمد فقل يكفيني ربي {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود سواه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي عليه اعتمدت فلا أرجو ولا أخاف أحداً غيره {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي هو سبحانه رب العرش المحيط بكل شيء، لكونه أعظم الأشياء؛ الذي لا يعلم مقدار عظمته إِلا الله تعالى. البَلاَغَة: 1- {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ} استعارة تبعية شبه بذلهم الأموال والأنفس وإِثابتهم عليها بالجنة بالبيع والشراء. 2- {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} فيه جناس ناقص لاختلافهما في الشكل وهو من المحسنات البديعية. 3- {ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ} يعني المصلون فيه مجاز مرسل من إِطلاق الجزء وإِرادة الكل، وخص الركوع والسجود بالذكر لشرفهما (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). 4- {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الإِظهار في مقام الإِضمار للاعتناء بهم وتكريمهم. 5- {مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ} بينهما جناس الاشتقاق. 6- {لِيُضِلَّ.. إِذْ هَدَاهُمْ} بينهما طباق وكذلك بين {يُحْيِـي.. وَيُمِيتُ} وكذلك {ضَاقَتْ.. ورَحُبَتْ}. 7- {ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} من صيغ المبالغة. 8- {يَطَأُونَ مَوْطِئاً} جناس الاشتقاق وكذلك {يَنَالُونَ نَّيْلاً}. 9- {صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} طباق. 10- {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} قال في تلخيص البيان: السورة لا تزيد الأرجاس رجساً، ولا القلوب مرضاً، بل هي شفاء للصدور وجلاء للقلوب، ولكن المنافقين لما ازدادوا عند نزولها عمىً، حسن أن يضاف ذلك إلى السورة على طريق الاستعارة. تنبيه: حديث : روي أن أبا خيثمة الأنصاري رضي الله عنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحر والريح! ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه فإِذا براكب وراء السراب، فقال: كن أبا خيثمة! فكان ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له .
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} الآية، نزلت في البيعة الثانية وهي بيعة العقبة الكبرى، وهي التي أناف فيها رجال الأنصار على السبعين وكان أصغرهم سناً عقبة بن عمرو حديث : وذلك أنهم اجتمعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقالوا: اشترط لك ولربك والمتكلم بذلك عبد الله بن رواحة فاشترط رسول الله حمايته مما يحمون منه أنفسهم. واشترط لربه التزام الشريعة وقتل الأحمر والأسود في الرفع عن الحوزة فقالوا: ما لنا على ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: الجنة. فقالوا: نِعْم ربح البيع لا نقيل ولا نقائلتفسير : . وفي بعض الروايات: ولا نستقبل. فنزلت. والآية عامة في كل من جاهد في سبيل الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة. والظاهر من قوله في التوراة والإِنجيل والقرآن أن كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه بالجنة، فيكون في التوراة متعلقاً بقوله: اشترى. والأمر بالجهاد والقتال موجود في جميع الشرائع. {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} هذا استفهام على جهة التقرير أي لا أحد أوفى ولما أكد الوعد بقوله: حقاً أبرزه في صورة العهد الذي هو آكد وأوثق من الوعد إذ الوعد في غير حق الله تعالى جائزاً خلافه والعهد لا يجوز إلا الوفاء به إذ هو آكد من الوعد، قال الزمخشري: ومن أوفى بعهده من الله لان اخلاف الميعاد قبيح لا يقدم عليه الكرام في الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم، فكيف بالغني الذي لا يجوز عليه قبيح قط. ولا ترى ترغيباً في الجهاد أحسن منه وأبلغ انتهى. وفيه دسيسة الاعتزال واستعمال قط في غير موضعه لأنه أتى به مع قوله: لا يجوز عليه قبيح قط. وقط: ظرف ماض فلا يعمل فيه إلا الماضي. ثم قال: {فَٱسْتَبْشِرُواْ} خاطبهم على سبيل الالتفات لأن في مواجهته تعالى بالخطاب تشريفاً لهم وهي حكمة الإِلتفات هنا. وليست استفعل هنا للطلب بل هي بمعنى أفعل كاستوقد وأوقد. و{ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} وصف على سبيل التوكيد ويحيل على البيع السابق. ثم قال: {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي الظفر للحصول على الربح التام، والغبطة في البيع لحط الذنب ودخول الجنة. {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} الآية: قال ابن عباس: لما نزلت ان الله اشترى، الآية، قال رجل: يا رسول الله وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر؟ فنزلت: التائبون.. الآية. وهذه أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله ليستبق إلى التحلي بها عباده وليكونوا على أوفى درجات الكمال، التائبون قيل: هو مبتدأ خبره العابدون، وما بعده خبر بعد خبر أي التائبون في الحقيقة الجامعون لهذه الأوصاف. وقيل: خبره الآمرون. وقيل: خبره محذوف بعد تمام الأوصاف وتقديره من أهل الجنة، وترتيب هذه الصفات في غاية من الحسن إذ بدأ أولاً بما يخص الإِنسان مرتبة على ما ينبغي، ثم بما يتعدى من هذه الأوصاف من الإِنسان لغيره وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بما يشمل ما يخصه في نفسه وما يتعدى إلى غيره وهو الحفظ لحدود الله تعالى. ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف أمر رسوله عليه السلام بأن يبشر المؤمنين. وفي الآية قبلها: فاستبشروا، أمرهم بالاستبشار فحصلت لهم المزية التامة بأن الله أمرهم بالاستبشار وأمر رسوله أن يبشرهم. {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآية حديث : نزلت في شأن أبي طالب حين احتضر فوعظه، وقال: أي عمّ قل لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله، وكان بالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال له: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال أبو طالب: يا محمد لولا اني أخاف أن يعيّر بها ولدي من بعدى لأقررتُ بها عينك. ثم قال: أنا على ملة عبد المطلب ومات. فنزلت: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} فقال عليه السلام لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك فكان يتسغفر له حتى نزلت هذه فترك الاستغفار لأبي طالب . تفسير : {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} الآية، ولما كان استغفار إبراهيم لأبيه بصدد أن يقتدي به، ولذلك قال جماعة من المؤمنين: سنستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم لأبيه. بين العلة في استغفار إبراهيم لأبيه وذكر أنه حين اتضحت له عداوته لله تبرأ منه إبراهيم. والموعدة التي وعدها إبراهيم إياه هي قوله: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} تفسير : [مريم: 47]. وقوله: لأسغفرنَّ لك. والضمير الفاعل في وعدها عائد على إبراهيم وكان أبوه بقيد الحياة فكان يرجو إيمانه، فلما تبين له من جهة الوحي من الله أنه عدو لله وأنه يموت كافراً، وانقطع رجاؤه منه تبرأ منه، وقطع عنه استغفاره. ويدل على أن الفاعل في وعد ضمير يعود على إبراهيم قراءة الحسن وابن السميقع وأبي نهيك ومعاذ القارىء وحماد الراوية وعدها إياه. وقيل: الفاعل ضمير والد إبراهيم، وإياه ضمير إبراهيم وعده أبوه أنه سيؤمن وكان إبراهيم عليه السلام قد قوي طمعُهُ في إيمانه فحمله ذلك على الاستغفار له حتى نهي عنه. {لأَوَّاهٌ} الأواه الخاشع المتضرع. وقيل غير ذلك. قال الزمخشري: أواه فعال من أَوَهَ، كلأل من اللؤلؤ، وهو الذي يكثر التأوه، ومعناه أنه لفرط ترحمه ورأفته وحلمه كان يتعطف على أبيه الكافر إلى آخره. وتشبيهه أواه من أوه بلأل من اللؤلؤ ليس بجيد، لأن مادة أَوَهَ موجودة في صورة أواه، ومادة لؤلؤ مفقودة في لأل لاختلاف التركيب، إذ لأل ثلاثي ولؤلؤ رباعي وشرط الاشتقاق التوافق في الحروف الأصلية.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن أمارات أهل السعادة وعلامات أهل السعادة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} [التوبة: 111] الآيتين: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ} في التقدير الأزلي {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: أهل الإيمان والصدق، فإنهم جبلوا على استعداد هذه المبايعة لا من أهل الكفر والنفاق والكذب، فإنهم غير مستعدين لهذه المبايعة لأنفسهم وأموالهم، {بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ} [التوبة: 111] أي: يبذلون النفس والمال في الجهاد الأصغر مع الكفار. {يُقَاتِلُونَ} [التوبة: 111] يجادهون، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 111] أي: في طلب سبيل الله، وهو الجنة؛ أي: يبذلون النفس لأهل الجهاد الأصغر، {فَيَقْتُلُونَ} [التوبة: 111] يعني: يطلبون الجنة بصرف المال في مصالح الجهاد وبذل النفس، فأمَّا قتلهم الأعداء فيهم الغزاة فلهم الجنة، وأمَّا قتلهم الأعداء فهم الشهداء فلهم الجنة، والجهاد الأكبر مع النفوس المتمردة، {أية : يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [المائدة: 54] أي: في طلب الله وهو لأهل الجهاد الأكبر. {وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111] يعني: يقتلون النفس الأمارة بالسوء بسيف الصدق ومخالفة هواها وتبديل أخلاقها وبذل المال في مصالح قتلها والجهاد وبقتلها يصل البعد إلى ربه، {وَيُقْتَلُونَ} يعني: بقتل النفس بجذبات الألوهية وتجلي صفات الربوبية، وفيه إشارة أخرى أن الله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، واشترى من أوليائه الصديقين قلوبهم وأرواحهم بأن لهم الله تبارك وتعالى، فهؤلاء يبذلون القلوب والأرواح في طلب الله، كما أن المؤمنين يبذلون الأنس والأموال في طلب الجنة. {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} [التوبة: 111] يعني: الوعد لكلا الفريقين حق على الله تعالى إنجازه، {فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ} [التوبة: 111] أي: هذا الوعد حقيقته إنجازه ثابت في الكتب كلها، {وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ} [التوبة: 111] أي: لا يكون أحد وافياً بالعهد وفاء الله بعده؛ لأنه تعالى قادر على الوفاء وغيره عاجز عنه إلا بتوفيقه إياه. {فَٱسْتَبْشِرُواْ} [التوبة: 111] يعني: الفريقين، {بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة: 111] في طلب الجنة وطلب الله تعالى، {وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [التوبة: 111] أي: الفوز عن النفس والقلب والروح بالبذل في طلب الله فوز عظيم؛ لأنه يصل إلى الله العظيم. ثم ذكر أصناف الواصلين وأوصافهم في مراتب الوصول فقال تعالى: {ٱلتَّائِبُونَ} [التوبة: 112] وهو الراجعون إلى الله بكليتهم فزهدوا في الدنيا والآخرة وما فيها من اللذات والشهوات والدرجات النفسانية والروحانية فهم يرجعون به منهم إليه على قدم العبودية، كما قال تعالى: {ٱلتَّائِبُونَ}. {ٱلْعَابِدُونَ} [التوبة: 112] يعني: التائبون عن عبادة ما سوى الله وطلبه الراجعون إليه بعبادته وطاعته؛ لقوله تعالى: "حديث : ما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم ". تفسير : {ٱلْحَامِدُونَ} [التوبة: 112] يعني: حامدون الله على ما وفقهم لنعمة القالب، {ٱلسَّائِحُونَ} [التوبة: 112] أي: السائرون إلى الله بترك شغلهم عنهم. {ٱلرَّاكِعُونَ} [التوبة: 112] الخاضعون المنكسرون الراجعون عن مقام القيام بوجودهم إلى القيام بموجدهم. {ٱلسَّاجِدونَ} [التوبة: 112] اي: الساقطون عنهم على عتبة الوحدة بلا هم، {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} [التوبة: 112] أي: المأمورون بالرجوع إلى الخلق، القائمون بالله في الأمر بالمعروف، {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} [التوبة: 112] أي: لئلا يتجاوزوا عن الله وطلبه في طلب غيره، {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] أي: الطالبين بنيل ماطلبوا في الله بالسير في هذه المراتب العلية والمقامات السنية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى خبرا صدقا، ويعد وعدا حقا بمبايعة عظيمة، ومعاوضة جسيمة، وهو أنه { اشْتَرَى } بنفسه الكريمة { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } فهي المثمن والسلعة المبيعة. { بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } التي فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من أنواع اللذات والأفراح، والمسرات، والحور الحسان، والمنازل الأنيقات. وصفة العقد والمبايعة، بأن يبذلوا للّه نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه، لإعلاء كلمته وإظهار دينه فـ { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } فهذا العقد والمبايعة، قد صدرت من اللّه مؤكدة بأنواع التأكيدات. { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ } التي هي أشرف الكتب التي طرقت العالم، وأعلاها، وأكملها، وجاء بها أكمل الرسل أولو العزم، وكلها اتفقت على هذا الوعد الصادق. { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا } أيها المؤمنون القائمون بما وعدكم اللّه، { بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ } أي: لتفرحوا بذلك، وليبشر بعضكم بعضا، ويحث بعضكم بعضا. { وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } الذي لا فوز أكبر منه، ولا أجل، لأنه يتضمن السعادة الأبدية، والنعيم المقيم، والرضا من اللّه الذي هو أكبر من نعيم الجنات، وإذا أردت أن تعرف مقدار الصفقة، فانظر إلى المشتري من هو؟ وهو اللّه جل جلاله، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان. وإلى من جرى على يديه عقد هذا التبايع، وهو أشرف الرسل، وبأي كتاب رقم، وهي كتب اللّه الكبار المنزلة على أفضل الخلق.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):