٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
112
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أنه {ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } بين في هذه الآية أن أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة. وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في رفع قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰئِحُونَ } وجوه: الأول: أنه رفع على المدح، والتقدير: هم التائبون، يعني المؤمنين المذكورين في قوله: {ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ } هم التائبون. الثاني: قال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } مبتدأ، وخبره محذوف أي التائبون العابدون من أهل الجنة أيضاً، وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى: {وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } وهذا وجه حسن. لأن على هذا التقدير يكون الوعد بالجنة حاصلاً لجميع المؤمنين، وإذا جعلنا قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } تابعاً لأول الكلام كان الوعد بالجنة حاصلاً للمجاهدين. الثالث: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } مبتدأ أو رفع على البدل من الضمير في قوله: {يُقَـٰتَلُونَ } الرابع: قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } مبتدأ، وقوله: {ٱلْعَـٰبِدُونَ } إلى آخر الآية خبر بعد خبر، أي التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال. وقرأ أبي وعبد الله {التائبين} بالياء إلى قوله: {وَٱلْحَـٰفِظِينَ } وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ذلك نصباً على المدح. الثاني: أن يكون جراً، صفة للمؤمنين. المسألة الثانية: في تفسير هذه الصفات التسعة. فالصفة الأولى: قوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنه: التائبون من الشرك. وقال الحسن: التائبون من الشرك والنفاق. وقال الأصوليون: التائبون من كل معصية، وهذا أولى، لأن التوبة قد تكون توبة من الكفر، وقد تكون من المعصية. وقوله: {ٱلتَّـٰئِبُونَ } صيغة عموم محلاة بالألف واللام، فتتناول الكل فالتخصيص بالتوبة عن الكفر محض التحكم. واعلم أنا بالغنا في شرح حقيقة التوبة في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: { أية : فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } تفسير : [البقرة: 37]. واعلم أن التوبة إنما تحصل عند حصول أمور أربعة: أولها: احتراق القلب في الحال على صدور تلك المعصية عنه، وثانيها: ندمه على ما مضى، وثالثها: عزمه على الترك في المستقبل، ورابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته، فإن كان غرضه منها دفع مذمة الناس وتحصيل مدحهم أو سائر الأغراض، فهو ليس من التائبين. والصفة الثانية: قوله تعالى: {ٱلْعَـٰبِدُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم. وقال المتكلمون هم الذين أتوا بالعبادة، وهي عبارة عن الإتيان بفعل مشعر بتعظيم الله تعالى على أقصى الوجوه في التعظيم، ولابن عباس رضي الله عنهما: أن يقول إن معرفة الله والإقرار بوجوب طاعته عمل من أعمال القلب، وحصول الاسم في جانب الثبوت يكفي فيه حصول فرد من أفراد تلك الماهية. قال الحسن: {ٱلْعَـٰبِدُونَ } هم الذين عبدوا الله في السراء والضراء. وقال قتادة: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. الصفة الثالثة: قوله: {ٱلْحَـٰمِدُونَ } وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه ديناً ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وقد ذكرنا التسبيح والتهليل والتحميد صفة الذين كانوا يعبدون الله قبل خلق الدنيا، وهم الملائكة، لأنه تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا قبل خلق آدم ونحن نسبح بحمدك، وهو صفة الذين يعبدون الله بعد خراب الدنيا. لأنه تعالى أخبر عن أهل الجنة بأنهم يحمدون الله تعالى، وهو { أية : وآخر دعواهم أن الحمدلله رب العالمين } تفسير : [يونس: 10] وهم المرادون بقوله: {والحامدون}. الصفة الرابعة: قوله: {ٱلسَّـٰئِحُونَ } وفيه أقوال: القول الأول: قال عامة المفسرين هم الصائمون. وقال ابن عباس: كل ما ذكر في القرآن من السياحة، فهو الصيام. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: « حديث : سياحة أمتي الصيام » تفسير : وعن الحسن: أن هذا صوم الفرض. وقيل هم الذين يديمون الصيام، وفي المعنى الذي لأجله حسن تفسير السائح بالصائم، وجهان: الأول: قال الأزهري: قيل للصائم سائح، لأن الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه، كان ممسكاً عن الأكل، والصائم يمسك عن الأكل، فلهذه المشابهة سمي الصائم سائحاً. الثاني: أن أصل السياحة الاستمرار على الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم يستمر على فعل الطاعة، وترك المشتهي، وهو الأكل والشرب والوقاع، وعندي فيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إذا امتنع من الأكل والشرب والوقاع وسد على نفسه أبواب الشهوات، انفتحت عليه أبواب الحكمة، وتجلت له أنوار عالم الجلال، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : من أخلص لله أربعين صباحاً، ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » تفسير : فيصير من السائحين في عالم جلال الله المنتقلين من مقام إلى مقام، ومن درجة إلى درجة، فيحصل له سياحة في عالم الروحانيات. والقول الثاني: أن المراد من السائحين طلاب العلم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلب العلم، وهو قول عكرمة، وعن وهب بن منبه: كانت السياحة في بني إسرائيل، وكان الرجل إذا ساح أربعين سنة رأى ما كان يرى السائحون قبله. فساح ولد بغي منهم أربعين سنة فلم ير شيئاً، فقال: يا رب ما ذنبي بأن أساءت أمي، فعند ذلك أراه الله ما أرى السائحين وأقول للسياحة أثر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقاه أنواع من الضر والبؤس، فلا بد له من الصبر عليها، وقد ينقطع زاده، فيحتاج إلى التوكل على الله، وقد يلقى أفاضل مختلفين، فيستفيد من كل أحد فائدة مخصوصة، وقد يلقى الأكابر من الناس، فيستحقر نفسه في مقابلتهم، وقد يصل إلى المرادات الكثيرة، فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته، وبالجملة فالسياحة لها آثار قوية في الدين. والقول الثالث: قال أبو مسلم: {ٱلسَّـٰئِحُونَ } السائرون في الأرض، وهو مأخوذ من السيح، سيح الماء الجاري، والمراد به من خرج مجاهداً مهاجراً، وتقريره أنه تعالى حث المؤمنين في الآية الأولى على الجهاد، ثم ذكر هذه الآية في بيان صفات المجاهدين، فينبغي أن يكونوا موصوفين بمجموع هذه الصفات. الصفة الخامسة والسادسة: قوله: {ٱلرٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ } والمراد منه إقامة الصلوات. قال القاضي: وإنما جعل ذكر الركوع والسجود كناية عن الصلاة لأن سائر أشكال المصلي موافق للعادة، وهو قيامه وقعوده. والذي يخرج عن العادة في ذلك هو الركوع والسجود، وبه يتبين الفضل بين المصلي وغيره ويمكن أن يقال: القيام أول مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها. فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة نهاية الخضوع والتعظيم. الصفة السابعة والثامنة: قوله: {ٱلأَمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } واعلم أن كتاب أحكام الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ كتاب كبير مذكور في علم الأصول. فلا يمكن إيراده ههنا. وفيه إشارة إلى إيجاب الجهاد، لأن رأس المعروف الإيمان بالله، ورأس المنكر الكفر بالله. والجهاد يوجب الترغيب في الإيمان، والزجر عن الكفر. والجهاد داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأما دخول الواو في قوله: {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } ففيه وجوه: الوجه الأول: أن التسوية قد تجيء بالواو تارة وبغير الواو أخرى. قال تعالى: { أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ ذِي ٱلطَّوْلِ } تفسير : [غافر: 3] فجاء بعض بالواو، وبعض بغير الواو. الوجه الثاني: أن المقصود من هذه الآيات الترغيب في الجهاد فالله سبحانه ذكر الصفات الستة، ثم قال: {ٱلأَمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ } والتقدير: أن الموصوفين بالصفات الستة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقد ذكرنا أن رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورئيسه؛ هو الجهاد، فالمقصود من إدخال الواو عليه التنبيه على ما ذكرنا. الوجه الثالث: في إدخال الواو على هؤلاء، وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه، ولا تعلق لشيء منها بالغير. أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي وربما حاول قتله، فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات، فأدخل عليها الواو تنبيهاً على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة. الصفة التاسعة: قوله: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } والمقصود أن تكاليف الله كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالعبادات. والثاني: ما يتعلق بالمعاملات. أما العبادات فهي التي أمر الله بها لا لمصلحة مرعية في الدنيا، بل لمصالح مرعية في الدين؛ وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والإعتاق والنذور وسائر أعمال البر. وأما المعاملات فهي: إما لجلب المنافع وإما لدفع المضار. والقسم الأول: وهو ما يتعلق بجلب المنافع: فتلك المنافع إما أن تكون مقصودة بالأصالة أو بالتبعية؛ أما المنافع المقصودة بالأصالة، فهي المنافع الحاصلة من طرف الحواس الخمسة: فأولها: المذوقات: ويدخل فيها كتاب الأطعمة والأشربة من الفقه. ولما كان الطعام قد يكون نباتاً، وقد يكون حيواناً، والحيوان لا يمكن أكله إلا بعد الذبح، والله تعالى شرط في الذبح شرائط مخصوصة، فلأجل هذا دخل في الفقه كتاب الصيد والذبائح، وكتاب الضحايا. وثانيها: الملموسات: ويدخل فيها باب أحكام الوقاع من جملتها ما يفيد حله، وهو باب النكاح، ومنه أيضاً باب الرضاع، ومنها ما هو بحث عن لوازم النكاح مثل المهر والنفقة والمسكن ويتصل به أحوال القسم والنشوز، ومنها ما هو بحث عن الأسباب المزيلة للنكاح، ويدخل فيه كتاب الطلاق والخلع والإيلاء والظهار واللعان. ومن الأحكام المتعلقة بالملموسات: البحث عما يحل لبسه وعما لا يحل، وعما يحل استعماله وعما لا يحل استعماله؛ وما لا يحل. كاستعماله الأواني الذهبية والفضية؛ وطال كلام الفقهاء في هذا الباب. وثالثها: المبصرات وهي باب ما يحل النظر إليه وما لا يحل. ورابعها: المسموعات: وهو باب هل يحل سماعه أم لا؟ وخامسها: المشمومات، وليس للفقهاء فيها مجال. وأما المنافع المقصودة بالتبع فهي الأموال، والبحث عنها من ثلاثة أوجه: الأول: الأسباب المفيدة للملك وهي إما البيع أو غيره. أما البيع فهو إما بيع الأعيان، أو بيع المنافع وبيع الأعيان. فأما أن يكون بيع العين بالعين، أو بيع الدين بالعين وهو السلم، أو بيع العين بالدين كما إذا اشترى شيئاً في الذمة، أو بيع الدين بالدين. وقيل: إنه لا يجوز. لما روي أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الكالىء بالكالىء، ولكن حصل له مثال في الشرع وهو تقاضي الدينين. وأما بيع المنفعة فيدخل فيه كتاب الإجارة، وكتاب الجعالة، وكتاب عقد المضاربة. وأما سائر الأسباب الموجبة للملك فهي الإرث، والهبة، والوصية، وإحياء الموات، والالتقاط، وأخد الفيء والغنائم، وأخذ الزكوات وغيرها. ولا طريق إلى ضبط أسباب الملك إلا بالاستقراء. والنوع الثاني: من مباحث الفقهاء الأسباب التي توجب لغير المالك التصرف في الشيء، وهو باب الوكالة والوديعة وغيرهما. والنوع الثالث: الأسباب التي تمنع المالك من التصرف في ملك نفسه، وهو الرهن والتفليس والإجارة وغيرها، فهذا ضبط أقسام تكاليف الله في باب جلب المنافع. وأما تكاليف الله تعالى في باب دفع المضار فنقول: أقسام المضار خمسة لأن المضرة إما أن تحصل في النفوس أو في الأموال أو في الأديان أو في الأنساب أو في العقول، أما المضار الحاصلة في النفوس فهي إما أن تحصل في كل النفس، والحكم فيه إما القصاص أو الدية أو الكفارة، وإما في بعض من أبعاض البدن كقطع اليد وغيرها، والواجب فيه إما القصاص أو الدية أو الأرش، وأما المضار الحاصلة في الأموال، فذلك الضرر إما أن يحصل على سبيل الإعلان والإظهار، وهو كتاب الغصب أو على سبيل الخفية وهو كتاب السرقة، وأما المضار الحاصلة في الأديان، فهي إما الكفر وإما البدعة، أما الكفر فيدخل فيه أحكام المرتدين، وليس للفقهاء كتاب مقرر في أحكام المبتدعين وأما المضار الحاصلة في الأنساب فيتصل به تحريم الزنا واللواط وبيان العقوبة المشروعة فيهما، ويدخل فيه أيضاً باب حد القذف وباب اللعان، وههنا بحث آخر وهو أن كل أحد لا يمكنه استيفاء حقوقه من المنافع ودفع المضار بنفسه، لأنه ربما كان ضعيفاً فلا يلتفت إليه خصمه، فلهذا السر نصب الله تعالى الإمام لتنفيذ الأحكام، ويجب أن يكون لذلك الإمام نواب وهم الأمراء والقضاة فلما لم يجز أن يكون قول الغير مقبولاً على الغير إلا بالحجة، فالشرع أثبت لإظهار الحق حجة مخصوصة وهي الشهادة، ولا بد أن يكون للدعوى ولإقامة البينة شرائط مخصوصة فلا بد من باب مشتمل عليها، فهذا ضبط معاقد تكاليف الله تعالى وأحكامه وحدوده، ولما كانت كثيرة والله تعالى إنما بينها في كل القرآن تارة على وجه التفصيل، وتارة بأن أمر الرسول عليه السلام حتى يبينها للمكلفين، لا جرم أنه تعالى أجمل ذكرها في هذه الآية، فقال: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } وهو يتناول جملة هذه التكاليف. واعلم أن الفقهاء ظنوا أن الذي ذكروه في بيان التكاليف وليس الأمر كذلك، فإن أعمال المكلفين قسمان: أعمال الجوارح وأعمال القلوب، وكتب الفقه مشتملة على شرح أقسام التكاليف المتعلقة بأعمال الجوارح، فأما التكاليف المتعلقة بأعمال القلوب فلم يبحثوا عنها ألبتة ولم يصنفوا لها كتباً وأبواباً وفصولاً. ولم يبحثوا عن دقائقها، ولا شك أن البحث عنها أهم والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى. لأن أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب والآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى ناطقة بذلك إلا أن قوله سبحانه: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } متناول لكل هذه الأقسام على سبيل الشمول والإحاطة. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الصفات التسعة قال: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } والمقصود منه أنه قال في الآية المتقدمة: {فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ } فذكر هذه الصفات التسعة، ثم ذكر عقيبها قوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تنبيهاً على أن البشارة المذكورة في قوله: {فَٱسْتَبْشِرُواْ } لم تتناول إلا المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات. فإن قيل: ما السبب في أنه تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل، ثم ذكر تعالى عقيبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة؟ قلنا: لأن التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله، والسياحة لطلب العلم، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته، فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل، وأما البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء، ومثل معرفة أحكام الجنايات وأيضاً فتلك الأمور الثمانية أعمال القلوب وإن كانت أعمال الجوارح، إلا أن المقصود منها ظهور أحوال القلوب، وقد عرفت أن رعاية أحوال القلوب أهم من رعاية أحوال الظاهر فلهذا السبب ذكر هذا القسم على سبيل التفصيل، وذكر هذا القسم على سبيل الإجمال.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ} التائبون هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله. والتائب هو الراجع. والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين. {ٱلْعَابِدُونَ} أي المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه. {ٱلْحَامِدُونَ} أي الرّاضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله على كل حال. {ٱلسَّائِحُونَ} الصائمون؛ عن ابن مسعود وٱبن عباس وغيرهما. ومنه قوله تعالىٰ: {أية : عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ}تفسير : [التحريم: 5]. وقال سفيان بن عُيينة: إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلَّها من المطعم والمشرب والمنكح. وقال أبو طالب:شعر : وبالسائحين لا يذوقون قطرة لربهم والذاكرات العوامل تفسير : وقال آخر:شعر : برَّا يصلِّي ليله ونهاره يَظَلّ كثير الذكر لله سائحاً تفسير : وروي عن عائشة أنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيامُ؛ أسندهُ الطبري. ورواه أبو هريرة مرفوعاً عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : سياحة أمتي الصيام»تفسير : . قال الزجاج: ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون الفرض. وقد قيل: إنهم الذين يديمون الصيام. وقال عطاء: السائحون المجاهدون. وروىٰ أبو أُمامة أن رجلاً ٱستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: «حديث : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله»تفسير : . صححه أبو محمد عبد الحق. وقيل: السائحون المهاجرون؛ قاله عبد الرحمن بن زيد. وقيل: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم؛ قاله عكرمة. وقيل: هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته، وما خلق من العبر والعلامات الدالة على توحيده وتعظيمه؛ حكاه النقاش. وحكي أن بعض العُبّاد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر؛ فقيل له في ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالىٰ: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ}تفسير : [غافر: 71] وذكرت كيف أتلقىٰ الغُلّ وبقيت ليلي في ذلك أجمع. قلت: لفظ «س ي ح» يدل على صحة هذه الأقوال؛ فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء؛ فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام وغيره، فهو بمنزلة السائح. والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا. وفي الحديث: «حديث : إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي»تفسير : ويروى «حديث : صياحين» تفسير : بالصاد، من الصياح. {ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ} يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها. {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي بالسنة، وقيل: بالإيمان. {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} قيل: عن البِدعة. وقيل: عن الكفر وقيل: هو عموم في كل معروف ومنكر. {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} أي القائمون بما أمر به والمنتهون عما نهىٰ عنه. الثانية ـ واختلف أهل التأويل في هذه الآية، هل هي متصلة بما قبلُ أو منفصلة؛ فقال جماعة: الآية الأُولى مستقلة بنفسها؛ يقع تحت تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية الثانية أو بأكثرها. وقالت فرقة: هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط، والآيتان مرتبطتان؛ فلا يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله؛ قاله الضحاك. قال ابن عطية: وهذا القول تحريج وتضييق، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكَمَلة من المؤمنين، ذكرها الله ليستبِق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى مرتبة. وقال الزجاج: الذي عندي أن قوله: «التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ» رفع بالابتداء وخبره مضمر؛ أي التائبون العابدون ـ إلى آخر الآية ـ لهم الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا، إذا لم يكن منهم عناد وقصد إلى ترك الجهاد؛ لأن بعض المسلمين يجزِي عن بعض في الجهاد. واختار هذا القول القشيريّ وقال: وهذا حسن؛ إذ لو كان صفة للمؤمنين المذكورين في قوله: «اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» لكان الوعد خاصاً للمجاهدين. وفي مصحف عبد الله «التائِبين العابدين» إلى آخرها؛ ولذلك وجهان: أحدهما الصفة للمؤمنين على الإتباع. والثاني النصب على المدح. الثالثة ـ واختلف العلماء في الواو في قوله: {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} فقيل: دخلت في صفة الناهين كما دخلت في قوله تعالى: {أية : حـمۤ. تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ. غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}تفسير : [غافر:1- 3] فذكر بعضها بالواو والبعض بغيرها. وهذا سائغ معتاد في الكلام ولا يُطلب لمثله حكمة ولا علّة. وقيل: دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف فلا يكاد يذكر واحد منهما مفرداً. وكذلك قوله: {أية : ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}تفسير : [التحريم: 5]. ودخلت في قوله: {وَٱلْحَافِظُونَ} لقربه من المعطوف. وقد قيل: إنها زائدة، وهذا ضعيف لا معنى له. وقيل: هي واو الثمانية لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح. وكذلك قالوا في قوله: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً}. وقولهِ في أبواب الجنة: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : [الزمر: 73] وقوله: {أية : وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}تفسير : [الكهف: 22] وقد ذكرها ابن خَالَوَيْه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله: «وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا» وأنكرها أبو علي. قال ابن عطية: وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأُستاذ النحوي أبي عبد الله الكفيف المالقيّ، وكان ممن استوطن غَرْناطة وأقرأ فيها في مدّة ٱبن حَبُوس أنه قال: هي لغة فصيحة لبعض العرب؛ من شأنهم أن يقولوا إذا عَدّوا: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة؛ وهكذا هي لغتهم. ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو. قلت: هي لغة قريش. وسيأتي بيانه ونقضه في سورة «الكهف» إن شاء الله تعالى وفي الزمر أيضاً بحول الله تعالى.
ابن كثير
تفسير : هذا نعت المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة {ٱلتَّـٰئِبُونَ} من الذنوب كلها، التاركون للفواحش {ٱلْعَـٰبِدُونَ} أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال والأفعال، فمن أخص الأقوال الحمد، فلهذا قال: {ٱلْحَـٰمِدُونَ} ومن أفضل الأعمال الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة ههنا، ولهذا قال: {ٱلسَّـٰئِحُونَ} كما وصف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله تعالى:{أية : سَائِحَاتٍ} تفسير : [التحريم: 5] أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود، وهما عبارة عن الصلاة، ولهذا قال: {ٱلرَٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ} وهم مع ذلك ينفعون خلق الله ويرشدونهم إلى طاعة الله؛ بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه علماً وعملاً، فقاموا بعبادة الحق، ونصح الخلق، ولهذا قال: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، لأن الإيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به. (بيان أن المراد بالسياحة الصيام) قال سفيان الثوري: عن عاصم عن زِرّ عن عبد الله بن مسعود قال: {ٱلسَّـٰئِحُونَ} الصائمون، وكذا روي عن سعيد بن جبير والعوفي عن ابن عباس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون، وكذا قال الضحاك رحمه الله، وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد عن الوليد بن عبد الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام، وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأبو عبد الرحمن السلمي والضحاك بن مزاحم وسفيان بن عيينة وغيرهم: أن المراد بالسائحين الصائمون، وقال الحسن البصري: {ٱلسَّـٰئِحُونَ}: الصائمون شهر رمضان، وقال أبو عمرو العبدي: {ٱلسَّـٰئِحُونَ} الذين يديمون الصيام من المؤمنين، وقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا، وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : السائحون هم الصائمون» تفسير : وهذا الموقوف أصح، وقال أيضاً: حدثني يونس عن ابن وهب عن عمر بن الحارث عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين، فقال: «حديث : هم الصائمون» تفسير : وهذا مرسل جيد، وهذا أصح الأقوال وأشهرها. وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلاً قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» تفسير : وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة، أخبرني عمارة بن غزية: أن السياحة ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف» تفسير : وعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون، رواهما ابن أبي حاتم، وليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين؛ كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» تفسير : وقال العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} قال: القائمون بطاعة الله، وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} قال: لفرائض الله، وفي رواية: القائمون على أمر الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلتَّٰئِبُونَ } رفع على المدح بتقدير مبتدأ من الشرك والنفاق {ٱلْعَٰبِدُونَ } المخلصون العبادة لله {ٱلْحَٰمِدُونَ } له على كل حال {ٱلسَّٰئِحُونَ } الصائمون {ٱلراكِعُونَ ٱلسَّٰجِدونَ } أي المصلّون {ٱلأَمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ } لأحكامه بالعمل بها {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالجنة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {التَّآئِبُونَ} يعني من الذنوب. ويحتمل أن يراد بهم الراجعون إلى الله تعالى في فعل ما أمر واجتناب ما حظر لأنها صفة مبالغة في المدح، والتائب هو الراجع، والراجع إلى الطاعة أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين. {العَابِدُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: العابدون بتوحيد الله تعالى، قاله سعيد بن جبير. والثاني: العابدون بطول الصلاة، قاله الحسن. والثالث: العابدون بطاعة الله تعالى، قاله الضحاك. {الحَامِدُونَ} فيه وجهان: أحدهما: الحامدون لله تعالى على دين الإسلام، قاله الحسن. الثاني: الحامدون لله تعالى على السراء والضراء، رواه سهل بن كثير. {السَّآئِحُونَ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: المجاهدون روى أبو أمامة أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي السياحة فقال: "حديث : إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللَّهِ" تفسير : والثاني: الصائمون، وهو قول ابن مسعود وابن عباس، وروى أبو هريرة مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ ". تفسير : الثالث: المهاجرون، قاله عبد الرحمن بن زيد. الرابع: هم طلبة العِلم، قاله عكرمة. {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} يعني في الصلاة. {الأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوْفِ} فيه وجهان: أحدهما: بالتوحيد، قاله سعيد بن جبير. الثاني: بالإسلام. {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكُرِ} فيه وجهان: أحدهما: عن الشرك، قاله سعيد بن جبير. الثاني: أنهم الذين لم ينهوا عنه حتى انتهوا قبل ذلك عنه، قاله الحسن. {وَاْلحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: القائمون بأمر الله تعالى. والثاني: الحافظون لفرائض الله تعالى من حلاله وحرامه، قاله قتادة. والثالث: الحافظون لشرط الله في الجهاد، قاله مقاتل بن حيان. {وَبَشّرِ الْمُؤْمنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: يعني المصدقين بما وعد الله تعالى في هذه الآيات. قاله سعيد بن جبير. والثاني: العاملين بما ندب الله إليه في هذه الآيات، وهذا أشبه بقول الحسن. وسبب نزول هذه الآية ما روى ابن عباس أنه لما نزل قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم} الآية. أتى رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر؟ فأنزل الله تعالى {التَّآئِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} الآية.
ابن عطية
تفسير : هذه الأوصاف هي من صفات المؤمنين الذين ذكر الله أنه اشترى منهم أنفسهم، وارتفعت هذه الصفات لما جاءت مقطوعة في ابتداء آية على معنى: " هم التائبون"، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله تعالى ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى رتبة والآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات التي هي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها وقالت فرقة: بل هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط، والآيتان مرتبطتان فلا يدخل في المبايعة إلا المؤمنين الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله، وأسند الطبري في ذلك عن الضحاك بن مزاحم أن رجلاً سأله عن قول الله عز وجل: {أية : إن الله اشترى} تفسير : [ التوبة: 11] وقال الرجل ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل، فقال الضحاك: ويلك أين الشرط {التائبون العابدون} الآية، وهذا القول تحريج وتضييق والله أعلم، والأول أصوب، والشهادة ماحية لكل ذنب إلا لمظالم العباد، وقد روي أن الله تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه ختم الله لنا بالحسنى، وقالت فرقة: إن رفع " التائبين " إنما هو على الابتداء وما بعده صفة، ألا قوله {الآمرون} فإنه خبر الابتداء كأنه قال "هم الآمرون" وهذا حسن إلا أن معنى الآية ينفصل من معنى التي قبلها وذلك قلق فتأمله، وفي مصحف عبد الله بن مسعود " التائبين العابدين" إلى آخرها، ولذلك وجهان أحدهما: الصفة للمؤمنين على اتباع اللفظ والآخر النصب على المدح، و{التائبون} لفظ يعم الرجوع من الشر إلى الخير كان ذلك من كفر أو معصية والرجوع من حالة إلى ما هي أحسن منها، وإن لم تكن الأولى شراً بل خيراً، وهكذا توبة النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره سبعين مرة في اليوم، والتائب هو المقلع عن الذنب العازم على التمادي على الإقلاع النادم على ما سلف، والتائب عن ذنب يسمى تائباً وإن قام على غيره إلا أن يكون من نوعه فليس بتائب والتوبة ونقضها دائباً خير من الإصرار، ومن تاب ثم نقض ووافى على النقض فإن ذنوبه الأولى تبقى عليه لأن توبته منها علم الله أنها منقوضة، ويحتمل الأمر غير ذلك والله أعلم. وقال الحسن في تفسير الآية: {التائبون} معناه من الشرك، و {العابدون} لفظ يعم القيام بعبادة الله والتزام شرعه وملازمة ذلك والمثابرة عليه والدوام، والعابد هو المحسن الذي فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله، "حديث : أن تعبد الله كأنك تراه " تفسير : الحديث، وبأدنى عبادة يؤديها المرء المسلم يقع عليه اسم عابد ويحصل في أدنى رتبته وعلى قدر زيادته في البادة يحصل الوصف، و {الحامدون} معناه: الذاكرون لله بأوصافه الحسنى في كل حال وعلى السراء والضراء وحمده لأنه أهل لذلك، وهو أعم من الشكر إذ الشكر إنما هو على النعم الخاصة بالشاكر، و {السائحون } معناه الصائمون، وروي عن عائشة أنها قالت: سياحة هذه الأمة الصيام، وأسند الطبري وروي أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحديث "حديث : إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغوني صلاة أمتي عليَّ " تفسير : ويروى الحديث " صياحين" بالصاد من الصياح والسياحة في الأرض مأخوذ من السيح وهو الماء الجاري على الأرض إلى غير غاية، وقال بعض الناس وهو في كتاب النقاش: {السائحون} هم الجائلون بأفكارهم في قدرة الله وملكوته، وهذا قول حسن وهي من أفضل العبادات، ومن ذلك قول معاذ بن جبل: اقعد بنا نؤمن ساعة، ويروى أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وجعل يفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال: أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى: {أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل} تفسير : [غافر: 71] وفكرت كي أتلقى الغل وبقيت في ذلك ليلي أجمع، و {الراكعون الساجدون} هم المصلون الصلوات الخمس كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أن من يكثر النوافل هو أدخل في الاسم وأغرق في الاتصاف، وقوله: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} هو أمر فرض على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجملة ثم يفترق الناس فيه مع التعيين، فأما ولاة الأمر والرؤساء فهو فرض عليهم في كل حال، وأما سائر الناس فهو فرض عليهم بشروط: منها أن لا تلحقه مضرة وأن يعلم أن قوله يسمع ويعمل به ونحو هذا ثم من تحمل بعد في ذات الله مشقة فهو أعظم أجراً، وأسند الطبري عن بعض العلماء أنه قال: حيثما ذكر الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو الأمر بالإسلام والنهي عن الكفر. قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه يتناول هذا وهو أحرى، إذ يتناول ما دونه فتعميم اللفظ أولى، وأما هذه الواو التي في قوله {والناهون} ولم يتقدم في واحدة من الصفات قبل فقيل معناها الربط بين هاتين الصفتين وهي " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" إذ هما من غير قبيل الصفات الأول. قال القاضي أبو محمد : لأن الأول فيما يخص المرء، وهاتان بينه وبين غيره، ووجب الربط بينهما لتلازمهما وتناسبهما، وقيل هي زائدة وهذا قول ضعيف لا معنى له، وقيل هي واو الثمانية لأن هذه الصفة جاءت ثامنة في الرتبة ـ ومن هذا قوله في أبواب الجنة {أية : وفتحت أبوابها} تفسير : [الزمر:73] وقوله {أية : وثامنهم كلبهم} تفسير : [الكهف:22] ومن هذا قوله {أية : ثيبات وأبكاراً} تفسير : [التحريم: 5]. قال القاضي أبو محمد : على أن هذه تعترض حتى لا يلزم أن يكون واو ثمانية، لأنها فرقت بين فصلين يعمان بمجموعهما جميع النساء، ولا يصح أن يكون {أية : ثيبات أبكاراً} تفسير : [التحريم:5]، فهي فاصلة ضرورة، وواو الثمانية قد ذكرها ابن خالويه، في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله {أية : وفتحت أبوابها} تفسير : [الزمر:73]، وأنكرها أبو علي، وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ أبي عبد الله الكفيف المالقي وكان ممن استوطن غرناطة وقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال: هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة، فهكذا هي لغتهم، ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو، وقوله {والحافظون لحدود لله} لفظ عام تحته إلزام الشريعة والانتهاء عما نهى الله في كل شيء وفي كل فن، وقوله {وبشر المؤمنين} قيل هو لفظ عام أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشر أمته جميعاً بالخير من الله، وقيل بل هذه الألفاظ خاصة لمن لم يغز أي لما تقدم في الآية وعد المجاهدين وفضلهم أمر أن يبشر سائر الناس ممن لم يغز بأن الإيمان مخلص من النار والحمد لله رب العالمين، وقوله تعالى {ما كان للنبي} الآية، يقتضي التأنيب ومنع الاستغفار للمشركين مع اليأس عن إيمانهم إما بموافاتهم على الكفر وموتهم، ومنه قول عمر بن الخطاب في العاصي بن وائل لا جزاه الله خيراً، وإما بنص من الله تعالى على أحد كأبي لهب وغيره فيمتنع الاستغفار له وهو حي، واختلف المفسرون في سبب هذه الآية فقال الجمهور ومداره على ابن المسيب وعمرة بن دينار، نزلت في شأن أبي طالب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه حين احتضر ووعظه وقال: حديث : أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله تعالىتفسير : ، وكان بالحضرة أبو جهل وعبد الله بن أمية، فقالا له: يا أبا طالب أترغب عن ملك عبد المطلب، فقال أبو طالب: يا محمد والله لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك ثم قال: أنا على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك، إذ لم يسمع منه النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله للعباس، فنزلت: {أية : إنك لا تهدي من أحببت} تفسير : [القصص: 65] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنكتفسير : ، فكان يستغفر له حتى نزلت هذه الآية فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار لأبي طالب، وروي أن المؤمنين لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لأبي طالب جعلوا يستغفرون لموتاهم، فلذلك دخلوا في التأنيب والنهي. والآية على هذا ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ أفعاله في حكم الشرع المستقر وقال فضيل بن عطية وغيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أتى قبر أمه فوقف عليه حتى سخنت عليه الشمس، وجعل يرغب في أن يؤذن له في الاستغفار لها، فلم يؤذن له فأخبر أصحابه أنه أذن له في زيارة قبرها، ومنع أن يستغفر لها، فما رئي باكياً أكثر من يومئذ، ونزلت الآية في ذلك، وقالت فرقة: إنما نزلت بسبب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين: والله لأزيدن على السبعين، وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إنما نزلت بسبب جماعة من المؤمنين قالوا: نستغفر لموتانا كما استغفر إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه فنزلت الآية في ذلك، وعلى كل حال ففي ورود النهي عن الاستغفار للمشركين موضع اعتراض بقصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه، فنزل رفع ذلك الاعتراض في الآية التي بعدها، وقوله {من بعد ما تبين} يريد من بعد الموت على الكفر فحينئذ تبين أنهم أصحاب الجحيم أي سكانها وعمرتها، والاستغفار للمشرك الحي جائز إذ يرجى إسلامه ومن هذا قول أبي هريرة رضي الله عنه رحم الله رجلاً استغفر لأبي هريرة ولأمه، قيل له ولأبيه قال: لا، إن أبي مات كافراً، وقال عطاء بن أبي رباح: الآية في النهي عن الصلاة على المشركين، والاستغفار ها هنا يراد به الصلاة.
ابن عبد السلام
تفسير : {التَّآئِبُونَ} من الذنوب. {الْعَابِدونَ} بالطاعة، أو بالتوحيد، أو بطول الصلاة. {الْحَامِدُونَ} على السراء والضراء، أو على الإسلام. {السَّائِحُونَ} المجاهدون واستؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: "حديث : سياحة أُمتي الجهاد "تفسير : أو الصائمون، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : سياحة أُمتي الصوم " تفسير : "ع"، أو المهاجرون أو طلبة العلم. {بِالْمَعْرُوفِ} التوحيد، أو الإسلام. {الْمُنكَرِ} الشرك، أو الذين لم يَنْهوا عنه حتى انتهوا عنه. {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} القائمون بأمره، أو بفرائض حلاله وحرامه، أو لشرطه في الجهاد. {الْمُؤْمِنِينَ} المصدقين بما وعدوا في هذه الآيات، أو بما ندبوا إليه فيها. لما نزل {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى} جاء رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله، وإن زنا وإن سرق وإن شرب الخمر فنزلت {التَّآئِبُونَ}.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {التائبون} قال الفراء: استؤنف لفظ التائبون بالرفع لتمام الآية الأولى وانقطاع الكلام. وقال الزجاج: التائبون رفع بالابتداء وخبره مضمر. والمعنى: التائبون إلى آخره لهم الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا غير معاندين ولا قاصدين بترك الجهاد وهذا وجه حسن فكأنه وعد بالجنة جميع المؤمنين. كما قال تعالى: وكلا وعد الله الحسنى ومن جعله تابعاً للأول، كان الوعد بالجنة خاصاً بالمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات، فيكون رفع التائبون على المدح يعني المؤمنين المذكورين في قوله: إن الله اشترى. وأما التفسير: فقوله سبحانه وتعالى التائبون يعني الذين تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق. وقيل: التائبون من كل معصية فيدخل فيه التوبة من الكفر والنفاق. وقيل: التائبون من جميع المعاصي، لأن لفظ التائبين لفظ عموم فيتناول الكل. واعلم أن التوبة المقبولة إنما تحصل بأمور أربعة: أولها احتراق القلب عند صدور المعصية، وثانيها الندم على فعلها فيما مضى، وثالثها العزم على تركها في المستقبل، ورابعها أن يكون الحامل له على التوبة طلب رضوان الله وعبوديته فإن كان غرضه بالتوبة تحصيل مدح الناس له ودفع مذمتهم فليس بمخلص في توبته. {العابدون} يعني المطيعين لله الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم وقيل هم الذين أتوا بالعبادة على أقصى وجوه التعظيم لله تعالى وهي أن تكون العبادة خالصة لله تعالى: {الحامدون} يعني الذين يحمدون الله تعالى على كل حال في السراء والضراء. روى البغوي بغير سند عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة، الذين يحمدون الله في السراء والضراءتفسير : . وقيل: هم الذين يحمدون الله ويقومون بشكره على جميع نعمه دنيا وأخرى {السائحون} قال ابن مسعود وابن عباس: هم الصائمون. قال سفيان بن عيينة: إنما سمي الصائم سائحاً لتركه اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح. وقال الأزهري: قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه فكان ممسكاً على الأكل وكذلك الصائم ممسك عن الأكل. وقيل: أصل السياحة استمرار الذهاب في الأرض كالماء الذي يسيح والصائم مستمر على فعل الطاعة وترك المنهي وقال عطاء: السائحون هم الغزاة المجاهدون في سبيل الله ويدل عليه ما روي عن عثمان بن مظعون قال قلت يا رسول الله ائذن لي في السياحة. فقال: حديث : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تفسير : ذكره البغوي بغير سند. وقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم لأنهم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلبه وقيل إن السياحة لها أثر عظيم في تهذيب النفس وتحسين أخلاقها لأن السائح لا بد أن يلقى أنواعاً من الضر والبؤس ولا بد له من الصبر عليها ويلقى العلماء والصالحين في سياحته فيستفيد منهم ويعود عليه من بركتهم ويرى العجائب وأثار قدرة الله تعالى فيتفكر في ذلك فيدله على وحدانية الله سبحانه وتعالى وعظيم قدرته {الراكعون الساجدون} يعني المصلين وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود، لأنهما معظم أركانها وبهما يتميز المصلي من غير المصلي بخلاف حالة القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره {الآمرون بالمعروف} يعني يأمرون الناس بالإيمان بالله وحده {والناهون عن المنكر} يعني عن الشرك بالله. وقيل: إنهم يأمرون الناس بالحق في أديانهم واتباع الرشد والهدى والعمل الصالح وينهونهم عن كل قول وفعل نهى الله عباده عنه أو نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحسن: أما أنهم لم يأمروا الناس بالمعروف حتى كانوا من أهله ولم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه وأما دخول الواو في والناهون عن المنكر فإن العرب تعطف بالواو على السبعة ومنه قوله سبحانه وتعالى: وثامنهم كلبهم وقوله تعالى في صفة الجنة: وفتحت أبوابها. وقيل: فيه وجه آخر وهو أن الموصوفين بهذه الصفات الست هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، فعلى هذا يكون قوله تعالى التائبون إلى قوله الساجدون مبتدأ خبره الآمرون يعني هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر {والحافظون لحدود الله} قال ابن عباس: يعني القائمين بطاعة الله وقال الحسن: الحافظون لفرائض الله وهم أهل الوفاء ببيعة الله. وقيل: هم المؤدون فرائض الله المنتهون إلى أمره ونهيه فلا يضيعون شيئاً من العمل الذي ألزمهم به ولا يرتكبون منهياً نهاهم عنه {وبشر المؤمنين} يعني بشر يا محمد المصدقين بما وعدهم الله به إذا وفوا الله تعالى بعهده فإنه موف لهم بما وعدهم من إدخال الجنة. وقيل: وبشر من فعل هذه الأفعال التسع وهو قوله تعالى التائبون إلى آخر الآية بأن له الجنة وإن لم يغز. قوله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} الآية واختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت في شأن أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم والد علي وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر له بعد موته فنهاه الله عن ذلك ويدل على ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه المسيب بن حزن قالحديث : "لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله" فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية بن المغيرة: أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان لتلك المقالة حتى قالوا: أبو طالب آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى وأنزل الله في أبي طالب {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}تفسير : أخرجاه في الصحيحين. فإن قلت قد استبعد بعض العلماء نزول هذه الآية في شأن أبي طالب وذلك أن وفاته كانت بمكة أول الإسلام ونزول هذه السورة بالمدينة وهي من آخر القرآن نزولاً. قلت الذي "حديث : نزل في أبي طالب قوله تعالى إنك لا تهدي من أحببت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"تفسير : كما في الحديث فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر له في بعض الأوقات إلى أن نزلت هذه الآية فمنع من الاستغفار والله أعلم بمراده وأسرار كتابه (م). عن أبي هريرة قال حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه عند الموت: "قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فأبى فأنزل الله إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"تفسير : الآية وفي رواية قال: لولا تعيرني قريش يقولون إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل الله الآية (ق) حديث : عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه طالب فقال "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلى منه أم دماغه"تفسير : وفي رواية:"حديث : يغلي منه دماغه من حرارة نعليه"تفسير : (ق) حديث : عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قلت يا رسول الله ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال: هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار وفي رواية قال قلت يا رسول الله إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال نعم وجدته في غمرات من نار فأخرجته إلى ضحضاح"تفسير : وقال أبو هريرة وبريدة "حديث : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"تفسير : الآية وروى الطبري بسنده عن بريدة: "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قال وأكثر ظني أنه قال قبر أمه فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبراً فقلنا: يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت قال إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يؤذن لي فما رؤي باكياً أكثر من يومئذ ". تفسير : وحكى ابن الجوزي عن بريدة قال"حديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أمه فتوضأ وصلى ركعتين ثم بكى فبكى الناس لبكائه ثم انصرف إليهم فقالوا: ما أبكاك؟ قال: مررت بقبر أمي فصليت ركعتين ثم استأذنت ربي أن أستغفر لها فنهيت فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها فزجرت زجراً فأبكاني ثم دعا براحلته فركبها فما سار إلا هنيهة حتى قامت الناقة لثقل الوحي فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى"تفسير : الآية (ق) عن أبي هريرة قال"حديث : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت"تفسير : وقال قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه"تفسير : فأنزل الله هذه الآية وروى الطبري بسنده عنه قال: ذكر لنا"حديث : أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم أفلا نستغفر لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلى والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل الله عز وجل ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين"تفسير : الآية ثم عذر الله إبراهيم فقال تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية أخرجه النسائي والترمذي. وقال: حديث حسن وأخرجه الطبري. وقال فيه: فأنزل الله عز وجل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه الآية ومعنى الآية ما كان ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وليس لهم ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يغفر للمشركين ولا يجوز أن يطلب منه ما لا يفعله ففيه النهي عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى لأن النهي عن الاستغفار للمشركين عام فيستوي فيه القريب والبعيد ثم ذكر عز وجل سبب المنع فقال تعالى: {من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} يعني تبين لهم أنهم ماتوا على الشرك فهم من أصحاب الجحيم وأيضاً فقد قال تبارك وتعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به والله تعالى لا يخلف وعده.
البقاعي
تفسير : ولما ثبتت المعاقدة وأحكامها، وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على أوصافهم فقال: {التآئبون} مبتدئاً أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل الصالح، ثم ابتدأ المؤسس بمطلق العبادة الشاملة لجميع أنواع الدين من العلم وغيره فقال: {العابدون} أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان، أتبع ذلك الحمد الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل الشامل للتوحيد وغيره فقال: {الحامدون} أي المثنون عليه سبحانه ثناء عظيماً، تطابقت عليه ألسنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره؛ ولما كان الإقرار باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب، تلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب على الاتساع الذي منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء الحضرات الإلهيات فقال: {السائحون} ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف. وكان أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود، وكان جميع أشكال الصلاة موافقاً للعادة إلا الركوع والسجود، أشار إليها بقوله مخصصاً لها بالذكر تنبيهاً على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع: {الراكعون} فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن صلاة غيرهم لا ركوع فيها، وأتمها بقوله: {الساجدون} ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس، أتبع ذلك قوله: {الآمرون بالمعروف} أي السنة. ولما كان الدين متيناً فلن يشاده أحد إلا غلبه، كان المراد من المأمورات مسماها دون تمامها ومنتهاها "حديث : إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"تفسير : والمراد من المنهيات تركها كلها، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة " حديث : وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"تفسير : رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم ايضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند قوله تعالى{أية : والصلاة الوسطى} تفسير : [البقرة: 238] وفي آل عمران عند قوله {أية : الصابرين والصادقين}تفسير : [آل عمران: 17] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا أتبعت بعض الصفات بعضاً من غير عطف علم أنها غير تامة، فإذا عطفتها أردت التمكن فيها والعراقة والتمام، فأعلم سبحانه أن المراد فيما تقدم من الأوصاف الإتيان بما أمكن منها، فأتى بها اتباعاً دون عطف لذلك، وأشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع منه إلا بالتمام لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما هادم بنفسه، فيجب التجرد التام فيه لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو مثير للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة، فربما كان عنه ضرب وقتل، فلذلك عطفها ولم يتبعها فقال: {والناهون} أي بغاية الجد {عن المنكر} أي البدعة. ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى الموت أتبعه قوله: {والحافظون} أي بغاية العزم والقوة {لحدود الله} أي الملك الأعظم التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئاً منها، فختم بما به بدأ مع قيد الدوام بالرعي والقوة، والحاصل أن الوصف الأول للتجرد عن ربقة مألوف خاص وهو شرك المعصية بشركه أو غيره، والثاني للتجرد عن قيود العادات إلى قضاء العبادات، والثالث لبلوغ الغاية في تهذيب الظاهر. والرابع للتوسع إلى التجرد عن قيود الباطن، والخامس والسادس للجمع بين كمال الباطن والظاهر، والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير، والثامن للدوام على تلك الحدود بترك جميع القيود. فمقصود الآية العروج من الحضيض الجسماني إلى الشرف الروحاني؛ ثم أمره صلى الله عليه وسلم بتبشير المتخلق بهذه الأوصاف عاطفاً لأمره به على محذوف تقديره - والله أعلم: فأنذر من تخلى منها بكل ما يسوءه بعد سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم، أي هؤلاء الموصوفين، هكذا كان الأصل الإضمار، ولكنه أظهر ختاماً بما به بدأ وتعليقاً يالوصف وتعميماً فقال: {وبشر المؤمنين*} أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم بعد تخصيصهم بدار السعادة، وفي ختم الآيتين بالبشارة تارة من الخالق وتارة من أكمل الخلائق أعظم مزية للمؤمنين، وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في الجهاد وأعلى حث على خوض غمرات الجلاد، وفي ابتداء الأيتين بالوصف المعشر بالرسوخ في الإيمان الذي هو الوصف المتمم للعشر وختمهما بمثله إشارة إلى أن هذه مائدة لا يخلس عليها طفيلي، وأن من عدا الراسخين في درجة الإهمال لا كلام معهم ولا التفات بوجه إليهم. ولما كثرت في هذه السورة الأوامر بالبراءة من أحياء المشركين وجاء الأمر أيضاً بالبراءة من أموات المنافقين بالنهي عن الدعاء لهم، جاءت هذه الآية مشيرة إلى البراءة من كل مشرك فوقع التصريح بعدها بما أشارت إليه، وذلك أنه لما ثبت بهذه الآية في تقديم الجار أن المبايعة وقعت على تخصيص الجنة بالمؤمنين وأنه تعالى أوفى من عاهد، ثبت أنه لا يجوز أن يدخل غيرهم الجنة وأن غيرهم أصحاب النار، لأنه قد علم أن الآخرة داران: جنة ونار، ولما ثبت هذا كله علم قطعاً علم النتيجة من المقدمات الصحيحة أنه {ما كان} أي في نفس الأمر {للنبي} أي الذي لا ينطق إلا بما عنده فيه بيان من الله {والذين آمنوا} أي أقروا بأنهم صدقوا بدعوته فلا يفعلون إلا ما عندهم منه علم {أن يستغفروا} أي يطلبوا المغفرة ويدعوا بها {للمشركين} أي الراسخين في الإشراك في عبادة ربهم {ولو كانوا} أي المشركين {أولي قربى} أي للذين آمنوا {من بعد ما تبين لهم} أي بموتهم على الشرك وإنزال هذه الآية للختم بالتخصيص بالجنة {أنهم أصحاب الجحيم*} أي لا أهلية لهم للجنة. فإن الاستغفار معناه محو الذنوب حتى ينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة وما ينبغي لهم أن يكون لهم إليهم التفات فإن ذلك ربما جر إلى ملاينة تفتر عن القتال الواقع عليه المبايعة، فما ينبغي إلا محض المقاطعة والمخاشنة والمنازعة. وتقييد النهي بالتبيين يدل على جواز الدعاء للحي فإن القصد بالاستغفار الإقبال به إلى الإيمان الموجب للغفران. ولما أنكر أن يكون لهم ذلك. وكان الخليل عليه السلام المأمور بالاقتداء به واللزوم بملته قد استغفر لأبيه، بين أنه كان أيضاً قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه للتأبيد في النار، فقال دالاً بواو العطف على أن التقدير: فما استغفر لهم بعد العلم أحد من المؤمنين: {وما كان استغفار إبراهيم} أي خليل الله {لأبيه} أي بعد أن خالفه في الدين {إلا عن موعدة} أي وهي قوله{أية : لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء}تفسير : [الممتحنة: 4] وأكد صدور الوعد بقوله: {وَعَدَها إياه} أي الخليل لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى الشقاوة، وقيل: الضمير لأبيه، كان وعده أنه يسلم فاستغفر له ظناً منه أنه صدق في وعده فأسلم، والذي يدل على أنه كان قبل علمه بذلك قوله: {فلما تبين له} أي بياناً شافياً قاطعاً {أنه عدو لله} أي الملك الأعلى مؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه {تبرأ} أي أكره نفسه على البراءة {منه} ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من المعالجة بقوله: {إن إبراهيم لأواه} أي شديد الرقة الموجبة للتأوه من خوف الله ومن الشفقة على العباد؛ قال الزجاج: والتأوه أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء {حليم*} أي شديد التحمل والإغضاء عن المؤذى له، هكذا خلقه في حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له{أية : لأرجمنك واهجرني} تفسير : [مريم: 46] وأضعاف ذلك؛ قال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل البستي القاضي في تفسيره: حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني ابن جريح عن أيوب بن هانىء عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله مسعود رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً وخرجنا معه حتى انتهى إلى المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه فناجاه طويلاً ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكياً فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما الذي أبكاك يا نبي الله فقد فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر رضي الله عنه ثم أقبل إلينا فأتيناه فقال: أفزعكم بكائي؟ قلنا: نعم يا رسول الله! قال: إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم ياذن لي ونزل عليّ {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى}حتى ختم الآية {وما كان استغفار إبراهيم لأبية إلا عن موعدة وعدها إياه} فأخذني ما يأخذ الولد من الرقة فذلك الذي أبكاني" تفسير : وهذا سند حسن، ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال:" حديث : استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت"تفسير : . وللبخاري في التفسير وغيره ابن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال: حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي عم! قل: لا إله إلا الله، أُحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغب عن ملة عبد المطلب؟ - وفي رواية: فكان آخر ما كلمهم أن قال: هو على ملة عبد المطلب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} وأنزل الله في أبي طالب {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}[القصص:56]" تفسير : ولعله استمر يستغفر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت، ورُوي في سبب نزولها غير هذا أيضاً، وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله {التائبون العابدون} إلى آخر الآية. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: الشهيد من كان فيه التسع خصال {التائبون العابدون} إلى قوله {وبشر المؤمنين} . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {التائبون} قال: تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق. وفي قوله {العابدون} قال: عبدوا الله في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح {أية : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} تفسير : [مريم: 31] وفي قوله {الحامدون} قال: يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء. وفي قوله {الراكعون الساجدون} قال: في الصلوات المفروضات. وفي قوله {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} قال: لم يأمروا بالمعروف حتى ائتمروا به، ولم ينهوا الناس عن المنكر حتى انتهوا عنه. وفي قوله {والحافظون لحدود الله} قال: القائمون بأمر الله عز وجل {وبشر المؤمنين} قال: الذين لم يغزوا. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله {التائبون} قال: من الشرك والذنوب {العابدون} قال: العابدون لله عز وجل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {التائبون} قال: الذين تابوا من الشرك ولم ينافقوا في الإِسلام {العابدون} قال: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم {الحامدون} قال: قوم يحمدون الله على كل حال {السائحون} قال: قوم أخذوا من أبدانهم صوماً لله عز وجل {والحافظون لحدود الله} قال: لفرائضه من حلاله وحرامه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {العابدون} قال: الذين يقيمون الصلاة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء ". تفسير : وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير قال: إن أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله على كل حال، أو قال: في السراء والضراء. وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة قالت "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: حديث : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين، قال "هم الصائمون" . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: كلما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال {السائحون} الصائمون. وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: سياحة هذه الأمة الصيام. وأخرج الفريابي ومسدد في مسنده وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عبيد بن عمير عن أبي هريرة قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السائحين، فقال "هم الصائمون" . تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه وابن النجار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : السائحون: هم الصائمون ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السائحين. فقال: "الصائمون" . تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال {السائحون} الصائمون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {السائحون} قال: هم الصائمون. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمرو العبدي قال {السائحون} الصائمون الذين يديمون الصيام. وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: إنما سمي الصائم السائح لأنه تارك للذات الدنيا كلها من المطعم والمشرب والمنكح، فهو تارك للدنيا بمنزلة السائح. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي فاختة مولى جعدة بن هبيرة. أن عثمان بن مظعون أراد أن ينظر أيستطيع السياحة؟ قال: كانوا يعدون السياحة قيام الليل وصيام النهار. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة. حديث : أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة. قال "إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {السائحون} قال: هم المهاجرون، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة، وكانت سياحتهم الهجرة حين هاجروا إلى المدينة، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ترهب. وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال: كانت السياحة في بني إسرائيل. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله {السائحون} قال: طلبة العلم. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس الآمرون بالمعروف قال: بلا إله إلا الله {والناهون عن المنكر} قال: الشرك بالله {وبشر المؤمنين} قال: الذين لم يغزوا. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {والحافظون لحدود الله} قال: لفرائض الله التي افترض، نزلت هذه الآية في المؤمنين الذين لم يغزوا، والآية التي قبلها فيمن غزا {وبشر المؤمنين} قال: الغازين. وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في هذه الآية قال: هذه قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قضى على نفسه في التوراة والإِنجيل والقرآن لهذه الأمة أنه من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيداً، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله. وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة. قال: وقال ابن عباس: من مات وفيه تسع فهو شهيد {التائبون العابدون} إلى آخر الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} يعني بالجنة، ثم قال: {التائبون} إلى قوله {والحافظون لحدود الله} يعني القائمون على طاعة الله، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد إذا وفوا الله بشرطه وفى لهم بشرطهم.
ابو السعود
تفسير : {ٱلتَّـٰئِبُونَ} رُفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين كما يدل عليه القراءةُ بالياء نصباً على المدح ويجوز أن يكون مجروراً على أنه صفةٌ للمؤمنين، وقد جوِّز الرفع على الابتداء والخبرُ محذوفٌ أي التائبون من أهل الجنةِ أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى: {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [التوبة: 111] ويجوز أن يكون خبرُه قولَه تعالى: {ٱلْعَـٰبِدُونَ} وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ أي التائبون من الكفر على الحقيقة هُمُ الجامعون لهذه النعوتِ الفاضلةِ أي المخلِصون في عبادة الله تعالى {ٱلْحَـٰمِدُونَ} لنَعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء {ٱلسَّـٰئِحُونَ} الصائمون لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : سياحةُ أمتي الصومُ» تفسير : شبّه بها لأنه عائقٌ عن الشهوات أو لأنه رياضةٌ نفسانيةٌ يُتوسّل بها إلى العثور على خفايا المُلك والملَكوتِ وقيل: هم السائحون في الجهاد وطلبِ العلم {ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ} في الصلاة {ٱلأَمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} بالإيمان والطاعة {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} عن الشرك والمعاصي، والعطفُ فيه للِدلالة على أن المتعاطِفَيْن بمنزلة خَصلةٍ واحدة وأما قوله تعالى: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} ـ أي فيما بـيّنه وعيّنه من الحقائق والشرائع عَملاً وحمْلاً للناس عليه ـ فلئلا يُتوهمَ اختصاصُه بأحد الوجهين {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي الموصوفين بالنعوت المذكورةِ، ووضعُ المؤمنين موضعَ ضميرِهم للتنبـيه على أن مِلاك الأمرِ هو الأيمانُ وأن المؤمن الكاملَ مَنْ كان كذلك، وحُذف المبشَّرُ به للإيذان بخروجه عن حد البـيانِ، وفي تخصيص الخطابِ بالأولين إظهارُ زيادةِ اعتناءٍ بأمرهم من الترغيب والتسلية.
التستري
تفسير : قوله: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ}[112] قال سهل: ليس شيء في الدنيا من الحقوق أوجب على الخلق من التوبة، فهي واجبة في كل لمحة ولحظة، ولا عقوبة عليهم أشد من فقد علم التوبة. فقيل: ما التوبة؟ فقال: أن لا تنسى ذنبك. وقال: أول ما يؤمر به المبتدئ التحويل من الحركات المذمومة إلى الحركات المحمودة، وهي التوبة؛ ولا تصح له التوبة حتى يلزم نفسه الصمت، ولا يصح له الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة، ولا تصح له الخلوة إلاَّ بأكل الحلال، ولا يصح له أكل الحلال إلاَّ بأداء حق الله تعالى، ولا يصح له أداء الحق إلاَّ بحفظ الجوارح والقلب، ولا يصح له ما وصفنا حتى يستعين بالله عزَّ وجلَّ على جميعه. فقيل: ما علامة صدق التوبة؟ قال علامتها أن يدع ما له سوى ما ليس له. وسئل سهل عن الرجل يتوب ويقلع عن ذلك الذنب، ثم يخطر ذلك بقلبه أو يراه أو يسمع به فيجد حلاوة ذلك الذنب السيء كيف الحيلة فيه؟ فقال: وجدان الحلاوة من الطبع لا يتحول، فيصير المحبوب مكروهاً؛ ولكن يقهر عزم القلب فيرجع في ذلك إلى الله عزَّ وجلَّ، ويرفع إليه شكواه، ويلزم نفسه وقلبه الإنكار ولا يفارقه، فإنه إن غفل عن الإنكار طرفة عين تخوفت عليه أن لا يسلم منه. قال: دعوا القال والقيل كله في هذا الزمان، عليكم بثلاث: توبوا إلى الله عزَّ وجلَّ مما تعرفوه بينكم وبينه، وأدوا مظالم العباد التي قبلكم، فإذا أصبحتم فلا تحدثوا أنفسكم بالمساء، وإذا أمسيتم فلا تحدثوا أنفسكم بالصباح، لأن الأحداث قد كثرت، والخطر عظيم، فاتقوا الله، وألزموا أنفسكم التوبة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ ٱلسَّائِحُونَ} [الآية: 112]. قال سهل: ليس فى الدنيا شىء من الحقوق أوجب على الخلق من التوبة، ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة. قال ابن عطاء: لا تصح العبادة إلا بالتوبة له إلا بالمداومة والسياحة والرياضة ولا هذه المقامات وهذه المقدمات إلا بمداومة الركوع والسجود، ولا يصح هذا كله إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يصح شىء مما تقدم إلا بحفظ الحدود ظاهرًا وباطنًا، والمؤمن من تكون هذه صفته، لأن الله يقول: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الذين هم بهذه الصفة. وقيل فى قوله: {ٱلتَّائِبُونَ} الراجعون إلى الله بالكلية عن جميع ما لهم من صفاتهم وأحوالهم. {ٱلْعَابِدُونَ} القائمون معه على حقيقة شرائط الخدمة. {ٱلْحَامِدُونَ} العارفون نعم الله عليهم في كل خطوة وطرفة عين. {ٱلسَّائِحُونَ} الذين حبسوا أنفسهم عن مرادها طلبًا لرضاه. {ٱلرَّاكِعُونَ} الخاضعون له على الدوام الساجدون الطالبون قربه. {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} الآمرون بسنة النبى صلى الله عليه وسلم. {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} عن ارتكاب مخالفات السنن. {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} المراعون أوامر الله عليهم في جوارحهم وقلوبهم وأسرارهم وأرواحهم {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} القائمون بحفظ هذه الحرمات. قال أبو يزيد رحمة الله عليه: السياحة راحة من ساح راح. قال أبو سعيد الخراز في قوله: {ٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} قال: هم الذين أصغوا إلى الله بآذان أفهامهم الواعية وقلوبهم الطاهرة، ولم يتخلفوا عن بداية بحال. قال بعضهم: الناس أربعة: تائب وعابد ومحب وعارف، فالتائب يعمل للنجاة، والعابد يعمل للدرجات، والمحب يعمل للقربات، والعارف يعمل لرضا ربه من غير حظ لنفسه فيه. قال بعضهم: التائب: الراجع إليه من كل ما سواه، والعابد المداوم على الخدمة مع رؤية التقصير، والحامد الذى يحمد على الضراء حمده على السراء. والسائح هو الذى يسيح فى طلب الأولياء والأوتاد. والراكع الساجد هو الخاضع لله عز وجل فى جميع الأحوال. {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} هم المتحابون فى الله {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} هم المتباغضون فى الله {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} القائمون معه على آداب السنن والشريعة.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ}. مَدَحَهُم بعد ما أوقع عليهم سِمَةَ الاشتراء بقوله: {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ...} ومَنْ رَضِيَ بما اشتراه فإنَّ له حقَّ الردِّ إذا لم يَعْلَمْ العيبَ وقتَ الشِّراء، فأَمَّا إذا كان عالماً به فليس له حقُّ الردِّ؛ قال تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الدخان: 32]. ويقال مَنْ اشترى شيئاً فَوَجَدَ به عيْباً ردَّه على مَنْ منه اشتراه ولكنه - سبحانه - اشترى نفوسَنا منه، فإذا أراد الردَّ فلا يردُّ إلا على نَفْسِه؛ قال تعالى: {أية : ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنعام: 62] وكما أنَّ الردَّ إليه فلو ردَّنا كان الردُّ عليه. قوله تعالى: {ٱلتَّائِبُونَ} أي الراجعون إلى الله، فَمِنْ راجعٍ يرجع عن زلَّتِه إلى طاعته، ومِنْ راجع، يرجع عن متابعة هواه إلى موافقة رضاه، ومِنْ راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومِنْ راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جِنْسِه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه. ويقال تَائِبٌ يرجع عن أفعاله إلى تبديل أحواله؛ فيجد غداً فنونَ أفضاله، وصنوفَ لطفه ونواله، وتائبٌ يرجع عن كل غيرٍ وضدٍ إلى ربِّه بربِّه لربِّه بِمَحْوِ كلِّ أَرَبٍ، وعَدَمِ الإحسان بكلِّ طلب. وتائب يرجع لحظِّ نَفْسِه من جزيل ثوابه أو حَذَراً - على نفسه - من أليم عذابه، وتائب يرجع لأمره برجوعه وإيابه، وتائب يرجع طلباً لفرح نفسه حين ينجو مِنْ أوضاره، ويخلص من شؤم أوزاره، وتائب يرجع لَمَّا سمع أنه قال: إنَّ اللهَ أَفْرَحُ بتوبةِ عَبْدِه من الأعرابي الذي وَجَدَ ضَالَّتَه - كما في الخبر، "وشتَّان ما هما"! وأنشدوا: شعر : أيا قادماً من سَفْرَة الهَجْر مَرْحَبَا أُنَادِيكَ لا أنساكَ ما هبَّتْ الصَّبَا تفسير : وأمَّا قوله {ٱلْعَابِدُونَ}: فهم الخاضعون بكلِّ وجه، الذين لا تَسْتَرِقُّهم كرائمُ الدنيا، ولا تستعبدهم عظائمُ العُقْبَى. ولا يكون العبدُ عبداً لله - على الحقيقة - إلا بعد تجرُّدِه عن كل شيءٍ حادثٍ. وكلُّ أحدٍ فهو له عَبْدٌ من حيث الخِلْقة؛ قال تعالى: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً}تفسير : [مريم: 93]. ولكنَّ صاحبَ العبودية خاصٌّ. قوله جلّ ذكره: {ٱلْحَامِدُونَ}. هم الشاكرون له على وجود أفضاله، المُثْنُونَ عليه عند شهود جلاله وجماله. ويقال: الحامدون بلا اعتراضٍ على ما يحصل بقدرته، وبلا انقباضٍ عما يجب من طاعته. ويقال الحامدون له على منعه وبلائه كما يحمدونه على نفعه وعطائه. ويقال الحامدون إذا اشتكى مَنْ لا فُتُوَّة له المادحون إذا بكى مَنْ لا مروءةَ له. ويقال الشاكرون له إنْ أدناهم، الحامدون له إن أقصاهم. قوله جلّ ذكره: {ٱلسَّائِحُونَ}. الصائمون ولكن عن شهود غير الله، الممتنعون عن خدمة غير الله، المكتفون من الله بالله. ويقال السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الاعتبار طلباً للاستبصار، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها ومناكبها، والاستدلال بتغيُّرها على مُنْشِئِها، والتحقق بحكمةِ خالِقها بما يَرَوْنَ من الآيات فيها، ويسيحون بأسرارهم في الملكوتِ فيجدون رَوْحَ الوصال، ويعيشون بنسيم الأنْسِ بالتحقق بشهود الحق. قوله جلّ ذكره: {ٱلرَّاكِعُونَ}. الخاضعون لله في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التجلِّي، وفي الخبر. "إن الله ما تجلَّى لشيءٍ إلا خَشَع له". وكما يكون - في الظاهر - راكعاً يكون في الباطن خاشعاً، ففي الظاهر بإحسان الحقِّ إليه يُحْسنِ تولِّيه، وفي الباطن كالعيان للعيان للحقِّ بأنوار تجلِّيه. قوله جلّ ذكره: {ٱلسَّاجِدونَ}. في الظاهر بنفوسهم على بِساط العبودية، وفي الباطن بقلوبهم عند شهود الربوبية. والسجود على أقسام: سجود عند صحة القصود فيسجد بنعت التذلل على بساط الافتقار، ولا يرفع رأسه عن السجود إلا عند تباشير الوصال. وسجودٌ عند الشهود إذا تجلَّى الحقُّ لقلبه سَجَدَ بقلبه، فلم ينظر بعده إلى غيره، وسجودٌ في حال الوجود وذلك بخموده عن كليته، وفنائه عن الإحساس بجميع أوصافه وجملته. قوله جلّ ذكره: {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. هم الذين يَدْعُون الخَلْقَ إلى الله، ويُحَذرونهم عن غير الله. يتواصَوْن بالإقبال على الله وتَرْكِ الاشتغال بغير الله. يأمرون أنفسَهم بالتزام الطاعات بِحَمْلِهم إياها على سَنَن الاستقامة، ويَنْهَوْن أنفسَهم عن اتِّباع المنى والشهوات بِتَرْكِ التعريج في أوطان الغفلة، وما تعودوه من المساكنة والاستنامة. والحافظون لحدود الله، هم الواقفون حيث وقفهم الله، الذين لا يتحركون إلا إذا حَرَّكَهم ولا يَسْكنُون إلا إذا سكنهم، ويحفظون مع الله أنْفَاسَهُمْ.
اسماعيل حقي
تفسير : {التائبون} قال الزجاج هو مبتدأ خبره مضمر. والمعنى التائبون الى آخر الآية من اهل الجنة كالمجاهدين فيما قبل هذه الآية فيكون الوعد بالجنة حاصلا للمجاهدين وغيرهم من المؤمنين وان لم يجاهدوا اذا كانوا غير معاندين ولا قاصدين لترك الجهاد والمراد التائبون عن الشرك والنفاق وكل معصية صغيرة كانت او كبيرة. وأصل التوبة الرجوع فإذا وصف بها العبد يراد بها الرجوع من العقوبة الى المغفرة والرحمة وهى واجبة على الفور ويتقدمها معرفة الذنب المرجوع عنه انه ذنب وعلامة قبولها اربعة اشياء. ان ينقطع عن الفاسقين. ويتصل بالصالحين بالتردد الى مجالسهم الشريفة اينما كانوا. وان يقبل على جميع الطاعات اذ الرجوع اذا صح من القلب ترى الاعضاء تنقاد لما خلقت له كالشجرة اذا صلح اصلها اثمر فرعها وان يذهب عنه فرح الدنيا اذ المقبل على الله لا يفرح بشئ مما سواه وكان عليه السلام متواصل الاحزان دائم الفكر. وان يرى نفسه فارغا عما ضمن الله له يعنى الرزق مشتغلا بما امر الله تعالى قال الله تعالى "حديث : يا ابن آدم خلقتك من تراب ثم من نطفة ولم يعينى خلقك من العدم أفيعيينى رغيف اسوقه لك فى حين وجودك" تفسير : فاذا وجدت هذه العلامات وجب على الناس ان يحبوه فان الله قد احبه ويدعوا له ان يثبته الله على التوبة ولا يعيروه بذنوبه ويجالسوه ويكرموه وليحذر التائب من نقض العهد والرجوع الى المعصية [يحيى بن معاذ كفت يك كناه بعد از توبه قبيحترست هفتاد كناه ييش از توبه]. قال القشيرى قدس سره التائبون اصناف فمن راجع يرجع عن زلته الى طاعته ومن راجع يرجع عن شهود نفسه الى شهود لطفه ومن راجع يرجع عن الاحسان بنفسه وابناء جنسه الى الاستغراق بحقائق ربه {العابدون} الذين عبدوا الله تعالى مخلصين له شعر : عبادت باخلاص نيت نكوست وكرنه جه آيد زبى مغز بوست تفسير : والعبادة عبارة عن الاتيان بفعل يشعر بتعظيم الله تعالى [كويند امام اعظم رحمه الله بيست سال بوضوء شب نمار روز كزارد وهركز بهلو برزمين ننهاد وجامه خواب نداشت وسر برهنه نشست وباى دراز نكرد] وفى الحديث "حديث : ان ابغض الخلق الى الله الصحيح الفارغ " تفسير : .وقال القشيرى قدس سره {العابدون} الخاضعون لله بكل وجه الذين لا يسترقهم كرائم الدنيا ولا يستعبدهم عظائم العقبى فلا يكون العبد عبد الله على الحقيقة الا بعد تجرده عن كل حادث {الحامدون} اى المثنون عليه بالاءه الشاكرون له على نعمائه المادحون له بصفاته واسمائه وعمم بعضهم الحمد فأوجبه على النعم الدينية والدنيوية وكذا على الشدائد والمصائب فى الدنيا فى اهل او نفس او مال لانها تحذف لانها عبارات متداخلة نعم بالحقيقة بدليل انها تعرض العبد لمثوبات جزيلة حتى ما يقاسيه الاطفال عند الموت من الكرب الشديد ترجع فائدته الى الولى الصابر وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الحمد لله على ما ساء وسرّ " .تفسير : كما فى منهاج العابدين. ومما ينبغى ان يعلم ان التوفيق للتوحيد نعمة عظيمة من الله تعالى فليقل المؤمن دائما الحمد لله على دين الاسلام وتوفيق الايمان. قال مجاهد فى تفسير قوله تعالى {أية : أليس الله باعلم بالشاكرين} تفسير : [الأنعام: 53]. يعنى بالشاكرين على التوحيد فاذا عرفت هذا فلا يغرنك قول من قال ان نفس الدين وكذا الاسلام والايمان ليس بنعمة فكيف يحمد عليه. وقال القشيرى {الحامدون} هم الذين لا اعتراض لهم على ما يحصل بقدرته ولا انقباض لهم عما يجب من طاعته {السائحون} عن ابن عباس رضى الله عنهما كل ما ذكر فى القرآن من السياحة فهو الصيام وفى الحديث "حديث : سياحة امتى الصوم " . تفسير : قال الشاعر شعر : تراه يصلى ليله ونهاره يظل كثير الذكر لله سائحا تفسير : اى صائما وشبه الصوم بالسياحة لانه عائق عن الشهوات كالسائح لا يتوسع فى استيفاء ما يميل اليه طبعه لان الصوم رياضة نفسانية يتوسل بها الى العثور على خفايا الملك والملكوت كما ان السائح يصل الى ما لم يعرفه ولم يره. وقال بعض العرفاء النكتة ان السياح يسيح فى الارض فأى بلد استطاب المقام فيه اقام واذا لم يستطب خرج منه الى بلد آخر فكذا الصائم اذا دخل الجنة يقال له ادخل من أى باب شئت واى غرفة وقصر استطبتها فانزلها فيسيح فى قصور الجنة ومنازلها اين ما شاء كالسياح فى الارض. وقال الحسن {السائحون} الذين صاموا عن الحلال وامسكوا عن الحرام وههنا والله اقوام رأيناهم يصومون عن الحلال ولا يمسكون عن الحرام والله ساخط عليهم. وقال القشيرى هم الصائمون عن شهود غير الله المكتفون من الله بالله. وقال فى التأويلات النجمية {السائحون} السائرون الى الله بترك ما شغلهم عنه. وقال عطاء المراد الغزاة فى سبيل الله يقطعون المنازل والمراحل الى أن يصلوا الى ديار الكفرة فيجاهدوهم. وقال عكرمة هم طلاب العلم ينتقلون من بلد الى بلد. ورحل جابر رضى الله عنه من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لا يعد احد كاملا الا بعد رحلته ولا يصل الى مقصوده الا بعد هجرته وقالوا كل من لم يكن استاذ يصله بسلسلة الاتباع ويكشف عن قلبه القناع فهو فى هذا الشأن سبط لا اب له دعى لا نسب له {الراكعون الساجدون} فى الصلاة وانما كنى بالركوع والسجود عن الصلاة لكون جهة العيادة اظهر فيهما بالنسبة الى باقى اركان الصلاة فان هيئتى القيام والقعود قد يؤتى بهما على وفق العادة بخلاف الركوع والسجود فانهما ليسا من الهيآت الطبيعية الموافقة للعادة فلا يؤتى بهما الا على سبيل العبادة فكان لهما مزيدا اختصاص بالصلاة. وقال القشيرى {الراكعون} الخاضعون لله فى جميع الاحوال بخمودهم تحت سلطان التجلى وفى الخبر "حديث : ان الله اذا تجلى لشئ خضع له " .تفسير : و{الساجدون} بنفوسهم فى الظاهر على بساط العبودية وبقلوبهم فى الباطن عند شهود الربوبية. وقال فى التأويلات النجمية {الراكعون} الراجعون عن مقام القيام بوجودهم الى القيام بموجودهم {الساجدون} الساقطون عن هم على عتبة الوحدة بلاهم شعر : جون تجلى كرد اوصاف قديم بس بسوزد وصف حادث را كليم تفسير : {الآمرون بالمعروف} اى بالايمان والطاعة {والناهون عن المنكر} اى عن الشرك والمعاصى. وقال الحدادى المعروف هو السنة والمنكر هو البدعة. قال ابن ملك عند قوله عليه السلام "حديث : وكل بدعة ضلالة " .تفسير : يعنى كل خصلة جديدة اتى بها ولم يفعلها النبى عليه السلام ضلالة لان الضلالة ترك الطريق المستقيم والذهاب الى غيره والطريق المستقيم الشريعة خص من هذا الحكم البدعة الحسنة كما قال عمر رضى الله عنه فى التراويح نعمت البدعة. قال العلماء البدع خمس واجبة كنظم الدلائل لرد شبه الملاحدة وغيرهم. ومندوبة كتصنيف الكتب وبناء المدارس ونحوها. ومباحة كالبسط فى الوان الاطعمة وغيرها. ومكروهة. وحرام وهما ظاهران انتهى. يقول الفقير البناء اما لدرس العلم الظاهر واما لتعليم علم الباطن فاذا كان بناء المدارس من البدعة الحسنة فليكن بناء الخانقاه منها ايضا بل بناء الخانقاه اشرف لشرف معلومة فمن قال انه ليس فى مكة والمدينة خانقاه فما هذه الخوانق فى البلاد الرومية. وغيرها ونهى عن الخانقاه والتردد اليه لجمعية الذكر واصلاح الحال بالخلوة والرياضة فانما قاله من جهله وحماقته ونهى عن ضلالته وشقاوته فهو ليس بآمر بالمعروف ولا ناه عن المنكر بل بالعكس كما لا يخفى ولقد كثر أمثال هذا المنكر الطاعن فى هذا الزمان مع انهم لا حجة لهم ولا برهان والله المستعان. وقال القشيرى الآمرون والناهون هم الذين يدعون الخلق الى الله تعالى ويحذرونهم عن غير الله يتواصون بالاقبال على الله وترك الاشتغال بغير الله ثم انه انما تخللت الواو الجامعة بين الآمرون والناهون للدلالة على انهما فى حكم خصلة واحدة لا يعتبر احدهما بدون الآخر وعلى هذا فثامن الاوصاف هو قوله {والحافظون} وواوه واو الثمانية وقيل الصفة الثامنة هى قوله {والناهون} وواوه واو الثمانية وذلك ان العرب اذا ذكروا اسماء العدد على سبيل التعداد يقولون واحد اثنان ثلاثة اربعة خمسة ستة سبعة ثم يدخلون الواو على الثمانية ويقولون وثمانية تسعة عشرة للايذان بان الاعداد قد تمت بالسابع من حيث ان السبعة هو العدد التام وان الثامن ابتداء تعداد آخر. قال القرطبى هى لغة فصيحة لبعض العرب وعليها قوله {أية : ثيبات وأبكارا} تفسير : [التحريم: 5]. وقوله {أية : وثامنهم كلبهم} تفسير : [الكهف: 22]. وقوله {أية : وفتحت ابوابها} تفسير : [الزمر: 73]. لان ابواب الجنة ثمانية واليه ذهب الحريرى فى درة الغواص وغيره من العلماء. وقال النسفى فى تفسيره المسمى بالتيسير لا اصل لهذا القول عند المحققين فليس فى هذا العدد ما يوجب ذلك والاستعمال على الاطراد كذلك قال الله تعالى {أية : الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر} تفسير : [الحشر: 23]. بغير واو وقال تعالى {أية : ولا تطع كل حلاف مهين} تفسير : [القلم: 10] الآية بغير واو فى الثامنة {والحافظون لحدود الله} اى فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع عملا وحملا للناس عليه وقال القشيرى هم الواقفون حيث وقفهم الله الذين يتحركون اذا حركهم ويسكنون اذا سكنهم ويحفظون مع الله انفاسهم. ثم انه لما كانت التكاليف الشرعية غير منحصرة فيما ذكر بل لها اصناف واقسام كثيرة لا يمكن تفصيلها وتثبيتها الا فى مجلدات. ذكر الله تعالى سائر اقسام التكاليف على سبيل الاجمال بقوله {والحافظون لحدود الله} والفقهاء ظنوا ان الذى ذكروه فى بيان التكاليف واف ليس كذلك لان الافعال المكلفين قسمان افعال الجوارح وافعال القلوب وكتب الفقه مشتملة على شرح اقسام التكاليف المتعلقة باعمال الجوارح. واما التكاليف المتعلقة باعمال القلوب فليس فى كتبهم منها الا قليل نادر وبعض مباحثها مدون فى الكتب الكلامية والبعض الآخر منها فصله الامام الغزالى وامثاله فى علم الاخلاق ومجموعها مندرج فى قوله تعالى {والحافظون لحدود الله} [شيخ احمد غزالى ببرادرش امام محمد غزالى كفت جمله علم ترابدو كلمه آورده ام التعظيم لامر الله والشفقة على خلق الله]. قال الحدادى وهذه الصفة من اتم ما يكون من المبالغة فى وصف العباد بطاعة الله والقيام باوامره والانتهاء عن زواجره لان الله تعالى بين حدوده فى الامر والنهى وفيما ندب اليه فرغب اليه او خير فيه وبين ما هو الاولى فى مجرى موافقة الله تعالى فاذا قام العبد بفرائض الله تعالى وانتهى الى ما اراد الله منه كان من الحافظين لحدود الله كما روى عن خلف بن ايوب انه امر امرأته ان تمسك عن ارضاع ولده فى بعض الليل وقال قد تمت له السنتان فقيل له لو تركتها حتى ترضعه هذه الليلة قال فاين قوله تعالى {والحافظون لحدود الله} {وبشر المؤمنين} يعنى هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل. ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على ان ايمانهم دعاهم الى ذلك وان المؤمن الكامل كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل وبشرهم بما يجل عن احاطة الافهام وتعبير الكلام واعلى ذلك رؤية الله تعالى فى دار السلام. واعلم ان كل عمل له جزاء مخصوص يناسبه كالصوم مثلا جزاؤه الاكل والشرب كما قال تعالى {أية : كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم فى الايام الخالية} تفسير : [الحاقة: 24]. وقس على هذا باقى الاعمال واجتهد فى تحصيل الحال وفقنا الله واياكم الى اسباب مرضاته
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (التائبون): خبر، أي: هم التائبون، أو مبتدأ حُذف خبره، أي: التائبون في الجنة وإن لم يجاهدوا، لقوله تعالى:{أية : وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [النساء:95]، أو خبره ما بعده، أي: التائبون عن الكفر، على الحقيقة، وهم الجامعون لهذه الخصال. يقول الحق جل جلاله: في وصف البائعين أنفسهم وأموالهم: هم {التائبُون} عن الكفر والمعاصي والهفوات والغفلات، {العابدون} لله، مخلصين له الدين، {الحامدون} لله في السراء والضراء وعلى كل حال، {السائحون} أي: الصائمون، لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : سِيَاحَةُ أُمتي الصوم"،تفسير : شبه بها من حيث إنه يعوق عن الشهوات، أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملكوت والجبروت. أو السائحون للجهاد، أو لطلب العلم، أو لزيادة المشايخ والإخوان. {الراكعون الساجدُون} في الصلاة، {الآمرون بالمعروف} أي: بكل ما هو معروف محمود، كالإيمان والطاعة، {والناهُون عن المنكر} أي: كل ما هو منكر في الشرع، كالكفر والمعاصي، {والحافظون لحدود الله} أي: لكل ما حده الشارع وعينه من الحقائق والشرائع. قال البيضاوي: وعطف قوله: {والناهون عن المنكر} دون ما قبله؛ للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة، كأنه قال: الجامعون بين الوصفين، وعطف أيضاً قوله: {والحافظون لحدود الله}؛ للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل، وهذا مجملها، وقيل: للإيذان بأن التعداد قد تم بالسابع، من حيث إن السبعة هو العدد التام، والثامن ابتداء لعدد آخر معطوف عليه، ولذلك سمى واو الثمانية. هـ. بالمعنى. {وبشر المؤمنين} الموصوفين بهذه الفضائل، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم؛ للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام. قاله البيضاوي. الإشارة: قد جمعت هذه الآية معارج الترقي من البداية إلى النهاية، فأول المقامات: التوبة، فإذا تابت النفس ورجعت عن هواها قصدت السير إلى حضرة مولاها، فاشتغلت بالعبادة الظاهرة، التي هي عمل الشريعة، فإذا ظهر عليها أمارات التوفيق، ولاحت لها أنوار التحقيق، حمدت الله وشكرته؛ تقييداً لتلك النعمة، ثم تسيح فكرتها في ميادين الغيوب من الملكوت إلى الجبروت، ثم ترد إلى مراسم الشريعة، إذ منتهى الكمال: التزام الشرائع، فتركع وتسجد البشرية، أدباً في عالم الأشباح، ويركع القلب ويسجد في مسجد الحضرة في عالم الأرواح، فحينئذٍ تصلح للوعظ والتذكير، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر الظاهريْن؛ لأهل التشريع، والباطنيْن؛ لأهل التحقيق، فالأول يسمى وعظاً وتذكيراً، والثاني يسمى تربية وترقية، ولا يقبل ذلك إلا ممن وقف مع الحدود، ووفى بالعهود، فيبشر حينئذٍ بالسعادة العظمى والمقام الأسنا. قال القشيري: لقوله تعالى: {السائحون} أي: الصائمون، ولكن عن شهود غير الله، المُمْتنعون عن خدمة غير الله، المكتفون من الله بالله، ويقال: السائحون الذين يسيحون في الأرض على جهة الأعتبار؛ طلباً للاستبصار، ويسيحون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغربها؛ بالتفكر في جوانبها ومناكبها، والاستبدال بتغيُّرها على مُنْشِئتها، والتحقق بحِكَم خالقها بما يَرَوْنَ من الآيات التي فيها، ويسيحون بأسراهم في الملكوت، فيجدون رَوْحَ الوصال، ويعيشون بنسيم الأنْسِ؛ بالتحقيق بشهود الحق. انتهى وانظر الورتجبي؛ فقد جعل وصف الإيمان يحمل على التوبة، ثم التوبة الصادقة تستدعي العبادات والمجاهدات المؤدية للعبودية، فإذا تمت له نعمة للعبودية اقتضت حمد الله تعالى، فيحمده تعالى معترفاً بعجزه عن القيام بحمده؛ كما في حديث: "حديث : أنتَ كَمَا أثنَيتَ عَلى نَفسِك"،تفسير : ثم الحمد والذكر يقتضي حبس النفس عن مألوفاتها حين عاين حِمَى هلال جماله في سماء الإيقان. ألا ترى كيف قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : صُومُوا لِرؤْيِتِهِ"،تفسير : ولا يكون فطره إلا على حلاوة مشاهدته لقوله: "حديث : وأفطِرُوا لرُؤْيَتِهِ"،تفسير : فالسائحون طيارون بقلوبهم في أقطار الغيب، وذلك يقتضي الخضوع بنعت الفناء عند مشاهدة العظمة، فيركع شوقاً لجماله، وخضوعاً لجلاله، وعند ركوعه وخضوعه تحيط به أنوار الصفات، فيسجد لكل الجهات؛ {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 115]. وهذا السجود يقتضي الغربة، والغربة تقتضي المشاهدة، والمشاهدةُ تصير شاهدها متصفاً بصفاتها، فمن وقع في نور أسماء الله وصفاته صار متصفاً بوصف الربوبية، متمكناً في العبودية، فيحكم بحكم الله، ويعدل بعدل الله، فيصفهم الله بهذه النعوت، قال: (الآمرون بالمعروف) الداعون الخلق إلى الحق، والناهون لهم عن متابعة الشهواتِ، والحافظون لحدود الله، القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم، فلا يتجاوزون عن حد العبودية، وإن ذاقوا طعم حلاوة الربوبية؛ لأنهم في محل التمكين على أسوة مراتب النبي صلى الله عليه وسلم، مع كماله، قال: "حديث : أنا العبد لا إله إلا الله".تفسير : انتهى. ثم نهى نبيه عن الاستغفار للمشركين، وينخرط فيهم من تخلف عن تبوك من المنافقين، فقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}.
الطوسي
تفسير : قيل في ارتفاع قوله {التائبون} ثلاثة اقوال: احدها - انه ارتفع بالمدح والتقدير هم التائبون. الثاني - بالابتداء وخبره محذوف بعد قوله: {والحافظون لحدود الله} لهم الجنة. الثالث - على أن يكون بدلا من الضمير في "يقاتلون" أي إنما يقاتل في سبيل الله من هذه صفته. وقيل هو كقوله {لكن الرسول والذين آمنوا معه... التائبون} وقرأ أبي كل ذلك بالنصب على أنه صفة للمؤمنين. وصف الله تعالى المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأنهم التائبون ومعناه الراجعون إلى طاعة الله المنقطعون اليه والنادمون على ما فعلوه من قبيح {العابدون} اي يعبدون الله وحده لا شريك له {الحامدون} يعني الشاكرون لنعم الله عليهم على وجه الاخلاص له. وقال الحسن: هم الذين يحمدون الله على كل حال في سرّاء كانوا او ضرّاء، وبه قال قتادة: {السائحون} قيل معناه الصائمون. وقال المؤرج: السائحون الصائمون بلغة هذيل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال "حديث : سياحة امتي الصوم" تفسير : وهو قول ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد. وقال الحسن: هم الذين يصومون ما افترض الله عليهم. وقال غيره: هم الذين يصومون دائماً وكذلك قال في قوله {الراكعون الساجدون} انهم الذين يؤدون ما افترض الله عليهم من الصلاة والركوع والسجود. وأصل السيح الاستمرار بالذهاب في الأرض كما يسيح الماء فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المشتهى من المآكل والمشارب والمنكح. وقوله {الراكعون الساجدون} معناه الذين يقيمون التي فيها الركوع والسجود {الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} معناه الذين يأمرون بما امر الله به من الواجبات والمندوبات وينهون عما نهى الله عنه وزهد فيه من القبائح. وانما عطف الناهون بالواو دون غيره من الصفات لأنه لا يكاد يذكر على الافراد بل يقال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فجاءت الصفة مصاحبة للاولى، فأما قوله {والحافظون} فلأنه جاء وهو أقرب إلى المعطوف، ومعنى {الحافظون لحدود الله} انهم يحفظون ما أمر الله به ونهى عنه فلا يتجاوزونه إلى غيره. وقوله: {وبشر المؤمنين} امر للنبي صلى الله عليه وآله ان يبشر المؤمنين المصدقين بالله المعترفين بنبوته بالثواب الجزيل والمنزلة الرفيعة وخاصة إذا جمعوا هذه الأوصاف على كمالها وتمامها دون غيرهم.
اطفيش
تفسير : {التَّائبونَ} أى هؤلاء البائعون هم التائبون، فهو خبر لمحذوف على المدح، ويدل له قراءة ابن مسعود، وأبىّ التائبين بالياء، نصبا بمحذوف على المدح، أى أعنى أو جرى على أنه نعت المؤمنين، وكذا هو فى مصحف ابن مسعود، وقيل: هو بدل من واو يقاتلون، وأجاز الزجاج كونه مبتدأ محذوف الخبر يقدر بعد تمام الأوصاف هكذا من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا، لقوله سبحانه وتعالى: {أية : وكلاًّ وعد الله الحسنى}. تفسير : ويجوز كونه مبتدأ خبره ما بعده، وما بعد ذلك أخبار متعددة، أى التائبون من الكفر والمعاصى على الحقيقة هم الجامعون للعبادة والحمد، وما بعد ذلك، وقيل: خبره الآمرون والتوبة باحتراق القلب على المعصية، والندم والعزم على تركها، وخوف العقاب، ورد المظالم إن كانت عن المظلمة، وعلى الوجهين الأخيرين لا يكون ذلك فى خصوص البائعين، وعلى ما قبلهما يكون فى خصوصهم، فلا يدخل فى البعدية إلا من جمع هذه الصفات، أو ما تعين عليه منها. وسأل رجل الضحاك عن قوله سبحانه وتعالى: {أية : إن الله اشترى} تفسير : الآية وقال: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل، فقال الضحاك: ويلك أين الشرط {التائبون العابدون} الآية وقول الضحاك هذا صواب، وقال بعض قومنا: إنه تشديد، وإن الشهادة ماحية لكل ذنب إلا مظالم العباد، وإنه روى أن الله تعالى يحمل عن الشهيد مظالم العباد ويجازيهم عنه، وذكر بعضهم أن المراد التوبة من كل معصية، ومما الأولى خلافه، والرجوع من حال إلى ما هو أحسن. {العَابدُونَ} المتقربون إلى الله بالفرض والنفل بإخلاص. {الحَامِدُونَ} الذاكرون الله فى السراء والضراء بأوصافه الحسنى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قضى الله خيرا لكل مسلم إن أعطاه شكر، وإن ابتلاه صبر" تفسير : أو الشاكرون الله على النعم، والأول أظهر، وفى الحديث: "حديث : أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله فى السراء والضراء ". تفسير : {السَّائحونَ} قال ابن مسعود وابن عباس: الصائمون، وكذا فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى: "حديث : سياحة أمتى الصوم" تفسير : وعن الحسن السياحة كثرة الصوم، وذلك أن فى الصوم ترك اللذات كالسياحة، ولأنه رياضة نفس، وتهذيب لها، فيوصل إلى خفايا الملك والملكوت، كما أن السائح يلقى أنواع ضر فيصبر، والعلماء والصالحين فيستفيدوا عجائب فيتفكر وتعود عليه بركة ذلك كله، وقد قال بعضهم: السائحون الجائلون بأفكارهم فى قدرة الله وملكوته وهو حسن. قال معاذ بن جبل: اقعد بنا نؤمن ساعة نفكر فيزداد إيماننا، ويترك الشهود تنفتح الحكمة والأنوار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه فيصير من السائحين فى عالم جلال الله، المنتقلين من مقام إلى مقام، ومن درجة إلى درجة، ولا يتأتى الإخلاص مع تتبع اللذات ". تفسير : وقال عطاء: السائحون القراء، "حديث : قال عثمان بن مظعون: يا رسول الله إيذن لنا فى السياحة، فقال: "إن سياحة أمتى فى الجهاد فى سبيل الله"" تفسير : وقال عكرمة: المنتقلون من بلد إلى بلد فى طلب العلم. {الرَّاكعوُنَ السَّاجِدُونَ} أى المصلون، وعبر بالركوع والسجود لأنهما معظم أركان الصلاة، وبهما تتميز، بخلاف القيام والقعود فإنهما أيضا فى غير الصلاة. {الآمِرُونَ بالمعْرُوف} الإيمان والطاعات والبر. {والنَّاهُونَ عَن المنْكَر} الشرك والمعاصى والجفا، وما مدحهم الله تعالى بالأمر والنهى حتى ائتمروا وانتهوا، وعطف هذا بالواو دلالة على الجمع، وللدلالة على أنهما كخصلة واحدة كأنه قيل: الجامعون بين الأمر والنهى، وقيل لأن هذا من الأوصاف، فهى ولو الثمانية للابتداء عدد، لأن السبعة عدد تام، وباقى الكم عليها إن شاء الله، وقيل: الخروج عن النعوت إلى الخبر والعطف عليه على أن التائبون مبتدأ خبره الآمرون. {والحافِظُونَ لحُدُود اللهِ} شرائعه على العموم، فدخل فيه القيام بالطاعة، وأداء الفرائض، والوفاء بالبيعة وغير ذلك، فللتنبيه على أنها على العموم، بخلاف ما قبلها فإنه على التفصيل، قرن بالعاطف، وقيل: لأن الأمر والنهى كخصلة واحدة بها تمت السبعة، فهذه واو الثمانية. {وبشِّرِ المؤمِنينَ} الموصوفين بتلك الفضائل، والأصل وبشرهم، ووضع الظاهر موضع المضمر تنبيها على أن داعيهم إليها إيمانهم، وأن كامل الإيمان مع جمعها، وقيل: المراد مطلق المؤمنين ممن إذا ما وجب عليه من ذلك ولو لم يجمع ذلك، فيكون ترغيبا بالتسهيل، وحذف المبشر به تعظيما عن أن يحيط الذكر به. "حديث : روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمه أبى طالب: "أنت أعلم الناس علىَّ حقا، وأحسنهم عندى أيدا أى نعمة، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتى وأحاج لك بها عند الله" وكان عنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية بن المغيرة، فقال: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأبى، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال كذلك، فما زالوا كذلك حتى قال: يا محمد والله لولا أنى أخاف أن تعيرنى قريش وتعير ولدى، وتذكرنى النساء فى مجتمعهن، وينسب إلى الجزع بالموت، لأقررت بها عينيك. ثم قال: دعنى أمت موتة الأشراف"تفسير : ، وقال: هو على ملة عبد المطلب، وكان هذا آخر كلامه، فمات قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل فى العاشرة من البيعة، وقد قال لقريش وهم عنده عند احتضاره: أنتم خيرة الله، اتبعوا محمدا فإنه على رشد وأمر يعوف ويقبل، وانصروه قبل أن تنصره الأطراف، فيكونوا صدورا وتكونوا أذنابا، ولو مد فى أجلى لكففت عنه الدواهى، وقالوا: إنه أرسل إليه يأتيك بشىء من الجنة التى يذكر فتشفى، فجاءه رسوله وعنده أبو بكر، فقال أبو بكر: حرمها الله على الكافرين، وأعاد رسوله، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ثم جاءه وأمره بما ذكر من الإسلام، ولم يؤمن. قال العباس: فنزل: {أية : إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء} تفسير : فقال: "حديث : والله لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك" تفسير : فكان يستغفر له، وكان يستغفر أيضا لأبيه، كما استغفر إبراهيم، ولأمه، فكان المؤمنون يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وأقاربهم المشركين مثلهما. "حديث : وروى أنه يوم الفتح زار قبر أمه بالأبواء، حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فى الاستغفار لها، وقد استأذن الله سبحانه فى زيارتها فأذن له، فتوضأ وصلى ركعتين، فجعل كأنه يخاطب أحدا، فقام باكيا ما رؤى بكى كيومئذ، فبكوا لبكائه، فسئل فقال: "أذن لى ربى فى زيارة أمى ولم يأذن لى فى الاستغفار، ثم صليت ركعتين بعد الركعتين فأعدت الاستئذان فزجرت زجرا، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" ثم دعا براحلته فركبها فسار قليلا، فوقفت الناقة لثقل الوحى فنزل فى نهيه ونهى المؤمنين معه أن يستغفروا للمشركين، وفى عذر إبراهيم والنهى عن القيام عليه قوله تعالى: {ما كانَ للنَّبىِّ والَّذينَ آمنُوا مَعه أنْ يسْتغفرُوا للمشْرِكينَ ولوْ كانُوا أولى قُرْبَى ...}".
الالوسي
تفسير : {ٱلتَّـٰئِبُونَ} نعت للمؤمنين، وقطع لأجل المدح أي هم التائبون ويدل على ذلك قراءة عبد الله. وأبـي {التائبين} بالياء على أنه منصوب على المدح أو مجرور على أنه صفة للمؤمنين. وجوز أن يكون {ٱلتَّـٰئِبُونَ} مبتدأ والخبر محذوف أي من أهل الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى: {أية : وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [النساء: 95] فإن كلاً فيه عام، والحسنى بمعنى الجنة. وقيل: الخبر قوله تعالى: {ٱلْعَـٰبِدُونَ} وما بعده خبر بعد خبر، وقيل: خبره {ٱلاْمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} وقيل: إنه بدل من ضمير {أية : يُقَـٰتَلُونَ }تفسير : [التوبة: 111] والأول أظهر إلا أنه يكون الموعود بالجنة عليه هو المجاهد المتصف بهذه الصفات لا كل مجاهد وبذلك يشعر ما أخرجه ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الشهيد من كان فيه الخصال التسع وتلا هذه الآية. وأورد عليه أنه ينافي ذلك ما صح من حديث مسلم من أن من قتل في سبيل الله تعالى وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر كفرت خطاياه إلا الدين فإنه ظاهر في أن المجاهد قد لا يكون متصفاً بجميع ما في الآية من الصفات وإلا لا يبقى لتكفير الخطايا وجه، وكأنه من هنا اختار الزجاج كونه مبتدأ والخبر محذوف كما سمعت إذ في الآية عليه تبشير مطلق المجاهدين بما ذكر وهو المفهوم من ظواهر الأخبار. نعم دل كثير منها على أن الفضل الوارد في المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي العليا وأن من قاتل للدنيا والسمعة استحق النار. وفي «صحيح مسلم» ما يقتضي ذلك فليفهم. والمراد من التائبين على ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن الحسن وقتادة الذين تابوا عن الشرك ولم ينافقوا. وأخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك أنهم الذين تابوا عن الشرك والذنوب، وأيد ذلك بأن التائبين في تقدير الذين تابوا وهو من ألفاظ العموم يتناول كل تائب فتخصيصه بالتائب عن بعض المعاصي تحكم. وأجيب بأن ذكرهم بعد ذكر المنافقين ظاهر في حمل التوبة على التوبة عن الكفر والنفاق، وأيضاً لو حملت التوبة على التوبة عن المعاصي يكون ما ذكر بعد من الصفات غير تام الفائدة مع أن من اتصف بهذه الصفات الظاهر اجتنابه للمعاصي، والمراد / من العابدين الذين أتوا بالعباد على وجهها، وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله تعالى في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح: { أية : وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً}تفسير : [مريم: 31] وقال قتادة: هم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم. {ٱلْحَـٰمِدُونَ} أي الذين يحمدون الله تعالى على كل حال كما روي عن غير واحد من السلف، فالحمد بمعنى الوصف بالجميل مطلقاً، وقيل: هو بمعنى الشكر فيكون في مقابلة النعمة أي الحامدون لنعمائه تعالى وأنت تعلم أن الحمد في كل حال أولى وفيه تأس برسول الله صلى الله عليه وسلم: فقد أخرج ابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في «الشعب» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«حديث : أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون على السراء والضراء»تفسير : وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان النبـي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال». {ٱلسَّـٰئِحُونَ} أي الصائمون، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود وأبـي هريرة رضي الله تعالى عنهم «أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر» وإليه ذهب جلة من الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة «سياحة هذه الأمة الصيام»، وهو من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن الشهوات كما أن السياحة تمنع منها في الأكثر، أو لأنه رياضة روحانية ينكشف بها كثير من أحوال الملك والملكوت فشبه الاطلاع عليها بالاطلاع على البلدان والأماكن النائية إذ لا يزال المرتاض يتوصل من مقام إلى مقام ويدخل من مدائن المعارف إلى مدينة بعد أخرى على مطايا الفكر. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة. وأخرج هو وأبو الشيخ عن عكرمة أنهم طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه، وقيل: هم المجاهدون لما أخرج الحاكم وصححه والطبراني وغيرهما «عن أبـي أمامة أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى» والمختار ما تقدم كما أشرنا إليه، وإنما لم تحمل السياحة على المعنى المشهور لأنها نوع من الرهبانية، وقد نهي عنها وكانت كما أخرج ابن جرير عن وهب بن منبه في بني إسرائيل. {ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ} أي في الصلوات المفروضات كما روي عن الحسن، فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي، وجعلهما بعضهم عبارة عن الصلاة لأنهما أعظم أركانها فكأنه قيل: المصلون {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} أي الإيمان {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} أي الشرك كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الأمرين، ولو أبقي لفظ النظم الجليل على عمومه لكان له وجه بل قيل إنه الأولى. والعطف هنا على ما في «المغني» إنما كان من جهة إن الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان بخلاف بقية الصفات [أو] لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر وهو ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر، وحاصله على ما قيل: إن العطف لما بينهما من التقابل أو لدفع الايهام. ووجه بعض المحققين ذلك بأن بينهما تلازماً في الذهن والخارج لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة بحسب الظاهر لأن أحدهما طلب فعل والآخر طلب ترك فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضى للعطف بخلاف / ما قبلهما، وقيل: إن العطف للدلالة على أنهما في حكم خصلة واحدة كأنه قيل: الجامعون بين الوصفين، ويرد على ظاهره أن {ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ} في حكم خصلة واحدة أيضاً فكان ينبغي فيهما العطف على ما ذكر إذ معناه الجامعون بين الركوع والسجود ويدفع بأدنى التفات. وإما العطف في قوله سبحانه: {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع فقيل للإيذان بأن العدد قد تم بالسباع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك يسمى واو الثمانية، وإليه مال أبو البقاء وغيره ممن أثبت واو الثمانية وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله ابن هشام وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، وقيل: إنه للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها، يعني أنه من ذكر أمر عام شامل لما قبله وغيره، ومثله يؤتى به معطوفاً نحو زيد وعمرو وسائر قبيلته كرماء فلمغايرته بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه، وقيل: هو عطف عليه، وقيل: هو عطف على ما قبله من الأمر والنهي لأن من لم يصدق فعله قوله لا يجدي أمره نفعاً ولا يفيد نهيه منعاً. وقال بعض المحققين: إن المراد بحفظ الحدود ظاهره وهي إقامة الحد كالقصاص على من استحقه؛ والصفات الأول إلى قوله سبحانه: {ٱلآمِرُونَ} صفات محمودة للشخص في نفسه وهذه له باعتبار غيره فلذا تغاير تعبير الصنفين فترك العاطف في القسم الأول وعطف في الثاني، ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد ترك فيها العطف لشدة الاتصال بخلاف هذه فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به، وهذا هو الداعي لإعراب {ٱلتَّـٰئِبُونَ &#} مبتدأ موصوفاً بما بعده و {ٱلآمِرُونَ} خبره فكؤنه قيل: الكاملون في أنفسهم المكملون لغيرهم وقدم الأول لأن المكمل لا يكون مكملا حتى يكون كاملاً في نفسه، وبهذا يتسق النظم أحسن اتساق من غير تكلف وهو وجه وجيه للعطف في البعض وترك العطف في الآخر، خلا أن المأثور عن السلف كابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره تفسير الحافظين لحدود الله بالقائمين على طاعته سبحانه وهو مخالف لما في هذا التوجيه ولعل الأمر فيه سهل والله تعالى أعلم بمراده. {وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجليلة، ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان وان المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به إشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به نطاق البيان.
ابن عاشور
تفسير : اسماء الفاعلين هنا أوصاف للمؤمنين من قوله: {أية : إن الله اشترى من المؤمنين}تفسير : [التوبة: 111] فكان أصلها الجر، ولكنها قطعت عن الوصفية وجعلت أخباراً لمبتدأ محذوف هو ضمير الجمع اهتماماً بهذه النعوت اهتماماً أخرجها عن الوصفية إلى الخبرية، ويسمى هذا الاستعمال نعتاً مقطوعاً، وما هو بنعت اصطلاحي ولكنه نعت في المعنى. فــ {التائبون} مراد منه أنهم مفارقون للذنوب سواء كان ذلك من غير اقترافِ ذنب يقتضي التوبة كما قال تعالى: {أية : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه}تفسير : [التوبة: 117] الآية أم كان بعد اقترافه كقوله تعالى: {أية : فإن يتوبوا يك خيراً لهم}تفسير : [التوبة: 74] بعد قوله: {أية : ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم}تفسير : [التوبة: 74] الآية المتقدمة آنفاً. وأول التوْبة الإيمان لأنه إقلاع عن الشرك، ثم يدخل منهم من كان له ذنب مع الإيمان وتاب منه. وبذلك فارق النعت المنعوت وهو {أية : المؤمنين}تفسير : [التوبة: 111]. و{العابدون}: المؤدّون لما أوجب الله عليهم. و{الحامدون}: المعترفون لله تعالى بنعمه عليهم الشاكرون له. و{السائحون}: مشتق من السياحة. وهي السير في الأرض. والمراد به سير خاص محمود شرعاً. وهو السفر الذي فيه قربة لله وامتثال لأمره، مثل سفر الهجرة من دار الكفر أو السفر للحج أو السفر للجهاد. وحمله هنا على السفر للجهاد أنسب بالمقام وأشمل للمؤمنين المأمورين بالجهاد بخلاف الهجرة والحج. و{الراكعون الساجدون}: هم الجامعون بينهما، أي المصلون، إذ الصلاة المفروضة لا تخلو من الركوع والسجود. و{الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر}: الذين يَدْعون الناس إلى الهدى والرشاد وينهونهم عما ينكره الشرع ويأباه. وإنما ذكر الناهون عن المنكر بحرف العطف دون بقية الصفات، وإن كان العطف وتركه في الأخبار ونحوها جائزين، إلا أن المناسبة في عطف هذين دون غيرهما من الأوصاف أن الصفات المذكورة قبلها في قوله: {الراكعون الساجدون} ظاهرة في استقلال بعضها عن بعض. ثم لما ذكر {الراكعون الساجدون} علم أن المراد الجامعون بينهما، أي المصلون بالنسبة إلى المسلمين. ولأن الموصوفين بالركوع والسجود ممن وعدهم الله في التوارة والإنجيل كانت صلاة بعضهم ركوعاً فقط، قال تعالى في شأن داود عليه السلام: {أية : وخر راكعاً وأناب}تفسير : [ص: 24]، وبعض الصلوات سجوداً فقط كبعض صلاة النصارى، قال تعالى: {أية : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}تفسير : [آل عمران: 43]. ولما جاء بعده {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} وكانا صفتين مستقلتين عطفتا بالواو لئلا يتوهم اعتبار الجمع بينهما كالوصفين اللذين قبلهما وهما {الراكعون الساجدون} فالواو هنا كالتي في قوله تعالى: {أية : ثيبات وأبكاراً}تفسير : [التوبة: 112]. و{الحافظون لحدود الله}: صفة جامعة للعمل بالتكاليف الشرعية عند توجهها. وحقيقة الحفظ توخي بقاء الشيء في المكان الذي يراد كونه فيه رغبة صاحبه في بقائه ورعايته عن أن يضيع. ويطلق مجازاً شائعاً على ملازمة العمل بما يؤمر به على نحو ما أمر به وهو المراد هنا، أي والحافظون لما عين الله لهم، أي غير المضيعين لشيء من حدود الله. وأطلقت الحدود مجازاً على الوصايا والأوامر. فالحدود تشمل العبادات والمعاملات لما تقدم في قوله تعالى: {أية : تلك حدود الله فلا تعتدوها}تفسير : في سورة البقرة (229). ولذلك ختمت بها هذه الأوصاف. وعطفت بالواو لئلا يوهم ترك العطف أنها مع التي قبلها صفتان متلازمتان معدودتان بعد صفة الأمر بالمعروف. وقال جمع من العلماء: إن الواو في قوله: {والناهون عن المنكر} واو يكثر وقوعها في كلام العرب عند ذكر معدود ثامن، وسمَّوها واوَ الثَّمانية. قال ابن عطية: ذكرها ابن خَالويه في مناظرتِه لأبي علي الفارسي في معنى قوله تعالى: {أية : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها}تفسير : [الزمر: 73]. وأنكرها أبو علي الفارسي. وقال ابن هشام في «مغني اللبيب» «وذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عَدّوا قالوا: ستة سبعة وثمانية، إيذاناً بأن السبعة عدد تام وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلُّوا بآيات إحداها: {أية : سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} تفسير : [الكهف: 22] إلى قوله سبحانه {أية : سبعة وثامنهم كلبهم}تفسير : [الكهف: 22]. ثم قال: الثانية آيةُ الزمر (71) إذ قيل: {أية : فُتحت} تفسير : في آية النار لأن أبواب جهنم سبعة، {أية : وفتحت}تفسير : [الزمر: 73] في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية. ثم قال: الثالثة: {والناهون عن المنكر} فإنه الوصف الثامن. ثم قال: والرابعة: {أية : وأبكاراً} تفسير : في آية التحريم (5) ذكرها القاضي الفاضل وتبجح باستخراجها وقد سبقه إلى ذكرها الثعلبي... وأما قول الثعلبي: أن منها الواو في قوله تعالى: {أية : سبعَ ليال وثمانيةَ أيام حسوماً}تفسير : [الحاقة: 7] فسهو بيّن وإنما هذه واو العطف اهـــ. وأطَال في خلال كلامه بردود ونقوض. وقال ابن عطية «وحدثني أبي عن الأستاذ النحوي أبي عبد الله الكفيف المالقي وأنه قال: هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدّوا: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، تسعة، عشرة، فهكذا هي لغتهم. ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو» اهـــ. وقال القرطبي: هي لغة قريش. وأقول: كثر الخوض في هذا المعنى للواو إثباتاً ونفياً، وتوجيهاً ونقضاً. والوجه عندي أنه استعمال ثابت، فأما في المعدود الثامن فقد اطرد في الآيات القرآنية المستدَل بها. ولا يريبك أن بعض المقترن بالواو فيها ليس بثامن في العدة لأن العبرة بكونه ثامناً في الذكر لا في الرتبة. وأما اقتران الواو بالأمر الذي فيه معنى الثامن كما قالوا في قوله تعالى: {أية : وفُتحت أبوابها}تفسير : [الزمر: 73]. فإن مجيء الواو لِكون أبواب الجنة ثمانية، فلا أحسبه إلا نكتة لطيفة جاءت اتفاقية. وسيجيء هذا عند قوله تعالى في سورة الزمر {أية : حتى إذا جاءها وفتحت أبوابها}تفسير : [الزمر: 73]. وجملة: {وبشر المؤمنين} عطف على جملة {أية : إن الله اشترى من المؤمنين}تفسير : [التوبة: 111] عطفَ إنشاء على خبر. ومما حسَّنه أن المقصود من الخبر المعطوفِ عليه العمل به فأشبه الأمر. والمقصود من الأمر بتبشيرهم إبلاغُهم فكان كلتا الجملتين مراداً منها معنيان خبريّ وإنشائي. فالمراد بالمؤمنين هم المؤمنون المعهودون من قوله: {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم}تفسير : [التوبة: 111]. والبشارة تقدمت مراراً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلتَّائِبُونَ} {ٱلْعَابِدُونَ} {ٱلْحَامِدُونَ} {ٱلسَّائِحُونَ} {ٱلرَّاكِعُونَ} {ٱلسَّاجِدونَ} {وَٱلْحَافِظُونَ} (112) - وَهُنَا يُعَدِّدُ اللهُ تَعَالَى صِفَاتِ المُؤْمِنينَ الذِينَ اشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِالجَنَّةِ، وَهُمُ: التَّائِبُونَ مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّها، التَّارِكُونَ لِلْفَوَاحِشِ، القَائِمُونَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَالمُحَافِظُونَ عَلَيهَا، وَالحَامِدُونَ للهِ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ، السَّائِحُونَ فِي الأَرْضِ، لِلاعْتِبَارِ وَ الاسْتِبْصَارِ بِمَا خَلَقَ اللهُ مِنَ العِبَرِ وَالآيَاتِ، (وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ مَعْنَى السَّائِحِينَ هُنَا الصَّائِمُونَ) وَالمُصَلُّونَ. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ يَسْعَوْنَ فِي نَفْعِ خَلْقِ اللهِ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلى طَاعَتِهِ، بِأَمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهِيهِمْ عَنِ المُنْكَرِ، مَعَ العِلْمِ بِمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ، وَيَجِبُ تَرْكُهُ طَاعَةً للهِ (أَيْ إِنَّهُمْ يَحْفَظُونَ حُدُودَ اللهِ). وَيُبَشِّرُ اللهُ المُؤْمِنينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الكَرِيمَةِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. السَّائِحُونَ - فِي الأَرْضِ لِلاعْتِبَارِ وَالاسْتِبْصَارِ، أَوْ هُمُ الصَّائِمُونَ أَوْ هُمُ المُجَاهِدُونَ الغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللهِ. الحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ - أَيْ المُرَاقِبُونَ لأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن عرض الحق هذه الصفقة، فمن هم المقبلون عليها؟ إنهم التائبون، والتوبة: هي الرجوع عن أي باطل إلى حق. وعمَّ يتوب هؤلاء التائبون؟ نحن نعلم أن هناك إيماناً اسمه إيمان الفطرة. نجد ذلك في قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. إذن: فالإيمان أمر فطري، والكفر هو الذي يطرأ عليه، وقلنا من قبل: إن الكفر هو الدليل الأول على الإيمان؛ لأن الكفر هو الستر، فمن يكفر بالله - والعياذ بالله - إنما يستر وجوده، فكأن وجوده هو الأصل، ثم يطرأ الكفر فيستره، ثم يأتي من ينبه في الإنسان مشاعر اليقين والإيمان فيرجع الإنسان إلى الإيمان بالله بعد أن يزيل الغشاوة التي طرأت على الفطرة. و {ٱلتَّائِبُونَ}: منهم التائبون عن الكفر الطارئ على إيمان الفطرة، وأخذوا منهج الله الذي آمنوا به، ومن هنا نشأت العبادة التي تقتضي وجود عابد ومعبود، والعبادة تعني الانصياع من العابد لأوامر ونواهي المعبود. {ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ ٱلْحَامِدُونَ} والعبادة كلها طاعة تتمثل في تطبيق ما جاء به المنهج من "افعل" و "لا تفعل"، وقد يتدخل المنهج في حريتك قليلاً، وأنت بقوة الإيمان تعتبر أن هذا التدخل في هذه الحرية نعمة يجب أن تحمد الله عليها؛ لأنه لو تركك على هواك، كما يترك ولي أمر التلميذ ابنه على هواه فهو يفشل، ولكن الأب الذي يحث ابنه على المذاكرة وينهاه عن اللعب والعبث، فلا بد أن ينجح. إذن: الأوامر والنواهي هنا نعمة، كان يجب أن نحمد ربنا عليها، وكل ما يجريه الله على العبد المؤمن يجب أن يأخذه العبد على أساس أنه نعمة. إذن: فالذين تابوا عن الكفر الطارئ على إيمان الفطرة هم تائبون يأخذون منهج الإيمان من المعبود، ويصبحون بذلك عابدين لله، أي: منفذين الأوامر، ومبتعدين عن النواهي، وهم يعلمون أن الأوامر تقيد حركة النفس وكذلك النواهي، ولكنهم يصدقون قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّت النارُ بالشَّهوات " تفسير : حين تعرف أن العبادة أوصلتك إلى أمر ثقيل على نفسك، فاعرف أن هذا لمصلحتك وعليك أن تحمد الله عليه؛ وبذلك يدخل المؤمن في زمرة الحَامِدينَ. وأنت حين تؤمن بالله، يصبح الله في بالك، فلا يشغلك كونه عنه سبحانه، وإياك أن تشغل بالنعمة عن المنعم، واجعل الله دائماً في بالك، والحق سبحانه يقول: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. لذلك يفكر المؤمن في الله دائماً ويشكر المنعم على النعمة وآثارها من راحة في بيت وأولاد وعمل. و{ٱلْحَامِدُونَ} أيضاً لا بد أن يستقبلوا كل قدر لله عليهم بالرضا؛ لأن الذي يُجرى عليهم القدر - ما دام لم يأمرهم بما لم يقع في اختيارهم - فهو حكيم ولا يُجْري سبحانه عليهم إلا ما كان في صالحهم. وبعد أن ترضى النفس بما أجرى عليها تعرف الحكمة؛ ولذلك يقول سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ...} تفسير : [البقرة: 282]. ويتابع الحق صفات المقبلين على الصفقة الإيمانية فيقول: {ٱلسَّائِحُونَ} ومعنى "سائح" هو من ترك المكان الذي له موطن، فيه بيته وأهله وأولاد وأنس بالناس، ثم يسيح إلى مكان ليس له فيه شيء ما، قد يتعرض فيه للمخاطر، والمؤمن إنما يفعل ذلك؛ لأنه لا شيء يشغله في الكون عن المكوِّن، ويقول الحق سبحانه: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ ...} تفسير : [الأنعام: 11]. إذن: فالسياحة هي السير المستوعب، والسير في الأرض منه سير اعتبار لينظر في ملكوت السماوات والأرض، وليستنبط من آيات الله ما يدل على تأكيد إيمانه بربه، ومنه سير استثمار بأن يضرب في الأرض ليبتغي من فضل الله. إذن: فالسياحة إما سياحة اعتبار، وإما سياحة استثمار، أما سياحة الاستثمار فهي خاصة بالذين يضربون في الأرض، وهم الرجال. أما سياحة الاعتبار؛ فهي أمر مشترك بين الرجل والمرأة، بدليل أن الله قال ذلك في وصف النساء: {أية : عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ...} تفسير : [التحريم: 5]. إذن: {سَائِحَاتٍ} هنا مقصود بها سياحة الاعتبار، أو السياحة التي تكون في صحبة الزوج الذي يضرب في الأرض. وقيل أيضاً: إن السياحة أطلقت على "الصيام"؛ لأن السياحة تخرجك عما ألفْتَ من إقامة في وطن ومال وأهل، والصيام يخرجك عما ألفْتَ من طعام وشراب وشهوة. إذن: القَدْرُ المشترك بين الرجال والنساء هو في سياحة الاعتبار وسياحة الصوم. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ} أي: المقيمون للصلاة، وقد جاء بمظهرين فقط من مظاهر الصلاة، مع أن الصلاة قيام وقعود وركوع وسجود؛ لأن الركوع والسجود هما الأمران المختصان بالصلاة، وأما القيام فقد يكون في غير الصلاة، وكذلك القعود. إذن: فالخاصيَّتان هما ركوع وسجود؛ والحق يقول: {أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [آل عمران: 43]. أي: صلّي مع المصلِّين، وهكذا نجد أن الركوع والسجود هما الأمران اللذان يختصان بالحركة في الصلاة. ثم يقول سبحانه: {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو حيثية تخص الأمة المحمدية لتكون خير أمة أخرجت للناس، فالحق سبحانه يقول: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ...} تفسير : [آل عمران: 110]. فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا بد أن تكون بمنأى عن هذا المنكر فليس معقولاً أن تنهى عن شيء أنت مزاول له. إذن: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صلاح أو هدى مُتَعدٍّ من النفس إلى الغير، بعد أن تكون النفس قد استوفَتْ حظها منه. ويقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تعرف المعروف الذي تأمر به، وأن تعرف المنكر الذي تنهى عنه؛ لذلك لا بد أن تكون من أهل الاختصاص في معرفة أحكام الله، ومعرفة حدود الله حِلاّ وحُرْمة، أما أن يأتي أي إنسان ليُدخل نفسه في الأمر ويقول: أنا آمر بمعروف وأنا أنهى عن منكر، هنا نقول له: لا تجعل الدين، ولا تجعل التقوى في مرتبة أقل من المهن التي لا بد أن يزاولها أهل فكر ومتخصصون فيها. ثم يقول سبحانه: {وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} و "الحدود" جمع "حد" وتأتي الحدود في القرآن على معنيين: المعنى الأول هو المحافظة على الأوامر، وتلك التي يردفها الحق بقوله: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ...} تفسير : [البقرة: 229]. وكل أمر يقول فيه ذلك هو حد الله فلا تتعدَّ هذا الحد، أما المعنى الثاني: فهو البعد عن المنهيات فلا يقول لك: لا تتعداها، بل يقول سبحانه: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ...} تفسير : [البقرة: 187]. ويُنهى الحق سبحانه الآية بقوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: بَشِّرْ هؤلاء الذين يسلكون هذا السلوك مطابقاً لما اعتقدوه من اليقين والإيمان، لا هؤلاء المنافقين الذين قد يصلون أو يصومون ظاهراً. وكلمة {وَبَشِّرِ} و "استبشر" و"البشرى" و"البشير" كلها مادة تدل على الخبر السار الذي يجعل في النفس انبساطاً وسروراً؛ بحيث إذا رأيت وجه الإنسان وجدته وجهاً متهللاً تفيض بشرته بالسرور. وبعد ذلك يتكلم الحق عن أمر شغل بال المؤمنين الذين كان لهم آباء على الكفر؛ ومن حقوق هذه الأبوة على الأبناء أن يستغفروا لهم لعل الله يغفر، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن رعاية حدود الله وحقوقه أوْلَى من قرابة الدم، وأوْلى من عاطفة الحنوّ والرحمة؛ فالحق سبحانه وتعالى أوْلى بأن يكون الإنسان بارّا به من أن يكون بارّا بالأب الكافر، وقد جعل الحق سبحانه النسبَ في الإسلام نفسه. ثم يقول الحق سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱلسَّائِحُونَ} معناهُ الصَّائمونَ.
الجيلاني
تفسير : وهم {ٱلتَّائِبُونَ} النادمون على ما جرى عليهم من المعاصي، المحافظون عليها بلا مراجعة أصلاً {ٱلْعَابِدُونَ} بالعزائم الصحيحة والإخلاص التام {ٱلْحَامِدُونَ} الشاكرون، الصارفون ما أعطاهم الحق من النعم إلى ما أمرهم من المصارف {ٱلسَّائِحُونَ} السائرون، السالكون في سبيل الحق؛ لازدياد المعارف والحقائق {ٱلرَّاكِعُونَ} المتوضعون، المنكسرون لجميع مظاهر الحق؛ تعظيماً لشأنه {ٱلسَّاجِدونَ} المتذللون، الواضعون جباههم على تراب المذلة؛ خضوعاً وانقياداً، ميلاً ودعاءً {ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ} المستحسن عقلاً وشرعاً واللسان، وجميع الجوارح {وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} المستقبح عقلاً وشرعاً لجميع ما ورد النهي به {وَ} بالجملة: هم {ٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} الموضوعة بين أرباب التكليف القابلين، المستعدين لسلوك طريق التوحيد {وَبَشِّرِ} يا أكمل الرسل {ٱلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] الموصوفين بهذه الصفات الجميلة باللذات التي لا يمكن وصفها بلسان التعبير من لدن حكيم خبير. ثم قال سحبانه على طريق النهي عموماً: {مَا كَانَ} أي: ما صحّ وجاز {لِلنَّبِيِّ} الأمي الهاشمي {وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} معه، وأخلصوا فيه {أَن يَسْتَغْفِرُواْ} ويشفعوا {لِلْمُشْرِكِينَ} بتخفيف العذاب ودخول الجنة {وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} من النسب؛ إذ لا عبرة لقرابة النسب، بل القرابة المعتبرة هي قرابة الحسب والإيمان، سيما {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ} موتهم على الكفر والجاهلية {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [التوبة: 113] أي: ملازموها وملاصقوها، لا نجاة لهم منها؛ لإصرارهم على موجبها. {وَ} لا يرد على هذا استغفار إبراهيم لأبيه؛ إذ {مَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} على سبيل الشفاعة والشفقة، والعطف الموجب لها، بل ما هو {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ} وعهد {وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} حين أراد أن يخرجه من الكفر والشرك، بأن يستغفر له ما تقدم من ذنبه إن آمن فاستغفر قبل الإيمان إنجازاً لوعده ليلين قلبه {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} ظهر عنده {أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} مصر على كفره، مطبوع على قبله {تَبَرَّأَ مِنْهُ} واسترجع إلى الله منيباً؛ لاجترائه واستغفاره في حق أبيه، مع عدم العلم باستعداده وتوفيق الله إياه {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ} مع كونه متحققاً بمقام الخلة مع الله {لأَوَّاهٌ} كثير التأوه والتحزن عن أمثال هذه الجرأة {حَلِيمٌ} [التوبة: 114] كثير الشفقة والمرحمة على أهل الغفلة؛ لظهوره على مقتضى اللطف والجمال. {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {مَا كَانَ ٱللَّهُ} المصلح لأحوال عباده {لِيُضِلَّ قَوْماً} ويسميهم ضلالاً وفساقاً {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإيمان والإسلام {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم} وينبه عليهم{مَّا يَتَّقُونَ} ويحذرون من المحارم والمعاصي؛ لامتناع تكليف الغافل، ثم بعد ارتكاب المحذور به يسميهم ما يسميهم، ويأخذهم منتقماً عليه {إِنَّ ٱللَّهَ} المدبر لأمور عباده {بِكُلِّ شَيْءٍ} مما يتعلق بصلاحهم وإصلاحهم {عَلِيمٌ} [التوبة: 115] لا يعزب عن علمه شيء، فعليكم أيها المؤمنون أن تفوضوا أموركم كلها إلى الله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : كأنه قيل: من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من اللّه بدخول الجنات ونيل الكرامات؟ فقال: هم { التَّائِبُونَ } أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات. { الْعَابِدُونَ } أي: المتصفون بالعبودية للّه، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين. { الْحَامِدُونَ } للّه في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما للّه عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على اللّه بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار. { السَّائِحُونَ } فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم، وفسرت بسياحة القلب في معرفة اللّه ومحبته، والإنابة إليه على الدوام، والصحيح أن المراد بالسياحة: السفر في القربات، كالحج، والعمرة، والجهاد، وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك. { الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ } أي: المكثرون من الصلاة، المشتملة على الركوع والسجود. { الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } ويدخل فيه جميع الواجبات والمستحبات. { وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ } وهي جميع ما نهى اللّه ورسوله عنه. { وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ } بتعلمهم حدود ما أنزل اللّه على رسوله، وما يدخل في الأوامر والنواهي والأحكام، وما لا يدخل، الملازمون لها فعلا وتركا. { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } لم يذكر ما يبشرهم به، ليعم جميع ما رتب على الإيمان من ثواب الدنيا والدين والآخرة، فالبشارة متناولة لكل مؤمن. وأما مقدارها وصفتها فإنها بحسب حال المؤمنين، وإيمانهم، قوة، وضعفا، وعملا بمقتضاه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):