٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
113
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين من أول هذه السورة إلى هذا الموضع وجوب إظهار البراءة عن الكفار والمنافقين من جميع الوجوه بين في هذه الآية أنه تجب البراءة عن أمواتهم، وإن كانوا في غاية القرب من الإنسان كالأب والأم، كما أوجبت البراءة عن أحيائهم، والمقصود منه بيان وجوب مقاطعتهم على أقصى الغايات والمنع من مواصلتهم بسبب من الأسباب وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً. الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما فتح الله تعالى مكة سأل النبي عليه الصلاة والسلام « حديث : أي أبويه أحدث به عهداً » تفسير : قيل أمك، فذهب إلى قبرها ووقف دونه، ثم قعد عند رأسها وبكى فسأله عمر وقال: نهيتنا عن زيارة القبور والبكاء، ثم زرت وبكيت، فقال: حديث : قد أذن لي فيه، فلما علمت ما هي فيه من عذاب الله وإني لا أغني عنها من الله شيئاً بكيت رحمة لها. تفسير : الثاني: روي عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: « حديث : يا عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله » تفسير : فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية أترغب عن ملة عبد المطلب. فقال: أنا على ملة عبد المطلب فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك » تفسير : فنزلت هذه الآية قوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } قال الواحدي: وقد استبعده الحسين بن الفضل لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في أول الإسلام، وأقول هذا الاستبعاد عندي مستبعد، فأي بأس أن يقال إن النبي عليه الصلاة والسلام بقي يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول هذه الآية، فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة فلعل المؤمنين كان يجوز لهم أن يستغفروا لأبويهم من الكافرين، وكان النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً يفعل ذلك، ثم عند نزول هذه السورة منعهم الله منه، فهذا غير مستبعد في الجملة. الثالث: يروى عن علي أنه سمع رجلاً يستغفر لأبويه المشركين قال: فقلت له أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. الرابع: يروى أن رجلاً أتى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: كان أبي في الجاهلية يصل الرحم، ويقري الضيف، ويمنح من ماله. وأي أبي؟ فقال: حديث : أمات مشركاً؟ تفسير : قال: نعم. قال: حديث : في ضحضاح من النار، تفسير : فولى الرجل يبكي فدعاه عليه الصلاة والسلام، فقال: « حديث : إن أبي وأباك وأبا إبراهيم في النار، إن أباك لم يقل يوماً أعوذ بالله من النار » تفسير : المسألة الثانية: قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } يحتمل أن يكون المعنى ما ينبغي لهم ذلك فيكون كالوصف، وأن يكون معناه ليس لهم ذلك على معنى النهي: فالأول: معناه أن النبوة والإيمان يمنع من الاستغفار للمشركين. والثاني: معناه لا تستغفروا والأمران مقاربان. وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } وأيضاً قال: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار. فطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده وأنه لا يجوز. وأيضاً لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم. فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين، وذلك يوجب نقصان درجة النبي عليه الصلاة والسلام وحظ مرتبته، وأيضاً أنه قال: { أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] وقال عنهم أنهم أصحاب الجحيم فهذا الاستغفار يوجب الخلف في أحد هذين النصين، وإنه لا يجوز وقد جوز أبو هاشم أن يسأل العبد ربه شيئاً بعد ما أخبر الله عنه أنه لا يفعله، واحتج عليه بقول أهل النار { أية : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } تفسير : [المؤمنون: 107] مع علمهم بأنه تعالى لا يفعل ذلك، وهذا في غاية البعد من وجوه: الأول: أم هذا مبني على مذهبه أن أهل الآخرة لا يجهلون ولا يكذبون، وذلك ممنوع، بل نص القرآن يبطله. وهو قوله: { أية : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 23] {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الأنعام: 24] والثاني: أن في حقهم يحسن ردهم عن ذلك السؤال وإسكاتهم، أما في حق الرسول عليه الصلاة والسلام فغير جائز، لأنه يوجب نقصان منصبه. والثالث: أن مثل هذا السؤال الذي يعلم أنه لا فائدة فيه إما أن يكون عبثاً أو معصية. وكلاهما جائزان على أهل النار وغير جائزين على أكابر الأنبياء عليهم السلام. المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن العلة المانعة من هذا الاستغفار هو تبين كونهم من أصحاب النار، وهذه العلة لا تختلف بأن يكونوا من الأقارب أو من الأباعد، فلهذا السبب قال تعالى: {وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ } وكون سبب النزول ما حكينا، يقوي هذا الذي قلناه. أما قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أن المقصود منه أن لا يتوهم إنسان أنه تعالى منع محمداً من بعض ما أذن لإبراهيم فيه. والثاني: أن يقال إنا ذكرنا في سبب اتصال هذه الآية بما قبلها المبالغة في إيجاب الانقطاع عن الكفار أحيائهم وأمواتهم. ثم بين تعالى أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد عليه الصلاة والسلام، بل المبالغة في تقرير وجوب الانقطاع كانت مشروعة أيضاً في دين إبراهيم عليه السلام، فتكون المبالغة في تقرير وجوب المقاطعة والمباينة من الكفار أقوى. الثالث: أنه تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في هذه الآية بكونه حليماً أي قليل الغضب، وبكونه أواها أي كثير التوجع والتفجع عند نزول المضار بالناس، والمقصود أن من كان موصوفاً بهذه الصفات كان ميل قلبه إلى الاستغفار لأبيه شديداً، فكأنه قيل: إن إبراهيم مع جلالة قدره ومع كونه موصوفاً بالأواهية والحليمية منعه الله تعالى من الاستغفار لأبيه الكافر، فلأن يكون غيره ممنوعاً من هذا المعنى كان أولى. المسألة الثانية: دل القرآن على أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه. قال تعالى حكاية عنه { أية : وَٱغْفِرْ لأَبِى إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الشعراء: 86] وأيضاً قال عنه: { أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ } تفسير : [إبراهيم: 41] وقال تعالى حكاية عنه في سورة مريم قال: { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } تفسير : [مريم: 47] وقال أيضاً: { أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] وثبت أن الاستغفار للكافر لا يجوز. فهذا يدل على صدور هذا الذنب من إبراهيم عليه السلام. واعلم أنه تعالى أجاب عن هذا الإشكال بقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } تفسير : [التوبة: 114] وفيه قولان: الأول: أن يكون الواعد أبا إبراهيم عليه السلام، والمعنى: أن أباه وعده أن يؤمن، فكان إبراهيم عليه السلام يستغفر لأجل أن يحصل هذا المعنى، فلما تبين له أنه لا يؤمن وأنه عدو لله تبرأ منه، وترك ذلك الاستغفار. الثاني: أن يكون الواعد إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } والدليل على صحة هذا التأويل قراءة الحسن {وَعَدَهَا أَبَاهُ } بالباء، ومن الناس من ذكر في الجواب وجهين آخرين. الوجه الأول: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه له إلى الإيمان والإسلام، وكان يقول له آمن حتى تتخلص من العقاب وتفوز بالغفران، وكان يتضرع إلى الله في أن يرزقه الإيمان الذي يوجب المغفرة، فهذا هو الاستغفار، فلما أخبره الله تعالى بأنه يموت مصراً على الكفر ترك تلك الدعوة. والوجه الثاني: في الجواب أن من الناس من حمل قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [التوبة: 113] على صلاة الجنازة، وبهذا الطريق فلا امتناع في الاستغفار للكافر لكون الفائدة في ذلك الاستغفار تخفيف العقاب. قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى منع من الصلاة على المنافقين، وهو قوله: { أية : وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } تفسير : [التوبة: 84] وفي هذه الآية عم هذا الحكم، ومنه من الصلاة على المشركين، سواء كان منافقاً أو كان مظهراً لذلك الشرك وهذا قول غريب. المسألة الثالثة: اختلفوا في السبب الذي به تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله. فقال بعضهم: بالإصرار والموت. وقال بعضهم: بالإصرار وحده. وقال آخرون: لا يبعد أن الله تعالى عرفه ذلك بالوحي، وعند ذلك تبرأ منه. فكان تعالى يقول: لما تبين لإبراهيم أن أباه عدو لله تبرأ منه، فكونوا كذلك، لأني أمرتكم بمتابعة إبراهيم في قوله: { أية : واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [النساء: 125]. واعلم أنه تعالى لما ذكر حال إبراهيم في هذه الواقعة. قال: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [التوبة: 114] واعلم أن اشتقاق الأواه من قول الرجل عند شدة حزنه أوه، والسبب فيه أن عند الحزن يختنق الروح القلبي في داخل القلب ويشتد حرقه، فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق من القلب ليخفف بعض ما به هذا هو الأصل في اشتقاق هذا اللفظ، وللمفسرين فيه عبارات، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : الأواه: الخاشع المتضرع » تفسير : وعن عمر: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأواه، فقال: « حديث : الدعاء » تفسير : ويروى أن زينب تكلمت عند الرسول عليه الصلاة والسلام بما يغير لونه، فأنكر عمر، فقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : دعها فإنها أواهة » تفسير : قيل يا رسول الله وما الأواهة؟ قال: « حديث : الداعية الخاشعة المتضرعة » تفسير : وقيل: معنى كون إبراهيم عليه السلام أواها، كلما ذكر لنفسه تقصيراً أو ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه إشفاقاً من ذلك واستعظاماً له. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الأواه، المؤمن بالخشية. وأما وصفه بأنه حليم فهو معلوم. واعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لأنه تعالى وصفه بشدة الرقة والشفقة والخوف والوجل، ومن كذلك فإنه تعظم رقته على أبيه وأولاده، فبين تعالى أنه مع هذه العادة تبرأ من أبيه وغلظ قلبه عليه، لما ظهر له إصراره على الكفر، فأنتم بهذا المعنى أولى، وكذلك وصفه أيضاً بأنه حليم، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب، وشدة العطف لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتد حلمه عند الغضب.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ روى مسلم عن سعيد بن المسيِّب عن أبيه قال: حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدَ الله بن أبي أُميّة بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عَمِّ، قل لا إلۤه إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إلۤه إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما والله لأستغفرن لك ما لم أنْهَ عنك»تفسير : فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ } وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ} تفسير : [القصص: 56]. فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبيّ صلى الله عليه وسلم لعمّه؛ فإنه استغفر له بعد موته على ما رُوي في غير الصحيح. وقال الحسين بن الفضل: وهذا بعيد؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة. الثانية ـ هذه الآية تضمّنت قطع موالاة الكفار حيِّهم وميتهم؛ فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين؛ فطلبُ الغفران للمشرك مما لا يجوز. فإن قيل: فقد صح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحُد حين كسروا رَبَاعِيتَه وشَجّوا وجهه: «حديث : اللهم ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسولَه والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين. قيل له: إن ذلك القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمّن تقدّمه من الأنبياء؛ والدليل عليه ما رواه مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبيّاً من الأنبياء ضربه قومُه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «حديث : رب ٱغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»تفسير : . وفي البخاريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر نبيّاً قبله شَجّه قومه فجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال: «حديث : اللّهُمْ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».تفسير : قلت: وهذا صريح في الحكاية عمن قبله، لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم. والله أعلم. والنبيّ الذي حكاه هو نوح عليه السلام؛ على ما يأتي بيانه في سورة «هود» إن شاء الله. وقيل: إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة. قال بعضهم: ما كنت لأدَعَ الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشيّة حُبلى من الزنى؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية. قال عطاء بن أبي رَبَاح؛ الآية في النهي عن الصلاة على المشركين، والاستغفارُ هنا يراد به الصلاة. جواب ثالث ـ وهو أن الاستغفار للأحياء جائز؛ لأنه مرجوّ إيمانهم، ويمكن تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدِّين. وقد قال كثير من العلماء: لا بأس أن يدعُوَ الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين. فأما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يُدْعَى له. قال ٱبن عباس: كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت، فأمسكوا عن الاستغفار ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا. الثالثة ـ قال أهل المعاني: {مَا كَانَ} في القرآن يأتي على وجهين: على النفي نحو قوله: {مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا}، {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}،تفسير : [آل عمران: 145]. والآخر بمعنى النهي كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب: 53]، و {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ}.
البيضاوي
تفسير : {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} «حديث : روي: أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب لما حضرته الوفاة: قل كلمة أحاج لك بها عند الله فأبى فقال عليه الصلاة والسلام: لا أزال استغفر لك ما لم أنه عنه»تفسير : فنزلت وقيل لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبراً فقال: «حديث : إني استأذنت رب في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي الآيتين»تفسير : {وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} بأن ماتوا على الكفر، وفيه دليل على جواز الاستغفار لاحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإِيمان وبه دفع النقيض باستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأَبيه الكفار فقال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } وعدها إبراهيم أباه بقوله: {لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ} أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله، ويدل عليه قراءة من قرأ «أباه»، أو «وعدها إبراهيم أبوه» وهي الوعد بالإِيمان {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} بأن مات على الكفر، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن {تَبَرَّأَ مِنْهُ} قطع استغفاره. {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ} لكثير التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه. {حَلِيمٌ} صبور على الأذى، والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أي ليسميهم ضُلاَّلاً ويؤاخذهم مؤاخذتهم {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإِسلام. {حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} حتى يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، وكأنه بيان عذر الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله لعمه أو لمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع. وقيل إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ونحو ذلك، وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف. {إَِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فيعلم أمرهم في الحالين.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: «حديث : أي: عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل» تفسير : فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فقال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» تفسير : فنزلت: { مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِى قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ} قال: ونزلت فيه: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56] أخرجاه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية، قال: لما مات، فلا أدري قاله سفيان، أو قاله إسرائيل، أو هو في الحديث: لما مات؟ (قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات. وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في سفر، فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، وفداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله مالك؟ قال: «حديث : إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها لتذكركم زيارتها خيراً. ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء شئتم، ولا تشربوا مسكراً»تفسير : وروى ابن جرير من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة، أتى رسم قبر، فجلس إليه، فجعل يخاطب، ثم قام مستعبراً، فقلنا: يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت. قال: «حديث : إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي» تفسير : فما رئي باكياً أكثر من يومئذ. وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن جريج عن أيوب بن هانىء عن مسروق عن عبد الله بن مسعود، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلميوماً إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً، ثم بكى، فبكينا لبكائه، ثم قام، فقام إليه عمر بن الخطاب، فدعاه ثم دعانا، فقال: «حديث : ما أبكاكم؟» تفسير : فقلنا: بكينا لبكائك. قال: «حديث : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها، فأذن لي» تفسير : ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريباً منه، وفيه: «حديث : وإني استأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، وأنزل علي: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ} الآية، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة»تفسير : (حديث آخر) في معناه. قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك، واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان، أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب، فنزل على قبر أمه، فناجى ربه طويلاً، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث الله في أمته شيئاً لا تطيقه، فلما بكى هؤلاء، قام فرجع إليهم فقال: «حديث : ما يبكيكم؟» تفسير : قالوا: يا نبي الله بكينا لبكائك، فقلنا: لعله أُحدث في أمتك شيء لا تطيقه، قال: «حديث : لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي، فسألت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى الله أن يأذن لي، فرحمتها، وهي أمي، فبكيت، ثم جاءني جبريل فقال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} فتبرأ أنت من أمك؛ كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها، وهي أمي، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعاً، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى الله أن يرفع عنهم القتل والهرج» تفسير : وإنما عدل إلى قبر أمه؛ لأنها كانت مدفونة تحت كداء، وكانت عُسْفان لهم، وهذا حديث غريب وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب السابق واللاحق بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة: أن الله أحيا أمه، فآمنت، ثم عادت، وكذلك ما رواه السهيلي في الروض بسند فيه جماعة مجهولون: إن الله أحيا له أباه وأمه، فآمنا به. وقد قال الحافظ ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع، قال الله تعالى: {وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} وقال أبو عبد الله القرطبي: إن مقتضى هذا الحديث... ورد على ابن دحية في هذا الاستدلال، بما حاصله: أن هذه حياة جديدة؛ كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها، فصلى علي العصر، قال الطحاوي: وهو حديث ثابت، يعني: حديث الشمس، قال القرطبي: فليس إحياؤهما يمتنع عقلاً ولا شرعاً، قال: وقد سمعت أن الله أحيا عمه أبا طالب، فآمن به، (قلت): وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح، فلا مانع منه، والله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأمه، فنهاه الله عز وجل عن ذلك، فقال: «حديث : إن إبراهيم خليل الله قد استغفر لأبيه» تفسير : فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} الآية: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فأمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ} الآية، وقال قتادة في الآية: ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : بلى، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» تفسير : فأنزل الله: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} حتى بلغ قوله: {ٱلْجَحِيمُ} ثم عذر الله تعالى إبراهيم عليه السلام، فقال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ} الآية، قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قد أوحى الله إليّ كلمات، فدخلن في أذني، ووقرن في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف»تفسير : وقال الثوري عن الشيباني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مات رجل يهودي، وله ابن مسلم، فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس، فقال: فكان ينبغي له أن يمشي معه، ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حياً، فإذا مات، وكله إلى شأنه، ثم قال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} لم يَدْعُ. ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود وغيره عن علي رضي الله عنه: لما مات أبو طالب، قلت: يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات، قال: «حديث : اذهب فواره، ولا تحدثن شيئاً حتى تأتيني» تفسير : فذكر تمام الحديث، وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما مرت به جنازة عمه أبي طالب، قال: «حديث : وصلتك رحمة يا عم» تفسير : وقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة،ولو كانت حبشية حبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية. وروى ابن جرير، عن ابن وكيع عن أبيه عن عصمة بن زامل عن أبيه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلاً استغفر لأبي هريرة ولأمه، قلت: ولأبيه، قال: لا، قال: إن أبي مات مشركاً، وقوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وفي رواية: لما مات، تبين له أنه عدو لله، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم رحمهم الله، وقال عبيد بن عمير وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه يوم القيامة، حتى يلقى أباه، وعلى وجه أبيه القترة والغبرة، فيقول: يا إبراهيم إني كنت أعصيك، وإني اليوم لا أعصيك، فيقول: أي رب ألم تعدني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذيخ متلطخ، أي: قد مسخ ضبعاً، ثم يسحب بقوائمه، ويلقى في النار. وقوله: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} قال سفيان الثوري وغير واحد: عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود: أنه قال: الأواه: الدعّاء، وكذا روي من غير وجه عن ابن مسعود، وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد بن الهاد، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس، قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: «حديث : المتضرع» تفسير : قال: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام به، ولفظه: قال: الأواه: المتضرع، الدعّاء. وقال الثوري: عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي الغدير: أنه سأل ابن مسعود عن الأواه، فقال: هو الرحيم، وبه قال مجاهد وأبو ميسرة عمر بن شرحبيل والحسن البصري وقتادة وغيرهما، أي: الرحيم، أي: بعباد الله. وقال ابن المبارك: عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: الأواه: الموقن بلسان الحبشة، وكذا قال العوفي عن ابن عباس إنه الموقن، وكذا قال مجاهد والضحاك، وقال علي بن أبي طلحة ومجاهد عن ابن عباس: الأواه: المؤمن، زاد علي بن أبي طلحة عنه: هو المؤمن التواب، وقال العوفي عنه: هو المؤمن بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج: هو المؤمن بلسان الحبشة. وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له: ذو البجادين: «حديث : إنه أواه» تفسير : وذلك أنه رجل كان إذا ذكر الله في القرآن، رفع صوته بالدعاء، ورواه ابن جرير. وقال سعيد بن جبير والشعبي: الأواه: المسبح، وقال ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لا يحافظ على سبحة الضحى إلا الأواه، وقال شفي بن مانع عن أبي أيوب، الأواه: الذي إذا ذكر خطاياه، استغفر منها، وعن مجاهد: الأواه: الحفيظ الوجل، يذنب الذنب سراً، ثم يتوب منه سراً، ذكر ذلك كله ابن أبي حاتم رحمه الله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي عن حجاج عن الحكم عن الحسن بن مسلم بن بيان: أن رجلاً كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إنه أواه»تفسير : وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن هانىء، حدثنا المنهال بن خليفة عن حجاج بن أرطاة عن عطاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن ميتاً فقال: «حديث : رحمك الله، إن كنت لأواهاً» تفسير : يعني: تلاء للقرآن، وقال شعبة عن أبي يونس الباهلي، قال: سمعت رجلاً بمكة، وكان أصله رومياً، وكان قاصاً، يحدث عن أبي ذر، قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام ويقول في دعائه: أوه أوه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إنه أواه» تفسير : قال: فخرجت ذات ليلة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلاً ومعه المصباح، هذا حديث غريب رواه ابن جرير. وروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ} قال: كان إذا ذكر النار، قال: أوه من النار، وقال ابن جريج عن ابن عباس {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ} قال: فقيه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير: وأولى الأقوال قول من قال: إنه الدعّاء، وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه، وقد كان إبراهيم كثير الدعاء، حليماً عمن ظلمه وأناله مكروهاً، ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: {أية : أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى يٰإِبْرَٰهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً} تفسير : [مريم: 46-47] فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : ونزل في استغفاره صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبي طالب واستغفار بعض الصحابة لأبويه المشركين {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَىٰ } ذوي قرابة {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ } النار، بأن ماتوا على الكفر.
الشوكاني
.تفسير : لما بيّن الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيداً، وصرّح بأن ذلك متحتم، ولو كانوا أولي قربى، وأن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها. وقد ذكر أهل التفسير أن {ما كان} في القرآن يأتي على وجهين: الأوّل: على النفي نحو: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } تفسير : [آل عمران: 145]، والآخر: على معنى النهي نحو: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 53] و {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار، وتحريم الاستغفار لهم، والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافراً، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون رباعيته وشجوا وجهه: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار للمشركين. وعلى فرض أنه قد كان بلغه، كما يفيده سبب النزول، فإنه قبل يوم أحد بمدّة طويلة، وسيأتي. فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدّمه من الأنبياء، كما في صحيح مسلم عن عبد الله، قال: كأني أنظر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "حديث : ربّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : . وفي البخاري، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر نبياً قبله شجه قومه، فجعل النبي يخبر عنه بأنه قال: "حديث : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"تفسير : . قوله: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ } هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، والمعنى: أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة؛ لأنهم ماتوا على الشرك. وقد قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } تفسير : [النساء: 48]. فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. قوله: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ } الآية: ذكر الله سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه، أنه كان لأجل وعد تقدّم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له، ولكنه ترك ذلك وتبرأ منه لما تبين له أنه عدوّ لله، وأنه غير مستحق للاستغفار، وهذا يدلّ على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار، ومن أعداء الله، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين، أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم، فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصرّ على الكفر ومات عليه، وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدوّ الله، فإن ثبوت هذه العداوة تدلّ على الكفر، وكذلك لم يعلم نبينا بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل. وقيل: المراد من استغفار إبراهيم لأبيه: دعاؤه إلى الإسلام، وهو ضعيف جداً. وقيل المراد بالاستغفار في هذه الآية: النهي عن الصلاة على جنائز الكفار، فهو كقوله: {أية : وَلاَ تُصَلّ عَلَىٰ أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } تفسير : [التوبة: 84] ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجىء إلى ذلك، ثم ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم. فقال: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ } وهو كثير التأوّه، كما تدل على ذلك صيغة المبالغة. وقد اختلف أهل العلم في معنى الأوّاه، فقال ابن مسعود، وعبيد بن عمير: إنه الذي يكثر الدعاء. وقال الحسن، وقتادة: إنه الرّحيم بعباد الله. وروي عن ابن عباس: أنه المؤمن بلغة الحبشة. وقال الكلبي: إنه الذي يذكر الله في الأرض القفر. وروي مثله: عن ابن المسيب، وقيل: الذي يكثر الذكر لله من غير تقييد، روي ذلك عن عقبة بن عامر. وقيل: هو الذي يكثر التلاوة، حكي ذلك عن ابن عباس. وقيل: إنه الفقيه، قاله مجاهد والنخعي. وقيل: المتضرع الخاضع، روى ذلك عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد. وقيل: هو الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها، روي ذلك عن أبي أيوب. وقيل: هو الشفيق قاله عبد العزيز بن يحيى. وقيل: إنه المعلم للخير. وقيل: إنه الراجع عن كل ما يكرهه الله، قاله عطاء. والمطابق لمعنى الأوّاه لغة أن يقال: إنه الذي يكثر التأوّه من ذنوبه، فيقول مثلاً: آه من ذنوبي آه، مما أعاقب به بسببها، ونحو ذلك، وبه قال الفراء، وهو مروي عن أبي ذرّ، ومعنى التأوّه: هو: أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء. قال في الصحاح: وقد أوّه الرجل تأويهاً، وتأوه تأوهاً إذا قال أوّه، والاسم منه آهة بالمدّ، قال:شعر : إذا ما قمت أرحلها بليل تأوّه آهة الرجل الحزين تفسير : و{الحليم} الكثير الحلم، كما تفيده صيغة المبالغة، وهو الذي يصفح عن الذنوب، ويصبر على الأذى. وقيل: الذي لا يعاقب أحداً قط إلا لله. وقد أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت الوفاة أبا طالب دخل النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أي عمّ، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله"تفسير : ، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، وأبو جهل وعبد الله، يعاندانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك"تفسير : ، فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الآية، وأنزل الله في أبي طالب: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء }تفسير : [القصص: 56]. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء في المختارة، عن عليّ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الآية. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن عليّ قال: أخبرت النبيّ صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب، فبكى، فقال: "حديث : اذهب فغسله وكفنه، وواره غفر الله له ورحمه"تفسير : ، ففعلت، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الآية. وقد روي كون سبب نزول الآية: استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب من طرق كثيرة: منها عن محمد بن كعب، عند ابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وهو مرسل. ومنها عن عمرو بن دينار، عند ابن جرير، وهو مرسل أيضاً. ومنها عن سعيد بن المسيب، عند ابن جرير، وهو مرسل أيضاً. ومنها عن عمر بن الخطاب عند ابن سعد، وأبي الشيخ وابن عساكر. ومنها عن الحسن البصري عند ابن عساكر، وهو مرسل. وروي أنها نزلت بسبب زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لقبر أمه، واستغفاره لها، من طريق ابن عباس عند الطبراني وابن مردويه، ومن طريق ابن مسعود عند ابن أبي حاتم، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وعن بريدة عند ابن مردويه، وما في الصحيحين مقدّم على ما لم يكن فيهما، على فرض أنه صحيح، فكيف وهو ضعيف غالبه. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } إلى قوله: {أية : كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } تفسير : [الإسراء: 24] قال: ثم استثنى فقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } إلى قوله: {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } قال: تبين له حين مات وعلم أن التوبة قد انقطعت منه. وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وأبو بكر الشافعي في فوائده، والضياء في المختارة، عن ابن عباس قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدوّ لله، فتبرأ منه. وأخرج ابن مردويه، عن جابر، أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر، فقال رجل: لو أن هذا خفض صوته؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : دعه فإنه أوّاه"تفسير : . وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن عقبة بن عامر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو النجادين: "حديث : إنه أوّاه"تفسير : ، وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء. وأخرجه أيضاً أحمد قال: حدّثنا موسى بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رباح، عن عقبة بن عامر، فذكره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد قال: قال رجل: يا رسول، الله ما الأوّاه؟ قال: "حديث : الخاشع المتضرّع الدّعاء"تفسير : . وهذا إن ثبت وجب المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى الأوّاه، وإسناده عند ابن جرير هكذا: حدّثني المثنى، حدثني الحجاج بن منهال، حدّثنا عبد الحميد بن بهرام، حدّثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد، فذكره. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } قال: كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها:ما روى مسروق عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام، فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فدعاه ثم دعانا فقال: "حديث : مَا أَبْكَاكُم؟" تفسير : قلنا: بكينا لبكائك، قال: "حديث : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمِنَةَ وَإِنِّي اسْتَأْذَنتُ رَبِّي فِي زيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي، وَإِنِّي استَأْذَنتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَن لِي، وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُربَى} الآية. {فأخذني ما يأخذ الولد للوالد، وكنتُ نَهَيتُكُم عن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا فإنها تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ " تفسير : والثاني: أنها نزلت في أبي طالب، روى سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَي عَمِّ قُلْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةٌ أُحَاج لَكَ بِهَا عِندَ اللَّهِ"، تفسير : فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر شيء كلمهم به أن قال: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنكَ" تفسير : فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَآمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِينَ} الآية. والثالث: أنها نزلت فيما رواه أبو الخليل عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ قال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبويه؟ فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءآمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ}. قوله عز وجل {وَمَا كَانَ استِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهآ إِيَّاهُ} الآية. عذر الله تعالى إبراهيم عليه السلام في استغفاره لأبيه مع شركه لسالف موعده ورجاء إيمانه. وفي موعده الذي كان يستغفر له من أجله قولان: أحدهما: أن أباه وعده أنه إن استغفر له آمن. والثاني: أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له لما كان يرجوه أنه يؤمن. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ} وذلك بموته على شركه وإياسه من إيمانه {تَبَرَّأَ مِنْهُ} أي من أفعاله ومن استغفاره له، فلم يستغفر له بعد موته. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} فيه عشرة تأويلات: أحدها: أن الأوّاه: الدعَّاء، أي الذي يكثر الدعاء، قاله ابن مسعود. الثاني: أنه الرحيم، قاله الحسن. الثالث: أنه الموقن، قاله عكرمة وعطاء. الرابع: أنه المؤمن، بلغة الحبشة، قاله ابن عباس. الخامس: أنه المسبِّح، قاله سعيد بن المسيب. السادس: أنه الذي يكثر تلاوة القرآن، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. السابع: أنه المتأوّه، قاله أبو ذر. الثامن: أنه الفقيه، قاله مجاهد. التاسع: أنه المتضرع الخاشع، رواه عبد الله بن شداد بن الهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم. العاشر: أنه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها، قاله أبو أيوب. وأصل الأواه من التأوه وهو التوجع، ومنه قول المثقب العبدي. شعر : إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلٍ تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ} "حديث : لما زار الرسول صلى الله عليه وسلم قبر أمه، وقال: "استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الدعاء لها فلم يأذن لي" " تفسير : فنزلت، أو "حديث : نزلت في أبي طالب لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك" " تفسير : أو سمع علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ رجلاً يستغفر لأبويه فقال: أتستغفر لهما وهما مشركان فقال أو لم يستغفر إبراهيم لأبويه فذكره علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ للرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ...} الآية: حديث : جمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهِ حين ٱحْتُضِرَ، فَوَعَظَهُ، وقَالَ: « أَيْ عَمِّ؛ قُلْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ »، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ؛ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ؟ فَقالَ أبو طَالِبٍ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ إذ لم يسمع منه صلى الله عليه وسلم ما قال العبَّاس، فنزلَتْ {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56] فقال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» تفسير : ، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فترك نبيُّ اللَّه ٱلاستغفارَ لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النَّهْيِ، والآية على هذا ناسخةٌ لفعله صلى الله عليه وسلم؛ إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة وغيرهما: إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا: نَسْتَغْفِرُ لموتانا؛ كما ٱسْتَغْفَرَ إِبراهيمُ عليه السلام، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لأَبِيهِ...} الآية: المعنى: لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في ٱستغفار إِبراهيم عليه السلام، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، وٱختلف في ذلك، فقيلَ: عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله: { أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } تفسير : [مريم:47] وقيل: عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على ٱلاستغفار له؛ حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل: ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل: ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و«الأَوَّاهُ» معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والتَّأَوُّهُ: التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه بـ «أَوَّهْ»؛ ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي: [الوافر] شعر : إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ تفسير : ويروى: آهَة. وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في «الأَوَّاه» عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه. * ت *: روى ابن المبارك في «رقائقه»، قال: أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال: حدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ: « حديث : قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ؟ قالَ: «الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ؛ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ }» » تفسير : انتهى. و{حَلِيمٌ} مَعناه: صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ: العقل. وقوله سبحانَهُ: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ...} الآية: معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل: إن بعضهم خَافَ عَلَى نَفْسِه مِنَ ٱلاستغفار للمشْركين، فنزلت الآيةُ مُؤْنسة، أيْ: ما كان اللَّه بَعْدَ أَنْ هدَى إِلى الإِسْلاَمِ، وأنقذ مِنَ النار لِيُحْبِطَ ذلك، ويضلَّ أهله؛ لمواقعتهم ذَنْباً لم يتقدَّم من اللَّه عنه نَهْيٌ، فأما إِذا بيَّن لهم ما يتَّقون من الأمورِ، ويتجنَّبون من الأشياء، فحينئذٍ مَنْ واقع شيئاً من ذلك بعد النَّهْيِ، ٱستوجَبَ العقوبة، وباقي الآية بَيِّنٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: " حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أي عم، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبدالله يعاونانه بتلك المقالة. فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك. فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الآية. وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [القصص: 56] ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الآية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت امسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله تعالى {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} الآية. يعني استغفر له ما كان حياً، فلما مات أمسك عن الاستغفار. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: لما مرض أبو طالب أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المسلمون: هذا محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر لعمه وقد استغفر إبراهيم لأبيه فاستغفروا لقراباتهم من المشركين. فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} ثم أنزل الله تعالى {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} قال: كان يرجوه في حياته {فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه} . وأخرج ابن جرير من طريق شبل عن عمرو بن دينار "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. وقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه، فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} إلى قوله {نبرأ منه} ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: "حديث : لما حضرت أبا طالب الوفاة، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: أي عم، إنك أعظم عليَّ حقاً من والدي فقل كلمة يجب لك بها الشفاعة يوم القيامة، قل لا إله إلا الله. فذكر نحو ما تقدم ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: حديث : ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه. فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...} الآية ثم عذر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} إلى قوله {تبرأ منه} وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: أوحى إليّ كلمات قد دخلن في أذني ووقرن في قلبي، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف" . تفسير : وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن علي قال "حديث : أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب، فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه. ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته، حتى نزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: حديث : لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحمك الله وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون، فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...} الآية. فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه فنزلت {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه...} الآية. قال: فلما مات على كفره تبين له أنه عدوّ لله" . تفسير : وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال: لما مات أبو طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} يعني به أبا طالب فاشتد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} يعني حين قال {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً} [مريم: 47] {فلما تبين له أنه عدوّ لله} يعني مات على الشرك {تبرأ منه} ". تفسير : وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله {ما كان للنبي والذين آمنوا...} الآية. قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبيه، فنهاه الله عن ذلك قال "فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه. فنزلت {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه} الآية. قلت إن هذا الأثر ضعيف معلول، فإن عطية ضعيف وهو مخالف لرواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السابقة، وتلك أصح وعلى ثقة جليل". وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم، فذهب فنزل على قبر أمه آمنة، فناجى ربه طويلاً، ثم انه بكى فاشتد بكاؤه، فبكى هؤلاء لبكائه فقالوا: يا نبي الله بكينا لبكائك. قلنا لعله أحدث في أمتك شيء لم يطقه فقال: لا، وقد كان بعضه ولكني نزلت على قبر أمي فدعوت الله تعالى ليأذن لي في شفاعتها يوم القيامة، فأبى أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت، ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} الآية. فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه فرحمتها وهي أمي، فدعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعاً فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين. دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيعاً، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض، وأبى أن يرفع عنهم القتل والهرج. قال: وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كدي"تفسير : وكانت عسفان لهم وبها ولد النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر، فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر، فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك. قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي، وأنزل علي {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة، فذلك الذي أبكاني ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال "حديث : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان، فنظر يميناً وشمالاً فأبصر قبر أمه آمنة، ورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين ودعا فلم يفجأنا إلا وقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه، ثم انصرف إلينا فقال: ما الذي أبكاكم؟ قالوا: بكيت فبكينا يا رسول الله. قال: وما ظننتم؟ قالوا: ظننا أن العذاب نازل علينا بما نعمل. قال: لم يكن من ذلك شيء. قالوا: فظننا أن أمتك كلفت من الأعمال ما لا يطيقون فرحمتها. قال: لم يكن من ذلك شيء، ولكن مررت بقبر أمي آمنة فصليت ركعتين، فاستأذنت ربي أن استغفر لها فنهيت، فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها، فزجرت زجراً فعلا بكائي ثم دعا براحلته فركبها، فما سار إلا هنية حتى قامت الناقة لثقل الوحي، فأنزل الله {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين...} الآيتين ". تفسير : وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "حديث : جاء ابنا مليكة - وهما من الأنصار - فقالا: يا رسول الله إن أمنا كانت تحفظ على البعل وتكرم الضيف، وقد وُئدت في الجاهلية فأين أمنا؟ فقال: أمكما في النار. فقاما وقد شق ذلك عليهما، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعا، فقال: ألا أن أمي مع أمكما فقال منافق من الناس: أما ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما ونحن نطأ عقبيه. فقال شاب من الأنصار لم أر رجلاً أكثر سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه: يا رسول الله وأين أبواك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما. وفي لفظ: فيطعمني فيهما، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود، فقال المنافق للشاب الأنصاري: سله وما المقام المحمود؟ قال: يا رسول الله وما المقام المحمود؟ قال: ذاك يوم ينزل الله فيه على كرسيه يئط فيه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه، وهو كسعة ما بين السماء والأرض، ويجاء بكم حفاة عراة غرلاً، فيكون أول من يكسى إبراهيم. يقول الله: اكسوا خليلي. فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة ثم اكسى على أثره، فأقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني فيه الأوّلون والآخرون، ويشق لي نهر من الكوثر إلى حوضي قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط لقلما جرى نهر قط إلا في إحالة أو رضراض، فسله فيم يجري النهر إليهم؟ قال: في إحالة من المسك ورضراض. قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط. والله لقلما جرى نهر قط إلا كان له نبات، فسله هل لذلك النهر نبات؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله هل لذلك النهر نبات؟ قال: نعم. قال: ما هو؟ قال: قضبان الذهب. قال: يقول المنافق: لم أسمع كاليوم قط والله ما نبت قضيب إلا كان له ثمر، فسله هل لتلك القضبان ثمار؟ فسأل الأنصاري قال: يا رسول الله هل لتلك القضبان ثمار؟ قال: نعم، اللؤلؤ والجوهر. فقال المنافق: لم أسمع كاليوم قط، فسله عن شراب الحوض؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله ما شراب الحوض؟ قال: أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، من سقاه الله منه شربة لم يظمأ بعدها، ومن حرمه لم يرو بعدها ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن الكلبي وأبي بكر بن قيس الجعفي قالا: حديث : كانت جعفى يحرمون القلب في الجاهلية، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منهم قيس بن سلمة، وسلمة بن يزيد، وهما أخوان لأُم، فاسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلغني أنكما لا تأكلان القلب. قالا: نعم. قال: فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله. ودعا لهما بقلب فشوي وأطعمه لهما. فقالا: يا رسول الله إن أمنا مليكة بنت الحلو، كانت تفك العاني، وتطعم البائس، وترحم الفقير، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟ فقال: الوائدة والموءودة في النار. فقاما مغضبين. فقال: إلي. فارجعا، فقال: وأمي مع أمكما. فأبيا ومضيا وهما يقولان: والله إن رجلاً أطعمنا القلب وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع، وذهبا فلقيا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه إبل من إبل الصدقة، فأوثقاه وطردا الإِبل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: لعن الله رعلاً وذكوان وعصية ولحيان، وابني مليكة من حريم وحران" . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أية : وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه} تفسير : [الإِسراء: 23] إلى قوله {أية : كما ربياني صغيراً} تفسير : [الإِسراء: 24] قال: ثم استثنى فقال {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} إلى قوله {عن موعدة وعدها إياه} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فلما تبين له أنه عدوّ لله} قال: تبين له حين مات، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه. وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما مات تبين له أنه عدوّ لله فتبرأ منه. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس {فلما تبين له أنه عدوّ لله} يقول: لما مات على كفره. أما قوله تعالى: {إن إبراهيم لأوّاه حليم} . أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: حديث : كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: أوّه أوّه... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه لأوّاه" . تفسير : وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه في قوله {إن إبراهيم لأوّاه حليم} قال: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار قال: أوّه من النار أوّه. وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجوزاء. مثله. وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه "حديث : أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا خفض صوته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإنه أوّاه ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين: إنه أوّاه، وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل ميتاً القبر، وقال: رحمك الله ان كنت لأوّاهاً تلاء للقرآن". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الأوّاه: الخاشع المتضرع ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: الأوّاه: الدعاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: الأوّاه الدعاء المستكين إلى الله كهيئة المريض المتأوّه من مرضه. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن أبي العبيدين قال: سألت عبدالله بن مسعود عن الأوّاه فقال: هو الرحيم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: الأوّاه المؤمن التوّاب. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الأوّاه الحليم المؤمن المطيع. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أيوب قال: الأوّاه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها. وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الأوّاه المؤمن بالحبشية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة. وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الأوّاه الموقن بلسان الحبشة. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: الأوّاه الموقن، وهي كلمة حبشية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال: الأوّاه الفقيه الموقن. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: الأوّاه الشيخ. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي ميسرة قال: الأوّاه الشيخ. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاه الرحيم بلسان الحبشة. وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل قال: الأوّاه الدعاء بلسان الحبشة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: الأوّاه المسيح. وأخرج البخاري في تاريخه عن الحسن قال: الأوّاه الذي قلبه معلق عند الله. وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم قال: كان إبراهيم يسمى الأوّاه لرقته ورحمته. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إن إبراهيم لأوّاه حليم} قال: الحليم الرحيم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إن إبراهيم لأوّاه حليم} قال: كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما أنزل شيء من القرآن إلا وأنا أعلمه إلا أربع آيات. إلا {أية : الرقيم} تفسير : [الكهف: 9] فإني لا أدري ما هو فسألت كعباً؟ فزعم أنها القرية التي خرجوا منها {أية : وحناناً من لدنا وزكاة} تفسير : [مريم: 13] قال: لا أدري ما الحنان ولكنها الرحمة {أية : والغسلين} تفسير : [الحاقة: 36] لا أدري ما هو ولكني أظنه الزقوم. قال الله {أية : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} تفسير : [الدخان: 42 - 43] قال: والأوّاه هو الموقن بالحبشية. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوّاه المؤمن. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: الأوّاه المنيب الفقير. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عقبة بن عامر قال: الأوّاه الكثير ذكر الله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} قال: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة ما فعلوا أو تركوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {حتى يبين لهم ما يتقون} قال: ما يأتونه وما ينتهون عنه.
ابو السعود
تفسير : {مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالله وحده، أي ما صح لهم في حكم الله عز وجل وحكمتِه وما استقام {أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} به سبحانه {وَلَوْ كَانُواْ} أي المشركين {أُوْلِى قُرْبَىٰ} أي ذوي قرابةٍ لهم، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة أخرى قبلها محذوفةٍ حذفاً مطّرداً كما بُـيّن في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ }تفسير : [التوبة: 32] ونظائرِه. روي«حديث : أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمه أبـي طالب لما حضرتْه الوفاةُ: "يا عمّ قل كلمةً أحُاجُّ لك بها عند الله" فأبـي فقال عليه الصلاة والسلام: "لا أزال أستغفرُ لك ما لم أُنُهَ عنه"» تفسير : فنزلت. وقيل: لما افتتَح مكةَ خرج إلى الأبواء فزار قبرَ أمِّه ثم قام مستعبِراً فقال: «حديث : إني استأذنتُ ربـي في زيارة قبرِ أمّي فأذِن لي، واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يأذَنْ لي، وأنزل علي الآيتين»تفسير : . {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} أي للنبـي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين {أَنَّهُمْ} أي المشركين {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحيُ بأنهم يموتون على ذلك {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ} بقوله: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِى }تفسير : [الشعراء: 86] والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق ودفعِ ما يتراءى بحسب الظاهرِ من المخالفة، وقرىء وما استغفر إبراهيمُ لأبـيه، وقرىء وما يستغفر إبراهيمُ على حكاية الحال الماضية وقوله تعالى: {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ} استثناءٌ مفرَّعٌ من أعم العللِ أي لم يكن استغفارُه عليه السلام لأبـيه آزرَ ناشئاً عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة {وَعَدَهَا} إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام {إِيَّـٰهُ} أي أباه وقد قرىء كذلك بقوله: {أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }تفسير : [الممتحنة: 4] وقولِه: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي }تفسير : [مريم: 47] بناءً على رجاء إيمانِه لعدم تبـيُّنِ حقيقةِ أمرِه وإلا لما وعدها إياه كأنه قيل: وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبـيه إلا عن موعدة مبْنيةٍ على عدم تبـيُّنِ أمرِه كما ينبىء عنه قولُه تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} أي لإبراهيمَ بأن أوحِيَ إليه أنه مُصِرٌّ على الكفر غيرُ مؤمنٍ أبداً، وقيل: بأن مات على الكفر والأولُ هو الأنسبُ بقوله تعالى: {أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} فإن وصفَه بالعداوة مما يأباه حالةُ الموت {تَبَرَّأَ مِنْهُ} أي تنزّه عن الاستغفار له وتجانبَ كلَّ التجانب، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائرِه {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ} لكثيرُ التأوّهِ وهو كنايةٌ عن كمال الرأفةِ ورقةِ القلب {حَلِيمٌ} صبورٌ على الأذية والمحنة، وهو استئنافٌ لبـيان ما كان يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى ما صدر عنه من الاستغفار، وفيه إيذانٌ بأن إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كان أواهاً حليماً فلذلك صدَر عنه ما صدر من الاستغفار قبل التبـينِ فليس لغيره أن يأتسيَ به في ذلك، وتأكيدٌ لوجوب الاجتناب عنه بعد التبـين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبـينِ وهو في كمال رقةِ القلبِ والحلم، فلا بد أن يكون غيرُه أكثرَ منه اجتناباً وتبرُّؤاً، وأما أن الاستغفارَ قبل التبـينِ لو كان غيرَ محظورٍ لما استُثنيَ من الائتساء به في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }تفسير : [الممتحنة: 4] فقد حُقق في سورة مريم بإذن الله تعالى.
القشيري
تفسير : أصلُ الدين التَبَرِّي من الأعداء، والتولِّي للأولياء، والوليُّ لا قريبَ له ولا حميم، ولا نسيبَ له ولا صَديق؛ إنْ وَالَى فبأمر، وإنْ عادى فَلِزَجْر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما كان للنبى والذين آمنوا} بالله وحده اى ما صح لهم وما استقام فى حكم الله تعالى وحكمته {أن يستغفروا} اى يطلبوا المغفرة {للمشركين} به سبحانه {ولو كانوا} اى المشركون {أولى قربى} اى ذوى قرابة لهم {من بعد ما تبين لهم} اى ظهر للنبى عليه السلام والمؤمنين {أنهم} اى المشركين {اصحاب الجحيم} اى اهل النار بان ماتوا على الكفر او نزل الوحى بانهم يموتون على ذلك -حديث : روى- انه لما مرض ابو طالب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين وبعد مضى عشر سنين من بعثته عليه السلام وبلغ قريشا اشتداد مرضه قال بعضهم لبعض ان حمزة وعمر قد اسلما وقد فشا امر محمد فى قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا الى ابى طالب فليأخذ لنا على ابن اخيه وليعطه منا فانا والله ما نأمن من ان يسلموا امرنا وفى رواية انا نخاف ان يموت هذا الشيخ فيكون منا شئ اى قتل محمد فتعيرنا العرب ويقولون تركوه حتى اذا مات عمه تناولوه فمشى اليه اشرافهم منه عتبة وشيبة ابنا ربيعة وابو جهل وامية بن خلف وابو سفيان فانه اسلم ليلة الفتح فارسلوا رجلا فاستأذن لهم على بن ابى طالب فقال هؤلاء اشراف قومك يستأذنون عليك قال ادخلهم فدخلوا عليه فقالوا يا ابا طالب انت سيدنا وكبيرنا وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الذى بيننا وبين ابن اخيك فادعه فخذله منا وخذلنا منه ليدعنا وديننا وندعه ودينه فبعث اليه عليه السلام ابو طالب فجاء ولما دخل عليه السلام على ابى طالب وكان بين ابى طالب وبين القوم فرجة تسع الجالس فخشى ابو جهل ان يجلس النبى عليه السلام فى تلك الفرجة فيكون ارقى منه وثب لعنه الله فجلس فيها فلم يجد عليه السلام مجلسا قريبا الى ابى طالب فجلس عند الباب فقال ابو طالب لرسول الله عليه السلام يا ابن اخى هؤلاء اشراف قومك اعطهم ما سألوك فقد انصفوك سألوا ان تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك والهك فقال عليه السلام "أرأيتكم ان اعطيتكم ما سألتم فهل تعطوننى كلمة واحدة تملكون بها العرب ويدين لكم بها العجم" (اى يطيع ويخضع) فقال ابو جهل نعطيكها وعشرا معها فما هى قال "تقولون لا اله الا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه" فصفقوا بايديهم ثم قالوا سلنا يا محمد غير هذه الكلمة فقال "لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ما سألتكم غيرها "ثم قال بعضهم لبعض والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون فامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبيه ثم تفرقوا وعند ذلك قال عليه السلام "اى عم فانت فقلها اشهد لك بها عند الله" فقال والله يا ابن اخى لولا مخافة العار عليك وعلى بنى ابيك من بعدى ان تظن قريش انى انما قلتها خوفا من الموت لقلتها فلما ابى عن كلمة التوحيد قال عليه السلام "لا ازال استغفر لك ما لم انه عنه" وذلك لغلبة همته على مغفرته لانه كان يحفظه عليه السلام وبنصره ولما مات نالت قريش من رسول الله من الاذى ما لم تكن تطمع فيه فى حياة ابى طالب حتىتفسير : ان بعض سفهاء قريش نثر على رأس النبى عليه السلام التراب فدخل بيته والتراب على رأسه فقام اليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكى ورسول الله يقول لها حديث : "لا تبكى يا بنية فان الله مانع اباك"تفسير : فبقى عليه السلام يستغفر لأبى طالب من ذلك الوقت الى وقت نزول هذه الآية حديث : وقال ابن عباس رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن ابويه ايهما اقرب به عهدا فقيل له امك آمنة فقال "هل تعلمون موضع قبرها لعلى آتيه فاتستغفر لها فان ابراهيم عليه السلام استغفر لابويه" فقال المسلمون ونحن ايضا نستغفر الله لآبائنا واهلينا فانطلق رسول الله وذلك فى سنة الفتح فانتهى الى قبر امه فى الابواء منزل بين مكة والمدينةتفسير : وذلك انه عليه السلام ولد بعد ان توفى ابوه عبد الله ودفن بالمدينة لما انه قد خرج اليها لحاجة فادركه الموت هناك وكان عليه السلام مع امه آمنة فلما بلغ ست سنين خرجت آمنة الى اخوالها بالمدينة تزورهم ثم رجعت به الى مكة فلما كانت بالابواء توفيت هناك وقيل دفنت بالحجون ويمكن الجمع بينهما بانها دفنت اولا بالابواء ثم نقلت من ذلك المحل الى مكة كما فى السيرة الحلبية فلما حديث : جلس عليه السلام عند قبر امه ناجى طويلا ثم بكى بكاء شديدا فبكينا لبكائه فقلنا يا رسول الله ما الذى ابكاك قال "استأذنت ربى فى زيارة قبر امى فاذن لى فاستأذنته فىالاستغفار لها فلم يأذن لى وانزل علىّ الآيتين" آية {ما كان للنبى} وآية {وما كان استغفار ابراهيم} . تفسير : قال بعضهم لا مانع من تكرر سبب النزول فيجوز ان تنزل الآيتان لما استغفر لامه ولما استغفر لعمه. يقول الفقير سامحه القدير فيه بعد لانه ان سبق النزول لاستغفار امه فكيف يبقى النبى عليه السلام على استغفار عمه وقد ثبت ان هذه السورة الكريمة من آخر القرآن نزولا وكذا العكس ومن ادعى الفرق بين الاستغفارين فعليه البيان
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ما كان} ينبغي {للنّبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} الذين ماتوا على الشرك، {ولو كانوا أولي قُرْبَى} أي: من قرابتهم، {من بعد ما تبيّنَ لهم أنهم أصحابُ الجحيم}؛ لموتهم على الشرك. رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي طالب، لما حضرته الوفاة: "قُل: حديث : لا إله إلا الله، كلمة أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عند اللَّهِ".تفسير : فأبى، فقال: "حديث : واللَّهِ لأستَغفِرَنَّ لَكَ مَا لَم أُنهَ عنك"،تفسير : فكان يستغفر له حتى نزلت الآية. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه، فنزلت، وقيل: إن المسلمين أرادوا أن يستغفروا لآبائهم، فنزلت، وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم؛ إذ لم يتحقق أنهم أصحاب الجحيم، فإنه طلب توفيقهم للإيمان. ثم رفع إيهام النقض باستغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر، فقال: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدةٍ وعدها إياه}، وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم قال في شأن عمه:"حديث : لأ ستغفرن لك، كما استغفر إبراهيم لأبيه"،تفسير : فنزلت: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه}. والموعدة التي وعدها إياه قوله: {أية : لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [الممتحنة: 4]. أي: لأطلبن المغفرة لك بالتوفيق للإيمان، فإنه يجب ما قبله. والمعنى: لا حجة لكم في استغفار إبراهيم لأبيه، فإن ذلك لم يكن إلا لوعد تقدم بقوله: {لأَستَغْفِرَنَّ لَكَ...} الخ. {فلما تبيّنَ له أنه عدوٌ لله}؛ بأن مات على الكفر، أو أوحى إليه بأنه لن يؤمن، {تبرأ منه}؛ بأن قطع استغفاره له، {وإن إبراهيم لأواهٌ} أي: لكثير التأوه، وهو كناية عن فرط ترحمه، أو كثير الدعاء، أو مؤمن، أو فقيه، أو كثير الذكر لله، أو كثير التأوه من خوف الله، {حليمٌ}؛ صبور على الأذى، والجملة: لبيان ما حمله على الاستغفار. الإشارة: الشفاعة لا تكون فيمن تحقق غضب الله عليه، فإن ذلك من سوء الأدب، كالدعاء بالمحال، وأما من لم يتحقق غضبه عليه فالشفاعة فيه مرغب فيها. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : اشفَعُوا تُؤجَروا:،تفسير : والاستغفار شفاعة. وقد ورد في الخبر: "حديث : مَن استغفر للمؤمنين والمؤمنات خمساً وعِشرين مرة كتب من الأبدال ". تفسير : والشفقة مطلوبة، ما لم يظهر مراد الله من خلقه، فإن برز من عنصر القدرة شيء من القهريات، فالتسليم لمراده تعالى أحسن، فالله ارحم بعباده منك أيها الشفيق، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ}تفسير : [هود: 76] وبالله التوفيق. ثم عَذَر نبيه في اسْتغفاره لعمه قبل النهي، أو من استغفر من المسلمين لأسلافهم المشركين، فقال: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أنه لم يكن {للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا} ومعناه أن يطلبوا المغفرة {للمشركين} الذين يعبدون مع الله إلهاً آخر والذين لا يوحدونه ولا يقرّون بالاهيته "وإن كان" الذي يطلب لهم المغفرة أقرب الناس اليهم بعد أن يعلموا أنهم كفار مستحقون للخلود في النار. والقربى معناه القرب في النسب بالرجوع إلى أب أو أم باضافة قريبة. ومعنى قوله {ولو كانوا أولي قربى} أي القرابة وإن دعت إلى الحنو والرقة، فانه لا يلتفت إلى دعائها في الخصلة التي نهى الله عنها.
الجنابذي
تفسير : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} يعنى ما صحّ {أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} بلغ غاية الوضوح {لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} اعلم، انّ الكافر ما لم ينقطع فطرته الّتى هى لطيفته الانسانيّة لا منع فى الاستغفار والدّعاء بالخير له حيّاً وميّتاً ولا يجوز لعنه على الاطلاق بل يجوز من حيث كفره وشركه، وللاشارة الى هذا المعنى قوله تعالى {أية : إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ} تفسير : [الشعراء: 168] و {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 216]، واذا انقطع فطرته يجوز لعنه على الاطلاق ولا يجوز له الدّعاء بالخير ولا يعلم قطع الفطرة الاّ بشهود مراتب وجوده او بوحىٍ من الله او بسماعٍ من صاحب الكشف او الوحى، وما ورد فى الاخبار وافتى به العلماء (رض) ايضاً من انّ المرتدّ الفطرىّ لا يقبل توبته ناظر الى هذا المعنى، وما ذكروه من الفرق بين المرتدّ الملّىّ والفطرىّ كما فى الاخبار انّما هو باعتبار انّ التّولّد على الاسلام والتّولّد على الكفر ثمّ الخروج عن الاسلام كاشف عن الارتدادين وقد مضى تحقيق الارتداد فى سورة آل عمران عند قوله ومن يبتغ غير الاسلام ديناً، وللاشارة الى ما ذكرنا قال تعالى من بعد ما تبيّن بالكشف والوحى او بالسّماع من صاحب الشكف والوحى لهم: انّهم اصحاب الجحيم منقطعوا الفطرة غير مرجّوى النّجاة يعنى لا قبل هذا التّبيّن.
الهواري
تفسير : قوله: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ}. ذكر بعضهم قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل: (أية : وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً).تفسير : [الإِسراء:23-24]؛ ثم أنزل الله في هذه السورة: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى...} الآية؛ فلا ينبغي [للمسلم] إذا كان أبواه مشركين أن يستغفر لهما، ولا يقل: ربّ ارحمهما؛ وكذلك إذا كانا منافقين. قال الحسن: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجَحِيمِ} أي: ما توا على الكفر والنِّفاق. وقال بعضهم: كان يقال: ليقل: اللهم اهده، ولا يقل: اللهم اغفر له. قوله: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. في تفسير ابن عباس والحسن: فلما مات تبيّن له أنه عدوٌّ لله. وكان إبراهيم يرجوه ما كان حيّاً، فلما مات تبيّن له أنه عدوّ لله، لأنه مات على الكفر. وقال الكلبي: إن النبي عليه السلام سأل: أيّ قرابته أحدث به عهداً، فقيل: أمك. فأراد أن يستغفر لها، وقال استغفر إبراهيم لأبويه، وهما مشركان. فلما همّ أن يستغفر لأمه جاءه جبريل وقال: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. يقول: فلما مات علم أنه لا توبة له، فتبرأ منه. وقال بعضهم: ذكر لنا أن رجلاً قال لنبي الله عليه السلام: إن من آبائنا من كان يُحسِن الجوار، ويصل الأرحام، ويفي بالذِّمم، أفلا نستغفر لهم. قال: حديث : بلى، فوالله إني لأستغفر لهم، يعني والديه، كما استغفر إبراهيم لوالديه تفسير : . فأنزل الله هذه الآية: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ}. وقال في قوله: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ} أي: لما مات على شركه {تَبَرَّأَ مِنْهُ}. قوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} قال بعضهم: الأوّاه: الرحيم. ذكروا عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأوّاه: الرحيم. وبعضهم يقول: هو الدَّعَّاء. [وقال ابن عباس: الأوَّاه: الموقن]. قوله: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. بلغنا أن أناساً من أصحاب النبي عليه السلام ماتوا قبل أن تفرض الفرائض أو بعضها، فقال قوم من أصحاب النبي: مات إخواننا قبل أن تفرض هذه الفرائض، فما منزلتهم، وقد كانوا مؤمنين بما فرض عليهم يومئذٍ، فأنزل الله هذه الآية، فأخبر أنهم ماتوا على الإِيمان.
اطفيش
تفسير : {ما كانَ للنَّبىِّ والَّذينَ آمنُوا مَعه أنْ يسْتغفرُوا للمشْرِكينَ ولوْ كانُوا أولى قُرْبَى} وأعمال حسنة، كحسن الجوار، وصلة الرحم، وفك الأسير، لأنهم ليسوا بأهل للاستغفار، وهم أعداء لله، ولأن الاستغفار لا ينفع فى المشرك بأن يخرجه من النار إلى الجنة، وروى أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجد أبا طالب فى دركة النار السفلى وغمراتها، فشفع فيه لأنه كان يحوطه وينصره ويغضب له، فأخرجه إلى ضحضاح من النار تبلغ كعبيه تغلى بها أم دماغه. {مِنْ بَعْد ما تَبيَّن} ما مصدرية والمصدر مضاف إليه {لَهم} بالموت على الشرك {أنَّهم أصْحابُ الجَحيمِ} فاعل بالتأويل، أى من بعد ما تبين لهم كونهم أصحاب الجحيم وصحبتها، أى استحقاقهم لها، وملابستهم لها بعد، وهذه الآية أفادت أنه لا يحل الاستغفار لمن مات على الشرك، وأفادت الآى الآخر أنه لا يتولى المشرك ولو كان حيا، فلا يستغفر له، وأفاد مثل قوله عز وجل: {أية : لا تتخذوا الكافرين} تفسير : وهم ما يعم المنافق والمشرك {أية : أولياء من دُون المؤمنين} تفسير : أنه لا يستغفر للمنافق، فإن من يستغفر له فقد تولاه، وكذا الأحاديث الدالة على أن من فعل كذا لكبيرة غير شرك ملعون، أو ليس منا كالإحداث فى الإسلام والغش. وأيضا علة براءة المشرك مخالفة لأمر الله، والمنافق مخالف أو المراد تبيين أنهم أصحاب الجحيم، يبين ذلك لهم بالعلم بأنهم مشركون ماتوا أو عاشوا فإنه إذا علمت بشرك إنسان فقد تبين لك بظاهر الأمر أنه أهل للنار، وبعد ذلك أهل للنار، وبذلك الذى ذكرت كله يندفع استدلال القاضى بالآية على جواز الاستغفار للمشرك الحى، من حيث إن الاستغفار له طلب لتوفيقه للإيمان، ولئن سلمنا أن الآية دليل، وقد ذكر شيخ الإسلام أنه منسوخ، وأيضا العبرة بعموم اللفظ على الصحيح، لا بخصوص السبب، فالآية ولو سلمنا أنه نزلت فى الاستغفار للمشرك الميت خصوصا، لكن لفظها عام فيعمل به.
اطفيش
تفسير : {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ} أَى نبى كان فأَلْ للجنس كما يدل له وما كان استغفار إِبراهيم إِلخ، فإِنه رد للنقض بمن تقدم فيدخل النبى محمد صلى الله عليه وسلم بالأَولى، أَو هو مراد ولو كان من قبله كذلك، ويدل له ما روى كثير منهم البخارى ومسلم أَنه لما احتضر أَبو طالب قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أَى عم قل كلمة أَحاج بها عند الله"تفسير : . وقال له أَبو جهل وعبدالله بن أَبى أُمية: يا أَبا طالب، أَترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فأَعاد صلى الله عليه وسلم وأَعاد أَبو جهل وعبداله فقالا: إِنه على ملة الأَشياخ. فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : لا أَزال أَستغفر لك ما لم أَنه عنهتفسير : . فنزلت الآية، أَى والتى بعدها، وفى رواية: حديث : قل لا إِله إِلا الله كلمة أَحاج لك بهاتفسير : ، والمراد مع قول محمد رسول الله، وسبب الاختصار أَنهم أَهل أَصنام، فإِذا قالوا لا إِله إِلا الله فقد صدقوا بأَنه رسول الله آتٍ لرفض الأَصنام. وروى أَنه مات فأَخبر علىٌّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، فقال: اذهب فاغسله وكفنه وواره، غفر الله له ورحمه. وفعلت، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل {ما كان للنبى} وروى أَنه لما احتضر وأَلح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإِيمان قال: لولا خوف السب عليك وعلى بنى أَبيك من بعدى وأَن تتهمنى قريش بالجزع من الموت لقلتها ولا أَقولها إِلا لأَسرك بها، وضعف ما روى عن العباس أَنه أَصغى إِلى أَبى طالب بأُذنه وهو يحرك شفتيه فقال: يا ابن أَخى لقد قالها، فقال صلى الله عيه وسلم: حديث : لم أَسمعتفسير : . ولما كان صلى الله عليه وسلم يستغفر لأَبى طالب، استغفر المؤمنون لموتاهم حتى نزلت الآية، وروى أَنه زار أُمه بالأَبواءِ حين رجع من فتح مكة وقام باكياً فقال: حديث : إِنى استأْذنت ربى فى زيارة قبر أُمى فأَذن لى، واستأْذنت فى الاستغفار لها فلم يأْذن لى، وأَنزل على: ما كان للنبىتفسير : ، حتى قرأَ لأَواه حليم، والأَبواءُ جبل بين مكة والمدينة، وعنده بلدة ـ بفتح الهمزة وبالمد. وعن أَبى هريرة: أَتى صلى الله عليه وسلم قبر أُمه فبكى وأَبكى من حوله، فقال حديث : أَذن لى ربى فى زيارة قبر أُمى هذا، ولم يأْذن لى فى الاستغفار لهاتفسير : ، وعن ابن مسعود أَن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أَتى المقابر فناجى قبراً مدة طويله ثم بكى فبكينا لبكائِه، فصلى ركعتين فدعا عمر ودعانا فقال: حديث : ما أَبكاكم؟تفسير : فقلنا: بكينا لبكائِك. فقال: حديث : هذا قبر أُمى آمنة، أَذن لى ربى فى زيارتها ومنعنى من الاستغفار لهاتفسير : . وفى رواية لمسلم: حديث : استأْذنت ربى أَن أَستغفر لأُمى فلم يأْذن لى، واستأْذنت أَن أَزور قبرها فأَذن لى.تفسير : قال بعض شراحه: رأَى قبرها عام الحديبية فبكى وأَبكى من حوله، وروى: زار قبرها حين الفتح فى أَلف مقنع. زارت أَخوالها بالمدينة ومعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ست سنين، ولما رجعت ماتت بالأَبواءِ، ثم إِن السورة مدنية ولعلها آخر سورة نزلت، وأَبو طالب مات قبل الهجرة بثلاث سنين، فكيف يكون سبب نزول الآية قوله: لا أَزال أَستغفر لك إِلخ، فلعله كان يستغفر له من ذلك إِلى أَن نزلت الآية بالمدينة وكان المؤمنون كذلك كما قال. {وَالَّذِينَ آمَنُوا} وذلك بعيد، وكل ما جاز للنبى يجوز لأُمته حتى يقوم دليل التخصيص، وكذلك التحريم {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِى قُرْبَى} أَى لو لم يكونوا ذوى قربى، ولو كانوا أُولى قربى فالعطف على محذوف، وبعض يجعل الواو للحال فى مثل هذا، فيكون ما يقدر بالعطف فى الإِعراب الأَول مفهوماً بالأُولى، ومعنى الاستغفار أَن يطلبوا لهم مغفرة الذنوب، وفى قولك اللهم اهد المشرك أَو الفاسق مشهور المذهب المنع لأَنه ولاية وفيه قول بالجواز، لأَنه صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : اللهم اهد قومى" تفسير : ولا دليل على الخصوصية وقد يبحث بأَن معنى لأَستغفرن لك ما لم أُنه، لأَطلبن توفيقك. فنفسر الآية بطلب التوفيق، فإِذا نهى عنه بالآية فقد نهى عن طلب الهداية، إِذ طلب الهداية هو طلب التوفيق، ويبحث بأَنه لا يتصور طلب توفيق من مات على غير توفيق، وأَما الحى فيتصور ما لم ينزل من الله جل جلاله أَنه شقى كما قال. {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} لَهُمْ بالموت على الكفر أَو بالوحى مثل أَنه لن يؤمن من قومك إِلا من قد آمن. {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} فما داموا أَحياءً لم يمنع طلب الاستغفار أَو التوفيق وهذا ظاهر الآية، وقواعد المذهب لم توافقه، الجواب أَن التبيين لا يختص بالموت أَو الوحى بل بالجزم بأَنه كافر ولو كان حياً، فإِذا تحقق الكفر لم يجز الاستغفار له.
الالوسي
تفسير : {مَا كَانَ} أي ما صح في حكم الله عز وجل وحكمته وما استقام {لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالله تعالى على الوجه المأمور به {أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} به سبحانه {وَلَوْ كَانُواْ} أي المشركون {أُوْلِي قُرْبَىٰ} أي ذوي قرابة لهم، وجواب {لَوْ} محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة حذفاً مطرداً أي لو لم يكونوا أولى قربـى ولو كانوا كذلك {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} أي للنبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {أَنَّهُمْ} أي المشركين {أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ} بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلاً، وفيه دليل على صحة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم، والمراد منه في حقهم طلب توفيقهم للإيمان، وقيل: إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال: إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر، والآية على الصحيح نزلت في أبـي طالب فقد أخرج أحمد، وابن أبـي شيبة / والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في «الدلائل» وآخرون عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبـي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبـي أمية فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: أي عم قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبـي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبـى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيّ} الآية. واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبـي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. قال الواحدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان عليه الصلاة والسلام يستغفر لأبـي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحواً من هذا صاحب «التقريب»، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفار فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبـي طالب فبكى فقال: «اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية {مَا كَانَ لِلنَّبِيّ} الخ» فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافراً وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة. وروى ابن إسحق في «سيرته» عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال لأبـي طالب في مرض موته وقد طمع فيه: أي عم فانت فقلها يعني لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة ـ وحرض عليه عليه الصلاة والسلام بذلك ـ فقال: والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعاً من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبـي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بأذنه فقال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له صلى الله عليه وسلم: لم أسمع»تفسير : واحتج بهذا ونحوه - من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به صلى الله عليه وسلم وشدة حنوه عليه ونصرته له صلى الله عليه وسلم - الشيعة الذاهبون إلى موته مؤمناً وقالوا: إنه المروي عن أهل البيت وأهل البيت أدرى. وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن العباس دونه مما تضحك منه الثكلى، والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد إلا أنها بمعزل عما نحن فيه، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت. نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في سائر كفار قريش من أبـي جهل. وأضرابه / فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من محاسن الأفعال، وقد روى نفع ذلك له في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من الكفار. فعن أبـي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد ذكر عنده عمه: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار» وجاء في رواية أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح من نار. وسبه عندي مذموم جداً لا سيما إذا كان فيه إيذاء لبعض العلويين إذ قد ورد «لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات ـ ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه». وزعم بعضهم أن الآية نزلت في غير ذلك. فقد أخرج البيهقي في «الدلائل» وغيره عن ابن مسعود قال: «خرج النبـي صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربـي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ {مَا كَانَ لِلنَّبِيّ} الخ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني» ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول. نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه عليه الصلاة والسلام وعدم الإذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول. فقد أخرج مسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن أبـي هريرة قال: «حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال عليه الصلاة والسلام: استأذنت ربـي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانها تذكركم الموت»تفسير : واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه عليه الصلاة والسلام ممن لا يستغفر له، وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : استئناف نسخ به التخيير الواقع في قوله تعالى: {أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}تفسير : [التوبة: 80] فإن في ذلك تسوية بين أن يستغفر النبي صلى الله عليه وسلم لهم وبين أن لا يستغفر في انتفاء أهم الغرضين من الاستغفار، وهو حصول الغفران، فبقي للتخيير غَرض آخر وهو حُسن القَول لمن يرى النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ أهل للملاطفة لذاته أو لبعض أهله، مثل قصة عبد الله بنِ عبد الله بنِ أبَيْ، فأراد الله نسخ ذلك بعد أن دَرَّج في تلقية على عادة التشريع في غالب الأحوال. ولعل الغرض الذي لأجله أبقي التخيير في الاستغفار لهم قد ضعف ما فيه من المصلحة ورجح ما فيه من المفسدة بانقراضِ من هم أهل لحسن القول وغلبةِ الدهماء من المنافقين الذين يحسبون أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لهم يَغفر لهم ذنوبهم فيصبحوا فرحين بأنهم ربحوا الصفقتين وأرضوا الفريقين، فنهَى اللّهُ النبي صلى الله عليه وسلم ولعل المسلمين لما سمعوا تخيير النبي في الاستغفار للمشركين ذهبوا يستغفرون لأهليهم وأصحابهم من المشركين طمعاً في إيصال النفع إليهم في الآخرة فأصبح ذلك ذريعة إلى اعتقاد مساواة المشركين للمؤمنين في المغفرة فينتفي التفاضل الباعث على الرغبة في الإيمان، فنهى الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معاً عن الاستغفار للمشركين بعد أن رخصه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة في قوله: {أية : استغفر لهم أو لا تستغفر لهم}تفسير : [التوبة: 80]. وروى الترمذي والنسائي عن علي قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه المشركين قال: فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبويه وهما مشركان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، إلى قوله تعالى: {أية : إن إبراهيم لأواه حليم}تفسير : [التوبة: 114]. قال الترمذي: حديث حسن. وقال ابن العربي في «العارضة»: هو أضعف ما رُوي في هذا الباب. وأما ما روي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب، أو أنها نزلت في سؤاله ربه أن يستغفر لأمه آمنة حين زار قبرها بالأبواء. فهما خبران واهيان لأن هذه السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل. وجاءت صيغة النهي بطريق نفي الكون مع لام الجحود مبالغة في التنزه عن هذا الاستغفار، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} تفسير : في آخر سورة العقود (116). ويدخل في المشركين المنافقون الذين علم النبي صلى الله عليه وسلم نفاقهم والذين علم المسلمون نفاقهم بتحقق الصفات التي أعلنت عليهم في هذه السورة وغيرها. وزيادة ولو كانوا أولي قربى} للمبالغة في استقصاء أقرب الأحوال إلى المعذرة، كما هو مفاد (لو) الوصلية، أي فَأوْلى إن لم يكونوا أولي قربى. وهذه المبالغة لقطع المعذرة عن المخالف، وتمهيد لتعليم من اغتر بما حكاه القرآن من استغفار إبراهيم لأبيه في نحو قوله تعالى: {أية : واغفر لأبي إنه كان من الضالين}تفسير : [الشعراء: 86]. ولذلك عقَّبه بقوله: {أية : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه}تفسير : [التوبة: 114] الخ. وقد تقدم الكلام على (لو) الاتصالية عند قوله تعالى: {أية : ولو افتدى به} تفسير : في سورة آل عمران (91).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: أن يستغفروا للمشركين: أي يسألون الله تعالى لهم المغفرة. أولي قربى: أصحاب قرابة كالأُبُّوة والبُنوَّة والأُخوة. موعدة: أي وعدٌ وعده به. تبرأ منه: أي قال: إني بريء منك. أواه حليم: الأواه: كثير الدعاء والشكوى إلى الله تعالى والحليم الذي لا يغضب ولا يؤاخذ بالذنب. ما يتقون: أي ما يتقون الله تعالى فيه فلا يفعلوه أو لا يتركوه. من ولي: الولي من يتولى أمرك فيحفظك ويعينك. معنى الآيات: لما مات أبو طالب على الشرك بعد أن عرض عليه الرسول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فأبى أن يقولها وقال هو على ملة عبد المطلب قال له النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرنَّ لك ما لم أَنْهَ عن ذلك، واستغفر بعض المؤمنين أيضاً لأقربائهم الذين ماتوا على الشرك، أنزل الله تعالى قوله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} إذ ماتوا على الشرك ومن مات على الشرك قضى الله تعالى بأنه في النار أي ما صح ولا انبغى للنبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا أن يستغفروا أي ما صح ولا انبغى استغفارهم. ولما قال بعضَّ إن إبراهيم قد استغفر لأبيه وهو مشرك قال تعالى جواباً {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} وهي قوله: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47] لكنه عليه السلام لما تبين له أن أباه عدو لله أي مات على الشرك تبرأ منه ولم يستغفر له، وقوله {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} تعليل لمواعدة إبراهيم أباه بالاستغفار له لأن إبراهيم كان كثير الدعاء والتضرع والتأسف والتحسر فلذا واعد أباه بالاستغفار له وقوله تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} هذه الآية نزلت رداً على تساؤلات الذين قالوا متندمين لقد كنا استغفرنا لأقاربنا المشركين فخافوا فأخبرهم تعالى أنه ليس من شأنه تعالى أن يضل قوماً بعد إذ هداهم إلى الصراط المستقيم حتى يبين لهم ما يتقون وأنتم استغفرتم لأقربائكم قبل أن يبين لكم أنه حرام. ولكن إذا أراد الله أن يضل قوماً بين لهم ما يجب أن يتقوه فيه فإذا لم يتقوه أضلهم. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فلا يضل إلا من يستحق الضلال كما أنه يهدي من يستحق الهداية وذلك لعلمه بكل شيء وقوله تعالى {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خلقاً وملكاً وتصرفاً فهو يضل من يشاء ويهدي من يشاء يحيي ويميت يحيي بالإِيمان ويميت بالكفر ويحيى الأموات ويميت الأحياء لكامل قدرته وعظيم سلطانه وقوله {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ليس لكم من يتولاكم إذا تخلى عنكم وليس لكم من ينصركم إذا خذلكم فلذا وجبت طاعته والاتكال عليه، وحرم الالتفات إلى غيره من سائر خلقه. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- حرمة الاستغفار لمن مات على الشرك لأن الله لا يغفر أن يشرك به فلذا لا يطلب منه شيء أخبر أنه لا يفعله. 2- وجوب الوفاء بالوعود والعهود. 3- ليس من سنة الله تعالى في الناس أن يضل عباده قبل أن يبين لهم ما يجب عليهم عمله أو اتقاؤه. 4- ليس للعبد من دون الله من ولي يتولاه ولا نصير ينصره ولذا وجبت ولاية الله بطاعته واللجوء إليه بالتوكل عليه.
القطان
تفسير : لأواه: كثير التأوه، الخاشع الكثير الدعاء. حليم: لا يغضب، هادئ الأعصاب. كان الكلام من اول السورة الى هنا براءة من الكفار والمنافقين في جميع الاحوال، وهنا بيّن الله تعالى انه يجب البراءة من الكفار ولو كانوا أُولي قرابة، وأن ابراهيم عندما استغفر لوالده كان قد وَعَدَه بذلك، فلما أصرَّ والده على كفره تبرأ ابراهيم منه. {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}. ليس للنبي وللمؤمنين ان يطلبوا المغفرة للمشركين، ولو كانوا اقرب الناس اليهم، من بعد ما تبين لهم بالدليل انهم من اصحاب النار. وقد وردت روايات ان هذه الآية نزلت في ابى طالب، وهذا غير صحيح، فان ابا طالب مات قبل الهجرة، وهذه الآية نزلت بعد غزوة تبوك والمدة بينهما نحو12 سنة. ثم اجاب على سؤال قد يخطر بالبال، فيقال كيف يمنع النبي والمؤمنين من الاستغفار لاقربائهم وقد استغفر ابراهيم لأبيه فقال: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ}. ولم يكن ما فعله ابراهيم عليه السلام من الاستغفار لأبيه، الا تحقيقا لوعد من ابراهيم له، وذلك بقوله تعالى: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} تفسير : [مريم: 47] وبقوله: {أية : وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الشعراء: 87] وقد وفى ابراهيم بما وعد. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ}. فلما مات ابوه ولم يؤمن تبين له انه مات كافرا وانه عدو الله، فتبرأ منه وترك الاستغفار له. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} ان ابراهيم كثير الخشية والدعاء لله، صبور على الأذى والصفح عن غيره.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُوۤاْ} {أَصْحَابُ} (113) - لَمَّا حَضَرَتِ الوَفَاةُ أَبَا طَالِبٍ، عَمَّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، دَخَلَ النَّبِيُّ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، عَلَيهِ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّة، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَمُّ، قُلْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، كَلمةٌ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعُبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقَالَ أَنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ: لأَسْتَغِفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَفِيهَا دَعْوَةٌ لِلنَّبِيَّ وَالمُؤْمِنينَ إِلى عَدَمِ الاسْتِغْفَارِ لِلْكفَّارِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَقْرِبَاءَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قبل أن يحظر الحق سبحانه على المؤمنين الاستغفار لآبائهم المنافقين، بدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ}، وإذا كان النبي ينهى، فالمؤمنون من باب أوْلى ليس لهم الحق في ذلك؛ لأن الله لو أراد أن يكرم أحداً من الآباء لأجل أحد، لأكرم أباء النبي إن كانوا غير مؤمنين. وكلمة {مَا كَانَ} تختلف عن كلمة "ما ينبغي" فساعة تسمع "ما ينبغي لك أن تفعل ذلك" فهذا يعني أن لك قدرة على أن تفعل، لكن لا يصح أن تفعل، ولكن حين يقال: "ما كان لك أن تفعل"، أي: أنك غير مؤهل لفعل هذا مطلقاً. ومثال ذلك أن يقال لفقير جدّاً: "ما كان لك أن تشتري فيديو"؛ لأنه بحكم فقره غير مؤهل لشراء مثل هذا الجهاز، لكن حين يقال لآخر: "ما ينبغي لك أن تشتري فيديو" أي: عنده القدرة على الشراء، لكن القائل له يرى سبباً غير الفقر هو الذي يجب أن يمنع الشراء. إذن: فهناك فَرْق بين نفي الإمكان، ونفي الانبغاء. وهنا يقول الحق سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} أي: ما كان للنبي ولا المؤمنين أن يستغفروا للذين ماتوا على الشرك والكفر، ولو كانوا أولي قربى. فهذا أمر لا يصح. وحتى لا يحتج أحد من المؤمنين بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد استغفر لأبيه جاء الحق بالقول الكريم: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن نهي النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن استغفارهم للمشركين بقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113]، إلى قوله: {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 116] يشير إلى أن الله تعالى ما أودع ولاية الهداية الإلهية واستجلاء العناية الربانية في الاستعدادات الإنسانية لا للأنبياء ولا للأولياء، {وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ} [التوبة: 113] والرفعة فيه أن يكون أكثر اهتماماً في الحق الأقرباء وهم أحب إليه من غيرهم فيجتهد فيهم غاية الاجتهاد في طلب المراد؛ وذلك لأن الهداية من مواهب الربوبية لا من مراتب العبودية، كما صرَّح به في قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}تفسير : [القصص: 56] أي: من لا أريد هدايته، وهذا معنى قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} [التوبة: 113] أي: المردودون من أهل البعد؛ يعني: ليس للأنبياء والأولياء تبديل خلق الله ولا تبديل لكلمات الله، فمن حكمت المشيئة الأزلية والحكمة الإلهية بشقاوته لا ينفعه استغفار المستغفرين ولا شفاعة الشافعين، كما لم ينفعه إنذار المنذرين وعدوة النبيين، ومن اقتضت الحكمة الإلهية والإرادة الأزلية سعادته فإنه تنفعه الشفاعة والإنذار والهداية، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [الشورى: 52] أي: للمقبولين من أهل القربة والكرامة. ثم اعتذر عن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه فقال تعالى: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} [التوبة: 114] يعني: استدل إبراهيم بمواعدة أبيه أن يكون أبوه من المقبولين فينفعه استغفاره فاستغفاره ربه، {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ} [التوبة: 114] أي: المردودين، {تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114] وتولى إلى الله تعالى. {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] الأَوَّاه المتبرئ من المخلوقات؛ لكثرة نيل المواجيد والكرامات، فيكون لضيق البشرية تولاه مولاه، فمهما ورد له وارد الحق ضاق عليه نطاق الخلق فيتأوه عند تنفس القلب المضطر من الخلق إلى الحق ويفر من الخلق ويفر إلى الحق ملحاً من جلدة الإنسانية منفرداً للفردانية متوحداً للوحدانية، حليم عمَّا أصابه من الخلق للحق، فلا رجوع من الحق إلى الخلق بحال من الأحوال، كما قال لجبريل عليه السلام: ابتلاه الله به في الهواء، لما ألقى بالمنجنيق إلى النار عند قوله: "ألك حاجة" كيف أرجع من الحق في تلك الحالة لمقال: أما إليك فلا. {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [التوبة: 115] يعني: إذ هداهم بالتوحيد والتفريد إلى الوحدانية والفردانية لا يردهم بالمكر إلا إلى الإثنينية والبعد، {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] من آفات البشرية وعاهات خصائص الدنيوية التي رأس كل خطيئة وبلية، فإذا لم يحترزوا عنها ووقعوا فيها بعيداً بالاستدراج إلى ما خرجوا منها بالوجد من لوث الوجود من حيث لا يعلمون، وهذا يدل على الحور بعد الكور نعوذ بالله منه. وفيه إشارة أخرى وهي أن الله تعالى بعد إذ هداهم بالإفناء عن الوجود إلى البقاء من الحق لا يردهم إلى بقاء البقاء وهو الإثبات بعد المحو، والصحو بعد السكر، وقد سمَّاه المشايخ الإثبات الثاني، حتى يتبين لهم ما يتقرب من الأعمال والأفعال والأقوال رعاية لتلك الأحوال. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ} [التوبة: 115] من الآفات المفسدة للأحوال وبكل شيء من المرامات لمصلحة الحال، {عَلِيمٌ} [التوبة: 115] يلهم بها القلوب الحاضرة ويسمع بها الآذان الواعية، {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [التوبة: 116] تلك القدرة والإيجاد عليهما وما فيهما، {يُحْيِـي}[التوبة: 116] بنور ربوبيته من يشاء، {وَيُمِيتُ} [التوبة: 116] عن صفات بشريته من يشاء، {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ} [التوبة: 116] يعطيكم الولاية، {وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 116] ينصركم عن الظفر بنفوسكم للهداية، فلا يشغلكم طلب الملك عن المالك، فإن طالب الملك لا يجدي المالك ولا يبقي الملك معه، طالب الملك لا يجد الملك ولا المالك وطالب المالك يجد الملك والمالك جميعاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني: ما يليق ولا يحسن للنبي وللمؤمنين به { أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } أي: لمن كفر به، وعبد معه غيره { وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } فإن الاستغفار لهم في هذه الحال غلط غير مفيد، فلا يليق بالنبي والمؤمنين، لأنهم إذا ماتوا على الشرك، أو علم أنهم يموتون عليه، فقد حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب عليهم الخلود في النار، ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين، ولا استغفار المستغفرين. وأيضا فإن النبي والذين آمنوا معه، عليهم أن يوافقوا ربهم في رضاه وغضبه، ويوالوا من والاه اللّه، ويعادوا من عاداه اللّه، والاستغفار منهم لمن تبين أنه من أصحاب النار مناف لذلك، مناقض له، ولئن وجد الاستغفار من خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام لأبيه فإنه { عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } في قوله {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } تفسير : وذلك قبل أن يعلم عاقبة أبيه. فلما تبين لإبراهيم أن أباه عدو للّه، سيموت على الكفر، ولم ينفع فيه الوعظ والتذكير { تَبَرَّأَ مِنْهُ } موافقة لربه وتأدبا معه. { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ } أي: رجَّاع إلى اللّه في جميع الأمور، كثير الذكر والدعاء، والاستغفار والإنابة إلى ربه. { حَلِيمٌ } أي: ذو رحمة بالخلق، وصفح عما يصدر منهم إليه، من الزلات، لا يستفزه جهل الجاهلين، ولا يقابل الجاني عليه بجرمه، فأبوه قال له: {أية : لأرْجُمَنَّكَ } تفسير : وهو يقول له: {أية : سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي }. تفسير : فعليكم أن تقتدوا به، وتتبعوا ملة إبراهيم في كل شيء {أية : إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : كما نبهكم اللّه عليها وعلى غيرها، ولهذا قال: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} [113] 250- أنا محمد بن عبد الأعلى قال: نا محمد - يعني ابن ثور - عن مَعْمَر، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: حديث : لما حَضَرَت أبا طالب الوَفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن (أَبي) أُمية فقال: "أيْ عمِّ، قل لا إله إلا الله كلمةً أحاجُّ لك بها عند الله" فقال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أُمية، يا أبا طالب، أترغب عن مِلَّة عبد المُطَّلب، فلم يزالا يُكلِّمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به، على مِلَّة عبد المُطَّلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأَستغْفِرنَّ لك ما لم أُنْه عنك"تفسير : فنزلت {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} ونزلت {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} تفسير : [القصص: 56]. 251- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أنا المَخْزومي، أخبرني مهديُّ بن مَيمُون، عن غَيْلان بن جرير قال: قُلتُ لأنس: أرأيتم معشر الأنصار، أهذا الاسم كُنتم تُسمون به أم سمَّاكم الله تبارك وتعالى؟ قال: بل سمَّانا الله به.
همام الصنعاني
تفسير : 1132- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبيه، قال: حديث : لمَّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جَهْل، وعدب الله بن أبي أُميَّةَ، فقال: أي عمِّ، قل: لا إلَه إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. قال له أبو جهل أو عبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالبٍ، أَترغَبُ عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلّمهم به: أنا على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أُنْهِ عنْكَ"تفسير : فنزلت: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ}تفسير : : [القصص: 56] ونزل فيه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ}: [الآية: 113]. 1133- عبد الرزاق قال معمر، وقال قتادة: تبين له حين مات ولعم أن التوبة قد انقطعت عنه. 1134- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم كادَ بَعْضُ أصْحابه أن يوسوس فكان عثمان بن عفان ممن كان كذلك، فمرَّ به عمر بن الخطاب، فسلَّم عليه، وفلم يجبه، فأتى عمر أبا بكر فقال: ألاَ ترى عثمان ممرت به فسلمت عَلَيْهِ فلم يَرُدَّ عليَّ، قال: فانطلِقْ بنا إليه قال: فمرَّا به فسلَّما علَيْه فردَّ عليهما، فقال له أبو بكر: ما شأنك مرَّ بك أخود آنفاً فسلَّم عَلَيْكَ، فلمْ تردَّ عليه. قال: لم أفعل، فقال عمر: بلى قد فعلت، ولكنها تخونكم يا بني أمية، فقال أبو بكر: أجل قد فعل. ولكنه أمر ما شغلك عنه. قال: إني كنت أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذكر أن الله قبضه قبل أن أسأله عن نجاة هذا الأمر. فقال أبو بكر: وإني قد سألته عن ذلك. فقال عثمان: فداك أبي وأمي، فأنت أحق بذلك. فقال أبو بكر: قلت يا رسول الله، ما نجاة هذا الأمر الذي نحن فيه؟ قال، فقال: من قبل مني الكلمة التي عَرَضتها على عَمِّي فردها عَلَيَّ فهي له نجاة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):