٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأُولى ـ روى النَّسائيّ عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: أتستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه. فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فنزلت: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ}. والمعنى: لا حجة لكم أيها المؤمنون في ٱستغفار إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه؛ فإن ذلك لم يكن إلا عن عِدَة. وقال ٱبن عباس: كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليلَ أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر علم أنه عدوّ الله، فترك الدعاء له؛ فالكناية في قوله: «إياه» ترجع إلى إبراهيم، والواعد أبوه. وقيل: الواعد إبراهيم؛ أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له، فلما مات مشركاً تبرأ منه. ودلّ على هذا الوعد قوله: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ}تفسير : [مريم: 47]. قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: تعلق النبيّ صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأبي طالب بقوله تعالى: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} فأخبره الله تعالى أن استغفار إبراهيم لأبيه كان وعداً قبل أن يتبيّن الكفر منه، فلما تبيّن له الكفر منه تبرأ منه فكيف تستغفر أنت لعمك يا محمد، وقد شاهدت موته كافراً. الثانية ـ ظاهر حالة المرء عند الموت يحكم عليه بها، فإن مات على الإيمان حكم له به، وإن مات على الكفر حُكم له به؛ وربّك أعلم بباطن حاله؛ بَيْدَ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال له العباس: يا رسول الله، هل نفعت عمّك بشيء؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : . وهذه شفاعة في تخفيف العذاب لا في الخروج من النار؛ على ما بيناه في كتاب «التذكرة». الثالثة ـ قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} اختلف العلماء في الأوّاه على خمسة عشر قولاً: الأوّل ـ أنه الدَّعّاء الذي يكثر الدُّعاء؛ قاله ٱبن مسعود وعبيد بن عمير. الثاني ـ أنه الرحيم بعباد الله؛ قاله الحسن وقتادة، وروي عن ٱبن مسعود. والأول أصح إسناداً عن ٱبن مسعود؛ قاله النحاس. الثالث ـ أنه الموقن؛ قاله عطاء وعكرمة، ورواه أبو ظَبيان عن ٱبن عباس. الرابع ـ أنه المؤمن بلغة الحبشة؛ قاله ابن عباس أيضاً. الخامس ـ أنه المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفر الموحشة؛ قاله الكلبيّ وسعيد بن المسيّب. السادس ـ أنه الكثير الذكر لله تعالى؛ قاله عقبة بن عامر، وذُكر عند النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلاً يكثر ذكر الله ويسبح فقال: «حديث : إنه لأوّاه»تفسير : . السابع ـ أنه الذي يكثر تلاوة القرآن. وهذا مروي عن ابن عباس. قلت: وهذه الأقوال متداخلة وتلاوة القرآن يجمعها. الثامن ـ أنه المتأوّه؛ قاله أبو ذرّ وكان إبراهيم عليه السلام يقول: «حديث : آه من النار قبل ألاّ تنفع آه». حديث : وقال أبو ذرّ: كان رجل يكثر الطواف بالبيت ويقول في دعائه: أَوْهِ أوْه؛ فشكاه أبو ذرّ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «دعه فإنه أوّاه»فخرجت ذات ليلة فإذا النبيّ صلى الله عليه وسلم يدفن ذلك الرجل ليلاً ومعه المصباحتفسير : . التاسع ـ أنه الفقيه؛ قاله مجاهد والنَّخَعِيّ. العاشر ـ أنه المتضرع الخاشع؛ رواه عبد الله بن شدّاد بن الهاد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال أنس: حديث : تكلمت ٱمرأة عند النبيّ صلى الله عليه وسلم بشيء كرهه فنهاها عمر فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «دَعُوها فإنها أوّاهة» قيل: يا سول الله، وما الأوّاهة؟ قال: «الخاشعة»تفسير : . الحادي عشر ـ أنه الذي إذا ذكر خطاياه ٱستغفر منها، قاله أبو أيوب. الثاني عشر ـ أنه الكثير التأوّه من الذنوب؛ قاله الفرّاء. الثالث عشر ـ أنه المَعْلَمُ للخير؛ قاله سعيد بن جبير. الرابع عشر ـ أنه الشفيق؛ قاله عبد العزيز بن يحيى. وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يُسمَّى الأوّاه لشفقته ورأفته. الخامس عشر ـ أنه الراجع عن كل ما يكره الله تعالى؛ قاله عطاء. وأصله من التأوّه، وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفّس الصُّعَداء. قال كعب: كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار تأوّه. قال الجوهري: قولهم عند الشكاية أوْهِ من كذا (ساكنة الواو) إنما هو توجّع. قال الشاعر:شعر : فأوْهِ لذكراها إذا ما ذكرتها ومِن بُعد أرضٍ بيننا وسماء تفسير : وربما قلبوا الواو ألفاً فقالوا: آهِ من كذا. وربما شدّدوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: أوِّهْ من كذا. وربما حذفوا مع التشديد الهاء فقالوا: أوّ من كذا؛ بلا مد. وبعضهم يقول: آوَّهْ، بالمد والتشديد وفتح الواو ساكنة الهاء لتطويل الصوت بالشكاية. وربما أدخلوا فيها التاء فقالوا: أوّتاه؛ يمدّ ولا يمدّ. وقد أوّه الرجل تأوِيهاً وتأوّه تأوّهاً إذا قال أوَّهْ، والاسم منه الآهة بالمد. قال المَثقِّب العَبْدِيّ:شعر : إذا ما قمتُ أرحَلُهَا بليلٍ تأوّهُ آهةَ الرجلِ الحزين تفسير : والحليم: الكثير الحِلم، وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى. وقيل: الذي لم يعاقِب أحداً قطُّ إلا في الله ولم ينتصر لأحد إلا لله. وكان إبراهيم عليه السلام كذلك، وكان إذا قام يصلِّي سُمع وجِيب قلبه على ميلين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ } بقوله: { أية : سأستغفر لك ربِّي } تفسير : [47:19] رجاء أن يُسلم {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } بموته على الكفر {تَبَرَّأَ مِنْهُ } وترك الاستغفار له {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأَوَّاهٌ} كثير التضرع والدعاء {غَفُورٌ حَلِيمٌ } صبور على الأذى.
ابن عطية
تفسير : المعنى لا حجة أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن موعدة، واختلف في ذلك فقيل عن موعدة من إبراهيم في أن يستغفر لأبيه وذلك قوله {أية : سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً} تفسير : [مريم: 47]، وقيل عن موعدة من أبيه له في أنه سيؤمن فكان إبراهيم قد قوي طمعه في إيمانه فحمله على الاستغفار له حتى نهي عنه، وقرأ طلحة: " وما يستغفر إبراهيم " وروي عنه " وما استغفر إبراهيم"، و {موعدة} مفعلة من الوعد، وأما تبينه أنه عدو لله قيل ذلك بموت آزر على الكفر، وقيل ذلك بأنه نهي عنه وهو حي. وقال سعيد بن جبير: ذلك كله يوم القيامة وذلك أن في الحديث أن إبراهيم يلقاه فيعرفه ويتذكر قوله: {أية : سأستغفر لك ربي} تفسير : [مريم: 47] فيقول له الزم حقوي فلن أدعك اليوم لشيء، فيلزمه حتى يأتي الصراط فيلتفت إليه فإذا هو قد مسخ ضبعاناً أمذر فيتبرأ منه حينئذ. قال القاضي أبو محمد : وربط أمر الاستغفار بالآخرة ضعيف، وقوله {إن إبراهيم لأواه حليم } ثناء من الله تعالى على إبراهيم، و" الأواه " قال ابن مسعود هو الدعّاء، وقيل هو الداعي بتضرع، وقيل هو الموقن قاله ابن عباس، وقيل هو الرحيم قاله ابن مسعود أيضاً، وقيل هو المؤمن التواب، وقيل هو المسبح وقيل هو الكثير الذكر لله عز وجل، وقيل هو التلاّء للقرآن، وقيل هو الذي يقول من خوفه لله عز وجل أبداً أوه ويكثر ذلك. وروي أن أبا ذر سمع رجلاً يكثر ذلك في طوافه فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : دعه فإنه أواه ". تفسير : والتأوه التفجع الذي يكثر حتى ينطق الإنسان معه، بـ"أوه"، ويقال أوه فمن الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال في بيع أو شراء أنكره عليه: أوه، ذلك الربا بعينه ومن الثاني قول الشاعر: [الطويل] شعر : فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بيننا وسماء تفسير : ومن هذا المعنى قول المثقب العبدي: [الوافر ] شعر : إذا ما قمت أرحلُها بليلٍ تأوَّه آهة الرجل الحزين تفسير : ويروى آهة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم، "حديث : أوه لأفراخ محمد" تفسير : ، و {حليم} معناه صابر محتمل عظيم العقل، والحلم العقل، وقوله تعالى: {وما كان الله ليضل قوماً } الآية معناه التأنيس للمؤمنين، وقيل: إن بعضهم خاف على نفسه من الاستغفار للمشركين دون أمر من الله تعالى فنزلت الآية مؤنسة، أي ما كان الله بعد أن هدى إلى الإسلام وأنقذ من النار ليحبط ذلك ويضل أهله لمواقعتهم ذنباً لم يتقدم منه نهي عنه، فأما إذا بين لهم ما يتقون من الأمور ويتجنبون من الأشياء فحينئذ من واقع بعد النهي استوجب العقوبة، وقيل: إن هذه الآية إنما نزلت بسبب قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا غيباً فحولت القبلة فصلوا قبل أن يصلهم ذلك إلى بيت المقدس، وآخرين شربوا الخمر بعد تحريمها قبل أن يصل إليهم، فخافوا على أنفسهم وتكلموا في ذلك فنزلت الآية، والقول الأول أصوب وأليق بالآية، وذهب الطبري إلى أن قوله، {يحيي ويميت} إشارة إلى أنها يجب أيها المؤمنون ألا تجزعوا من عدو وإن كثر، ولا تهابوا أحداً فإن الموت المخوف والحياة المحبوبة إنما هما بيد الله تعالى. قال القاضي أبو محمد : والمعنى الذي قال صحيح في نفسه ولكن قوله، إن القصد بالآية إنما هو لهذا قول يبعد، والظاهر في الآية إنما هو لما نص في الآية المتقدمة نعمته وفضله على عبيده في أنه متى منّ عليهم بهداية ففضله أسبغ من أن يصرفهم ويضلهم قبل أن تقع منهم معصية ومخالفة أمر أتبع ذلك بأوصاف فيها تمجيد الله عز وجل وتعظيمه وبعث النفوس على إدمان شكره والإقرار بعبوديته.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّوْعِدَةٍ} وعد إبراهيمَ ـ عليه الصلاة والسلام ـ أبوه أنه إن استغفر له آمن، أو وعد إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام ـ أباه أن يستغفر له لرجائه إيمانه فلما مات على شركه تبرأ من أفعاله ومن الاستغفار له. {لأَوَّاهٌ} دَعَّاء، أو رحيم، أو موقن، أو مؤمن بلغة الحبشة "ع"، أو مُسبِّح، أو مكثر من تلاوة القرآن، أو متأوه، أو فقيه، أو متضرع خاشع مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو إذا ذكر ذنوبه استغفر منها. وأصل التأوه التوجع. {حَلِيمٌ} صبور على الأذى، أو صفوح عن الذنب.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} فمعناه وما كان طلب إبراهيم لأبيه المغفرة من الله إلا من أجل موعدة وعدها إبراهيم إياه أن يستغفر له رجاء إسلامه قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "لما أنزل الله خبراً عن إبراهيم" أنه قال سلام عليك سأستغفر لك ربي سمعت رجلاً يستغفر لوالديه وهما مشركان فقلت أتستغفر لأبويك وهما مشركان فقال أولم يستغفر إبراهيم لأبيه فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل:{أية : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم}تفسير : [الممتحنه: 4] إلى قوله {أية : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك}تفسير : [التحريم: 4] يعني أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار لأنه إنما استغفر لأبيه وهو مشرك لمكان الوعد الذي وعده أن يسلم {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} فعلى هذا الهاء في إياه راجعة إلى إبراهيم والوعد كان من أبيه وذلك أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم أن يسلم فقال إبراهيم: سأستغفر لك ربي يعني إذا أسلمت. وقيل: إن الهاء راجعة إلى الأب وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه. ويؤكد هذا قوله: سأستغفر لك ربي ويدل عليه أيضاً قراءة الحسن وعدها أباه بالباء الموحدة فلما تبين له أنه عدو لله، تبرأ منه يعني: فلما ظهر لإبراهيم وبان له أن أباه عدو لله يعني بموته على الكفر تبرأ منه عند ذلك وقيل يحتمل أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى إبراهيم أن أباه عدو له فتبرأ منه وقيل لما تبين له في الآخرة أنه عدو لله تبرأ منه ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي فيقول الله تبارك وتعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار"تفسير : أخرجه البخاري زاد غيره فتبرأ منه والقترة غبرة يعلوها سواد والذيخ بذال معجمة ثم ياء مثناة من تحت ثم خاء معجمة هو ذكر الضباع والأنثى ذيخة. وقوله تبارك وتعالى: {إن إبراهيم لأواه حليم} جاء في الحديث إن الأواه الخاشع المتضرع. وقال ابن مسعود: الأواه الكثير الدعاء وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو المؤمن التواب، وقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله وقال مجاهد: الأواه الموقن وقال كعب الأحبار: هو الذي يكثر التأوه وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول أوه من النار قبل أن لا ينفع أوه وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله عز وجل وقال سعيد بن جبير هو المسبح وعنه أنه المعلم للخير. وقال عطاء: هو الراجع عما يكره الله الخائف من النار. وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقاً وفرقاً المتضرع إيقاناً ولزوماً للطاعة. وقال الزجاج: انتظم في قول أبي عبيدة جميع ما قيل في الأواه وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت تنفس الصعداء والفعل منه أواه هو قول الرجل عند شدة خوفه وحزنه أوه والسبب فيه أن عند الحزن تحمي الروح داخل القلب ويشتد حرها فالإنسان يخرج ذلك النفس المحترق في القلب ليخف بعض ما به من الحزن والشدة وأما الحليم: فمعناه ظاهر وهو الصفوح عمن سبه أو أتاه بمكروه ثم يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم بأبيه حين قال لئن لم تنته لأرجمنك، فأجابه إبراهيم بقوله سلام عليك سأستغفر لك ربي. وقال ابن عباس: الحليم: السيد، وإنما وصف الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بهذين الوصفين وهما شدة الرقة والخوف الوجل والشفقة على عباد الله ليبين سبحانه وتعالى أنه مع هذه الصفات الجميلة الحميدة تبرأ من أبيه لما ظهر له إصراره على الكفر فاقتدوا به أنتم في هذه الحالة أيضاً.
القشيري
تفسير : لما أمَرَ المسلمين بالتبرِّي عن المشركين والإعراض عنهم والانقباض عن الاستغفار لهم بَيَّنَ أنَّ هذا سبيلُ الأولياء، وطريقُ الأنبياء عليهم السلام، وأَنَّ إبراهيمَ - عليه السلام - وإنْ استغفر لأبيه فإِنما كان مِنْ قَبْل تَحَقُّقِهِ بأنه لا يُؤْمِنُ، فلمَّا عَلِمَ أنه عدوٌّ لله أَظْهَرَ البراءةَ منه.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان استغفار ابراهيم لابيه} بقوله {أية : واغفر لأبى} تفسير : [الشعراء: 86] اى بان توقفه للايمان وتهديه اليه كما يلوح به تعليله بقوله {أية : إنه كان من الضالين} تفسير : [الشعراء: 86]. {إلاّ عن موعدة} استثناء مفرغ من اعم العلل اى لم يكن استغفاره لأبيه آزر ناشئا عن شيء من الاشياء الا عن موعدة {وعدها} ابراهيم {إياه} اى اباه بقوله {أية : لاستغفرن لك} تفسير : [الممتحنة: 4]. وقوله {أية : سأستغفر لك ربى} تفسير : [مريم: 47]. بناء على رجاء ايمانه لعدم تبين حقيقة امره {فلما تبين له} اى لابراهيم بان اوحى اليه انه مصر على الكفر غير مؤمن ابدا وقيل بان مات على الكفر والاول هو الانسب بقوله {انه عدو لله} فان وصفه بالعداوة مما يأباه حالة الموت {تبرأ منه} اى تنزه عن الاستغفار وتجانب كل التجانب {ان ابراهيم لاواه} لكثير التأوه. وهو ان يقول الرجل عند التضجر والتوجع آه من كذا او يقول آوه بالمد والتشديد وفتح الواو وسكون الهاء لتطويل الصوت بالشكاية والاواه الخاشع المتضرع وقيل انه كلما ذكر تقصيرا او ذكر له شيء من شدائد الآخرة كان يتأوه اشفاقا واستعظاما كما قال كعب الاواه هو الذى اذا ذكرت عنده النار قال آه وقيل معناه الموقر بلغة الحبشة الا ان من قال لا يجوز ان يكون فى القرآن شيء غير عربى قال هذا موافق للعربية بلغة الحبشة والملائم انه كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب لانه ذكر فى معرض التعليل لاستغفاره لابيه المشرك. والمعنى انه مترحم متعطف ولفرط رحمته ورأفته كان يتعطف لابيه الكافر {حليم} صبور على الاذية ولذلك كان يحلم على ابيه ويتحمل اذاه ويستغفر له مع صعوبة خلقه وغلظ قلبه وقوله لارجمنك ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما استغفر لعمه وهو مشرك كما استغفر ابراهيم عليه السلام لابيه المشرك ثم نهى عن الاستغفار للكافر نزلت هذه الآية لبيان عذر من استغفر لاسلافه المشركين قبل المنع عنه وهو قوله تعالى
الطوسي
تفسير : لما ذكر الله تعالى أنه ليس للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين بين الوجه في استغفار ابراهيم لابيه مع أنه كان كافراً سواء كان أباه الذي ولده او جده لأمه أو عمه على ما يقوله أصحابنا. وهو أن قال: وجه حسن ذلك أنه كان تقدم ذلك موعدة، فلأجلها وجب عليه الوفاء به. وقيل في معنى الموعدة التي كانت عليه في حسن الاستغفار قولان: احدهما - ان الموعدة كانت من ابي إبراهيم لابراهيم أنه يؤمن إن استغفر له فاستغفر له لذلك وطلب له الغفران بشرط أن يؤمن {فلما تبين له} بعد ذلك {أنه عدو لله تبرأ منه}. والثاني - أن الوعد كان من ابراهيم بالاستغفار ما دام يطمع في الايمان كما قال {أية : إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء} تفسير : فاستغفر له على ما يصح ويجوز من شرائط الحكمة {فلما تبين له أنه عدو لله} وآيس من ايمانه {تبرأ منه}. والذي عندي وهو الأقوى أن أباه أظهر له الايمان وصار اليه، وكان وعده أن يستغفر له إن آمن فلما أظهر الايمان استغفر له، فأعلمه الله ان ما ظهر منه بخلاف ما يبطنه {تبرأ منه} ويقوي ذلك قوله {أية : واغفر لأبي إنه كان من الضآلين }تفسير : اي فيما مضى، ويجوز أن يكون أظهر الكفر بعد ذلك فلما تبين ذلك تبرأ منه. فأما من قال: إن الوعد كان من ابراهيم فالسؤال باق لأن لقائل أن يقول ولم وعد كافراً أن يستغفر له؟ فان قلنا: وعده بأن يستغفر له إن آمن كان الرجوع إلى الجواب الآخر. والعداوة هي الابعاد من النصرة إلى اعداد العقوبة. والولاية التقريب من النصرة من غير فاصلة بالحياة والكرامة. وقوله {إن إبراهيم لأواه حليم} قيل في معنى "أواه" ثمانية اقوال: فقال ابن عباس في معنى (أواه) تواب. وقال ابن مسعود: معناه دعاء. وقال الحسن وقتادة: معناه رحيم. وقال مجاهد: معناه موقن. وقال كعب: معناه اذا ذكر النار قال أوه. وقال الضحاك: معناه المؤمن الموقن بالخشية الرحيم. وقال آخرون: معناه فقيه. وقال ابو عبيدة: معناه المتوجع المتضرع إلى الله خوفاً وإشفاقاً. وأصل الأواه من التأوه وهو التوجع والتحزن تقول، تأوه تأوهاً وأوه تأويها، قال المثقب العبدي: شعر : إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين تفسير : والعرب تقول: أوه من كذا بكسر الواو وتسكين الهاء قال الشاعر: شعر : فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض دونها وسماء تفسير : والعامة تقول: أوه يقال ايضاً أوه بسكون الواو وكسر الهاء وينشد البيت المتقدم ذكره كذلك، وقال الجعدي: شعر : صروح مروح يتبع الورق بعدما يعرس شكوى آهة وتنمرا تفسير : وقال الراجز: شعر : فأوه الداعي وضوضاء أكلبه تفسير : ولو جاء منه (فعل يفعل) لكان آه يؤوه أوهاً على وزن (قال يقول قولا) والحليم هو المهمل على وجه حسن. والحلم الامهال على ما تقتضيه الحكمة. وهي صفة مدح. والله حليم عن العصاة بأمهاله لهم مع قدرته على تعجيل عقوبتهم وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: إنما تبين عداوته لما مات على كفره. وقال ابو علي الجبائي: لما آيس من فلاحه عند تصميمه على بعد الوعد في الايمان بالله الذي كان وعد باظهاره في وقت بعينه.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} عطف لاستدارك ما يتوهّم من انّ ابراهيم (ع) كان نبيّاً واستغفر لابيه المشرك {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} يعنى كان استغفاره وفاءً بوعده وهو خصلة حسنة وكان قبل ان تبيّن له انّه اصحاب الجحيم بقرينة قوله {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ} اى فطرة بمعنى انقطاع جهة محبّته لله وهى اللّطيفة الانسانيّة {تَبَرَّأَ مِنْهُ} مع انّه كان اقرب قراباته وفسّر قوله تعالى الاّ عن موعدة وعدها ايّاه بوعد آزر لابنه ان يسلم وهو يؤيّد ما ذكرنا لانّ وعد الاسلام لا يكون الاّ عن فطرة الانسان {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} الاوّاه الكثير التّأوّه واكثر ما يكون التّأوّه اذا كان حزن على فراق محبوبٍ وهو يستلزم كثرة الدّعاء والتّضرّع فى الخلوات وحال العبادات فما ورد من تفسيره بالدّعاء او بالمتضرّع تفسير باللاّزم وهو تعليل لاستغفاره.
اطفيش
تفسير : {ومَا كانَ اسْتغفار إبْراهيمَ} وقرأ طلحة وما استغفر إبراهيم، وروى عنه وما يستغفر إبراهيم على حكاية الحال الماضية {لأبيهِ} آزر {إلا عَنْ مَوْعدةٍ} مصدر ميمى زيدت فيه التاء شذوذا {وَعَدَها} إبراهيم {إيَّاهُ} بالمثناة أى أباه بالموحدة والتخفيف، ويدل لذلك قراءة الحسن وعدها أباه بالموحدة والتخفيف، وتلك الموعدة هى قوله لأبيه: {أية : سأستغفر لك ربى} تفسير : وقوله: {أية : لأستغفرن لك} تفسير : أى أدعو الله أن يغفر لك ذنوبك ولو لم تسلم، لأن العقل يجوز أن يغفر للمشرك كذا قال جار الله قال: كما لا يؤاخذون بشرب الخمر، وبيع الصاع بصاعين قبل النهى، أو أن يوفقك للإسلام الذى هو جب لما قبله، فيغفر لك ذنوبك، وإنما وعده الاستغفار رجاء لإسلامه. وقد جاز أن يكون المستتر فى وعد لأبيه، فإياه لإبراهيم أى إلا عن موعدة وعدها أبوه له، وهى أنه سيؤمن، قال ابن هشام: عن للتعليل أى ويجوز إبقاؤها على أصلها فتعلق بحال محذوف، أى إلا صادرا عن موعدة وإنما ساغ له استغفار باعتبار رأيه قبل نزول الوحى، فكأنه قال: إلا عن موعدة وعدها إياه لما أداه إليه رأيه قبل أن ينهاه. {فلمَّا تَبيَّن} بإيحائنا {أنَّه عدوٌّ للهِ} أى أنه لا يجوز له الاستغفار، فعبر بالملزوم أو السبب عن اللازم أو المسبب، فالملزوم أو السبب هو كونه عدواً لله، واللازم أو المسبب هو عدم جواز الاستغفار، فكأنه قال: إلا عن موعدة وعدها إياه قبل أن يتبين له أنه لا يجوز الاستغفار له، فلما تبين له أنه لا يجوز لعدوانه بالكفر {تَبرَّأ منْهُ} انقطع عنه بترك الاستغفار، هذا ما ظهر لى فى تطبيق الآيتين على المذهب، وإن قلت: إنه تبينت له العداوة على حقيقتها بالموت على الكفر، أو بالوحى بأنه عدو لا يؤمن، أو بموت إبراهيم، ويكون التبرؤ على هذا فى الآخرة. كما روى أنه يلقاه أغير الوجه أسوده، فيقول: ألم أقل لك لا تعصنى؟ فيقول: لا أعصيك اليوم، فيقول: يا رب وعدتنى أن لا تخزينى يوم البعث، فقول الله تعالى: إنى حرمت الجنة على الكافرين، فيصور أخبث ما يكون بصور ذكر الضباع، فيقال: انظر ما تحت رجليك؟ فينظر فيقول ألقوه فى النار، قلت: إذا صح ذلك ولا بأس به، فلمذهبنا أدلة من خارج على منع الاستغفار للكفرة والمنافقين، ولو لم تفد هذه الآية إلا منع الاستغفار بعد تبين أنه كافر. {إنَّ إبْراهيمَ لأوَّاهٌ} بالغ من الخوف لله، ومن النار والخشوع، والتضرع والدعاء، والتوبة والرحمة للناس، والإيقان والذكر، والتسبيح وتعليم الخير، ولزوم الطاعات ما هو غايته، بحيث يكون له تنفس الصعداء، وصوت الصدر، واحتراق القلب، فكان يقول أوه ليخف بعض ما به، أوه من غضب الله، فالأوَّاه فعال بفتح الفاء وتشديد العين من أوه أى كثير التأوُّه وعظيمه {حَليمٌ} صبور على الأذى أو سيد لكمال عقله، وهذه الجملة لبيان أنه مع هذه الرحمة منه، والرقة والحلم تبرأ من أبيه حين أعلمه أنه عدو لله، وقيل: لبيان أن حامله على الاستغفار مع صعوبة خلق أبيه شدة رحمته وحلمه.
اطفيش
تفسير : {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ} إِذ قال لأَستغفرن لك، سأَستغفر لك ربى {إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا} إِبراهيم {إِيَّاهُ} أَبَاه فهى مخصوصة بإِبراهيم لا يجوز ذلك لغيره، ولم يعده الله لغيره، فذلك نفس مذهبنا، وزعم بعض أَنه يجوز عود ضمير وعد لأَبى إِبراهيم وإياه ضمير إِبراهيم، وأَنه وعد لابنه إِبراهيم أَن يسلم فاستغفر له لوعده، وهذا لا يجوز الآن. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} بالوحى بأَنه لا يؤْمن أَو بالموت على الكفر وأَما بدونهما فالتوبة محتملة،. {أَنَّهُ عَدُوُّ لله تَبَرَّأَ مِنْهُ} قطع على الاستغفار، وأَما غير إِبراهيم فيبرأُ من الكافر عند الجزم بكفره لا ينتظر موتاً ولا غيره، فكن أَنت يا محمد لا تستغفر لكافر بعد الجزم بكفره، ولا تنتظر موتاً ولا غيره، والتقييد بالموت ونحوه مخصوص بإِبراهيم والعدة مخصوصة به، وذلك نفس مذهبنا، وسائِر الآيات الآمرة ببغض الكافر وإِقصائِه وبراءَته أدلة لنا كيف يجتمع بغضنا له وإِقصاؤُه والاستغفار له. لا والله فإِنه تناقض، وبقى طلب الهداية فأُجيزت فى قول وقد تقاس على الاستغفار فتكون الآية نهياً له صلى الله عليه وسلم عنها أَيضاً {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ} كثير التأُوه وهو قول أُوه أُوه تضرعاً ودعاءً لفرط ترحمه ورقة قلبه كلما ذكر أَمراً من الآخرة أَو تقصيراً ما أَشفق. وفى الحديث: الأَواه الخاشع المتضرع فالتأَوه شامل للخشوع وكثرة الدعاءِ والتوبة والرحمة والإِيقان وكثرة التذكر والتسبيح والتعليم والرجوع عما يكره وتعلق القلب بالله تعالى {حَلِيمٌ} صبور على الأَذى لا ينقم ولا يحقد، بل يجازى السوءَ بالخير كما قال لأَبيه: سأَستغفر لك ربى إِذا قال لأَرجمنك، وإِذا آذاه أَحد قال: هداك الله، وبتلك السيرة فسر الحلم، وهذه الآية بيان لما حمله على الاستغفار له، وليس فيكم ما فيه من الرأْفة حتى يباح لكم ما أُبيح له مما وعد له وعدا فقط، والنبى صلى الله عليه وسلم ولو كان أَرأَف منه لكن حمله الله وأُمته على طريق واحد، وكانوا يستغفرون لموتاهم المشركين، ولما نزل المنع خافوا العقاب عما صدر منهم قبل المنع أَو بعده وقيل وصول الخبر فنزل: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أَى لينسبهم إِلى الضلال فيعاقبهم أَو ما كان الله ليعاقبهم عقاب الذين ضلوا {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} بعد وقت هدايتهم إِلى الإِسلام لا ما قيل أَن إِذ بمعنى أَن المصدرية. {حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} فإِذا بينه لهم فلم يتركوه سماهم ضالين، وعاقبهم. والمعتبر عموم معنى اللفظ ولو خص سببه فشملت الآية من شرب الخمر ومات قبل تحريمها ومن شربها بعد تحريمها وقبل وصول الخبر إِليه، ومن صلى إِلى المقدس ومات قبل التحول ومن صلى إِليه بعد التحول وقبل وصول الخبر إِليه، وفى كل مرتكب محرم قبل نزوله أَو بعده وقبل وصول الخبر، وقد قيل: نزلت فى هذه الأَشياءِ كلها {إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} فهو عالم بأَنك غافلون لم يبلغكم الوحى نزل أَو لم ينزل.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ أَسْتَغْفِرُ إِبْرٰهِيمُ لأِبِيهِ} آزر بقوله {وَٱغْفِرْ لأبِي} أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه كما يلوح به تعليله بقوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ }تفسير : [الشعراء: 86] والجملة استئناف لتقرير ما سبق ودفع ما يتراءى بحسب الظاهر من المخالفة، وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: رحمك الله وغفر لك لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله تعالى فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله تعالى {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [التوبة: 113] الآية فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل سبحانه {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأِبِيهِ}. {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ} وقرأ طلحة {وما استغفر} وعنه {وما يستغفر} على حكاية الحال الماضية لا أن الاستغفار سوف يقع بعد يوم القيامة كما يتوهم مما سيأتي إن شاء الله تعالى، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره عليه السلام لأبيه ناشئاً عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة {وَعَدَهَا} أي إبراهيم عليه السلام {إِيَّـٰهُ} أي أباه بقوله: {أية : لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ }،تفسير : [الممتحنة: 4] وقوله: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي }تفسير : [مريم: 47] فالوعد كان من إبراهيم عليه السلام. ويدل على ذلك ما روي عن الحسن وحماد الرواية وابن السميقع وابن نهيك ومعاذ القارىء أنهم قرأوا {وَعَدَهَا أَبَاهُ} بالموحدة، وعد ذلك أحد الأحرف الثلاث التي صحفها ابن المقفع في القرآن مما / لا يلتفت إليه بعد قراءة غير واحد من السلف به وإن كانت شاذة. وحاصل معنى الآية ما كان لكم الاستغفار بعد التبين واستغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما كان عن موعدة قبل التبين، ومآله أن استغفار إبراهيم عليه السلام كان قبل التبين وينبىء عن ذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ} أي لإبراهيم عليه السلام {أَنَّهُ} أي أن أباه {عَدُوٌّ لِلَّهِ} أي مستمر على عداوته تعالى وعدم الإيمان به وذلك بأو أوحي إليه عليه السلام أنه مصر على الكفر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ذلك التبين كان بموته كافراً وإليه ذهب قتادة، قيل: والأنسب بوصف العداوة هو الأول والأمر فيه هين. {تَبَرَّأَ مِنْهُ} أي قطع الوصلة بينه وبينه، والمراد تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل التجانب، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائره. {إِنَّ إِبْرٰهِيمَ لأوَّاهٌ} أي لكثير التأوه، وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال: قال رجل: يا رسول الله ما الأواه؟ قال: الخاشع المتضرع الدعَّاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه الدعَّاء المستكن إلى الله تعالى كهيئة الرميض المتأوه من مرضه وهو قريب مما قبله. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وقتادة وعطاء والضحاك وعكرمة أنه الموقن بلغة الحبشة، وعن عمرو بن شرحبيل أنه الرحيم بتلك اللغة وأطلق ابن مسعود تفسيره بذلك، وعن الشعبـي أنه المسبح. وأخرج البخاري في «تاريخه» أنه الذي قلبه معلق عند الله تعالى. وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» وغيره عن كعب أن إبراهيم وصف بالأواه لأنه كان إذا ذكر النار قال أوه من النار أوه. وأخرج أبو الشيخ عن أبـي الجوزاء مثله، وإذا صح تفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم له لا ينبغي العدول عنه. نعم ما ذهب إليه الجماعة غير مناف له ومناسبته لما نحن فيه ظاهرة كما لا يخفى. وقد صرح غير واحد أنه فعال للمبالغة من التأوه؛ وقياس فعله أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها منه وحكى قطرب له فعلاً ثلاثياً فقال: يقال آه يؤوه كقام يقوم أوهاً وأنكره عليه غيره وقال: لا يقال إلا أوه وتأوه قال المثقب العبدي: شعر : إذا ما قمت أرحلها بليل تأوه آهة الرجل الحزين تفسير : وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين. وفي «الدرة» للحريري أن الأفصح أن يقال في التأوه أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب، وعليه قول الشاعر: شعر : فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ومن بعد أرض بيننا وسماء تفسير : وقد شدد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال أوه، وقلب بعضهم الواو ألفاً فقال آه، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال أو ثم ذكر أن تصريف الفعل من ذلك أوه وتأوه وأن المصدر الآهة والأهة وإن من ذلك قول المثقب السابق. {حَلِيمٌ} أي صبور على الأذى صفوح عن الجناية، أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان من حلمه عليه السلام أنه إذا آذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله تعالى، ولعل تفسيره بالسيد على ما روي عن الحبر مجاز. والجملة استئناف لبيان ما حمله عليه الصلاة والسلام على الموعدة بالاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله عليه الصلاة والسلام: {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لارْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً }تفسير : [مريم: 46]، وقيل: استئناف لبيان ما حمله على الاستغفار. وأورد عليه أنه يشعر بظاهره أن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه كان عن وفور الرحمة وزيادة الحلم وهو يخالف صدر الآية حيث دل على أنه كان عن موعدة ليس إلا، ولعل المراد أن سبب الاستغفار ليس إلا الموعدة الناشئة عما ذكر فلا إشكال. وفيها تأكيد لوجوب الاجتناب بعد التبين كأنه قيل: إنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتناباً وتبرؤاً، وجوز بعضهم أن يكون فاعل وعد ضمير الأب و {إِيَّـٰهُ} ضمير إبراهيم عليه الصلاة والسلام أي إلا عن موعدة وعدها إبراهيم أبوه وهي الوعد بالإيمان. قال شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري: لعل هذا هو الأظهر في التفسير فإن ظاهر السياق أن هذه الآية دفع لما يرد على الآية الأولى من النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر ويكفي فيه مجرد كونه في يحاة أبيه حيث يحمل ذلك على طلب المغفرة له بالتوفيق للإيمان كما قرر سابقاً من غير حاجة إلى حديث الموعدة فيصير {إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} كالحشو على التوجيه الأول للضميرين بخلاف هذا التوجيه فإن محصله عليه هو أنه لا يرد استغفار إبراهيم لأبيه نقضاً على ما ذكرنا إذ هو إنما صدر عن ظن منه عليه الصلاة والسلام بإيمانه حيث سبق وعده به معه عليه الصلاة والسلام فظن أنه وفى بالوعد وجرى على مقتضى العهد فاستغفر له فلما تبين له أنه لن يفي ولن يؤمن قط أو لم يف ولم يؤمن تبرأ منه. ويمكن أن يوجه ذكر الموعدة على التوجيه الأول أيضاً بأن يقال: أراد سبحانه وتعالى تضمين الجواب بكون ذلك الاستغفار في حال حياة المستغفر له وحمله على الطلب المذكور فائدة أخرى هي أنه صلى الله عليه وسلم لغاية تصلبه في الدين وفرط تعصبه على اليقين ما كان يستغفر له وإن كان جائزاً لكن تأوه وتحلم فاستغفر له وفاء بالموعدة التي وعدها إياه فتفطن انتهى. وأنت تعلم أنه على التوجيه الثاني لا يستقيم ما قالوه في استئناف الجملة من أنه لبيان الحامل وكان عليه أن يذكر وجه ذلك عليه، وأيضاً قوله رحمه الله تعالى في بيان الفائدة: لكنه تأوه وتحلم حيث نسب فيه الحلم إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بصيغة التفعل مع وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالحليم عثرة لا يقال لصاحبها لعا، وحمل ذلك على المشاكلة مع إرادة فعل مما لا يوافق عرضه وسوق كلامه، فالحق الذي ينبغي أن يعول عليه التفسير الأول للآية وهو الذي يقتضيه ما روي عن الحسن وغيره من سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم. وذكر حديث الموعدة لبيان الواقع في نفس الأمر مع ما فيه من الإشارة إلى تأكيد الاجتناب وتقوية الفرق كأنه قيل: فرق بيّن بين الاستغفار الذي نهيتم عنه واستغفار إبراهيم عليه السلام فإن استغفاره كان قبل التبين وكان عن موعدة دعاه إليها فرط رأفته وحلمه وما نهيتم عنه ليس كذلك. بقي أن هذه الآية يخالفها ظاهر ما رواه البخاري في «الصحيح» عن أبـي هريرة أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم عليه السلام أباه [آزر] يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة فيقول [له] إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار». ورواه غيره بزيادة فيتبرأ منه فإن الآية ظاهرة في انقطاع رجاء إبراهيم عليه السلام اتصاف أبيه بالإيمان وجزمه بأنه لا يغفر له ولذلك تبرأ منه وترك الاستغفار له فإن الاستغفار له مع الجزم بأنه لا يغفر له مما لا يتصور / وقوعه من العارف لا سيما مثل الخليل عليه الصلاة والسلام، وقد صرحوا بأن طلب المغفرة للمشرك طلب لتكذيب الله سبحانه نفسه، والحديث ظاهر في أنه عليه الصلاة والسلام يطلب ذلك له يوم القيامة ولا ييأس من نجاته إلا بعد المسخ فإذا مسخ يئس منه وتبرأ. وأجاب الحافظ ابن حجر عن المخالفة بجوابين بحث فيهما بعض فضلاء الروم، ومن الغريب قوله في الجواب الثاني: ((إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يتيقن موت أبيه على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع عليه الصلاة والسلام على ذلك ويكون وقت تبريه منه بعد الحالة التي وقعت في الحديث)) فإنه مخالف مخالفة ظاهرة لما يفهم من الآية من أن التبين والتبري كان كل منهما في الدنيا، وأجاب ذلك البعض بأنا لا نسلم التخالف بين الآية والحديث، وإنما يكون بينهما ذلك لو كان في الحديث دلالة على وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلب الشفاعة له وليس فليس، وقوله: يا رب إنك وعدتني الخ أراد به عليه الصلاة والسلام محض الاستفسار عن حقيقة الحال فإنه اختلج في صدره الشريف أن هذه الحال الواقعة على أبيه خزي له وأن خزي الأب خزي الابن فيؤدي ذلك إلى خلف الوعد المشار إليه بقوله: إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وأنت خبير بأن الخبر ظاهر في الشفاعة، وهي استغفار كما يدل عليه كلام المتكلمين في ذلك المقام. ويزيد ذلك وضوحاً أن الحاكم أخرج عن أبـي هريرة أيضاً وصححه، وقال على شرط مسلم: أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن. فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم. فيقول خذ بإزرتي فيأخذ بإزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى وهو يفصل بين الخلق فيقول: يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول: أي رب وأبـي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني قال فيمسخ أباه ضبعاً فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول سبحانه: يا عبدي هذا أبوك فيقول: لا وعزتك»،تفسير : وقال الحافظ المنذري: إنه في «صحيح البخاري» إلا أنه قال: «حديث : يلقى إبراهيم أباه»تفسير : وذكر القصة إذ يفهم من ذلك أن الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وطلبه المغفرة لأبيه فيه وإدخاله الجنة أظهر منهما في حديث البخاري وما ذكره الزمخشري مخالفاً على ما قيل لما شاع عن المعتزلة أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي لا بالعقل لأن العقل يجوز أن يغفر الله تعالى للكافر، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم لأبـي طالب: «حديث : لأستغفرن لك ما لم أنه» تفسير : لا ينفع في هذا الغرض إلا إذا ضم إليه عدم علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك بالوحي إلى يوم القيامة وهو مما لا يكاد يقدم عليه عاقل فضلاً عن فاضل. وأجاب بعض المعاصرين أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفر أبيه ومتيقناً بأن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به إلا أن الشفقة والرأفة الطبيعية غلبت عليه حين رأى أباه في عرصات يوم القيامة وعلى وجهه قترة فلم يملك نفسه أن طلب ما طلب، ونظير ذلك من وجه قول نوح عليه الصلاة والسلام لربه سبحانه: {أية : رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ } تفسير : [هود: 45] ولا يخفى أنه من الفساد بمكان ومثله ما قيل: إنه ظن استثناء أبيه من عموم {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ }تفسير : [النساء: 48] لأن الله وعده أن لا يخزيه فقدم على الشفاعة له، ولعمري لا يقدم عليه إلا جاهل بجهله أما الأول فلأن الأنبياء عليهم السلام أجل قدراً من أن تغلبهم أنفسهم على الإقدام على ما فيه تكذيب الله تعالى نفسه، وأما الثاني فلأنه لو كان لذلك الظن أصل ما كان يتبرأ منه عليه السلام في الدنيا بعد أن تبين له أنه عدو لله وهو الأواه الحليم. / وقيل: إن الأحسن في الجواب التزام أن ما في الخبرين ليس من الشفاعة في شيء ويقال: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ظن أن خزي أبيه في معنى الخزي له فطلب بحكم وعد الله سبحانه إياه أن لا يخزيه تخليصاً من ذلك حسبما يمكن فخلصه منه بمسخه ذيخاً، ولعل ذلك مما يعده إبراهيم عليه السلام تخليصاً له من الخزي لاختلاف النوع وعدم معرفة العارفين لأبيه بعد أنه أبوه فكأن الأبوة انقطعت من البين ويؤذن بذلك أن بعد المسخ يأخذ سبحانه بأنفه فيقول له عليه السلام: يا عبدي هذا أبوك؟ فيقول: لا وعزتك، ولعل المراد من التبري في الرواية السابقة في الخبر الأول هو هذا القول، وتوسيط حديث تحريم الجنة على الكافرين ليس لأن إبراهيم عليه السلام كان طالباً إدخال أبيه فيها بل لإظهار عدم إمكان هذا الوجه من التخليص اقناطاً لأبيه وإعلاماً له بعظم ما أتى به، ويحمل قوله عليه السلام في خبر الحاكم حين يقال له: يا عبدي أدخل من أي أبواب الجنة شئت أي رب وأبـي معي على معنى أأدخل وأبـي واقف معي، والمراد لا أدخل وأبـي في هذه الحال وإنما أدخل إذا تغيرت، ويكون قوله عليه السلام: فإنك وعدتني أن لا تخزيني تعليلاً للنفي المدلول عليه بالاستفهام المقدر وحينئذ يرجع الأمر إلى طلب التخليص عما ظنه خزياً له أيضاً فيمسخ ضبعاً لذلك. ولا يرد أن التخليص ممكن بغير المسخ المذكور لأنا نقول. لعل اختيار ذلك المسخ دون غيره من الأمور الممكنة ما عدا دخول الجنة لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه، وقد ذكروا أن حكمة مسخه ضبعاً دون غيره من الحيوانات أن الضبع أحمق الحيوانات ومن حمقه أنه يغفل عما يجب له التيقظ ولذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه: لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج له حتى يصاد وآزر لما لم يقبل النصيحة من أشفق الناس عليه زمان إمكان نفعها له وأخذ بإزرته حين لا ينفعه ذلك شيئاً كان أشبه الخلق بالضبع فمسخ ضبعاً دون غيره لذلك، ولم يذكروا حكمة اختيار المسخ دون غيره وهو لا يخلو عن حكمة والجهل بها لا يضر انتهى. ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، وأولى منه التزام كون فاعل وعد ضمير الأب وضمير {إِيَّـٰهُ} راجعاً إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكون التبين والتبري واقعين في الآخرة حسبما تضمنه الخبران السابقان، فحينئذ لا يبعد أن يكون إبراهيم مستغفراً لأبيه بعد وعده إياه بالإيمان طالباً له الجنة لظن أنه وفى بوعده حتى يمسخ ذيخاً، لكن لا يساعد عليه ظاهر الآية ولا المأثور عن سلف الأمة وإن صح كون الآية عليه دفعاً لما يرد على الآية الأولى من النقض أيضاً بالعناية، ولعل أخف الأجوبة مؤنة كون مراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام من تلك المحاورة التي تصدر منه في ذلك الموقف إظهار العذر فيه لأبيه وغيره على أتم وجه لا طلب المغفرة حقيقة، وهذا كما قال المعتزلة في سؤال موسى عليه السلام رؤية الله تعالى مع العلم بامتناعها في زعمهم، والقول بأن أهل الموقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من سائر المؤمنين والكفار سواء في العلم بامتناع المغفرة للمشرك مثلا في حيز المنع، وربما يدعى عدم المساواة لظاهر طلب الكفار العفو والإخراج من النار ونحو ذلك بل في الخبرين السابقين ما يدل على عدم علم الأب بحقيقة الحال وأنه لا يغفر له فتأمل ذاك والله سبحانه يتولى هداك. وبقي أيضاً أنه استشكل القول بأن استغفار إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه حتى تبين له أنه عدو لله كان في حياته بما في سورة الممتحنة [4] من قوله سبحانه: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرٰهِيمَ }تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } تفسير : [الممتحنة: 4] حيث منع من الاقتداء به فيه ولو كان في حياته لم يمنع منه لأنه يجوز الاستغفار بمعنى طلب الإيمان لأحياء المشركين. وأجيب بأنه إنما منع من الاقتداء بظاهره وظن / أنه جائز مطلقاً كما وقع لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك بإذن الله تعالى الهادي.
ابن عاشور
تفسير : معطوفة على جملة {أية : ما كان للنبي}تفسير : [التوبة: 113] الخ. وهي من تمام الآية باعتبار ما فيها من قوله: {أية : ولو كانوا أولي قربى}تفسير : [التوبة: 113] إذ كان شأن ما لا ينبغي لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام أن لا ينبغي لغيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام لأن معظم أحكامهم متحدة إلا ما خص به نبينا من زيادة الفضل. وهذه من مسألة (أن شرع من قبلنا شرع لنا) فلا جرم ما كان ما ورد من استغفار إبراهيم قد يثير تعارضاً بين الآيتين، فلذلك تصدّى القرآن للجواب عنه. وقد تقدم آنفاً ما روي أن هذه سبب نزول الآية. والموعدة: اسم للوعد. والوعد صدر من أبي إبراهيم لا محالة، كما يدل عليه الاعتذار لإبراهيم لأنه لو كان إبراهيم هو الذي وعد أباه بالاستغفار وكان استغفاره له للوفاء بوعده لكان يتجه من السؤال على الوعد بذلك وعلى الوفاء به ما اتجه على وقوع الاستغفار له. فالتفسير الصحيح أن أبا إبراهيم وعد إبراهيم بالإيمان، فكان بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالاستغفار له لأنه ظنه متردداً في عبادة الأصنام لما قال له: {أية : واهجرني ملياً}تفسير : [مريم: 46] فسأل الله له المغفرة لعله يرفض عبادة الأصنام كما يدل عليه قوله: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}. وطريق تبين أنه عدو لله إما الوحي بأن نهاه الله عن الاستغفار له، وإما بعد أن مات على الشرك. والتبرؤ: تفعل من برىء من كذا إذا تنزه عنه، فالتبرؤ مبالغة في البراءة. وجملة: {إن إبراهيم لأواه حليم} استئنافٌ ثَناءٌ على إبراهيم. و{أواه} فُسّر بمعان ترجع إلى الشفقة إما على النفس فتفيد الضراعة إلى الله والاستغفار، وإما على الناس فتفيد الرحمة بهم والدعاء لهم. ولفظ {أواه} مثالُ مبالغة: الذي يكثر قول أوّهْ بلغاته الثلاثَ عشرة التي عدها في «القاموس»، وأشهَرُها أوَّهْ بفتح الهمزة وواو مفتوحة مشددة وهاء ساكنة. قال المرادي في «شرح التسهيل»: وهذه أشهر لغاتها. وهي اسم فعل مضارع بمعنى أتوجع لإنشاء التوجع، لكن الوصف بـــ {أواه} كناية عن الرأفة ورقة القلب والتضرع حين يُوصف به من ليس به وَجع. والفعل المشتق منه (أواه) حقهُ أن يكون ثلاثياً لأن أمثلة المبالغة تصاغ من الثلاثي. وقد اختلف في استعمال فعلٍ ثلاثي له، فأثبته قطرب وأنكره عليه غيره من النحاة. وإتباع (لأواه) بوصف (حليم) هنا وفي آيات كثيرة قرينة على الكناية وإيذان بمثار التأوه عنده. والحليم: صاحب الحلم. والحلم ـــ بكسر الحاء ـــ: صفة في النفس وهي رجاحة العقل وثباتة ورصانة وتباعد عن العدوان. فهو صفة تقتضي هذه الأمور، ويجمعها عدم القسوة. ولا تنافي الانتصار للحق لكن بدون تجاوز للقدر المشروع في الشرائع أو عند ذوي العقول. قال:شعر : حليم إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين العدو مهيب
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ} الآية. لم يبين هنا هذه الموعدة التي وعدها إياه، ولكنه بينها في سورة "مريم" بقوله: {أية : قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً}تفسير : [مريم: 47].
الواحدي
تفسير : {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاَّ عن موعدة وعدها إياه} وذلك أنَّه كان قد وعده أن يستغفر له رجاء إسلامه، وأن ينقله الله باستغفاره إيَّاه من الكفر إلى الإِسلام، وهذا ظاهر في قوله: {أية : سأستغفر لك ربي} تفسير : وقوله: {أية : لأستغفرنَّ لك}، تفسير : فلمَّا مات أبوه مشركاً تبرَّأ منه وقطع الاستغفار {إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ} دَعَّاءٌ كثير البكاء {حليم} لم يعاقب أحداً إلاََ في الله، ولم ينتصر من أحدٍ إلاَّ لله، فلمَّا حرَّم الاستغفار للمشركين بيَّن أنَّه لا يأخذهم بما فعلوا؛ لأنَّه لم يكن قد بيَّن لهم أنَّه لا يجوز ذلك، فقال: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم} ليوقع الضَّلالة في قلوبهم بعد الهدى {حتى يبيِّن لهم ما يتقون} فلا يتَّقوه، فعند ذلك يستحقُّون الإِضلال.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} {لأَوَّاهٌ} (114) - قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ مِنْ آبَائِنَا مَنْ كَانَ يُحْسِنُ الجِوَارَ، وَيَصِلُ الأَرْحَامَ، وَيَفُكُّ العَانِي، وَيُوفِي الذِّمَمَ، أَفَلا نَسْتَغْفِر لَهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ: بَلَى وَاللهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ لأَبِي كَمَا اسْتَغْفِرَ إِبراهيمُ لأَِبِيهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ، وَالتي قَبْلَها، وَعَذَرَ اللهُ سُبْحَانَهُ إِبرَاهيمَ عَلَيهِ السَّلاَمُ فِي هَذِهِ الآيَةِ، عَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ الاسْتِغْفَارِ لأَِبِيهِ المُشْرِكِ. وَالمُسْلِمُ يَدْعُوا لِقَرِيبِهِ غَيْرِ المُسْلِمِ بِالصَّلاَحِ مَا دَامَ حَيّاً، فَإِذَا مَاتَ وَكَلَهُ إِلى شَأْنِهِ، وَتَوَقَّفَ عَنِ الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ لَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِنَّ إِبراهيمَ لأَوّاهٌ حَلِيمٌ، أَيْ كَثِيرُ الدُّعَاءِ، كَثِيرُ الدُّعَاءِ، كَثِيرُ التَّضَرُّعِ. أَوّاهٌ - كَثِيرُ التَّأَوُّهِ خَوْفاً مِنَ اللهِ وَإِشْفَاقاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فقد وعد سيدنا إبراهيم عليه السلام أباه ما ذكره القرآن: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً} تفسير : [مريم: 47]. {حَفِيّاً} أي: أن ربَّ إبراهيم يحبه وسيكرمه في استغفاره لأبيه. {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} ويأتي الحق سبحانه بالحيثية الموحية، بأن إبراهيم له من صفات الخير، الكثير جداًّ، لدرجة أن الله خالقه يقول فيه: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ...} تفسير : [النحل: 120]. أي: أن خصال الخير في إبراهيم عليه السلام لا توجد مجتمعة في إنسان واحد، ولا في اثنين ولا في ثلاثة، بل خصال الخير موزعة على الناس كلها، فهذا فيه صفة الأمانة، وثان يتحلى بالصدق، وثالث يتميز بالشهامة، ورابع موهوب في العلم، إذن: فخصال الخير دائماً ينشرها الله في خلقه، حتى يوجد تكافؤ الفرص بين البشر، كالمهن، والحرف، والعبقريات، والمواهب، فلا يوجد إنسان تتكامل فيه المواهب كلها ليصبح مجمع مواهب. لكن شاء الحق أن يجمع لسيدنا إبراهيم عليه السلام خصال خير كثيرة فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} أي: فيه عليه السلام من خصال الخير التي تتفرق في الأمة. وبعد ذلك يعطينا الحيثية التي جعلت من سيدنا إبراهيم أمة، وجامعاً لصفات الخير بهذا الشكل، فإن أعطاه الله أمراً فهو ينفذه بعشق، لا مجرد تكليف يريد أن ينهيه ويلقيه من على ظهره، بل هو ينفذ التكليف بعشق، واقرأ قول الله سبحانه: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ...} تفسير : [البقرة: 124]. أي: أتى بها على التمام، فلما أتمهن أراد الله أن يكافئه، فقال: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ...} تفسير : [البقرة: 124]. فهو - إذن - مأمون على أن يكون إماماً للناس لأنه قدوة، أي أنه يشترك مع الناس في أنه بشر، ولكنه جاء بخصال الخير الكاملة فصار أسوة للناس، حتى لا يقول أحد: إنه فعل الخير لأنه ملك، وله طبيعة غير طبيعة البشر، لا.. إنه واحد من البشر، قال فيه الحق سبحانه: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ...} تفسير : [البقرة: 124]. أي: أسوة وقدوة، والأسوة والقدوة يشترط فيها أن تكون من الجنس نفسه فلا تكون من جنس مختلف، فلا يجعل الله للبشر أسوة من الملائكة؛ حتى لا يقول أحد: وهل أنا أستطيع أن أعمل مثل عمله؟ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عرض هذه القضية: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. فحين تعجَّب بعض الناس من أن ربنا قد بعث من البشر رسولاً أنزل الحق هذا القول وأضاف سبحانه: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. فما دُمتم أنتم بشر فلا بد أن يرسل لكم رسولاً منكم لتحقق الأسوة، لهذا يقول الحق سبحانه: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]. ولنَر كيف أتم سيدنا إبراهيم عليه السلام بعض التكاليف بعشق، فلننظر إلى قول الحق سبحانه: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ ...} تفسير : [البقرة: 127]. ومعنى رفع القواعد أي إيجاد البعد الثالث، وهو الارتفاع؛ لأن البيت الحرام له طول وهذا هو البعد الأول، وله عرض وهو البعد الثاني وبهما تتحدد المساحة. أما الارتفاع فبضربه في البعدين الآخرين يعطينا الحجم، وقد أقام سيدنا إبراهيم عليه السلام البعد الثالث الذي يبرز الحجم، وقد قال بعض السطحيين: إن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة، لا لم يبن الكعبة، بل رفع القواعد التي تبرز حجم الكعبة؛ بدليل أنه حينما جاء هو وامرأته هاجر ومعها الرضيع إسماعيل عليه السلام قال: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ...} تفسير : [إبراهيم: 37]. وهذا دليل على أن البيت كان معروفاً من قبل إبراهيم عليه السلام، وقد استقرت به هاجر وطفلها إسماعيل إلى أن كبر واستطاع أن يرفع مع أبيه القواعد، ولذلك نقول: إن هناك فرقاً بين "المكان" و"المكين" فالذي فعله إبراهيم هو إقامة "المكين" أي المبنى نفسه، أما المكان فقد كان معروفاً. ولنفترض أنه جاء سيل على الكعبة وهدمها فإلى أي شيء سنصلي؟ إلى أن نقيم المكين. إذن: عملية البناء هذه للمكان، وليست للمكين. ويقول الحق عن البيت الحرام: {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ ...} تفسير : [آل عمران: 97]. وآيات جمع، وبينات جمع، ولم يأت من الآيات البينات إلا "مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ": {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ...} تفسير : [آل عمران: 97]. أي: أن "مقام إبراهيم" هو مجموع الآيات البينات؛ لأن الله قد أمره أن يرفع القواعد، وكان لا بد أن يبحث عن الإمكانات التي تساعده في الرفع؛ لأنه لو رفعها على قدر ما تطول يده لما بلغ طول الكعبة فوق مستوى ما تطوله اليدان؛ لذلك فكر سيدنا إبراهيم وتدبر وجاء بحجر ليقف فوقه ليطيل في ارتفاع جدران الكعبة، وهذا من دلائل أنه ينفذ التكليف بعشق، وعلى أتم وجه؛ لذلك قال الحق: {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 97] وفي هذا آيات واضحة على أن الإنسان إذا كلف أمراً فعليه ألا ينفذ الأمر لينهى التكليف بأية طريقة، ولكن عليه أن يؤدي ما يكلف به بعشق، ويحاول أن يزيد فيه، وبذلك يؤدي "الفرض" والزائد على الفرض وهو "النافلة". ونحن هنا في قضية الاستغفار {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} وهنا وقفة توضح لنا طبع سيدنا إبراهيم كأواه حليم، والأواه هو الذي يكثر التوجع والتأوه على نفسه مخافة من الله، وعلى الناس إن رأى منهم معصية، فيحدث نفسه بما سوف يقع عليهم من عذاب، إنه يشغل نفسه بأمر غيره، فهذه فطرته، وهو أواه لأن التأوه لون من السلوى يجعلها الله في بعض عباده للتسرية عن عبادٍ له آخرين. ولذلك يقول الشاعر: شعر : ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ يواسيك أو يسلّيك أو يتوجع تفسير : أي: أنه إذا أصابت الإنسان مصيبة فهو يشكو إلى صاحب المروءة، فإما أن يساعده في مواجهة المشكلة، وإما أن يواسيه ليحمل عنه المصيبة، بأن يتأوه له ويشاركه في تعبه لمصيبته، وهذا التأوه علامة رقة الرأفة وشفافية الرحمة في النفس البشرية. فإبراهيم {أَوَّاهٌ}، وهذا طبع فيه يسلكه مع كل الناس، فما بالك إن كان لقريب له؟ لا بد إذن أن يكثر من التأوه، وخصوصاً إن كان الأمر يتعلق بأبيه، ومع ذلك أراد الله أن يضع طبع إبراهيم عليه السلام في التأوه في موضعه الصحيح، ولكن الله أوضح له: إياك أن تستغفر لأبيك ولا شأن لك به، فالمسألة ليست في الطبع، ولكن في رب الطبع الذي أمر بذلك. وهنا قضية هامة أحب أن تصفى بين مدارس العلم والعلماء في العالم كله؛ لأنها مسألة تسبب الكثير من المشاكل، وتثار فيها أقضية كثيرة. لقد أمر الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام ألا يستغفر لأبيه، بعد أن تبين له أنه عدو لله، وما دام والد إبراهيم قد وصف بهذه الصفة وأنه عدو لله ومحمد صلى الله عليه وسلم من نسل إبراهيم إذن: فلماذا يقول الرسول: "حديث : إنني خيار من خيار من خيار "تفسير : ؟ ولو فهمنا قول الحق: إن أبا إبراهيم عدو لله، ففي هذا نقض لحديث رسول الله، وما دام أبو إبراهيم كان عدوا لله وتبرأ منه وقال له الحق: لا تستغفر. إذن: ففي نسبه صلى الله عليه وسلم أحد أعداء الله، وفي ذلك نقض لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خيار من خيار خيار، ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ". تفسير : ولهذا نريد أن نصفي هذه المسألة تصفية علماء، لا تصفية غوغاء، ولنسأل من هو الأب؟ الأب هو من نَسَلَكَ وأنجبك، أو نسل من نسلك. إذن: فهناك أب مباشر وأبوه يعتبر أبا لك أيضاً إلى أن تنتهي لآدم، هذا هو معنى كلمة "الأب" كما نعرفه، لكننا نجد أن القرآن قد تعرض لها بشكل أعمق كثيراً من فهمنا التقليدي، وأغنى السور بالتعرض لهذه المادة "سورة يوسف"؛ لأن مادة "الأب" جاءت ثماني وعشرين مرة خلال هذه السورة، فمثلاً تجد في أوائل سورة يوسف، قول يوسف عليه السلام: {أية : إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً ...} تفسير : [يوسف: 4]. وبعد ذلك جاءت السورة بأن الله سوف يجتبي يوسف ويعلمه من تأويل الأحاديث: {أية : وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ ...} تفسير : [يوسف: 6]. والأبوان المقصودان هنا هما إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، ثم قال الحق من بعد ذلك: {أية : إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا ...} تفسير : [يوسف: 8]. ثم جاء قوله الحق على لسان إخوة يوسف: {أية : وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يوسف: 8]. وفي نفس السورة يقول الحق عن إخوة يوسف: {أية : ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ...} تفسير : [يوسف: 9]. ثم يمهد إخوة يوسف للتخلص منه، فيبدأون بالحوار مع الأب: {أية : قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [يوسف: 11-12]. وبعد أن ألقوه في غيابة الجب، وعادوا إلى والدهم: {أية : وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ} تفسير : [يوسف: 16]. وكانت هذه هي المرة الثامنة في ذكر كلمة أب في سورة يوسف، ثم تأتي التاسعة: {أية : قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ...} تفسير : [يوسف: 17]. ثم تدور أحداث القصة إلى أن دخل سيدنا يوسف السجن، وقابل هناك اثنين من المسجونين وأخبراه أنهما يريانه من المحسنين، وأن عندهما رؤى يريدان منه أن يفسرها لهما فقال لهما: {أية : لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ...} تفسير : [يوسف: 37]. وينسب ذلك الفضل إلى الحق سبحانه فيقول: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ...} تفسير : [يوسف: 37-38]. وهكذا ذكر اسم ثلاثة من آبائه: إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام. ثم خرج يوسف من السجن وتولى أمر تنظيم اقتصاد مصر، وجاء إخوته للتجارة فعرفهم، ويحكي القرآن عن لقائه بهم دون أن يعرفوه، وقال: {أية : وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ ...} تفسير : [يوسف: 59]. وقال أيضاً: {أية : قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ...} تفسير : [يوسف: 61]. ثم عادوا إلى أبيهم يرجونه أن يسمح لهم باصطحاب أخيهم الأصغر معهم، وسمح لهم يعقوب عليه السلام باصطحابه بعد أن آتوه موثقاً من الله أن يأتوه به إلا أن يحيط بهم أمر خارج عن إرادتهم، ونزلوا مصر وطلبوا الميرة. {أية : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ * قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ * قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ * قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ * قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ...} تفسير : [يوسف: 70-75]. قالوا: {أية : إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [يوسف: 78]. قال يوسف: {أية : مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ ...} تفسير : [يوسف: 79]. ويأمرهم سيدنا يوسف عليه السلام: {أية : ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ} تفسير : [يوسف: 81]. ويعودون إلى أبيهم الذي يعاتبهم: {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً ...} تفسير : [يوسف: 83] ثم يأمرهم أن يعودوا مرة أخرى قائلاً: {أية : يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ ...} تفسير : [يوسف: 87]. وعندما عرفهم يوسف بنفسه وعلم منهم أن والدهم قد صار أعمى قال لهم: {أية : ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً} تفسير : [يوسف: 93]. ثم يأمرهم يوسف عليه السلام بأن يأتوا بأهلهم أجمعين. {أية : وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ} تفسير : [يوسف: 94]. ثم يقول الحق سبحانه: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ ...} تفسير : [يوسف: 100]. وما يهمنا في كل ذلك آيتان اثنتان: الأولى هي قوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [يوسف: 6]. وإسحاق هو أبو يعقوب، وإبراهيم هو الأب الثالث. وحين قال يوسف: {أية : وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ...}تفسير : [يوسف: 38]. و"أبائي" جمع أب. وعندما أراد أن يذكر الأعلام من آبائه قال: {أية : إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ...}تفسير : [يوسف: 38]. ويعقوب هو أبو يوسف، وإسحاق أبو يعقوب، وإبراهيم أبو إسحاق، إذن: فإبراهيم أب، وإسحاق أب، ويعقوب أب. وهكذا نرى أن كلمة "الأب" تطلق على الجد، وآباء الجد إلى آدم. وإذا نظرت في سورة البقرة تجد قول الحق سبحانه: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ...} تفسير : [البقرة: 133]. ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً، وهكذا يكون إبراهيم أباً، وإسماعيل أباً، وإسحاق أباً، ولكن إسماعيل أخ لإسحاق، إذن فقد أطلق الأب هنا وأريد به العم، وهكذا ترى أنه إذا ألحق بكلمة "أب" اسم معين هو المقصود بها، فالمعنى ينصرف إما إلى الجد وإما إلى العم، وإن جاءت من غير تحديد الاسم، فهي تنصرف إلى الأب المباشر فقط. والحق يقول في شأن إبراهيم مع أبيه: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ ...} تفسير : [الأنعام: 74]. لقد ذكر الحق هنا اسم الأب وحدده بـ "آزر" ولو أنه أبوه حقيقة لما قال آزر، مثلما يأتيك إنسان ليسأل: أين أبوك؟ هنا نفهم أن السؤال ينصرف إلى الأب المباشر، لكن إذا قال: هل أبوك محمد هنا؟ فهذا التحديد قد ينصرف إلى العم. إذن: قول الله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ} يبين لنا أن آزر ليس هو الصُّلب الذي انحدر منه رسول الله، ولكنه عمه، وبذلك نحل الإشكال واللغز الذي حير الكثيرين. وهنا يقول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]. و"الحليم" هو خلق يجعل صاحبه صبوراً على الأذى صفوحاً عن الذنب. وقد شغل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخوانهم المؤمنين، الذين ماتوا قبل أن تكتمل عندهم أحكام الإسلام؛ لأن منهج الإسلام نزل في "ثلاثة وعشرين عاماً". وليس من المفروض فيمن آمن أن يأتي بكل أحكام الإسلام عند بداية إيمانه، بل قد يكون قد آمن فقط بالشهادة، فاعتبر مسلماً، ومثال هذا مخيريق اليهودي الذي لم يصل ركعة واحدة في الإسلام؛ لأن الحرب قامت بعد إسلامه مباشرة، وقال: مالي كله لمحمد وسأذهب لأحارب معه، وحارب فقتل، وهكذا صار شهيداً. لأنه لم يمكث زمناً ينفذ فيه ما جاء به الإسلام قبل ذلك. ومن باب أولى أن الذي مات قبل أن تتم أحكام الإسلام يعتبر مسلماً، والذي مات مثلاً قبل أن تحرم الخمر تحريماً نهائيّاً، أيقال: إنه عاصٍ أو كافر؟ لا، إنه مسلم، والذي مات قبل أن يعلم أن القبلة قد حولت من بيت المقدس إلى الكعبة يعتبر مسلماً وشاء الحق أن يبين للمسلمين ألا يحزنوا على هؤلاء، فنزل الوحي: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [التوبة: 115]. وهذا يوضح ما نعرفه في عرف التقنين البشري أنه لا جريمة إلا بنص، ولا عقوبة إلا بتشريع، فنحن لا نعاقب إلا بعد تحديد الفعل الذي يعاقب عليه، وأن يكون النص المحدد للجريمة والعقوبة سابقاً على الفعل. إذن: لا عقوبة بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. والذي لم يبلغه النص؛ لأنه مات قبل أن يوجد النص؛ لا نأخذه بالعقاب؛ لأنه لا رجعية في القانون السماوي، إنما الرجعية فقط عند البشر؛ ولذلك نجد الحق يقول في كثير من الآيات: {أية : إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ...} تفسير : [النساء: 22]. إذن: فلا تحزنوا على من مات من إخوانكم قبل أن يستكمل الإسلام كل أحكامه. فإسلامهم هو ما بلغهم من هذه الأحكام؛ فإن أدوها استووا بالذي يؤديها بعد أن تتم أركان الإسلام كلها؛ لذلك جاء قوله الحق: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} والأَواهُ: المُتضرعُ بالدعاءِ والأَواهُ: المُسّبحُ. والأَواهُ: الرَّحيمُ. والأَواهُ: المُوقنُ بالخَشْيَةِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 345 : 19 : 2 - سفين عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن بن عباس، قال، ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات. فلما مات، تبين له انه عدو لله، فتبرأ منه. [الآية 114].
همام الصنعاني
تفسير : 1135- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}: [الآية: 114]، قال: الأواء: الرحيم. 1136- قال معمر: وقال عبد الكريم الجزري، عَنْ عُبَيْدَة، عن ابن مسعود، قال الأواه: الرحيم. 1137- حَدَّثَنا عَبْد الرَّزاق، عن الثوري، عن مسلم، عن مُجَاهِدٍ، قال: الأواه المُوقِنُ. 1138- حدَّثَنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن [قابوس بن أبي ظبيان]، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: قال: الموقن هو الأوَّاه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):