Verse. 1350 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَمَا كَانَ اللہُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ اِذْ ہَدٰىھُمْ حَتّٰي يُبَيِّنَ لَھُمْ مَّا يَتَّقُوْنَ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ۝۱۱۵
Wama kana Allahu liyudilla qawman baAAda ith hadahum hatta yubayyina lahum ma yattaqoona inna Allaha bikulli shayin AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم» للإسلام «حتى يبين لهم ما يتقون» من العمل فلا يتقوه فيستحقوا الإضلال «إن الله بكل شيء عليم» ومنه مستحق الإضلال والهداية.

115

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما منع المؤمنين من أن يستغفروا للمشركين، والمسلمون كانوا قد استغفروا للمشركين قبل نزول هذه الآية، فإنهم قبل نزول هذه الآية كانوا يستغفرون لآبائهم وأمهاتهم وسائر أقربائهم ممن مات على الكفر، فلما نزلت هذه الآية خافوا بسبب ما صدر عنهم قبل ذلك من الاستغفار للمشركين. وأيضاً فإن أقواماً من المسلمين الذين استغفروا للمشركين، كانوا قد ماتوا قبل نزول هذه الآية، فوقع الخوف عليهم في قلوب المسلمين أنه كيف يكون حالهم، فأزال الله تعالى ذلك الخوف عنهم بهذه الآية، وبين أنه تعالى لا يؤاخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم أنه يجب عليهم أن يتقوه ويحترزوا عنه. فهذا وجه حسن في النظم. وقيل: المراد إن من أول السورة إلى هذا الموضع في بيان المنع من مخالطة الكفار والمنافقين، ووجوب مباينتهم، والاحتراز عن موالاتهم، فكأنه قيل: إن الإله الرحيم الكريم كيف يليق به هذا التشديد الشديد في حق هؤلاء الكفار والمنافقين؟ فأجيب عنه بأنه تعالى لا يؤاخذ أقواماً بالعقوبة بعد إذ دعاهم إلى الرشد حتى يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه، فأما بعد أن فعل ذلك وأزاح العذر وأزال العلة فله أن يؤاخذهم بأشد أنواع المؤاخذة والعقوبة. وفي قوله تعالى: {لِيُضِلَّ } وجوه: الأول: أن المراد أنه أضله عن طريق الجنة، أي صرفه عنه ومنعه من التوجه إليه. والثاني: قالت المعتزلة: المراد من هذا الإضلال الحكم عليهم بالضلال. واحتجوا بقول الكميت: شعر : وطائفة قد أكفروني بحبكم تفسير : وقال أبو بكر الأنباري: هذا التأويل فاسد، لأن العرب إذا أرادوا ذلك المعنى قالوا: ضلل يضلل، واحتجاجهم ببيت الكميت باطل، لأنه لا يلزم من قولنا أكفر في الحكم صحة قولنا أضل. وليس كل موضع صح فيه فعل صح أفعل. ألا ترى أنه يجوز أن يقال كسره، ولا يجوز أن يقال أكسره، بل يجب فيه الرجوع إلى السماع. والوجه الثالث: في تفسير الآية، وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى، حتى يكون منهم الأمر الذي به يستحق العقاب. المسألة الثانية: قالت المعتزلة: حاصل الآية أنه تعالى لا يؤاخذ أحداً إلا بعد أن يبين له كون ذلك الفعل قبيحاً، ومنهياً عنه. وقرر ذلك بأنه عالم بكل المعلومات، وهو قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } وبأنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يحي ويميت } فكان التقدير: أن من كان عالماً قادراً هكذا، لم يكن محتاجاً، والعالم القادر الغني لا يفعل القبيح والعقاب قبل البيان. وإزالة العذر قبيح، فوجب أن لا يفعله الله تعالى، فنظم الآية إنما يصح إذا فسرناها بهذا الوجه، وهذا يقتضي أنه يقبح من الله تعالى الابتداء بالعقاب وأنتم لا تقولون به. والجواب: أن ما ذكرتموه يدل على أنه تعالى لا يعاقب إلا بعد التبيين، وإزالة العذر وإزاحة العلة، وليس فيها دلالة على أنه تعالى ليس له ذلك، فسقط ما ذكرتموه في هذا الباب. ثم قال تعالى: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يحي ويميت } في ذكر هذا المعنى ههنا فوائد: إحداها: أنه تعالى لما أمر بالبراءة من الكفار بين أنه له ملك السموات والأرض، فإذا كان هو ناصراً لكم، فهم لا يقدرون على إضراركم، وثانيها: أن القوم من المسلمين قالوا: لما أمرتنا بالانقطاع من الكفار، فحينئذ لا يمكننا أن نختلط بآبائنا وأولادنا وإخواننا لأنه ربما كان الكثير منهم كافرين، والمراد أنكم إن صرتم محرومين عن معاونتهم ومناصرتهم. فالإله الذي هو المالك للسموات والأرض والمحيي والمميت ناصركم، فلا يضركم أن ينقطعوا عنكم. وثالثها: أنه تعالى لما أمر بهذه التكاليف الشاقة كأنه قال وجب عليكم أن تنقادوا لحكمي وتكليفي لكوني إلهكم ولكونكم عبيداً لي.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} أي ما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهُدَى حتى يُبيّن لهم ما يتّقون فلا يتقوه، فعند ذلك يستحقون الإضلال. قلت: ففي هذا أدلّ دليل على أن المعاصي إذا ارتكبت وانتهك حجابها كانت سبباً إلى الضلالة والردى، وسُلَّما إلى ترك الرشاد والهدى. نسأل الله السداد والتوفيق والرشاد بمنّه. وقال أبو عمرو بن العلاء رحمه الله في قوله: {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم}: أي حتى يحتج عليهم بأمره؛ كما قال: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا}تفسير : [الإسراء: 16] وقال مجاهد: «حَتَّى يُبَيِّن لَهُمْ» أي أمر إبراهيم؛ ألا يستغفروا للمشركين خاصّة ويبيّن لهم الطاعة والمعصية عامة. وروي أنه لما نزل تحريم الخمر وشدّد فيها سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عمن مات وهو يشربها، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} وهذه الآية رد على المعتزلة وغيرهم الذين يقولون بخلق هداهم وإيمانهم؛ كما تقدّم. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} تقدّم معناه غير مرة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة وحكمه العادل: إنه لا يضل قوماً بعد إبلاغ الرسالة إليهم، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة؛ كما قال تعالى: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [فصلت: 18] الآية، وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} الآية، قال: بيان الله عز وجل للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه لهم من معصيته وطاعته عامة، فافعلوا، أو ذروا. وقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال بعد إذ رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه، فتتركوا، فأما قبل أن يبين لكم كراهة ذلك بالنهي عنه، فلم تضيعوا نهيه إلى ما نهاكم عنه، فإنه لا يحكم عليه بالضلال، فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، وأما من لم يؤمر ولم ينه، فغير كائن مطيعاً أو عاصياً فيما لم يؤمر به ولم ينه عنه. وقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} قال ابن جرير: هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، وأن يثقوا بنصر الله مالك السموات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه إذ قال لهم: «حديث : هل تسمعون ما أسمع؟» تفسير : قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم» تفسير : وقال كعب الأحبار: ما من موضع خرم إبرة من الأرض إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } للإِسلام {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } من العمل فلا يتقوه فيستحقوا الإِضلال {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } ومنه مستحق الإِضلال والهداية.

الشوكاني

.تفسير : لما نزلت الآية المتقدّمة في النهي عن الاستغفار للمشركين، خاف جماعة ممن كان يستغفر لهمَ العقوبة من الله بسبب ذلك الاستغفار، فأنزل الله سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً } إلخ: أي أن الله سبحانه لا يوقع الضلال على قوم، ولا يسميهم ضلالاً بعد أن هداهم إلى الإسلام، والقيام بشرائعه، مالم يقدموا على شيء من المحرّمات بعد أن يتبين لهم أنه محرّم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك، فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به، ومعنى: {حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } حتى يتبين لهم ما يجب عليهم اتقاؤه من محرّمات الشرع {إِن ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } مما يحلّ لعباده، ويحرم عليه، ومن سائر الأشياء التي خلقها، ثم بين لهم أن له سبحانه ملك السموات والأرض لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع يتصرف في ملكه بما شاء من التصرفات التي من جملتها أنه يحيى من قضت مشيئته بإحيائه، ويميت من قضت مشيته بإماتته، وما لعباده من دونه من وليّ يواليهم، ولا نصير ينصرهم، فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، فإن القرابة لا تنفع شيئاً ولا تؤثر أثراً، بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده. قوله: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ } فيما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الإذن في التخلف، أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين. وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أوله، لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار. وقد تكون التوبة منه تعالى على النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى، والأليق، كما في قوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43]. ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب، ويتوبوا عما قد لابسوه منها، وكذلك تاب الله سبحانه على المهاجرين والأنصار، فيما قد اقترفوه من الذنوب. ومن هذا القبيل ما صح عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» تفسير : ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم الذين اتبعوا النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يتخلفوا عنه، وساعة العسرة هي غزوة تبوك، فإنهم كانوا في عسرة شديدة، فالمراد بالساعة جميع أوقات تلك الغزاة، ولم يرد ساعة بعينها، والعسرة: صعوبة الأمر. قوله: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } في {كاد} ضمير الشأن، و{قلوب} مرفوع بـ {يزيغ} عند سيبويه. وقيل: هي مرفوعة بـ {كاد}، ويكون التقدير: من بعد ما كان قلوب فريق منهم تزيغ. وقرأ الأعمش وحمزة وحفص «يزيغ» بالتحتية. قال أبو حاتم: من قرأ بالياء التحتية، فلا يجوز له أن يرفع القلوب بـ {كاد}. قال النحاس: والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجمع، ومعنى: {تزيغ} تتلف بالجهد والمشقة والشدّة. وقيل معناه: تميل عن الحق وتترك المناصرة والممانعة. وقيل معناه: تهمّ بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدّة العظيمة. وفي قراءة ابن مسعود «من بعد ما زاغت» وهم المتخلفون على هذه القراءة. وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدّم ذكر التوبة عنهم، وإن كان الضمير إلى الفريق فلا تكرار. قوله: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ } أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا: أي أخروا، ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم. قال ابن جرير: معنى خلفوا: تركوا، يقال: خلفت فلاناً فارقته. وقرأ عكرمة بن خالد «خلفوا» بالتخفيف: أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو. وقرأ جعفر بن محمد «خالفوا» وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، أو ابن ربيعة العامري، وهلال ابن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار، لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم توبتهم، حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم؛ وقيل: معنى {خلفوا}: فسدوا، مأخوذ من خلوف الفم. قوله: {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، و"ما" مصدرية: أي برحبها، لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم. والرحب: الواسع. يقال: منزل رحب ورحيب ورحاب. وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم؛ لينزجروا عن المعاصي. ومعنى ضيق أنفسهم عليهم: أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة، وعبر بالظن في قوله: {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ } عن العلم: أي علموا أن لا ملجأ يلجؤون إليه قط، إلا إلى الله سبحانه بالتوبة والاستغفار. قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } أي: رجع عليهم بالقبول والرحمة، وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها، ويرجعوا إلى الله فيها ويندموا على ما وقع منهم {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } أي: الكثير القبول لتوبة التائبين، {ٱلرَّحِيمِ } أي: الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. قوله: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة فيه الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم. وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } قال: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى. قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم، ولكن ما كان الله ليعذب قوماً بذنب أذنبوه {حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } قال: حتى ينهاهم قبل ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه طاعته ومعصيته عاما ما فعلوا أو تركوا. وأخرج ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، أنه قال لعمر بن الخطاب: حدّثنا من شأن ساعة العسرة، فقال: خرجنا مع رسول الله إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأهطلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر. وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن منده، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، في قوله: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ } قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار. وأخرج ابن منده، وابن عساكر، عن ابن عباس، مثله. وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما، عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر منها في الناس وأشهر، ثم ذكر القصة الطويلة المشهورة في كتب الحديث والسير، وهي معلومة عند أهل العلم فلا نطول بذكرها. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ } قال: يعني: خلفوا عن التوبة، لم يتب عليهم حين تاب الله على أبي لبابة وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن نافع، في قوله: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } قال: نزلت في الثلاثة الذين خلفوا، قيل لهم: كونوا مع محمد وأصحابه. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير، في قوله: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } قال: مع أبي بكر وعمر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن الضحاك في الآية قال: مع أبي بكر، وعمر، وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: مع عليّ بن أبي طالب. وأخرج ابن عساكر، عن أبي جعفر، قال: مع الثلاثة الذين خلفوا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} الآية. سبب نزولها أن قوماً من الأعراب أسلموا وعادوا إلى بلادهم فعملوا بما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمله من الصلاة إلى بيت المقدس وصيام الأيام البيض، ثم قدموا بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه يصلي إلى الكعبة ويصوم شهر رمضان: فقالوا: يا رسول الله أضلنا الله بعدك بالصلاة. إنك على أمر وإنا على غيره فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ} أسلم قوم من الأعراب ورجعوا إلى بلادهم يعملون بما شاهدوه من الرسول صلى الله عليه وسلم من صوم أيام البيض والصلاة إلى بيت المقدس، ثم قدموا إليه فوجدوه يصوم رمضان ويصلي إلى الكعبة، فقالوا: يا رسول الله, دِنَّا بعدك بالضلالة إنك على أمر وإنا على غيره فنزلت.

الخازن

تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم} يعني: وما كان الله ليقضي عليكم بالضلال بسبب استغفاركم لموتاكم المشركين بعد أن رزقكم الهداية ووفقكم للإيمان به وبرسوله وذلك أنه لما منع المؤمنين من الاستغفار للمشركين وكانوا قد استغفروا لهم قبل المنع خافوا ما صدر منهم فأعلمهم أن ذلك ليس بضائرهم {حتى يبين لهم ما يتقون} يعني ما يأتون وما يذرون وهو أن يقدم إليهم النهي عن ذلك الفعل فأما قبل النهي فلا حرج عليهم في فعله وقيل: إن جماعة من المسلمين كانوا قد ماتوا قبل النهي عن الاستغفار للمشركين فلما منعوا من ذلك وقع في قلوب المؤمنين خوف على من مات على ذلك فأنزل الله عز وجل هذه الآية وبين أنه لا يؤآخذهم بعمل إلا بعد أن يبين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه ويتركوه. وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة. وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة. وقال الضحاك: وما كان الله ليعذب قوماً حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون. وقال مقاتل والكلبي: هذا في أمر المنسوخ وذلك أن قوماً قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ورجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حرمت الخمر وصرفت القبلة إلى الكعبة ولا علم لهم بذلك ثم قدموا بعد ذلك إلى المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت إلى الكعبة فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن على ضلال فأنزل الله عز وجل: {وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم} يعني وما كان الله ليبطل عمل قوم وقد عملوا بالمنسوخ حتى بين الناسخ {إن الله بكل شيء عليم} يعني أنه سبحانه وتعالى عليم بما خالط نفوسكم من الخوف عندما نهاكم عن الاستغفار للمشركين ويعلم ما يبين لكم من أوامره ونواهيه.

البقاعي

تفسير : ولما كان الاستغفار للمشركين أمراً عظيماً، وكان فيه نوع ولاية لهم، أظهر سبحانه للمؤمنين ما منّ عليهم به من عدم المؤاخذة بالإقدام عليه تهويلاً لذلك وقطعاً لما بين أوج الإيمان وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال تعالى: {وما كان الله} أي الذي له صفات الكمال؛ ولما كان الضلال سبب الهلاك، وكان من شرع شريعة ثم عاقب ملتزمها من غير بيان كمن دل على طريق غير موصل فهلك صاحبه فكان الدال بذلك مضلاً، قال: {ليضل قوماً} أي يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم لما ينهي عنه بناسخ نسخه {بعد إذ هداهم} أي بشريعة نصبها لهم {حتى يبين لهم} أي بياناً شافياً لداء العي {ما يتقون} أي مما هو جدير بأن يحذروه ويتجنبوه خوفاً من غائلته بناسخ ينسخ حال الإباحة التي كانوا عليها. ولما كان الذي يأمر بسلوك طريق ثم يترك فيها ما يحتاج إلى البيان إنما يؤتى عليه من الجهل أو النسيان. نفي ذلك سبحانه عن نفسه فقال معللاً لعدم الإضلال: {إن الله} أي المحيط بصفات الكمال {بكل شيء عليم*} أي بالغ العلم فلا يتطرق إليه خفاء بوجه من الوجوه في حين من الأحيان فهو يبين لكم جميع ما تأتون وتذرون وما يتوقف عليه الهدى، وما تركه فهو إنما يتركه رحمة لكم {أية : لا يضل ربي ولا ينسى}تفسير : [طه: 52] فلا تبحثوا عنه؛ ثم علل علمه بكل شيء بأن قدرته شاملة فهو قادر على نصرة من يريد والانتقام ممن يريد، فلا ينبغي لأحد أن يحب إلا فيه ولا يبغض إلا فيه ولا يهتم بعداوة أحد ممن عاداه فقال: {إن الله} أي الملك الأعظم {له} أي بكل اعتبار تعدونه من اعتبارات الكمال {ملك السماوات والأرض} فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو وليكم، يبينه لكم، ومن كان له جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء: علم ولا غيره، لأن العلم من أعظم القوى والقدر، ولا يكون الملك إلا عالماً قادراً؛ ثم علل قدرته وعلمه بما يشاهد متكرراً من فعله في الحيوان والنبات وغير ذلك فقال: {يحيي ويميت} أي بكل معنى فهو الذي أحياكم وغيركم الحياة الجسمانية وخصم أنتم بالحياة الإيمانية، وكما جعل غيركم بعضهم أولياء بعض وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم الشيطان جعلكم أنتم أولياء ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم {وما} أي والحال أنه ما {لكم} ولما كان ليس لأحد أن يجوز كل ما دون رتبته سبحانه، أثبت الجار فقال. {من دون الله} أي الملك الذي له الأمر كله، وأغرق في النفي بقوله: {من ولي} أي قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل القريب من النصرة وغيره. ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبه قال. {ولا نصير*} أي فلا توالوا إلا من كان من حزبه وأهل حبه وقربه، وفيه تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي لا سيما الملاينة لأعداء الله من المساترين والمصارحين، فإن غاية ذلك موالاتهم وهي لا تغني من الله شيئاً. ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي لهم غيره، أقام الدليل على ذلك بقوله: {لقد تاب الله} أي الذي له الجلال والإكرام {على النبي} أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له. ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي صلى الله عليه وسلم بترقيته في رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل مؤمن على المبادرة إلى التوبة، أكد ذلك بقوله: {والمهاجرين والأنصار} بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم {الذين اتبعوه} أي النبي صلى الله عليه وسلم {في ساعة العسرة} أي أزمنة عزوة تبوك، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد، وعسرة من الظهر"يعتقب العشرة" على بعير واحد. وعسرة من الزاد "تزودوا التمر المدوّد والشعير المسوّس والإهالة الزنخة" وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمر اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها؛ وسماها ساعة تهويناً لأوقات الكروب وتشجيعاً على مواقعة المكاره فإن أمدها يسير وأجرها عظيم خطير، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية، ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله: {من بعد ما كاد} أي قرب قرباً عظيماً {يزيغ} أي تزول عن أماكنها الموجبة لصلاحها، وأشار بـ "من" إلى تقارب ما بين كيدودة الزيغ والتدارك بالتوبة. ولما كان المقام للزلازل، ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال: {قلوب فريق} أي هم بحيث تحصل منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة {منهم} أي من عظيم ما نالهم من الشدائد فتميل لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ذلك الحر الشديد إلى بني الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد، وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة، ثم عزم الله له فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل مقاربة الزيغ من مباعدته، ولما صاروا كمن لم يقارب الزيغ. أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي فقال: {ثم تاب عليهم} أي كلهم تكريراً للرفعة، أو على من كاد يزيغ بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما لقيت من المشقة، قال وقيل: ساء ظنها بما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو المقصود -انتهى. ويجوز أن يكون عبر بـ {ثم} لوصولهم إلى حالة يبعد معها الثبات فضلاً عن مباعدة مواقع الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ظاهر من "جيش أو غيره" فثبت بذلك أنه مالك الملك متمكن من فعل كل ما يريده وأنه لا ولي لهم سواه: ثم علل لطفه بهم بقوله: {إنه بهم رؤوف رحيم*} والرأفة: شدة الرحمة، فقدم الأبلغ فيقال فيه ما قيل في {الرحمن الرحيم} فالمعنى أنه يرحمهم أعلى الرحمة بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم، ويرحمهم أيضاً بإسباغ دقائق النعم ودفع دقائق النقم، وقيل: الرأفة: إزالة الضر، والرحمة: إيصال النفع، ومادة رأف تدور مع السعة على ما أُشير إليه في سورة سبحان على شدة الوصلة. فالرأفة - كما قال الحرالي في البقرة - عطف العاطف على من يجد عنده منه وصلة، فهي رحمة ذي الصلة بالراحم، والرحمة تعم من لا صلة له بالراحم - انتهى. فتكون الرأفة حينئذ للثابتين والرحمة لمن قارب الزيغ. فيصير الثابت مرحوماً مرتين لأنه منظور إليه بالصفتين، وتقدم عند الحزبين من البقرة ما ينفع هنا.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن عقيل رضي الله عنه قال‏:‏ دفع إلى يحيى بن يعمر كتاباً قال‏:‏ هذه خطبة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان يقوم فيخطب بها كل عشية خميس على أصحابه ذكر الحديث، ثم قال‏:‏ فمن استطاع منكم أن يغدو عالماً أو متعلماً فليفعل ولا يغدو لسوى ذلك، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير، أيها الناس إني والله ما أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم وقد قال الله تعالى ‏ {‏وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون‏} ‏ فقد بين لكم ما تتقون‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون‏} ‏ قال‏:‏ نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى، قال‏:‏ لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوماً بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون‏.‏ قال‏:‏ حتى ينهاهم قبل ذلك‏.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أي ليس من عادته أن يصفَهم بالضلال عن طريق الحق ويُجريَ عليهم أحكامَه {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإسلام {حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم} بالوحي صريحاً أو دِلالةً {مَّا يَتَّقُونَ} أي ما يجب اتقاؤُه من محظورات الدينِ فلا ينزجروا عما نُهوا عنه، وأما قبل ذلك فلا يسمّىٰ ما صدَر عنهم ضلالاً ولا يؤاخَذون به فكأنه تسليةٌ للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليلٌ على أن الغافَل غيرُ مكلفٍ بما لا يستبدُّ بمعرفته العقلُ {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} تعليلٌ لما سبق أي أنه تعالى عليمٌ بجميع الأشياءِ التي من جملتها حاجتُهم إلى بـيان قُبحِ ما لا يستقلُّ العقلُ في معرفته فيبـيِّنُ لهم ذلك كما فعل هٰهنا {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} من غير شريك له فيه {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} لمّا منعهم من الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قُربىٰ وضمّن ذلك التبرُّؤَ منهم رأساً بـيَّن لهم أن الله تعالى مالكُ كلِّ موجودٍ ومتولي أمورِه والغالبُ عليه، ولا يتأتّىٰ لهم نصرٌ ولا ولايةٌ إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه متبرِّئين عما سواه غيرَ قاصدين إلا إياه {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو العفوُ عن إذنه للمنافقين في التخلف عنه {وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ} قيل: هو في حق زلاتٍ سبقت منهم يوم أحُدٍ ويوم حُنينٍ، وقيل: المرادُ بـيانُ فضلِ التوبةِ وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاجٌ إليها حتى النبـيُّ صلى الله عليه وسلم لِما صدرَ عنه في بعض الأحوالِ من ترك الأَوْلى {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} ولم يتخلفوا عنه ولم يُخِلّوا بأمر من أوامره {فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي في وقتها، والتعبـيرُ عنه بالساعة لزيادة تعيـينِه وهي حالُهم في غزوة تبوكَ كانوا في عُسرةٍ من الظَّهر، يعتقِبُ عشرةٌ على بعير واحد، ومن الزاد تزوّدوا التمرَ المدوّد والشعيرَ المسوّس والإهالة الزَّنِخة، وبلغت بهم الشدةُ إلى أن اقتسم التمرةَ اثنان وربما مصّها الجماعةُ ليشربوا عليها الماء المتغيِّرَ، وفي عسرة من الماء، حتى نحَروا الإبلَ واعتصروا فروثَها وفي شدة زمانٍ من حِمارة القَيظ ومن الجدب والقَحط والضيقة الشديدةِ، ووصفُ المهاجرين والأنصارِ بما ذكر من اتباعهم له عليه الصلاة والسلام في مثل هاتيك المراتبِ من الشدة للمبالغة في بـيان الحاجةِ إلى التوبة فإنه ذلك حيث لم يُغنهم عنها فلأَنْ لا يستغنيَ عنها غيرُهم أولى وأحرى {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ} بـيانٌ لتناهي الشدة وبلوغِها إلى ما لا غايةَ وراءَها وهو إشرافُ بعضهم على أن يَميلوا إلى التخلف عن النبـي عليه الصلاة والسلام وفي كاد ضميرُ الشأنِ أو ضميرُ القوم الراجعُ إليه الضميرُ في منهم، وقرىء بتأنيث الفعل وقرىء من بعد ما زاغت قلوبُ فريقٍ منهم يعني المتخلفين من المؤمنين كأبـي لُبابةَ وأضرابِه {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تكريرٌ للتأكيد وتنبـيهٌ على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العُسرة والمرادُ أنه تاب عليهم لكيدودتهم {إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} استئنافٌ تعليليٌ فإن صفةَ الرأفةِ والرحمةِ من دواعي التوبةِ والعفوِ ويجوز كونُ الأولِ عبارةً عن إزالة الضررِ والثاني عن إيصالِ المنفعةِ وأن يكون أحدُهما للسوابق والآخَرُ لِلّواحق.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} [الآية: 115]. قال بعضهم: من جرى له فى الأزل من السعادة والعناية نصيب، فإن الجنايات لا تؤثر عليه، قال الله: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} فى الأبد {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} فى الأزل. وقيل: لا يضلهم عنه بعد إذ هداهم إليه.

القشيري

تفسير : إنَّ الله لا يحكم بضلالكم وذهابكم عن طريق الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعد ما تبيَّن لكم أنكم مُنْهِيُّون عنه، فإذا علمتم أنكم نُهِيتُمْ عن استغفارَكم لهم فإنْ أَقْدَمْتُمْ على ذلك فحينئذ ضللتم عن الحقِّ بفعلكم بعد ما نُهيتم عنه... هذا بيان التفسير للآية، والإشارة فيها أنه لا سَلْبَ لعطائه إلا بِتَرْكِ أدب منكم. ويقال مَنْ أَحَلَّه بِسَاطَ الوصلة ما مُنِيَ بعده بعذاب الفرقة، إلا لِمَنْ سَلَفَ منه تَرْكُ حُرْمة.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} ان الله سبحانه اذا ذاق طعم وصاله ولذائذ حلو خطابه ارواح الصديقين والعارفين واداهم جماله وجلاله فجعلهم عاشقين بوجهه شايقين الى جماله وهم بهذه النعوت لا يبرحون عن بابه ولا يفرحون الا بوصاله ولا يلتقون بقلوبهم ونياتهم الى غيره فلما اصطفاهم بهذه الصفات فى الازل بنفسه كيف === عن نفسه وهو بذاته كان محباً بحبهم وعاشقاً بعشقهم وشايقا الى شوقهم حاشا تغيير فى اصل الصفات ولا تبديل لكلمات التامات التى سبقت باصطفايتهم فى الآزل وآزال الآزال وهم بحمد الله فى كنف الله محروسون بعين لطفه عن عين قهره الى الاباد وآباد الآباد ولا اعتبار بما يدرى عليهم من احكام الابتلاء والامتحان فان سيآتهم توجب الحسنات وحسناتهم توجب القربات وهم غير ماخوذين بالجنايات لسبق العنايات وقوله تعالى {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} لا يمنعم تغير ما ذكرنا فان الضلال ههنا ظهور النكرة فى محل الامتحان من القهر والغيرة وخفا الحال والغرض فى ذلك انفتاح عين المعرفة فى النكرة حتى يعرفوا الحق بطريق القهر وللطف وتاويل الظاهر قال بعضهم من جرى له فى الازل من السعادة والعناية نصيب فان الجنايات لا يوثر عليه قال الله ما كان الله ليضل قوما فى الابد بعد اذ هداهم فى الازل وقيل لا يضلهم عند اذ هداهم اليه وقال الاستاد الاشارة فيه انه لا سلب لعطائه الا بترك الادب منكم ويقال من اهله لبساط الوصلة ما منى بعده بعذاب الفرقة الا لمن سلف منه ترك الحرمة ثم وصف نفسه بانه مالك الملك من العرش الى الثرى اعلاما بان الحكم له فى ضلالة والهداية والحيوة بالوصلة والموت بالفرقة بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} اشارة القهر ان ملك الكون لا خطر فى قلب العارف عند رؤية المكون لان من عاين المكون غاب عن الكون والكون له لان العارف والمعروف بشرط الانبساط واحد له ملك الولاية فى الارض وملك الملكية فى السماء ومن قصده بهذين المنزلتين يكون مرهوناً لله جات عن المشاهدات التى يحيى قلوب العشاق بجمالها ويميت المشغولين بغيره بفراقها يحيى قلوب العارفين بالبسط والانس ويميت نفوسهم بالقبض والهيبة قال ابن عطاً من طلب من الملك غير المالك فقد اخطا الطريق وقال جعفر الاكوان كلها له فلا يشغلك ماله عنه قال الاستاد يحيى من يشاء بعرفانه وتوحيده ويميت من يشاء بكفرانه والحاده ويقال يحيى قلوب العرافين بانوار المواصلة ويميت نفوس العابدين باثار المنازلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان الله ليضل قوما} اى ليس من عادته ان يصفهم بالضلال عن طريق الحق ويجرى عليهم احكامه {بعد اذ هداهم} للاسلام {حتى يبين لهم} بالوحى صريحا او دلالة {ما يتقون} اى يجب اتقاؤه من محظورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه واما قبل ذلك فلا يسمى ما صدر عنهم ضلالا ولا يؤاخذون به. وفيه دليل على ان العاقل غير مكلف بما لا يستبد بمعرفته العقل {ان الله بكل شيء عليم} اى انه تعالى عليم بجميع الاشياء التى من جملتها حاجتهم الى بيان قبح ما لا يستقل العقل معرفته فبين لهم ذلك كما فعل ههنا

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما كان الله ليضل قوماً}؛ أي: يسميهم ضلالاً، ويؤاخذهم مؤاخذتهم، {بعد إذ هداهم} للإسلام، {حتى يُبين لهم ما يتقونَ} أي: حتى يُبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه، فإن خالفوا بعد البيان، أضلهم وآخذهم إن لم يتوبوا. قال البيضاوي: وكأنه بيان عذر الرسول في قوله لعمه: "حديث : لأستغفرن لك، ولمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع.تفسير : وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر، ولم يعلموا بالنسخ والمنع. وفي الجملة: دليل على أن الغافل غير مكلف. هـ. وقال ابن جزي: نزلت في قوم من المسلمين استغفروا للمشركين من غير إذن، فخافوا على أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية تأنيساً لهم، أي: ما كان الله ليؤاخذهم بذلك قبل أن يُبَيَّن لكم المنع من ذلك. هـ. {إن الله بكل شيءٍ عليمٌ}؛ فيعلم أمرهم قبل النهي وبعده. {إن الله له ملكُ السمواتِ والأرضِ}، يتصرف فيهما وفي ساكنهما كيف يشاء، {يُحيي} من يريد إبرازه لعالم الشهادة، {ويميت} من يريد رده لعالم الغيب، أو يحيي قلوباً بالإيمان والمعرفة، ويميت قلوباً بالكفر والغفلة. {وما لكم من دون الله من وليِّ ولا نصير}. قال البيضاوي: لمَّا منعهم من الاستغفار للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، وتضمن ذلك وجوب التبري منهم رأساً، بيَّن لهم أن الله تعالى مالك كل موجود، ومتولي أمره والغالب عليه، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا إليه ويتبرؤوا مما عداه، حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه. هـ. الإشارة: وما كان الله ليضل قوماً عن السير إلى حضرته، أو الترقي في العلوم والمعارف بعد الوصول، حتى يُبين لهم ما يتقون من سوء الأدب على لسان الشارع أو المشايخ، فإذا تبين لهم ذلك ثم ارتكبوه وأصروا عليه، أضلهم، وأتلفهم عن الوصول إلى حضرة قدسه، فإنَّ كل طاعة وحسن أدب يقرب من الحضرة، وكل معصية وسوء أدب يُبعد عن الحضرة، وقد قالوا: من أساء الأدب على البساط، طُرد إلى الباب، ومن أساء الأدب في الباب، طُرد إلى سياسة الدواب. وبالله التوفيق. ثم ذكر توبته على الثلاثة المُرجوْن، فقال: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ}.

الطوسي

تفسير : قال مجاهد: وجه اتصال هذه الاية بما قبلها هو أنه لما حرم الله تعالى على المؤمنين الاستغفار للمشركين بين أنه لم يكن الله ليآخذكم به إلا بعد ان يدلكم على تحريمه وأنه يجب عليكم أن تتقوه. وقوله {ليضل قوماً} معناه - ها هنا - لم يكن الله ليحكم بضلال من عدل عن طريق الحق على وجه الذم له إلا بعد أن ينصب له على ذلك الدليل، والهدى هو الحكم بالاهتداء إلى الحق على وجه الحمد له. والبيان والبرهان والحجة والدلالة بمعنى واحد، وفرق الرّماني بين البيان والبرهان، فقال: البيان إظهار المعنى في نفسه بمثل اظهار نقيضه. والبرهان اظهار صحته بما يستحيل في نقيضه كالبيان عن معنى قدم الاجسام ومعنى حدوثها، فالبرهان يشهد بصحة حدوثها وفساد قدمها. وقال مجاهد: معناه حتى يبين لهم ما يتقون من ترك الاستغفار للمشركين لأنهم كانوا يستغفرون لهم، فلما نهوا عنه انتهوا. وقوله {إن الله بكل شيء عليم} معناه انه يعلم جميع المعلومات حتى لا يشذ شيء منها عنه لكونه عالماً لنفسه. وقال الحسن: مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل فرض الصلاة والزكاة وغيرهما من فرائض الدين. فقال المسلمون: يا رسول الله اخواننا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فقال الله تعالى {وما كان الله ليضّل قوماً} وهم مؤمنون ولم يبين لهم الفرائض.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} تكويناً بايصالهم الى مقام الانسانيّة الّتى بها يتميّز الخيرات والشّرور الانسانيّة او تكليفاً بايصالها الى من يبايعهم بيعة عامّة او بيعة خاصّة وتبيّن لهم خيراتهم وشرورهم التّكليفيّة {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم} تكويناً او تكليفاً {مَّا يَتَّقُونَ} ما ينبغى ان يتّقوه من شرورهم الانسانيّة لاتمام الحجّة {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} جواب سؤالٍ كأنّه قيل ايعلم دقائق ما يضلّون ويهتدون به ما يتّقون.

الأعقم

تفسير : {وما كان الله ليضل قوماً} الآية، قيل: الآية نزلت في استغفارهم للمشركين، يعني أنه لا يؤاخذهم بذلك حتى يبين لهم التحريم، وقيل: سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف بأخواننا الذين انقرضوا فنزلت، يعني ما كان الله يحكم بضلال قوم وقد وحدوه وآمنوا به إذا لم يعلموا ما عليهم في الاستغفار لآبائهم، قوله تعالى: {حتى يبين لهم ما يتقون}، وقيل: لا يضلهم من الثواب وطريق الجنة بعد إذ هداهم لذلك ودلهم عليهم حتى يبين لهم ما يتقون من المعاصي ويلزمهم من الطاعات فيخالفون ذلك {لقد تاب الله على النبي} كقوله تعالى {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] {والمهاجرين والأنصار} قبل توبتهم وطاعتهم وما تحملوا في مرضاته من المشقة فصاروا في حكمه تائبين، وقيل: تاب عليهم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه، والمهاجرين الذين هجروا ديارهم وأوطانهم وعشائرهم، والأنصار الذين تبوؤا الدار ونصروا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} عسرة الزاد وعسرة الظهر وعسرة الماء، وقيل: كان ذلك في غزوة تبوك لأنهم خرجوا في حرّ شديد وبلغ بهم الشدة بأن اقتسم التمرة اثنان، وعسرة الماء بأن نحروا الابل واعتصروا فرثها، وفي شدة زمان من الحدب والقحط {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} هموا بالانصراف من غزاتهم {ثم تاب عليهم} يعني الذين كادت تزيغ قلوبهم {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} يعني وتاب على الثلاثة الذين خلفوا وهم هلال بن أميَّة وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع، تخلفوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة تبوك، حديث : فلما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من غزوة تبوك دخل المسجد وجاء المخلفون يعتذرون فقبل منهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فقال: "ما خلفك يا كعب؟" قلت: لو حلفت بين يدي غيرك لكان لي مخرج والله لا أكذب بين يديك والله ما كان لي عذر، فقال: "قم حتى يقضي الله فيك ما شاء" وجاء مرارة بن الربيع وهلال بن أميَّة فاعتذرا بمثل ذلك، ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن مواكلتهم ومجالستهم، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد حتى مضت خمسون ليلة، قال كعب: فبينا أنا أصلي الصبح إذ سمعت نداء: أبشر يا كعب، فخرجت وأتيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: "أبشر يا كعب" فقلت: من عندك أم من عند الله؟ فقال: "بل من عند الله" تفسير : وتلا الآية {وكونوا مع الصادقين} وهم الذين صدقوا في دين الله، وقيل: الثلاثة، أي كونوا مثل هؤلاء الثلاثة في صدقهم ونياتهم، وعن ابن عباس: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، أي كونوا من المهاجرين والأنصار.

اطفيش

تفسير : {وما كانَ اللهُ ليُضلَّ قَوماً} أى لينسبهم إلى الضلال، أو ليحكم عليهم بحكم أهل الضلال {بَعْد إذْ} إضافة بعد إلى إذ من إضافة العام للخاص للبيان، فإن إذ خاص باعتبار المضاف إليه وهو قوله: {هَداهُم} إلى الإسلام. {حَتَّى يُبيِّن لَهم ما يتَّقُون} أى يتركون ويحذرون، فمن كان مسلما واستغفر لمشرك، أو شرب خمرا، أو فعل مثل ذلك قبل نزول تحريمه، أو صلى إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة أو نحو ذلك من العمل بالمنسوخ قبل النسخ، أو أخذ حكما يعمل به، وغاب حيث لا يصله تقييد ذلك الحكم أو تخصيصه، أو مات قبل أن يصله، أو من غاب حيث لا تصله الفرائض المنزلة، أو نسى فرضا كصلاة ظهر، أو اسما من أسماء الله، أو ملكا أو نبيا غير لفظ الجلالة، وغير نبينا، أو متولى ومتبرىء منه، أو كان على دين نبى ولم يصله نسخ ذاك الدين، مثل أن يكون على دين عيسى ولم يصله بعث نبينا صلى الله عليه وسلم عليهما، ونحو ذلك مما لا يعلم تحريمه أو فرضه بالعقل فمعذور حتى يعلم. وأما من لم يكن على هداية من الإسلام، بل كان مشركا، أو فعل ما يعلم تحريمه بالعقل كالظلم، أو ترك ما يعلم فرضه بالعقل كالصدق فى الخبر فلا يعذر، وذاك المذكور من عذر من كان على دين نبى، ولم يعلم ببعث نبينا صلى الله عليه وسلم مثلا هو مذهبنا معشر الأباضية المغربية، ولم يعذره الأباضية النفوسية بنا، على أن الحجة قامت بسماع وكتابة ورسالة، وبتضييق لمن ليس على دينه، وزعم عبد الله بن يزيد وشيعته أن الحجة الرسل، وأنه لم يبق أحد إلا وقد سمع فى طفولية أو بلوغ. {إنَّ اللهّ بكلِّ شىءٍ} كمستحق الإضلال أو الهداية، وما يجب إلقاؤه وما لا يجب، وما تحرجت به نفوسكم من العمل بالمنسوخ، والعمل بما حرم العمل به بعد {عَليمٌ} بكل شىء لا يخفى عليه شىء.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أي ما يستقيم من لطف الله تعالى وإفضاله أن يصف قوماً بالضلال عن طريق الحق ويذمهم ويجري عليهم أحكامه {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} للإسلام {حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم} بالوحي صريحاً أو دلالة {مَّا يَتَّقُونَ} أي ما يجب اتقاؤه من محذورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه، وكأنه تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل البيان حيث أفاد أنه ليس من لطفه تعالى أن يذم المؤمنين ويؤاخذهم في الاستغفار قبل أن يبين أنه غير جائز لمن تحقق شركه لكنه سبحانه يذم ويؤاخذ من استغفر لهم بعد ذلك. والآية على ما روي عن الحسن نزلت حين مات بعض المسلمين قبل أن تنزل الفرائض فقال إخوانهم: يا رسول الله أخواننا الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ما منزلتهم وكيف حالهم؟ وعن مقاتل والكلبـي أن قوماً قدموا على النبـي صلى الله عليه وسلم قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ثم رجعوا إلى قومهم فحرمت الخمر وصرفت القبلة ولم يعلموا ذلك حتى قدموا بعد زمان إلى المدينة فعلموا ذلك فقالوا: يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن في ضلال فأنزل الله تعالى الآية، وحمل الإضلال فيها على ما ذكرنا هو الظاهر وليس من الاعتزال في شيء كما توهم وكأنه لذلك عدل عنه الواحدي حيث زعم أن المعنى ما كان الله ليوقع في قلوبهم الضلالة. واستدل بها على أن الغافل وهو من لم يسمع النص والدليل السمعي غير مكلف، وخص ذلك المعتزلة بما لم يعلم بالعقل كالصدق في الخبر ورد الوديعة فإنه غير موقوف على التوقيف عندهم وهو تفريع على قاعدة الحسن والقبح العقليين ولأهل السنة فيها مقال {أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} تعليل لما سبق أي إن الله تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى البيان فيبين لهم، وقيل: إنه استئناف لتأكيد الوعيد المفهوم مما قبله، وكذا قوله سبحانه: {أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ...}.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : وما كان استغفار إبراهيم}تفسير : [التوبة: 114] لاعتذار عن النبي وإبراهيم ـــ عليهما الصلاة والسلام ـــ في استغفارهما لمن استغفرا لهما من أولي القربى كأبي طالب وآزر ومن الأمة كعبد الله بن أبي بن سلول بأن فعلهما ذلك ما كان إلا رَجاءً منهما هُدى من استغفرا له، وإعانة له إن كان الله يريده، فلما تبين لهما الثابتُ على كفره إما بموته عليه أو باليأس من إيمانه تركا الاستغفار له، وذلك كله بعد أن أبلغا الرسالة ونصحا لمن استغفرا له. ولأجل هذا المعنى مهد الله لهما الاعتذار من قبل بقوله: {أية : من بعدِ ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}تفسير : [التوبة: 113] وقولِه: {أية : فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه}تفسير : [التوبة: 114]. وفي ذلك معذرة للمؤمنين المستغفرين للمشركين من أولي قرابتهم قبل هذا النهي. فهذا من باب {أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43]. وفيه تسجيل أيضاً لكون أولئك المشركين أحرياء بقطع الاستغفار لهم لأن أنبياء الله ما قطعوه عنهم إلا بعد أن أمهلوهم ووعدوهم وبينوا لهم وأعانوهم بالدعاء لهم فما زادهم ذلك إلا طغياناً. ومعنى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أن ليس من شأنه وعادة جلاله أن يكتب الضلال لقوم بعد إذ هداهم بإرسال الرسل إليهم وإرشادهم إلى الحق حتى يبين لهم الأشياء التي يريد منهم أن يتقوها، أي يتجنبوها. فهنالك يُبلغ رسله أن أولئك من أهل الضلال حتى يتركوا طلب المغفرة لهم كما قال لنوح ـــ عليه السَّلام ـــ: {أية : فلا تسألنِ ما ليس لك به علم}تفسير : [هود: 46] ولا كان من شأنه تعالى أن يكتب الضلال لقوم بعد إذ هداهم للإيمان واهتدوا إليه لعمل عملوه حتى يبين لهم أنه لا يرضى بذلك العمل. ثم إن لفظ الآية صالح لإفادة معنى أن الله لا يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم عليه السلام ولا المسلمين باستغفارهم لمن استغفروا له من قبل ورود النهي وظهور دليل اليأس من المغفرة، لأن الله لا يؤاخذ قوماً هداهم إلى الحق فيكتبهم ضُلالاً بالمعاصي حتى يبين لهم أن ما عملوه معصية، فموقع هذه الآية بعد جميع الكلام المتقدم صيّرها كلاماً جامعاً تذييلاً. وجملة {إن الله بكل شيء عليم} تذييل مناسب للجملة السابقة، ووقوع {إن} في أولها يفيد معنى التفريع. والتعليل مضمون للجملة السابقة، وهو أن الله لا يضل قوماً بعد أن هداهم حتى يبين لهم الحق.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 115- وما كان من سنن اللَّه ولطفه بعباده أن يصف قوما بالضلال، ويجرى عليهم أحكامه بالذم والعقاب بعد أن أرشدهم إلى الإسلام، حتى يتبين لهم عن طريق الوحى إلى رسوله ما يجب عليهم اجتنابه، إن اللَّه محيط علمه بكل شئ. 116- إن اللَّه - وحده - مالك السموات والأرض وما فيهما، وهو المتصرف فيهما بالإحياء والإماتة، وليس لكم سوى اللَّه من ولى يتولى أمركم، ولا نصير ينصركم ويدافع عنكم. 117- لقد تفضل الله - سبحانه - على نبيه، وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والأنصار، الذين خرجوا معه إلى الجهاد فى وقت الشدة (فى غزوة تبوك) فثبتهم وصانهم عن التخلف، من بعد ما اشتد الضيق بفريق منهم، حتى كادت قلوبهم تميل إلى التخلف عن الجهاد، ثم غفر اللَّه لهم هذا الهم الذى خطر بنفوسهم، إنه - سبحانه - كثير الرأفة بهم، عظيم الرحمة. 118- وتفضل - سبحانه - بالعفو عن الرجال الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج فى غزوة تبوك - لا عن نفاق منهم - وكان أمرهم مرجأ إلى أن يبين اللَّه حكمه فيهم، فلما كانت توبتهم خالصة، وندمهم شديدا؛ حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على رحبها وسعتها، وضاقت عليهم نفوسهم هما وحزنا، وعلموا أنه لا ملجأ من غضب اللَّه إلا باستغفاره والرجوع إليه، حينئذ هداهم اللَّه إلى التوبة، وعفا عنهم، ليظلوا عليها، إن اللَّه كثير القبول لتوبة التائبين، عظيم الرحمة بعباده. 119- يا أيها الذين آمنوا اثبتوا على التقوى والإيمان، وكونوا مع الذين صدقوا فى أقوالهم وأفعالهم.

القطان

تفسير : قيل مات قوم من المسلمين على الاسلام قبل ان تنزل الفرائض، فقال بعض الصحابة: يا رسول الله، إخوانُنا الذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم عند الله؟ فنزل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ}. ما كان من سُنن الله ولطفه بعباده ان يصف قوماً بالضلال، ويُجزي عليهم أحكامه بالذّم والعقاب، بعد ان هداهم للإسلام. {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} من الأقوال والافعال بياناً واضحاً. {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. انه تعالى عليم بجميع الاشياء، محيط علمه بكل شيء. {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. ان الله وحده مالكُ السماوات والأرض وما فيها، وهو المتصرِّف فيهما بالإحياء والإماتة، وليس لكن سوى الله من وليّ يتولى امركم، ولا نصير ينصركم.

د. أسعد حومد

تفسير : {هَدَاهُمْ} (115) - وَمَا كَانَ مِنْ سُنَنِ اللهِ فِي خَلْقِهِ، وَلاَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، أَنْ يَصِفَ قَوْماً بِالضَّلاَلِ، وَيُجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامَهُ بِالذَّمِّ وَالعِقَابِ، بَعْدَ أَنْ هَدَاهُمْ إِلى الإِيمَانِ، بِقَولٍ يَصْدُرُ عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ عَمَلٍ يَحْدُثُ مِنْهُمْ بِاجْتِهَادٍ خَاطِىءٍ. وَيَقُولُ ابْنُ جَريرٍ فِي تَفْسِيرِ هذِهِ الآيَةِ: وَمَا كَانَ اللهُ لِيَقْضِيَ عَلَيكُمْ فِي اسْتِغْفَارِكُمْ لِمَوْتَاكُمُ المُشْرِكِينَ بِالضَّلاَلِ، بَعْدَ إِذْ رَزَقَكُمُ الهِدَايَةَ، وَوَفَّقَكُمْ إِلى الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَتَتْرُكُوا، فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ كَرَاهَةَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لاَ يَحْكُمُ عَلَيْكُمْ بِالضَّلاَلِ، وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ.

الثعلبي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} يقول: وما كان الله [ليحكم] عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي. قال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا. وقال مقاتل والكلبي: لما أنزل الله تعالى الفرائض فعمل بها الناس [ثم] نسخها من القرآن وقد غاب (ناس) وهم يعملون للأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} يعني وما كان الله ليبطل عمل قوم عملوا بالمنسوخ {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم} قال الضحاك: ما كان الله ليضل قوماً حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون {إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ثم عظّم نفسه فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يعني يحكم فيهما بما يشاء {يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ * لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} قال ابن عباس: ومن تاب الله عليه لم يعذبه أبداً. واختلفوا في معنى التوبة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل التفسير: بإذنه للمنافقين في التخلف عنهم، وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام ما كان هو صنف توبتهم ذكر معهم كقوله {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 41] ونحوه {وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي في وقت العسرة ولم يرد ساعة بعينها. قال جابر: عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء. قال الحسن: كان الناس من المسلمين يخرجون على بعير يعقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه، كذلك كان زادهم التمر المسوس والشعير والأهالة المنتنة وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلاّ التمرات بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من الماء كذلك حتى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلاّ النواة فمضوا [في قيض شديد] ورسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقتهم ويقينهم. وقال ابن عباس: حديث : قيل لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ما في شأن العسرة؟ فقال عمر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [إلى قيض شديد] فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى قلنا أن رقابنا ستقطع، حتى أن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى أنّ الرجل سينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) لرسول الله: إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا، قال: «تحب ذلك»؟ قال: نعم، فرفع يديه ولم يرجع بها حتى أظلت السماء بسحاب ثم سكبت فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر . تفسير : {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ} تميل {قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} لعظم البلاء، وقرأ العامة: تزاغ، بالتاء ودليله قراءة عبد الله قال: (زغيّهم)، قراءة حمزة والأعمش والجحدري والعباس بن زيد الثقفي بالياء. قال الأعمش: قرأتها بالياء في نية التأخير وفيه ضمير فاعل {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} يعني تاب على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فلم يخرجوا، وقيل: خلفوا عن توبة أبي لبابة وأصحابه وأرجى أمرهم وقد مضت السنة. وقرأ عكرمة وحميد: خلفوا بفتح الخاء واللام والتخفيف أي [فدله بعقب] رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي عن جعفر بن محمد الصادق (رضي الله عنه) انه قرأ: خالفوا، وقراءة الأعمش: وعلى الثلاثة المخلفين، وهم كعب بن مالك الشاعر ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية كلهم من الأنصار وروى عبيد عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه عبد الله بن كعب وكان قائد أبيه كعب حين أُصيب بصره. قال: سمعت حديث : أن كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك غير بدر ولم يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم أحداً تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغيثين لعيرهم فالتقوا من غير موعد كما قال الله عزّ وجل ولعمري أن أشرف مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبدر، وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، ثم لم أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد في غزوة غزاها إلى أن كانت غزوة تبوك وأذن الناس بالرحيل وذلك حين طاب الظلال وطابت الثمار، وكان قلّ ما أراد غزوة إلاّ [ورى غيرها] وكان يقول: الحرب خدعة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أن يتأهّب الناس أهبتها وأنا أيسر ما كنت قد جهزت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي الجهاد وأنا في ذلك أصغو إلى الظلال وطيب الثمار فلم أزل كذلك حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم غادياً بالغداة وذلك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس فأصبح غادياً فقلت: أنطلق غداً إلى السوق أشتري جهازي ثم ألحق بهم فانطلقت إلى السوق من غد فعسر عليَّ بعض شأني فرجعت فقلت: أرجع غداً إن شاء الله فألحق بهم، فعسر عليَّ بعض شأني أيضاً فلم أزل كذلك حتى التبس بي الذنب وتخلّفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة فيحزنني أنّي لا أرى أحداً تخلف إلاّ رجلا مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء وكان الناس كثيراً لا يجمعهم ديوان وكان جميع من تخلّف عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعاً وثمانين رجلا ولم يذكرني النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو بتبوك جالس: "ما فعل كعب بن مالك؟". فقال رجال من قومي: يا نبيّ الله خلّفه راحلته والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا نبي الله ما نعلم إلاّ خيراً، فبينما هم كذلك إذا همّ برجل مبيضاً يزول به السراب فقال النبي صلى الله عليه وسلم كن أبا خثيمة وإذا به أبو خثيمة الأنصاري وهو الذي تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وقفل إلى المدينة (جعلت بما أخرج) من سخط النبي صلى الله عليه وسلم فأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي حتى إذا قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم (مضى يصلي) بالغداة راح عني الباطل وعرفت أن لا أنجو إلاّ بالصدق فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وصلّى في المسجد ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يحلفون له ويعتذرون إليه فيستغفر لهم فقبل منهم علانيتهم ووكَّل سرائرهم إلى الله تعالى فدخلت المسجد فإذا هو جالس فلما رآني تَبَسَّم تبسُّم المغضب فجئت فجلست بين يديه فقال: "ألم تكن قد ابتعت ظهرك" قلت: بلى يا رسول الله قال: "فما خلّفك"؟ قلت: والله لو كنت بين يديّ أجد من الناس غيرك جلست لخرجته من سخطته بعذر ولقد أوتيت جدلاً، ولكن قد علمت يا نبي الله أني أن أخبرك اليوم بقول تجد علي فيه وهو حقّ فإنّي أرجو فيه عفو الله وإن حدّثتك اليوم حديثاً ترضى عني فيه وهو كذب أوشك أن يطلعك الله عليه والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذاً مني حين تخلفت عنك. فقال صلى الله عليه وسلم "أما هذا فقد صدقكم الحديث قم حتى يقضي الله فيك". فقمت فإذا على أثري ناس من قومي فاتبعوني فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنباً قبل هذا فهلاّ اعتذرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى يرضى عنك فيه وكان استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك كافيك من ذنبك ولم تقف نفسك موقفاً ما تدري ماذا يقضي لك به؟ فلم يزالوا يؤنّبوني حتى صمّمت أن أرجع فأُكذب نفسي فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم، قالوا: هلال بن أُمية الواقفي وأبو مرارة بن ربيعة العامري. فذكروا رجلين صالحين قد شهدوا بدراً لي فيهما أُسوة فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبداً، ولا أكذب نفسي قال: ونهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا (أيها الثلاثة من بين من تخلّف عنه] قال: فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد وتنكّر لنا الناس حتى] ما هم بالذين نعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي الحيطان التي نعرف وتنكرت لنا الأرض حتى ما هي الأرض التي نعرف، [وكنت أقوى أصحابي وكنت أخرج فأطوف بالأسواق وآتي المسجد فأدخل فآتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلّم عليه فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بالسلام، فإذا قمت فأقبلت فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ بمؤخر عينيه وإذا نظرت إليه، واستكان أعرض عني فإستكانا صاحباي فجعلا يبكيان الليل لا يطلعان نفسيهما فلما طال علي ذلك المسلمين من جفوة حتى تسمّرت بظلّة حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ فسلمت عليه فوالله ما ردَّ عليَّ السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمنّ أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدران فبينا أطوف في السوق إذا برجل نصراني نبطي من نبط أهل الشام جاء بطعام له يبيعه ويقول: من سيدلّ على كعب بن مالك. فطفق الناس يشيرون له إليَّ فأتاني فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسّان فإذا فيه: أمّا بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك (ولست بدار مضيعة ولا هوان) فالحق بنا نواسيك، فقلت: هذا من البلاء والشرف فسجّرت التنور فأحرقته فلما مضيت له بغضون ليلة إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني فقال: "اعتزل امرأتك" فقلت: أطلقها. قال: "لا ولكن لا تقربها" وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال فقالت: يا نبي الله إنَّ هلال بن أُمية شيخ ضعيف فهل تأذن لي أن أخدمه قال: "نعم ولكن لا يقربك". قالت: يا نبي الله والله ما به حركة لشيء ما زال مكبّاً يبكي الليل والنهار. قد كان من أمره ما كان. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ماذا يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. فلما مضت خمسون ليلة من حين نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامنا فصلّيت على ظهر بيت لمّا صلّى الفجر وجلست وأنا في المنزلة التي قال الله عزّ وجلّ: {إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} وضاقت علينا أنفسنا إذ سمعت نداء من جبل سلع أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجداً وعلمت أن الله قد جاء بالفرج ثم جاء رجل يركض على فرس وكان الصوت أسرع من فرسه [فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتها إياه ببشارته واستعرت ثوبين فلبستهما]قال: وكانت توبتنا نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ثلثي الليل فقالت أُم سلمة عشيّتئذ: يا نبي الله ألا تبشر كعب بن مالك. قال: إذا يحطمك الناس ويمنعونكم النوم بسائر الليل وكانت أم سلمة محسنة في شأني حزنى بأمري فاستطلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقام إلي طلحة ابن عبيد الله يهرول حتى صافحني وقال: "ليهنك توبة الله عليك"، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره وكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلمت على رسول الله وقلت: يا نبي الله من عند الله أم من عندك؟ قال: "بل من عند الله" ثم تلا عليهم: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} إلى قوله {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} وقلت: يا نبي الله إن من توبتي ألاّ أحدث الأصدقاء حتى أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال: "أمسك عليك بعض مالك فهو اخير لك"، قلت: فإني أمسك سهمي الذي من خيبر قال: فما أنعم الله عليَّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صدقته أنا وصاحباي أن لا يكون كذبنا فهلكنا كما هلكوا وأني لأرجو أن لا يكون الله عزّ وجلّ أبلا أحداً في الصدق [منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما ابتلاني والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا] وأني لأرجو أن يحفظني الله عزّ وجلّ فيما بقي، تفسير : هذا ما انتهى الينا من حديث الثلاثة الذين خلفوا. {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} المفسرون: أي ضاقت عليهم الأرض برمّتها {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} [ضاقت صدورهم بالهمّ والوحشة] {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} سمعت الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري وإبراهيم بن محمد بن زيد النيسابوري وعبد الله ختن والي بلد العراق يقول: سُئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح قال: أن تضيق علينا بما رحبت ويضيق عليه نفسه كتوبة كعب وصاحبه {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} إعادة تأكيد ليتوبوا فهذا بالتوبة منه. سمعت أبا القاسم بن أبي بكر السدوسي، سمعت أبا سعيد أحمد بن محمد بن رميح الزيدي، سمعت الحسن بن علي الدامغاني يقول: قال أبو يزيد: غلطت في أربعة أشياء: في الإبتداء مع الله سبحانه ظننت أني أحبه فإذا هو أحبّني قال الله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]فظننت أني أرضى عنه فاذا هو رضي عني قال الله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} وظننت أني أذكره فإذا هو ذكرني قال الله تعالى: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [العنكبوت: 45] وشئت أن أتوب فإذا هو تاب عليَّ قال الله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيم} {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} قال نافع: يعني مع محمد وأصحابه. سعيد بن جبير: مع أبي بكر وعمر، ابن جريح وابن حبّان: مع المهاجرين دليله قوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}تفسير : [الحشر: 8] إلى قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحشر: 8]. أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله. محمد بن عثمان بن الحسن. محمد بن الحسين ابن صالح. علي بن جعفر بن موسى. جندل بن والق. محمد بن عمر المازني. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} قال: مع عليّ بن أبي طالب وأصحابه. وأخبرني عبد الله محمد بن عثمان. محمد بن الحسن. علي بن العباس المقانعي. جعفر ابن محمد ابن الحسين. أحمد بن صبيح الأسدي. مفضل بن صالح. عن جابر عن أبي جعفر في قوله تعالى {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} قال: مع آل محمد ( صلى الله عليه وسلم ). يمان بن رباب: أصدقوا كما صدق الثلاثة الذين خلفوا. ابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك. بإخلاص ونيّة. قتادة: يعني الصدق في النية وقال: أو الصدق في الليل والنهار والسرّ والعلانية، وكان ابن مسعود يقول: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} وكذا كان يقرأها، وابن عباس (ورضي عنه) عن النبي (صلى الله عليه وسلم). أخبرنا عبد الله بن حامد. عبد الله بن محمد بن الحسين. محمد بن يحيى، وهب بن جرير عن شعيب بن عمرو بن زيد عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: إن الكذب لا يصلح منه جدّ ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيته شيئاً ثم لا ينجز شيئاً اقرأوا إن شئتم الآية {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} هل ترون في الكذب [رخصة] {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} ظاهره خبر معناه نهي كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب: 53] {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} سكان البوادي مزينة وجهينة وأسجح وأسلم وغفار {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} إذا غزا {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه. قال الحسن: يعني لا يرغبون بأنفسهم أن تصيبهم من الشدائد مثل ما يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ} في سفرهم {ظَمَأٌ} عطش، وقرأ عبد بن عمير ظمأ بالمدّ وهما لغتان مثل خطا وخطأ {وَلاَ نَصَبٌ} ولا تعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} مجاعة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً} أرضاً {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} وطيهم إياها {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} ولا يصيبون من عدوهم شيئاً قتلا أو أسراً أو غنيمة أو عزيمة يقال: نلت الشيء فهو منيل {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} قال ابن عباس: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فإن أصابهم ظمأ سقاهم الله من نهر الحيوان ولا يصيبهم ظمأ بعد، وإن أصابهم نصب أعطاهم الله العسل من نهر الحيوان [ولا يصيبهم] فيهم النصب، ومن خرج في سبيل الله لم يضع قدماً ولا يداً ولا جنباً ولا أنفاً ولا ركبة ساجداً ولا راكعاً ولا ماشياً ولا نائماً في بقعة من بقاع الله إلاّ أذن الله له بالشهادة وبالشفاعة. واختلفوا في حكم هذه الآية، فقال قتادة: وهذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه خلافه إذا لم يكن للمسلمين اليه ضرورة وحاجة. قال: وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سريّة يغزو في سبيل الله لكني لا أجد سعة فانطلق بهم معي ويشق عليَّ أن أدعهم بعدي ". تفسير : وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك والفزاري والسبيعي وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: انها لأول هذه الأمة وآخرها. وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله وأباح التخلف لمن شاء فقال: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} الآية {وَلاَ يُنفِقُونَ} في سبيل الله {نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} ولو علاقة سوط {وَلاَ يَقْطَعُونَ} ولا يتجاوزون {وَادِياً} في مسيرهم مقبلين أو مدبرين {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} يعني آثارهم وخطاهم {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} لهم بالثواب ويدخلهم الجنة بغير حساب. قال ابن عباس: أخبرنا أبو عمر الفراتي بقراءتي عليه أخبرنا أبو موسى أخبرنا مسدّد عن هارون ابن عبد الله الجمّال أخبرنا ابن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسين عن علي ابن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : ومن أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم،ومن غزا بنفسه وأنفق في وجه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم" تفسير : ثم تلا هذه الآية {أية : وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 261].

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا الهداية هي هداية الدلالة حتى يبين لهم ما يتقون؛ {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أي: ما كان الله ليحكم بضلالة قوم حتى يبين لهم ما يتقون. والتقوى التزام أمر الله ونهيه، فإذا وافقوا البيان هداهم هداية معونة، وإذا لم يوافقوا كانوا ضالين، وقد حكم الله بضلالة عم إبراهيم وما حكم الله بضلالته إلا بعد أن بين له منهج الهداية. وقد بين إبراهيم لعمه منهج الهداية فلم يهتد. ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى إبراهيم ألا يستغفر له. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [الآية: 115]. يعني: بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه في طاعته ومعصيته عامة. أنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: وَ {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} [الآية: 117]. يعني في غزوة تبوك. أَنا بعد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} [الآية: 122]. وذلك أَن ناسا من أَصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، خرجوا في البوادي فأَصابوا من الناس معروفاً من الخصب، ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إِلى الهدى، فقال لهم الناس: ما نراكم إِلا قد تركتم صاحبكم وجئتمونا، فوجدوا من ذلك في أَنفسهم تحرجاً، وأَقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله، عز وجل: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} يعني: بعضاً، ويقعد بعض {لِّيَتَفَقَّهُواْ} وليسمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم، {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} يعني: لينذروا الناس كلهم {إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [الآية: 122]. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} يعني: يبتلون {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [الآية: 126]. بالسنة والجوع.

الأندلسي

تفسير : {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} الآية، مات قوم كان عملهم على الأمر الأول كاستقبال بيت المقدس وشرب الخمر فسأل قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مجيء النسخ ونزول الفرائض عن ذلك. فنزلت، أي ما كان الله ليديم إضلال قوم أرشدهم إلى الهدى حتى يُبيّن لهم ما يتقونه أي يتجنبونه فلا يجدي ذلك فيهم فحينئذٍ يدوم إضلالهم. {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} الآية، قال ابن عطية: التوبة من الله تعالى رجوعه لعبده من حالة إلى حالة أرفع منها، وقد تكون في الأكثر رجوعاً عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة، وقد تكون رجوعاً من حالة طاعة إلى أكمل منها، وهذه توبته في هذه الآية على النبي لأنه رجع به من حالة قبل تحصيل الغزوة وتحمل مشقاتها إلى حالة بعد ذلك أكمل منها. وأما توبته على المهاجرين والأنصار فحالها معرضة لأن تكون من نقصان إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة في الدين. وأما توبته على الفريق فرجوع من حالة محطوطة إلى حالة غفران ورضى. {ٱتَّبَعُوهُ} أي اتبعوا أمره. {فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} وهي الضيق والشدة والعدم. وهذا هو جيش العسرة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزه عثمان بن عفان بألف جمل وألف دينار. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب الدنانير بيده وقال: وما على عثمان ما عمل بعد هذاتفسير : . وجاء أنصاري بسبعمائة وسق من تمر. وقال مجاهد وغيره: بلغت العسرة بهم إلى أن كان العشرة منهم يعتقبون على بعير واحد من قلة الظهر، وإلى أن قسموا التمرة بين الرجلين، وكان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمصها أحدهم ويشرب عليها الماء ثم يفعل بها كلهم ذلك. وقال عمر بن الخطاب: أصابهم في بعضها عطش شديد حتى جعلوا ينحرون الإِبل ويشربون ما في كروشها من الماء، ويعصرون الفَرْثَ حتى استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَرَفَع يديه يدعو فما رجّعهما حتى انسكبت سحابة فشربوا وادخروا ثم ارتحلوا، فإِذا السحابة لم تخرج من العسكر وفي هذه الغزاة هموا من المجاعة بنحر الإِبل فأمر صلى الله عليه وسلم بجمع فضل ازوادهم حتى اجتمع منه على النطع شىء يسير فدعا فيه بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم ملؤها حتى لم يبق وعاء وأكل القوم كلهم حتى شبعوا وفضلت فضلة وكان الجيش ثلاثين ألفاً وزيادة، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم وفيها خلف علياً رضي الله عنه بالمدينة، فقال المنافقون: خلفه بغضاً له. فأخبره بقولهم فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. ووصل عليه السلام إلى أوائل بلاد العدو وبث السرايا فصالحه أهل أرزح وأيلة وغيرهما على الجزية وانصرف. قال ابن عباس: {تَزِيغُ} تعدل عن الحق في المتابعة. وكاد تدل على القرب لا على التلبس بالزيغ. وقرىء: يزيغ بالياء فتعين أن يكون في كاد ضمير الشأن وارتفاع قلوب بيزيغ لامتناع أن يكون قلوب اسم كاد. ويزيغ في موضع الخبر لأن النية به التأخير، ولا يجوز من بعد ما كاد قلوب يزيغ بالياء. وقرىء: بالتاء، فاحتمل أن يكون في كاد ضمير الشأن كقراءة الياء، واحتمل أن يكون قلوب اسم كاد ويزيغ الخبر وُسّط بينهما كل فعل ذلك بكان. وفي هذين الإِعرابين كلام ذكر في البحر. {فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} قال الحسن: همت فرقة بالانصراف لما لقوا من الملاقة. وقيل: زيغها كان بظنون لها ساءت في معنى عزم الرسول عليه السلام على تلك الغزوة لما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو المقصود. {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} الآية معطوف على قوله والأنصار. ومعنى يخلفوا أي عن غزوة تبوك. {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ} تقدم تفسيره. {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} استعارة لأن الهم والغم ملأها بحيث لا يسعها أنس ولا سرور وجرحت من فرط الوحشة والغم. {وَظَنُّوۤاْ} أي علموا. وقال قوم: الظن هنا على بابه من ترجيح أحد الحائزين لأنه وقف أمرهم على الوحي ولم يكونوا قاطعين بأنه ينزل في شأنهم قرآن. أو كانوا قاطعين لكنهم يجوزون تطويل المدة في بقائهم في الشدة، فالظن عاد إلى تجويز تلك المدة القصيرة. وجاءت هذه الجملة في كيف إذا في غاية الحسن والترتيب فذكر أولاً ضيق الأرض عليهم وهو كناية عن استيحاشهم وثانياً: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} هي كناية عن تواتر الهم والغم على قلوبهم حتى لم يكن فيها شيء من الانشراح والاتساع، فذكر أولاً ضيق المحل، ثم ثانياً ضيق الحال فيه، لأنه قد يضيق المحل وتكون النفس منشرحة، ثم ثالثاً لما يئسوا من الخلق عذقوا أمورهم بالله وانقطعوا إليه وعلموا أنه لا يخلص من الشدة ولا يفرجها إلا هو تعالى. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة أخرى ليستقيموا على توبتهم وينيبوا أو ليتوبوا أيضاً فيما يستقبل لمن فرطت منهم خطيئة علماً منهم أن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يعني أن اللّه تعالى إذا منَّ على قوم بالهداية، وأمرهم بسلوك الصراط المستقيم، فإنه تعالى يتمم عليهم إحسانه، ويبين لهم جميع ما يحتاجون إليه، وتدعو إليه ضرورتهم، فلا يتركهم ضالين، جاهلين بأمور دينهم، ففي هذا دليل على كمال رحمته، وأن شريعته وافية بجميع ما يحتاجه العباد، في أصول الدين وفروعه. ويحتمل أن المراد بذلك { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } فإذا بين لهم ما يتقون فلم ينقادوا له، عاقبهم بالإضلال جزاء لهم على ردهم الحق المبين، والأول أولى. { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فلكمال علمه وعمومه علمكم ما لم تكونوا تعلمون، وبين لكم ما به تنتفعون. { إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ } أي: هو المالك لذلك، المدبر لعباده بالإحياء والإماتة وأنواع التدابير الإلهية، فإذا كان لا يخل بتدبيره القدري فكيف يخل بتدبيره الديني المتعلق بإلهيته، ويترك عباده سدى مهملين، أو يدعهم ضالين جاهلين، وهو أعظم توليه لعباده؟!! فلهذا قال: { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } أي: ولي يتولاكم بجلب المنافع لكم، أو { نَصِيرٍ } يدفع عنكم المضار.