Verse. 1351 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

اِنَّ اللہَ لَہٗ مُلْكُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ يُـحْيٖ وَيُمِيْتُ۝۰ۭ وَمَا لَكُمْ مِّنْ دُوْنِ اللہِ مِنْ وَّلِيٍّ وَّلَا نَصِيْرٍ۝۱۱۶
Inna Allaha lahu mulku alssamawati waalardi yuhyee wayumeetu wama lakum min dooni Allahi min waliyyin wala naseerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله له مُلك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم» أيها الناس «من دون الله» أي غيره «من ولي» يحفظكم منه «ولا نصير» يمنعكم عن ضرره.

116

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} لما منعهم عن الاستغفارللمشركين وإن كانوا أولي قربى وتضمن ذلك وجوب التبرؤ عنهم رأساً، بين لهم أن الله مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه، ليتوجهوا بشراشرهم إليه ويتبرؤوا مما عداه حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ } أيها الناس {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مِن وَلِىٍّ } يحفظكم منه {وَلاَ نَصِيرٍ } يمنع عنكم ضرره.

الخازن

تفسير : {إن الله له ملك السموات والأرض} يعني أنه سبحانه وتعالى هو القادر على ملك السموات والأرض وما فيهما عبيده وملكه يحكم فيهم بما يشاء {يحيي ويميت} يعني أنه تعالى يحيي من يشاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من يشاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} يعني أنه تعالى هو وليكم وناصركم ليس لكم غيره يمنعكم من عدوكم وينصركم عليهم. قوله عز وجل: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} الآية تاب الله بمعنى تجاوز وصفح عن النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم: عدم مؤاخذته بإذنه للمنافقين بالتخلف في غزوة تبوك وهي كقوله سبحانه وتعالى:{أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43] فهو من باب ترك الأفضل لا أنه ذنب يوجب عقاباً. وقال أصحاب المعاني: هو مفتاح كلام للتبرك كقوله سبحانه وتعالى فأن لله خمسه. ومعنى هذا: أن ذكر النبي بالتوبة عليه تشريف للمهاجرين والأنصار في ضم توبتهم إلى توبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله فإن لله خمسه وللرسول فهو تشريف له. وأما معنى: توبة الله على المهاجرين والأنصار، فلأجل ما وقع في قلوبهم من الميل إلى القعود عن غزوة تبوك لأنها كانت في وقت شديد وربما وقع في قلوب بعضهم أنا لا نقدر على قتال الروم وكيف لنا بالخلاص منهم فتاب الله عليهم وعفا عنهم ما وقع في قلوبهم من هذه الخواطر والوساوس النفسانية. وقيل: إن الإنسان ليخلو من زلات وتبعات في مدة عمره إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه وصبروا على تلك الشدائد العظيمة التي حصلت لهم في ذلك السفر غفر الله لهم وتاب عليهم لأجل ما تحملوه من الشدائد العظيمة في تلك الغزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ضم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذكرهم تنبيهاً على عظم مراتبهم في الدين وأنهم قد بلغوا إلى الرتبة التي لأجلها ضم ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذكرهم {الذين اتبعوه} في تلك الغزوة من المهاجرين والأنصار وقد ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفاً ما بين راكب وماش من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل {في ساعة العسرة} يعني في وقت العسرة ولم يرد ساعة بعينها والعسرة الشدة والضيق وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة والجيش الذي سار فيه يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء قال الحسن كان العشرة: منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه بينهم يركب الرجل منهم ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير وكان النفر منهم يخرجون وما معهم إلى التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يخرجها من فيه ويعطيها صاحبه ثم يشرب عليها جرعة من الماء ويفعل صاحبه كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم. وقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستقطع وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستقطع فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيراً فادع الله قال أتحب ذلك قال: نعم فرفع يديه صلى الله عليه وسلم يرجعا حتى أرسل الله سحابة فمطرت فملأوا ما معهم من الأوعية ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر أسنده الطبري عن عمر. قوله تعالى: {من بعد ما كان يزيغ قلوب فريق منهم} يعني من بعد ما قارب أن تميل قلوب بعضهم عن الحق من أجل المشقة والشدة التي نالتهم والزيغ في اللغة الميل. وقيل: همَّ بعضهم أن يفارق الرسول صلى الله عليه وسلم عند تلك الشدة التي نالتهم لكنهم صبروا واحتسبوا وندموا على ما خطر في قلوبهم فلأجل ذلك قال تعالى: {ثم تاب عليهم} يعني أنه سبحانه وتعالى علم إخلاص نيتهم وصدق توبتهم فرزقهم الإنابة والتوبة. فإن قلت قد ذكر التوبة أولاً ثم ذكرها ثانياً فما فائدة التكرار؟ قلت إنه سبحانه وتعالى ذكر التوبة أولاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطييباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيماً لشأنهم وليعلموا أنه سبحانه وتعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم ثم أتبعه بقوله {إنه بهم رؤوف رحيم} تأكيداً لذلك ومعنى الرؤوف في صفة الله تعالى أنه الرفيق بعباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف وإن تقاربا في المعنى. قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة للمصلحة ولا تكاد الرأفة تكون مع الكراهة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [الآية: 116]. قال ابن عطاء: له ملك السماوات والأرض فمن طلب الملك من غير مالك الملك فقد أخطأ الطريق. قال النصرآباذى: من اشتغل بالملك فإنه الملك، ومن طلب مالك الملك أتاه الملك راغمًا. قال جعفر: الأكوان كلها له فلا تشغلنَّك ما له عنه.

القشيري

تفسير : الحقُّ لا يَتَجمَّلُ بوجود مملوكاته، ولا يلحق نَقْصٌ بِعَدَم مخلوقاته، فَقَبْلَ أَنْ أوجد شيئاً من الحادثات كان مَلِكاً - والمَلِكُ أكثر مبالغةً من المالك - ومُلْكُه قدرتُه على الإبداع؛ والمعدوم مقدوره ومملوكه، فإذا أَوْجَدَه فهو في حال حدوثه مقدوره ومملوكه، فإذا أعدمه خرج عن الوجود ولم يخرج عن كونه مقدوراً له. {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} يحيي مَن يشاء بعرفانه وتوحيده، ويميت من يشاء بكفرانه وجحوده. ويقال يُحيي قلوبَ العارفين بأنوار المواصلات، ويُميتُ نفوسَ العابدين بآثار المنازلات. ويقال يُحيي مَنْ أقبل عليه بِتَفَضُّله، ويميت من أعرض بِتَكَبُّرِه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله له ملك السموات والأرض} من غير شريك له فيه: قال جلال الدين الرومى قدس سره: شعر : واحد اندر ملك واورا يارنى بندكانش را جز اوسالارنى نيست خلقش را دكركس مالكى شركتش دعوى كند جز هالكى تفسير : {يحيى ويميت} اى يحيى الاموات ويميت الاحياء اى يوجد الحياة والموت فى الارض والاجساد وقلوب الامم {ومالكم من دون الله} اى حال كونكم متجاوزين ولايته ونصرته {من ولى ولا نصير} لما منعهم من الاستغفار للمشركين وان كانوا اولى قربى وضمن ذلك التبرى منهم رأسا بين لهم ان الله مالك كل موجود ومتولى امره والغالب عليه ولا يتأنى لهم ولاية ولا نصرة الا منه تعالى ليتوجهوا اليه بشراشرهم ويتبرأوا مما عداه حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه. بقى ههنا ان الجم الغفير من العلماء ذهبوا الى ان النبى عليه السلام مر على عقبة الحجون فى حجة الوداع فسأل الله ان يحيى امه فاحياها فآمنت به وردها الله تعالى اى روحها. قال فى انسان العيون لا يقال على ثبوت هذا الخبر وصحته التى صرح بها غير واحد من الحفاظ ولم يلتفتوا الى من طعن فيه كيف ينفع الايمان بعد الموت ولا يتعرض لانا نقول هذا من جملة خصوصياته صلى الله عليه وسلم. وفى كلام القرطبى قد احيى الله تعالى على يده جماعة من الموتى فاذا ثبت ذلك فما يمنع ايمان ابويه بعد احبائهما ويكون زيادة فى كرامته وفضيلته ولو لم يكن احياء ابويه نافعا لايمانهما وتصديقهما لما احييا كما ان رد الشمس لو لم يكن نافعا فى بقاع الوقت لم ترد والله اعلم انتهى. يقول الفقير قد اشبعنا الكلام فى ايمان ابوى النبى عليه السلام وكذا ايمان عمه ابى طالب وجده عبد المطلب بعد الاحياء فى سورة البقرة عند قوله تعالى {أية : ولا تسأل عن اصحاب الجحيم} تفسير : [البقرة: 119] فارجع اليه. وجاء ان عبد المطلب رفض فى آخره عمره عبادة الاصنام ووحد الله وتؤثر عنه سنين جاء القرآن باكثرها وجاءت السنة بها منها الوفاء بالنذر والمنع من نكاح المحارم وقطع يد السارق والنهى عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والزنى وان لا يطوف بالبيت عريان كذا فى كلام سبط ابن الجوزى. وقال فى ابكار الافكار فى مشكل الاخبار ان عبد المطلب قد كان يتعبد فى كثير من احواله بشريعة ابراهيم عليه السلام ويتمسك بسنن اسماعيل عليه السلام ولم ينكر نبوة محمد عليه السلام اذ لم يكن قد بعث فى ايامه ولا يقطع بكفر من مات فى زمن الفترة فلم يكن حكمه حكم الكفار المشركين الذين شهد النبى عليه السلام بانهم فحم فى جهنم انتهى. قال فى السيرة الحلبية منع الاستغفار لامه عليه السلام انما يأتى على القول باب من بدل دينه او غيره او عبد الاصنام من اهل الفترة معذب وهو قول ضعيف مبنى على وجوب الايمان والتوحيد بالعقل. والذى عليه اكثر اهل السنة والجماعة ان لا يجب ذلك الا بارسال الرسل ومن المقرر ان العرب لم يرسل اليهم رسول بعد اسماعيل عليه السلام وان اسماعيل انتهت رسالته بموته كبقية الرسل لان ثبوت الرسالة بعد الموت من خصاص نبينا صلى الله عليه وسلم وان اهل الفترة من العرب لا تعذيب عليهم وان غيروا او بدلوا او عبدوا الاصنام والاحاديث الواردة بتعذيب من ذكر او من بدل او غير او عبد الاصنام مؤولة او خرجت مخرج الزجر للحمل على الاسلام. ثم رأيت بعضهم رجح ان التكليف بوجوب الايمان بالله تعالى وتوحيده اى بعدم عبادة الاصنام يكفى فيه وجود رسول دعا الى ذلك وان لم يكن الرسول مرسلا لذلك الشخص بان لم يدرك زمنه حيث بلغه انه دعا الى ذلك او امكنه علم ذلك وان التكليف بغير ذلك من الفروع لا بد فيه من ان يكون ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص وقد بلغته دعوته وعلى هذا فمن بدرك زمن نبينا صلى الله عليه وسلم ولا زمن من قبله من الرسل معذب على الاشراك بالله بعبادته الاصنام لانه على فرض ان لا تبلغه دعوة احد من الرسل السابقين الى الايمان بالله وتوحيده ولكنه كان متمكنا من علم ذلك فهو تعذيب بعد بعث الرسل لا قبله وحينئذ لا يشكل ما اخرجه الطبرانى فى الاوسط بسند صحيح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : ما بعث الله نبياً الى قوم ثم قبضه الا جعل بعده فترة يملأ من تلك الفترة جهنم " .تفسير : ولعل المراد المبالغة فى الكثرة والا فقد اخرج الشيخان عن انس رضى لله عنه عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيرتد بعضها الى بعض وتقول قط قط" تفسير : اى حسبى بعزتك وكرمك واما بالنسبة لغير الايمان والتوحيد من الفروع فلا تعذيب على تلك الفروع لعدم بعثه رسول اليهم فاهل الفترة وان كانوا مقرين بالله الا انهم اشركوا بعبادة الاصنام فقد حكى الله عنهم {أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى} تفسير : [الزمر: 3]. ووجه التفرقه بين الايمان والتوحيد وغير ذلك ان الشرائع بالنسبة للايمان بالله والتوحيد كالشريعة الواحدة لاتفاق جميع الشرائع عليه هذا. وقد جاء انهم اى اهل الفترة يمتحنون يوم القيامة فقد اخرج البزاز عن ثوبان ان النبى عليه السلام قال "حديث : اذا كان يوم القيامة جاء اهل الجاهلية يحملون اوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل الينا رسولا ولم يأتنا لك امر ولو ارسلت الينا رسولا لكنا اطوع عبادك فيقول لهم ربهم أرأيتم ان امرتكم بامر ان تطيعونى فيقولون نعم فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيرسل اليهم ان ادخلوا النار فينطلقون حتى اذا رأوها فرقوا ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع ان ندخلها فيقول ادخلوها داخرين" فقال النبى عليه السلام "لو دخلوها اول مرة كانت عليهم بردا وسلاماتفسير : قال الحافظ ابن حجر فالظن بآله صلى الله عليه وسلم يعنى الذين ماتوا قبل البعثة انهم يطيعون عند الامتحان اكراما للنبى عليه السلام لتقر عينه ونرجو ان يدخل عبد المطلب الجنة فى جماعة من يدخلها طائعا الا ابا طالب فانه ادرك البعثة ولم يؤمن به بعد ان طلب منه الايمان انتهى كلامه ولعله لم يذهب الى مسألة الاحياء ولذا قال ما قال فى حق ابى طالب شعر : نا اميدم مكن از سابقه لطف ازل توجه دانى كه بس برده خوبست وكه زشت

الطوسي

تفسير : وجه اتصال هذه الاية بما قبلها الحض على ما تقدم ذكره من جهاد المشركين ملوكهم وغير ملوكهم، لأنهم عبيد من له ملك السماوات والأرض يأمر فيهم ما يشاء ويدبرهم على ما يشاء. فأخبر الله ان {له ملك السماوات والأرض} ومعناه انه قادر على التصرف فيهما وليس لأحد منعه منهما. والملك اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. وخزائن الله لا تفنى وملكه لايبيد ولا يبلى، وكل ذلك يرجع إلى مقدوراته في جميع اجناس المعاني. وقوله {يحيي ويميت} معناه انه يحيي الجماد ويميت الحيوان. والحياة معنى يوجب كون الحيوان حياً. والحي المختص بصفة لا يستحيل معها كونه عالماً قادراً. والموت عند من اثبته معنى هو ما يضاد الحياة. ومن لا يثبته معنى، يقول: هو عبارة عن فساد بنية الحياة. وقوله {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} فالولي هو المقرب بالنصرة من غير فاصلة. والانسان ولي الله، لأنه يقربه بالنصرة من غير فاصلة. والله وليه بهذا المعنى، والنصير والاستنصار طلب النصرة والانتصار والانتصاف بالنصرة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ابتداء كلام غير مرتبط بالسّابق او تعليل لعلمه بكلّ شيءٍ، او تعليل لنسبة الاضلال والهداية والتّبيين الى نفسه، او جواب لسؤالٍ عن حالهم مع الله ونسبته تعالى اليهم {يُحْيِـي} بالحياة الحيوانيّة او بالحياة الانسانيّة {وَيُمِيتُ} هكذا {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ} يتولّى اموركم بجلب ما هو خيركم اليكم {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفع عنكم شروركم وقد مضى مراراً انّ النّبىّ (ص) بولايته هو الولىّ الّذى يتولّى امور التّابع من اصلاح حاله فى نفسه وبنبوّته ورسالته هو النّصير الّذي ينصر التّابع بدفع الشّرور عنه، وهذا النّفى لدفع توهّم يرد على قلب المريد النّاقص حيث لا يرى من شيخه المرشد الاّ بشريّته وكذا من شيخه الدّليل فيظنّ انّهما بحسب البشريّة او بانفسهما يتولّيان مستقلّين او بالاشتراك مع الله تعليم المريد واصلاحه، فرفع هذا الوهم بحصر ذلك فى نفسه بمعنى انّهما فى تولّى أمور المريد ليسا الاّ مظهرين والظّاهر المتولّى هو الله لا هما وحدهما ولا باشتراكهما مع الله.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ} أي: يمنعكم من عذاب الله { وَلاَ نَصِيرٍ}. قال الحسن: يقول: إن كفرتم، يعني المؤمنين. قوله: { لَقَد تّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ} يعني حين العسرة، وهي غزوة تبوك. قال بعضهم: هم الذين اتبعوا رسول الله في غزوة تبوك في لَهَبان الحرِّ على ما يعلم الله من الجهد. أصابهم منها جهد شديد، حتى لقد بلغنا أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما. وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصّها هذا، ثم يشرب عليها الماء، ثم يمصّها الآخر. ذكروا أن عثمان بن عفان حمل في جيش العسرة على ألف بعير إلا خمسين، فكمّلها خيلاً. قوله: { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} قال الحسن: تزيغ عن الجهاد فينصرفون؛ فعصمهم الله من ذلك، فمضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم. قال: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رِّحِيمٌ}. قال بعضهم: الثلاثة الذين خلِّفوا هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك، وهو تفسير مجاهد والعامّة. قال: أما أحدهم فأوثق نفسه إلى سارية وقال: لا أطلقها [ولا أطلق نفسي]، حتى يطلقني نبي الله [فقال رسول الله: حديث : والله لا أطلقه حتى يطلقه ربه إن شاء تفسير : ]. وأما الآخر فعمد إلى حائطه الذي كان تخلف عليه وهو مونع [فجعله صدقة في سبيل الله]. وأما الآخر فركب المفاوز حتى لحق نبي الله ورجلاه تسيلان دماً.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الله لهُ ملكُ السَّمَٰوات والأرضِ} يحكم بما شاء من تحليل وتحريم ومعاقبة وغفر {يُحيى} الميت إذا شاء ولو فى الدنيا، ويحييه فى الآخرة، ويصير ما هو غير حى حيا كآدم خلقه من طين، والنطفة خلق منها ما هو حى {ويُميتُ} ما هو حى من خلقه، ويحيى ما يشاء على الإيمان ويميته عليه، وعلى الكفر ويميته عليه، أو الإحياء التوفيق والإماتة الخذلان. {ومَا لكُم مِنْ دُونِ اللهِ من ولىٍّ ولا نَصيرٍ} فابغضوا فى الله، وأحبوا فيه، ولا تخافوا سواه، ولا يكن لكم قصد فيما عداه من قريب أو بعيد.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والأَرْضِ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَّلىٍّ وَّلا نَصِيرٍ} فتبرءُوا من كل ما يخالفه فهو وليكم بالحفظ ونصيركم بدفع الضر وما لككم ورازقكم ومالك حياتكم وموتكم، فانقطعوا ولا تتعلق قلوبكم إِلى سواه، ويجوز أَن يراد بالسماوات جميع العلويات حتى العرش والكرسى وبالأَرض جميع الأَرضين وما تحتهن: {لَّقَدْ تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالمهَاجِرِين وَالأَنْصَارِ} أَقام توبته عليهم فى غزوة العسرة إِذ لا ذنب لهم فيها، أَو قبلها منهم أَو وفقهم إِليها فى مطلق أَحوالهم لا فى خصوص هذه الغزوة، ومن ذلك إِذنه فى التخلف، فيعد ذنبا عليه صلى الله عليه وسلم: عفا الله عنك لم أَذنت لهم، وأَسند إِليهم لأَنهم تبعوه فيه أَو حكم على المجموع وذكر تبركاً لقوله تعالى: فإِن لله خمسه، وأَيضاً يعد ترك الأَولى ذنباً فى حق الأَخيار، ولا يخلو الإِنسان من زلة، ولما كثر الافتضاح فى السورة ظن المسلمون أَن لا يبقى أَحد إِلا نزل فيه قرآن إِلى نزلت هذه الآية فى صبرهم على الشدائد المكفرة لزلاتهم، وسميت سورة التوبة لهذه الآية: توبوا إِلى الله جميعاً، وفى الحديث حديث : أَنه ليغان على قلبى فأَستغفر الله كل يوم مائة مرةتفسير : ، فبنحو هذا تكون التوبة على ظاهرها من قبولها أَو الآية إِنشاء لإِظهار فضلها ولفظها إِخبار. وقد زعم قوم أَن ذلك كلام للتبرك كما قيل فى: فإِن لله خمسه، إِذ ضم توبتهم إِلى توبته صلى الله عليه وسلم تعظيماً لهم، وقد يكون ذنبهم ميلهم إِلى الراحة من شدة الحر وشدة السفر والخوف من قتال الروم أَو الاهتمام بالانصراف ولكن تصمموا على الثبات. {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} شدة وقحط حتى إِن الاثنين يقتسمان التمرة ويعتقب العشرة على بعير مع شدة الحر، وهم سبعون أَلفا بين راكب وماش من المهاجرين والأَنصار وسائِر القبائل، وذلك مع قلة الماءِ. ويخرج النفر وما معهم إِلا تمرات مسوسة وشعير متغير ويتعاقبون على لوك تمرة ويشربون عليه الماء حتى تبقى النواة وأَصابهم عطش فى منزل حتى ظنوا أَن رقابهم ستقطع، وكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه يشربه ويجعل باقيه فى كبده فقال الصديق رضى الله عنه: يا رسول الله إِن الله عز وجل قد عودك فى الدعاءِ خيراً فادع الله، قال: حديث : أَتحب ذلك؟ تفسير : قال: نعم، فرفع يديه ولم ترجعا حتى غامت السماء فأَمطرت وملأُوا أَوعيتهم ولم يجدوها جاوزت العسكر، وفى هذه الغزوة دعا بتمر قليل وجعله فى وعاء وبرك فيه فأَخذ أَهل العسكر زادهم وبقى كما هو، ونبع الماءُ من بين أَصابعه إِذ وضعها فى ماءِ إِناء حتى شربوا وسقوا دوابهم وحملوا، وهذا مبسوط فى كتب المغازى كمواهب القسطلانى ودلائل الثعالبى وشرحى على نونية المديح والسهيلى والقاضى عياض {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} ما مصدرية والمصدر من فعل من معنى كاد لأَنها جامدة، وقيل من لفظها على أَنها لها مصدر واسمِ كاد ضمير الشأْن أَو قلوب وعليه ففى يزيغ ضمير قلوب، وتوالى الأَفعال دليل فلا لبس، أَو اسمه ضمير القوم المدلول عليه بالمهاجرين والأَنصار، والمشهور فى خبر أَفعال المقاربة أَن يكون فعلياً مضارعيا رافعاً لضمير اسمها، وهذا الزيغ اهتمام بعض بالانصراف حين وقعت الشدة، لكن ندموا أَو خطور بالبال، وحسبوا خطوره ذنبا للميل إِليه، أَو المراد عظم الوسوسة أَو الشرف على الردة ممن هو حديث عهد بالإِسلام أَو ضعيف الإِيمان، من ذلك أَن يوسوس لهم الشيطان أَنه لو كان نبياً لم يقع فى هذه الشدة. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أَعاد ذكر التوبة لبيان أَن التوبة عليهم من أَجل ما كابدوا من العسرة وليس تكريراً محضاً لأَنه عطف على كاد لا على تاب الأَول، وإِن أُريد أَنه تاب بالثبات على المشقة، أَو من كونهم كادوا يزيغون فلا تأْكيد، وكذا قيل: ذكر التوبة أَولا قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم وتفضلا، ثم ذكر الذنب وأَردفه التوبة مرة أُخرى تعظيماً لهم وتصريحاً بالتوبة عن ذنبهم وأَتبعه بقوله {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تأْكيداً لذلك، وشهر أَن الرأْفة أَخص من الرحمة فكيف قدمت؟ فيجاب بأَن الرأْفة هنا العمل فى إِزالة الضر والرحمة الإِنعام، أَو أُريد بالرأْفة ضد القسوة ونفيها، وبالرحمة إِيقاع الإِنعام، أَو الرأْفة عدم تحمل ما لا يطاق، أُو أُريد بالرحمة تأْكيد معناها الموجود فى الرأْفة فكأَنها تتمة لها فكأَنها ليست شيئاً زائِداً عليها انتقل منها إِليه فحينئِذ يقال إِذاً يجوز لنا زيد فصحيح متكلم، قلنا: نعم إِذا كان المقام لتأْكيد، ولا يجزىء أَن يقال قدم للفاصلة.

الالوسي

تفسير : {أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ} من غير شريك له فيه. {يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} وقال غير واحد: إنه سبحانه لما منعهم عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربـى وتضمن ذلك وجوب التبري عنهم رأساً بين لهم أن الله سبحانه مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه جل شأنه بشراشرهم متبرئين عما سواه غير قاصدين إلا إياه.

ابن عاشور

تفسير : تذييل ثان في قوة التأكيد لقوله: {أية : إن الله بكل شيء عليم}تفسير : [التوبة: 115]، ولذلك فُصل بدون عطف لأن ثبوت ملك السماوات والأرض لله تعالى يقتضي أن يكون عليماً بكل شيء لأن تخلف العلم عن التعلق ببعض المتملكات يفضى إلى إضاعة شؤونها. فافتتاح الجملة بــ (إن) مع عدم الشك في مضمون الخبر يعين أن (إن) لمجرد الاهتمام فتكون مفيدة معنى التفريع بالفاء والتعليل. ومعنى الملك: التصرف والتدبير. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : مَالِك يوم الدين}تفسير : [الفاتحة: 4]. وزيادة جملتي: {يحيي ويميت} لتصوير معنى الملك في أتم مظاهره المحسوسة للناس المسلم بينهم أن ذلك من تصرف الله تعالى لا يستطيع أحد دفع ذلك ولا تأخيره. وعطف جملة: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} لتأييد المسلمين بأنهم منصورون في سائر الأحوال لأن الله وليهم فهو نصير لهم، ولإعْلامهم بأنهم لا يخشون الكفار لأن الكافرين لا مولى لهم لأن الله غاضب عليهم فهو لا ينصرهم. وذلك مناسب لغرض الكلام المتعلق باستغفارهم للمشركين بأنه لا يفيدهم. وتقدم الكلام على الولي عند قوله تعالى: {أية : قل أغير الله أتخذ ولياً}تفسير : في أول سورة الأنعام (14). والنصير: الناصر. وتقدم معنى النصر عند قوله تعالى: {أية : ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون}تفسير : في سورة البقرة (48).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {يُحْيِـي} (116) - هذا تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنينَ عَلَى قِتَالِ الكَافِرِينَ، وَدَعْوَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ لِيَتَّقُوا اللهَ، مَالِكَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلِكَيْلا يَرْهَبُوا أَحَداً غَيْرَ اللهِ، فَهُوَ الذِي يَهَبُ الحَيَاةَ بِقُدْرَتِهِ وَفْقَ سُنَنٍ فِي التَّكْوينِ، وَهُوَ الذِي يُمِيتُ حِينَمَا تَنْقَضِي آجَالُ النَّاسِ. وَحِينَ يَجِيءُ الأَجَلُ المُحَدَّدُ فَلاَ تَتَقَدَّمُ نَفْسٌ وَلاَ تَتَأَخَّرُ. وَهُوَ تَعَالَى وَلِيُّ المُؤْمِنينَ، وَنَصِيرُهُمْ، وَلاَ وَلِيَّ وَلاَ نَصِيرَ لَهُمْ غَيْرُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومادة الـ (م. ل. ك) يأتي منها "مالك"، و "مَلك"، و "ملْك"، ومنها "مُلْك"، ومنها "ملكوت"، و "المِلْك" هو ما تملكه أنت في حيزك، فإن كان هناك أحد يملكك أنت ومن معك ويملك غيرك، فهذا هو المَلِك، أما ما اتسع فيه مقدور الإنسان أي الذي يدخل في سياسته وتدبيره، فاسمه مُلك، فشيخ القبيلة له ملك، وعمدة القرية له ملك، وحاكم الأمة له ملك، ويكون في الأمور الظاهرة... وأما الملكوت فهو ما لله في كونه من أسرار خفية. مثل قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ...} تفسير : [الأنعام: 75]. وساعة ترى "تاء المبالغة" في مثل "رهبوت"، و "عظموت" تدرك أنها رهبة عظيمة. إذن: إياك أن تفهم أن الله حين يمنعك أن تستغفر لآبائك، وأنك إن قاطعتهم فذلك يخل بوجودك في الحياة؛ لأنهم هم ومن يؤازرهم داخلون في ملك الله، وما دام الله له ملك السماوات والأرض، فلا يضيرك أحد أو شيء ولا يفوتك مع الله فائت، وما دام الله سبحانه موجوداً فكل شيء سهل لمن يأخذ بأسبابه مع الإيمان به. والحق سبحانه يبين لنا أنه سبحانه وحده الذي بيده الملك؛ فقال: {أية : قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ...} تفسير : [آل عمران: 26]. وفي هذا القول الكريم أربعة أشياء متقابلة: {تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ} و {وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ}، وإيتاء الملْك في أعراف الناس خير، ونزعه في أعراف الناس شر، وإعزاز الناس خير، وإذلالهم شر، ولم يقل الله بيده: "الخير والشر". وإنما قال في كُلّ: {بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ}. إذن: فحين يؤتي الله إنساناً مُلْكاً؛ نقول: هذا خير وعليك أن تستغله في الخير. وحينما ينزع الله منه الملك نقول له: لقد طغيت وخفف الله عنك جبروت الطغيان، فنزعه الله منك فهذا خير لك. وإن أعزك الله، فقد يعذبك حقّاً، وإن أذلهم الله، فالمقصود ألا يطغوا أو يتجبروا. إذن: فكلها خير. {أية : تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ...} تفسير : [آل عمران: 26]. ساعة تجد ملكاً عضوضاً، إياك أن تظن أن هذا الملك العضوض قد أخذ ملكه دون إرادة الله، لا، بل هو عطاء من الله. ولو أن المملوك راعى الله في كل أموره لرقق عليه قلب مالكه. ولذلك يقول لنا في الحديث القدسي: "حديث : أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، ولكن أطيعوني أعطفهم عليكم ". تفسير : وما دام الأمر كذلك، فلا بد أن نعرف أن كل حادث له حكمة في الوجود. وإن رأيت واحداً قد أخذ الملك وهو ظالم، فاعلم أن الله قد جاء به ليربي به المملوكين، وسبحانه لا يربي الأشرار بالأخيار؛ لأن الأخيار لا يعرفون كيف يربون؛ وقلوبهم تمتلئ بالرحمة؛ ولذلك يعلمنا سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً ...} تفسير : [الأنعام: 129]. والخيِّر لا يدخل المعركة بل يشاهد الصراع من بعيد، ويجري كل شيء بعلم الله؛ لأنه سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو الذي يحيي ويميت، فإياك أن تُفْتَن في غير خالقك أبداً؛ لأن الخلق مهما بلغ من قدرته وطغيانه، لا يستطيع أن يحمي نفسه من أغيار الله في كونه ولذلك فليأخذ المؤمن من الله وليّاً له ونصيراً. وبعد أن قال لنا سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يأتي لنا بالأمر الذي يظهر فيه أثر القدرة، ولا يشاركه فيه غيره، فقال: {يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. وقال بعض العلماء في قوله: {يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أنه سبحانه "يحيي الجماد"، و"يميت الحيوان"؛ لأنهم ظنوا أن الحياة هي الحس والحركة التي نراها أمامنا من حركة وكلام وذهاب وإياب، ونسوا أن الحياة هي ما أودعه الله في كل ذرة في الكون، مما تؤدي به مهمتها، ففي ذرة الرمل حياة، والجبل فيه حياة، وكل شيء فيه حياة، بنص القرآن حيث يقول: {أية : لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ...} تفسير : [الأنفال: 42]. إذن: فالحياة مقابلها الهلاك، وفي آيات أخرى يقابل الحياة الموت، فالهلاك هو الموت. فإذا قال الحق سبحانه: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ...} تفسير : [القصص: 88]. إذن: فكل شيء قبل أن يكون هالكاً كان حيّاً، وهكذا نعرف أن الحياة ليست هي الحس والحركة الظاهرتين، وبعد التقدم العلمي الهائل في المجاهر الدقيقة تكشفت لنا حركة وحس كائنات كنا لا نراها، وإذا كان الإنسان قد توصل بالآلات التي ابتكرها إلى إدراك ألوان كثيرة من الحياة فيما كان يعتقد أنه لا حياة فيها، إذن: فكل شي في الوجود له حياة تناسبه فلو جئت بمعدن مثلاً وتركته ستجده تأكسد، أي حدث فيه تفاعل مع مواد أخرى.. فهذه حياة. بعد ذلك يقول الحق: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ ...}.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ} المستقل بالألوهية والوجود {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} وما فيها من الكواكب والنجوم {وَٱلأَرْضِ} وما عليها، وكذا ما بينهما {يُحْيِـي} ويظهر بلطفه متى تعلق إرادته {وَيُمِيتُ} يعدم ويخفي بقهره متى شاء {وَمَا لَكُمْ} أيها المؤمنون الموقنون بتوحيد الله {مِّن دُونِ اللَّهِ} الواحد، الأحد، الصمد الذي ليس معه شيء، ولا دونه حي {مِن وَلِيٍّ} يولي أموركم {وَلاَ نَصِيرٍ} [التوبة: 116] ينصركم عليها. {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} أي: وفقه على التوبة بعدما صار عنه إذن المخالفين، المستأذنين المعتذرين بالأعذار الكاذبة؛ تعزيراً له وتلبيساً عليه، مع عدم علمه بحالهم {وَ} تاب أيضاً على {ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} نحو تبوك حين خرج إليها {فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} وأيام القحط؛ إذ ليس لهم في تلك السفر زاد ولا راحلة ولا ماء، حيث يتعاقب عشرة على بعير، وقسيم تمر بين اثنين في يوم، وشرب الفظ والفرث من شدة العطش، لذلك تمايل على المخالفة {مِن بَعْدِ مَا كَادَ} وقرب {يَزِيغُ} ويميل عن المتابعة {قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} من قلة البصر، وكثرة المقاساة والأحزان {ثُمَّ تَابَ} الله {عَلَيْهِمْ} ووفقهم على التوبة مما أخطروا ببالهم، وتخيلوا في خيالهم {إِنَّهُ} سبحانه {بِهِمْ} بعدما علم استعدادهم وقابليتهم {رَءُوفٌ} عطوف، يعفو عمَّا صدر عنهم وقت الاضطرار {رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] يقبل عنهم ما جاءوا به من الإنابة والاستغفار. {وَ} أيضاً تاب سبحانه {عَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} عن عزوة تبوك بلا عذر، هو كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وصاروا من عدم التفات رسول الله والمؤمنين إليهم بعدما أمرهم الرسول ألا يتكلموا معهم خمسين ليلة {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي: مع وسعتها وفسحتها {وَ} صاروا من الأعراف إلى أن {ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} واشتد عليهم الأمر، وانسد أبواب التدابير مطلقاً، فاضطروا في أمرهم، والتجأوا نحو الحق مخلصين {وَظَنُّوۤاْ} بل كوشفوا {أَن لاَّ مَلْجَأَ} ولا مفر {مِنَ ٱللَّهِ} أي: غضبه وسخطه {إِلاَّ إِلَيْهِ} إذ ليس بغيره وجود حتىى يلجأ إليه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم في أمثال هذه المضائق: "حديث : أعوذ بك منك ". تفسير : {ثُمَّ} بعدما أخلصوا في الإنابة الرجوع وفوضوا أمروهم إليه سبحانه {تَابَ} الله {عَلَيْهِمْ} أي: أقدرهم ووفقهم على التوبة {لِيَتُوبُوۤاْ} ويرجعوا إلى الله نادمين على ما صدر عنهم من المخالفة، فيغفر لهم ويعفو عن زلاتهم {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح الموفق {هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع لعباده نحو جنابه حين صدر عنهم المعاصي {ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 118] لهم يرحمهم، ويقبل توبتهم عند رجوعهم متضرعين مخلصين.