٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
117
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال المتخلفين عنها، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا التفسير، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها. ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى، وصدر أيضاً عن المؤمنين نوع زلة، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات. فقال: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلت الأخبار على أن هذا السفر كان شاقاً شديداً على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين، على ما سيجيء شرحها، وهذا يوجب الثناء، فكيف يليق بها قوله: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ }. والجواب من وجوه: الأول: أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من باب ترك الأفضل، وهو المشار إليه بقوله تعالى: { أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43] وأيضاً لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار. ولست أقول عزموا عليه، بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها. فقال: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ }. والوجه الثاني: في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات، إما من باب الصغائر، وإما من باب ترك الأفضل. ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه، وصبروا على تلك الشدائد والمحن، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفراً لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر، وصار قائماً مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها. فلهذا السبب قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ } الآية. والوجه الثالث: في الجواب: أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها، وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ } الآية. والوجه الرابع: لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيهاً على عظم مراتبهم في الدين. وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها، ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة. المسألة الثانية: في المراد بساعة العسرة قولان: القول الأول: أنها مختصة بغزوة تبوك، والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جداً في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته. قال جابر: حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد. أما عسرة الظهر: فقال الحسن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، وأما عسرة الزاد، فربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة، وكان معهم شيء من شعير مسوس، فكان أحدهم إذا وضع اللقمة في فيه أخذ أنفه من نتن اللقمة. وأما عسرة الماء: فقال عمر: خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه. واعلم أن هذه الغزوة تسمى غزوة العسرة، ومن خرج فيها فهو جيش العسرة. وجهزهم عثمان وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والقول الثاني: قال أبو مسلم: يجوز أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال والأوقات الشديدة على الرسول وعلى المؤمنين، فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها. وقد ذكر الله تعالى بعضها في كتابه كقوله تعالى: { أية : وَإِذَا زَاغَتِ ٱلأَبْصَـٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ } تفسير : [الأحزاب: 10] وقوله: { أية : لَقَدِ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } تفسير : [آل عمران: 152] الآية، والمقصود منه وصف المهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا الرسول عليه السلام في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة، وذلك يفيد نهاية المدح والتعظيم. ثم قال تعالى: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } وفيه مباحث: البحث الأول: فاعل {كَادَ } يجوز أن يكون {قُلُوبُ } والتقدير: كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ويجوز أن يكون فيه ضمير الأمر والشأن، والفعل والفاعل تفسير للأمر والشأن، والمعنى: كادوا لا يثبتون على اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوة لشدة العسرة. البحث الثاني: قرأ حمزة وحفص عن عاصم {يَزِيغُ } بالياء لتقدم الفعل، والباقون بالتاء لتأنيث قلوب، وفي قراءة عبد الله {مّن بَعْدِ مَا زَاغَتِ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ }. البحث الثالث: {كَادَ } عند بعضهم تفيد المقاربة فقط، وعند آخرين تفيد المقارية مع عدم الوقوع، فهذه التوبة المذكورة توبة عن تلك المقاربة، واختلفوا في ذلك الذي وقع في قلوبهم. فقيل: هم بعضهم عند تلك الشدة العظيمة أن يفارق الرسول، لكنه صبر واحتسب. فلذلك قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر اليسير. وقال الآخرون بل كان ذلك لحديث النفس الذي يكون مقدمة العزيمة، فلما نالتهم الشدة وقع ذلك في قلوبهم ومع ذلك تلافوا هذا اليسير خوفاً منه أن يكون معصية. فلذلك قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ }. فإن قيل: ذكر التوبة في أول الآية وفي آخرها فما الفائدة في التكرار؟ قلنا: فيه وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى ابتدأ بذكر التوبة قبل ذكر الذنب تطييباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب ثم أردفه مرة أخرى بذكر التوبة، والمقصود منه تعظيم شأنهم. والوجه الثاني: أنه إذا قيل: عفا السلطان عن فلان ثم عفا عنه، دل ذلك على أن ذلك العفو عفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمال والقوة، قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : إن الله ليغفر ذنب الرجل المسلم عشرين مرة » تفسير : وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } يريد ازداد عنهم رضا. والوجه الثالث: أنه قال: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ } وهذا الترتيب يدل على أن المراد أنه تعالى تاب عليهم من الوساوس التي كانت تقع في قلوبهم في ساعة العسرة، ثم إنه تعالى زاد عليه فقال: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة أخرى لئلا يبقى في خاطر أحدهم شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس. ثم قال تعالى: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } وهما صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب، ويشبه أن تكون الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة. وقيل: إحداهما للرحمة السالفة، والأخرى للمستقبلة.
القرطبي
تفسير : روى الترمذي: حدّثنا عبد بن حميد حدّثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري حديث : عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: لم أتخلف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك إلا بَدْراً، ولم يعاتب النبيّ صلى الله عليه وسلم أحداً تخلف عن بدر، إنما خرج يريد العِير فخرجت قريش مُغْوِثين لعِيرهم، فالتقوا عن غير مَوعدٍ؛ كما قال الله تعالى؛ ولعمري إنّ أشرف مشاهِد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس لبَدْر، وما أحبّ أني كنت شهدتُها مكان بيعتي ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، ثم لم أتخلف بعدُ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى كانت غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وآذن النبيّ صلى الله عليه وسلم بالرحيل؛ فذكر الحديث بطوله قال: فٱنطلقت إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون، وهو يستنير كٱستنارة القمر، وكان إذا سُرّ بالأمر ٱستنار؛ فجئت فجلست بين يديه فقال: «أبشر يا كعب بن مالك بخير يومٍ أتى عليك منذ ولدتك أُمك» فقلت: يا نبيّ الله، أمن عند الله أم من عندك؟ قال: «بل من عند الله ـ ثم تلا هذه الآية ـ {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} حتى بلغ ـ {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} قال: وفينا أُنزلت أيضاً {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} وذكر الحديثتفسير : . وسيأتي بكماله من صحيح مسلم في قصة الثلاثة إن شاء الله تعالى. واختلف العلماء في هذه التوبة التي تابها الله على النبيّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار على أقوال؛ فقال ابن عباس: كانت التوبة على النبيّ صلى الله عليه وسلم لأجل إذنه للمنافقين في القعود؛ دليله قوله: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة: 43] وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه. وقيل: توبة الله عليهم استنقاذهم من شدّة العسرة. وقيل: خلاصهم من نكاية العدوّ، وعُبِّر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه، وهو الرجوع إلى الحالة الأُولى. وقال أهل المعاني: إنما ذُكر النبيّ صلى الله عليه وسلم في التوبة لأنه لما كان سبب توبتهم ذُكر معهم؛ كقوله: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 41]. قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي في وقت العسرة، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرِد ساعة بعينها. وقيل: ساعة العسرة أشدّ الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة. والعسرة صعوبة الأمر. قال جابر: اجتمع عليهم عسرة الظَّهْر وعسرة الزاد وعسرة الماء. قال الحسن: كانت العسرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، وكان زادهم التمر المتسوس والشعير المتغير والإهالة المنتِنة، وكان النَّفَر يخرجون ما معهم ـ إلا التمرات ـ بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جُرْعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم، فلا يبقى من التمرة إلا النواة؛ فمضَوْا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم. وحديث : قال عمر رضي الله عنه وقد سئل عن ساعة العسرة: خرجنا في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع من العطش، وحتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصِر فَرَثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا. قال: «أتحب ذلك»؟ قال: نعم؛ فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت السماء ثم سكبت فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. حديث : وروى أبو هريرة وأبو سعيد قالا: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فأصاب الناسَ مجاعةٌ وقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وٱدّهنا. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم «افعلوا» فجاء عمر وقال: يا رسول الله إن فعلوا قَلّ الظَّهر، ولكن ٱدْعُهم بفضل أزوادهم فادع الله عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة. قال: «نعم» ثم دعا بنطع فبُسط، ثم دعا بفضل الأزواد؛ فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير. قال أبو هريرة؛ فحزَرته فإذا هو قدر رُبضة العنز؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة. ثم قال: «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا في أوعيتهم حتى ـ والذي لا إلۤه إلا هو ـ ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل القوم حتى شبعوا؛ وفضلت فضلة فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إلۤه إلا الله وأنى رسولُ الله لا يَلْقَى اللَّهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فيهما فيُحجب عن الجنة»تفسير : . خرّجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه، والحمد لله. وقال ابن عرفة: سُمِّي جيشُ تبوك جيشَ العُسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَدَب الناس إلى الغزو في حَمَارة القيظ، فغلُظ عليهم وعَسُر، وكان إبّان ابتياع الثمرة. قال: وإنما ضُرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغز قبله في عدد مثله؛ لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أُحُد سبعمائة، ويوم خيبر ألفاً وخمسمائة، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حُنين اثني عشر ألفاً؛ وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفاً وزيادة، وهي آخر مغازيه صلى الله عليه وسلم. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب وأقام بتبوك شعبان وأياماً من رمضان، وبَثّ سراياه وصالح أقواماً على الجزية. وفي هذه الغزاة خلّف عليّاً على المدينة فقال المنافقون: خلّفه بُغْضاً له؛ فخرج خلف النبيّ صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال عليه السلام: «حديث : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»تفسير : وبيّن أن قعوده بأمره عليه السلام يوازي في الأجر خروجه معه؛ لأن المدار على أمر الشارع. وإنما قيل لها: غزوة تبوك لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رأى قوماً من أصحابه يَبُوكُون حِسْيَ تبوك، أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: «حديث : ما زلتم تَبُوكُونها بَوْكاً» تفسير : فسمّيت تلك الغزوة غزوة تبوك. الحسي (بالكسر) ما تنشّفه الأرض من الرمل، فإذا صار إلى صلابة أمسكتْه، فتحفر عنه الرملَ فتستخرجه؛ وهو الاحتساء؛ قاله الجوهري. قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} «قلوبُ» رفع بـ «تزيغ» عند سيبويه. ويضمر في «كاد» الحديث تشبيهاً بكان؛ لأن الخبر يلزمها كما يلزم كان. وإن شئت رفعتها بكاد، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ. وقرأ الأعمش وحمزة وحفص «يزيغ» بالياء، وزعم أبو حاتم أن من قرأ «يزيغ» بالياء فلا يجوز له أن يرفع القلوب بكاد. قال نحاس: والذي لم يجزه جائز عند غيره على تذكير الجميع. حكى الفرّاء: رَحُب البلاد وأرحبت، ورَحُبت لغة أهل الحجاز. واختلف في معنى تزيغ، فقيل: تتلف بالجهد والمشقة والشدة. وقال ابن عباس: تعدل ـ أي تميل ـ عن الحق في الممانعة والنصرة. وقيل: من بعد ما هَمّ فريق منهم بالتخلف والعصيان ثم لحِقوا به. وقيل: هموا بالقُفُول فتاب الله عليهم وأمرهم به. قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبَهم حتى لم تَزِغ، وكذلك سُنّة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب، ووطّنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم. وينشد:شعر : منك أرجو ولستُ أعرف رَبّاً يُرْتَجى منه بعضَ ما منك أرجو وإذا اشتدّت الشدائد في الأر ض على الخلق فاستغاثوا وعجُّوا وٱبتليتَ العباد بالخوف والجو ع وصَرُّوا على الذنوب ولَجُّوا لم يكن لي سواك ربِّي ملاذ فتيقَّنت أنني بك أنْجو تفسير : وقال في حق الثلاثة: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} فقيل: معنى «ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ» أي وفقهم للتوبة ليتوبوا. وقيل: المعنى تاب عليهم؛ أي فسّح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. وقيل: تاب عليهم ليثبتوا على التوبة. وقيل: المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم. وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا؛ دليله قوله عليه السلام: «حديث : اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر لما خلق له».
البيضاوي
تفسير : {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ} من إذن المنافقين في التخلف أو برأهم عن علقة الذنوب كقوله تعالى: {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] وقيل: هو بعث على التوبة والمعنى: ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى: {أية : وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً } تفسير : [النور: 31] إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده. {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} في وقتها هي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد والزاد حتى قيل إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة والماء حتى شربوا القيظ. {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ} عن الثبات على الإيمان أو اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام وفي {كَادَ} ضمير الشأن أو ضمير القوم والعائد إليه الضمير في {مِنْهُمْ}. وقرأ حمزة وحفص {يَزِيغُ} بالياء لأن تأنيث القلوب غير حقيقي. وقرىء «من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم» يعني المتخلفين. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تكرير للتأكيد وتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة، أو المراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم. {إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ}.
ابن كثير
تفسير : قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر، في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم. وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً، فأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيراً، فادع لنا، فقال: «حديث : تحب ذلك؟» تفسير : قال: نعم، فرفع يديه، فلم يرجعهما حتى سالت السماء، فأهطلت ثم سكنت، فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر، وقال ابن جرير: في قوله: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي: من النفقة والطهر والزاد والماء {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} أي: عن الحق، ويشك في دين الرسول صلى الله عليه وسلم ويرتاب؛ للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَقَدْ تَابَ الله } أي أدام توبته {عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلأَنصَٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ } أي وقتها، وهي حالهم في غزوة (تبوك): كان الرجلان يقتسمان تمرة، والعشرة يتعقبون البعير الواحد، واشتدّ الحرّ حتى شربوا الفرث {مِن بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ} بالتاء والياء. تميل { قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } عن اتباعه إلى التخلف لما هم فيه من الشدّة {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } بالثبات {إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} الآية. هي غزوة تبوك قِبل الشام، كانوا في عسرة من الظهر، كان الرجلان والثلاثة على بعير وفي عسرة من الزاد، قال قتادة حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها من الماء، ثم يمصها الآخر، وفي عسرة من الماء، وكانوا في لهبان الحر وشدته. قال عبد الله بن محمد بن عقيل: وأصابهم يوماً عطش شديد فجعلوا ينحرون إبلهم ويعصرون أكراشها فيشربون ماءها، قال عمر بن الخطاب فأمطر الله السماء بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم فغشينا. وفي هذه التوبة من الله على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار وجهان محتملان: أحدهما: استنقاذهم من شدة العسر. والثاني: أنها خلاصهم من نكاية العدوّ. وعبر عن ذلك بالتوبة وإن خرج عن عرفها لوجود معنى التوبة فيه وهو الرجوع إلى الحالة الأولى. {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} فيه وجهان: أحدهما: تتلف بالجهد والشدة. والثاني: تعدِل عن الحق في المتابعة والنصرة، قاله ابن عباس. {ثُمَّ تَابَ عَلَيهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وهذه التوبة غير الأولى، وفيها قولان: أحدهما: أن التوبة الأولى في الذهاب، والتوبة الثانية في الرجوع. والقول الثاني: أن الأولى في السفر، والثانية بعد العودة إلى المدينة. فإن قيل بالأول، أن التوبة الثانية في الرجوع، احتملت وجهين: أحدهما: أنها الإذن لهم بالرجوع إلى المدينة. الثاني: أنها بالمعونة لهم في إمطار السماء عليهم حتى حيوا، وتكون التوبة على هذين الوجهين عامة. وإن قيل إن التوبة الثانية بعد عودهم إلى المدينة احتملت وجهين: أحدهما: أنها العفو عنهم من ممالأة من تخلف عن الخروج معهم. الثاني: غفران ما همَّ به فريق منهم من العدول عن الحق، وتكون التوبة على هذين الوجهين خاصة.
ابن عطية
تفسير : " التوبة" من الله رجوعه بعبده من حالة إلى أرفع منها، فقد تكون في الأكثر رجوعاً من حالة طاعة إلى أكمل منها وهذه توبته في هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه رجع به من حاله قبل تحصيل الغزوة وأجرها وتحمل مشقاتها إلى حاله بعد ذلك كله، وأما توبته على " المهاجرين والأنصار " فحالها معرضة لأن تكون من تقصير إلى طاعة وجد في الغزو ونصرة الدين، وأما توبته على الفريق الذي كاد أن يزيغ فرجوع من حالة محطوطة إلى حال غفران ورضا، و{اتبعوه } معناه: دخلوا في أمره وانبعاثه ولم يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، وقوله {في ساعة العسرة }، يريد في وقت العسرة فأنزل الساعة منزلة المدة والوقت والزمن، وإن كان عرف الساعة في اللغة أنه لما قلَّ من الزمن كالقطعة من النهار. ألا ترى قوله صلى الله عليه وسلم في رواح يوم الجمعة "حديث : في الساعة الأولى وفي الثانية " تفسير : الحديث، فهي هنا بتجوز، ويمكن أن يريد بقوله {في ساعة العسرة } الساعة التي وقع فيها عزمهم وانقيادهم لتحمل المشقة إذ السفرة كلها تبع لتلك الساعة وبها وفيها يقع الأجر على الله، وترتبط النية، فمن اعتزم على الغزو وهو معسر فقد اتبع في ساعة العسرة ولو اتفق أن يطرأ لهم غنى في سائر سفرتهم لما اختل كونهم متبعين " في ساعة عسرة" و {العسرة} الشدة وضيق الحال والعدم، ومنه قوله تعالى: {أية : وإن كان ذو عسرة} تفسير : [البقرة:280] وهذا هو جيش العسرة الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: حديث : من جهز جيش العسرة فله الجنة تفسير : فجهزه عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف جمل وألف دينار. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلب الدنانير بيده وقال: حديث : وما على عثمان ما عمل بعد هذا تفسير : ، وجاء أيضاً رجل من الأنصار بسبعمائة وسق من تمر، وقال مجاهد وقتادة: إن العسرة بلغت بهم في تلك الغزوة وهي غزوة تبوك إلى أن قسموا التمرة بين رجلين، ثم كان النفر يأخذون التمرة الواحدة فيمضغها أحدهم ويشرب عليها الماء ثم يفعل كلهم بها ذلك. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وأصابهم في بعضها عطش شديد حتى جعلوا ينحرون الإبل ويشربون ما في كروشها من الماء ويعصرون الفرث حتى استسقى لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه يدعو فما رجعهما حتى انسكبت سحابة فشربوا وادخروا ثم ارتحلوا فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر، وحينئذ قال رجل من المنافقين: وهل هذه إلا سحابة مرت، وكانت الغزوة في شدة الحر، وكان الناس كثيراً، فقل الظهر فجاءتهم العسرة من جهات، ووصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أوائل بلد العدو فصالحه أهل أذرح وأيلة وغيرهما على الجزية ونحوهما، وانصرف وأما " الزيغ" الذي كادت قلوب فريق منهم أن تواقعه، فقيل همت فرقة بالانصراف لما لقوا من المشقة والعسرة، قاله الحسن، وقيل زيغها إنما كان بظنون لها ساءت في معنى عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك الغزوة لما رأته من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد المشقة وقوة العدو المقصود، وقرأ جمهور الناس وأبو بكر عن عاصم "تزيغ" بالتاء من فوق على لفظ القلوب. وروي عن أبي عمرو أنه كان يدغم الدال في التاء، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم والأعمش والجحدري " يزيغ " بالياء على معنى جمع القلوب، وقرأ ابن مسعود " من بعد ما زاغت قلوب فريق " وقرأ أبي بن كعب " من بعد ما كادت تزيغ" وأما كان فيحتمل أن يرتفع بها ثلاثة أشياء أولها وأقواها القصة والشأن هذا مذهب سيبويه، وترتفع "القلوبُ" على هذا بـ" تزيغ" والثاني أن يرتفع بها ما يقتضيه ذكر المهاجرين والأنصار أولاً، ويقدر ذلك القوم فكأنه قال من بعد ما كاد القوم تزيغ قلوبهم فريق منهم، والثالث أن يرتفع بها " القلوب " ويكون في قوله " تزيغ" ضمير " القلوب "، وجاز ذلك تشبيهاً بكان في قوله {أية : وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} تفسير : [الروم:47] وأيضاً فلأن هذا التقديم للخبر يراد به التأخير، وشبهت {كاد} بـ"كان " للزوم الخبر لها، قال أبو علي ولا يجوز ذلك في عسى. ثم أخبر عز وجل أنه تاب أيضاً على هذا الفريق وراجع به، وأنس بإعلامه للأمة بأنه {رؤوف رحيم}، والثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن الربيع العامري ويقال ابن ربيعة ويقال ابن ربعي، وقد خرج حديثهم بكماله البخاري ومسلم وهو في السير، فلذلك اختصرنا سوقه، وهم الذين تقدم فيهم {أية : وآخرون مرجون} تفسير : [الآية:106]، ومعنى {خلفوا } آخروا وترك أمرهم ولم تقبل منهم معذرة ولا ردت عليهم، فكأنهم خلفوا عن المعتذرين، وقيل معنى {خلفوا} أي عن غزوة تبوك، قاله قتادة وهذا ضعيف وقد رده كعب بن مالك بنفسه وقال: معنى {خلفوا} تركوا عن قبول العذر وليس بتخلفنا عن الغزو، ويقوي ذلك من اللفظة جعله إذا ضاقت غاية للتخليف ولم يكن ذلك عن تخليفهم عن الغزو، وإنما ضاقت عليهم الأرض عن تخليفهم عن قبول العذر، وقرأ الجمهور " خُلِّفوا" بضم الخاء وشد اللام المكسورة، وقرأ عكرمة بن هارون المخزومي وزر بن حبيش وعمرو بن عبيد وأبو عمرو أيضاً " خَلَفوا " بفتح الخاء واللام غير مشددة، وقرأ أبو مالك " خُلِفوا " بضم الخاء وتخفيف اللام المكسورة، وقرأ أبو جعفر محمد بن علي وعلي بن الحسين وجعفر بن محمد وأبو عبد الرحمن " خالفوا" والمعنى قريب من التي قبلها، وقال أبو جعفر ولو خلفوا لم يكن لهم ذنب، وقرأ الأعمش " وعلى الثلاثة المخلفين "، وقوله: {بما رحبت} معناه برحبها كأنه قال: على ما هي في نفسها رحبة، فـ"ما" مصدرية، {وضاقت عليهم أنفسهم } استعارة لأن الغم والهم ملأها، {وظنوا } في هذه الآية بمعنى أيقنوا وحصل علم لهم وقوله: {ثم تاب عليهم ليتوبوا} لما كان هذا القول في تعديد نعمه بدا في ترتيبه بالجهة التي هي عن الله عز وجل ليكون ذلك منبهاً على تلقي النعمة من عنده لا رب غيره، ولو كان القول في تعدد ذنب لكان الابتداء بالجهة التي هي عن المذنب كما قال الله تعالى: {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} تفسير : [ الصف: 5] ليكون هذا أشد تقريراً للذنب عليهم، وهذا من فصاحة القرآن وبديع نظمه ومعجز اتساقه، وبيان هذه الآية ومواقع ألفاظها إنما يكمل مع مطالعة حديث " الثلاثة " الذين خلفوا في الكتب التي ذكرنا، وإنما عظم ذنبهم واستحقوا عليه ذلك لأن الشرع يطلبهم من الجد فيه بحسب منازلهم منه وتقدمهم فيه إذ هم أسوة وحجة للمنافقين والطاعنين، إذ كان كعب من أهل العقبة وصاحباه من أهل بدر. وفي هذا يقتضي أن الرجل العالم والمقتدي به أقل عذراً في السقوط من سواه، وكتب الأوزاعي رحمه الله إلى المنصور أبي جعفر في آخر رسالة: واعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله عليك إلا عظماً ولا طاعته إلا وجوباً ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكاراً والسلام، ولقد أحسن القاضي التنوخي في قوله: [ الكامل ] شعر : والعيب يعلق بالكبير كبير تفسير : وفي بعض طرق حديث " الثلاثة" حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليلة نزول توبتهم في بيت أم سلمة، وكانت لهم صالحة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أمَّ سلمة: تيب على كعب بن مالك وصاحبيه"، فقالت يا رسول الله ألا أبعث إليهم؟ فقال "إذاً يحطمكم الناس سائر الليلة فيمنعوكم النوم" تفسير : ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين، فجاء هذا الأمر اعتراضاً في أثناء الكلام إذ عن في القصة ما يجب التنبيه علي امتثاله، وقال ابن جريج وغيره: الصدق في هذه الآية هو صدق الحديث، وقال نافع والضحاك ما معناه: إن اللفظ أعم من صدق الحديث، وهو بمعنى الصحة في الدين والتمكن في الخير، كما تقول العرب: عود صدق ورجل صدق، وقالت هذه الفرقة: كونوا مع محمد وأبي بكر وعمر وأخيار المهاجرين الذين صدقوا الله في الإسلام ومع في هذه الآية تقتضي الصحبة في الحال والمشاركة في الوصف المقتضي للمدح، وقرأ ابن مسعود وابن عباس " وكونوا من الصادقين "، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن مسعود رضي الله عنه يتأوله في صدق الحديث. وروي عنه أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرأوا إن شئتم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجرِينَ} توبة لعونه بإنقاذهم من شدة العسرة، أو تخليصهم من نكاية العدو وغيره، أي رجعهم إلى ما كانوا فيه من الحالة الأولى. {الْعُسْرَةِ} في غزوة تبوك كانوا في قلة من الظَّهر فيتناوب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وتعسر الزاد فيشق الرجلان التمرة بينهما، أو يمص النفر التمرة والواحدة ثم يشربون عليها الماء وذلك في شدة الحر، واشتد عطشهم حتى نحروا الإبل وعصروا أكراشها فشربوا ماءها. {يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ} يتلف بالجهد والشدة، أو يعدل عن المتابعة [والنصرة] {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} التوبة الأولى في الذهاب والثانية في الرجوع، أو الأولى في السفر، والثانية بعد الرجوع إلى المدينة.
النسفي
تفسير : { لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ } أي تاب عليه من إذنه للمنافقين في التخلف عنه كقوله {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ }تفسير : [التوبة: 43] {وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأنصَـٰرِ } فيه بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار حتى النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ } في غزوة تبوك ومعناه في وقتها. والساعة مستعملة في معنى الزمان المطلق وكانوا في عسرة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد، ومن الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة، وبلغت بهم الشدة حتى اقتسم التمرة اثنان وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء، ومن الماء حتى نحروا الإبل وعصروا كرشها وشربوه، وفي شدة زمان من حرارة القيظ ومن الجدب والقحط {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } عن الثبات على الإيمان أو عن اتباع الرسول في تلك الغزوة والخروج معه. وفي {كَادَ } ضمير الشأن والجملة بعده في موضع النصب وهو كقولهم «ليس خلق الله مثله» أي ليس الشأن خلق الله مثله {يزيغ } حمزة وحفص {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } تكرير للتوكيد {إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ } أي وتاب على الثلاثة وهم: كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، وهو عطف على {ٱلنَّبِىّ } {ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ } عن الغزو {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } برحبها أي مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه قلقاً وجزعاً {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لأنها حرجت من فرط الوحشة والغم {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ } وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله إلا إلى استغفاره {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } بعد خمسين يوماً {لِيَتُوبُواْ } ليكونوا من جملة التوابين {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } عن أبي بكر الوراق أنه قال: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة. {ٱ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في إيمانهم دون المنافقين، أو مع الذين لم يتخلفوا، أو مع الذين صدقوا في دين الله نية وقولاً وعملاً. والآية تدل على أن الاجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم {مَا كَانَ لأهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ } المراد بهذا النفي النهي وخص هؤلاء بالذكر وإن استوى كل الناس في ذلك، لقربهم منه ولا يخفى عليه خروجه {وَلاَ يَرْغَبُواْ } ولا أن يضنوا {بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } عما يصيب نفسه أي لا يختاروا إبقاء أنفسهم على نفسه في الشدائد بل أمروا بأن يصحبوه في البأساء والضراء ويلقوا أنفسهم بين يديه في كل شدة {ذٰلِكَ } النهي عن التخلف {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } عطش {وَلاَ نَصَبٌ } تعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ } مجاعة {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في الجهاد {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا } ولا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم وأرجلهم {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ } يغضبهم ويضيق صدورهم {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر أو جرح أو كسر أو هزيمة {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } عن ابن عباس رضي الله عنهما: لكل روعة سبعون ألف حسنة. يقال: نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوؤهم. وفيه دليل على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم، وقد أسهم النبي صلى الله عليه وسلم لابني عامر وقد قدما بعد تقضي الحرب. والموطىء إما مصدر كالمورد، وإما مكان. فإن كان مكاناً فمعنى {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ } يغيظهم وطؤه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي أنهم محسنون والله لا يبطل ثوابهم {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً } في سبيل الله {صَغِيرَةً } ولو تمرة {وَلاَ كَبِيرَةً } مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا } أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهو كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل، وهو في الأصل فاعل من «ودى» إذا سال ومنه الودْيُ، وقد شاع في الاستعمال بمعنى الأرض {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } من الإنفاق وقطع الوادي {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ } متعلق بـ {كتَـبَ} أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيراً لأجرهم. {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } اللام لتأكيد النفي أي أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم غير صحيح للإفضاء إلى المفسدة {فَلَوْلاَ نَفَرَ } فحين لم يكن نفير الكافة فهلا نفر {مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } أي من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير {لّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ } ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا المشاق في تحصيلها {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } وليجعلوا مرمى همتهم في التفقه إنذار قومهم وإرشادهم {إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ } دون الأغراض الخسيسة من التصدر والترؤس والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ما يجب اجتنابه. وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث بعثاً بعد غزوة تبوك بعد ما أنزل في المتخلفين من الآيات الشداد استبق المؤمنون عن آخرهم إلى النفير وانقطعوا جميعاً عن التفقه في الدين، فأمروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد، ويبقى سائرهم يتفقهون حتى لا ينقطعوا عن التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثراً من الجهاد بالنصال. والضمير في {لّيَتَفَقَّهُواْ } للفرق الباقية بعد الطوائف النافرة من بينهم {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } ولينذر الفرق الباقية قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصّلوا في أيام غيبتهم من العلوم. وعلى الأول الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ } يقربون منكم {مِّنَ ٱلْكُفَّارِ }. القتال واجب مع جميع الكفرة قريبهم وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب. وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم قومه، ثم غيرهم من عرب الحجاز، ثم الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } شدة وعنفاً في المقال قبل القتال {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } بالنصرة والغلبة. {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } «ما» صلة مؤكدة {فَمِنْهُمْ } فمن المنافقين {مَن يِقُولُ } بعضهم لبعض {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ } السورة {إِيمَـٰناً } إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين و {أَيُّكُمْ } مرفوع بالابتداء وقيل: هو قول المؤمنين للحث والتنبيه {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } يقيناً وثباتاً أو خشية أ و إيماناً بالسورة لأنهم لم يكونوا آمنوا بها تفصيلاً {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك ونفاق فهو فساد يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } كفراً مضموماً إلى كفرهم {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ } هو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت {أَوْ لاَ يَرَوْنَ } يعني المنافقين وبالتاء: حمزة خطاب للمؤمنين {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } يبتلون بالقحط والمرض وغيرهما {فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } عن نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } لا يعتبرون. أو بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوبون بما يرون من دولة الإسلام، ولا هم يذكرون بما يقع بهم من الاصطدام {وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } تغامزوا بالعيون إنكاراً للوحي وسخرية به قائلين {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ } من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم، أو إذا ما أنزلت سورة في عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته عليه السلام {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ } عن حضرة النبي عليه السلام مخافة الفضيحة {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم } عن فهم القرآن {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يتدبرون حتى يفقهوا {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ } محمد عليه السلام {مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } شديد عليه شاق ـ لكونه بعضاً منكم ـ عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } على إيمانكم {بِٱلْمُؤْمِنِينَ } منكم ومن غيركم {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } قيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَإِن تَوَلَّوْاْ } فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ } فاستعن بالله وفوض إليه أمورك فهو كافيك معرتهم وناصرك عليهم {لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فوضت أمري إليه {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ } هوأعظم خلق الله، خلق مطافاً لأهل السماء وقبلة للدعاء {ٱلْعَظِيمِ } بالجر وقرىء بالرفع على نعت الرب جل وعز. عن أبيّ: آخر آية نزلت {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } الآية.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ...} الآية: التوبةُ مِنَ اللَّه تعالَى هو رُجُوعه بعبده مِنْ حالة إِلى أَرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجُوعاً من حالة طاعةٍ إِلى أَكْمَلَ منها، وهذه توبته سبحانه في هذه الآيةِ عَلَى نبيِّه عليه السلام، وأما توبته على المهاجرين والأنصار، فمعرَّضةً لأنْ تكونَ مِنْ تقصير إلى طاعة وجِدٍّ في الغزو ونُصْرَةِ الدِّين، وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ، فَرُجُوعٌ من حالة محطوطةٍ إلى حال غفران ورضاً؛ وقال الشيخ أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ رحمه اللَّه: في هذه الآية ذَكَر اللَّه سبحانه تَوْبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَئِلاَ يستوحِشَ مَنْ أذنب؛ لأنه ذكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ}، فذكر مَنْ لم يُذْنِبْ لِيُؤْنَسَ من قد أذنب، انتهى من «لطائف المِنَن». و{سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} يريد: وقْت العسرة، والعُسْرة الشِّدَّةُ، وضيقُ الحَالِ، والعُدْمُ، وهذا هو جيشُ العُسْرة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَلَهُ الجنة )تفسير : ، فجهزه عثمانُ بْنُ عفَّان رضي اللَّه عنه بألْفِ جَمَلٍ، وألْف دينارٍ، وجاء أيضاً رجلٌ من الأنصار بِسَبْعِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْر، وهذه غزوةُ تبوكَ. * ت *: وعن ٱبْنِ عَبَّاس؛ أنَّه قيل لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب: حدِّثنا عن شأنِ سَاعَةِ العُسْرَة، فقال عمر: خَرَجْنَا إلى تبوكَ في قَيْظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزلاً أصابنا فيه عَطَشٌ، حتى ظَنَنَّا أَنَّ رقابنا سَتَنْقَطِعُ حتى إنَّ الرجُلَ لَيَنْحَرُ بعيره، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فيشربه، ثم يَجْعَلُ ما بقي عَلَى كَبِدِهِ، فقال أبو بكر: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ اللَّه قد عَوَّدَكَ في الدعاءِ خيراً، فَٱدْعُ اللَّهَ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ ذلكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَرْجِعْهما حتَّى مالَتِ السماء، فَأَظلَّتْ، ثم سَكَبَتْ فملؤوا ما معهم، ثم ذهبْنا ننظر، فلم نجدْها جاوَزَتِ العَسْكَر، رواه الحاكم في «مستدركه على الصحيحين»، وقال: صحيحٌ على شرط الشَّيْخَيْن، يعني: مسلماً والبخاريَّ انتهى في «السلاح»، ووصَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ إِلى أوائلِ بلد العَدُوِّ فصالحه أَهْلُ أذرح وأَيْلَةَ وغيرهما على الجِزْية ونحوها، وَٱنْصَرَفَ، والزيغ المذْكُور هو ما هَمَّت به طائفةٌ من ٱلانصراف؛ لِمَا لَقُوا من المشقَّة والعُسْرة. قاله الحسن. وقيل: زيغها إِنما كان بظُنُونٍ لها ساءَتْ في معنى عزم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على تلك الغزوة، لما رأته من شدَّة الحال وقوَّة العدوِّ والمقصود، ثم أخبر عزَّ وجلَّ؛ أنه تاب أيضاً على هذا الفريقِ، وراجَعَ به، وأنس بإِعلامه للأمَّة بأنه رؤوفٌ رحيمٌ، والثلاثة الذين خُلِّفوا هم كعْبُ بن مالِكٍ وهلال بن أمية الوَاقفيُّ ومُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العامريُّ، وقد خرَّج حديثهم بكماله البخاريُّ ومسلم، وهو في السِّير؛ فلذلك اختصرنا سَوْقَهُ، وهم الذين تقدَّم فيهم: { أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة:106]، ومعنى {خُلِّفُواْ } أُخِّروا، وتُرِكَ النظرُ في أمرهم، قال كَعْب: وليس بتخلُّفنا عَنِ الغَزْوِ، وهو بَيِّنٌ من لفظ الآية. وقوله: {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ}، {ظَنُّواْ}؛ هنا بمعنى: أيقنوا، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرة رحمه اللَّه: قال بعضُ أهْل التوفيق: « إِذا نزلَتْ بي نازلةٌ مَا مِنْ أي نوع كانَتْ، فَأُلْهِمْتُ فيها اللَّجَأَ، فلا أبالي بها، واللَّجَأُ على وجوه؛ منها: الاشتغال بالذِّكْرِ والتعبُّدِ وتفويض الأمر له عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى على لسان نبيه: « حديث : مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين »تفسير : ، ومنها: الصَّدَقة، ومنها: الدعاء، فكيفَ بالمَجْمُوع. انتهى. وقوله سبحانه: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ} لما كان هذا القولُ في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهَة الَّتي هي عَنِ اللَّه عز وجلَّ؛ ليكون ذلك مِنْها على تلقِّي النعمة مِنْ عنده لا رَبَّ غيره، ولو كان هذا القولُ في تعديد ذَنْبٍ، لكان ٱلابتداء بالجهة التي هِيَ على المُذْنِب، كما قال عز وجل: { أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : [الصف:5] ليكون ذلك أشدَّ تقريراً للذنْب عليهم، وهذا مِنْ فصاحة القُرآن وبديعِ نظمِهِ ومُعْجِزِ ٱتِّساقه. وبيانُ هذه الآيةِ ومواقعِ ألفاظها إِنما يَكْمُلُ مع مطالعة حديثِ الثلاثة الذين خُلِّفوا في الكُتُب المذكورة، فَانظره، وإِنما عَظُم ذنبهم، وٱستَحَقُّوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم مِنَ الجِدِّ فيه بحَسَب منازلهم منه، وتقدُّمهم فيه؛ إِذ هم أُسْوة وحُجَّة للمنافقين، والطاعنين، إِذ كان كعْبٌ من أهْل العقبة، وصاحباه من أهْل بدر، وفي هذا ما يقتضي أَنَّ الرجُلَ العَالِمَ والمُقْتَدَى به أَقلُّ عذراً في السقوطِ مِنْ سواه، وكَتَب الأوزاعيُّ رحمه اللَّه إلى أبي جَعْفَرِ المنصورِ في آخر رسالةٍ: وَٱعلَمْ أَنَّ قرابتك مِنْ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلاَّ عَظِماً، ولا طاعَتَهُ إِلا وجُوباً، ولا النَّاسَ فيما خَالَفَ ذلك مِنْكَ إِلاَّ إِنكاراً، والسلام.
ابن عادل
تفسير : قوله: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} الآية. لمَّا شرح أحوال غزوة تبوك، وأحوال المتخلِّفين عنها، عاد إلى شرح ما بقي من أحكامها فقال: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} الآية. تاب الله: تجاوز وصفح، ومعنى توبته على النبيِّ: مؤاخذته بإذنه للمنافقين في التخلُّف، فقال: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة:43]، وعلى المؤمنين من ميل قلوب بعضهم إلى التخلُّفِ عنه. وقيل: توبةُ الله عليهم استنقاذهم من شدَّةِ العسرةِ. وقيل: خلاصهم من نكايةِ العدوِّ وعبَّر عن ذلك بالتوبة - وإن خرج عن عرفها - لوجود معنى التَّوبة فيه، وهو الرُّجُوع إلى الحالة الأولى. وقيل: افتتح الكلام به؛ لأنَّه كان سبب توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال:41]. وقيل: لا يبعدُ أن يكون صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي، إلاَّ أنَّه تعالى تاب عليهم، وعفا عنهم، لأجْلِ تحملهم مشاق السفر في شدة الحر للجهاد، ثم إنَّه تعالى ضمَّ ذكر الرسول إلى ذكرهم، تنبيهاً على عظم مراتبهم في الدِّين وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها ضم الرسول - عليه الصلاة والسلام - إليهم في قبول التوبة. قوله: "... ٱتَّبَعُوهُ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ اتباعٌ حقيقي، ويكون عليه الصلاة والسلام خرج أولاً، وتبعه أصحابه. وأن يكون مجازاً، أي: اتبعوا أمرهُ ونهيهُ. وساعةُ العُسْرة عبارةُ عن وقتِ الخروج إلى الغزوِ، وليس المرادُ حقيقة السَّاعة، بل كقولهم "يَوْم الكُلاَب"، و: [الطويل] شعر : 2853-................................. عَشِيَّة قَارعْنَا جُذَامَ وحمْيَرا تفسير : فاستعيرت "السَّاعة" لذلك؛ كما استعير "الغداة" و "العَشيَّة" في قوله: [الطويل] شعر : 2854- غَداةَ طفَتْ عَلماءِ بكرُ بنُ وَائِلٍ ............................. تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2855- إذَا جَاءَ يَوْماً وارثي يبتَغِي الغِنَى ..................... تفسير : فصل في المراد بساعة العسرةِ قولان: الأول: أنها غزوةُ تبوك، والمرادُ منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدّاً في ذلك السَّفرِ. والعسرة: تعذر الأمر وصعوبته. قال جابِر "حصلت عسرة الظهر، وعسرة الماءِ، وعسرة الزَّادِ". أمَّا عُسرةُ الظهرِ؛ فقال الحسنُ: كان العشرةُ من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم. وأمَّا عسرة الزَّادِ، فريما مصَّ التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها، حتَّى لا يبقى من التَّمرة إلاَّ النواة، وكان معهم شيء من شعير مُسَوَّسٍ، فكان أحدهم إذا وضع اللُّقْمَة في فيه أخذ أنفه من نتن اللُّقمةِ. وأمَّا عسرة الماءِ، فقال عمرُ: خرجنا في قيظٍ شديدٍ، وأصابنا فيه عطشٌ شديدٌ؛ حتَّى إنَّ الرجُل لينحر بعيرهُ فيعصر فرثهُ، ويشربهُ. وهذه تسمى غزوة العسرة، ومن خرج فيها فهو جيش العُسرةِ، وجهزهم عثمان وغيره من الصَّحابة - رضي الله عنهم -. والثاني: قال أبو مسلم "يجوزُ أن يكون المراد بساعة العسرة جميع الأحوال، والأوقات الشديدة على الرَّسُولِ، وعلى المؤمنين؛ فيدخل فيه غزوة الخندق وغيرها. وقد ذكر الله تعالى بعضها في القرآن، كقوله: {أية : وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ}تفسير : [الأحزاب:10] وقوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ}تفسير : [آل عمران:152] الآية، والمقصود منه وصف المهاجرين، والأنصار بأنَّهُم اتَّبعُوا الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - في الأوقات الشديدة والأحوال الصعبة، وذلك يفيدُ نهاية المدح والتعظيم". قوله: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ} قرأ حمزة وحفص عن عصام "يَزِيغُ" بالياءِ من تحت والباقون بالتاء من فوق. فالقراءةُ الأولى تحتمل أن يكون اسمُ "كاد" ضمير الشَّأن و "قلوبُ" مرفوع بـ "يزيغُ"، والجملةُ في محلِّ نصبٍ خبراً لها، وأن يكونَ اسمها ضمير القوم، أو الجمع الذي دلَّ عليه ذكرُ "المهاجرين والأنصار"، ولذلك قدَّرهُ أبو البقاءِ، وابنُ عطيَّة: "من بعد مَا كَادَ القَوْمُ". وقال أبو حيان - في هذه القراءة - "فيتعيَّن أن يكونَ في "كاد" ضميرُ الشَّأن، وارتفاع "قُلوبُ" بـ "يزيغُ"، لامتناعِ أن يكون "قلوب" اسم "كاد"، و "يزيغُ" في موضع الخبر؛ لأنَّ النِّيةَ فيه التأخير ولا يجوزُ: من بعد ما كاد قلوب يزيغُ بالياء" قال شهابُ الدِّين: ولا يتعيَّن ما ذكر في هذه القراءة، لما تقدَّم من أنَّهُ يجوزُ أن يكون اسمُ "كاد" ضميراً عائداً على الجمع أو القوم، والجملة الفعليَّة خبرها، ولا محذور يمنع ذلك من ذلك. وقوله: لامتناع أن يكون "قُلُوب" اسم "كَادَ" لزم أن يكون "يزيغُ" خبراً مقدماً؛ فيلزمُ أن يرفع ضميراً عائداً على "قُلوبُ"، ولو كان كذلك للزم تأنيثُ الفعل؛ لأنَّهُ حينئذٍ مسندٌ إلى ضمير مؤنث مجازي؛ لأنَّ جمع التَّكسير يجري مجرى المؤنث مجازاً. وأمَّا قراءة التَّاء من فوق؛ فتحتمل أن يكون في "كَادَ" ضميرُ الشَّأن، كما تقدَّم، و "قلوبُ" مرفوع بـ "تزيغُ" وأنَّثَ لتأنيث الجمع، وأن يكون "قُلوبُ" اسمها، و "تزيغُ" خبر مقدَّم، ولا محذور في ذلك؛ لأنَّ الفعل قد أنَّثَ. وقال أبُو حيَّان: وعلى كُلِّ واحدٍ من هذه الأعرايب الثلاثة إشكال على ما تقرَّر في علم النَّحو مِنْ أنَّ خبر أفعالِ المقاربةِ لا يكون إلاَّ مضارعاً رافعاً ضمير اسمها؛ فبعضهم أطلق وبعضهم قيَّد بغير "عَسَى" من أفعال المقاربة، ولا يكونُ سبباً، وذلك بخلاف "كان" فإن خبرها يرفع الضمير والسببي لاسم "كان"، فإذا قدَّرْنَا فيها ضمير الشَّأن كانت الجملةُ في موضع نصب على الخبرِ، والمرفوعُ ليس ضميراً يعود على اسم "كاد"، بل ولا سبباً له، وهذا يلزمُ في قراءة التَّاءِ أيضاً. وأما توسط الخبر؛ فهو مبنيٌّ على جوازِ مثل هذا التركيب في مثل: "كان يقُومُ زيد"، وفيه خلافٌ والصحيحُ المنع. وأمَّا الوجه الأخير؛ فضعيف جداً، من حيثُ أضمر في "كاد" ضميراً، ليس له على من يعود إلاَّ بتوهُّم ومن حيثُ يكونُ خبر "كاد" رافعاً سبباً. قال شهابُ الدِّين: كيف يقولُ "والصَّحيحُ المنعُ" وهذا التركيب موجود في القرآن، كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ}تفسير : [الأعراف:137] {أية : كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا}تفسير : [الجن:4]، وفي قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2856- وإنْ تَكُ سَاءَتْكَ مِنِّي خَليقَةٌ ......................... تفسير : فهذا التركيبُ واقعٌ لا محالة. وإنَّما اختلفوا في تقديره: هل من باب تقديم الخبر، أم لا؟ فمن منع؛ لأنه كباب المبتدأ والخبر الصريح، والخبرُ الصريح متى كان كذلك؛ امتنع تقديمهُ على المبتدأ، لئلاَّ يلتبس بباب الفاعل؛ فكذلك بعد نسخه، ومن أجازَ فلأمن اللَّبْس. ثم قال أبُو حيَّان: "ويُخَلِّصُ من هذه الإشكالات اعتقادُ كون "كَادَ" زائدة، ومعناها مراد، ولا عمل لها إذ ذاك في اسم ولا خبر، فتكُون مثل "كَانَ" إذا زيدتْ، يُراد معناها ولا عمل لها، ويؤيِّدُ هذا التأويل قراءةُ ابن مسعودٍ "مِنْ بعْدِ ما زَاغَتْ" بإسقاط "كاد" وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}تفسير : [النور:40] مع تأثُّرها بالعامل وعملها فيما بعدها؛ فأحرى أن يُدَّعَى زيادتها، وهي ليست عاملةً ولا معمولةً" قال شهابُ الدِّين زيادتُها أباهُ الجمهور، وقال به من البصريين الأخفشُ وجعل منه {أية : أَكَادُ أُخْفِيهَا}تفسير : [طه:15] وتقدَّم الكلام [البقرة:205] على ذلك. وقرأ الأعمشُ، والجحدريُّ "تُزيغ" بضم التاء، وكأَّنه جعل "أزَاغَ"، و "زَاغَ" بمعنى. وقرأ أبَيّ "كَادَتْ" بتاء التأنيث. فصل "كاد" عند بعضهم تفيد المقاربة، وعند آخرين تفيدُ المقاربة مع عدم الوقوع و "الزيغ" الميل، أي: من بعد ما كاد تميلُ قلوب فريق منهم، أو بعضهم، ولم يرد الميل عن الدِّين بل أراد الميل للتخلف، والانصراف؛ فهذه التوبةُ توبةٌ عن تلك المقاربة. واختلفوا في الذي وقع في قلوبهم، فقيل: هَمَّ بعضهم عند تلك الشدَّة العظيمة أن يفارق الرسول، لكنه صبر واحْتَسبَ؛ فلذلك قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} لمَّا صبرُوا وندمُوا على ذلك الأمر اليسير. وقال آخرون: بل كان ذلك تحدث النفس الذي كان مقدمة العزيمة، فلمَّا نالتهم الشِّدة، وقع ذلك في قلوبهم، ومع ذلك تلافوا هذا اليسيرَ خوفاً من أن يكون معصية؛ فلذلك قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ}. فإن قيل: ذكر التوبة في أوَّل الآية، وفي آخرها، فما فائدة التَّكرارِ؟ فالجوابُ من وجوه: أحدها: أنَّهُ تعالى ابتدأ بذكر التَّوبةِ قبل ذكرِ الذَّنبِ تَطْيبباً لقلوبهم ثم لمَّا ذكر الذَّنبَ أردفه مرة أخرى بذكر التوبة؛ تعظيماً لشأنهم. وثانيها: إذا قيل: عفا السُّلطان عن فلان ثمَّ عفا عنه، دلَّ على أنَّ ذلك العفو متأكد بلغ الغاية القصوى في الكمالِ والقوَّةِ، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ اللهَ ليغفِرُ ذَنْبَ الرَّجُلِ المُسلمِ عشرينَ مرَّة"تفسير : وهذا معنى قول ابنِ عبَّاس في قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} يريدُ ازداد عنهم رضا. قال ابنُ عبَّاسٍ: مَنْ تاب اللهُ عليه لمْ يُعذِّبْه أبَداً. وتقدمت هذه الآثار في سورة النساء. وثالثها: أنه قال {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} وهذا الترتيبُ يدلُّ على أنَّ المراد أنَّهُ تعالى تاب عليهم من الوساوس التي كانت تقعُ في قلوبهم في ساعة العسرةِ، ثمَّ إنه تعالى زاد عليه فقال: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} فهذه الزيادة أفادت حصول وساوس قوية، فلا جرم أتبعها تعالى بذكر التوبة مرة أخرى لئلاَّ يبقى في خاطر أحدٍ شك في كونهم مؤاخذين بتلك الوساوس. ثمَّ قال تعالى {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وهما صفتان لله تعالى، ومعناهما متقارب، ويمكنُ أن تكون الرَّأفة عبارة عن إزالة الضَّرر، والرحمة عبارة عن إيصال المنفعة. وقيل: إحداهما للرَّحمة السَّالفة، والأخرى للمستقبلة. قوله: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} الآية. قوله "وعَلى الثَّلاثةِ" يجوزُ أن ينسقَ على "النبيِّ، أي: تاب على النبي، وعلى الثلاثة، وأن ينسقَ على الضَّمير في "عَليْهِمْ" أي: تاب عليهم، وعلى الثلاثة، ولذلك كُرِّرَ حرفُ الجر. وقرأ جمهورُ النَّاس "خُلِّفُوا" مبنيّاً للمفعول مشدداً، من: خلَّفه يخلِّفه. وقرأ أبُو مالك كذلك إلاَّ أنَّه خفَّف اللاَّم. وقرأ عكرمةُ، وزر بنُ حبيشٍ، وعمرُو بنُ عبيدٍ، وعكرمة بنُ هارُونَ المخزميّ، ومعاذ للقارئ "خَلَفُوا" مبنيّاً للفاعل مخففاً من: "خَلَفَه". والمعنى: الذين خلفوا، أي: فسدُوا، مِنْ: خُلُوف الفمِ. ويجُوزُ أن يكون المعنى أنهم خلفُوا الغازينَ في المدينة. وقرأ أبو العالية، وأبو الجوزاء كذلك، إلاَّ أنَّهُمَا شدَّدَا اللام وقرأ أبو رزين، وعلي بنُ الحسينِ، وابناه: زيدٌ، ومحمد الباقرُ، وابنه جعفر الصادقُ: "خَالفُوا" بألف، أي: لم يُوافِقُوا الغازين في الخروج. قال الباقرُ "ولوْ خُلِّفُوا لم يكن لهم". وقرأ الأعمش "وعلى الثَّلاثة المخلَّفين". و "الظَّن" هنا بمعنى العلم؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2857- فقُلْتُ لهُم: ظُنُّوا بألْفَيْ مُدَجَّجٍ سراتهُم في الفَارسيِّ المُسَرَّدِ تفسير : وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ}تفسير : [البقرة:46]؛ لأنَّه تعالى ذكر هذا الوصفَ في معرض المدح والثناء، ولا يكونُ ذلك إلا مع علمهم. وقيل: هو على بابه؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام وقف أمرهم على الوحي، فهم لم يقطعوا بأنَّ الله ينزل في شأنهم قرآناً، بل كانوا مُجَوِّزين لذلك، أو كانُوا قاطعين بأنَّ الله ينزل الوحي ببراءتهم، ولكنهم جوَّزُوا أن تطول المدّة في بقائهم في الشِّدَّة، فالظَّن عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة. قوله:{أَن لاَّ مَلْجَأَ} "أنْ" هي المخففة سادَّة مسدَّ المفعولين، و "لا" وما في حيِّزها الخبرُ، و {مِنَ ٱللَّهِ} خبرها، ولا يجوزُ أن تتعلق بـ "مَلْجَأ"، ويكون "إلاَّ إليْهِ" الخبر لأنه كان يلزم إعرابه؛ لأنَّهُ يكون مطوَّلاً. وقد قال بعضهم: إنَّه يجوزُ تشبيهُ الاسم المُطَوَّل بالمضاف فيُنتزعُ ما فيه من تنوينٍ ونونٍ، كقوله: [الطويل] شعر : 2858- أرَانِي ولا كُفرانَ للهِ أيَّةً ..................... تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا صَمْتَ يومٌ إلى اللَّيْلِ" تفسير : برفع "يومٌ" وقد تقدم ذلك [الأنفال:48]. قوله: "إلاَّ إليه" استثناء من ذلك العامِّ المحذوفِ، أي: لا ملجأ لأحدٍ إلاَّ إليه كقولك: "لا إله إلاَّ الله". فصل هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:106]. واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم مخلفين فقيل: ليس المراد أنهم أمروا بالتَّخلفِ، أو حصل الرِّضا من الرَّسول بذلك، بل هو كقولك لصاحبك أين خلفت فلاناً؟ فيقولُ: بموضع كذا، لا يريدُ به أنَّهُ أمره بالتخلُّف، بل لعلَّه قد نهاهُ عنه، وإنَّما يريدُ أنَّهُ تخلَّف عنه. وقيل: لا يمتنعُ أن هؤلاء الثلاثة كان عزمهم الذهاب إلى الغزوِ؛ فأذن لهُمُ الرَّسُولُ - عليه الصلاة والسلام - في قدر تحصيل الآلات، فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل، فصح أن يقال: خلفهم الرسول. وقيل: إنه حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:106] والمرادُ من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في قبول التوبة. قال كعبُ بنُ مالكٍ، وهو أحد الثلاثةِ: قول الله في حقنا {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} ليس من تخلفنا إنَّما هو تأخيرُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا؛ يشير إلى قوله: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:106] فصل هؤلاء الثلاثةُ هم: كعب بنُ مالكٍ الشَّاعر، وهلالُ بنُ أميَّة الذي نزلت فيه آية اللعان، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع. وفي قصتهم قولان: الأولُ: أنَّهم ذهبوا خلف الرَّسولِ - عليه الصلاة والسلام -، قال الحسنُ: كان لأحدهم أرضٌ ثمنها مائة ألف درهم فقال: يا أرضاهُ ما خلَّفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ أمرك؛ فاذهبي في سبيل الله، فلأكابدن المفاوز حتى أصل إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم وفعل، وكان للثاني أهلٌ فقال: يا أهلاهُ ما خلَّفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرك؛ فلأكابدن المفاوز حتَّى أصل إليه وفعل. والثالث: ما كان ذا مال ولا أهل فقال: ما لي سبب إلا الضَّن بالحياةِ، والله لأكابدن المفاوز حتى أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلحقوا برسُول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:106]. والثاني - وهو قول الأكثرين -: أنهم ما ذهبوا خلف الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام - قال كعبٌ: حديث : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حديثي، فلما أبطأت عليه في الخروج قال عليه الصلاة والسلام: ما الذي حبس كعباً فلمَّا قدم المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم، وأتيته فقلتُ: إن كراعي، وزادي كان حاضراً، واحتبست بذنبي، فاستغفر لي فأبى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ثمَّ إنَّه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم، حتى أمر بذلك نساءهم؛ فضاقت عليهم الأرضُ بما رحبتْ وجاءت امرأة هلال بن أميَّة وقالت: يا رسول الله لقد بكى، حتَّى خفتُ على بصره، حتَّى إذا مضى خمسون يوماً أنزل الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ} [التوبة:117] وقوله: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته، وهو عند أمِّ سلمة فقال: اللهُ أكبرُ؛ قد أنزلَ اللهُ عُذْرَ أصحَابِنَا" فلمَّا صلَّى الفَجْرَ ذكر ذلك لأصحابه، وبشرهم بأنَّ الله تاب عليهم؛ فانطلقُوا إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا عليهم ما نزل فيهم فقال كعبٌ: توبتي إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال: "لا" فقلتُ: نصفه، قال:"لا"، قلت: فثلثه، قال:"نعم" . تفسير : فصل معنى: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} تقدَّم تفسيره في هذه السُّورةِ وسببه: إعراض الرسول عنهم، ومنع المؤمنين من مكالمتهم، وأمر أزواجهم باعتزالهم، وبقائهم على هذه الحالة خمسين يوماً، وقيل: أكثر حتَّى ضاقت عليهم أنفسهم، أي: ضاقت صدورهم بالغمِّ والهمِّ، ومجانبة الأولياء، ونظر النَّاس إليهم بعين الإهانةِ، و "ظَنُّوا" أي: استيقنوا "أن لا مَلْجَأ" لا مفزع من الله إلا إليه. قال ابنُ الخطيبِ: يقرب معناه من قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أعوذُ برضَاكَ مِنْ سُخْطكَ وأعُوذُ بعَفوكَ مِنْ غضبِك، وأعوذُ بكَ مِنْكَ ". تفسير : قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} فيه وجوه: أحدها: قال أهلُ السُّنَّةِ: المرادُ منه أنَّ فعل العبد مخلوقٌ لله تعالى، فقوله: "تَابَ عليْهِمْ" يدلُّ على أنَّ التوبة فعل الله وقوله: "لِيتُوبُوا" يدلُّ على أنَّها فعل العبدِ؛ فهو نظير قوله: {أية : فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً}تفسير : [التوبة:82] مع قوله {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ}تفسير : [النجم:43] وقوله {أية : كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ}تفسير : [الأنفال:5] مع قوله {أية : إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [التوبة:40] وقوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ}تفسير : [يونس:22] مع قوله: {أية : قُلْ سِيرُواْ}تفسير : [الأنعام:11]. وثانياً: تاب عليهم في الماضي ليكون داعياً لهم إلى التوبة في المستقبل. وثالثها: أصلُ التوبة الرُّجوع أي: تاب عليهم؛ ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك. ورابعها: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} أي: ليداوموا على التوبةِ ولا يراجعوا ما يبطلها. وخامسها: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} لينتفعوا بالتوبة {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. واعلم أنَّ ذكر "الرَّحيم" عقب ذكر "التَّواب" يدلُّ على أنَّ قبول التوبةِ لمحض الرحمة والكرم، لا لأجل الوجوب، كما تقولُ المعتزلةُ، وذلك يقوي أنَّهُ لا يجبُ عقلاً على الله قبول قوله تعالى: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية. لمَّا قبل توبة هؤلاء الثلاثة، ذكر ما يكون كالزَّاجر عن فعل مثل ما مضى، وهو التخلف عن رسول الله في الجهاد، أي: اتَّقُوا الله في مخالفة أمر الرسُول {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} أي: مع النبي وأصحابه في الغزوات، ولا تتخلَّفُوا عنها، وتجلسوا مع المنافقين في البيوتِ. قال نافعٌ: "مَعَ ٱلصَّادِقِينَ" أي: مع محمد. وقال سعيدُ بن جبيرٍ: مع أبي بكر وعمر. وقال ابن جريج: مع المهاجرين، لقوله تعالى: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}تفسير : [الحشر:8] إلى قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ}تفسير : [الحشر:8]. وقال ابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم؛ فاستقامت قلوبهم وأعمالهم، وخرجُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاصٍ ونيّة. وقيل: من الذين صدقوا في الاعتراف بالذَّنب، ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة. فصل دلَّت الآية على فضيلة الصِّدق، وكمال درجته، قال ابن مسعودٍ: إنَّ الكذب لا يصلحُ في جدٍّ ولا هزلٍ، ولا أن يعد أحدُكم صبيَّهُ شيئاً ثم لا ينجزُ له، اقرءوا إن شئتم، وقرأ الآية. حديث : وروي أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنّي أريد أن أومن بك إلاَّ أنِّي أحبُّ الزِّنا، والخمر، والسرقة، والكذب، والناس يقولون: إنك تُحرم هذه الأشياء، ولا طاقة لي على تركها بأسرهَا، فإن قنعت منِّي بتركِ واحد منها آمنت بك، فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلام: "اتْرُكِ الكذبَ"؛ فقبل ذلك ثُمَّ أسلم، فلمَّا خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم عرضوا عليه الخمر، فقال: إن شربتُ الخمر فسألني رسُول الله صلى الله عليه وسلم عن شربها، وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقتُ أقام الحدَّ عليَّ، فتركها، ثمَّ عرضوا عليه الزِّنا؛ فجاء ذلك الخاطرُ، فتركه، وكذا في السرقة، فعاد إلى رسُول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما قلت، لمَّا منعتني من الكذب انسدت أبوابُ المعاصي عليَّ، وتاب عن الكُلِّتفسير : وقال ابنُ مسعود: "عَليْكُم بالصِّدقِ فإنَّه يقربُ إلى البرِّ، والبرُّ يقرب إلى الجنَّة، وإنَّ العبْدَ ليصدق؛ فيكتب عند الله صدِّيقاً، وإياكم والكذبَ، فإنَّ الكذب يقربُ إلى الفُجُورِ، والفُجُورِ يُقرِّبُ إلى النار، وإن الرَّجُلَ ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّاباً، ألا ترى أنه يقال: صَدَقْتَ، وبَرَرْتَ، وكذَبْتَ، وفَجَرْتَ". وقيل في قول إبليس: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [ص:82، 83] إن إبليس لو لمْ يذكر هذا الاستثناء لصار كاذباً في ادعاء إغواء الكلِّ، فكأنه استنكفَ عن الكذبِ؛ فذكر هذا الاستثناء، وإذا كان الكذبُ شيئاً يستنكفُ منه إبليس، فالمسلم أوْلَى أن يستنكفَ منه ومن فضائل الصِّدق أنَّ الإيمان منه لا من سائر الطَّاعات، ومن معايب الكذب أنَّ الكفر منه لا من سائر الذنوب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس. أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثنا من شأن ساعة العسرة. فقال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا إن رقابنا ستقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا. فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأهطلت، ثم سكبت فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {في ساعة العسرة} قال: غزوة تبوك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} قال: هم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قبل الشام في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كان يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها الماء ثم يمصها الآخر، فتاب الله عليهم فأقفلهم من غزوتهم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن محمد بن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب في قوله {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوماً عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من النفقة وعسرة من الظهر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن جابر في قوله {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} قال: عسرة الظهر، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك. أنه قرأ {من بعد ما زاغت قلوب طائفة منهم} .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} [الآية: 117]. قال بعضهم: توبة النبى هى مقدمة توبة الأمة، ليصح بالمقدمة التوابع من توبة التائبين. قال بعضهم: توبة الأنبياء لمشاهدة الحق فى وقت الإبلاغ، لا يغيبون عن الحضرة، بل لا يحضرون مواضع الغيبة، لأنهم فى عين الجمع أبدًا. قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ}. قال ابن عطاء: قطعهم بِميتةٍ عن أوصافهم. قال الواسطى رحمة الله عليه: التوبةُ المقبولةُ مقبولةٌ قبل الخطيئة وقبل قصد التوبة، قال الله {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ}. قال النصرآباذى: متى تاب عليهم حين لا متى قبل التوبة عنهم بإياه لإياه، حين لم يكن آدم، ولا كون أزال عنهم بذلك كل علةٍ أبدًا. شعر: شعر : إذا مرضتم أتيناكم نعودكـم وتذنبـون فنأتيكـم فنعتــذر تفسير : سُئل أبو حفص عن التوبة فقال: ليس للعبد من التوبة شىء، لأن التوبة إليه لا منه.
القشيري
تفسير : قَبِلَ توبتهم، وتاب على نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - في إذنه للمنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، وأَمَّا على المهاجرين والأنصار الذين قد خرجوا معه حين هَمُّوا بالانصراف لِمَا أَصَابهم من العُسْرة من الجوع والعطش والإعياء في غزوة تبوك، كما قال: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ}: وتوبته عليهم أنه تدارَكَ قلوبَهم حتى لم تزغ، وكذا سُنَّةَ الحقِّ - سبحانه - مع أوليائه إذا أشرفوا على العَطَبِ، وقاربوا من التّلفِ، واستمكن اليأسُ في قلوبهم من النصر، ووَطَّنوا أنفسهم على أنْ يذوقوا البأسَ - يُمْطِرُ عليهم سحائبَ الجود، فيعود عودُ الحياةِ بعد يَبْسِه طريَّاً، ويُرَدُّ وَرْدُ الأُنْس عقب ذبوله غضاً جَنِيَّاً، وتصير أحوالهم كما قال بعضهم: شعر : كُنَّا كَمَنْ أُلْبِسَ أكفانَه وقُرِّب النَّعْشُ من اللَّحد ِ فجال ماءُ الرُّوحِ في وَحْشَةٍ وردَّه الوصل إلى الورْدِ تبارك الله سبحانه ما (...) هو بالسرمد
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} التوبة توبتان توبة العبد وتوبة الله توبة العبد الرجوع من الزلات الى الطاعات وتوبة الله رجوعه الى الله بنعت الوصال وفتح باب المآب وكشف النقاب عن الاحتجاب وطلب العتاب شعر : اذا مرضتم اتيناكم نعودكم وتدينون فتايتكم فتعذر تفسير : انظر لطف الله بنبيه واصحابه كيف تاب لاجلهم مكان توبتهم رجع اليهم قبل رجوعهم اليه ليسهل عليهم طرق الرجوع اليه فرجعوه الى نبيه بكشف الفمشاهدة ورجوعه اليهم بكشف القربة فتوبة النبى عليه السلام من === عن المشاهدة باشتغاله باداء الرسالة وتوبة القوم من عيبتهم عن ملاحظة الحضرة فلماذا ذاقوا طعم الجنايات واحتجبوا عن المشاهدات ادركهم فيض الوصال وانكشف لهم انوار الجمال وهكذا سنة الله مع الانبياء فالاولياء اذا دانوا فى مقام الامتحان وبقوا فى الحجاب عن مشاهدة الرحمن يمطر عليهم وبل سحاب الكرم ويبلغ الابصار اسرارهم بنور شرق القدم فيونسهم بعد اياسهم ويوصلهم بعد قنوطهم قال تعالى وهو الذى ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وقال حتى اذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا وانشد فى معناه شعر : كنا لكن اليس اكفائه وقرب النعش من الملحد فحال ماء الروح فى جسمه فرده اصل الى المولد تبارك الله سبحانه ما كل هو بالسرمد تفسير : قال بعضهم توبة النبى صلى الله عليه وسلم هى مقدمة توبة الامة ليصح بالمقدمة التوابع من توبة التائبين وقال بعضهم توبة الانبياء لمشاهدة الخلق فى وقت الابلاغ اذ الانبياء لا يغيبون عن الحضرة بل لا يحضرون فى مواضع الغيبة لانهم فى عين الجمع ابدا ثم خص الثلاثة الذين غرقوا فى بحار الامتحان برجوعه عليهم بقبول توبتهم بقوله {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} انبسطت عرصات قلوبهم لتراكم غيوم القبض وتتابع على اسرارهم انوار العظمة فابرزت الارض من عظائم برحاء مواجيدهم وتراكم حقائق همومهم فلا يبقى ذرة من الارض الا واستغرقت فى بحار انفاسهم الملكوتية واحترقت بنيران افئدتهم الجبروتية وما راوا على وجه الارض ما يستانسون به غير الله ثم وصف نفوسهم بفناءها فى اثار قلوبهم بقوله {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} ضاقت نفوسهم من حمل وارد الغيب عليهم وعن اثقال ارواحهم التى هى مطايا اسرار الالوهية ولطائف كنوز الربوبية وفنوا تحت سلطان كبريائه ودخلوا تحت اكناف لطفه من عزائم قهره بقوله {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} عرفوا موضع الفرار منه اليه فقطعوا لاوسائط وخاضوا فى بحار القهر بسفن اللطف فلما رآهم منفردين من دونه اقبل اليهم بنوادر لطفه ليقبلهم من الكون الى وجهه بقوله {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} رفع حجاب الحشمة من البين ليدخلوا الحضرة بوصف الانس اشتاب اليهم فشوقهم اليه ثم وصف نفسه بانه قابل التوبة فى الازل رحيم عن من رجع اليه بان أمنه بعد خونه وقربه بعد بعده قال ابو عثمان من رجع الى الله والى سبيله فليكن صفته هذه الاية تضيق عليه الارض حتى لا يجد فيها لقدمه موضع قرار الا وهو خائف ان الله ينتقم منه فيها ويضيق عليه احوال نفسه فينتظر الهلاك مع كل نفس هذه اوايل دلايل التوبة النصوح ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع الا الى الله بانقطاع قلبه عن كل سبب قال الله وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الارض وقيل فى قوله وظنوا ان لا ملجأ من الله الا اليه لن يعتمدوا حبيبا ولا خليلا ولا كليماً بل قلوبهم منقطعة عن الخلق اجمع وعلى الاكوان كلها لذلك قيل المعارف ان تلاحظ حبيا ولا خليلا ولا كليماً بل قلوبهم منقطعة عن الخلق اجمع وعلى الاكوان كلها لذلك قيل المعارف ان تلاحظ حبيباً ولا خليلا ولا كليما وانت تجد الى ملاحظة الحق سبيلا وقال احمد بن خضرويه لابى يزيد بماذا اصل الى التوبة النصوح قال بالله وبتوفيقه ثم تاب عليهم ليتوبوا قال بعضهم عطف عليهم بتوارى عطفه ونعمه وفضله فالفوا احسانه ورجعوا اليه فكان هو الذى اخذهم الى نفسه لا هم بانفسهم رجعوا اليه قال الاستاد اذا اشرفوا على العطب وقاربوا من التلف واستمكن الباس من قلوبهم من النصر وظنوا نفوسهم على ان يذوقوا اليهم الباس مطر عليهم سحاب الجود بالاجابة فيعود عود الحيوة بعد يبسه طريا ويرد ورد الانس عقب ذبوله عضا جنيا وقال فى وصف الثلثة لما صدق منهم === سبق اليهم الشفاء وسقط عنهم البلاء وكذلك الحق يكون نهار اليسر على ليالى العسر ويطلع شموس المنة على نحوس الفتنة ويدير فلك السعادة فيحق تاثير طوارق النكادة سنة منه سبحانه لا يبدلها غادة فى الكرم يجريها ولا يحولها ثم حث هؤلاء المخاطبين بالتوبة والمغفرة ونظر انهم من المؤمنين بطلب زيادة المقامات والدرجات وحذرهم عن نفسه وطالبهم بالصدق فى وقاء المعرفة بقوله {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} جعل الطريق على ثلثة اقسام الايمان والتقوى والصدق بدرك بالايمان مشاهدة انوار حقائق الايات ويدرك بالتقوى مشاهدة انوار الصفات ويدرك بنور الصدق مشاهدة انوار الذات سماهم مؤمنين ودعاهم من مقام الايمان الى مقام التقوى وهو رؤية احلاله والتبرى من غيره ودماهم من التقوى الى مقام الصدق وهو مقام الاستقامة مع الله حيث لا يفر الصادق منه ببلائه وبين ان المؤمن مستعد لادراك نور التقوى وادراك نور الصدق ولولا ذلك ما حثهم على طلبها وخون المؤمنين عن مخالفة الصادقين اى اقبلوا يا اهل الايمان ما يصدر من الصادقين من احكام علوم المجهول الغريبة والبراهين العجيبة حتى يكونا بالايمان بهم معهم فى مقام المشاهدة لذلك قال عليه السلام من احب قوماً فهو معهم وقال بعضهم مع الصادقين مع المقيمين على منهاج الحق قال بعضهم الصادقين الذين لم تخلفوا الميثاق الاول فانها الصدق كلمة قال ابو بكر بن طاهر مع من ضاقت نيتهم عن طاعته وخلصت سرائرهم لمودة ما يرد عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد تاب الله على النبى} قال ابن عباس رضى الله عنهما هو العفو عن اذنه للمنافقين فى التخلف عنه وهذا الاذن وان صدر عنه عليه السلام وحده الا انه اسند الى الكل لان فعل البعض يسند الى الكل لوقوعه فيما بينهم كما يقال بنوا قتلوا زيدا وهذا الذنب من قبيل الزلة لان الانبياء معصومون من الكبائر والصغائر عندنا لان ركوب الذنوب مما يسقط حشمة من يرتكبها وتعظيمه من قلوب المؤمنين والانبياء يجب ان يكونوا مهابين موقرين ولذا عصموا من الامراض المنفرة كالجذام وغيره فليس معنى الزلة انهم زلوا عن الحق الى الباطل ولكن معناها انهم زلوا عن الافضل الى الفاضل وانهم يعاتبون به لجلال قدرهم ومكانتهم من الله تعالى كما قال ابو سعيد الخراز قدس سره حسنات الابرار سيآت المقربين. وقال السلمى ذكر توبة النبى عليه السلام لتكون مقدمة لتوبة الامة وتوبة التابع انما تقبل التصحيح بالمقدمة. وقال فى التأويلات النجمية التوبة فضل من اله ورحمة مخصوصة به لينعم بذلك على عباده فكل نعمة وفضل يوصله الله الى عبداه يكون عبوره على ولاية النبوة فمنها يفيض على المهاجرين والانصار وجميع الامة فلهذا قال {لقد تاب الله على النبى} {والمهاجرين والانصار} يدل عليه قوله عليه السلام "حديث : ما صب الله فى صدرى شيئاً الا وصببته فى صدر ابى بكر رضى الله عنه " .تفسير : والانصار جمع نصير كشريف واشراف او جمع ناصر كصاحب واصحاب وهم عبارة عن الصحابة الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم من اهل المدينة وهو اسم اسلامى سمى الله تعالى به الاوس والخزرج ولم يكونوا يدعون بالانصار قبل نصرهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قبل نزول القرآن بذلك وحبهم واجب وهو علامة الايمان وفى الحديث "حديث : آية المؤمن حب الانصار. وحب الانصار آية الايمان. وآية النفاق بغض الانصار " .تفسير : كذا فى فتح القريب والمهاجرون افضل من الانصار كما يدل عليه قوله عليه السلام "حديث : لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار " .تفسير : قال ابن الملك المراد منه اكرام الانصار فانه لا رتبة بعد الهجرة اعلى من نصرة الدين انتهى وباقى الكلام سبق عند قوله تعالى {أية : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار} تفسير : [التوبة: 100]. الآية فارجع الى تفسيرها {الذين اتبعوه} اى النبى صلى الله عليه وسلم ولم يتخلفوا عنه ولم يخلوا بأمر من اوامره {فى ساعة العسرة} اى وهو الزمان الذى وقع فيه غزوة تبوك فانه قد اصابتهم فيها مشقة عظيمة من شده الحر وقلة المركب حتى كانت العشرة تعتقب على بعير واحد ومن قلة الزاد حتى قيل ان الرجلين كانا يقتسمان تمرة وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء المتغير ومن قلة الماء حتى شربوا الفظ وهو ماء الكرش من عمر رضى الله عنه خرجنا فى قيظ شديد واصابنا فيه عطش شديد ان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه. فال الكاشفى [وبرطوبات اجواف وامعاى آن دهن خويش راتر ميسا ختند] وذلك سميت غزوة العسرة وسمى من جاهد فيها بجيش العسرة وهذه صفة مدح لاصحاب النبى عليه السلام باتباعهم اياه فى وقت الشدة ومع لك فقد كانوا محتاجين الى التوبة فما ظنك بغيرهم ممن لم يقاس ما قاسوه من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} اى يميل قلوب طائفة منهم عن الثبات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بان هموا ان ينصرفوا فى غير وقت الانصراف من غير ان يؤذن لهم فى ذلك لشدائد اصابتهم فى تلك الغزوة لكنهم صبروا واحتسبوا وندموا على ما ظهر على قلوبهم فتاب الله عليهم وفى كاد ضمير الشأن وجملة يزيغ فى محل النصب على انها خبر كاد وخبر كاد اذا كان جملة لا بد ان يكون فيه ضمير يعود على اسمها الا اذا كان اسمها ضمير الشان فحينئذ لا يجب ان يكون فيه ضمير يعود الى اسمها {ثم تاب عليهم} اى تجاوز عن ذنبهم الذى فرط منهم وهو تكرير للتاكيد وتنبيه على انه يتاب عليهم من اجل ما كابدوا من العسرة: قال الحافظ شعر : مكن زغصه شكايت كه در طريق طلب براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد تفسير : {إنه} اى الله تعالى {بهم رؤوف رحيم} استئناف تعليل فان صفة الرأفة والرحمة من دواعى التوبة والعفو ويجوز كون الاول عبارة عن ازالة الضرر والثانى عن ايصال المنفعة وان يكون احدهما للسوابق والآخر للواحق ومن كمال رحمته ارسال حبيبه واظهار معجزاته -روى- انهم شكوا للنبى عليه السلام عسرة الماء فى غزوة تبوك فقال ابو بكر رضى الله عنه يا رسول الله ان الله تعالى عودك فى الدعاء خيرا فادع الله لنا قال "حديث : أتحب ذلك" تفسير : قال نعم فرفع عليه السلام يديه فلم يرجعهما حتى ارسل الله سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون اليه وتلك السحابة لم تتجاوز العسكر حديث : -وروى- انهم نزلوا يوما فى غزوة تبوك على عين ماء بفلاة من الارض وقد كادت عتاق الخيل والركاب تقع عطشا فدعا عليه السلام وقال "اين صاحب الميضاة" قيل هو ذا يا رسول الله قال "جئنى بميضاتك" فجاء بها وفيها شيء من ماء فوضع اصابعه الشريفة عليها فنبع الماء بين اصابعه العشر وأقبل الناس واستقوا وفاض الماء حتى رووا ورووا خيلهم وركابهم وكان فى العسكر من الخيل اثنا عشر الف فرس ومن الابل خمسة عشر الف بعير والناس ثلاثون الفا تفسير : وفى رواية سبعون: قال السلطان سليم الاول من الخواقين العثمانية شعر : كوثر نمى زجشمه إحسان رحمتش آب حيات قطره ازجام مصطفاست حديث : -روى- انهم لما اصابهم فى غزوة تبوك مجاعة قالوا يا رسول الله لو اذنت لنا نحرنا نواضحنا وادّ هنا فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله ان فعلت فنى الظهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله ان يجعلها فى ذلك فقال عليه السلام "نعم" فدعا بنطع فبسطه ثم دعاهم بفضل ازوادهم فجعل الرجل يأتى بكف من درة ويجيء الآخر بكف من تمر ويجيء الآخر بميرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعا عليه السلام بالبركة ثم قال "خذوا فى اوعيتكم" فاخذوا حتى ما تركوا فى العسكر وعاء الا ملأوه واكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال صلى الله عليه وسلم" اشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله لا يلقى الله بها عبدا غير شاك الا وقاه الله النار تفسير : قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : كل توحيد نرويد ززمينى كه درو خار شرك وحسد وكبرورياوكين است تفسير : .والاشارة فى الآية {لقد تاب الله على النبى} اى نبى الروح بمنزلة النبى يأخذ بالهام الحق حقائق الدين ويبلغها الى امته من القلب والنفس والجوارح والاعضاء. فالمعنى افاض الله على نبى الروح ومهاجرى صفاته الذين هاجروا معه من مكة الروحانية الى المدينة الجسدانية والانصار من القلب والنفس وصفاتها وهم ساكنوا مدينة الجسد فيوضات الرحمة {الذين اتبعوا} الروح ساعة رجوعه الى عالم العلو بالعسرة اذ هم نشأوا فى عالم السفل يعسر عليهم السير الى عالم العلو من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق من النفس وصفاتها وهواها فان ميلها طبعا الى عالم السفل ثم تاب عليهم بافاضة الفيض الربانى لتعليهم عن طبعهم انه بهم رؤف رحيم ليجعلهم باكسير الشريعة قابلين للرجوع الى عالم الحقيقة كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: في "كاد" ضمير الشأن، ويرتفع بها قلوبُ. يقول الحق جل جلاله: {لقد تابَ الله على النبي} أي: برأه وطهره من الذنوب، كقوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2]، {و} تاب على {المهاجرين والأنصار} مما عسى أن يكون ارتكبوه؛ إذ لا يخلو العبد من ذنب أو عيب. وقيل: هو حض على التوبة، وإظهار لفضلها، بأنها مقام الأنبياء والصالحين، وقيل: تاب عليهم من نقص المقامات التي ترقوا عنها، إلى ما هو أكمل منها، فما من أحد إلا وله مقام يستنقص بالنسبة إلى ما فوقه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: ذكر توبة من لم يذنب؛ لئلا يستوحش من أذنب، لأنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصار، ولم يذنبوا، ثم قال: {وعلى الثلاثة الذين خُلفوا}، فذكر من لم يذنب ليؤنس من قد أذنب، فلو قال أولاً: لقد تاب على الثلاثة لتفطرت أكبادهم. هـ. ثم وصفهم بقوله: {الذين اتبعوه في ساعة العُسرةِ}، يعني: حين محاولة غزوة تبوك. والساعة هنا بمعنى الحين والوقت. والعسرة: الشدة والضيق، أي: الذين خرجوا معه وقت العسرة والضيق، فقد كانوا في عسرة الظهر، يعتقب العشرة على بعير واحد، وفي عسرة الزاد؛ حتى قيل: إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة واحدة. {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} عن الثبات على الإيمان، أو عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، لما رأوا من الشدة والضيق وشدة الحر، {ثم تاب عليهم}؛ كرره للتأكيد، وللتنبيه على أنه تاب عليهم لأجل ما كابدوا من العسر، {إنه بهم رؤوف رحيم}؛ حيث قَبَلهم، وتاب عليهم، وتاب على الثلاثة: وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن الربيع، تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ولا نفاق، ولا قصد للمخالفة، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عتب عليهم، وأمر الناس ألا يكلمهم، وأن يعتزلوا نساءهم، فقبلوا على ذلك خمسين ليلة، ثم أنزل الله توبتهم. وقد وقع حديثهم في البخاري ومسلم وكتب السير. ومعنى قوله: {الذين خلفوا} أي: تخلفوا عن الغزو. وقال كعب بن مالك: خلفوا عن قبول العذر، وليس بالتخلف عن الغزو، ويقوي ذلك كونه جعل: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض} غاية للتخلف، أي: خلفوا عن قبول العذر، وأخروا {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} أي: برحبها وسعتها، وذلك لإعراض الناس عنهم بالكلية، وهو مثل لشدة الحيرة. {وضاقت عليهم أنفسهم}؛ من فرط الوحشة والغم، {وظنوا} أي: علموا {أن لا ملجأ من الله} أي: من سخطه {إلا إليه} أي: إلا إلى استغفاره والرجوع إليه، {ثم تاب عليهم}؛ بالتوفيق بالتوبة، {ليتوبوا} يإظهارها والدوام عليها، وليعدوا من التوابين، {إن الله هو التواب} لمن تاب، ولو عادوا في اليوم سبعين مرة، {الرحيم}؛ متفضل عليهم بالنعم التي لا تحصى. قال الورتجبي: التوبة توبتان: توبة العبد، وتوبة الله، توبة العبد: الرجوع من الزلات إلى الطاعات، وتوبة الله: رجوعه إلى العبد بنعت الوصال، وفتح باب المآب، وكشف النقاب عن الاحتجاب، وطلب العتاب. شعر : إذا مَرِضنا أَتَينَاكُم نَعُودكُمُ وتذنبون فنأتيكم ونعتذُر تفسير : انظر لطف الله بنبيه وأصحابه، كيف تاب لأجلهم مكان توبتهم، رجع إليهم قبل رجوعهم إليه، ليسهل عليهم طريق الرجوع إليه، فرجوعه إلى نبيه بكشف المشاهدة، ورجوعه إليهم بكشف القربة، فتوبته للنبي صلى الله عليه وسلم من غيبته عن المشاهدة؛ باشتغاله بأداء الرسالة، وتوبة القوم من غيبتهم عن ملاحظة الحضرة، فلما ذاقوا الجنايات، واحتجبوا عن المشاهدات؛ أدركهم فيض الوصال، وانكشف لهم أنوار الجمال، وهكذا سنة الله في الأنبياء والأولياء، إذا ذابوا في مقام الامتحان، وبقوا في الحجاب عن مشاهدة الرحمن، تمطر عليهم وبل سحاب الكرم، ويلمع لأبصار أسرارهم نور شرف القدم، فيؤنسهم بعد إياسهم، ويواصلهم بعد قنوطهم. قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ٱ}تفسير : [الشورى:28]، وقال تعالى:{أية : حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ...}تفسير : [يوسف: 110] الآية. ثم قال عن بعضهم: توبة الأنبياء في مشاهدة الخلق في وقت الإبلاغ؛ إذ الأنبياء لا يغيبون عن الحضرة، بل لا يحضرون في مواضع الغيبة؛ لأنهم في عين الجمع أبداً. هـ. قال المحشي: وحاصلة: توبة الله المذكورة وَهبيةٌ، وهي في كل أحد على حسب ما يليق بمقامه، وإنما يليق بمقام الرسل ترقيته عن مقام إلى أعلى، أو من شعور بخلق؛ لأجل الإبلاغ، إلى الغيبة عن ذلك، وكذلك أبداً كأهل الجنة. هـ. ثم حضَّ على الصدق، فقال: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة وحفص {يزيغ} بالياء. الباقون بالتاء. قال أبو علي النحوي: يجوز أن يكون فاعل (كاد) احد ثلاثة اشياء: احدها - ان يضمر فيه القصة أو الحديث ويكون (تزيغ) الخبر وجاز ذلك للزوم الخبر لها، فأشبه العوامل الداخلة على الابتداء للزوم الخبر لها، ولا يجوز ذلك في (عسى) لان (عسى) يكون فاعله المفرد في الاكثر ولا يلزمه الخبر، نحو قوله {أية : وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم} تفسير : فاذا كان فاعله المفرد في كثير من الأمر لم يحتمل الضمير الذي احتمله (كاد) كما لم تحتمله سائر الأفعال التي تسند إلى فاعلها مما لا يدخل على المبتدأ. وما يجيء في الشعر من كاد أن يفعل، وعسى يفعل، فلا يعتد به، لأنه من ضرورة الشعر. الثاني - من فاعل (كاد) أن يضمنه ذكراً مما تقدم، ولما كان النبي صلى الله عليه وآله والمهاجرون والأنصار قبيلا واحداً وفريقاً جاز أن يضمر في (كاد) ما يدل عليه ما تقدم ذكره من القبيل والحزب والفريق. وقال: منهم من حمله على المعنى كما قال {من آمن بالله واليوم الآخر} ثم قال {أية : فلا خوف عليهم}تفسير : فكذلك فاعل (كاد). والثالث - من فاعل (كاد) أن يكون فاعلها (القلوب) كأنه بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ وإنما قدم (تزيغ) كما قدم خبر كان في قوله {وكان حقاً علينا نصر المؤمنين} وجاز تقديمه وإن كان فيه ضمير من القلوب ولم يكن ذلك من الاضمار قبل الذكر، لأن النية به التأخير. ومن قرأ بالياء يجوز ان يكون جعل في (كاد) ضمير الحديث فاذا اشتغل (كاد) بهذا الضمير ارتفع القلوب بـ (تزيغ) فذكر وان كان فاعله مؤنثاً لتقدم الفعل. ومن قرأ بالتاء جاز أن يكون ذهب إلى أن القلوب مرتفعة بـ (كاد) فلا يكون يرفع فعلا مقدماً فاذا لم يكن مقدماً قبح التذكير لتقدم ذكر الفاعل كما قبح في قول الشاعر: شعر : ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : ولم يصح أبقل أرض. ويجوز أن يكون الفعل المسند على القصة والحديث يؤنث اذا كان في الجملة التي تفسيرها مؤنث كقوله {أية : فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا}تفسير : ويجوز إلحاق التاء في {كاد} من وجه آخر، وهو أن يرفع "تزيغ قلوب" بـ "كاد" فتلحقه علامة التأنيث من حيث كان مسنداً إلى مؤنث كقوله {أية : قالت الأعراب} تفسير : فعلى هذا يكون في "تزيغ" ضمير القلوب. لأن النية في "تزيغ" التأخير. اقسم الله تعالى في هذه الاية - لأن لام "لقد" لام القسم - بأنه تعالى تاب على النبي والمهاجرين والأنصار بمعنى أنه بمعنى أنه رجع اليهم، وقبل توبتهم {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} يعني في الخروج مع إلى تبوك. و "العسرة" صعوبة الأمر وكان ذلك في غزوة تبوك لأنه لحقهم فيها مشقة شديدة من قلة الماء حتى نحروا الابل وعصروا كروشها ومصوا النوى. وقل زادهم وظهرهم - في قول مجاهد وجابر وقتادة - وروي عن عمر أنه قال: أصابنا عطش شديد فأمطر الله السماء بدعاء النبي صلى الله عليه وآله فعشنا بذلك {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} والزيغ ميل القلب عن الحق، ومنه قوله {أية : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}تفسير : ومنه قوله {أية : لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} تفسير : وكان أبوخيثمة عبد الله بن خيثمة تخلف إلى أن مضى من مسير رسول الله عشرة أيام ثم دخل يوماً على امرأتين له - في يوم حار - عريشين لهما قد رشتاهما وبردتا الماء وهيأتا له الطعام، فقام على العريشين فقال: سبحان الله رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضح والريح والحر والقر يحمل سلاحه على عاتقه وأبو خيثمة في ظلال باردة وطعام مهيأ وأمرأتين حسناوين ما هذا بالنصف، ثم قال. والله لا أكلم واحدة منكما كلمة ولا ادخل عريشاً حتى الحق بالنبي صلى الله عليه وآله فأناخ ناضحه واشتد عليه وتزود وارتحل وامرأتاه تكلمانه ولا يكلمهما ثم سار حتى اذا دنا من تبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق فقال النبي صلى الله عليه وآله كن ابا خيثمة، فلما دنا قال الناس: هذا أبو خيثمة يا رسول الله فأناخ راحلته وسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له النبي صلى الله عليه وآله أولى لك. فحدثه الحديث، فقال له خيراً، ودعا له، فهو الذي زاغ قلبه للمقام. ثم ثبته الله. وقيل: إن من شدة ما لحقهم هم كثير منهم بالرجوع فتاب الله عليهم، وقيل من بعد ما كان شك جماعة منهم في دينه ثم تابوا فتاب الله عليهم، وقوله {ثم تاب عليهم} أي رجع عليهم بقبول توبتهم {إنه بهم رؤف رحيم} إخبار منه تعالى أنه بهم رؤف، فالرأفة أعظم الرحمة، قال كعب بن مالك الانصاري: شعر : نطيع نبينا ونطيع رباً هو الرحمن كان بنا رؤوفا تفسير : وقال آخر: شعر : ترى للمسلمين عليك حقاً كمثل الوالد الرؤف الرحيم
الجنابذي
تفسير : {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} وقرئ بالنّبى وعلى قراءة على النّبىّ فتوبته تعالى عليه باعتبار توبته على امّته اعطاءً لحكم الجزء للكلّ، او لحكم التّابع للمتبوع، او التّوبة بمعنى مطلق الرّجوع لانّهم وقعوا فى غزوة تبوك فى الشّدّة والقحط وشدّة الحرّ وقلّة الماء فرجع بالرّخاء والرّاحة وعدم الحاجة الى القتال والصّلح على الخراج بدون زحمة القتال {وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} حيث تخلّف بعضهم وكره بعض آخر الخروج الى تلك الغزوة فلحق المتخلّفون ورغب الكارهون {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} حين خروجه على كراهة او بعد خروجه بلحوقهم له {فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} فى زمان العسرة فانّ غزوة تبوك اتّفقت فى شدّة الحرّ وزمان القحط مع بعد السّفر {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} عن اتّباعه واعتقاد رسالته وقيل: همّ قوم منهم ان ينصرفوا بعد الخروج بدون اذنه فعصمهم الله، وروى انّ عدد العسكر فى تلك الغزوة بلغ خمسة وعشرين الفاً سوى العبيد والاتباع، وقيل: بلغ عدد جميعهم اربعين الفاً {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} بعصمتهم عن الزّيغ {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} الفرق بين الرّأفة والرّحمة كالفرق بين الاحوال والسّجايا فانّ الرّأفة عبارة عمّا يظهر من آثار الرّحمة من النّصح والحمل على الخير.
اطفيش
تفسير : {لَقَد تابَ اللهُ عَلى النَّبىِّ والمهاجِرينَ والأنصارِ} أى أدام التوبة عليهم، أو نجاهم من مواقعة الذنوب، أو ذلك تحريض لسائر الناس والمؤمنين على التوبة، بذكر توبة من لم يذنب ليؤنس من أذنب، قال الشاذلى: أو تاب على هؤلاء فى اقتصارهم عن حال هى أفضل من حالهم إذ لا أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه، والترقى إليه توبة من تلك النقيصة، ففى ذلك بعث إلى التوبة، وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين، ولعظمة حق الله. أو تاب على النبى فى إذنه للمنافقين بالتخلف، وعلى المهاجرين والأنصار فى ما قد يصدر عنهم من خلاف الأولى، ومن معصية، إذ هم غير معصومين لكن يتوبون رضى الله عنهم، أو فيما وقع فى قلوب بعضهم من الميل إلى القعود عن تبوك، لأنها فى وقت الشدة، وفى قدوم بعضهم من أنه لا نقدر على قتال الروم فى هذه الشدة وفى بلادهم، أو ذلك افتتاح كلام بلين وبركة، أو تاب على المهاجرين والأنصار فيما صدر منهم، وذكر النبى تشريفا لهم، كما يذكر اسم الله تشريفا لرسوله كقوله: {أية : فأن لله خمسه} تفسير : على ما مر، بل فى ذكر النبى صلى الله عليه وسلم على كل وجه من تلك الأوجه تنبيه على عظم مراتبهم فى الدين. {الَّذينَ} نعت المهاجرين والأنصار {اتَّبعُوه فى ساعَةِ العُسْرة} هى وقت غزوة تبوك، كانوا فى عُسرة الظهر يتعاقب العشرة على بعير، وفى عُسرة الطعام، وإنما كان طعامهم التمر المدوِّد، والشعير المسوِّس، والشاء العجاف، يقتسم الاثنان التمرة وربما مص الجماعة تمرة يلوكها واحد حتى تخرج الطعم، ويتداولونها كذلك حتى لا يبقى إلا نواتها، ويشربون الماء على ذلك، ويعطشون حتى إن الرجل يوما لينحر بعيره فيمص فرثه، وتجعل ما بقى على كبده، وحتى ظنوا أن رقابهم ستقطع بالعطش، ويذهب الرجل يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تقطع. ذكر ابن عباس، عن عمران"حديث : أن أبا بكر قال: يا رسول الله قد عوَّدك فى الدعاء خيرا فادعو الله، فقال: "أتحب ذلك؟" قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلمت السماء ثم سكبت وملئوا أوعيتهم، وذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر"تفسير : ، وكانوا فى شدة الحر والجدب، ومضوا رضى الله عنهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك لصدقهم ويقينهم، تخرج الجماعة وما معهم إلا التمرات وجملة العسكر سبعون ألفا بين راكب وماش، ومهاجر وانصارى وغيرهما، وسموا جيش العُسرة، وسميت الغزوة غزوة العُسرة، كما سمى الله سبحانه وتعالى وقتها ساعة العسرة، والساعة كثيرا ما تستعمل فى مطلق الزمان ولو طويلا، جهز فيها عثمان بن عفان بألف جمل، وألف دينار، وقيل: على ألف إلا خمسين، وأكملها خيلا، وجهز رجل من الأنصار سبعمائة وسق. {مِنْ بَعْد ما} مصدرية {كَادَ} فيه ضمير الشأن، وقلوب فاعل تزيغ، والجملة خبر كاد، وفيه ضمير المهاجرين والأنصار، وأفرد لتأويلهم بالقوم، والجملة بعده خبر، والرابط هاء منهم، أو قلوب اسم كاد، وفى تزيغ ضمير القلوب، لأن الخبر الفعلى، ولو امتنع تقديمه، لكن محل الامتناع ما إذا لبس تقديمه بالفعل والفاعل، مثل أن تقول فى زيد قام: قام زيد، ولا ليس هنا، لأنه لا بد لكاد من اسم لا كما قيل: إنه يمتنع تقديم الخبر الفعلى مطلقا، ولا ما قيل: إن خبر كان لا يتقدم على اسمها ولا مفردا. ولا يجوز أن يتنازع كاد وتزيغ فى قلوب على إعمال الأول، لأنه لو كان ذلك لأضمير فى كاد فيقال: كادت بحرف التأنيث، لأن فيه حينئذ ضمير القلوب، إلا إن قيل فيه ضمير القلوب، وذكر لإضافته لمذكر لو استغنى به لصح، وهو الفريق، والفريق يجوز إفراده وتذكيره، أو قيل: مذهب الكسائى، وهشام، والسهيلى بوجوب حذف الضمير من الأول، إذا أهمل، لكنه ضعيف، ورد كلام العرب بخلافه قال الشاعر: شعر : * جفونى ولم أجْفُ الأخلاء * تفسير : {يزيغُ} تميل، وقرأ حمزة وحفص بالتحتية لظهور الفاعل مع مجازية تأنيثه، وقرأ ابن مسعود من بعد ما زاغت {قُلوبُ فَريقٍ منْهُم} عن الثبات على الإيمان، واتباع الرسول من أول الأمر، أو بعد الخروج، ووقوع الشدة، لكن تداركهم الله برحمته فصبروا واحتسبوا كما قال: {ثمَّ تابَ عَليْهم} فلا تكرار، ولكن التوبة الأولى على غير هذا الزيغ، وهذه عليه، أو كلتاهما عليه، وكررت للتأكيد ذكرت قبل ذكر الذنب تفضلا وتطييبا للقلوب، ثم بعد ذكره تعظيما لهم، وإعلاما بعفوه عنهم فيه، وللتنبيه على أنه يتاب عليهم لأجل مكابدتهم العُسرة. {إنهُ بِهِم رءوفٌ} رفيق لم يحملهم ما لا يطيقونه {رَحيمٌ} منعم، قيل: الرأفة لا تكون فى الكراهة، والرحمة قد تكون فيها للمصلحة.
الالوسي
تفسير : {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} قال أصحاب المعاني المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار إلا أنه جيء في ذلك بالنبـي صلى الله عليه وسلم تشريفاً لهم وتعظيماً لقدرهم، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ }تفسير : [الأنفال: 41] الخ أي عفا سبحانه عن زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين، وقيل: المراد ذكر التوبة عليه عليه الصلاة والسلام وعليهم، والذنب بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم من باب خلاف الأولى نظراً إلى مقامه الجليل، وفسر هنا على ما روي عن ابن عباس بالإذن للمنافقين في التخلف، وبالنسبة إليهم رضي الله تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقياً إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويفسر بما فسر أولا. وجوز أيضاً أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل: إن ذنبهم كان الميل إلى القعود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقت شديد، وقد تفسر التوبة بالبراءة عن الذنب والصون عنه مجازاً حيث أنه لا مؤاخذة / في كل، وظاهر الإطلاق الحقيقة، وفي الآية ما لا يخفى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلهم. {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ} ولم يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم {فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي في وقت الشدة والضيق، والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وكانت تلك الشدة حالهم في غزوة تبوك فإنهم كانوا في شدة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد وفي شدة من الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة أن قسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء كما روي عن قتادة، وفي شدة من الماء حتى تحروا الإبل واعتصروا فروثها كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط، ومن هنا قيل لتلك الغزوة غزوة العسرة ولجيشها جيش العسرة. ووصف المهاجرين والأنصار بالاتباع في هذه الساعة للإشارة إلى أنهم حريون بأن يتوب الله عليهم لذلك وفيه أيضاً تأكيد لأمر التحريض السابق. {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ} بيان لتناهي الشدة وبلوغها الغاية القصوى وهو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا إلى التخلف عن النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا عن الثبات على الإيمان وحمل ذلك على مجرد الهم والوسوسة، وقيل: كان ميلاً من ضعفائهم وحديثي عهدهم بالإسلام. وفي {كَادَ} ضمير الشأن و {قُلُوبٍ} فاعل {يَزِيغُ} والجملة في موضع الخبر لكاد ولا تحتاج إلى رابط لكونها خبراً عن ضمير الشأن وهو المنقول عن سيبويه وإضمار الشأن على ما نقل عن الرضي ليس بمشهور في أفعال المقاربة إلا في كاد وفي الناقصة إلا في كان وليس، وجوز أن يكون اسم {كَادَ} ضمير القوم والجملة في موضع الخبر أيضاً والرابط عليه الضمير في {مِنْهُمْ} وهذا على قراءة {يزيغ} بالياء التحتانية وهي قراءة حمزة وحفص والأعمش وأما على قراءة {تزيغ} بالتاء الفوقانية وهي قراءة الباقين فيحتمل أن يكون {قُلُوبٍ} اسم {كَادَ} و {تزيغ} خبرها وفيه ضمير يعود على اسمها ولا يصح هذا على القراءة الأولى لتذكير ضمير {يَزِيغُ}، وتأنيث ما يعود إليه وقد ذكر هذا الوجه منتخب الدين الهمداني وأبو طالب المكي وغيرهما. وتعقبه في «الكشف» بأن في جعل القلوب اسم {كَادَ} خلاف وضعه من جوب تقديم اسمه على خبره كما ذكره الشيخ ابن الحاجب في «شرح المفصل» وفي البحر أن تقديم خبر {كَادَ} على اسمها مبني على جواز تركيب كان يقوم زيد وفيه خلاف والأصح المنع. وأجاب بعض فضلاء الروم بأن أبا علي جوز ذلك وكفى به حجة، وبأن عليه كلام ابن مالك في «التسهيل» وكذا كلام شراحه ومنهم أبو حيان وجرى عليه في «ارتشافه» أيضاً، ولا يعبأ بمخالفته في «البحر» إذ مبنى ذلك القياس على باب كان وهو لا يصادم النص عن أبـي علي، على أن في كون أبـي حيان من أهل القياس منعاً ظاهراً فالحق الجواز، ويحتمل أن يكون اسم {كَادَ} ضميراً يعود على جمع المهاجرين والأنصار أي من بعد ما كاد الجمع، وقدر ابن عطية مرجع الضمير القوم أي من بعد ما كاد القوم. وضعف بأنه اضمر في {كَادَ} ضمير لا يعود إلا على متوهم، وبأن خبرها يكون قد رفع سببياً وقد قالوا: إنه لا يرفع إلا ضميراً عائداً على اسمها وكذا خبر سائر أخواتها ما عدا عسى في رأي، ولا يخفى ورود هذا أيضاً على توجيهي القراءة الأولى لكن الأمر على التوجيه الأول سهل. وجوز الرضي تخريج الآية على التنازع وهو ظاهر على القراءة الثانية ويتعين حينئذ أعمال الأول إذ لو أعمل الثاني لوجب أن يقال في الأول (كادت) كما قرأ به أبيُّ رضي الله تعالى عنه. / ولا يجوز كاد إلا عند الكسائي فإنه يحذف الفاعل، وكأن الرضي لم يبال بما لزم على هذا التخريج من تقديم خبر {كَادَ} على اسمه لما عرفت من أنه ليس بمحذور على ما هو الحق. وذهب أبو حيان إلى ((أن {كَادَ} زائدة ومعناها مراد ككان ولا عمل لها في اسم ولا خبر ليخلص من القيل والقال، ويؤيده قراءة ابن مسعود {من بعد ما زاغت} بإسقاط كاد، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في نحو{أية : لَمْ يَكَدْ}تفسير : [النور: 40] مع أنها عاملة معمولة فهذا أولى)). وقرأ الأعمش {تزيغ} بضم التاء، وجعلوا الضمير على قراءة ابن مسعود للمتخلفين سواء كانوا من المنافقين أم لا كأبـي لبابة. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تكرير للتأكيد بناء على أن الضمير للنبـي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، والتأكيد يجوز عطفه بثم كما صرح به النحاة وإن كان كلام أهل المعاني يخالفه ظاهراً، وفيه تنبيه على أن توبته سبحانه في مقابلة ما قاسوه من الشدائد كما دل عليه التعليق بالموصول، ويحتمل أن يكون الضمير للفريق، والمراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم وقربهم من الزيغ لأنه جرم محتاج إلى التوبة عليه فلا تكرار لما سبق، وقوله: {إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} استئناف تعليلي فإن صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة والعفو، وجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال النفع، وأن يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من التحريض على الجهاد والتحذير من التقاعس والتوبيخ على التخلف، وما طرأ على ذلك التحريض من بيان أحوال الناس تُجاه ذلك التحريض وما عقبه من أعمال المنافقين والضعفاء والجبناء إلى بيان فضيلة الذين انتدبوا للغزو واقتحموا شدائده، فالجملة استئناف ابتدائي. وافتتاحها بحرف التحقيق تأكيد لمضمونها المتقرر فيما مضى من الزمان حسبما دل عليه الإتيان بالمسندات كلها أفعالاً ماضية. ومن المحسنات افتتاح هذا الكلام بما يؤذن بالبشارة لرضى الله على المؤمنين الذين غزوا تبوك. وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم في تعلق فعل التوبة بالغُزاة للتنويه بشأن هذه التوبة وإتيانها على جميع الذنوب إذ قد علم المسلمون كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومعنى {تاب} عليه: غفر له، أي لم يؤاخذه بالذنوب سواء كان مذنباً أم لم يكنه، كقوله تعالى: {أية : علم أنْ لن تحصوه فتاب عليكم}تفسير : [المزمل: 20] أي فغفر لكم وتجاوز عن تقصيركم وليس هنالك ذنب ولا توبة. فمعنى التوبة على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه أن الله لا يؤاخذهم بما قد يحسبون أنه يسبب مؤاخذة كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»تفسير : . وأما توبة الله على الثلاثة الذين خُلفوا فهي استجابته لتوبتهم من ذنبهم. والمهاجرون والأنصار: هم مجموع أهل المدينة، وكان جيش العسرة منهم ومن غيرهم من القبائل التي حول المدينة ومكة، ولكنهم خُصوا بالثناء لأنهم لم يترددوا ولم يتثاقلوا ولا شحوا بأموالهم، فكانوا إسوة لمن اتَّسى بهم من غيرهم من القبائل. ووصف المهاجرون والأنصار بـــ {الذين اتبعوه} للإيماء إلى أن لصلة الموصول تسبباً في هذه المغفرة. ومعنى {اتبعوه} أطاعوه ولم يخالفوا عليه، فالاتباع مجازي. والساعة: الحصة من الزمن. والعسرة: اسم العسر، زيدت فيه التاء للمبالغة وهي الشدة. وساعة العسرة هي زمن استنفار النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة تبوك. فهو الذي تقدمت الإشارة إليه بقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] فالذين انتدبوا وتأهبوا وخرجوا هم الذين اتبعوه، فأما ما بعد الخروج إلى الغزو فذلك ليس هو الاتباع ولكنه الجهاد. ويدل لذلك قوله: {من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم} أي من المهاجرين والأنصار، فإنه متعلق بـــ {اتبعوه} أي اتبعوا أمره بعد أن خامر فريقاً منهم خاطر التثاقل والقعود والمعصية بحيث يشبهون المنافقين، فإن ذلك لا يتصور وقوعه بعد الخروج، وهذا الزيغ لم يقع ولكنه قارب الوقوع. و{كاد} من أفعال المقاربة تعمل في اسمين عَملَ كانَ، واسمُها هنا ضمير شأن مقدر، وخبرها هو جملة الخبر عن ضمير الشأن، وإنما جُعل اسمها هنا ضمير شأن لتهويل شأنهم حين أشرفوا على الزيغ. وقرأ الجمهور {تَزيغ} بالمثناة الفوقية. وقرأه حمزة، وحفص عن عاصم، وخلف بالمثناة التحتية. وهما وجهان في الفعل المسند لجمع تكسير ظاهر. والزيغ: الميل عن الطريق المقصود. وتقدم عند قوله تعالى: {أية : ربنا لا تزغ قلوبنا }تفسير : في سورة آل عمران (8). وجملة؛ {ثم تاب عليهم} عطف على جملة {لقد تاب الله} أي تاب على غير هذا الفريق مطلقاً، وتاب على هذا الفريق بعد ما كادت قلوبهم تزيغ، فتكون {ثم} على أصلها من المهلة. وذلك كقوله في نظير هذه الآية {أية : ثم تاب عليهم ليتوبوا}تفسير : [التوبة: 118]. والمعنى تاب عليهم فأهموا به وخرجوا فلقوا المشقة والعسر، فالضمير في قوله {عليهم} للــ {فريق}. وجوز كثير من المفسرين أن تكون {ثم} للترتيب في الذكر، والجملة بعدها توكيداً لجملة {تاب الله}، فالضمير للمهاجرين والأنصار كلهم. وجملة: {إنه بهم رءوف رحيم} تعليل لما قبلها على التفسيرين.
الواحدي
تفسير : {لقد تاب الله على النبيِّ} مِنْ إذنه للمنافقين في التَّخلُّف عنه، وهو ما ذُكر في قوله: {عفا الله عنك...} الآية {والمهاجرين والأنصار الذين اتَّبعوه في ساعة العسرة} في زمان عسرة الظَّهر، وعسرة الماء، وعسرة الزَّاد {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} من بعد ما همَّ بعضهم بالتَّخلُّف عنه والعصيان، ثمَّ لحقوا به {ثم تاب عليهم} ازداد عنهم رضا. {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} أَي: عن التَّوبة عليهم. يعني: مَنْ ذكرناهم في قوله: {أية : وأخرون مرجون لأمر الله} تفسير : {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض} لأَنَّهم كانوا مهجورين لا يُعاملون ولا يُكلَّمون {وضاقت عليهم أنفسهم} بالهمِّ الذي حصل فيها {وظنوا} أيقنوا {أن لا ملجأ من الله إلاَّ إليه} أن لا مُعتَصَم من عذاب الله إلاَّ به {ثمَّ تاب عليهم ليتوبوا} أَيْ: لطف بهم في التَّوبة ووفَّقهم لها. {يا أيها الذين آمنوا} يعني: أهل الكتاب {اتقوا الله} بطاعته {وكونوا مع الصادقين} محمدٍ وأصحابه، يأمرهم أن يكونوا معهم في الجهاد والشِّدَّة والرَّخاء.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: المهاجرين: الذين هجروا ديارهم من مكة وغيرها ولحقوا برسول الله بالمدينة. الأنصار: هم سكان المدينة من الأوس والخزرج آمنوا ونصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ساعة العسرة: هي أيام الخروج إلى تبوك لشدة الحر والجوع والعطش. يزيغ قلوب: أي تميل عن الحق لشدة الحال وصعوبة الموقف. الثلاثة الذين خلفوا: هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. بما رحبت: أي على اتساعها ورحابتها. أن لا ملجأ: أي إذ لا مكان للُّجوء فيه والهرب إليه. الصادقين: في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم والصدق ضد الكذب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في أحداث غزوة تبوك وفي هذه الآيات الثلاث إعلان عن شرف وكرامة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة من الأنصار والمهاجرة إذ قال تعالى {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} أي أدامها (التوبة) وقبلها وقوله {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي عند خروجه إلى تبوك في الحر الشديد والفاقة الشديدة وقوله {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} وذلك لصعوبة الحال وشدة الموقف لقد عطشوا يوماً كما قال عمر رضي الله عنه كان أحدنا يذبح بعيره ويعصر فرثه فيشرب ماءه ويضع بعضه على كبده فخطر ببعض القوم خواطر كادت القلوب تزيغ أي تميل عن الحق ولكن الله تعالى ثبتهم فلم يقولوا سوءاً ولم يعملوه لأجل هذا أعلن الله تعالى في هذه الآيات عن كرامتهم وعلو مقامهم ثم تاب عليهم إنَّهُ هو التواب الرحيم وقوله {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية ومعنى خلفوا أرجئوا في البت في توبتهم إذ تقدم قوله تعالى {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 106] فقد تخلفت توبتهم خمسين يوماً {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} فصبروا على شدة ألم النفس من جراء المقاطعة التي أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم انتظاراً لحكم الله لأنهم تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ولم يكن لهم عذر، فلذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم تقدم المخلفون فاعتذروا فقبل منهم رسول الله وتاب الله على المؤمنين منهم ولم يتقدم هؤلاء الثلاثة ليعتذروا خوفاً من الكذب فآثروا جانب الصدق فأذاقهم الله ألم المقاطعة ثم تاب عليهم وجعلهم مثلاً للصدق فدعا المؤمنين أن يكونوا معهم فقال {يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} أي اتقوا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه وكونوا من الصادقين في نياتهم وأقوالهم وأعمالهم تكونوا مع الصادقين في الآخرة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. 2- بيان فضل غزوة العسرة على غيرها من الغزوات "وهي غزوة تبوك". 3- بيان فضل الله على المؤمنين بعصمة قلوبهم من الزيغ في حال الشدة. 4- بيان فضل كعب بن مالك وصاحبيه في صبرهم وصدقهم ولجوئهم إلى الله تعالى حتى فرج عليهم وتاب عليهم وكانوا مثالاً للصدق. 5- وجوب التقوى والصدق في النيات والأقوال والأحوال والأعمال.
القطان
تفسير : العسرة: الشدة والضيق وسُميت غزوة تبوك غزوة العسرة لما كا فيها من شدة وضيق وحاجة. يزيغ: يميل. بما رحبت: بما وسعت على اتساعها. ظنوا: معناها هنا اعتقدوا. بعد ان استقصى الله احوال المتخلفين عامة من غزوة تبوك، عاد مرة اخرى الى الكلام في توبتهم. {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ}. لقد تفضل الله سبحانه عل نبيّه وأصحابه المؤمنين الصادقين من المهاجرين والانصار الذين خرجوا معه الى الجهاد في وقت الشدة. وقد سُميت غزوة تبوك غزوةَ العسرة لعسرة المسلمين مادياً إبان ذلك. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: عسرة الظَّهر، يعني عدم وجود ما يركبون عليه، وعسرة الزاد، وعسرة الماء. {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ....}. لقد تاب عليهم فثَّبتهم وصانَهم عن التخلّف من بعد ما اشتد الضِيق بفريق منهم، حتى كادت قلوبُهم تميل الى التخلف. وكان الله بهم رؤوفا رحيماً. وتوبة الله على عباده هي توفيقُهم للتوبة وقبولُها منهم. وقد كرر التوبة ههنا للتأكيد على قبولها عند الله. {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. لقد تفضّل الله تعالى بالعفو عن الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج للجهاد في غزوة تبوك ولم يكن تخلّفهم عن نفاق. وهو يعلم أنهم مؤمنون صادقون. لذا كانت توبتهم خالصة، وندمهم شديدا حتى شعروا بأن الأرض قد ضاقت عليهم على سَعَتها، وضاقت عليهم نفوسُهم همّاً وحزنا. لقد علموا انه لا ملجأ من غضب الله الا بالرجوع إليه، وحينئذ هداهم الى التوبة، وعفا عنهم، فهو التواب الرحيم. والثلاثة الذين خلفوا هم: كعب بن مالك وهلال بن امية، ومرارة بن الربيع، وجميعهم من الانصار. وكان كعب بن مالك من أكابر الشعراء ومن الصحابة الصادقين وأحد المنافحين عن النبي الكريم بشِعره. وقد روى البخاري ومسلم قصته بالتفصيل. قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله في غزوةٍ غزاها الا في دبرٍ وتبوك، والرسول لم يعاتب احدا تخلف عن غزوة بدر. وكنت وقتَ غزوة تبوك في حالة جيدة من المال والصحة، عندي راحلتان. وقد بقيت أغدو وأروح لأتجهّز فلم أوفَّق، وظللت أتعلل باني قادر وسوف ابتعُهم. ولما رجع رسول الله عن الغزوة وجلس للناس جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون اليه، ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم عذرهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم الى الله. فجئته أنا، فلما سلَمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضَب، ثم قال لي: ما خلّفك؟ الم تكن قد ابْتَعتَ ظهرك؟ فقلت بلى، اني والله لو جلستُ عند غيرك من اهل الدنيا، لرأيتُ ان سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُعطيتُ جدلا، ولكني والله قد علمت لئن حدّثتُك اليوم حديثَ كذب ترضى به عني، ليوشكنّ اللهُ ان يُسخِطَك علي، ولئن حدثتك حديثَ صدق تجد عليَّ فيه، اني لأرجو فيه عفو الله. لا والله ما كان لي من عذر.. فقال رسول الله: أما هذا فقد صَدق، فقم حتى يقضي الله فيك، فقمت. وكذلك فعل صاحباه فصدَقا رسول الله. وكان الثلاثة من الصحابة المرموقين فآثروا الصدق وفاء لدِيهم، وخوفا من ان يفضح الله كذبهم. وسمع النبي منهم واعلن انهم قد صدقوه، ولم يعفُ عنهم مع ذلك، بل ترك امرهم الى الله. وأمرَ المؤمنين ان لا يكلّموهم. وينظر هؤلاء الثلاثة فإذا هم في عزلة بغيضة الى نفوسهم، السجنُ أهون منها. يقول كعب: فبينما انا أمشي بسوق المدينة، اذا نبطيُّ من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى اذا جاءني، رفع اليَّ كتاباً من ملك غسّان، فاذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني ان صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدارِ هوان ولا مَضْيَعة، فالحقْ بنا نُواسِك، فقلت لما قرأتها: وهذا ايضاً من البلاء، فأحرقت الكتاب. وبعد ان مضت أربعون ليلة أرسل اليهم النبي ان يعتزلوا نساءهم. وبعد ان مضت عليهم خمسون ليلة في هذه العزلة، كان الندم قد أخذ من قلوبهم أقوى مأخذ، فأنزل الله توبته عليهم في هاتين الآيتين الكريمتين، وقد ابتهج المؤمنون كلهم لذلك، فكانوا يهنئونهم بذلك. يقول كعب: لما بلَغني النبأ انطلقتُ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد حوله المسلمون. فقام اليَّ طلحةُ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وقال: لِتَهْنِكَ توبة الله، فلن انساها لطلحة. وقال رسول الله وهو يستنير استنارة القمر: أبشِر يا كعب بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتْك أُمك. ثم تلا علينا الآية... وفي هذه القصة عبرة للمؤمنين تخشع لها قلوبهم، وتفيض عبراتهم. قراءات: قرأ حمزة وحفص: "يزيغ" بالياء، والباقون تزيغ بالتاء. {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ}. يا أيها الذين آمنوا اثبُتوا على التقوى والإيمان، وكونوا في الدنيا من أهل ولايته وطاعته تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَٱلْمُهَاجِرِينَ} (117) - نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ التِي كَانَتْ فِي سَنَةِ جَدْبٍ، وَوَقْتَ حَرٍّ شَديدٍ، وَعُسْرٍ فِي الزَّادِ وَالمَاءِ، وَقَدْ أَكْرَمَ اللهَ تَعَالَى المَهُاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ الذِينَ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللهِ فِي وَقْتِ عُسْرَةٍ مِنَ النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ وَالزَّادِ، بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ لِصِدْقِ إِيمَانِهِمْ بِاللهِ، وَلاسْتِجَابَتِهِمْ لِدَعْوَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ، بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنِ الحَقِّ، وَهُمُ الذِينَ تَخَلَّفُوا لِغَيْرِ عِلَّةِ النِّفَاقِ مِمَّنْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، وَاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، لِعِظَمِ مَا نَالَهُمْ مِنَ المَشَقَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي سَفَرِهِمْ وَغَزْوِهِمْ. ثُمَّ رَزَقَهُمُ اللهُ الإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَالرُّجُوعَ وَالثَّبَاتَ عَلَى دِينِهِ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَإِنَّهُ تَعَالَى رَؤُوفٌ رَحِيمٌ بِهِمْ. سَاعَةِ العُسْرَةِ - وَقْتِ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ فِي غَزْوَةِ تَبُوك. يَزِيغُ - يَمِيلُ إِلى التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن التوبة لها مراحل، فهناك توبة شرعها الله، ومجرد مشروعية التوبة من الله رحمة بالخلق، وهي أيضاً رحمة بالمذنب؛ لأن الحق سبحانه لو لم يشرع التوبة لاستشرى الإنسان في المعاصي بمجرد انحرافه مرة واحدة، وإذا استشرى في المعاصي فالمجتمع كله يشقى به، إذن: فمشروعية التوبة نفسها رحمة بمن يفعل الذنب، وبمن يقع عليه الذنب، وقبول التوبة رحمة أخرى بمن عمل الذنب. وأنت إذا سمعت قوله الحق سبحانه: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ...} تفسير : [التوبة: 118]. فافهم أن تشريع التوبة إنما جاء ليتوب العباد فعلاً، وبعد أن يتوبوا، يقبل الله التوبة. والحق هنا يقول: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} وعطف على النبي صلى الله عليه وسلم {ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ}، فأي شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقول الله: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ}؟! ونقول: ألم يقل الحق سبحانه له: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ...} تفسير : [التوبة: 43]. فحين جاء بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الغزوة، فأذن لهم، مع أن الله سبحانه قال: {أية : لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ...} تفسير : [التوبة: 47]. إذن: فرسول لله صلى الله عليه وسلم كان بالفطرة السليمة قد اتخذ القرار الصائب، ولكن الحق سبحانه لا يريد ان يتبعوا فطرتهم فقط، بل أراد أن يضع تشريعاً محدداً. وشاء الحق سبحانه أن يخبرنا بأنه قدم العفو لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أذن لمن استأذنه من المنافقين ألا يخرجوا إلى القتال، وهناك أشياء يأخذها الله على عبده؛ لأن العبد قام بها ضد صالح نفسه، ومثال هذا من حياتنا ولله المثل الأعلى: أنت إذا رأيت ولدك يذاكر عشرين ساعة في اليوم؛ فإنك تدخل عليه حجرته لتأخذ منه الكتاب أو تطفئ مصباح الحجرة، وتقول له: "قم لتنام". وأنت في هذه الحالة إنما تعنف عليه لأنك تحبه، لا، لأنه خالف منهجاً، بل لأنه أوغل في منهجٍ وأسلوب عملٍ يرهق به نفسه. وحين سمح النبي صلى الله عليه وسلم لقوم أن يتخلفوا، فهل فعل ذلك ضد مصلحة الحرب أم مع مصلحة الحرب؟ إنهم لو اشتركوا في الحرب لكثر ثوابهم حتى ولو حرسوا الأمتعة أو قاموا بأي عمل، إذن: فإذنه صلى الله عليه وسلم لهم بالتخلف هو تصعيب للأمر على نفسه. ولذلك نجد أن كل عتب على نبي الله، إنما كان عتباً لصالحه لا عليه فسبحانه يقول له: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ...} تفسير : [التحريم: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحل ما حرم الله بل حرم على نفسه ما أحل الله له، وهذا ضد مصلحته، وكأن الحق يسائله: لماذا ترهق نفسك؟. إذن: فهذا عتب لمصلحة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً حين جاء ابن أم مكتوم الأعمى يسأل رسول الله في أمر من أمور الدين، وكان ذلك في حضور صناديد قريش، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى الصناديد وهم كافرون، يريد أن يلين قلوبهم، وترك ابن أم مكتوم؛ فنزل القول الحق: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} تفسير : [عبس: 1-2]. وابن أم مكتوم جاء ليستفسر عن أمر إيماني، ولن يجادل مثلما يجادل صناديد قريش، فلماذا يختار الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الصعب الذي يحتاج إلى جهد أكبر ليفعله؟. إذن: العتب هنا لصالح محمد صلى الله عليه وسلم، وحين يقول الحق له: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ...} تفسير : [التوبة: 43]. ثم جاء هنا في الآية بالمهاجرين والأنصار معطوفين على رسول الله، وذلك حتى لا يتحرج واحد من المهاجرين أو الأنصار من أن الله تاب عليه، بل التوبة تشمله وتشمل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه؛ فلا تحرُّج. وهذه المسائل التي حدثت كان لها مبررات، فقد قال الحق: {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} ويزيغ: يميل، أي: يترك ميدان المعركة كله؛ لأنها كانت معركة في ساعة العسرة، ومعنى العسرة الضيق الشديد، فالمسافة طويلة، والجنود الذين سيواجهونهم هم جنود الروم، والجو حارٌّ، وليس عندهم رواحل كافية، فكل عشرة كان معهم بعير واحد، يركبه واحد منهم ساعة ثم ينزل ليركبه الثاني، ثم الثالث، وهكذا، ولم يجدوا من الطعام إلا التمر الذي توالد فيه الدود. وقد بلغ من العسرة أن الواحد منهم كان يمسك التمرة فيمصها بفيه يستحلبها قليلاً، ثم يخرجها من فيه ليعطيها إلى غيره ليستحلبها قليلاً، وهكذا إلى أن تصير على النواة، وكان الشعير قد أصابه السوس، وبلغ منه السوس أن تعفن، وقال من شهد المعركة: "حتى إن الواحد منا كان إذا أخذ حفنة من شعير ليأكلها يمسك أنفه حتى لا يتأذى من رائحة الشعير". كل هذه الصِّعاب جعلت من بعض الصحابة من يرغب في العودة. ولا يستكمل الطريق إلى الغزوة. إذن: فالتوبة كانت عن اقتراب زيغ قلوب فريق منهم. وجاء الحق بتقدير ظرف العسرة، ولذلك تنبأ بالخواطر التي كانت في نواياهم ومنهم أيضاً من همّ ألا يذهب، ثم حدثته نفسه بأنه يذهب مثل أبي خيثمة الذي بقي من بعد أن رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزوة ومرت عشرة أيام، ودخل الرجل بستانه فوجد العريشين، وعند كل عريش زوجةٌ له حسناء، وقد طَهَتْ كل منهما طعاماً، وهكذا رأى أبو خيثمة الظلال الباردة، والثمر المدلَّى، فمسّته نفحة من صفاء النفس؛ فقال: "رسول الله في الفيح - أي الحرارة الشديدة جدّاً - والريح، والقُرّ والبرد، وأنا هنا في ظل بارد، وطعام مطهوّ، وامرأتين حسناوين، وعريش وثير، والله ما ذلك بالنِّصَفة لك يا رسول الله، وأخذ زمام راحلته وركبها فكلّمته المرأتان، فلم يلتفت لواحدة منهما وذهب ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال صحابة رسول الله: يا رسول الله إنَّا نرى شبح رجل مُقْبل. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "كن أبا خيثمة"، ووجده أبا خيثمة، هذا معنى الحق: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117]. وفي واقعة الصحابة الذين راودتهم أنفسهم أن يرجعوا وتاب الله أيضا على آخرين اعترفوا بذنوبهم، فتاب الحق عليهم حين قال: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 102]. وأرجـأ الحق أمر آخرين نزل فيهم قوله: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ ...} تفسير : [التوبة: 106]. وما دام الله قد قال: {مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} أي: ما بَتّ الله سبحانه في أمرهم بشيء؛ فلا بد من الانتظار إلى أن يأتي أمر الله، ويجب ألا نتعرض لهم حتى يأتي قول الله. وتاب أيضاً على الثلاثة الذين خلفوا، في قوله سبحانه: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} معناهُ تَعدِلُ وَتَجورُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن تأثير عنايته وآثار هدايته بقوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} [التوبة: 117] إلى قوله تعالى: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]، {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} أي: تاب عليه في الأزل قبل أن يذنب، وإذا وقعت التوبة من الله قبل الذنب فيكون الذنب قبل أن يقع مغفوراً، يدل عليه قوله تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2] فالمغفرة مقدمة على الذنب، وكذلك قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}تفسير : [التوبة: 43] قدم العفو على الاعتراض، ولعل هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لتكون فائدة الذنب عائدة عليه من غير توب عن دنس الذنب، فإنه لم يكن لصورة الذنب فائدة راجعة إلى معنى الذنب لما أجرى الله صغيرة النبي من أنبيائه، وفي شرح هذا طول لا نشرع فيه. وفيه معنى آخر وهو أن التوبة فضل من الله تعالى ورحمة مخصوصة به لينعم بذلك على عباده فكل نعمة وفضل يوصله الله إلى عباده تكون عبارة على ولاية النبوة، فمنها يفيض على المهاجرين والأنصار وجميع الأمة، فلهذا قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ} [التوبة: 117] يدل على قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما صاب الله في صدري شيئاً إلا وصبه في صدر أبي بكر ". تفسير : {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] عسرة ترك الدنيا وشهواتها ولذاتها، وعسرة نهي النفس عن هواها وعسرة الصبر على جهاد النفس ومخالفة هواها، وعسرة انقياد النفس لتكاليف الشرع واستعمالها، {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} [التوبة: 117] تميل الدنيا وشهواها طبعاً، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 117] بإفاضته نور العناية والرحمة؛ ليرجعوا من طلب الدنيا وشهواتها إلى طلب الآخرة ودرجاتها. {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117] في الأزل والرحمة خلقهم، وفيه أشارة: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} أي: نبي الروح، فإنه بمنزلة النبي يأخذ بإلهام الحق حقائق الدين ويبلغها إلى أمته من القلب والنفس و الجوارح والأعضاء، فالمعنى: أفاض الله على نبي الروح ومهاجري صفاته الذين هاجروا معه من مكة الروحانية إلى مدينة الجسدانية، والأنصار من القلب والنفس وصفاتهما الذين هم ساكنوا مدينة الجسد فيضان الرحمة. {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} أي: اتبعوا الروح ساعة رجوعه إلى عالم العلو بالعسرة؛ إذ هم نشأوا من عالم السفل يعسر عليهم السير إلى عالم العلو {مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ} [التوبة: 117] من النفس وصفاتها وهواها، فإن ميلها طبعاً إلى عالم السفل، ثم تاب عليهم بإضافة الفيض الرباني؛ لغلبهم عن طبعهم {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 117]؛ ليجعلهم بالسير بالشريعة قابلاً للرجوع إلى عالم الحقيقة. {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} [التوبة: 118] من النفس والهوى والطبع وما اتبعوا الروح عند رجوعه إلى عالم العلو ابتداء حتى تمكنوا في عالم السفل وحصلوا فيه ما يحتاجون إليه من أسباب العبودية عند رجوعهم إلى عالم الربوبية بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}تفسير : [الفجر: 28]، {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ} [التوبة: 118] أرض السفل عند إصابة الفيض الإلهي شوقاً إلى تلك الحضرة، {بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 118] بعدما وسعت أرض السفل لهم بالطبع، {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} [التوبة: 118] تحنثاً إلى تلك السعادات. {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} [التوبة: 118] إلا الفرار إليه، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 118] جذبهم عن العالم السفلي بجذبة العناية، {لِيَتُوبُوۤاْ} [التوبة: 118] أي: يرجعوا إلى الله ولو لم تتداركهم جذبة العناية ما تابوا وما رجعوا عن طبعهم وما رغبوا في طلب الله، {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 118] أي: هو الذي يحذبهم بجذب الرحمة عنهم وعن طبعهم وعماهم فيه من الميل إلى السفليات، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبداً. ثم عمم الدعوة وقال تعالى: {يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [التوبة: 119] قولاً وتصديقاً، {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [التوبة: 119] بالأعمال الصالحات واتقوا بالله عن غير الله، {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] لتبلغوا بتربيتهم وقوة ولايتهم إلى مراتب الصديقين وإلى مقام الاتقاء بالله عمَّا سواه، وأيضاً كونوا مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق، لما أجابوا الله عند خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] وصدقوا الله على ما عاهدوا عليه ألاَّ يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئاً من مقاصد الدنيا والآخرة. ثم أخبر عن وجود ترك التكلف في التخلف بقوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} [التوبة: 120] الآيتين: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} مدينة القالب وأهلها النفس والهوى والقلب، {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} أعراب الصفات النفسانية والقلبية، {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} رسول الروح؛ إذ هو راجع إلى الله وسائر إليه، {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة: 120] عن بذل وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله، {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120] من ماء الشهوات، {وَلاَ نَصَبٌ} [التوبة: 120] من أنواع المجاهدات، {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} [التوبة: 120] بترك اللذات وطعام الدنيا، {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [التوبة: 120] في طلب الله، {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً} [التوبة: 120] مقاماً من مقامات الفناء، {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} [التوبة: 120] النفس والهوى، {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ} [التوبة: 120] الشيطان والدنيا والنفس. {نَّيْلاً} [التوبة: 120] أي: نيلاً ومحنة وفقراً وفاقة وجهراً وحزناً، وغير ذلك من أسباب الفناء، {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120] من البقاء بالله بعد الفناء في الله، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] الفانين في الله فيبقيهم بالله ليعبدوه به على المشاهدة؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً} [التوبة: 121] من بذل الوجود، {صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} [التوبة: 121] الصغير بذل وجود الصفات، والكبيرة بذل وجود الذات في صفات الله تعالى وذاته تعالى القدس، {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} [التوبة: 121] من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح، {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} [التوبة: 121] كل واد من هذه الأودية وقربة ومنزلة ودرجة، كما قال تعالى: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقرب إليه ذراعاً ". تفسير : {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} [التوبة: 121] البقاء به والفناء عن نفسه، {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 121] أي: بأحسن مقام كانوا يعملون العبودية في طلبه؛ لأن طلبهم على قدر معرفتهم وسطح نظرهم وجزاء ما يطيق عنه نطاق عقولهم مفهومهم، كما قال تعالى: "حديث : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه من لطفه وإحسانه تَابَ عَلَى النَّبِيِّ محمد صلى الله عليه وسلم { وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ } فغفر لهم الزلات، ووفر لهم الحسنات، ورقاهم إلى أعلى الدرجات، وذلك بسبب قيامهم بالأعمال الصعبة الشاقات، ولهذا قال: { الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } أي: خرجوا معه لقتال الأعداء في وقعة "تبوك" وكانت في حر شديد، وضيق من الزاد والركوب، وكثرة عدو، مما يدعو إلى التخلف. فاستعانوا اللّه تعالى، وقاموا بذلك { مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ } أي: تنقلب قلوبهم، ويميلوا إلى الدعة والسكون، ولكن اللّه ثبتهم وأيدهم وقواهم. وزَيْغُ القلب هو انحرافه عن الصراط المستقيم، فإن كان الانحراف في أصل الدين، كان كفرا، وإن كان في شرائعه، كان بحسب تلك الشريعة، التي زاغ عنها، إما قصر عن فعلها، أو فعلها على غير الوجه الشرعي. وقوله { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } أي: قبل توبتهم { إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } ومن رأفته ورحمته أن مَنَّ عليهم بالتوبة، وقبلها منهم وثبتهم عليها. { و } كذلك لقد تاب الله { عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } عن الخروج مع المسلمين، في تلك الغزوة، وهم: "كعب بن مالك" وصاحباه، وقصتهم مشهورة معروفة، في الصحاح والسنن. { حَتَّى إِذَا } حزنوا حزنا عظيما، و { ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } أي: على سعتها ورحبها { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ } التي هي أحب إليهم من كل شيء، فضاق عليهم الفضاء الواسع، والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منه، وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج، بلغ من الشدة والمشقة ما لا يمكن التعبير عنه، وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء. { وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ } أي: تيقنوا وعرفوا بحالهم، أنه لا ينجي من الشدائد، ويلجأ إليه، إلا اللّه وحده لا شريك له، فانقطع تعلقهم بالمخلوقين، وتعلقوا باللّه ربهم، وفروا منه إليه، فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة. { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } أي: أذن في توبتهم ووفقهم لها { لِيَتُوبُوا } أي: لتقع منهم، فيتوب اللّه عليهم، { إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ } أي: كثير التوبة والعفو، والغفران عن الزلات والعصيان، { الرَّحِيمُ } وصفه الرحمة العظيمة التي لا تزال تنزل على العباد في كل وقت وحين، في جميع اللحظات، ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية. وفي هذه الآيات دليل على أن توبة اللّه على العبد أجل الغايات، وأعلى النهايات، فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده، وامتن عليهم بها، حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها. ومنها: لطف الله بهم وتثبيتهم في إيمانهم عند الشدائد والنوازل المزعجة. ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس، لها فضل ومزية ليست لغيرها، وكلما عظمت المشقة عظم الأجر. ومنها: أن توبة اللّه على عبده بحسب ندمه وأسفه الشديد، وأن من لا يبالي بالذنب ولا يحرج إذا فعله، فإن توبته مدخولة، وإن زعم أنها مقبولة. ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة، إذا تعلق القلب بالله تعالى تعلقا تاما، وانقطع عن المخلوقين. ومنها: أن من لطف اللّه بالثلاثة، أن وسمهم بوسم، ليس بعار عليهم فقال: { خُلِّفُوا } إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم، [أو خلفوا عن من بُتّ في قبول عذرهم، أو في رده] وأنهم لم يكن تخلفهم رغبة عن الخير، ولهذا لم يقل: "تخلفوا". ومنها: أن اللّه تعالى من عليهم بالصدق، ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا ...}.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} [119] / 252- أنا يوسف بن سعيد، حدثنا حجَّاج بن محمد، نا ليث بن سعد، حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِيَ قال: سمعت كعب بن مالك يُحدث حديثه حين تخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال: حديث : فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله منَّا قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليَّ الأرض بما رَحُبت، سمعت صارِخاً أوفَى على أعلى جبل بأعلى صوت: يا كعب بن مالك أَبْشِر، قال: فَخَررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فَدَهم الناس يُبشرونا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون، وركض رجل إليَّ فرَسا وسعى ساع من أسلم، فأَوفى على جبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته، بشرني، نزعت ثوبي فكسوته إيَّاهما بشارة، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ثوبين، فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون: لِتَهْنِئك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عُبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنَّأني، ووالله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، قال كعب: فلما سلَّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وهو يَبْرُق وجهُه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" فقلت: من عِندك يا رسول الله أو من عند الله؟ قال: "لا، بل من عند الله" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استَنَارَ وجهُه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، / فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله، إنَّ من تَوبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تبارك وتعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك" قلت: فإني أُمسك سهمي الذي بخَيبر، قلت: يا رسول الله، إن الله تعالى إنَّما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أُحدِّث إلا صدقا ما بَقِيت، فوالله ما أحد من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، فأنزل الله عز وجل {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} (117) تلا إلى {ٱلصَّادِقِينَ} (119) فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قطُّ بعد أن هداني للإسلام بأعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ألاَّ أكون كَذَبْته فأَهْلِك كما هَلَكَ الذين كذبوه حتى أنزل الوحي حتى بِشَرِّ ما قال لأحد {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ} [التوبة: 95] إلى {ٱلْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96] قال كعب: وكنا تُخُلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فلذلك قال الله عز وجل {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} (118) وليس الذي ذكر الله تخَلُّفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفة إِيَّانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه . تفسير : مختصر.
همام الصنعاني
تفسير : 1139- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ}: [الآية: 117]، قال: خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حرٍ شديدٍ فأصابهم يوماً عطشٌ شديد حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكْراشَها ويشربون ماءَهَا، فكان ذلك عسرة من الماء، وعسرة من الطّهر، وعسرة من النفقة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):