٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
118
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: هذا معطوف على الآية الأولى، والتقدير: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا، والفائدة في هذا العطف أنا بينا أن من ضم ذكر توبته إلى توبة النبي عليه الصلاة والسلام، كان ذلك دليلاً على تعظيمه وإجلاله، وهذا العطف يوجب أن يكون قبول توبة النبي عليه الصلاة والسلام وتوبة المهاجرين والأنصار في حكم واحد، وذلك يوجب إعلاء شأنهم وكونهم مستحقين لذلك. المسألة الثانية: إن هؤلاء الثلاثة هم المذكورون في قوله تعالى: {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } واختلفوا في السبب الذي لأجله وصفوا بكونهم مخلفين وذكروا وجوهاً: أحدها: أنه ليس المراد أن هؤلاء أمروا بالتخلف، أو حصل الرضا من الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، بل هو كقولك لصاحبك أين خلفت فلاناً فيقول: بموضع كذا لا يريد به أنه أمره بالتخلف بل لعله نهاه عنه وإنما يريد أنه تخلف عنه. وثانيها: لا يمتنع أن هؤلاء الثلاثة كانوا على عزيمة الذهاب إلى الغزو فأذن لهم الرسول عليه الصلاة والسلام قدر ما يحصل الآلات والأدوات فلما بقوا مدة ظهر التواني والكسل فصح أن يقال: خلفهم الرسول. وثالثها: أنه حكى قصة أقوام وهم المرادون بقوله: {وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ } فالمراد من كون هؤلاء مخلفين كونهم مؤخرين في قبول التوبة عن الطائفة الأولى. قال كعب بن مالك وهو أحد هؤلاء الثلاثة: قول الله تعالى في حقنا: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ } ليس من تخلفنا إنما هو تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ليشير به إلى قوله: {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ }. المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف»: قرىء {خُلِّفُواْ } أي خلفوا الغازين بالمدينة، أي صاروا خلفاء للذين ذهبوا إلى الغزو وفسدوا من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ جعفر الصادق {خالفوا} وقرأ الأعمش وعلى الثلاثة المخلفين. المسألة الرابعة: هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع، وللناس في هذه القصة قولان: القول الأول: أنهم ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام، قال الحسن: كان لأحدهم أرض ثمنها مائة ألف درهم فقال: يا أرضاه ما خلفني عن رسول الله إلا أمرك، إذهبي فأنت في سبيل الله فلأكابدن المفاوز حتى أصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفعل، وكان للثاني أهل فقال: يا أهلاه ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أمرك فلأكابدن المفاوز حتى أصل إليه وفعل، والثالث: ما كان له مال ولا أهل فقال: مالي سبب إلا الضن بالحياة والله لأكابدن المفاوز حتى أصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ }. والقول الثاني: وهو قول الأكثرين أنهم ما ذهبوا خلف الرسول عليه الصلاة والسلام قال كعب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب حديثي فلما أبطأت عنه في الخروج قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : ما الذي حبس كعباً » تفسير : فلما قدم المدينة اعتذر المنافقون فعذرهم وأتيته وقلت: إن كراعي وزادي كان حاضراً واحتبست بذنبي فاستغفر لي فأبى الرسول ذلك، ثم إنه عليه الصلاة والسلام نهى عن مجالسة هؤلاء الثلاثة، وأمر بمباينتهم حتى أمر بذلك نساءهم، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وجاءت امرأة هلال بن أمية وقالت: يا رسول الله لقد بكى هلال حتى خفت على بصره حتى إذا مضى خمسون يوماً أنزل الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ } وأنزل قوله: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ } فعند ذلك خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجرته وهو عند أم سلمة فقال: « حديث : الله أكبر قد أنزل الله عذر أصحابنا » تفسير : فلما صلى الفجر ذكر ذلك لأصحابه وبشرهم بأن الله تاب عليهم، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم ما نزل فيهم. فقال كعب: توبني إلى الله تعالى أن أخرج مالي صدقة فقال: « حديث : لا » تفسير : قلت: فنصفه قال: « حديث : لا » تفسير : قلت: فثلثه قال: « حديث : نعم » تفسير : واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الثلاثة بصفات ثلاثة. الصفة الأولى: قوله: {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } قال المفسرون: معناه: أن النبي عليه الصلاة والسلام صار معرضاً عنهم ومنع المؤمنين من مكالمتهم وأمر أزواجهم باعتزالهم وبقوا على هذه الحالة خمسين يوماً، وقيل: أكثر، ومعنى {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } تقدم تفسيره في هذه السورة. والصفة الثانية: قوله: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } والمراد ضيق صدورهم بسبب الهم والغم ومجانبة الأولياء والأحباء، ونظر الناس لهم بعين الإهانة. الصفة الثالثة: قوله: {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ } ويقرب معناه من قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: « حديث : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ بك منك » تفسير : ومن الناس من قال معنى قوله: {وَظَنُّواْ } أي علموا كما في قوله: { أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] والدليل عليه أنه تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء، ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وقال آخرون: وقف أمرهم على الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن الله ينزل الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن تطول المدة في بقائهم في الشدة فالطعن عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة، ولما وصفهم الله بهذه الصفات الثلاث؛ قال: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار. والتقدير: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه. تاب عليهم ثم تاب عليهم، فما الفائدة في هذا التكرير؟ قلنا: هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك. فإن قيل: فما معنى قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ }. قلنا فيه وجوه: الأول: قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } يدل على أن التوبة فعل الله وقوله: {لِيَتُوبُواْ } يدل على أنها فعل العبد، فهذا صريح قولنا، ونظيره {فَلْيَضْحَكُواْ } مع قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ } وقوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } مع قوله: {إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيّرُكُمْ } مع قوله: {قُلْ سِيرُواْ } والثاني: المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعياً لهم إلى التوبة في المستقبل. والثالث: أصل التوبة الرجوع، فالمراد ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين، وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك. الرابع: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ } أي ليدوموا على التوبة، ولا يراجعوا ما يبطلها. الخامس: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله عليهم. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلاً قالوا: لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر. ثم إنه عليه الصلاة والسلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين يوماً أو أكثر، ولو كان قبول التوبة واجباً عقلاً لما جاز ذلك. أجاب الجبائي عنه بأن قال: يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر، لكنه يقال: أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره. وأيضاً لم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام عن كلامهم عقوبة، بل كان على سبيل التشديد في التكليف. قال القاضي: وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد، لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب، فالذي يجري عليهم، وهذه حالهم يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين. والجواب: أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } وكلمة {ثُمَّ } للتراخي، فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة، فإن حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك عدولاً عن الظاهر من غير دليل. فإن قالوا: الموجب لهذا العدول قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ }. قلنا: صيغة يقبل للمستقبل، وهو لا يفيد الفور أصلاً بالإجماع، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }. واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب، يدل على أن قبول التوبة لأجل محض الرحمة والكرم، لا لأجل الوجوب، وذلك يقوي قولنا في أنه لا يجب عقلاً على الله قبول التوبة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} قيل: عن التوبة؛ عن مجاهد وأبي مالك. وقال قتادة: عن غزوة تبوك. وحُكي عن محمد بن زيد معنى «خُلِّفُوا» تُركوا؛ لأن معنى خلّفت فلاناً تركته وفارقته قاعداً عما نهضت فيه. وقرأ عكرمة بن خالد «خَلَفوا» أي أقاموا بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورُوي عن جعفر بن محمد أنه قرأ «خالفوا» وقيل: «خُلِّفُوا» أي أرجئوا وأُخّروا عن المنافقين فلم يُقض فيهم بشيء. وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، وٱعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخر النبيّ صلى الله عليه وسلم هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخارِيّ وغيرهما. واللفظ لمسلم قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أُولئك الذين قَبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم وٱستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى اللَّهُ فيه؛ فبذلك قال الله عز وجل: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا تَخَلُّفَنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له وٱعتذر إليه فَقبِل منه. وهذا الحديث فيه طول، هذا آخره. والثلاثة الذين خُلِّفوا هم: كعب بن مالك، ومُرارة بن ربيعة العامِرِيّ، وهلال بن أُميّة الوَاقِفي، وكلهم من الأنصار. وقد خرّج البخاريّ ومسلم حديثَهم، فقال مسلم حديث : عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قطُّ إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنه، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عِير قريش؛ حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحِبّ أن لي بها مشهدَ بدر، وإن كانت بدر أذْكَرَ في الناس منها، وكان من خبري حين تخلّفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسَر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، واللَّهِ ما جمعتُ قبلها راحلتين قطّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة؛ فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، وٱستقبل سفراً بعيداً ومفازاً، وٱستقبل عدوّاً كثيراً؛ فجلاَ للمسلمين أمرهم ليتأهّبُوا أهْبةَ غَزْوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتابُ حافظٍ ـ يريد بذلك الدّيوان ـ قال كعب: فقَلّ رجل يريد أن يتغيّب، يظن أن ذلك سيَخْفَى له ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظِّلال؛ فأنا إليها أَصْعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفِقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقضِ شيئاً، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت! فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجِدّ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غازياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو؛ فهَمَمْت أن أرتحل فأُدركَهم، فيا ليتني فعلت! ثم لم يقدَّر ذلك لي فطفِقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزُنُني أنّي لا أرى لي أسوةً إلا رجلاً مغْمُوصا عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عَذَر اللَّهُ من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك»؟ فقال رجل من بني سَلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطْفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مُبَيِّضاً يزول به السَّراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خَيْثمة»؛ فإذا هو أبو خيثمة الأنصاريّ، وهو الذي تصدّق بصاع التمر حتى لَمَزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بَثِّي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سَخطه غداً، وأستعين على ذلك كلَّ ذي رأي من أهلي؛ فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظلّ قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً، فأجمعت صِدْقه، وصبّح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدِم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبِل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووَكَل سرائرهم إلى الله، حتى جئت فلما سلّمت تبسم تبسُّم المُغْضَب، ثم قال: «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلّفك ألم تكن قد ٱبتعت ظهرك»؟ قال: قلت يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر؛ ولقد أُعطِيت جَدَلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدّثتك اليومَ حديث كذب تَرْضَى به عني ليُوشِكَنّ اللَّهُ أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجِد عليّ فيه إنّي لأرجو فيه عُقْبَى اللَّهِ، واللَّهِ ما كان لي عذر، واللَّهِ ما كنت قطُّ أقْوَى ولا أيسَر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمّا هذا فقد صدق فقُم حتى يقضِيَ اللَّهُ فيك». فقمت وثار رجال من بني سَلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا! لقد عَجَزْت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المتخلِّفون، فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك!. قال: فوالله ما زالوا يؤنّبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُكذّب نفسي. قال: ثم قلت لهم هل لَقَى هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم! لقِيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مُرارة ابن ربيعة العامِريّ وهلال بن أُمية الواقفيّ. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً فيهما أسوة؛ قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيّها الثلاثةُ من بين من تخلّف عنه. قال: فاجتنبنَا الناسُ، وقال: وتغيّروا لنا، حتى تنكّرت لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة؛ فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القومِ وأجْلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا! ثم أُصلِّي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مَشَيْتُ حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ فسلمت عليه، فوالله ما ردّ عليّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنْشُدُك بالله! هل تعلَمنَّ أني أُحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعُدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتولّيت حتى تسوّرت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من نَبَط أهلِ الشام ممن قَدِم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفِقَ الناس يُشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إليّ كتاباً من مَلِك غَسّانَ، وكنت كاتباً فقرأته فإذا فيه: أما بعد! فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلْك الله بدار هَوَانٍ ولا مَضْيَعَة فَالْحَقْ بنا نُواسك. قال فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء! فتياممت بها التنُّورَ فَسَجَرْته بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلْبَثَ الوَحْيُ إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل ٱمرأتك. قال فقلت: أُطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل ٱعتزلها فلا تقربَنّها. قال: فأرسل إلى صَاحِبِيّ بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: ٱلْحَقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت ٱمرأة هلال بن أُمية رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أُميّة شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخْدُمَه؟ قال: «لا ولكن لا يقربَنّكِ» فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء! ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال بعض أهلي لو استأذنتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أُمية أن تخدُمَه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يُدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب! قال: فلبِثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نُهِيَ عن كلامنا. قال: ثم صلّيت صلاة الفجر صباحَ خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رَحُبت سمعت صوت صارخ أوْفَى على سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبْشِر. قال: فَخَرَرْت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلّى صلاة الفجر؛ فذهب الناس يبشروننا، فذهب قِبل صاحبَيّ مُبَشِّرون، وركض رجل إليّ فرساً، وسعى ساعٍ من أسْلَم قبلي وأوْفَى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس؛ فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشّرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشارته، واللَّهِ ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فٱنطلقت أتأمَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يُهنّئونني بالتوبة ويقولون: لتَهْنِئْك توبةُ الله عليك، حتى دخلتُ المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس؛ فقام طلحة بن عبيد الله يُهرول حتى صافحني وهنّأني، واللَّهِ ما قام رجل من المهاجرين غيرُه. قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يَبْرُق وجهه من السرور ويقول: «أبشِر بخيرِ يومٍ مرّ عليك منذ ولدتك أُمّك». قال: فقلت أمن عند الله يا رسول الله أمن من عندك؟ قال: «لا بل من عند الله». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعةُ قَمَر. قال: وكنا نعرف ذلك. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبة الله عليّ أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسِك عليك بعضَ مالك فهو خير لك». قال فقلت: فإني أمسك سَهْمِيَ الذي بخَيْبَر. قال وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحَدِّث إلا صدقاً ما بَقِيت. قال: فوالله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدقِ الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسنَ مما أبلاني الله به، والله ما تعمّدت كذِبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو الله أن يَحفظني فيما بَقِيَتفسير : ؛ فأنزل الله عز وجل: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ} ـ حتى بلغ ـ {إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ. وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} ـ حتى بلغ ـ {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ}. قال كعب: واللَّهِ ما أنعم الله عليّ من نعمة قطُّ بعد إذ هداني الله للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ أكون كَذَبْتُه فأهْلِك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوَحْيَ شَرّ ما قال لأحد، وقال الله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}. قال كعب: كنا خلّفْنا أيها الثلاثةُ عن أمرِ أُولئك الذين قَبِل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حَلَفُوا له فبايَعهم وٱستغفرَ لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ}، وليس الذي ذَكر الله مما خُلِّفْنا تَخَلُّفَنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له وٱعتذر إليه فقَبِل منه. قوله تعالى: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي بما ٱتسعت؛ يقال: منزل رَحْب ورحِيب ورُحاب. و «ما» مصدرية؛ أي ضاقت عليهم الأرض برَحْبها، لأنهم كانوا مهجورين لا يعامَلون ولا يكلَّمون. وفي هذا دليل على هِجران أهل المعاصي حتى يتوبوا. قوله تعالى: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} أي ضاقت صدورهم بالهمّ والوحشة، وبما لقوه من الصحابة من الجفوة. {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجئون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. قال أبو بكر الورّاق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رَحُبت، وتضيق عليه نفسه؛ كتوبة كعب وصاحبيه. قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} فبدأ بالتوبة منه. قال أبو زيد: غَلِطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أُحبّه فإذا هو أحبّني؛ قال الله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. وظننت أني أرضى عنه فإذا هو قد رضِي عني؛ قال الله تعالى: {رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ}. وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني؛ قال الله تعالى: {وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}. وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب عليّ؛ قال الله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ}. وقيل: المعنى ثم تاب عليهم ليثبتوا على التوبة؛ كما قال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء: 136] وقيل: أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم؛ قال جل وعز: {أية : فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}تفسير : [النساء: 160]
البيضاوي
تفسير : {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ} وتاب على الثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. {ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ} تخلفوا عن الغزو أو خلف أمرهم فإنهم المرجئون. {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي برحبها لإِعراض الناس عنهم بالكلية وهو مثل لشدة الحيرة. {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } قلوبهم من فرط الوحشة والغم بحيث لا يسعها أنس ولا سرور. {وَظَنُّواْ} وعلموا. {أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ} من سخطه. {إِلاَّ إِلَيْهِ} إلا إلى استغفاره. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} بالتوفيق للتوبة. {لِيَتُوبُواْ} أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التائبين، أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم. {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة. {ٱلرَّحِيمِ} المتفضل عليهم بالنعم.
ابن كثير
تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك؛ أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط، إلا في غزاة تبوك، غيرأني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدواً كثيراً، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد: الديوان - قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أصعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئاً، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي، حتى شمّر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً، والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين، ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فألحقهم، وليت أني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذره الله عز وجل، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «حديث : ما فعل كعب بن مالك؟» تفسير : فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك، حضرني بثي، وطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلمت عليه، تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: «حديث : تعال» تفسير : فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «حديث : ما خلفك؟ ألم تكن قد اشتريت ظهراً؟» تفسير : فقلت: يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه، إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» تفسير : فقمت، وقام إلي رجال من بني سلمة، واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، قال: ثم قلت لهم: هل لقي معي هذا أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما ليـ قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا - أيها الثلاثة - من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا وقعدافي بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأسلم وأقول في نفسي: أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلِّي قريباً منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإِذا التفتُّ نحوه، أعرض عنِّي، حتَّى إِذا طال عليَّ ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتَّى تسوَّرت حائط أبي قتادة، وهوابن عمي، وأحب الناس إليَّ، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت له فنشدته، فسكت، فعدت له فنشدته، فسكت، فقال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء، فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً، فإِذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضاً من البلاء، قال: فتيممت به التنور، فسجرته به، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني يقول: يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها، أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها، قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالاً شيخ ضعيف ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه، قال: «حديث : لا، ولكن لا يقربنّك» تفسير : قالت: وإنه والله ما به من حركة إلى شيء، وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك، فقد أذن لا مرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته، وأنا رجل شاب؟ قال: فلبثنا عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجل فرساً، وسعى ساع من أسلم، وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنوني بتوبة الله، يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، والناس حوله، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «حديث : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» تفسير : قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ قال: «حديث : لا، بل من عند الله» تفسير : قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إِن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: «حديث : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» تفسير : قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإِني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي. (قال): وأنزل الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلأَنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } إلى آخر الآيات. قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال الله تعالى: { أية : سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [التوبة: 95-96] قال: وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك - الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فلذلك قال عز وجل: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} وليس تخليفه إِيانا وارجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم، من حديث الزهري بنحوه، فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكلهم من الأنصار، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، وكلهم قال: مرارة بن ربيعة، وكذا في مسلم: مرارة بن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع، وفي رواية عن الضحاك: مرارة بن الربيع؛ كما وقع في الصحيحين وهو الصواب، وقوله: فسموا رجلين شهدا بدراً، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإِنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدراً، والله أعلم. ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب؛ من هجر المسلمين إياهم نحواً من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، أي: مع سعتها، فسدت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله، واستكانوا لأمر الله وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيراً لهم، وتوبة عليهم، ولهذا قال: { يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي: اصدقوا، والزموا الصدق، تكونوا من أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق عن عبد الله، هو ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بالصدق؛ فإِن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» تفسير : أخرجاه في الصحيحين، وقال شعبة: عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرؤوا إن شئتم { يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} هكذا قرأها، ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة؟ وعن عبد الله بن عمرو في قوله: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} قال: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما، وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} تاب {عَلَىٰ ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ } عن التوبة عليهم بقرينة {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } أي مع رحبها أي سعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } قلوبهم للغم والوحشة بتأخير توبتهم فلا يسعها سرورٌ ولا أُنس {وَظَنُّواْ } أيقنوا {أن } مخففة {لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } وفَّقهم للتوبة {لِيَتُوبُواْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَعلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ} يعني وتاب على الثلاثة الذين خلّفوا وفيه وجهان: أحدهما: خلفوا عن التوبة وأخرت عليهم حين تاب عليهم، أي على الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم مع أبي لبابة، قاله الضحاك وأبو مالك. الثاني: خلفوا عن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله عكرمة. وهؤلاء الثلاثة هم: هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك. {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} لأن المسلمين امتنعوا من كلامهم. {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} بما لقوه من الجفوة لهم. {وَظَنُّوآ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجؤون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} قال كعب بن مالك: بعد خمسين ليلة من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزاة تبوك. {لِيَتُوبُوآ} قال ابن عباس ليستقيموا لأنه قد تقدمت توبتهم وإنما امتحنهم بذلك استصلاحاً لهم ولغيرهم. قوله عز وجل: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} في هذه الآية قولان: أحدهما: أنها في أهل الكتاب، وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا من اليهود بموسى، ومن النصارى بعيسى اتقوا الله في إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وكونوا مع الصادقين يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جهاد المشركين، قاله مقاتل بن حيان. الثاني: أنها في المسلمين: وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا من المسلمين اتقوا الله وفي المراد بهذه التقوى وجهان: أحدهما: اتقوا الله من الكذب، قال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جدٍّ ولا هزل، اقرأُوا إن شئتم {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} وهي قراءة ابن مسعود هكذا: من الصادقين. والثاني: اتقوا الله في طاعة رسوله إذا أمركم بجهاد عدوِّه. {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} فيهم أربعة أقاويل: أحدها: مع أبي بكر وعمر، قاله الضحاك. الثاني: مع الثلاثة الذين خُلفوا حين صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم عن تأخرهم ولم يكذبوا. قاله السدي. والثالث: مع من صدق في قوله ونيته وعمله وسره وعلانيته، قاله قتادة. والرابع: مع المهاجرين لأنهم لم يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن جريج.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَعَلَى الثَّلاثَةِ} وتاب على الثلاثة. {خُلِّفُواْ} عن التوبة فأُخرت توبتهم حتى تاب الله ـ تعالى ـ على الذين ربطوا أنفسهم مع أبي لبابة، أو خلفوا عن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم. {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ} لامتناع المسلمين من كلامهم. {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} بما لقوه من جفوة الناس {وَظَنُّواْ} أيقنوا أنهم لا يلجؤون في قبول توبتهم والصفح عنهم إلا إلى ربهم، ثم تاب عليهم بعد خمسين ليلة من مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم {لِيَتُوبُواْ} ليستقيموا، لأن توبتهم قد تقدمت "ع" وامتحنوا بذلك إصلاحاً لهم ولغيرهم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} هذا معطوف على ما قبله تقديره لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا وفائدة هذا العطف بين قبول توبتهم وهم كعب ابن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكلهم من الأنصار وهم المرادون بقوله سبحانه وتعالى وآخرون مرجون لأمر الله وفي معنى خلفوا قولان: أحدهما أنهم خلفوا عن توبة أبي لبابة وأصحابه وذلك أنهم لم يخضعوا كما خضع أبو لبابة وأصحابه فتاب الله على أبي لبابة وأصحابه وأخر أمر هؤلاء الثلاثة مدة ثم تاب عليهم بعد ذلك والقول الثاني أنهم تخلفوا عن غزوة تبوك ولم يخرجوا مع رسول الله فيها وأما حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، فقد روي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب وكان قائد كعب بن بنيه حين عمي قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت كعب بن مالك بن عبد الله بن مالك بن كعب يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توائقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حتى تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حين جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً واستقبل عدواً كثيراً فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حيت طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً فأقول في نفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً مما عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك:"حديث : ما فعل كعب بن مالك"تفسير : فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو كذلك، رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : كن أبا خيثمة"تفسير : فإذ هو أبو خيثمة وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني بثى فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غداً واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله عز وجل حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال لي حديث : تعالىتفسير : فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال حديث : ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهركتفسير : قال قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، وفي رواية عفو الله عز وجل، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أوقى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيكتفسير : فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك قال فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم هل لقي هذا أحد معي قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك قلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدوا بدراً ففيهما أسوة قال فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه قال: فاجتنبنا الناس أو قال تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريباً منه وأسارقة النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال: فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل عليّ كعب بن مالك قال فطفق الناس يشيرون له إليّ حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فقرأته فإذا فيه أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك قال: فقلت حين قرأتها وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها قال وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال فجاءت امرأة هلال بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خدام فهل تكره أن أخدمه قال حديث : لا ولكن لا يقربنكتفسير : فقالت إنه والله ما به حركة إلى شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال فقلت لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال ثم صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل عنا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال فخررت ساجداً وعرفت أنه قد جاء فرج قال وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلى فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أتأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة ويقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله الناس فقال إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلا رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: حديث : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمكتفسير : قال: قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال: حديث : لا بل من عند اللهتفسير : . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سرَّ استنار وجهه حتى كان وجهه قطعة قمر قال وكنا نعرف ذلك منه قال فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لكتفسير : قال فقلت فإني أمسك سهمي الذي بخيبر قال وقلت يا رسول الله إن الله إن أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت قال فوالله ما علمت أن أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله، والله ما تعمدت كذبه منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي قال فأنزل الله عز وجل لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة حتى بلغ أنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت حتى بلغ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال كعب: والله ما أنعم الله عليهم الأرض بما رحبت حتى بلغ اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا إن الله عز وجل قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال الله سبحانه وتعالى: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله تعالى فيه فبذلك قال الله عز وجل: وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس الذي ذكر مما خلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه وفي رواية ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا فاجتنب الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر فما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي ولا يسلم علي قال: وأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة. وكانت أم سلمة محسنة في شأني معتنية بأمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره قال: إذا يحطمكم الناغس فيمنعونكم النوم سائر الليل حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا" تفسير : أخرجه البخاري ومسلم. (شرح غريب هذا الحديث).. قوله حين تواثقنا على الإسلام: التواثق تفاعل من الميثاق وهو العهد. والراحلة: الجمل أو الناقة القويان على الحمل والسفر. وقوله: ورى بغيرها يقال: ورى عن الشيء إذا أخفاه وأظهر غيره. والمفازة: البرية القفراء سميت بذلك تفاؤلاً بالفوز والنجاة منها قوله فجلا هو بالتخفيف يعني كشف لهم مقصدهم وأظهره لهم والأهبة الجهاز وما يحتاج إليه المسافر قوله فأنا إليها صعر هو بالعين المهملة أي أميل والصعر الميل. قوله: وتفارط الغزو أي تباعد ما بيني وبين الجيش من المسافة وطفق مثل جعل والمغموص المعيب المشار إليه بالعيب. يقال: فلان ينظر في عطفيه إذا كان معجباً بنفسه. ويقال: زال به السراب يزول إذا ظهر شخص الإنسان خيالاً فيه من بعد. والسراب: هو ما يظهر للإنسان في البرية في وقت الهاجرة كأنه ماء والمبيض بكسر الياء لابس البياض. قوله: كن أبا خيثمة معناه أنت أبو خيثمة وقيل معناه: اللهم اجعله أبا خيثمة أي لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة قوله الذي لمزه المنافقون يعني عابوه واحتقروه والقافل الراجع من سفره إلى وطنه قوله حضرني بثني البث أشد الحزن كأنه لشدته يظهر قوله زاح عني الباطل أي زال وذهب عني وأجمعت صدقه أي عزمت عليه لقد أعطيت جدلاً أي فصاحة وقوة في الكلام بحيث أخرج عن عهدة ما أردت بما أشاء من الكلام والمغضب بفتح الضاد هو الغضبان قوله بما زالوا يؤنبونني أي يلومونني أشد اللوم قوله حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي الأرض التي أعرف: معناه تغير علي كل شيء من الأرض وتوحشت عليّ وصارت كأنها أرض لا أعرفها وقوله فأما صاحباي فاستكانا يعني خضعا وسكنا قوله تسورت حائط أبي قتادة أي علوته وصعدت سوره وهو أعلاه والأنباط الفلاحون والزراعون وهم من العجم والروم والمضيعة مفعلة من الضياع والأطراح، وقوله فتيممت بها التنور فسجرته بها أي فقصدت بالصحيفة التي أرسل بها ملك غسان فأحرقتها في التنور وسلع جبل بالمدينة معروفة وقوله وانطلقت أتأمم يعني أقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والفوج: الجماعة من الناس. يقال: برق وجهه إذا لمع وظهر عليه أمارات الفرح والسرور قوله أنخلع من مالي أي أخرج منه جميعه وأتصدق به كما يخلع الإنسان قميصه. قوله ما علمت أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني البلاء. والابتلاء: يكون في الخير وفي الشر وإذا أطلق كان في الشر غالباً فإذا أريد به الخير قيد به كما قيد هنا بقوله أحسن مما أبلاني أن أنعم على قوله أن لا أكون كذبته، هذا هو في جميع روايات الحديث بزيادة لفظ لا قال بعض العلماء لفظة لا زائدة ومعناه أن أكون كذبته وقوله فأهلك هو بكسر اللام وإرجاؤه أمرنا تأخيره وقوله في الرواية الأخرى يحطمكم الناس أي يطؤكم ويزدحمون عليكم وأصل الوطء الكسر وقوله سائر الليل يعني باقي الليل وقوله وآذن بتوبة الله علينا أي أعلم والأذان الإعلام والله أعلم. قوله عز وجل: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} يعني بما اتسعت والرحب سعة المكان والمعنى أنه ضاق عليهم المكان بعد أن كان واسعاً {وضاقت عليهم أنفسهم} يعني من شدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم {وظنوا} يعني وأيقنوا وعلموا {أن لا ملجأ} يعني لا مفزع ولا مفر {من الله إلا إليه} ولا عاصم من عذابه إلا هو {ثم تاب عليهم} فيه إضمار وحذف تقديره وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فرحمهم ثم تاب عليهم وإنما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه وقوله ثم تاب عليهم تأكيد لقبول تبوتهم لأنه قد ذكر توبتهم في قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} كما تقدم بيانه وأنه عطف على قوله {أية : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار}تفسير : [التوبة: 117] أي وتاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار أي وتاب الله على الثلاثة الذين خلفوا. وقوله تعالى: {ليتوبوا} معناه: أن الله سبحانه وتعالى تاب عليهم في الماضي ليكون ذلك داعياً لهم إلى التوبة في المستقبل فيرجعوا ويداوموا عليها وقيل إن أصل التوبة الرجوع ومعناه ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالتهم الأولى يعني إلى عادتهم في الاختلاط بالناس ومكالمتهم فتسكن نفوسهم بذلك {إن الله هو التواب} يعني على عباده {الرحيم} بهم وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والفضل والإحسان وأنه لا يجب على الله تعالى شيء. قوله عز وجل:{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} يعني في مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم {وكونوا مع الصادقين} يعني مع من صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الغزوات ولا تكونوا مع المتخلفين من المنافقين الذين قعدوا في البيوت وتركوا الغزو. وقال سعيد بن جبير: مع الصادقين يعني مع أبي بكر وعمر. قال ابن جريج: مع المهاجرين. وقال ابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص نية. وقيل: كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب وهم يعتذرون بالأعذار الباطلة الكاذبة وهذه الآية تدل على فضيلة الصدق لأن الصدق يهدي إلى الجنة والكذب إلى الفجور كما ورد في الحديث. وقال ابن مسعود: الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صاحبه شيئاً ثم لا ينجزه اقرأوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين. وروي أن أبا بكر الصديق احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة وذلك أن الأنصار قالوا: منا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر: يا معشر الأنصار إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه للفقراء المهاجرين إلى قوله أولئك هم الصادقون من هم قالت الأنصار: أنتم هم فقال أبو بكر: إن الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين فأمركم أن تكونوا معنا ولم يأمرنا أن نكون معكم نحن الأمراء وأنتم الوزراء وقيل مع بمعنى من والمعنى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من الصادقين قوله سبحانه وتعالى: {ما كان لأهل المدينة} يعني لساكني المدينة من المهاجرين والأنصار: {ومن حولهم من الأعراب} يعني سكان البوادي من مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وقيل: هو عام في كل الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى {أن يتخلفوا عن رسول الله} يعني إذا غزا وهذا ظاهر خبر ومعناه النهي أي ليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {ولا يرغبوا} يعني ولا أن يرغبوا {بأنفسهم عن نفسه} يعني ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرضاه لنفسه ولا يختاروا لأنفسهم الخفض والدعة ويتركوا مصاحبته والجهاد معه في حال الشدة والمشقة وقال الحسن: لا يرغبوا بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر ومقاساة التعب {ذلك بأنهم لا يصيبهم} في سفرهم وغزواتهم {ظمأ} أي عطش {ولا نصب} أي تعب {ولا مخمصة} يعني مجاعة شديدة {في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار} يعني ولا يضعون قدماً على الأرض يكون ذلك القدم سبباً لغيظ الكفار وغمهم وحزنهم {ولا ينالون من عدو نيلاً} يعني أسراً أو قتلاً أو هزيمة أو غنيمة أو نحو ذلك قليلاً كان أو كثيراً {إلا كتب لهم به عمل صالح} يعني إلا كتب الله لهم بذلك ثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم وقبله منهم {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} يعني أن الله سبحانه وتعالى لا يدع محسناً من خلقه قد أحسن في عمله وأطاعه فيما أمره به أو نهاه عنه أن يجازيه على إحسانه وعمله الصالح في الآية دليل على أن من قصد معصية الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله من قصد معصية الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها سيئآت إلا أن يغفرها الله بفضله وكرمه واختلف العلماء في حكم هذه الآية. فقال قتادة: هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المؤمنين أن يتخلف عنه إذا لم يكن للمسلمين إليه ضرورة. وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك وابن جابر وسعيداً يقولون في هذه الآية إنها لأول هذه الأمة وآخرها فعلى هذا تكون هذه الآية محكمة لم تنسخ. وقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلاً فلما كثروا نسخها الله عز وجل وأباح التخلف لمن شاء بقوله وما كان المؤمنون لينفروا كافة ونقل الواحدي عن عطية أنه قال: وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم وأمرهم. وقال: هذا هو الصحيح لأنه لا تتعين الطاعة والإجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إذا أمر وكذا غيره من الأئمة والولاة قالوا إذا ندبوا أوعينوا لأنّ لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد ولم يختص بذلك بعض دون بعض لأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما صرح بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن كل أحد فقير إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي، وجعلهم في حيزهم تشريفاً لهم وتأنيساً لئلا يشتد إنكارهم، أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ فقال غير مصرح بالزيغ تعليماً للأدب وجبراً للخواطر المنكسرة: {وعلى} أي ولقد تاب الله على {الثلاثة الذين}. ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف، بني للمفعول قوله: {خلفوا} أي خلفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجران ونهى الناس عن كلامهم، وأخر الحكم فيهم ليأتي أمر الله في بيان أمرهم واستمر تخليفهم {حتى إذا ضاقت} أشار إلى عظيم الأمر بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم الأرض } أي كلها {بما رحبت} أي مع شدة اتساعها،أي ضاق عليهم فسيحها ووسعها. ولما كان هذا قد يراد به الحقيقة، وكان ضيق المحل قد لا يستلزم ضيق الصدر، أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال: {وضاقت عليهم} بالهم المزعج والغم المقلق {أنفسهم} أي من شدة ما لاقوا من الهجران حتى بالكلام حتى برد السلام؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا بالمراقبة، أتبعه ذلك للتخلف بها قوله: {وظنوا} أي أيقنوا، ولعله عبر بالظن إيذان بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال، فكان يقينهم لشدة الخواطر كأنه ظن، أو يقال - وهو حسن -: إن التعبير به عن يقين المخلصين إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي عليه أن لا يقدر أحد أن يُقدر لله حق قدره - كما قال صدق الخلق صلى الله عليه وسلم" حديث : لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" تفسير : وهذا من النفائس فاستعمله في أمثاله {أن لا ملجأ} أي مهرب ومفزع {من الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {إلا إليه} أي بما يرضيه، وهو مثل لتحيرهم في أمرهم، وجواب {إذا} محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره: تداركهم بالتوبة فردهم إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب. ولما كان ما عملوه من التخلف عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عظيماً بمجرد المخالفة ثم يترك المواساة ثم بالرغبة عنه صلى الله عليه وسلم ثم بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة، أعلم سبحانه أنه رقاهم في رتب الكمال بأن جعل ذلك سبباً لتطهيرهم من جميع الأدناس وتنقيتهم من سائر الأردان المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه " حديث : أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك"تفسير : ، أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيراً إلى ما بعده لولا فضل الله - بأداة الاستبعاد: {ثم تاب عليهم} أي رجع بهم بعد التوبة إلى مقام من مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو لعلوه بالنسبة إلى ما دونه، توبة {ليتوبوا} أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ما كانوا عليه من الإحسان في الدين والتخلق بإخلاق السابقين، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء، ويمكن أن يكون التعبير - {ثم} إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ترقوا إليه من مراتب الخوف، وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا، وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم، ومن هذا البارق - حسنات الأبرار سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيباً فقال معبراً بما يشير مع أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم: {إن الله} أي الذي له الكمال كله {هو} أي وحده {التواب} أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه {الرحيم*} أي المكرم لمن أراد من عباده بأن يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ، ويبالغ في الإنعام عليه. ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق وما معه - هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان بشهادة المصطفى صلى الله عليه وسلم، رغب سبحانه في الصدق فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك {اتقوا الله} أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقاً لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه {وكونوا} أي كوناً صادقاً بجميع الطبع والجبلة {مع الصادقين*} أي في كل أمر يطلب منهم، ولعله أخرج الأمر مخرج العموم ليشمل كل مؤمن، فمن كان مقصراً كانت آمره له باللحاق، ومن كان مسابقاً كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق، ولعله عبر بـ {مع} ليشمل أدنى الدرجات، وهو الكون بالجثت، وقد روى البخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيحه منها التفسير، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه رضي الله عنهحديث : أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين: غزوة العسرة - يعني هذه - وغزوة بدر، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ما خرج أولاً إلا لأجل العير، قال: فأجمعت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ النبي صلى الله عليه وسلم أو يموت النبي صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ، فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة رضي الله عنها، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياأم سلمة! تيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه فأشره؟ قال: إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الللية حتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر، وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المتخلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد، قال الله عز وجل {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} . تفسير : ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق، والذي التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق، قال تعالى ناهياً بصيغة الخبر ليكون أبلغ، جامعاً إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف: {ما كان} أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه {لأهل المدينة} أي التي هي سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي دار الهجرة ومعدن النصرة {ومن حولهم} أي في جميع نواحي المدينة الشريفة {من الأعراب} أي من سكان البوادي الذين أقسموا بالإسلام {أن يتخلفوا} أي في أمر من الأمور {عن رسول الله} أي الملك الأعلى، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جنان الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم {ولا يرغبوا} أي وما كان لهم أن يرغبوا، ولعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة إلى من أيده به صلى الله عليه وسلم من جنوده فقال تعالى: {بأنفسهم عن نفسه } أي التي هي أشرف النفوس مطلقاً بأن يصونوا نفوسهم عما باشره صلى الله عليه وسلم بل يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى، فهى كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب وتهييج. ولما علل الأمر بالتقوى، علل النهي عن التخلف بما يدل على صدق الإيمان فيصير نقيضه دالاً على نقيضه فقال: {ذلك} أي النهي العظيم عن التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون {بأنهم لا يصيبهم ظمأ} أي عطش شديد {ولا نصب} أي تعب بالغ {ولا مخمصة} أي شدة مجاعة {في سبيل الله} أي طرق دين الملك الأعظم المتوصلة به إلى جهاد أعدائه، ورتبت هذه الأشياء ترتيبها في الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث التعب، والأغلب أن يكون قبل الجوع. ولما كان المقصود من إجهاد النفس بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم، أتبع ذلك قوله: {ولا يطؤون موطئاً} أي وطأً أو مكاناً وطؤه {يغيظ الكفار} أي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم {ولا ينالون من عدو نيلاً} أي كائناً ما كان صغيراً او كبيراً {إلا كتب لهم به} أي في صحائف الأعمال، بني للمفعول لأن القصد إثباته لا من معين {عمل صالح} أي ترتب لهم عليه أجر جزيل. ولما كان فاعل هذه الأشياء مقدماً على المعاطب في نفسه ومحصلاً لعرض الجهاد، أشير على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن، أما في حق نفسه فبإقامة الدليل بطاعته على صدق إيمانه. وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم عن طمع الكافرين. وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان، فقال تعالى معللاً للمجازاة: {إن الله} أي الذي له صفات الكمال {لا يضيع} أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال {أجر المحسنين*} وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً بالوصف.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله في قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار. وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن جارية قال: الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيع. وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: إن الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف. وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: حديث : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي أوان خرج عامة المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه يتلقونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه "لا تكلمن رجلاً تخلف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم فلم يكلموهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الذين تخلفوا يسلمون عليه، فأعرض عنهم وأعرض المؤمنون عنهم حتى أن الرجل ليعرض عنه أخوه وأبوه وعمه، فجعلوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتذرون بالجهد والأسقام، فرحمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعهم واستغفر لهم، وكان ممن تخلف عن غير شك ولا نفاق ثلاثة نفر الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة. كعب بن مالك السلمي، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن ربيعة العامري" . تفسير : وأخرج ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق الزهري قال: حديث : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عميَ قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإِسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر. وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة إلا ورّي بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً واستقبل عدوّاً كثيراً، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوّهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان. قال كعب رضي الله عنه: فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وآن لها أن تصغر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إن أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً، وفلت الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم - وليت أني أفعل - ثم لم يقدر لي ذلك، فطفقت إذ خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قال كعب بن مالك: فلما بلغني رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك، حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً، راح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدا بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي "تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك، ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلاً ولكنه - والله - لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله بسخطك عليَّ، ولئن حدثتك الصدق وتجد عليَّ فيه إني لأرجو قرب عتبي من الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة، واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحداً؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة حسنة، فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا، ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسوّرت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ فسلمت عليه، فوالله ما رد السلام عليَّ فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى، هل تعلم إني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته قال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار. وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاء فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسان - وكنت كاتباً - فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء. فيممت بها التنور فسجرته فيها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟! قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالاً شيخ ضائع وليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي من لدن إن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلت: والله لا استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب. قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا، قد ضاقت عليَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخاً أو في جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء الفرج، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إليَّ رجل فرساً وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته - والله ما أملك غيرهما يومئذ - فاستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنئونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة. قال كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور "ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر. فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك. قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كلمة منذ قلت ذلك إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، وأنزل الله {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار} [التوبة: 117] إلى قوله {وكونوا مع الصادقين} فوالله ما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني الله للإِسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس} [التوبة: 95] إلى قوله {الفاسقين} قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا، فبايعهم واستغفر لهم وأرْجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وليس تخليفه ايانا وارجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو حلف له واعتذر إليه فقبل منه" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبَّلت يده وركبتيه، وكسوت المبشر ثوبين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: الذين أرجأوا في وسط براءة قوله {أية : وآخرون مرجون لأمر الله} تفسير : [التوبة: 106] هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} مثقلة يقول: عن غزوة تبوك. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك تخلف كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، قال: أما أحدهم فكان له حائط حين زها قد فشت فيه الحمرة والصفرة فقال: غزوت وغزوت وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أقمت العام في هذا الحائط فأصبت منه. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دخل حائطه فقال: ما خلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق المؤمنون في الجهاد في سبيل الله إلا ضن بك أيها الحائط، اللهمَّ إني أشهدك أني تصدقت به في سبيلك. وأما الآخر فكان قد تفرق عنه من أهله ناس واجتمعوا له فقال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت، فلو أني أقمت العام في أهلي. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق إليه المجاهدون في سبيل الله إلا ضن بكم أيها الأهل، اللهم إن لك عليَّ أن لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى أعلم ما تقضي فيَّ. وأما الآخر فقال: اللهم إن لك عليَّ أن ألحق بالقوم حتى أدركهم أو أنقطع. فجعل يتتبع الدقع والحزونة حتى لحق بالقوم، فأنزل الله {لقد تاب الله على النبي} إلى قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} قال الحسن رضي الله عنه: يا سبحان الله! والله ما أكلوا مالاً حراماً، لا أصابوا دماً حراماً، ولا أفسدوا في الأرض، غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير الجهاد في سبيل الله، وقد - والله - جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا، فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} يعني خلفوا عن التوبة، لم يتب عليهم حتى تاب الله على أبي لبابة وأصحابه. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر عن عكرمة في قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} عن التوبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة بن خالد المخزومي، أنه كان يقرؤها {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} نصب أي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دعا الله إلى توبته من قال {أية : أنا ربكم الأعلى} تفسير : [النازعات: 24]. وقال {أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : [القصص: 38] ومن آيس العباد من التوبة بعد هؤلاء فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله وهو قوله {ثم تاب عليهم ليتوبوا} فبدء التوبة من الله عز وجل.
ابو السعود
تفسير : {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ} أي وتاب الله على الثلاثة الذين أُخِّر أمرُهم عن أمر أبـي لُبابةَ وأصحابِه حيث لم يقبَلْ معذرتَهم مثلَ أولئك ولا رُدَّتْ ولم يُقطَعْ في شأنهم بشيء إلى أن نزل فيهم الوحيُ وهم كعبُ بنُ مالكٍ وهلالُ بنُ أميةَ ومَرارةُ بنُ الربـيع، وقرىء خَلَّفوا أي خلَّفوا الغازين بالمدينة أو فسَدوا، من الخالفة وخُلوف الفم، وقرىء على المخلّفين والأولُ هو الأنسبُ لأن قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ} غايةٌ للتخليف ولا يناسبُه إلا المعنى الأولُ، أي خُلّفوا وأخّر أمرُهم إلى أن ضاقت عليهم الأرضُ {بِمَا رَحُبَتْ} أي برُحبها وسَعتِها لإعراض الناسِ عنهم وانقطاعِهم عن مفاوضتهم وهو مثلٌ لشدة الحَيْرة كأنه لا يستقِرُّ به قرارٌ ولا تطمئن له دار {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} أي إذا رجَعوا إلى أنفسهم لا يطمئنّون بشيء لعدم الأنسِ والسرورِ واستيلاءِ الوحشة والحَيْرة {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} أي علِموا أنه لا ملجأَ من سُخطه تعالى إلا إلى استغفاره {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أي وفقّهم للتوبة {لِيَتُوبُواْ} أو أنزل قَبولَ توبتِهم ليصيروا من جملة التوّابـين أو رجَع عليهم بالقَبول والرَّحمة مرةً بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} المبالغُ في قَبول التوبةِ كمّاً وكيفاً وإن كثُرت الجناياتُ وعظمُت {ٱلرَّحِيمِ} المتفضل عليهم بفنون الآلاءِ مع استحقاقهم لأفانينِ العقاب. رُوي أن ناساً من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مَنُ بدا له وكره مكانه فلحِق به عليه الصلاة والسلام. عن الحسن رضي الله عنه أنه قال: بلغني أنه كان لأحدهم حائطٌ كان خيراً من ألف درهم فقال: يا حائطاه ما خلّفني إلا ظلُّك وانتظارُ ثمارِك اذهبْ فأنت في سبـيل الله ولم يكن لآخرَ إلا أهلُه فقال: يا أهلاه ما بطّأني ولا خلّفني إلا الفتنُ بك فلا جرَم والله لأكابدنّ الشدائدَ حتى ألحقَ برسول الله صلى الله عليه وسلم فتأبط زادَه ولحِق به عليه الصلاة والسلام، قال الحسن رضي الله عنه: كذلك والله المؤمنُ يتوب من ذنوبه ولا يُصِرُّ عليها (وعن أبـي ذر الغفاري أن بعيرَه أبطأ به فحمَل متاعَه على ظهره واتّبع أثرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ماشياً فقال عليه الصلاة والسلام لما رأى سوادَه: «كنْ أبا ذر» فقال الناسُ: هو ذلك فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : رحِم الله أبا ذر يمشي وحدَه ويموت وحده ويُبعث وحده») حديث : وعن أبـي خيثمةَ أنه بلغ بستانُه وكانت له امرأةٌ حسناءُ فرَشت له في الظل وبسَطت له الحصيرَ وقرّبت إليه الرطَبَ والماءَ الباردَ فنظر فقال: ظلٌ ظليلٌ ورُطبٌ يانعٌ وماء باردٌ وامرأةٌ حسناء ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الضِحّ والريح، ما هذا بخير، فقام ورحل ناقتَه وأخذ سيفَه ورُمحَه، ومرَّ كالريح، فمد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طْرفَه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السرابُ، فقال: «كن أبا خيثمةَ» فكانَهُ ففرِح به رسول الله واستغفرَ له) تفسير : ومنهم من بقيَ لم يلحَقْ به عليه الصلاة والسلام منهم الثلاثة. قال كعب رضي الله عنه: لما قفَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سلّمتُ عليه فرد عليّ كالمغضب بعد ما ذكرني، وقال: «ياليت شعري ما خلّف كعباً» فقيل له: ما خلفه إلا حسنُ بُردَيه والنظرُ في عِطْفيه فقال عليه الصلاة والسلام: ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً» ونهىٰ عن كلامنا أيها الثلاثةُ فتنكر لنا الناسُ ولم يكلمنا أحدٌ من قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلةً أُمرنا أن نعتزل نساءَنا ولا نقرَبَهن فلما تمت خمسون ليلةً إذا أنا بنداء من ذُروة سلعٍ: أبشرْ يا كعبُ بنَ مالكٍ فخرَرْتُ لله ساجداً وكنتُ كما وصفني ربـي وضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت وضاقت عليهم أنفسُهم وتتابعت البِشارةُ فلبست ثوبـي وانطلقتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالسٌ في المسجد وحوله المسلمون فقام إليّ طلحةُ بنُ عبـيد اللَّه يُهرْوِل إلي حتى صافحني وقال: لتهنِكَ توبةُ الله عليك فلن أنساها لطلحةَ رضي الله عنه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنير استنارةَ القمر: «أبشر يا كعبُ بخير يوم مر عليك منذ ولدتْك أمُّك» ثم تلا علينا الآية. وعن أبـي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النَّصوح فقال: أن تَضيق على التائب الأرضُ بما رحبَتْ وتضيقَ عليه نفسُه كتوبة كعب بن مالك وصاحبـيه.
التستري
تفسير : قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [118] الآية.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} [الآية: 118]. قال أبو عثمان: من رجع إلى الله وإلى سبيله، فلتكن صفة هذه الآية تضيق عليه الأرض، حتى لا يجد لقدمه فيها موضع قرار إلا وهو خائف، إن الله ينتقم منه فيه وتضيق عليه أحوال نفسه فينتظر الهلاك مع كل نفس هذه أوائل دلائل التوبة النصوح، ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع إلا إلى ربه، بانقطاع قلبه عن كل سبب قال الله تعالى: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}. قوله تعالى: {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ}. قال بعضهم: لم يعتمدوا حبيبًا ولا خليلاً بل قلوبهم منقطعة عن الخلق أجمع وعن الأكوان كلها، لذلك قيل: المعارف أن لا تلاحظ حبيبًا ولا خليلاً ولا كليمًا وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلاً. قال الجنيد رحمة الله عليه: ما نجا من نجا إلا بصدق اللجأ. قوله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ}. قال أحمد بن خضرويه لأبي يزيد رحمة الله عليه: بماذا أصل التوبة النصوح قال: بالله وبتوفيقه، ثم تاب عليهم ليتوبوا. قال بعضهم: عطف عليهم ببوادى عطفه ونعمه وفضله فألفوا إحسانه ورجعوا إليه فكان هو الذى أخذهم إلى نفسه، لا هم بأنفسهم رجعوا إليه. قال ابن عطاء: تعطف الرب على خلقه ولم يتعطف العبد إلى الله الطاعة.
القشيري
تفسير : لمَّا صَدَقَ منهم اللجاء تداركهم بالشِّفاء وأسقط عنهم البلاء، وكذلك الحقُّ يكَوِّرُ نهار اليُسْرِ على ليالي العُسْر، ويُطلِعُ شموسَ المحنة على نحوس الفتنة، ويُدِير فلكَ السعادة فيمحق تأثير طوارق النكاية؛ سُنَّةٌ منه - تعالى - لا يُبَدِّلها، وعادةٌ منه في الكَرَمِ يُجْرِيها ولا يحوِّلها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وعلى الثلاثة الذين خُلفِّوا} اى وتاب الله على الثلاثة الذين اخر امرهم ولم يقطع فى شأنهم بشيء الى ان نزل فيهم الوحى وهم كعب بن مالك والشاعر ومرادة بن الربيع العنبرى وهلال بنى امية الانصارى يجمعهم حروف كلمة "مكه" وآخر اسماء آبائهم "عكه" {حتى اذا ضاقت عليهم الارض} غاية للتخفيف اى اخر امرهم الى ان ضاقت عليهم الارض {بما رحبت} اى برحبها وسعتها لاعراض الناس حتى عن المكالمة معهم ولو بالسلام ورده وكانوا يخافون ان يموتوا فلا يصلى النبى عليه السلام ولا لمؤمنون على جنازتهم وهو مثل لشدة الحيرة كأنه لا يستقر به قرار ولا تطمئن له دار {وضاقت عليهم أنفسهم} اى امتلأت قلوبهم بفرط الوحشة والغم بحيث لم يبق فيها ما يسع شيئاً من الراحة والانس والسرور عبر عن الراحة والسرور بضمير عليهم حيث قيل ضاقت عليهم تنبيها على ان انتفاء الراحة والسرور بمنزلة انتفاء ذواتهم {وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا إليه} اى علموا وايقنوا ان لا ملاذ ولا خلاص من سخطه تعالى الا الى استغفاره فظنوا بمعنى علموا لانه تعالى ذكر هذا الوصف فى معرض المدح والثناء وذا لا يكون الا مع علمهم بذلك. وقوله ان مخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر ولا مع ما فى حيزها خبر ان ومن الله خبر لا وان ما فى حيزها ساد مسد مفعولى ظنوا ولا استثناء من العام المحذوف اى وعلموا ان الشان لا التجاء من سخط الله الى احد الا اليه. قال بعض المتقدمين من تظاهرت عليه النعم فليكثر الحمد لله ومن كثرت همومه فليكثر الاستغفار. واعلم ان من توغل فى بحر التوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يلتجئ الا الى الله فالفرار ليس الا اليه على كل حال واما المظاهر او المحال فليست الا اسبابا: وفى المثنوى شعر : كرجه سايه عكس شخص است اى بسر هيج ازسايه نتانى خوردبر هين زسايه شخص را مى كن طلب درمسبب روكذر كن از سبب تفسير : {ثم تاب عليهم} اى وفقهم للتوبة {ليتوبوا} ليرجعوا عن المعصية واعلم ان ههنا امورا ثلاثة. التوفيق للتوبة وهو ما دل عليه قوله ثم {تاب}. ونفس التوبة وهو ما دل عليه قوله {ليتوبوا}. وقبول الله تعالى اياها وهو ما دل عليه قوله {وعلى الثلثة} وانما عطف الامر الاول على الثالث بكلمة ثم لكونه اصل الجميع مقدما على الامر الثالث بمرتبتين فتكون كلمة ثم للتراخى الرتبى ويجوز ان يكون المعنى ثم تاب عليهم اى انزل قبول توبتهم ليتوبوا اى ليصيروا من جملة التوابين ويعدوا منهم فتكون كلمة ثم على اصل معناها لان انزال القبول متفرع على نفس القبول المذكور بقوله وعلى الثلاثة {ان الله هو التواب الرحيم} اى المبالغ فى قبول التوبة لمن تاب وان عاد فى اليوم مائة مرة المتفضل عليهم بفنون الآلآء مع استحقاقهم لا فانين العقاب شعر : كر لطف تويارى ننمايد زنخست هم توبه شكسته است وهم بيمان سست جون توبه باميد بذيرفتن تست تاتو نبذيرى نشود توبه درست تفسير : -روى- ان ناسا من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به عليه السلام. عن الحسن انه قال بلغنى انه كان لاحدهم حائط كان خيرا من مائة الف درهم فقال يا حائطاه ما خلفنى الا ظلك وانتظار ثمارك اذهب فانت فى سبيل الله ولم يكن لآخر الا اهله فقال يا اهلاه ما بطأنى ولا خلفنى الا الضن بك فلا جرم والله انى لأكابدنّ المفاوز حتى الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فركب ولحق ولم يكن لآخر الا نفسه لا اهل ولا مال فقال يا نفسى ما خلفنى الا حب الحياة لك والله لأكابدنّ الشدائد حتى الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فتأبط زاده ولحق به عليه السلام. حديث : وعن ابى ذر الغفارى ان بعيره ابطأه فحمل متاعه على ظهره واتبع اثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا *راه نزديك وبما ندم سخت دير* سير كشتم زين سوارة سيرسير* فقال صلى الله عليه وسلم لما رأى سواده "كن ابا ذر" فقال الناس هو ذاك فقال عليه السلام "رحم الله ابا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده" .تفسير : ومنهم من بقى ولم يلحق به عليه السلام وهم الثلاثة وكان كعب شهد بيعة العقبة وهلال ومرارة شهدا بدرا حديث : قال كعب لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته وسلمت عليه فرد على كالمغضب بعد ما ذكرنى وقال "يا ليت شعرى ما خلف كعبا" فقيل له ما خلفه الا حسن برديه والنظر فى عطفيه قال "ما اعلم الافضل واسلاما" وقال "ما خلفك عنى ألم تكن قد ابتعت ظهرك" فقلت ما خلفنى عند عذر وانما تخلفت بمجرد الكسل وقلة الاهتمام فقال عليه السلام "قم عنى حتى يقضى الله فيك" وكذا قال لصاحبيه ونهى عن كلامهم فاجتنبهم الناس ولم يكلمهم احد من قريب ولا بعيد فاما الرجلان فمكثا فى بيوتهما يبكيان واما كعب فكان يحضر الصلاة مع المسلمين ويطوف فى الاسواق فلا يكلمه احد منهم قال كعب وبينما انا امشى بسوق المدينة اذا نبطى من انباط الشأم ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلنى على كعب بن مالك فطفق اى جعل الناس يشترون له حتى اذا جاءنى دفع الى كتابا من ملك غسان الى وهو الحارث بن ابى شمر وكان الكتاب ملفوفا فى قطعة من الحرير فاذا فيه اما بعد فانه قد بلغنى ان صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا بضيعة ذل فالحق بنا نواسك فقلت لما قرأته وهذا ايضا من البلاء فتيممت اى قصدت به التنور فسجرته اى القيته فيه والانباط قوم يسكنون البطائح بين العراقيين قال حتى اذا مضت اربعون ليلة جاءنى رسول من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك ان تعتزل امرأتك فقلت أطلقها ام ماذا قال لا بل اعتزلها ولا تقربها وارسل الى صاحبى وهما هلال ومرارة بمثل ذلك فقلت لامرأتى الحقى باهلك فكونى عندهم حتى يقضى الله فى هذا الامر فجاءت امرأة هلال رسول الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان هلالا شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره ان اخدمه فقال عليه السلام "لا ولكن لا يقربك" وقالت والله انه ما به حركة الى شئ والله ما زال يبكى منذ كان من امره ما كان الى يومه هذا فمضى بعد ذلك عشر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين النهى عن الكلام قال كعب فلما كان صلاة الفجر صبح تلك الليلة سمعت صوتا من ذروة جبل سلع يقول باعلى صوته يا كعب بن مالك ابشر *ابشروا يا قوم اذ جاء الفرج*افرحوا يا قوم قد زال الحرج* *مى دمددر كوش هرغمكين بشير*خيز اى مدبر ره اقبال كير* *اى درين حبس ودرين كندوشيش*هين كه تاكس نشود رسنى خمش* *جون كنى خامش كنون اى يارمن*كزبن هرمو بر آمد طبل زن* فخررت ساجدا وعرفت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم بتوبة الله علينا فلما جاءنى الرجل الذى سمعت صوته يبشرنى وهو حمزة بن عمرو الاوسى نزعت ثوبى فكسوته اياهما ببشراه والله ما املك غيرهما يومئذ *بعيد نيست كه صد جان بمرده بستانند*برين بشارت دولت كه عن قريب آمد* واستعرت من ابن عمى قتادة ثوبين فلبستهماتفسير : . وكان المبشر لهلال بن امية اسعد بن سعد. ولمرارة بن ربيع سلكان بن سلامة قال كعب انزل الله توبتنا على نبيه حين بقى الثلث الاخير من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند ام سلمة رضى الله عنها وكانت ام سلمة محسنة فى شأنى معينة فى امرى فقال عليه السلام "حديث : يا ام سلمة تيب على كعب" قالت أفلا ارسل اليه فابشره "قال اذا يحطم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة" حتى اذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر اعلم بتوبة الله علينا قال فانطلقت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانى الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحوله الناس فقام الى طلحة بن عبد الله يهرول حتى صافحنى وهنأنى والله ما قام الى رجل من المهاجرين غيره ولا انساها لطلحة وذلك لانه عليه السلام كان آخى بينهما حين قدم المدينة قال فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور وكان عليه السلام اذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر: قال السلطان سليم الاول من السلاطين العثمانية *كرآكهى زمعنى والشمس والضحى*تعريف ماه روى دلاراى مصطفاست* *بنكر بجرح وكوكبه لشكر نجوم*كأنها فروغ كوهر والاى مصطفاست* فلما جلست بين يديه صلى الله عليه وسلم قال "ابشر يا كعب بخير يوم ما مر عليك منذ ولدتك امك" ثم تلا علينا الآية وهى {لقد تاب الله} [التوبة: 117] الى قوله {وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] فقلت يا رسول الله ان من توبتى ان انخلع من مالى صدقة الى الله والى رسوله قال "امسك عليك بعض مالك فهو خير لك"تفسير : .وعن ابى بكر الوراق انه سئل عن التوبة النصوح فقال ان تضيق على التائب الارض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه شعر : توبه كردم حقيقت باخدا نشكنم ناجان شدن از تن جدا تفسير : واعلم ان قصة هؤلاء الثلاثة اشارة الى ان الهجران بين المسلمين اذا كان فيه صلاح لدين المهجور لا يحرم محره حتى يزول ذلك وتظهر توبته وكذا اذا كان المهجور مذموم الحال لبدعة او فسق او نحوهما فانه لا يحرم الهجران الى ظهور التوبة لانه لحق الله لما كان فى جانب الدين فيجوز فوق ثلاثة ايام ولا تجوز الزيادة عن الثلاثة فيما كان بينهم من الامور الدنيوية وحظوظ النفس وانما عفى عنه فى الثلاثة لان الآدمى مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفى عن الهجر فى الثلاثة ليذهب ذلك العارض. فعلى العاقل ان يسارع الى تحصيل الاخوة فى الله ويجتنب عن التحاسد والتباغض والتدابير شعر : هيج رحمى نه ببرادر دارد هيج شوقى نه بدررا ببسرمى بنيم دختر انراهمه جنكست وجدل بامادر بسرانرا همه بدخواه بدر مى بنيم
الطوسي
تفسير : تقدير الكلام وتاب الله على الثلاثة الذين خلفوا. وقيل نزلت هذه الاية بسبب الثلاثة الذين تخلفوا عن غزاة تبوك ولم يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله لا عن نفاق، لكن عن توان، ثم ندموا، فلما ورد النبي صلى الله عليه وآله جاءوا اعتذروا، فلم يكلمهم النبي صلى الله عليه وآله وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان وأهاليهم وجاءت نساؤهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تعتزلهم، فقال: لا ولكن لا يقربونكن فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤس الجبال، فكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ويتركونه لهم ولا يكلمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس ولا يكلمنا أحد، فهلا نتهاجر نحن ايضاً، فتفرقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وثبتوا على ذلك نيفاً وأربعين يوماً. وقيل سنة يضرعون إلى الله تعالى ويتوبون اليه، فقبل الله تعالى حينئذ توبتهم، وانزل فيهم هذه الاية والثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن امية وفزارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر - والتخليف تأخير الشيء عمن مضى، فأما تأخير الشيء عنك في المكان، فليس بتخليف، وهو من الخلف الذي هو مقابل لجهة الوجه. وقال مجاهد: خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبته من المنافقين، كما قال تعالى فيما مضى {أية : وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم }تفسير : وقال قتادة {خلفوا} عن غزوة تبوك كما تخلفوا هم. وبه قال الحسن. وفي قراءة اهل البيت عليهم السلام {خالفوا} قالوا لأنهم لو خلفوا لما توجه عليهم العتب. وقوله {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} فالضيق ضد السعة ومنه ضيق الصدر، خلاف اتساعه بالهم الذي يحدث فيه فيشغله عن غيره، وليس كذلك السرور لأنه لا يشغل عن ادراك الامور. ومعنى {بما رحبت} اي بما اتسعت تقول: رحبت رحباً، ومنه مرحباً واهلا اي رحبت بلادك واهلت، وضيق انفسم ها هنا بمعنى ضيق صدورهم، بالهم الذي حصل فيها. وقوله {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} معناه وعلموا انه لا يعصمهم منه موضع إذا اعتصموا به والتجؤا اليه كأنه قال: لا معتصم من الله إلا به، لجأ يلجأ لجاء وألجأه إلى كذا إلجاء إذا صيره إليه بالمنع من خلافه. والتجأ اليه التجاء وتلاجؤا تلاجؤا. وقوله {ثم تاب عليهم ليتوبوا} قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - لطف لهم في التوبة، كما يقال في الدعاء: تاب الله عليه. الثاني - قبل توبتهم ليتمسكوا بها في المستقبل. الثالث - قبل توبتهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم. وقال الحسن: جعل لهم التوبة ليتوبوا بها، والمخرج ليخرجوا به. وقوله {إن الله هو التواب الرحيم} اخبار منه تعالى بأنه يقبل توبة عباده كثيراً ويغفر ذنوبهم إذا رجعوا اليه لرحمته عليهم ورأفته بهم. وكان أبو عمرو يحكي عن عكرمة بن خالد {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} بفتح الخاء والتخفيف وكان لا يأخذ بها. فان قيل: ما معنى التوبة عليهم واللائمة لهم وهم قد خلفوا فهلا عذروا؟ قيل: ليس المعنى انهم أمروا بالتخلف او رضي منهم به بل كقولك لصاحبك: أين خلفت فلاناً؟ فيقول: بموضع كذا ليس يريد انه امره بالتخلف هناك بل لعله ان يكون نهاه وانما يريد انه تخلف هناك
الجنابذي
تفسير : {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ} استعمال الخوالف فى النّساء والمخلّف فى الرّجال للاشارة الى انّ التّخلّف شأنهنّ فتخلّفهنّ لا تعمّل فيه، وامّا الرّجال فانّ شأنهم التّهييج للقتال وتخلّفهم كأنّه كان بتعمّل وقبول من غيرهم، ولمّا فهم العامّة من ظاهره انّ رسول الله (ص) خلّفهم انكر المعصومون (ع) قراءة خلّفوا وقرأوا خالفوا والاّ فقد سبق استعمال المخلّف فى المتخلّفين المخالفين عند قوله فرح المخلّفون والمعنى فرح الّذين حملهم الشّيطان على التّخلّف لا الرّسول (ص)، والثّلاثة المخلّفون كانا كعب بن مالكٍ ومرارة بن الرّبيع وهلال بن امّية كانوا تخلّفوا عن غزوة تبوك واستقبلوا رسول الله (ص) بعد مراجعته، فسلّموا عليه فلم يردّ عليهم الجواب وأمر اصحابه ان لا يسلّموا عليهم ولا يكلّموهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، فدخلوا المدنية ولا يكلّم معهم احد، ودخلوا المسجد فلا يسلّم عليهم احد، وجاءت نساؤهم الى رسول الله (ص) وقالت: بلغنا سخطك على ازواجنا؛ انعتزلهم؟ - فقال: "حديث : لا تعتزلنهم ولكن لا يقاربوكنّ"تفسير : ، فلمّا رأوا ما حلّ بهم قالوا: ما يقعدنا بالمدنية فخرجوا الى الجبال وقالوا: لا نزال فى هذه الجبال حتّى يتوب الله علينا، وكان أهلوهم يأتونهم بالطّعام فيضعونه عندهم ولا يكلّمونهم فلمّا طال عليهم الامر قال بعضهم: يا قوم سخط الله علينا ورسوله واخواننا واهلونا فلا يكلّمنا احد فما لنا نجتمع ولا يسخط بعضنا بعضاً، فتفرّقوا وحلفوا ان لا يتكلّم احد منهم احداً حتّى يموتوا او يتوب الله عليهم، فبقوا على هذه الحال فأنزل الله توبتهم على رسوله حين اشتدّ الامر عليهم {حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} بعدم تكلّم رسول الله (ص) ولا اصحابه ولا اهليهم {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} بعدم اجتماعهم وعدم تكلّم بعضهم بعضاً {وَظَنُّوۤاْ} اى علموا وأيقنوا واطلاق الظّنّ على العلم لما مرّ مراراً انّ علوم النّفس ان كانت يقينيّاتٍ فهى ظنون لتوجّهها الى السّفل وتخلّف المعلوم وغاياتها عنها بخلاف علوم العقل فانّ معلوماتها ثابتة وغاياتها غير متخلّفة، وهؤلاء لمّا كانوا قبل قبول توبتهم واقعين فى مرتبة النّفس كانت علومهم ظنوناً {أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} رجع بالرّحمة والتّوفيق عليهم {لِيَتُوبُوۤاْ} صادقين الى الله فيَقْبَل توبتهم {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} كثير المراجعة على العباد بالرّحمة والتّوفيق سهل القبول لتوبتهم {ٱلرَّحِيمُ} فلا يدعهم لرحمته ان يدوموا على العصيان.
الهواري
تفسير : قوله: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} أي: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك: كعب بن مالك، وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة، وهم الذين أرجئوا في الآية الأولى حيث يقول: {وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللهِ} في تفسير مجاهد. وهم عند الحسن آخرون غير المُرجَيْن. قال: { حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} أي بسعتها. { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا} أي: وعلموا { أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمر الناس ألاَّ يكلّموهم ولا يجالسوهم، ثم أرسل إلى أهلهم ألا يؤووهم ولا يكلّموهم. فلما رأوا ذلك ندموا وجاءوا فأوثقوا أنفسهم إلى سواري المسجد، حتى أنزل الله توبتهم في هذه الآية. ذكروا عن كعب بن مالك أنه لما تِيبَ عليه جاء بماله كله إلى النبي صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : أمسك عليك الشطر فهو خير لك تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. قال الكلبي: الذين آمنوا من أهل الكتاب، أمرهم أن يكونوا مع الصادقين، وهم المهاجرون والأنصار. وقال بعضهم: الصدق في النية، في السر والعلانية. وقال بعضهم: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}: صدقوا بقولهم فهاجروا، فكونوا معهم، أي: فهاجروا إلى المدينة.
اطفيش
تفسير : {وعَلى الثَّلاثةِ الَّذينَ خُلِّفُوا} عن الغزو، وخُلِّفوا عن التوبة بدليل {حتى إذا ضاقت} الخ، ولم يخضعوا كما خضع أبو لبابة وأصحابه فأخرت توبتهم، كما قيل: إنهم خلف أمرهم، فقد قيل: إنهم المرجون لأمر الله، ونسب لمجاهد، كما روى عن كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة: ليس بتخلفنا عن الغزو، ولكن تأخير النظر فى أمرنا، وقال الحسن: هم غيرهم، والعطف على قوله عز وجل: {أية : على النبى} تفسير : وقرأ جعفر الصادق: خالفوا، والأعمش: وعلى الثلاثة المتخلفين. {حتَّى إذا ضَاقَتْ عَليهم الأرْض بما رَحُبتْ} الباء بمعنى مع، وما مصدرية، أى مع رحبها أى سعتها ضاقت عليهم خوفا من الله، ولإعراض الناس عنهم بالكلية فضيقها، مثل للحيرة فى أمرهم، كأنهم لا يجدون فيها مكانا يقرون فيه، قال كعب، وهو أحد الثلاثة: تحيرت حتى تنكرت الأرض فى نفسى، فما هى بالأرض التى أعرف. {وضَاقَت عَليْهم أنفُسُهم} قلوبهم لشدة الوحشة والغم، لا تأنس بشىء، ولا تسر به، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يكلمهم أحد، ولا يجالسهم ولا يأويهم أهلهم {وظَنُّوا} علموا {أنْ} مخففة {لا ملْجأ منَ} غضب {اللهِ} متعلق بمحذوف خبر لا، وإلا كان ملجأ منونا {إلاَّ إليهِ} أى إلا إلى استغفاره، والاستثناء مفرغ أى إلى شىء إلا إليه، فحذف قولك إلى شىء، ويجوز كون من الله نعتا لملجأ وإليه خبرا، وسئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه. {ثمَّ تابَ عَليْهم} وفقهم للتوبة {ليتُوبُوا} أو قبل توبتهم ليعدوا فى جملة التوَّابين، وذكر التوبة مع ذكرها بقوله: {وعلى الثلاثة} تأكيدا أو الأولى بمعنى غفران الذنب، وقوله: {ثم تاب} الخ بمعنى إزالة الوحشة ليستقيموا على الندم، ويعدوا من جملة التوَّابين، أو ليعتادوا التوبة إذا أذنبوا بعد، أو كررت لتكون بحيز ما فعلوا، كما تقول: عفوت عن عبدى عصانى وتضرع إلى فعفوت عنه، أو هذه توبة أخرى، أى رجع عليهم بالتوبة والرحمة مرة أخرى ليستقيموا على التوبة، ويطمئنوا. وعلى كل حال فإنما بدأ بالتوبة تنبيها على تلقى النعمة، ولو كان الكلام فى تعديد الذنب لكان الابتداء بما يليق بالمذنب، وإنما شدد على هؤلاء الثلاثة لعظم شأنهم، ففى تخلفهم حجة للمنافقين والطاعنين، إذ هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكان كعب من أهل العقبة، وصاحباه من أهل بدر، وبقدر الترقى فى المعالى يشتد قبح المعصية والمكروهات، وخلاف الأولى، ألا ترى الثوب الشديد البياض والصفاء والنقاء والملاسة، يتأثر فيه من الوسخ ما لا يتأثر فى غيره، ويظهر فيه منه ما لا يظهر فى غيره. كتب الأوزاعى إلى أبى جعفر المنصور، فى آخر رسالته، اعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تزيد حق الله عليك إلا عظما، ولا طاعته إلا وجوبا، ولا الناس فيما خالف ذلك منك إلا إنكارا والسلام. ولكنهم التجئوا إلى الله بالدعاء فتاب عليهم، قيل: إذا نزلت بك نازلة فلا تبال بها، والتجىء إلى الله بالذكر والعبادة والتفويض، قال الله تعالى: "حديث : من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين" تفسير : أو بالصدقة أو بالدعاء فكيف بالجميع. روى أنهم أوثقوا أنفسهم إلى السوارى فى المسجد، وقيل أوثق واحد نفسه إلى سارية فيه، وتصدق الآخر بجنَّاته وقد أينعت، إذ كانت سبب تخلفه، وركب الآخر المفاوز حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاه تسيلان دما. وعن الحسن كان لأحدهم حائط - يعنى جنانا - خير من مائة ألف درهم، فقال: أيا حائط ما خلفنى إلا ظلك وانتظار ثمرك، اذهب فأنت فى سبيل الله. ولم يكن للآخر إلا أهله فقال: يا أهلاه، ما بطَّأنى ولا خلَّفنى إلا الضن بك لا جرم والله لأكابَدنَّ المفاوز حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فركب ولحق به. ولم يكن للثالث إلا نفسه فقال: يا نفسى ما خلَّفنى إلا حب الحياة لك، والله لأكابدن الشدائد حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل زاده ولحق به قال الحسن كذلك، والله المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها. والمشهورحديث : أن الثلاثة الذين تخلفوا لم يلحقوه صلى الله عليه وسلم، بل قعدوا حتى رجع، أما كعب فلم يتخلف عن غزوة إلا غزوة بدر، ولم يعاتب عليها أحد إلا غزوة تبوك، ولقد شهد ليلة العقبة، وما يحب أن له بها بدرا، وكان لكعب ذكر فى الناس، وكان يتردد فى الخروج لغزوة تبوك حتى تجهزوا، وخرجوا وبعدوا، وأخبر عن نفسه أنه ما جمع راحلتين عند غزوة إلا عند هذه، وما كان مؤثرا مثل ما كان عند هذه، وكان أميل القوم إليها ولكن لم يقدروا له الخروج، ولما تخلف هاب أن يخرج من داره، ولا يرى إلا رجلا معينا عليه بالنفاق، أو معذورا، ولم يذكره صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال وهو جلس: "ما فعل كعب بن مالك"؟ وقيل: ليت شعرى ما خلف كعب بن مالك؟ فقال رجل من بنى سلمة: خلفه حسن برديه، والنظر فى جانبيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا فضلا وإسلاما فسكت صلى الله عليه وسلم. قال: ولما بلغنى أنه قفل من تبوك طفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا الخروج من سخطه غدا، واستعنت بكل ذى رأى من أهلى، ولما قيل: إنه قد أظل قادما زاح عنى الباطل، فعزمت على الصدق، فجاء المسجد فصلى ركعتين، وجلس للناس، وجاء المخلُّفون يعتذرون فقبل منهم فصفح الرسول صلى الله عليه وسلم عن المتخلفين وقبل عذرهم إلا ثلاثة نفر لمكانتهم وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بقوله: "لا تكلمنَّ أحدا من هؤلاء الثلاثة". وقال كعب: حين تخلفت عن الرسول فى هذه الغزوة - غزوة تبوك - لم أكن فى يوم أقوى منى فى هذا اليوم الذى تخلفت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد هممت أن أرتحل فأدركهم، وليتنى فعلت، فلم أفعل وجعلت إذا خرج الناس وخرجت يحزننى أنى لا أرى ممن تخلف عن الغ زو إلا رجالا مغموص عليهم، ولم يذكرنى النبى صلى الله عليه وسلم إلا عندما وصل تبوك فقال: "ما فعل كعب بن مالك؟" فقال معاذ: والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حضرنى الحزن، فجعلت أتذكر الكذب وأقول: بما أخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ولما أظل صلى الله عليه وسلم قادما انزاح عنى الباطل والكذب وعرفت أنى لا أنجو إلا بالصدق. وجاء المخلفون فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فيقبل منهم النبى صلى الله عليه وسلم علانيتهم وأيمانهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، ثم جئت وسلمت، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لى: "تعالَهْ" فجئت حتى جلست بين يديه، فقال لى: "ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟" فقلت: لقد علمت إن حدَّثتك اليوم حديثا كذبا لترضين غنى، ولكن يوشك الله أن يسخطك علىَّ، وإن حدثك صادقا تغضب علىَّ فيه، والله يا رسول الله ما كان لى عذر. فقال صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدقت فيه فقم حتى يقضى الله فيك" فقمت فجاء رجال من بنى سلمة وحرضونى على أن أعتذر لرسول الله، وكدت أفعل وأعود إليه وأكذب نفسى وعلمت أن زميلىَّ قالا مثل قولى فلم أفعل وعلمت أن الرسول نهى عن كلامنا حتى يقضى الله أمرا فينا. فأقمنا على ذلك أربعين ليلة من الخمسين، ثم أكملنا العشرة الباقية من الخمسين ثم صليت الصبح، صبح خمسين ليلة على ظهر بيت لى، وقد ضاقت علىَّ الأرض عما رحبت، وبينما أنا كذلك إذ سمعت صارخا يقول بأعلى صوته: يا كعب بن ملك أبشر، فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج، وآذن الرسول بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وركض رجل على فرس له وهو يصرخ بأعلى صوته على الفرس فلما جاء صاحب الصراخ كسوته ثوبى وما أملك غيرهما، واستعرت ثوبين، وكذا صاحباى جاء إليهما مبشرون، وقصدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقانى الناس فوجا يهنئوننى بتوبة الله علىَّ، ودخلت المسجد فهرول إلىَّ طلحة بن عبيد الله حتى صافحنى، وما قام إلىَّ مهاجر سواه فلا أنساها له، ولما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "بل من عند الله" وكان إذا سر استنار وجهه كأنه القمر. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتى أن أخرج من مالى صدقة لله ورسول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمسك بعض مالك فهو خير لك" تفسير : وفى رواية: "حديث : أمسك عليك الشطر" تفسير : وقيل: "حديث : الثلث" تفسير : فقلت: أمسك سهمى الذى بخيبر، وقلت: يا رسول الله إنما نجانى الله بالصدق، وإن من تمام توبتى أن لا أحدِّث إلا صدقا ما بقيت. وما علمت بعد ذلك أصدق منى إلى يومى هذا، وما تعمدت كذبة، وإنى لأرجو أن يحفظنى الله فيما بقى، والله ما أنعم الله علىَّ بعد الإسلام نعمة أعظم من صدقى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لم أكذب كما كذب المتخلفون، فنزل فيهم: {أية : سيحلفون لكم إذا انقلبتم إليهم} تفسير : إلى قوله: {أية : الفاسقين}. تفسير : {إنَّ اللهَ هُو التَّوابُ} لمن تاب ولو عاد فى اليوم مائة مرة، وتوبة الله تستعمل بمعنى قبول توبة العبد، لمن تاب الكناية عن إقبال الله إلى عبده وتعرضه توبته، وعدم الإعراض عنه، وبمعنى توفيقه إلى التوبة ونحو ذلك {الرَّحِيمُ} المتفضل بالنعم.
اطفيش
تفسير : {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ} عطف على قوله على النبى لأَنه ذكر أَولا وغيره مثله وتبع له، أَو على الأَنصار لأَنه آخر، ومن جنسهم والقسم منسحب على الثلاثة كأَنه قيل لقد تاب الله على النبى والمهاجرين والأَنصار وعلى الثلاثة، ولكن إِذا عطف على الأَنصار كان من باب العطف على المعنى المقول له فى غير القرآن عطف توهم لأَن على فى المعطوف لا فى المعطوف عليه، وهى فيه معنى وكأَنه قيل وعلى الأَنصار وعلى الثلاثة، ولا يصح العطف على عليهم لأَن الثلاثة لم يتصفوا بكيد زيغ قلوبهم فلا تهم {الَّذِينَ خُلِّفُوا} خلفهم رسول الله والغزاة تركوهم ولو لم يقولوا اقعدوا خلفنا، تقول خلفت عمراً خلفى ولو لم تقل له اقعد خلفى ولا تسرع لأَجل أَن يكون خلفك، أَو خلفوا أَنفسهم أَو خلفهم الشيطان عن الغزو، أَو خلفهم الله عن قبول التوبة لأَنهم المرجون، أَو خلفهم أَمرهم عمن قبلت توبته من أَبى لبابة ونحوه. والثلاثة كعب بن مالك وهو من بنى سلمة وهلال بن أُمية من بنى واقف ومرارة بن الربيع من بنى عمرو بن عوف، ويقال فيه ابن ربيعة، وفى مسلم مرارة بن الربيع العامرى، والواضح أَن يقول العمرى ـ بفتح العين وإِسكان الميم ـ نسباً إِلى بنى عمرو بن عوف، قال كعب: معنى خلفوا أُرجِىءَ أَمرنا لا على معنى تخلفنا عن الغزو، أَو خلفوا أَنفسهم عن الاعتذار والتوبة كما اعتذر أَبو لبابة وأَصحابه {حَتَّى إِذَا} خرجت عن الشرط ونصب الظرفية إِلى الجر بحتى أَو ثم زائدة فى جوابها بعد وهو ضعيف أَو جوابها يقدر بعد ليتوبوا هكذا تنشرح أَنفسهم {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} برحبها أَى مع رحبها، وذلك لضيق قلوبهم حتى لا تسكن إِلى شىءٍ منها ولا إِلى شىءٍ من أَحوال أَهلها والرحب والسعة، ندماً عن فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم مرافقته فى الغزو وخوفاً من أَن يموتوا فلا يصلى عليهم، أَو يموت صلى الله عليه وسلم فلا يصلى عليهم، ولا يكلمون دائماً {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ} قلوبهم لذلك ولإِعراض الناس عنهم بالكلية، وفرط الغم والوحشة وضيق نفس الإِنسان عليه أَشد من ضيق الأَرض عليه فذلك ترق، وضيق الأَرض كناية عن الوحشة ولكن تكون بكل ما أَمكن، ويجوز أَن يكون فسرها بضيق الأَنفس وذلك بسط للكلام، وإِن شئت فضيق الأَرض انقباض الناس وضيق الأَنفس همها به، وبمخالفة الرسول. قال كعب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامنا أَيتها الثلاثة، فاجتنبنا الناس حتى تنكرت فى نفسى الأَرض فما هى التى أَعرف ولزم صاحباى بيوتهما يبكيان، قال: لقد شهدت ليلة العقبة وما أُحب أَن لى بها بدرا، ولو كان بدر أَشهر فى الناس ولم أَشهده، لأَنه صلى الله عليه وسلم لم يعزم على الناس لأَنه خرج للعير فوفقه الله تعالى إِلى القتال ولم يعاتب أَحداً على عدم مشهده ولم أَتخلف إِلا فى غزوة تبوك، وكنت كل يوم أَقصد التجهز لأَلحق به وأَكسل حتى بعدوا، واشتد همى لأَنى لا أَرى فى المدينة إِلا معذوراً أَو منافقاً، ولما بلغ تبوك قال ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل: يا رسول الله حبسه برداه والنظر فى عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا فيه إِلا خيراً، ولما سمع ملك غسان بهجرنا أرسل إِلى كتاباً: أَلحق بنا نواسك لم يخلفك الله بدار مضيعة. فقلت: هذه بلية أُخرى، فأَلقيت كتابه فى التنور، وقلت: يا رسول الله ما كنت أَيسر قط منى حين سافرت وإِنى ذو لسان واحتجاج، لكن إِن كذبت أَخبرك الله وإِن صدقت رجوت العفو. وقد اعتذر ثمانون رجلا منافقون ففضحهم الله عز وجل وكنت أَشبه القوم وأَجلدهم، أَشهد الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَطوف فى الأَسواق ولا يكلمنى أَحد، وأُسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلسه بعد الصلاة، وأَقول فى نفسى هل حرك شفتيه بالرد وأُسارقه النظر، وإِذا أَقبلت على صلاتى أَقبل إِلى وأَنا قريب منه، وإِذا التفت نحوه أَعرض عنى، وتسورت على أَبى قتادة جدار حائطه وهو ابن عمى وأَحب الناس إِلىّ فسلمت عليه فوالله ما رد على، فقلت: أَنشدك الله هل تعلمنى أَحب الله ورسوله، وسكت وأَعدت له وفى الثالثة قال: الله ورسوله أَعلم، ولما مضت أَربعون ليلة أَرسل إِلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : اعتزلوا أَزواجكمتفسير : ، فأَمرتها أَن تذهب إِلى أَهلها حتى يقضى الله، ولما تمت خمسون وقيل أَكثر قعدت على ظهر بيتى عقب صلاة الفجر ونزلت توبتنا، فسعى ساع وركض فارس للتبشير وافى على سلع رجل من أَسلم ـ وهو جبل ـ ونادى: يا كعب بن مالك أَبشر، فخررت ساجدا والصوت أَسرع من الفرس فأَعطيته ثوبين ما لى سواهما، فاستعرت ثوبين ولبستهما إِليه صلى الله عليه وسلم والناس يهنئوننى حتى سلمت عليه صلى الله عليه وسلم فى المسجد والناس حوله فقال: حديث : أَبشر بخير يوم مر عليك من حين ولدتتفسير : . فقلت: أَمن عندك يا رسول الله أَم من الله؟ قال: حديث : لا بل من اللهتفسير : ، ووجهه يبرق فى حينه، وكان إِذا سر برق وجهه كأَنه قطعة قمر، وقام إِلى طلحة يهرول حتى صافحنى وهنأَنى، والله ما قام إِلى رجل من المهاجرين غيره ولا أَنساها لطلحة ونزل {لقد تاب الله... إِلى الصادقين} وحصته من ذلك هو الصدق إِذ لم يعتذر بكذب وإِلا فإِنه لم يغز العسرة: {وَظَنُّوا} أَيقنوا، مبدأ العلم واليقين الظن، فالظن الباب فتحوه ووصلوا المطلوب، أَو حكمة التعبير بالظن التلويح إِلى أَن الظن الذى هو العلم ولو لم يبلغ اليقين كاف {أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} من سخط الله إِلى شىء إِلا إِلى استغفاره والتضرع إِليه {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُو} أَنزل قبول توبتهم فى القرآن فى نفس هذه الآية أَو بإِيحائها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَو أَظهرها ليعدوا من جملة التوابين، أَو رجع عليهم بالقبول والرحمة بعد ما وقعا ليستقيموا على توبتهم أَو وفقهم للتوبة ليوقعوها، وفى هذا تكون ثم بمعنى الواو لأَنه وفقهم للتوبة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، أَو على ظاهرها بمعنى إِتمامها وإِكمالها. وذلك تحقق بعد الخمسين، وقيل المعنى قبل توبتهم ليتوبوا بعد من كل ما صدر منهم ولا يقنطوا {إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} المتفضل، ولو عاد فى اليوم مائة مرة أَلا ترى إِلى صفتى المبالغة فعَّال وفعيل. قال كعب: غزو العسرة حين كانت الثمار والظلال ولم أَخرج وليتنى خرجت، وما تخلفت عن غزوة إِلا هذه، ولما جلس صلى الله عليه وسلم فى تبوك قال: حديث : ما فعل كعب بن مالكتفسير : ، وما ذكرنى قبل. فقال رجل من بنى سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره فى عطفه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت. والله يا رسول الله ما علمنا عليه إِلا خيراً، فسكت صلى الله عليه وسلم، ولما بلغنى قفوله من تبوك جعلت أَنظر كذباً أَعتذر به وأَشاور أَهل الرأْى والحيل، ثم انشرح صدرى إِلى الصدق حين قرب وصوله، فجاءَ فدخل المسجد على عادته إِذا قدم وصلى ركعتين وجلس للناس، فجاءَ المخلفون يعتذرون ويحلفون وهم بضعة وثمانون رجلا، فقبل منهم على ظاهرهم واستغفر لهم، ولما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب وجلست بين يديه، فقال: حديث : ما خلفك؟ أَلم تكن قد ابتعت مر كوبك؟تفسير : فقلت: بلى والله يا رسول الله لو جلست عند غيرك لاعتذرت، ولقد أُوتيت جدلا لكن إِن كذبت فضحنى الله وأَسخطك على وإِن صدقت تغضب على وأَرجو عفو الله، لا عذر لى تخلفت وأَنا موسر قادر. فقال: حديث : أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى الله فيكتفسير : ، فقمت واتبعنى رجل من نبى سلمة يقولون ما أَذنبت قبل هذا، فاعتذر كما اعتذروا يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زالوا حتى كنت أُطاوعهم، ثم قلت: هل معى مثلى؟ قالوا: هلال ومرارة، فذكروا صالحين شهدا بدرا ولى فيهما أًسوة فلم أَعتذر. قال فى هذا الصدق نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ} خطاب عام، وقيل لمن أَسلموا من أَهل الكتاب {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} كما مر عنه ولا يعارضه {يا أَيها الذين آمنوا اتقوا الله} ولا الأَمر بالمعية فلا مانع من أَن يقول الله للمؤمنين اتقوا الكذب والمعاصى، وكونوا مع من صدق ككعب ابن مالك ومرارة وهلال فى الصدق مع التوبة فى إِخباركم وإِيمانكم، وعهودكم وأَحوالكم وأَفعالكم وأَقوالكم ديناً ودنيا، هكذا بحسب الإِمكان، لا فى خصوص الصدق فى التخلف ولا يتوهم ذلك فلا إِشكال فلا تهم، وقيل: المراد بالصادقين هؤلاءِ الثلاثة، وقيل محمد وأَصحابه، وقيل أَبو بكر وعمر وأَصحابهما، وقيل: الصادقون كل الصادقين لا خصوص الثلاثة وهو المشهور، وأَكذب الخلق إِبليس العياذ بالله منه، وإِنما لم يكذب بترك "أية : إِلا عِبَادَكَ منهمُ المُخْلَصِينَ" تفسير : [الحجر: 40] لأَنه تكلم مع الله ولا يخفى عنه شىءٌ، لا لكونه استقبح الكذب فلا تهم، قال ابن مسعود: لا يصلح الكذب فى جد ولا هزل، ولا يعد أَحدكم صبيته شيئاً ثم لا ينجزه، وتلا الآية، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجلا كذب خدعة فى حرب أَو إِصلاح بين اثنين أَو ليرضى امرأَتهتفسير : ، قال رجل: يا رسول الله أُريد الإِسلام ومنعنى أَنك تحرم الخمر والزنى والكذب والسرقة. فقال: حديث : اترك الكذبتفسير : : فأَسلم فعرض له الثلاثة فقال: حديث : إِن فعلت وقلت لم أَفعل كذبت، وإِن أَقررت حددتتفسير : ، فقال: يا رسول الله ما أَحسن ما فعلت لما منعتنى من الكذب، انسد عنى أَبواب المعاصى.
الالوسي
تفسير : وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ } عطف على {أية : ٱلنَّبِىّ }تفسير : ،[التوبة:117] وقيل: إن {تَابَ } مقدر في نظم الكلام لتغاير هذه التوبة السابقة وفيه نظر، أي وتاب على الثلاثة {ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ } أي خلف أمرهم وأخر عن أمر أبـي لبابة وأصحابه حيث لم يقبل منهم معذرة مثل أولئك ولا ردت ولم يقطع في شأنهم بشيء إلى أن نزل الوحي بهم، فالإسناد إليهم إما ممجاز أو بتقدير مضاف في النظم الجليل، وقد يفسر المتعدي باللازم أي الذين تخلفوا عن الغزو وهم كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، ويقال فيه ابن ربيعة، وفي مسلم. وغيره وصفه بالعامري وصوب كثير من المحدثين العمري بدله. وقرأ عكرمة. ورزين بن حبيش. وعمرو بن عبيد {خُلّفُواْ } بفتح الخاء واللام خفيفة أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ علي بن الحسن. ومحمد الباقر. وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم. وأبو عبد الرحمن السلمي. {*خالفوا}، وقرأ الأعمش: {وَعَلَىٰ } وظاهر قوله تعالى: {خُلّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلارْضُ } إنه غاية للتخليف بمعنى تأخير الأمر أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض {بِمَا رَحُبَتْ } أي برحبها وسعتها لاعراض الناس عنهم وعدم مجالستهم ومحادثتهم لأمر النبـي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك وهو مثل لشدة الحيرة، والمراد أنهم لم يقروا في الدنيا سعتها وهو كما قيل شعر : كأن بلاد الله وهي فسيحة على الخائف المطلوب كفة حابل { تفسير : {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } أي قلوبهم وعبر عنها بذلك مجازاً لأن قيام الذوات بها، ومعنى ضيقها غمها حزنها كأنها لا تسع السرور لضيقها، وفي هذا ترق من ضيق الأرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم / وهو في غاية البلاغة {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} أي علموا أن لا ملجأ من سخطه إلا إلى استغفاره والتوبة إليه سبحانه، وحمل الظن على العلم لأنه المناسب لهم {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} أي وفقهم للتوبة {لِيَتُوبُواْ} أو أنزل قبول توبتهم في القرآن وأعلمهم بها ليعدهم المؤمنون في جملة التائبين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها، وقيل: التوبة ليست هي المقبولة، والمعنى قبل توبتهم من التخلف ليتوبوا في المستقبل إذ صدرت منهم هفوة ولا يقنطوا من كرمه سبحانه {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} المبالغ في قبول التوبة لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة {ٱلرَّحِيمِ} المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب. أخرج عبد الرزاق وابن أبـي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والبيهقي من طريق الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: «سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحداً تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز، واستقبل عدوّاً كثيراً فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ ـ يريد الديوان ـ قال كعب فقال رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتهجز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئاً فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بـي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بـي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أن لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ قال رجل / من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني شيء فطفقت أتفكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً أستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه عليه الصلاة والسلام تبسم تبسم المغضب ثم قال لي: تعالى فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلاً ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبي من الله تعالى، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوالله ما زالوا يرايبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليَّ فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبـي قتادة ـ وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ـ فسلمت عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له: أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فسكت فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال: الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل علي كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأتها: وهذه أيضاً من البلاء فتيممت بها التنور / فسجرته فيها إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلي صاحبـيَّ مثل ذلك فقلت: لامرأتي إلحقي بأهلك لتكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالاً شيخ ضائع، وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا ولكن لا يقربنك قالت: وإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ماذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال: فلبثت عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى عنها قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحبت سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قِبَلَ صاحبـيَّ مبشرون وركض إليَّ رجل فرساً وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبـي وكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يؤمئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يهنؤنني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله تعالى عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله تعالى، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله تعالى بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله تعالى في الصدق بالحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ ذلك إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي قال: وأنزل الله تعالى {أية : لَقَدْ تَابَ }تفسير : [التوبة: 117] الآية والله ما أنعم الله تعالى عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني الله سبحانه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله عليه الصلاة والسلام يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين نزل الوحي شر ما قال لأحد فقال: {أية : سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ }تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : ٱلْفَـٰسِقِينَ}تفسير : [التوبة:95-96]. وجاء في رواية عن كعب رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبيَّ فلبثت كذلك حتى طال عليَّ الأمر وما من شيء أهم إليَّ من أن أموت فلا يصلي عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم / أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليَّ فأنزل الله تعالى توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة، وكانت محسنة في شأني معينة في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت: أفلا أرسل إليه أبشره؟ قال إذاً تحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليل حتى إذا صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله تعالى علينا»تفسير : هذا وفي وصفه سبحانه هؤلاء بما وصفهم به دلالة وأية دلالة على قوة إيمانهم وصدق توبتهم، وعن أبـي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
ابن عاشور
تفسير : {وعلى الثلاثة} معطوف {أية : على النبي}تفسير : [التوبة: 117] بإعادة حرف الجر لبُعد المعطوف عليه، أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا. وهؤلاء فريق له حالة خاصة من بين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك غير الذين ذكروا في قوله: {أية : فرح المخلفون بمقعدهم}تفسير : [التوبة: 81] الآية، والذين ذكروا في قوله: {أية : وجاء المعذرون}تفسير : [التوبة: 90] الآية. والتعريف في {الثلاثة} تعريف العهد فإنهم كانوا معروفين بين الناس، وهم: كَعب ابن مالك من بني سَلِمَة، ومُرارة بن الربيع العَمْري من بني عَمرو بن عَوْف، وهلال بن أمية الواقفي من بني واقف، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر. ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك سألهم عن تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعترفوا بذنبهم وحزنوا. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم، وأمرهم بأن يعتزلوا نساءهم. ثم عفا الله عنهم بعد خمسين ليلة. وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع الآخرين في «صحيح البخاري» و«صحيح مسلم» طويل أغر وقد ذكره البغوي في «تفسيره». و{خلفوا} بتشديد اللام مضاعف خَلَف المخفف الذي هو فعل قاصر، معناه أنه وراء غيره، مشتق من الخلف بسكون اللام وهو الوراء. والمقصود بَقي وراء غيره. يقال: خَلَف عن أصحابه إذا تخلف عنهم في المشيء يَخْلُف بضم اللام في المضارع، فمعنى {خُلِّفوا} خَلّفهم مُخَلِّف، أي تركهم وراءه وهم لم يخلفهم أحد وإنما تخلفوا بفعل أنفسهم. فيجوز أن يكون {خلفوا} بمعنى خلَّفوا أنفسهم على طريقة التجريد. ويجوز أن يكون تخليفهم تخليفاً مجازياً استعير لتأخير البت في شأنهم، أي الذين خُلفوا عن القضاء في شأنهم فلم يعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا آيسهم من التوبة كما آيس المنافقين. فالتخليف هنا بمعنى الإرجاء. وبهذا التفسير فَسره كعب بن مالك في حديثه المروي في «الصحيح» فقال: وليس الذي ذكر الله مما خُلفنا عن الغزو وإنما تخليفُه إياناً وإرجاؤه أمرنا عَمَّن حَلَف له واعتذر إليه فقُبل منه. اهـــ. يعني ليس المعنى أنهم خَلَّفوا أنفسهم عن الغزو وإنما المعنى خلَّفهم أحد، أي جعلهم خَلْفاً وهو تخليف مجازي، أي لم يُقض فيهم. وفاعل التخليف يجوز أن يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو الله تعالى. وبناء فعل {خلفوا} للنائب على ظاهره، فليس المراد أنهم خلفوا أنفسهم. وتعليق التخليف بضمير {الثلاثة} من باب تعليق الحكم باسم الذات. والمراد: تعليقه بحالٍ من أحوالها يعلم من السياق، مثلُ {أية : حُرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3]. وهذا الذي فَسَّر كعب به هو المناسب للغاية بقوله: {حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحُبت} لأن تخيل ضيق الأرض عليهم وضيقِ أنفسهم هو غاية لإرجاء أمرهم انتهى عندها التخليف، وليس غايةً لتخلفهم عن الغزو، لأن تخلفهم لا انتهاء له. وضيق الأرض: استعارة، أي حتى كانت الأرض كالضَّيقة عليهم، أي عندهم. وذلك التشبيه كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم. فالمعنى أنهم تخيلوا الأرض في أعينهم كالضيقة كما قال الطرماح:شعر : مَلأتُ عليه الأرض حتى كأنها من الضيق في عينيه كِفَّة حَابل تفسير : وقوله: {بما رحبت} حال من {الأرض}. والباء للملابسة، أي الأرض الملابسة لسعتها المعروفة. و{ما} مصدرية. {ورحُبت} اتسعت، أي تخيلوا الأرض ضيقة وهي الأرض الموصوفة بسعتها المعروفة. وضيق أنفسهم: استعارة للغم والحزن لأن الغم يكون في النفس بمنزلة الضيق. ولذلك يقال للمحزون: ضاق صدره، وللمسرور: شُرح صدره. والظن مستعمل في اليقين والجَزمِ، وهو من معانيه الحقيقية. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون} تفسير : في سورة البقرة (46) وعند قوله تعالى: {أية : وإنّا لنظنك من الكاذبين} تفسير : في سورة الأعراف (66)، أي وأيقنوا أن أمر التوبة عليهم موكول إلى الله دون غيره بما يُوحي به إلى رسوله، أي التجأوا إلى الله دون غيره. وهذا كناية عن أنهم تابوا إلى الله وانتظروا عفوه. وقوله: {ثم تاب عليهم} عطف على ضاقت عليهم الأرض وما بعده، أي حتى وقع ذلك كله ثم تاب عليهم بعده. و{ثُم} هنا للمهلة والتراخي الزمَني وليست للتراخي الرتبي، لأن ما بعدها ليس أرفع درجة مما قبلها بقرينة السياق، وهو مغن عن جواب (إذا) لأنه يفيد معناه، فهو باعتبار العطف تنهية للغاية، وباعتبار المعطوف دال على الجواب. واللام في {ليتوبوا} للتعليل، أي تاب عليهم لأجل أن يكفوا عن المخالفة ويتنزهوا عن الذنب، أي ليدوموا على التوبة، فالفعل مستعمل في معنى الدوام على التلبس بالمصدر لا على إحداث المصدر. وليس المراد ليذنبوا فيتوبوا، إذ لا يناسب مقام التنويه بتوبته عليهم. وجملة {إن الله هو التواب الرحيم} تذييل مفيد للامتنان.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلثَّلاَثَةِ} (118) - "حديث : الثَّلاَثَةُ هُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلاَلُ بْنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفِي، وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوك، وَاعْتَرَفُوا لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْذَارٌ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قُومُوا حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي أَمْرِكُمْ"تفسير : . وأَمَر الرَّسُولُ النَّاسَ أَنْ لاَ يُكَلِّمُوهُمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ عَلَى رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا، وَضَاقَتْ أَنْفُسُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، لِمَا كَانُوا يَشْعُرُونَ بِهِ مِنْ ضِيقِ صُدُورِهِمْ بِامْتِلاَئِهَا بِالهَمِّ وَالغَمِّ، وَلَبِثُوا فِي ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَفِيهَا التَّوْبَةُ عَلَيهِمْ. وَقَالَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ قبُولَ تَوْبَتِهِمْ لِيَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ قَصَّرُوا فِي اتِّبَاعِ رَسُولِهِ إِلَى الغَزَاةِ، فَكَانَ عَاقِبَةُ صِدْقِهِمْ خَيْراً لَهُمْ، وَتَوْبَةً عَلَيْهِمْ. بِمَا رَحُبَتْ - مَعْ رَحْبِهَا وَسَعَتِهَا. لِيَتُوبُوا - لِيُدَاوِمُوا عَلَى التَّوْبَةِ فِي المُسْتَقْبَلِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قد يظن أحد أن (خُلِّفُوا) هنا تدل على أن أحداً قال لهم: اقعدوا عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يقل لهم أحد هذا. إنما (خُلِّفُوا) معناها: لم يظهر أمر الشارع فيهم كما ظهر في غيرهم، بل قال الحق فيهم من قبل: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 6]، وما دام قد تأخر فيهم الحكم فلا بد من الانتظار. {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [التوبة: 118]. ونعلم أن الإنسان إذا شغله همّ يُحدّث نفسه بأن يترك المكان الذي يجلس فيه، ويسبب له الضيق، لعل الضيق ينفك. ولكن هؤلاء الثلاثة قابلوا الضيق في كل مكان ذهبوا إليه حتى ضاقت عليهم الأرض بسعتها، فلم يجد واحد منهم مكاناً يذهب إليه، وهذا معناه أن الكرب الذي يحيطهم قد عَمَّ، والإنسان قد تضيق عليه الأرض بما رحبت ولكن نفسه تسعه. والحق يقول عنهم: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} أي: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم أيضاً، فقد تخلف الثلاثة عن الغزوة، لا لعذر إلا مجرد الكسل والتواني، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعتهم، فكان كعب بن مالك يخرج إلى السوق فلا يكلمه أحد، ويذهب إلى أقربائه فلا يكلمه أحد، ويتسوَّر عليهم الحيطان لعلهم ينظرون إليه، فلا ينظرون إليه. وبعد ذلك يتصاعد الأمر في عزل هؤلاء، حتى تعدى إلى نسائهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يقربوا نساءهم هكذا بلغ العزل مبلغاً شديداً ودقيقاً، فقد كان التحكم أولاً في المجتمع، ثم في الأقارب، ثم في خصوصيات السكن وهي المرأة، حتى إن امرأة هلال بن أمية ذهبت إليه وقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية، رجل مريض ضعيف، وأنا أستأذنك في أن أصنع له ما يقيمه، قال لها: "ولكن لا يقربنك". قالت والله يا رسول الله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. وذهب بعض المسلمين إلى كعب بن مالك ليبلغوه أن رسول الله صرح لامرأة هلال أن تخدمه، وقالوا له: اذهب إلى رسول الله واستأذنه أن تخدمك امرأتك. قال: إن هلالاً رجل شيخ، فماذا أقول لرسول الله وأنا رجل شاب؟ والله لا أذهب له أبداً. وظل الثلاثة في حصار نفسي ومجتمعي لمدة خمسين يوماً إلى أن جاء الله بالتوبة، وفي هذا تمحيص لهم، فكعب بن مالك - على سبيل المثال - يقص عن حاله قبل الغزوة قائلاً: "لم أكن قط أقوى ولا أيسر منِّي حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة". أي: أنه لم يكن له عذر يمنعه. بعد ذلك يجيء البشير بأن الله قد تاب عليه، فيأتي واحد من جبل سَلْع فيقول: يا كعب أبشر بخير يوم مرّ عليك. فقد أنزل الله فيك قرآناً وأنه تاب عليك. قال كعب: فلم أجد عندي ما أهديه له لأنه بشَّرني إلا ثوبيّ فخلعتهما وأعطيتهما له، ثم استعرت ثوبين ذهبت بهما إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: يا رسول الله، إن من تمام توبتي أن أنخلع من مالي - الذي سبَّب لي هذا العقاب - صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه. إذن: فتأخر الحكم كان المراد منه تمحيص هؤلاء، وإعطاء الأسوة لغيرهم. فحين يرون أن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت، وكذلك ضاقت عليهم أنفسهم يتيقنون من قول الحق: {وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} [التوبة: 118]. أي: أن أحداً لا يجير إلا الله، وسبحانه يجير من نفسه. كيف؟ أنت تعلم أنك ساعة لا يجيرك إلا من يتعقبك، فاعلم أنه لا سلطان لأحد أبداً؛ ولذلك نقول: أنت تلجأ إلى الله لا من خلقه، ولكنك تلجأ إلى الله ليحميك من الله، فسبحانه له صفات جلال وصفات جمال، وتتمثل صفات الجلال في أنه: قهار، وجبار، ومنتقم، وشديد البطش، إلى آخر تلك الصفات. وفي الحق سبحانه صفات جمال مثل غفور، ورحيم، وغيرها، فإذا ما أذنب الإنسان ذنباً، فالمجال في هذه الحالة ان يُعاقب من صفات الجلال، ولا ينفع العبد وقاية من صفات الجلال إلا صفات الجمال. وكلنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا الله بقوله: "حديث : أعوذ بك منك " تفسير : أي: أعوذ بصفات الجمال فيك من صفات جلالك، فلن يحميني من صفات جلالك إلا صفات جمالك. ولذلك حينما جاء في الحديث الشريف عن آخر ليلة من رمضان قوله صلى الله عليه وسلم. "حديث : فإذا ما كان آخر ليلة من رمضان تجلَّى الجبَّار بالمغفرة ". تفسير : يظن بعض الناس أن هذه المسألة غير منطقية، فكيف يتجلَّى الجبّار بالمغفرة؟ ألم يكن من المناسب أن يقال: "يتجلّى الغفّار"؟ ونقول: لا؛ فإن المغفرة تقتضي ذنباً، ويصبح المقام لصفة الجبار، وهكذا تأخذ صفة الرحمة من صفة الجبار سُلْطتها، وكأننا نقول: يا جبار أنت الحق وحدك، لكننا نتشفع بصفات جمالك عند صفات جلالك. هذا هو معنى: "يتجلى الجبار بالمغفرة". وقد سمع الأصمعي - وهو يطوف - مسلماً عند باب الملتزم، يقول: اللهم إني أستحي أن أطلب منك المغفرة؛ لأني عصيتك، ولكني تطلَّعْتُ فلم أجد إلهاً سواك. فقال له: يا هذا، إن الله يغفر لك لحُسْن مسألتك. ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ} والتوبة أولاً - كما عرفنا - هي تشريعها، ثم تأتي التوبة بالقبول، وقوله: {لِيَتُوبُوۤاْ} أي: أنها تصبح توبة رجوع وعودة إلى ما كانوا عليه قبل المعصية. ويُنهي الحق الآية بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} فلا توَّاب ولا رحيم سواه سبحانه وتعالى. ويقول الحق بعد ذلك: {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ} معناهُ اتَّسَعتْ.
همام الصنعاني
تفسير : 1141- عَبْد الرزاق، عن مَعْمَر، عن من سَمِعَ عكرمةَ، في قوله تعالى: {وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ}: [الآية: 118]، قال: خلفوا عن التوبة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):