Verse. 1354 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوا اتَّقُوا اللہَ وَكُوْنُوْا مَعَ الصّٰدِقِيْنَ۝۱۱۹
Ya ayyuha allatheena amanoo ittaqoo Allaha wakoonoo maAAa alssadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله» بترك معاصيه «وكونوا مع الصادقين» في الإيمان والعهود بأن تلزموا الصدق.

119

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة، ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى، وهو التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في مخالفة أمر الرسول {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت، وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل، ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل، وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين. فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: المراد بقوله: {كُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أي كونوا على طريقة الصادقين، كما أن الرجل إذا قال لولده: كن مع الصالحين، لا يفيد إلا ذلك سلمنا ذلك، لكن نقول: إن هذا الأمر كان موجوداً في زمان الرسول فقط، فكان هذا أمراً بالكون مع الرسول، فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة سلمنا ذلك، لكن لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة؟ والجواب عن الأول: أن قوله: {كُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } أمر بموافقة الصادقين، ونهى عن مفارقتهم، وذلك مشروط بوجود الصادقين وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدلت هذه الآية على وجود الصادقين. وقوله: إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين. فنقول: إنه عدول عن الظاهر من غير دليل. قوله: هذا الأمر مختص بزمان الرسول عليه الصلاة والسلام. قلنا: هذا باطل لوجوه: الأول: أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام القيامة، فكان الأمر في هذا التكليف كذلك. والثاني: أن الصيغة تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء. والثالث: لما لم يكن الوقت المعين مذكوراً في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حمله على الباقي، فأما أن لا يحمل على شيء من الأوقات فيفضي إلى التعطيل وهو باطل، أو على الكل وهو المطلوب، والرابع: وهو أن قوله: {يا أيهاٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } أمر لهم بالتقوى، وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقياً، وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة، وهم الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين، فهذا يدل على أنه واجب على جائز الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ، وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كل الأزمان. قوله: لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان؟ قلنا: نحن نعترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان، إلا أنا نقول: ذلك المعصوم هو مجموع الأمة، وأنتم تقولون: ذلك المعصوم واحد منهم، فنقول: هذا الثاني باطل، لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالماً بأن ذلك الصادق من هو لا الجاهل بأنه من هو، فلو كان مأموراً بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وأنه لا يجوز، لكنا لا نعلم إنساناً معيناً موصوفاً بوصف العصمة، والعلم بأنا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة، فثبت أن قوله: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } ليس أمراً بالكون مع شخص معين، ولما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع مجموع الأمة، وذلك يدل على أن قول مجموع الأمة حق وصواب ولا معنى لقولنا الإجماع إلا ذلك. المسألة الثانية: الآية دالة على فضل الصدق وكمال درجته، والذي يؤيده من الوجوه الدالة على أن الأمر كذلك وجوه: الأول: روي أن واحداً جاء إلى النبي عليه السلام وقال: إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب، والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها، فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك، فقال عليه السلام « حديث : اترك الكذب » تفسير : فقبل ذلك ثم أسلم، فلما خرج من عند النبي عليه السلام عرضوا عليه الخمر، فقال: إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد، وإن صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا، فجاء ذلك الخاطر فتركه، وكذا في السرقة، فعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أحسن ما فعلت، لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي علي، وتاب عن الكل. الثاني: روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنة، وإن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب، فإن الكذب يقرب إلى الفجور. والفجور يقرب إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، ألا ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت وفجرت، الثالث: قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس: { أية : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [صۤ: 82، 83] إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء، لأنه لو لم يذكره لصار كاذباً في ادعاء إغواء الكل، فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء، وإذا كان الكذب شيئاً يستنكف منه إبليس، فالمسلم أولى أن يستنكف منه. الرابع: من فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات، ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب، واختلف الناس في أن المقتضي لقبحه ما هو؟ فقال أصحابنا: المقتضي بقبحه هو كونه مخلاً لمصالح العالم ومصالح النفس، وقالت المعتزلة: المقتضى لقبحه هو كونه كذباً ودليلنا قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ } تفسير : [الحجرات: 6] يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما كان كذباً، فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه، وذلك يدل على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذباً لاحتمال كونه مفضياً إلى ما يضاد المصالح، فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب إفضاءه إلى المفاسد، واحتج القاضي على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن يصدق فقد علم ببديهة العقل أنه لا يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب، ولو أمكنه أن يصل إلى ذلك بصدقين لجاز أن يعدل من أحدهما إلى الآخر، فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو إزالة مضرة لكان حاله حال الصدق. ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحاً، ولأنه لو جاز أن يحسن لوجب أن يجوز أن يأمر الله تعالى به إذا كان مصلحة، وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بأخباره، هذا ما ذكره في التفسير فيقال له في الجواب عن الأول إن الإنسان لما تقرر عنده من أول عمره تقبيح الكذب لأجل كونه مخلاً لمصالح العالم صار ذلك نصب عينه وصورة خياله فتلك الصورة النادرة إذا اتفقت للحكم عليها حكمت العادة الراسخة عليها بالقبح، فلو فرضتم كون الإنسان خالياً عن هذه العادة وفرضتم استواء الصدق والكذب في الإفضاء إلى المطلوب، فعلى هذا التقدير لا نسلم حصول الترجيح، ويقال له في الجواب عن الحجة الثانية، إنكم تثبتون امتناع الكذب على الله تعالى بكونه قبيحاً لكونه كذباً، فلو أثبتم هذا المعنى بامتناع صدوره عن الله لزم الدور وهو باطل.

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} هذا الأمر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذُهب بهم عن منازل المنافقين. قال مُطرِّف: سمعت مالك بن أنس يقول: قلما كان رجل صادقاً لا يكذب إلا مُتّع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف. وٱختلف في المراد هنا بالمؤمنين والصادقين على أقوال؛ فقيل: هو خطاب لمن آمن من أهل الكتاب. وقيل: هو خطاب لجميع المؤمنين؛ أي ٱتقوا مخالفة أمر الله. {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} أي مع الذين خرجوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم لا مع المنافقين. أي كونوا على مذهب الصادقين وسبيلهم. وقيل: هم الأنبياء؛ أي كونوا معهم بالأعمال الصالحة في الجنة. وقيل: هم المراد بقوله: {لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ} ـ الآية إلى قوله ـ {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوآ}تفسير : [البقرة: 177]. وقيل: هم الموفون بما عاهدوا؛ وذلك لقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب: 23] وقيل: هم المهاجرون؛ لقول أبي بكر يوم السَّقِيفة؛ إن الله سمّانا الصادقين فقال: {أية : لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ}تفسير : [الحشر: 8] الآية، ثم سماكم بالمفلحين فقال: {وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ} الآية. وقيل: هم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم. قال ابن العربي: وهذا القول هو الحقيقة والغاية التي إليها المنتهى؛ فإن هذه الصفة يرتفع بها النفاق في العقيدة والمخالفةُ في الفعل، وصاحبها يقال له الصديق كأبي بكر وعمر وعثمان ومَن دونهم على منازلهم وأزمانهم. وأما من قال: إنهم المراد بآية البقرة فهو معظم الصدق ويتبعه الأقل وهو معنى آية الأحزاب. وأما تفسير أبي بكر الصديق فهو الذي يعمّ الأقوال كلها؛ فإن جميع الصفات فيهم موجودة. الثانية ـ حقّ مَن فهم عن الله وعَقَل عنه أن يلازم الصّدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بالصّدق فإن الصّدق يَهْدِي إلى البر وإن البِر يهدِي إلى الجنة وما يزال الرجل يصْدُق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً»تفسير : . والكذب على الضد من ذلك؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إياكم والكذبَ فإن الكذب يَهْدِي إلى الفجور وإن الفجور يهدِي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً»تفسير : . خرّجه مسلم. فالكذب عار وأهله مسلوبو الشهادة، وقد ردّ صلى الله عليه وسلم شهادة رجل في كذبة كذبها. قال مَعْمَر: لا أدري أكذب على الله أو كذب على رسوله أو كذب على أحد من الناس. وسئل شُريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد الله، رجل سمعتُه يكذب متعمّداً أأُصلِّي خلفه؟ قال لا. وعن ابن مسعود قال: إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا أن يَعد أحدكم شيئاً ثم لا ينجزه، ٱقرؤوا إن شئتم {يَـٰۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} هل ترون في الكذب رخصة؟ وقال مالك: لا يُقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال غيره: يقبل حديثه. والصحيح أن الكاذب لا تقبل شهادته ولا خبره لما ذكرناه؛ فإن القبول مرتبة عظيمة وولاية شريفة لا تكون إلا لمن كَمُلت خصاله ولا خَصلة هي أشرّ من الكذب فهي تعزل الولايات وتبطل الشهادات.

البيضاوي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما لا يرضاه {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في إيمانهم وعهودهم، أو في دين الله نية وقولاً وعملاً. وقرىء «من الصادقين» أي في توبتهم وإنابتهم فيكون المراد به هؤلاء الثلاثة وأضرابهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } بترك معاصيه {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ } في الأيمان والعهود: بأن تلزموا الصدق.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بموسى، أو عيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ {اتَّقُواْ اللَّهَ} ـ تعالى ـ في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ أجمعين في الجهاد، أو يا أيها المسلمون اتقوا الله ـ تعالى ـ في الكذب، أو اتقوا الله في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمركم بالجهاد {الصَّادِقِينَ} أبو بكر وعمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو الثلاثة الذين خُلِّفوا وصدقوا الرسول في تخلفهم، أو المهاجرين، لأنهم لم يتخلفوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد، أو من صدقت نيته وقوله وعمله وسره وعلانيته.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} هذا الأمر بالكوْن مع الصَّادقين حَسَنٌ بعد قصَّة الثلاثة حين نَفَعَهم الصِّدْق، وذَهَبَ بهم عَنْ منازل المنافقين، وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّل الآية في صِدْق الحديث، وإِليه نحا كَعْبُ بنُ مالك. وقوله سبحانه: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ...} الآية؛ هذه الآية معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يَثْرِبَ وقبائل العرب المُجَاورة لها، على التخلُّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، وقُوَّةُ الكلام تعطي الأمر بِصُحْبَتِهِ أَيْنَ ما توجَّه غازياً وبَذْلِ النفوس دونه، و«المخُمَصَة» مَفْعَلَةٌ من خُمُوص البَطْنِ، وهو ضُمُوره وٱستعير ذلك لحالة الجُوع، إِذ الخُمُوص ملازمٌ له، ومن ذلك قولُ الأَعْشَى: [الطويل شعر : تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا تفسير : وقوله: {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً}: لفظٌ عامٌّ لقليلِ ما يصنعه المؤمنون بالكَفَرةِ - من أخْذ مالٍ، أو إِيراد هوانٍ - وكثيره و{نَّيْلاً }: مصدر نَالَ يَنَالُ؛ وفي الحديث: « حديث : مَا ٱزْدَادَ قومٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْداً إِلاَّ ٱزْدَادُوا مِنَ اللَّهِ قُرْباً. ) تفسير : * ت *: وروى أَبو داود في «سننه»، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « حديث : مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ »تفسير : ، انتهى. قال ابنُ العربي في «أحكامه»: قَوْلُه عزَّ وجلَّ: {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ}: يعني إِلاَّ كُتِبَ لهم ثوابُهُ، وكذلك قال في المجاهد: «إِنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ له» وَكَذَلِكَ أَعطَى سبحانه لأَهْل العُذْر من الأجر ما أعطَى للقويِّ العاملِ بفضله، ففي الصحيح، بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في هذه الغزوة بعينها: «إِنَّ بِالمَدِينَةِ قَوْماً مَا سَلَكْتُمْ وَادِياً وَلاَ قَطَعْتُمْ شِعْباً إِلاَّ وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ نزلت في الثلاثة الذين خلفوا‏:‏ قيل لهم‏:‏ كونوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏. وأخرج ابن المنذر عن كعب بن مالك قال‏:‏ فينا نزلت أيضاً ‏ {‏اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏. وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله ‏{‏وكونوا مع الصادقين‏}‏ قال‏:‏ مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الضحاك في قوله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ امروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏{‏اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ مع علي بن أبي طالب‏. وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر في قوله ‏ {‏وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ مع علي بن أبي طالب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ كونوا مع كعب بن مالك، ومرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية‏. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئاً ثم لا ينجزه، اقرأوا إن شئتم ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏} ‏ قال‏:‏ وهي في قراءة عبد الله هكذا، قال‏:‏ فهل تجدون لأحد رخصة في الكذب‏. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ ‏{‏وكونوا مع الصادقين‏}‏‏ . وأخرج أبو داود الطيالسي والبخاري في الأدب وابن عدي والبيهقي في الشعب‏ حديث : عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ‏"‏سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏: عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذابا‏ً" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن عدي والبيهقي وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يا أيها الناس اجتنبوا الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإنه يقال‏:‏ صدق وبر وكذب وفجر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب حديث : عن أبي مالك الجشمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له‏: أرأيت لو كان لك عبدان أحدهما يخونك ويكذبك حديثاً، والآخر لا يخونك ويصدقك حديثاً أيهما أحب إليك‏؟ قال‏:‏ قلت‏:‏ الذي لا يخونني ويصدقني حديثاً، قال‏: كذلك أنتم عند ربكم عز وجل ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له، إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، إنه يقال للصادق صدق وبر، ويقال للكاذب كذب وفجر، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ويكذب حتى يكتب عند الله كذابا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أسماء بنت يزيد ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال‏:‏ ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كما يتتابع الفراش في النار، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب، أو إصلاح بين إثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن النوّاس بن سمعان الكلابي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب، أو إصلاح بين إثنين، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن شهاب قال‏:‏ ليس بكذاب من درأ عن نفسه‏. وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن أبي بكر رضي الله عنه ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: الكذب مجانب للإِيمان ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن عدي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال‏:‏ إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإِيمان‏.‏ قال البيهقي‏:‏ هذا هو الصحيح موقوف‏. وأخرج ابن عدي والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب . تفسير : وأخرج ابن عدي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن المؤمن ليطبع على خلال شتى من الجود والبخل وحسن الخلق، ولا يطبع المؤمن على الكذب، ولا يكون كذابا‏ً ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ‏"‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال‏:‏ يبنى الإِنسان على خصال، فمهما بني عليه فإنه لا يبنى على الخيانة والكذب‏. وأخرج مالك والبيهقي عن صفوان بن سليم حديث : أنه قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا‏ً؟‏ قال "نعم‏. قيل‏:‏ أيكون المؤمن بخيلاً‏؟‏ قال‏: نعم‏. قيل‏:‏ أيكون المؤمن كذاباً‏؟‏ قال‏: لا"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي وأبو يعلى وضعفه عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : الكذب يسوّد الوجه، والنميمة عذاب القبر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت ‏"‏ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة‏"‏‏. وأخرج أحمد وهناد بن السري رضي الله عنه في الزهد وابن عدي والبيهقي عن النوّاس بن سمعان قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت به كاذب ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن أسماء بنت عميس قالت ‏"‏حديث : كنت صاحبة عائشة التي هيأتها، فأدخلتها على النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة، فما وُجدنا عنده قرى إلا قدح من لبن، فتناوله فشرب منه ثم ناوله عائشة، فاستحيت منه فقلت‏:‏ لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأخذته فشربته، ثم قال‏:‏ ناولي صواحبك‏.‏ فقلت‏:‏ لا نشتهيه‏.‏ فقال‏: لا تجمعن كذباً وجوعاً‏. فقلت‏:‏ إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهي أيعدُّ ذلك كذبا‏ً.‏ فقال‏:‏ إن الكذب يكتب كذباً، حتى الكذيبة تكتب كذيبة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال‏:‏ حديث : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتنا وأنا صبي صغير، فذهبت ألعب فقالت أمي لي‏:‏ يا عبد الله تعال أعطيك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أردت أن تعطيه‏؟‏ قالت‏:‏ أردت أن أعطيه تمراً قال‏: إما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة‏" ‏‏. تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وصححه والدارمي وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والبيهقي والضياء ‏حديث : عن الحسن بن علي "‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة" ‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته‏ "حديث : ‏إن أعظم الخطيئة عند الله اللسان الكاذب‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن أبي بكر الصديق قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏ "حديث : ‏الصدق أمانة والكذب خيانة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن ماجه والحكيم والترمذي في نوادر الأصول والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي حديث : عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال‏:‏ قلنا يا رسول الله من خير الناس‏؟‏ قال "‏ذو القلب المحموم واللسان الصادق، قلنا‏:‏ قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المحموم‏؟‏ قال‏:‏ التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد‏. قلنا يا رسول الله‏:‏ فمن على أثره‏؟‏ قال‏:‏ الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قلنا ما نعرف هذا فينا إلا رافعاً مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن على أثره‏؟‏ قال‏: مؤمن في حسن خلق‏.‏ قلنا‏:‏ أما هذا ففينا‏" ‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ لا تجد المؤمن كذابا‏ً. وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب قال ‏"‏لا تنظروا إلى صلاة أحد ولا إلى صيامه، ولكن انظروا إلى من إذا حدث صدق، وإذا ائتمن أدى، وإذا أشفى ورع‏"‏‏. وأخرج البيهقي عن أنس قال‏:‏ إن الرجل ليحرم قيام الليل وصيام النهار بالكذبة يكذبها‏. وأخرج ابن عدي والبيهقي عن محمد بن سيرين قال‏:‏ الكلام أوسع من أن يكذب ظريف‏. وأخرج البيهقي عن مطر الوراق قال‏:‏ خصلتان إذا كانتا في عبد كان سائر عمله تبعاً لهما، حسن الصلاة وصدق الحديث‏. وأخرج البيهقي عن الفضيل قال‏:‏ لم يتزين الناس بشيء أفضل من الصدق، وطلب الحلال‏. وأخرج البيهقي عن عبد العزيز بن أبي رواد قال‏:‏ أبرار الدنيا الكذب وقلة الحياء، من طلب الدنيا بغيرهما فقد أخطأ الطريق والمطلب، وأبرار الآخرة، الحياء والصدق، فمن طلب الآخرة بغيرهما فقد أخطأ الطريق والمطلب‏. وأخرج البيهقي عن يوسف بن أسباط قال‏:‏ يرزق العبد بالصدق ثلاث خصال، الحلاوة والملاحة والمهابة. وأخرج البيهقي عن أبي روح حاتم بن يوسف قال‏:‏ أتيت باب الفضيل بن عياض فسلمت عليه فقلت‏:‏ يا أبا علي معي خمسة أحاديث إن رأيت أن تأذن لي فأقرأ‏.‏ فقال لي‏:‏ اقرأ‏.‏ فقرأت فإذا هي ستة فقال لي‏:‏ أن قم يا بني تعلم الصدق ثم اكتب الحديث‏. وأخرج ابن عدي عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن عدي عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن في المعاريض ما يغني الرجل العاقل عن الكذب ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {يأيها الذين آمنوا} خطابٌ عام يندرج فيه التائبون اندراجاً أولياً وقيل: لمن تخلف عليه من الطلقاء عن غزوة تبوكَ خاصة {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه المعاملةُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولاً أولياً {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} في إيمانهم وعهودِهم أو في دين الله نيةً وقولاً وعملاً أو في كل شأنٍ من الشؤون فيدخل ما ذُكر، أو في توبتهم وإنابتهم فيكون المرادُ بهم حينئذ هؤلاء الثلاثةَ وأضرابَهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطابٌ لمن آمن من أهل الكتابِ أي كونوا مع المهاجرين والأنصارِ وانتظِموا في سلكهم في الصدق وسائرِ المحاسن، وقرىء من الصادقين. {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} ما صح وما استقام لهم {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ} كمزينةَ وجهينةَ وأشجعَ وغِفارٍ وأضرابهِم {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} عند توجهِه عليه الصلاة والسلام إلى الغزو {وَلاَ يَرْغَبُواْ} على النصب وقد جُوِّز الجزمُ {بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي لا يصرِفوها عن نفسه الكريمةِ ولا يصونوها عما لم يصُن عنه نفسَه بل يكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والخطوب، والكلامُ في معنى النهي وإن كان على صورة الخبر {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلامُ من وجوب المشايعة {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي عطشٌ يسير {وَلاَ نَصَبٌ} ولا تعب ما {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي مجاعةٌ وهي ما لا يستباح عنده المحرمات من مراتبها، فإن الظمأَ والنصبَ اليسيرين حين لم يخلُوَا من الثواب فلأَنْ لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا، ويجوز أن يراد بها تلك المرتبةُ ويكونُ الترتيبُ بناءً على كثرة الوقوع وقِلّته فإن الظمأَ أكثرُ وقوعاً من المخمصة بالمعنى المذكور فتوسيطُ كلمةِ لا حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال كلِّ واحدٍ منها بالفضيلة والاعتداد به {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} وإعلاء كلمتِه {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافِر خيولِهم وأخفافِ رواحلِهم دَوْساً أو مكاناً يداس {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً} مصدرٌ كالقتل والأسرِ والنهب أو مفعول أي شيئاً يُنال من قِبَلهم {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ} أي بكل واحدٍ من الأمور المعدودة {عَمَلٌ صَالِحٌ} وحسنةٌ مقبولةٌ مستوجبةٌ بحكم الوعد الكريمِ للثواب الجميلِ ونيل الزُّلفى، والتنوينُ للتفخيم وكونُ المكتوبِ عينَ ما فعلوه من الأمور لا يمنع دخولَ الباء، فإن اختلافَ العنوان كافٍ في ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} على إحسانهم، تعليلٌ لما سلف من الكتب والمرادُ بالمحسنين إما المبحوثُ عنهم ووضعُ المظهرِ موضِعَ المضمرِ لمدحهم والشهادةِ عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالَهم من قبـيل الإحسانِ وللإشعار بعلية المأخَذ للحكم، وإما جنسُ المحسنين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: {مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} مع المقيمين على منهاج الحق. قال بعضهم: مع من ترضى حاله سرًا وعلنًا وظاهرًا وباطنًا. قال بعضهم: {كُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} قال: هم الذين لم يخالفوا الميثاق الأول، فإنها صدق كلمة. وقال أبو سليمان: الصحبة على الصدق والصفاء تنفى كل علة عن المصطحبين، إذا قاما وثبتا على منهاج الصدق لأن الله يقول: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ}.

القشيري

تفسير : يا أيها الذين آمنوا برُسُلِ الله، يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب... كونوا مع الصادقين المسلمين، يا أيها الذين آمَنُوا في الحال كونوا في آخر أحوالكم مع الصادقين؛ أي استديموا الإيمان. استديموا في الدنيا الصدقَ تكونوا غداً مع الصادقين في الجنة. ويقال الصادقون هم السابقون الأولون وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضيَّ الله عنهم وغيرهم. ويقال الصدق نهاية الأحوال، وهو استواءُ السِّرِّ والعلانية، وذلك عزيز. وفي الزَّبور: "كذب مَنْ ادَّعَى محبتي وإذا جَنَّة الليلُ نام عنِّي". والصدقُ - كما يكون في الأقوال يكون في الأحوال، وهو أَتَمُّ أقسامِهِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} قولا وتصديقا {اتقوا الله} فيما لا يرضاه {وكونوا مع الصادقين} فى كل شأن من الشؤن اى قائلين بالحق العاملين به ومع الصادقين فى معنى من الصادقين او فى الصادقين لان مع للمصاحبة وفى للوعاء ومن للتبعيض فاذا كانوا فى جهتهم فهم على المعانى الثلاثة اى كونوا فى جملة الصادقين ومصاحبين لهم او لبعضهم. وفى الآية دليل على فضل الصدق وعلو درجته وحث عليه. قال بعض اهل المعرفة من لم يؤد الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض الموقت قيل ما الفرض الدائم قال الصدق شعر : از كجا افتى لكم وكاستى از همه غم رستى اكر راستى راستى خويش نهان كس نكرد برسخن راست زيان كست نكرد تفسير : وفى الحديث "حديث : التجار يحشرون يوم القيامة فجارا الا من اتقى وبر وصدق" تفسير : الفجار جمع فاجر وهو المنبعث فى المغانى والمحارم سماهم فجارا لما فى البيع والشراء من الايمان الكاذبة والغبن والتدليس والربا الذى لا يتحاشاه احدهم ولذا قال فى تمام الحديث الا من اتقى اى الكذب وبر فى يمينه اى صدق وصدق فى حديثه. وقيل الا من خاف الله فلا يترك اوامره ولا يفعل المناهى وبر اى احسن فلا يؤذى احدا ولا يوصل ضررا الى احد وصدق فى ثمن المتاع فلم ينفق سلعته بالحلف الكاذب مثل ان يقول للمشترى اشتريت هذا بمائة درهم والله لم يشتره بها بل اقل منها وبالحلف الكاذب يمحق الله البركة من الثمن وفى الحديث "حديث : ان اطيب الكسب كسب التجار الذين اذا حدثوا لم يكذبوا واذا ائتمنوا لم يخونوا واذا وعدوا لم يخلفوا واذا اشتروا لم يذموا واذا باعوا لم يمدحوا واذا كان عليهم لم يمطلوا واذا كان لهم لم يعسروا " .تفسير : فالصدق فى كل الاحوال ممدوح وصاحبه محمود فى الدنيا والآخرة شعر : دانى زجه رو سرور وآن سر سبرست بيوسته جرا ببوستان سر سبرست جون مذهب اوست راستى درهمه وقت بر طرف جمن هميشه زان سر سبزست تفسير : ثم المطل العارفين فى الصدق فى العبودية والقيام بحقوق الربوبية. قال احمد بن الحوارى قلت لابى سليمان الدارانى قدس سرهما انى قد غبطت بنى اسرائيل قال بأى شئ قلت بثمانمائة سنة من العمر حتى يصيروا كالشنان البالية وكالحنايا وكالاوتار قال ما ظننت الا وقد جئت بشئ والله ما يريد منا ان تيبس جلودنا على عظامنا ولا يريد منا الا صدق النية فيما عنده هذا اذا صدق فى عشرة ايام نال ما ناله ذاك فى عمره الطويل انتهى فرب عمر اتسعت آماده وقلت امداده كاعمار بنى اسرائيل اذا كان الواحد منهم يعيش الفا ونحوها ولم يتحصل له شئ مما تحصل لهذه الامة مع كثرة اعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة امداده كعمر من فتح عليه من هذه الامة فوصل الى عناية الله بلمحة كما قال الامام الغزالى قدس سره فى منهاج العابدين منهم من يقطع هذه العقبات فى سبعين سنة ومنهم من يقطعها فى شهر بل فى جمعة بل فى ساعة كسحرة موسى -حكى- ان رابعة البصرية كانت امة كبيرة يطاف بها فى سوق البصرة لا يرغب فيها احد لكبر سنها فرحمها بعض التجار فاشتراها بنحو مائة درهم فاعتقها فاختارت هذا الطريق فاقبلت على العبادة فما تمت لها سنة حتى زارها علماء البصرة وقراؤها لعظم منزلتها. وفى التأويلات النجمية {وكونوا مع الصادقين} الذين صدقوا يوم الميثاق فيما اجابوا الله عند خطاب ألست بربكم قالوا بلى وصدقوا الله على ما عاهدوه عليه ان لا يعبدوا الا الله ولا يشركوا به شيئاً من مقاصد الدنيا والآخرة ويتجردوا عن كل حادث حتى عن الجسم: وفى المثنوى شعر : جوهر صدقت خفى شد در دروغ همجو طعم روغن اندر طعم دوغ آن دروغت اين تن فانى بود راستت آن جان ربانى بود تفسير : .يقول الفقير اصلحه الله القدير كتب الى حضرة الشيخ قدس سره فى بعض مكاتبيه الشريفة وقال عليكم بالصدق مطلقا نية وعملا وهو يرجع الى الاخلاص جدا بان لا يكون للعبد اصلا باعث فى الحركات والسكنات الا الله تعالى فان مازجه شوب من حظوظ النفس بطل الصدق ويجوز ان يسمى كاذبا ودرجاته لا نهاية لها وقد يكون للعبد صدق فى بعض الامور دون بعض فان كان صادقا فى الجميع فهو الصديق حقا والصادق والمخلص بالكسر من باب واحد وهو التخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا والصديق والمخلص بالفتح من واحد وهو التخلص ايضا من شوائب الغيرية والثانى اوسع فلكا واكثر احاطة فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس ثم ذيل كلاما طويلا يتضمن تأويل سورة الانشراح رزقنا الله ذوق كلامه والحقنا به فى مقامه. ثم الصادقون هم المرشدون الى طريق الوصول فاذا كان السالك فى جملة احبابهم ومن زمرة الخدام فى عتبة بابهم فقد بلغ بمحبتهم وتربيتهم وقوة ولايتهم الى مراتب فى السير الى الله وترك ما سواه. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر ان لم تجر افعالك على مراد غيرك لم يصح لك انتقال عن هواك ولو جاهدت نفسك عمرك فاذا وجدت من يحصل فى نفسك حرمته فاخدمه وكن ميتا بين يديه يصرفك كيف يشاء لا تدبير لك فى نفسك معه تعش سعيدا مبادرا لامتثال ما يأمرك به وينهاك عنه فان امرك بالحرفة فاحترف عن امره لا عن هواك وان امرك بالقعود قعدت عن امره لا عن هواك فهو اعرف بمصالحك منك فاسع يا بنى فى طلب شيخ يرشدك ويعصم خواطرك حتى تكمل ذاتك بالوجود الالهى وحينئذ تدبر نفسك بالوجود الكشفى الاعتصامى كذا فى مواقع النجوم: وفى المثنوى شعر : جون كزيدى بير نازك دل مباش سست ورريده جو آب وكل مباش جون كرفتى بيرهن تسليم شو همجو موسى زير حكم خضررو شيخ راكه بيشوا ورهبرست كرمريدى امتحان كرد او خرست تفسير : نسأل الله تعالى ان يحفظنا من زيغ الاعتقاد ويثبتنا فى طريق اهل الرشاد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله}؛ بالمحافظة على ما أمركم به، والانكفاف عما نهاكم عنه، {وكونوا مع الصادقين} في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم وعهودهم. قال ابن جزي: ويحتمل أن يريد به صدق اللسان؛ إذ كان هؤلاء قد صدقوا ولم يعتذروا بالكذب، فنفعهم الله بذلك، ويحتمل أن يريد أعم من صدق اللسان؛ وهو الصدق في الأقوال والأعمال والمقاصد والعزائم، والمراد بالصادقين: المهاجرين، لقوله في الحشر: {أية : للِفُقَرآءَ المُهَجِرِينَ}تفسير : ... إلى قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ} تفسير : [الحشر: 8]. وقد احتج بها أبو بكر الصديق على الأنصار يوم السقيفة، فقال: (نحن الصادقون، وقد أمركم الله أن تكونوا معنا)؛ أي: تابعين لنا. هـ. زاد السهيلي: ولمَّا استحق الصادقون أن تكون الخلافة فيهم، استحق الصِّدِّيقُ أن تكون الخلافة له، ما دام حياً؛ إذ كان صديقاً. هـ. الإشارة: الصدق سيف حازم، ما وضع على شيء إلا قطعه، ويكون في الأقوال، وهو صيانتها من الكذب، ولو ادى إلى التلف. وفي الأفعال، وهو صيانتها من الرياء وطلب العوض. وفي الأحوال، وهو تصفيتها من قصد فاسد، كطلب الشهرة، أو إدراك مقام من المقامات، أو ظهور كرامات، أو غير ذلك من المقاصد الدنية. قال القشيري: الصادقون هم السابقون الأولون، كأبي بكر وعمر وغيرهما، والصدق: استواء السِّرِّ والعلانية، وهو عزيز، وكما يكون في الأقوال يكون في الأحوال، وهو أتَمُّ. هـ. ثم عاتب الحق تعالى أهل المدينة ومن جاورها على التخلف عن الغزو، فقال: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ}.

الطوسي

تفسير : هذا امر من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بالله والمقرين بنبوة نبيه بأن يتقوا معاصي الله ويجتنبوها وأن يكونوا مع الصادقين الذين يصدقون في اخبارهم ولا يكذبون، قال ابن مسعود: لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا ان يعد احدكم ولده شيئاً ثم لا ينجزه ثم قرأ {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله.. } الآية وقال: هل ترون في هذه رخصة؟. وقال نافع والضحاك: أمروا بأن يكونوا مع النبيين والصديقين في الجنة بالعمل الصالح. وقيل: إن المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في قوله {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} وهم حمزة وجعفر {أية : ومنهم من ينتظر } تفسير : يعني علياً عليه السلام فأمر الله تعالى بالاقتداء بهم والاهتداء بهديهم، وهم الذين وصفوا في قوله: {أية : ليس البر أن تولو وجوهكم قبل... }تفسير : الآية إلى قوله {أية : أولئك الذين صدقوا } تفسير : فأمر بالاقتداء بهؤلاء. وقال بعضهم: ان (مع) بمعنى (من) وكأنه أمر بأن يكونوا في جملة الصادقين وفي قراءة ابن مسعود {وكونوا من الصادقين}. وقيل: اراد كونوا مع كعب بن مالك واصحابه الذين صدقوا في اقوالهم ولم يكذبوا في الاعتذار. والصادق هو القائل بالحق العامل به، لأنها صفة مدح لا تطلق الا على من يستحق المدح على صدقه. فأما من فسق بارتكاب الكبائر فلا يطلق عليه اسم صادق ولذلك مدح الله الصديقين وجعلهم تالين لنبيين في قوله {أية : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين}.

الجنابذي

تفسير : {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بعد ما ذمّ المتخلّفين عن رسول الله (ص) رغّب المؤمنين فى طاعته وعدم التّخلّف عنه ليكون اوقع ولان يجمع بين الوعد والوعيد كما هو شأن النّاصح الحكيم {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} اعلم، انّ الايمان قد يطلق على الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة وانقياد النّفس والقالب تحت احكام القالب المأخوذة من نبىّ (ع) او خليفته (ع)، وقد يطلق على الايمان الخاصّ الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة وانقياد القلب تحت احكام القلب المأخوذة من صاحب أحكام القلب وهو الايمان حقيقةً لصحّة سلب اسم الايمان عن الاسلام كما قال تعالى: {أية : قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا} تفسير : [الحجرات:14] يعنى ما اعتقدتموه ايماناً ليس بايمان بل هو اسلام، والتّقوى من سخط الله وعذابه قد تطلق باعتبار مطلق الانزجار عن النّفس ومقتضياتها وهو مقدّم على الاسلام الحقيقىّ الّذى هو هداية للايمان، وقد تطلق باعتبار الانصراف عن النّفس وطرقها الى طريق القلب والسّلوك اليه والتّقوى بهذا المعنى لا تحصل الاّ بالايمان الخاصّ والبيعة الولويّة، لانّ الانسان ما لم يبايع بتلك البيعة لم يتّضح له طريق القلب فضلاً عن التّوجّه اليه والسّلوك عليه ولم يدخل الايمان فى قلبه، فهذه التّقوى لا تحصل قبل الاسلام ولا قبل الايمان بل هى مع الايمان وتكون بعد الايمان الى ان تحصل التّقوى من ذاته من غير شعورٍ بتقواه وهو الفناء التّامّ الّذى لا فناء بعده وبعده صحو وبقاء بالله واتّصاف بصفات الله الحقيقيّة والاضافيّة الّتى هى داخلة تحت اسم الرّحمن كما قال تعالى: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً} تفسير : [مريم:85] يعنى بعد انتهاء التّقوى لهم صحو واتّصاف بصفة الرّحمانيّة الّتى هى مجمع سائر الصّفات الاضافيّة وباعتبار هذا المعنى خصّصوا التّقوى بشيعتهم، والصّدق لغةً وعرفاً مطابقة القول اللّفظىّ او النّفسىّ للواقع، وعند اهل الله النّاظرين الى الاشياء بما هى عليه الصّدق مطابقة الاقوال والافعال والاحوال والاخلاق والعلوم لما ينبغى ان يكون الانسان عليه، ولما هو نفس الامر لما ينتسب الى الانسان بما هو انسان، فانّ اللّطيفة الانسانيّة مظهر للعقل ان لم تكن محجوبةً باغشية الآراء النّفسيّة والكدورات الطّبيعيّة والعقل مظهر لله تعالى ومظهر المظهر مظهر، وما ينسب الى مظهر شيءٍ من حيث انّه مظهر ذلك الشّيء ينسب الى ذلك الشّيء حقيقةً ويصحّ سلبه عن المظهر كما فى قوله تعالى: فلم تقتلوهم فى عين انّ القتل كان بأيدهم فسلب نسبة القتل عنهم حيث انّهم لغاية الدّهشة ونزول السّكينة الّتى هى ظهور الحقّ تعالى كانوا مظاهر للسّكينة والسّكينة مظهر لله تعالى فسلب القتل عنهم واثبته للظّاهر فيهم وهو السّكينة اوّلاً والحقّ الاوّل ثانياً فقال: ولكن الله قتلهم اسقاطاً لحكم الظّاهر الاوّل ايضاً وكذا قوله تعالى: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17] فما هو نفس الامر لما ينسب الى الانسان ان يكون بحيث ينسب حقيقة الى الله ويصحّ سلبه عن الانسان فما ينسب الى الانسان اذا لم يصحّ نسبته الى الله تعالى او لم يصحّ سلب نسبته عنه كان كذباً، وكما انّ القول فعل اللّسان كذلك الافعال والاحوال والاخلاق والعلوم قول الاركان والجنان، وصيغة الصّادق لغة تطلق على من اتّصف بصدقٍ ما من غير تعرّض لكونه سجيّة له او عرضيّاً لكنّه غلب فى العرف على من صار الصّدق سجيّةً له، فعلى هذا كان الصّادق من تمكّن فى الانسانيّة وصار كلّما صدر عنه موافقاً لما اقتضته انسانيّته، وهذا المعنى مخصوص بالانسان الكامل ولذا حصروا الصّادقين فى انفسهم، وصيغة الامر من الكون تدلّ على الاستمرار اذا اطلقت خصوصاً اذا كان بعدها ما يدلّ على المعيّة المشعرة بالاستمرار وان كان الامر من غير الكون مطلقاً عن التّقييد بالاستمرار وعدمه اذا اطلق، والمعيّة تصدق على المصاحبة البدنيّة البشريّة لكن استمرار تلك المصاحبة غير ممكن لافراد البشر حيث تحتاج لبعض ضروريّاتها الى المفارقة البدنيّة على انّها لا تفيد فائدة اخرويّة يعتنى بها اذا لم تقترن بالمصاحبة النّفسيّة، اما سمعت انّ اكثر المناقين كانوا اشدّ مصاحبه للنّبىّ (ص) من سائر الصّحابةَ! وبعضهم سابقاً فى الهجرة ومذكوراً فى الكتاب بالمصاحبة! ولمّا كان مصاحبتهم محض المصاحبة البدنيّة لم تنفعهم فى الآخرة، وتصدق على المصاحبة النّفسيّة مع رقائق الصّادقين المأخوين منهم من الفعليّة الحاصلة فى نفوس التّابعين بسبب البيعة والاتّصال الصّورىّ، وقبول الولاية الّتى هى بمنزلة الانفحة للبن الاعمال وبمنزلة البذر لزرع الآخرة ومن الذّكر الّذى يلقّنهم الصّادقون قلبيّاً كان او لسانيّاً، فانّ الذّكر المأخوذ من ولىّ الامر رقيقته ونازلته الّتى نزلت من مقامه العالى ولبست لباس الذّكر القلبىّ او اللّسانىّ وتحقيق هذا المطلب قد مضى شطرٌ منه، وتصدق على المصاحبة النّفسيّة مع حقائقهم الملكوتيّة الّتى يعبّر عنها بصورة الشّيخ وبالسّكينة القلبيّة وبالفكر والرّحمة والنّعمة والآية الكبرى والاسم الاعظم وللاشارة الى تينك المعنيين قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ} تفسير : [المعارج:23] لانّ هذا الذّكر والفكر صلاة حقيقيّة والصّلاة القالبيّة صورة تلك الصّلاة وقالت الصّوفيّة: ينبغى للسّالك ان يكون دائم الذّكر والفكر وقيل بالفارسيّة: "خوشا آنان كه دائم درنمازند" واستمرار تلك المعيّة امر ممكن وان كان النّاقصون من السّلاك فى تعسّرٍ منه، فمعنى الآية يا ايّها الّذين أسلموا بالبيعة العامّة النّبويّة اتّقوا الله بالبيعة الخاصّة الولويّة وداوموا على الذّكر المأخوذ من الصّادقين ان لم تكونوا من اهل الفكر، او على الذّكر والفكر ان كنتم من اهل الفكر، او يا ايّها الّذين آمنوا بالبيعة الخاصّة الولويّة اتّقوا الله فى الانصراف عن طريق القلب وداوموا على الذّكر والفكر.

الحبري

تفسير : وفي قوْلِهِ: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ}. نَزَلَتْ في عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ خَاصَّةَ.

فرات الكوفي

تفسير : قال: حدّثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً! عن محمد بن عبيد بن عتبة والقاسم بن حماد، زاد بعضهم الحرف ونقص بعضهم الحرف والمعنى فيه واحد إن شاء الله قالوا: حدثنا جندل بن والق معنعناً: عن جعفر [الصادق. ر] عن أبيه عليهما السلام في [ر: عن] قول الله [تعالى. ر]: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال: مع علي بن أبي طالب عليه السلام. فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد [قال: حدّثنا هبيرة بن الحرث بن عمرو العبسي قال: حدّثنا علي بن غراب عن أبان بن تغلب. ش]: [عن أبي جعفر عليه السلام: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال: مع علي عليه السلام. أ، ش]. فرات قال: حدّثني محمد بن أحمد بن عثمان [بن دليل، قال: حدّثنا أبو صالح الخزاز، عن مندل بن علي العنزي عن الكلبي، عن أبي صالح. ش]: عن ابن عباس في قول الله: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}. قال: مع علي [عليه السلام. ب] وأصحابه. [وبالاسناد المتقدم في أول السورة عن ابن عباس]: وقوله: {اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين} نزلت في [أمير المؤمنين. ر] علي [بن ابي طالب. ر، ح. وأهل بيته. ن. عليهم السلام. ر] خاصة. فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن مقاتل بن سليمان في قوله [تعالى. أ]: {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] قال: مع علي بن أبي طالب عليه السّلام. فرات قال: حدّثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن أبي سعيد قال: [قال رسول الله. أ، ر] صلى الله عليه وآله وسلم حديث : لما نزلت الآية [ب: على النبي. أ: عليه] {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} التفت النبي صلى الله عليه و آله وسلم إلى أصحابه فقال: "أتدرون فيمن نزلت هذه الاية؟" قالوا: لا [والله. أ، ر] يا رسول الله ما ندري، فقال أبو دجانة: [يا رسول الله. أ، ر] كلنا من الصادقين [قد. أ، ر] آمنّا بك وصدّقناك، قال:"لا يا أبا دجانة هذه نزلت في ابن عمي [أمير المؤمنين. ر. علي. ب، ر. بن أبي طالب عليه السّلام. ر] خاصة دون الناس وهو من الصادقين" . تفسير : فرات قال: حدّثني جعفر بن أحمد معنعناً: عن محمد بن كعب القرظي قال: حديث : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأحزاب قال له جبرئيل عليه السّلام: عفى الله عنك أوضعتهم السلاح، ما زلت بمن معي من الملائكة نسوق المشركين حتى نزلنا بهم حمراء الأسد، اخرج وقد أمرت بقتالهم، وإِني عاد [ر، أ: عادى] بمن معي فيزول! بهم حصونهم حتى يلحقونا! فأعطى [أمير المؤمنين. ر] علي بن أبي طالب [عليه السلام. ر، ب] الراية وخرج في أثر جبرئيل [عليه السلام. ر] و تخلّف النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ر، ب] ثم لحقهم فجعل كلّما مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بأحد فقال: مر بكم الفارس؟ فقالوا: مر [بنا. ر، ب] دحية بن خليفة، وكان جبرئيل يشبه به. قال: فخرج يومئذٍ على فرس مكفر بقطيفة أرجوان أحمر فلمّا نزلت بهم جنود الله نادى مناديهم يا أبا لبابة بن عبد المنذر مالك. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: هذا يدعون فأتهم وقل معروفاً، فلما اطلع عليهم انتحبوا في وجهه يبكون وقالوا: يا أبا لبابة لا طاقة لنا اليوم بقتال من ورائك .

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اتَّقوا اللهَ} فيما لا يرضاه {وكونُوا مَع الصَّادِقينَ} قولا وعملا ووعدا ونية وتوبة، كالنبى صلى الله عليه وسلم، والمهاجرين والأنصارى، والثلاثة المخلَّفين إذ صدقوا ولم يعتذروا بباطل، وصدقوا فى توبتهم، فإن الصدق يهدى إلى البر، والكذب [يهدى] إلى الفجور، قال ابن مسعود رضى الله عنه: لا يصلح الكذب فى جد ولا هزل، ولا أن يَعِدَ أحدكم صبيه ثم لا ينجزه، اقرءوا إن شئتم: {وكونوا مع الصادقين} فهل فيها من رخصة، وجاء بالصدق بعد قصة الثلاثة وأمر به تنبيها عليه، وإغراء به، إذ نفعهم وذهب بهم عن منازل المنافقين، كما يعترض فى أثناء الكلام بما يجب التنبيه عليه، وقد قيل: هم الثلاثة، أى كونوا معهم فى الصدق والثبات، فوضع الظاهر موضع الضمير مدحا لهم بالصدق. وقال الكلبى: الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب أن يكونوا مع المهاجرين والأنصار، وفى جملتهم وصدقهم، وقيل: لمن تخلف من الطلقاء عن تبوك، وقيل: كونوا مع المهاجرين فى الهجرة فهاجروا مثلهم، ويلزم على هذا أن تكون الآية قبل الفتح وهو ضعيف. وفسر أبو بكر رضى الله عنه الصادقين بالمهاجرين، لما قالت الأنصار يوم السقيفة: منا أمير ومنكم أمير، قال: مَنِ الصادقون فى قوله تعالى: {أية : للفقراء المهاجرين}؟ تفسير : الآية، قالوا: أنتم، قال: فإنه يقول: {وكونوا مع الصادقين} فأمركم أن تكونوا معنا، ولم يأمرنا أن نكون معكم، نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وفسر بعضهم مع بمن، قلت: يرده أن معنى الاسم المطابقى لا يكون كمعنى الحرف، بل يكفى فى ذلك أنه إذا كان الإنسان على ما كان عليه الآخر من حال صح أن يقال: إنه معه، وقرأ ابن مسعود، وابن عباس رضى الله عنهما: وكونوا من الصادقين.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فيما لا يرضاه {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} أي مثلهم في صدقهم. وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يقرأ {وَكُونُواْ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ} وكذا روى البيهقي وغيره عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك، والخطاب قيل: لمن آمن من أهل الكتاب وروي ذلك عن ابن عباس فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة: وجوز أن يكون عاماً لهم ولغيرهم فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في الدين نية وقولاً وعملاً، وأن يكون خاصاً بمن تخلف وربط نفسه بالسواري، فالمناسب أن يراد بالصادقين الثلاثة أي كونوا مثلهم في الصدق وخلوص النية. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن نافع أن الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا، والمراد بالصادقين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبذلك فسره ابن عمر كما أخرجه ابن أبـي حاتم وغيره، وعن عسيد بن جبير أن المراد كونوا مع أبـي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن عساكر وآخرون عن الضحاك أنه قال: أمروا أن يكونوا مع أبـي بكر وعمر وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عساكر عن أبـي جعفر أن المراد كونوا مع علي كرم الله تعالى وجهه. وبهذا استدل بعض الشيعة على أحقيته كرم الله تعالى وجهه بالخلافة، وفساده على فرض صحة الرواية ظاهر. وعن السدى أنه فسر ذلك بالثلاثة ولم يتعرض للخطاب، والظاهر عموم الخطاب ويندرج فيه التائبون اندراجاً أولياً، وكذا عموم مفعول {ٱتَّقَوْاْ} ويدخل فيه المعاملة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولاً أولياً أيضاً، وكذا عموم {ٱلصَّـٰدِقِينَ} ويراد بهم ما تقدم على احتمال عموم الخطاب. وفي الآية ما لا يخفى من مدح الصدق، واستدل بها كما قال الجلال السيوطي من لم يبح الكذب في موضع من المواضع لا تصريحاً ولا تعريضاً. وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيته شيئاً ثم لا ينجزه وتلا الآية، والأحاديث في ذمه أكثر من أن تحصى، والحق أباحته في مواضع. فقد أخرج ابن أبـي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو إصلاح بين اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها»تفسير : ، وكذا إباحة المعاريض فقد أخرج ابن عدي عن عمران بن حصين قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب».

ابن عاشور

تفسير : الظاهر أن هذه الآية خاتمة للآي السابقة وليست فاتحة غرض جديد. ففي «صحيح البخاري» من حديث كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك أنه قال: «فوالله ما أعلم أحداً... أبْلاه الله في صدق الحديث أحسنَ مما أبْلاني ما تعمدتُ منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذباً وأنزل الله على رسوله {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار إلى قوله {أية : وكونوا مع الصادقين}تفسير : [التوبة: 117 ـــ 119] اهـــ. فهذه الآية بمنزلة التذييل للقصة فإن القصة مشتملة على ذكر قوم اتقوا الله فصدقوا في إيمانهم وجهادهم فرضي الله عنهم، وذِكر قوم كذبوا في ذلك واختلقوا المعاذير وحلفوا كذباً فغضب الله عليهم، وقوم تخلفوا عن الجهاد وصدقوا في الاعتراف بعدم العذر فتاب الله عليهم، فلما كان سبب فوز الفائزين في هذه الأحوال كلها هو الصدق لا جرم أمر الله المؤمنين بتقواه وبأن يكونوا في زمرة الصادقين مثل أولئك الصادقين الذين تضمنتهم القصة. والأمر بــ {كونوا مع الصادقين} أبلغ في التخلق بالصدق من نحو: اصدقوا. ونظيره {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43]. وكذلك جَعله بعد (من) التبعيضية وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: {أية : أبى واستكبر وكان من الكافرين}تفسير : [البقرة: 43] ومنه قوله: {أية : قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}تفسير : [البقرة: 67].

د. أسعد حومد

تفسير : {يَـۤأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {ٱلصَّادِقِينَ} (119) - يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ، وَرَاقِبُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَوَاجِبَاتِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ، وَاصْدقوا وَالزَمُوا الصِّدْقَ تَكُونُوا أَهْلَهُ، وَتَنْجُوا مِنَ المَهَالِكِ، وَيَجْعَلُ اللهُ لَكُمْ فَرَجاً مِنْ أُمُورِكِمْ وَمَخْرَجاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة ينادي الحق عزّ وجلّ عباده المؤمنين، فهو سبحانه إما أن يناديهم بحكم يتعلق بالإيمان، وإما أن يناديهم بالإيمان ويطلب منهم الإيمان مثل قوله الحق: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ...} تفسير : [النساء: 136]. والحق سبحانه يُبيّن للذين آمنوا به قبل أن يخاطبهم، أنه من الممكن أن يؤمن الإنسان ثم يتذبذب في إيمانه، فيطلب منه الحق "دوام الإيمان". فإذا طلب الله من عباده ما كان موجوداً فيهم ساعة الخطاب، فالمطلوب دوامه، وإن طلب منهم حكماً يتعلق بالإيمان، فهو يوجّههم إلى الاستماع وتطبيق ما يطلب منهم، ومثال هذا قول الحق سبحانه: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [التوبة: 119]. وكلمة {ٱتَّقُواْ} تعني: اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، ويتساءل البعض: هل يطلب أحد من الإنسان أن يجعل بينه وبين ربه وقاية؟ إن العبد المؤمن يطلب أن يكون في معيَّة الله. وهنا تأتي ضرورة فهم صفات الجمال وصفات الجلال. إن قوله سبحانه: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} يعني: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية، مثلما قال سبحانه: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} تفسير : [البقرة: 24]. لأن النار من جنود صفات الجلال، فاجعلوا بينكم وبين الله وقاية من صفات الجلال. وهنا يقول الحق: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ}، وفسر بعض العلماء قوله: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} بمعنى كونوا من الصادقين، أي: أن "مع" هنا بمعنى "من" والمقصود أن يعطي هذا القول معنى إجماليّاً عامّاً. لكني أقول: هناك فرق بين {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} و "كونوا من الصادقين"، فقوله الحق: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} أي: التحموا بهم فتكونوا في معيّتهم، وبعد أن تلتحموا بهم يأتي الذين من بعدكم ويجدونكم مع الصادقين. ويقتضي الأمر هنا أن نتذكر ما سبق أن قلناه عن النسبة الكلامية والنسبة الذهنية، فأيُّ قضية تمر على ذهنك قبل أن تقولها هي نسبة ذهنية، مثل قولك: "محمد زارني"، وأنت قبل أن تقول هذه العبارة جاء إلى ذهنك أن تنطقها، وهذه "نسبة ذهنية". ومن يسمعك لا يدري بها، ولكونك المتكلم فأنت وحدك الذي تدري بها، فإذا ما نطقتها وسمعها منك المخاطب؛ علم أن نسبة ذهنية جاءت في ذهنك فترجمتها قولاً بالنسبة الكلامية. فحين قلت: "محمد زارني بالأمس"؛ جاءت في ذهنك قبل أن تقولها، فلما سمعها السامع عرف أن هناك نسبتين؛ نسبة سمعها عن نسبة عندك. وحين يمحّص السامع هذا القول؛ يعلم أن هناك واحداً في الواقع اسمه محمد وعلم منك أنه قد زارك، وخبرته معك دائماً أنك صادق، إذن: فالصدق هو أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع. أما إذا قلت: إن محمداً قد سافر إلى أمريكا، وهو لم يسافر، فهذا يعني أن النسبة الكلامية لم تتطابق مع النسبة الواقعية وهذا هو الكذب. إذن: فهناك "نسبة ذهنية" و "نسبة كلامية" و "نسبة واقعية". فإن تطابقت النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية، فذلك هو الصدق، وإن لم تتطابق يكون الكذب. وكل نسبة تقولها تحتمل أن تكون صادقة أو كاذبة، والفيصل في هذا الأمر هو الواقع، هل يتطابق ما تقول مع الواقع أم لا؟. أما إن قلت لك: "زُرْ فلاناً" فهذه نسبة إنشاء؛ لأن الواقع يأتي بعدها، لا قبلها. وهنا يقول الحق سبحانه: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} والصدق هو الخَلَّة التي تجمع كل الإيمان، ولنر التطبيق لذلك في قصة الرجل البدوي الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن فيَّ خلالاً ثلاثة لا أقدر على التخلِّي عنها أبداً، أما الأولى فهي النساء، وأما الثانية فهي الخمر، وأما الثالثة فهي الكذب، وقد جئتك يا رسول الله، لتختار لي خصلة من الثلاثة وتقوِّيني عليها، وأعاهد ربنا عليها. فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي أن يتوب عن الكذب، وأن يتحلّى بالصدق، فقال له: كن صادقاً وما عليك. وحين أحب الأعرابي أن يشرب كأس خمر؛ تساءل: وماذا إن سألني النبي صلى الله عليه وسلم أشربت الخمر؟ وامتنع عن الخمر حتى لا يكذب على الرسول. وحين جاء ليختلس النظر إلى امرأة؛ قال لنفسه: "وماذا إن سألني صلى الله عليه وسلم وكيف أُخزي نفسي بصفة لا تليق بمسلم؛ فامتنع عن النظر إلى المحارم، وهكذا سيطر الصدق على الرجل فهذّب سلوكه. وحين سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم. فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: نعم. فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: لا. لأن مدخل الإيمان هو التصديق بالقضية العقدية الجازمة، وهكذا تجد أن الصدق هو "رأس الأمر كله". وقوله الحق: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} أي: لا تقولوا كلاماً لا يصادفه الواقع، وكذلك إياكم أن تقولوا كلاماً تناقضه أفعالكم، لهذا يقول الحق سبحانه: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]. وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلٰوةَ وَآتَى ٱلزَّكَٰوةَ ...} تفسير : [البقرة: 177]. ولننتبه إلى الملاحظ الدقيقة في هذه الآية، فقد قال الحق هنا: {وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 177]. ثم ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلماذا إذن ذكر {وَآتَى ٱلْمَالَ}؟ أقول: لقد ذكر الحق هنا المال الذي ينفقه المؤمن دون أن يكون مفروضاً عليه إخراجه مثل الزكاة، فالزكاة واجبة، أما إيتاء المال تصدقاً، فهذا فوق الواجب. ثم يقول سبحانه: {أية : وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 177]. هذه هي صفات من صدقوا، وهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد صدقوا واتقوا. {يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} [التوبة: 119]. وقد جاء الحق بصفة "الصدق" هنا؛ لأن المجال هو الحديث عمن تخلّف عن الغزوات، وكذب في الأعذار التي افتعلها؛ لذلك يأتي التوجيه السماوي أن ادخلوا من باب الصدق. يقول الحق بعد ذلك: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الآية، هو خطاب للمؤمنين أمروا بكونهم مع أهل الصدق بعد ذكر قصة الثلاثة الذين نفعهم صدقهم وازاحهم عن رتبة النفاق. واعترضت هذه الجملة تنبيهاً على رتبة الصدق وكفى بها أنها ثانية لرتبة النبوة في قوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ}تفسير : [النساء: 69] إلى آخره. {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} الآية، نزلت فيمن تخلف من أهل المدينة عن غزوة تبوك، وفيمن تخلف ممن حولهم من الأعراب من مُزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار. ومناسبتها لما قبلها أنه لما أمر المؤمنين بتقوى الله وأمر بكينونتهم مع الصادقين وأفضل الصادقين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم المهاجرون والأنصار اقتضى ذلك موافقة الرسول صلى الله عليه وسلم صحبته أنى توجه من الغزوات والمشاهد. {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ} الآية، قال الزمخشري: أن يصحبوه على البأساء والضراء ويكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط وأن يلقوا بأنفسهم في الشدائد ما تلقاه نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم، علماً بها أنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه، فإِذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في الشدائد والهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ولا يكترث بها أصحابها ولا يقيموا لها وزناً. {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} الظمأ: العطش. ولما كان العطش أشق الأشياء المؤذية للمسافرين بكثرة الحركة وإزعاج النفس وخصوصاً في شدة الحر كغزوة تبوك بُدىء به أولاً، وثني بالنصب وهو التعب لأنه الكلال الذي يلحق المسافر والإِعياء الناشىء عن العطش والسير، وأتى ثالثاً بالجوع لأنه حالة يمكن الصبر عليها الأوقات العديدة بخلاف العطش، والنصب المفضيين إلى الخلود والانقطاع عن السفر، فكان الاخبار بما يعرض للمسافر أولاً فثانياً فثالثاً. وموطئاً: مفعل من وطىء فاحتمل أن يكون مكاناً، واحتمل أن يكون مصدراً، والفاعل في يغيظ عائد على المصدر إما على موطىء إن كان مصدراً، وإما على ما يفهم من موطىء إن كان مكاناً أي يغيظ وطئهم إياه الكفار. والنيل: مصدر فاحتمل أن يبقى على موضعه، واحتمل أن يراد به المنيل. واطلق نيلاً ليعم القليل والكثير مما يسؤهم قتلاً وأسراً وغنيمة وهزيمة، وبدىء في هاتين الجملتين بالاسبق أيضاً وهو الوطء ثم ثنّي بالنيل من العدو، وجاء للعموم في الكفار بالألف واللام وفي من عدو لكونه في سياق النفي. وبدىء أولاً بما يخص المسافر في الجهاد في نفسه، ثم ثانياً بما يترتب على تحمل تلك المشاق من غيظ الكفار والنيل من العدو. {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً} قتل ابن عباس: كالثمرة ونحوها والكبيرة ما فوقها. وقدم صغيرة على سبيل الاهتمام كقوله: {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} تفسير : [الكهف: 49]، {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ} [يونس: 61، سبأ: 3]، وإذا كتب أجراً لصغيرة فأحرى أجر الكبيرة. ومفعول كتب فضمير يعود على المصدر المفهوم من ينفقون ويقطعون، كأنه قيل: كتب لهم هو أي الانفاق والقطع، وتأخرت هاتان الجملتان وقدمت تلك الجملة السابقة لأنها أشق على النفس وأنكى للعدم، وهاتان أهون لأنهما في الأموال وقطع الأرض إلى العدو وسواء حصل غيظ للكفار والنيل من العدو أم لا يحصلا، فهذا أعم وتلك أخص. وكان تعليل تلك آكد إذ جاء بالجملة الإِسمية المؤكدة بأن، وذكر فيه الأجر. ولفظ المحسنين تنبيهاً على أنهم حازوا رتبة الإِحسان التي هي أعلى رتب المؤمنين وفي هاتين الجملتين أتى بلام العلة وهي متعلقة بكتب والتقدير أحسن جزاء الذي كانوا يعملون لأن عملهم له جزاء حسن وله جزاء أحسن وهنا الجزاء أحسن جزاء. {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} الآية، لما سمعوا قوله: ما كان لأهل المدينة إلى آخره أهمّهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت. {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} أي ليجعلوا غرضهم في النفقة إنذار قومهم وإرشادهم إلى الخير والنصيحة لهم. {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} إرادة أن يحذروا الله فيعملوا عملاً صالحاً.

الجيلاني

تفسير : {يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم التقوى عن محارم الله {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} عن مخالفة أمره {وَكُونُواْ} في السراء والضراء {مَعَ ٱلصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] المصدقين لرسوله، المتابعين له في جميع أموره. واعلموا أنه {مَا كَانَ} أي: ما صحَّ وجاز {لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ} يسكن {حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} المترددين في بواديها {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} حين خرج إلى القتال، واقتحم على الأعداء {وَلاَ} يصح لهم أن {يَرْغَبُواْ} ويميلوا {بِأَنْفُسِهِمْ} لحفظها وصيانتها {عَن نَّفْسِهِ} بل يجب عليهم أن يفدوا نفوسهم، ويكفلوا في صيانته وحفظه صلى الله عليه وسلم، وحيث اقتحم صلى الله عليه سلم فلهم المبادرة والمسابقة {ذٰلِكَ} أي: ما وجب عليهم من تحمل المشاق والمتاعب، والإسراع إلى الاقتحام، والإقدام عليها {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أنهم متى خرج صلى الله عليه وسلم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي: عطش {وَلاَ نَصَبٌ} ألم من أنواع الآلام {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي: مجاعة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإعلاء دينه وكلمة توحيده. {وَ} كذا {لاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً} ولا يدوسون مكاناً {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} مرورهم عنه {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} من القتل والأسر، والغلب والنهب {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ} عند الله {عَمَلٌ صَالِحٌ} موجب للمثوبة العظمى والدرجة العليا، وبالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المحسن المتفضل لخواص عباده {لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] الذين يحسنون الأدب مع الله، ويعبدونه كأنهم يرونه ومع رسوله، المستخلف منه، النائب عنه. {وَلاَ يُنفِقُونَ} هؤلاء المحسنون {نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} في سبيل الله؛ طلباً لمرضاته {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} تجاه العدو حين أمرهم الله ورسوله {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} في ديوان حسناتهم {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} بها جزاء {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [التوبة: 121] أي: مثل جزاء أحسن أعمالهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } باللّه، وبما أمر اللّه بالإيمان به، قوموا بما يقتضيه الإيمان، وهو القيام بتقوى اللّه تعالى، باجتناب ما نهى اللّه عنه والبعد عنه. { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم، وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خلية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. قال الله تعالى: {أية : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } تفسير : الآية.