٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
120
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما أمر بقوله: {وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } بوجوب الكون في موافقة الرسول عليه السلام في جميع الغزوات والمشاهد، أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف عنه. فقال: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ } والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، هكذا قاله ابن عباس. وقيل: بل هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فإن اللفظ عام، والتخصيص تحكم، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يطلبوا لأنفسهم الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة، وقوله: {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } يقال: رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه وتركته، وأنا أرغب بفلان عن هذا، أي: أبخل به عليه ولا أتركه. والمعنى: ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه. واعلم أن ظاهر هذه الألفاظ وجوب الجهاد على كل هؤلاء إلا أنا نقول: المرضى والضعفاء والعاجزون مخصوصون بدليل العقل، وأيضاً بقوله تعالى: { أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] وأيضاً بقوله: { أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ } تفسير : [النور: 61 الفتح: 17] الآية وأما أن الجهاد غير واجب على كل أحد بعينه، فقد دل الإجماع عليه فيكون مخصوصاً من هذا العموم وبقي ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت هذا العموم. واعلم أنه تعالى لما منع من التخلف بين أنه لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من أنواع المشقة إلا وهو يوجب الثواب العظيم عند الله تعالى ثم إنه ذكر أموراً خمسة: أولها: قوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } وهو شدة العطش يقال ظمىء فلان إذا اشتد عطشه. وثانيها: قوله: {وَلاَ نَصَبٌ } ومعناه الإعياء والتعب. وثالثها: {وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } يريد مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن ومنه يقال: فلان خميص البطن. ورابعها: قوله: {ولا يطئون موطئآ يغيظ الكفار} أي ولا يضع الإنسان قدمه ولا يضع فرسه حافره، ولا يضع بعيره خفه بحيث يصير ذلك سبباً لغيظ الكفار قال ابن الأعرابي: يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد، أي أغضبه. وخامسها: قوله: {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } أي أسراً وقتلاً وهزيمة قليلاً كان أو كثيراً {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } أي إلا كان ذلك قربة لهم عند الله ونقول دلت هذه الآية على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيته وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله. وكذا القول في طرف المعصية فما أعظم بركة الطاعة وما أعظم شؤم المعصية، واختلفوا فقال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر. وقال ابن زيد: هذا حين كان المسلمون قليلين فلما كثروا نسخها الله تعالى بقوله: { أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 122] وقال عطية ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم وأمرهم وهذا هو الصحيح، لأنه تتعين الإجابة والطاعة لرسول الله إذا أمر وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد. ثم قال: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً } يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سوط فما فوقها ولا يقطعون وادياً، والوداي كل مفرج بين جبال وآكام يكون مسلكاً للسيل، والجمع الأودية إلا كتب الله لهم ذلك الإنفاق وذلك المسير. ثم قال: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وفيه وجهان: الأول: أن الأحسن من صفة فعلهم، وفيها الواجب والمندوب والمباح والله تعالى يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب، دون المباح. والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء، أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل، وهو الثواب.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} ظاهره خبر ومعناه أمر؛ كقوله: «أية : وَمَا كان لكم أن تؤذوا رسول الله»تفسير : [الأحزاب: 53] وقد تقدّم. «أَنْ يَتَخَلَّفُوا» في موضع رفع اسم كان. وهذه معاتبة للمؤمنين من أهل يَثْرِب وقبائِل العرب المجاوِرة لها؛ كمُزَيْنَة وجُهينة وأَشْجَع وغِفَار وأسْلم على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوك. والمعنى: ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلفوا؛ فإن النفير كان فيهم، بخلاف غيرهم فإنهم لم يُستنفَروا؛ في قول بعضهم. ويحتمل أن يكون الاستنفار في كل مسلم، وخصّ هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحقُّ بذلك من غيرهم. الثانية ـ قوله تعالى: {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدَّعة ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في المشقة. يقال: رغِبت عن كذا أي ترفَّعت عنه. الثالثة ـ قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي عطش. وقرأ عبيد بن عمير «ظماء» بالمد. وهما لغتان مثل خطأ وخطاء. {وَلاَ نَصَبٌ} عطف، أي تعب، ولا زائدة للتوكيد. وكذا {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي مجاعة. وأصله ضمور البطن؛ ومنه رجل خميص وٱمرأة خُمَصانة. وقد تقدّم. {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي في طاعته. {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً} أي أرضاً. {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} أي بوطئهم إياها، وهو في موضع نصب لأنه نعت للمَوْطىء، أي غائظاً. {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} أي قتلاً وهزيمة. وأصله من نِلْت الشيء أنال أي أصبت. قال الكسائي: هو من قولهم أمرٌ مَنيل منه؛ وليس هو من التناول، إنما التناول من نُلْته العطية. قال غيره: نُلت أنول من العطية، من الواو والنيلُ من الياء، تقول: نِلته فأنا نائل، أي أدركته. {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} العرب تقول: وادٍ وأودية، على غير قياس. قال النحاس: ولا يُعرف فيما علمت فاعل وأفعِلة سواه، والقياس أن يجمع ووادِي؛ فٱستثقلوا الجمع بين واوين وهم قد يستثقلون واحدة، حتى قالوا: أُقِّتَتْ في وُقِّتَت. وحكى الخليل وسيبويه في تصغير واصل اسم رجل أو يصل فلا يقولون غيره. وحكى الفرّاء في جمع واد أوداء. قلت: وقد جمع أوداه؛ قال جرير:شعر : عرفت ببُرْقَة الأوداهِ رَسْماً مُحيلاً طال عَهْدُك مِنَ رُسومِ تفسير : {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} قال ٱبن عباس: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعون ألف حسنة. وفي الصحيح: «حديث : الخيل ثلاثة ـ وفيه ـ وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام في مَرْج أو روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة إلا كُتب له عدد ما أكلت حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات»تفسير : . الحديث. هذا وهي في مواضعها فكيف إذا أدْرب بها. الرابعة ـ استدلّ بعض العلماء بهذه الآية على أن الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد العدوّ، فإن مات بعد ذلك فله سهمه، وهو قول أشهب وعبد الملك، وأحد قولي الشافعي. وقال مالك وٱبن القاسم: لا شيء له؛ لأن الله عز وجل إنما ذكر في هذه الآية الأجر ولم يذكر السهم. قلت ـ الأول أصح لأن الله تعالىٰ جعل وطء ديار الكفار بمثابة النَّيل من أموالهم وإخراجهم من ديارهم، وهو الذي يغيظهم ويدخل الذلّ عليهم، فهو بمنزلة نَيْل الغنيمة والقتل والأسر؛ وإذا كان كذلك فالغنمية تُستحق بالإدراب لا بالحيازة، ولذلك قال عليّ رضي الله عنه: ما وُطىء قوم في عُقر دارهم إلا ذَلّوا. والله أعلم. الخامسة ـ هذه الآية منسوخة بقوله تعالىٰ: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} وأن حكمها كان حين كان المسلمون في قلّة، فلما كثروا نُسخت وأباح الله التخلف لمن شاء، قاله ٱبن زيد. وقال مجاهد: بعث النبيّ صلى الله عليه وسلم قوماً إلى البوادي ليعلموا الناس فلما نزلت هذه الآية خافوا ورجعوا؛ فأنزل الله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}. وقال قتادة: كان هذا خاصّاً بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر؛ فأما غيره من الأئمة والولاة فلمن شاء أن يتخلف خَلْفَه من المسلمين إذا لم يكن بالناس حاجة إليه ولا ضرورة. وقول ثالث ـ أنها محكمة؛ قال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعيّ وابن المبارك والفَزَاريّ والسَّبِيعي وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية إنها لأوّل هذه الأمة وآخرها. قلت ـ قول قتادة حسن، بدليل غزاة تبوك، والله أعلم. السادسة ـ روىٰ أبو داود عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : «لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سِرْتم مسيراً ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه» قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة.؟ قال: «حبسهم العذر». خرجّه مسلم من حديث جابر قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالاً ما سِرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض»تفسير : . فأعطىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمعذور من الأجر مثلَ ما أعطى للقوي العامل. وقد قال بعض الناس: إنما يكون الأجر للمعذور غير مضاعف، ويضعف للعامل المباشر. قال ابن العربيّ: وهذا تحكم على الله تعالىٰ وتضييق لسعَة رحمته، وقد عاب بعض الناس فقال: إنهم يُعطون الثواب مضاعفاً قطعاً، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبنيّ على مقدار النيات، وهذا أمر مُغَيّب، والذي يُقطع به أن هناك تضعيفاً وربّك أعلم بمن يستحقه. قلت: الظاهر من الأحاديث والآي المساواةُ في الأجر؛ منها قوله عليه السلام: «حديث : من دل على خير فله مثل أجر فاعله»تفسير : وقوله: «حديث : من توضأ وخرج إلى الصلاة فوجد الناس قد صلّوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها»تفسير : . وهو ظاهر قوله تعالىٰ: {وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ}. وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا بُعْد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل ويزيد عليه؛ لقوله عليه السلام: «حديث : نية المؤمن خير من عمله»تفسير : . والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} نهي عبر به بصيغة النفي للمبالغة. {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} ولا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال. روي: (أن أبا خيثمة بلغ بستانه، وكانت له زوجة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظل ظليل، ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح ما هذا بخير، فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال: كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له) وفي {لا يَرْغَبُواْ} يجوز النصب والجزم. {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف أو وجوب المشايعة. {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم. {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} شيء من العطش. {وَلاَ نَصَبٌ} تعب. {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} مجاعة. {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ} ولا يدوسون. {مَوْطِئًا} مكاناً. {يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} يغضبهم وطؤه. {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } كالقتل والأسر والنهب. {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} إلا استوجبوا به الثواب وذلك مما يوجب المشايعة. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} على إحسانهم، وهو تعليل لـ {كِتَـٰبَ} وتنبيه على أن الجهاد إحسان، أما في حق الكفار فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون، وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم.
ابن كثير
تفسير : يعاتب تبارك وتعالى المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك؛ من أهل المدينة ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} وهو العطش {وَلاَ نَصَبٌ} وهو التعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} وهي المجاعة {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ}. أي: ينزلون منزلاً يرهب عدوهم {وَلاَ يَنَالُونَ} منه ظفراً وغلبة عليه {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم وإنما هي ناشئة عن أفعالهم أعمالاً صالحة وثواباً جزيلاً {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} كقوله: {أية : إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} تفسير : [الكهف: 30].
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ } إذا غزا {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } بأن يصونوها عما رضيه لنفسه من الشدائد، وهو نهي بلفظ الخبر {ذٰلِكَ } أي النهي عن التخلف {بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } عطش {وَلاَ نَصَبٌ } تعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ } جوع {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا } مصدر بمعنى (وطأ) {يَغِيظُ } يغضب {ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ } للّهِ {نَّيْلاً } قتلاً أو أسرا أو نهبا {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } ليجازَوْا عليه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي أجرهم بل يثيبهم.
الشوكاني
.تفسير : في قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } إلخ، زيادة تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحريم التخلف عنه: أي ما صح وما استقام لأهل المدينة {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلأَعْرَابِ } كمزينة وجهينة، وأشجع وأسلم وغفار {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ }، صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد استنفروا، فلم ينفروا، بخلاف غيرهم من العرب، فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } أي: وما كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فيشحون بها ويصونونها، ولا يشحون بنفس رسول الله، ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، يقال: رغبت عن كذا: أي ترفعت عنه، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق، ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاق. ويبذلوا أنفسهم دون نفسه؛ وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم مع ما يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم، والتقريع الشديد، والتهييج لهم، والإزراء عليهم. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما يفيده السياق من وجوب المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذلك الوجوب عليهم بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب، وأصناف الشدائد. والظمأ: العطش، والنصب: التعب، والمخمصة: المجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن. وقرأ عبيد بن عمير «ظماء» بالمد. وقرأ غيره بالقصر، وهما لغتان مثل خطأ وخطاء، و"لا" في هذه المواضع زائدة للتأكيد. ومعنى {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في طاعة الله. قوله: {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ } أي: لا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ للكفار. والموطىء: اسم مكان، ويجوز أن يكون مصدراً {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } أي: يصيبون من عدوّهم قتلاً أو أسراً أو هزيمة أو غنيمة، وأصله: من نلت الشيء أنال: أي أصيب. قال الكسائي: هو من قولهم: أمر منيل منه، وليس هو من التناول، إنما التناول من نلته بالعطية. قال غيره: نلت أنول من العطية، ونلته أناله: أدركته، والضمير في {بِهِ } يعود إلى كل واحد من الأمور المذكورة، والعمل الصالح: الحسنة المقبولة: أي إلا كتبه الله لهم حسنة مقبولة يجازيهم بها، وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ } في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن، ويصدق على المذكورين هنا صدقاً أوّلياً. قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً } معطوف على ما قبله: أي ولا يقع منهم الإنفاق في الحرب، وإن كان شيئاً صغيراً يسيراً {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا } وهو في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل، والعرب تقول: واد وأودية على غير قياس. قال النحاس: ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } أي: كتب لهم ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ } به {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: أحسن جزاء ما كانوا يعملون من الأعمال، ويجوز أن يكون في قوله: {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } ضمير يرجع إلى عمل صالح. وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية المذكورة بعدها، وهي قوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} فإنها تدل على جواز التخلف من البعض، مع القيام بالجهاد من البعض، وسيأتي. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمر بن مالك، عن بعض الصحابة قال: لما نزلت: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ } قال هذا حين كان الإسلام قليلاً لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كثر الإسلام وفشا قال الله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً}. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وإبراهيم بن محمد الفزاري، وعيسى بن يونس السبيعي، أنهم قالوا في قوله تعالى: {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } قالوا: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} فيه وجهان: أحدهما: وما كان عليهم أن ينفروا جميعاً لأن فرضه صار على الكفاية وهذا ناسخ لقوله تعالى {انفِرُو خِفَافاً وَثِقَالاً} قاله ابن عباس. والثاني: معناه وما كان للمؤمنين إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرية أن يخرجوا جميعاً فيها ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة حتى يقيم معه بعضهم، قاله عبد الله بن عبيد الله بن عمير. قال الكلبي: وسبب نزول ذلك أن المسلمين بعد أن عُيّروا بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا على الخروج في سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوه وحده بالمدينة، فنزل ذلك فيهم. {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} فيه قولان: أحدهما: لتتفقه الطائفة الباقية إما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده، وإما مهاجرة إليه في إقامته، قاله الحسن. الثاني: لتتفقه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا، ويكون معنى الكلام: فهلاَّ إذا نفروا أن تقيم من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين، قاله مجاهد. وفي قوله تعالى {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} تأويلان: أحدهما: ليتفقهوا في أحكام الدين ومعالم الشرع ويتحملوا عنه ما يقع به البلاغ وينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم. الثاني: ليتفقهوا فيما يشاهدونه من نصر الله لرسوله وتأييده لدينه وتصديق وعده ومشاهدة معجزاته ليقوى إيمانهم ويخبروا به قومهم.
ابن عطية
تفسير : هذه معاتبة للمؤمنين من أهل يثرب وقبائل العرب المجاورة لها على التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوه، وقوة الكلام تعطي الأمر بصحبته إلى توجهه غازياً وبذل النفوس دونه، واختلف المتأولون فقال قتادة: كان هذا الإلزام خاصاً مع النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب النفر إلى الغزو إذا خرج هو بنفسه ولم يبق هذا الحكم مع غيره من الخلفاء، وقال زيد بن أسلم: كان هذا الأمر والإلزام في قلة الإسلام والاحتياج إلى اتصال الأيدي ثم نسخ عند قوة الإسلام بقوله: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : [التوبة: 112]. قال القاضي أبو محمد : وهذا كله في الانبعاث إلى غزو العدو على الدخول في الإسلام، وأما إذا ألم العدو بجهة فمتعين على كل أحد القيام بذبه ومكافحته، وأما قوله تعالى {ولا يرغبوا بأنفسهم} فمعناه أن لا يحتمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الله مشقة ويجود بنفسه في سبيل الله فيقع منهم شح على أنفسهم ويكعون عما دخل هو فيه، ثم ذكر تعالى لِمَ لَمْ يكن لهم التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: {ذلك بأنهم } ..الآية و" النصب " التعب. ومنه قول النابغة: [الطويل] شعر : كليني لهم يا أميمة ناصبِ تفسير : أي ذي نصب. ومنه قوله تعالى: {أية : لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} تفسير : [الكهف: 62] و" المخمصة" مفعلة من خموص البطن وهي ضموره، واستعير ذلك لحالة الجوع إذ الخموص ملازم له، ومن ذلك قول الأعشى: [ الطويل ] شعر : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم وجاراتكم غرثى يبتنَ خمائصا تفسير : ومنه أخمص القدم والخمصانة من النساء، وقوله تعالى {ولا يطؤون موطئاً } أي ولا ينتهون من الأرض منتهى مؤذياً للكفار، وذلك هو الغائظ ومنه في المدونة كنا لا نتوضأ من موطىء من قول ابن مسعود، وقوله تعالى: {ولا ينالون من عدو نيلاً} لفظ عام لقليل ما يصنعه المؤمنون بالكفرة من أخذ مال أو إيراد هوان وكثيره، والنيل مصدر نال ينال وليس من قولهم نلت أنوله نولاً ونوالاً وقيل هو منه، وبدلت الواو ياء لخفتها هنا وهذا ضعيف، والطبري قد ذكر نحوه وضعفه وقال ليس ذلك المعروف من كلام العرب، وقوله {ولا ينفقون } الآية، قدم الصغيرة للاهتمام أي إذا كتبت الصغيرة فالكبيرة أحرى، و" الوادي " ما بين جبلين كان فيه ماء أو لم يكن، وجمعه أودية، وليس في كلام العرب فاعل وأفعلة إلا في هذا الحرف وحده، وفي الحديث "حديث : ما ازداد قوم من أهليهم في سبيل الله بعداً إلا ازدادوا من الله قرباً ".
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {موطئاً} ونحوه بالياء: يزيد والشموني وحمزة في الوقف {غلظة} بفتح الغين: المفضل. الباقون بكسرها. {أولا ترون} بتاء الخطاب للمؤمنين: حمزة ويعقوب. الباقون على الغيبة. الوقوف: {عن نفسه} ط {صالح} ط {المحسنين} ه لا للعطف {يعملون} ه {كافة} ط {يحذرون} ه {غلظة} ط {المتقين} ه {إيماناً} ط {يستبشرون} ه {كافرون} ه {يذكرون} ه {إلى بعض} ط لحق المحذوف أي يقولون هل يراكم {ثم انصرفوا} ط {لا يفقهون} ه {عزيز} ط، على تأويل عليه شفاعة ما عنتم والصحيح الوصل لأن المعنى شديد عليه ما أثمتم ولا وقف في الآية إلى قوله رحيم {حسبي الله} ط والأصح الوصل على جعل الجملة حالاً أي يكفي الله غير مشارك في الألوهية {إلا هو} ط {العظيم} ه. التفسير: لما أمر بموافقة النبي وأصحابه في جميع الغزوات والمشاهد بقوله {أية : وكونوا مع الصادقين}تفسير : [الآية: 119] أكد ذلك المعنى بالنهي عن التخلف عنه فقال: {ما كان لأهل المدينة} أي لا يستقيم ولا يجوز لهم. والأعراب الذين كانوا حول المدينة قد ذكرنا - عن ابن عباس - أنهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وكأنه أراد المعروفين منهم وإلا فاللفظ عام. ومعنى {ولا يرغبوا} ولا أن يرغبوا. يقال: غبت بنفسي عن هذا الأمر أي أبخل بها عليه ولا أتركها له، والمراد أنه لا يصح لهم أن يرغبوا عن صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب صلاح أنفسهم وبقائها بل عليهم أن يصحبوه على البأساء والضراء ويرضوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه لأن نفسه أعز نفس عند الله، فإذا تعرضت مع كرامتها للخوض في شدة وجب على سائر الأنفس أن لا يضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه. وفي هذا النهي مع التهييج توبيخ عظيم، ولا يخفى أن الجهاد لا يجب على كل فرد بعينه للإجماع وأن أصحاب الأعذار من الضعفاء والمرضى ونحوهم مخصوصون بالعقل وبالنقل فيبقى ما وراء هاتين الصورتين داخلاً تحت عموم الآية. ثم ذكر ترغيباً يجري مجرى علة المنع من التخلف فقال: {ذلك بأنهم} أي الوجوب الدال عليه بقوله: {ما كان لهم} بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد بل على جميع الحركات والسكنات مدة الذهاب والإياب. والظمأ شدة العطش، والنصب الإعياء والتعب، والمخمصة المجاعة الشديدة التي تظهر ضمور البطن، والموطىء إما مصدر كالمورد أو مكان وعلى التقديرين الضمير في {يغيظ} عائد إلى الوطء الصريح أو المقدر. ثم الوطء يجوز أن يكون حقيقة فيراد به الدوس بالأقدام وبحوافر الخيول وبأخفاف الإبل، ويجوز أن يكون مجازاً فيراد به الإيقاع والإهلاك. قال ابن الأعرابي: غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى. ويقال نال منه إذا رزأه ونقصه وهو عام في كل ما يسوءهم ويلحق بهم ضرراً من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة، والمراد أنهم لا يتصرفون في أرض الكفار تصرفاً يغيظهم ويرزؤهم شيئاً إلا كتب لهم به عمل صالح. وفيه دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله، وكذا القول في طرف المعصية ولكن بالضد فما أعظم بركة الطاعة وما أشد شؤم المعصية. وبهذه الآية استشهد أصحاب أبي حنيفة أن المدد القادم بعد انقضاء الحرب يشارك الجيش في الغنيمة لأن وطء ديارهم مما يغيظهم وينكي فيهم. وقال الشافعي: لا يشاركون الغانمين في الغنيمة وإن شاركوهم في الثواب لأن الغنيمة من خواص المحاربين ومن قد تعاطى خطراً. قال قتادة: هذا الحكم من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر. وقال ابن زيد: هذا حين كان في المسلمين قلة فلما كثروا نسخه الله بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} وقال عطية: ما كان لهم التخلف إذا دعاهم الرسول وأمرهم. قال العلماء: وكذلك غيره من الأئمة والولاة إذا عينوا طائفة لأنا لو جوزنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض فيؤدي الى تعطيل الجهاد. قوله: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة}. قال المفسرون: يريد تمرة فما فوقها وعلاقة سيف أو سوط وما أربى عليها مثل ما أنفق عثمان في جيش العسرة {ولا يقطعون وادياً} أي أرضاً في ذهابهم ومجيئهم وهذا شائع في استعمال العرب يقولون: لا تصل في وادي غيرك. وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال. والوادي كل منعطف بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل. {إلا كتب لهم} ذلك الإنفاق والقطع أو ذلك العمل الصالح المعهود في الآية المتقدمة. ثم ذكر غاية الكتب فقال: {ليجزيهم الله} أي أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل. وقيل: الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح. واعلم أنه سبحانه عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطراً منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيهاً على أنه في الثواب جارٍ مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال: {إلا كتب لهم به عمل صالح} أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله: {إن الله لا يضيع أجر المحسنين}. ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء، واقتصر ههنا على قوله {إلا كتب لهم} لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك، أو اكتفاء بما تقدم، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل والله تعالى أعلم بمراده. ثم قال: {وما كان المؤمنون} وفيه قولان: أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه سبحانه لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية. قاله ابن عباس. والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو. ثم ههنا احتمالان لأنه قال محرضاً {فلولا نفر} أي هلا نفر {من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين} فذهب الأكثر إلى أن الضمير في {ليتفقهوا} عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين {ولينذروا قومهم} النافرين {إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} معاصي الله عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة. وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع الله في إعلاء كلمته. فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق. القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه، أما في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئاً فشيئاً، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار، ومعنى {ليتفقهوا} ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في أخذها وتحصيلها. والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستنبطة من دلائلها التفصيلية. والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي. وفي قوله: {ولينذروا قومهم} إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر، أعاذنا الله تعالى بفضله من قبح النية وفساد الطوية، وجعلنا ممن لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً. القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا: أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحداً. ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله: {ولينذروا} وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله: {لعلهم يحذرون} إيجاب للعمل بأخبارهم. ثم أرشد سبحانه إلى ترتيب القتال فقال: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم} أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلاً إلى الأبعد. والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل الى الغائبين. وأيضاً المؤنة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة. وقد حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام. ويروى أن أعرابياً جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : كل مما يليكتفسير : . فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر الى العدول ضرورة. وقوله {وليجدوا فيكم غلظة} أي شدة نظير قوله: {أية : واغلظ عليهم}تفسير : [التحريم: 9] ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضاً كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف، أما فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة فلا وليكن تقوى الله سبحانه على ذكر منه في موارده ومصادره، ولهذا ختم الآية بقوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} فإن قلته قتله لله وان تركه على الجزية تركه لله وإن كسر عدوه وآل الأمر إلى أخذ الغنيمة راعى فيه حدود الله. ثم حكى بقية فضائح أعمال المنافقين فقال: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول} أي يقول بعض المنافقين لبعض إنكاراً واستهزاء بالمؤمنين المعتقدين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي والعمل به، أو يقولونه لقوم من المسلمين وغرضهم صرفهم عن الإيمان والمقول {أيكم} مرفوع بالابتداء وخبره {زادته هذه إيماناً}. ثم إنه تعالى حكى أنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران: أحدهما ازدياد الإيمان وقد مر معناه في أول سورة الأنفال، والثاني الاستبشار وهو استدعاء البشارة إما بثواب الآخرة وإما بالعزة والنصرة في الدنيا والمراد أنهم يفرحون بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل بها إلى مزيد الثواب. وحصل للمنافقين الذين لهم عقائد فاسدة وأخلاق ذميمة أمران: أولهما زيادة الرجس لأن تكذيب سورة بعد تكذيب مثلها انضمام كفر إلى كفر أو لأن حصول حسد وغل ونفاق عقيب أمثالها ازدياد ملكة ذميمة غب أخرى، وثانيهما بقاؤهم على تلك العقائد والأعمال إلى أن ماتوا لأن الملكة الراسخة لا تزول إلا إن مات صاحبها، وإسناد زيادة الرجس إلى السورة إسناد حقيقي عند الأشاعرة لأنهم يقولون إنه سبحانه يخلق الكفر والإيمان في العبد فلا يبعد إحداث السورة فيهم الرجس، وإسناد مجازي عند المعتزلة لأنهم يقولون إنهم أحدثوا الرجس من عند أنفسهم حين نزول السورة بدليل أن الآخرين سمعوا السورة وازدادوا إيماناً. والتحقيق في أن النفس الطاهرة النقية عن درن الدنيا باستيلاء حب الله والآخرة إذا سمعتها صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا. وأما النفس الحريصة المتهالكة على لذات الدنيا وطيباتها الغافلة عن حب الآخرة وعشق المولى إذا سمعتها مشتملة على تعريض النفس للقتل والمال للنهب بسبب الجهاد زادت نفرته عنها وإنكاره عليها وكل بقدر. ثم عجب من حال المنافقين فقال: {أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين} قال ابن عباس: أي يمتحنون بالمرض {ثم لا يتوبون} من النفاق ولا يتعظون بذلك المرض كما يتعظ المؤمن فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي ربه فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً. وقال مجاهد: بالقحط والجوع. وقال قتادة: بالغزو أو الجهاد فإن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي، وإن ذهبوا وهم على حالة النفاق عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة. وقال مقاتل: كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فيخبره جبرائيل فيوبخهم بذلك ويعظهم فما كانوا يتعظون. ثم ذكر نوعاً آخر من مخازيهم فقال {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} أي سورة مشتملة على ذكرهم أو أعم من ذلك. والنظر نظر الطعن والاستهزاء والازدراء بالوحي قائلين {هل يراكم من أحد} من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه ويغلبنا الضحك فنخاف الافتضاح بينهم لأن نظر التغامز دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد، أو أرادوا إن كان من ورائكم أحد فلا تخرجوا وإلا فاخرجوا لنتخلص من هذا الإيذاء وسماع الباطل. {ثم انصرفوا} أي من مكان الوحي إلى مكانهم أو عن استماع القرآن الى الطعن فيه. ومعنى {صرف الله قلوبهم} قال ابن عباس: منعهم عن كل رشد وخير. وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم. وقال الزجاج: أضلهم الله. قالت الأشاعرة: هو إخبار عما فعل الله بهم من الصد عن الإيمان والمنع منه. وقالت المعتزلة: هو دعاء عليهم بالخذلان وبصرف قلوبهم عن الانشراح، أو إخبار بأنه صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن بها، أو المراد صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد قالوا: ومعنى قوله: {لا يفقهون} لا يتدبرون حتى يفقهوا. وعند الأشاعرة: هم قوم جبلوا على ذلك. يحكى عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة كان مقصوده التفاؤل باللفظ الوارد في الخير دون الشر فإنه تعالى قال:{أية : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}تفسير : [الجمعة: 10] ثم لما أمر رسوله في هذه السورة بتبليغ تكاليف شاقة يعسر تحملها ختم السورة بما يهون الخطب في تحملها فقال: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} أي من جنس البشر لا الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس، أو الخطاب للعرب والمقصود ترغيبهم في نصرته والقيام بخدمته لأن كل ما يحصل له من الدولة والرفعة فإن ذلك سبب لعزهم وفخرهم لأنه من أبناء جلدتهم، أو الخطاب لأهل الحرم خاصة لأنهم كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل لهم: كنتم قبل مقدمه مجدين في خدمة أسلافه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف إلى آبائه؟ أو المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم. فإرسال من هذه حاله وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم. وقرىء {من أنفسكم} بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم. وتنسب هذه القراءة الى النبي والوصي وأهل البيت عليهم السلام. ثم وصفه بما تستتبعه المجانسة والمناسبة من النتائج وذلك قوله: {عزيز عليه ما عنتم} العزة الغلبة والشدة والعنت المشقة والوقوع في المكروه والإثم. و "ما" مصدرية أي شديد شاق عليه - لكونه بعضاً منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، وأولى المكاره بالدفع عقاب الله وهو إنما أرسل لدفع هذا المكروه. {حريص عليكم} الحرص يمتنع أن يتعلق بذواتهم فالمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدارين؛ فالصفة الأولى لدفع الآفات والثانية لإيصال الخيرات والسعادات فلا تكرار. وقال الفراء: الحريص الشحيح والمعنى أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وفيه نوع تكرار. ثم بين أنه رحمة للعاملين فقال {بالمؤمنين} أي منكم ومن غيركم {رؤوف رحيم} قال ابن عباس: لم يجمع الله بين اسمين من أسمائه إلا له، وحاصل هذه الخاتمة أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف فذاك عائد إليكم وإنه كالطبيب الحاذق وكالأب الشفيق وإذا عرف أن الطبيب حاذق والأب مشفق فالعلاج والتأديب منهما إحسان وإحمال، وإن كان صعباً مؤلماً فاقبلوا ما أمركم به من التكاليف وإن كانت شاقة لتفوزوا بسعادة الدارين، ثم قال لرسوله فإن لم يقبلوا بل أعرضوا وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وارجع في جمع أمورك إلى الله الذي بالحق أرسلك فهو كافيك {وهو رب العرش العظيم} فلا يخرج عن قبضة قدرته وتصرفه شيء لأنه يحيط بالعرش وبما يحويه العرش والله أعلم. التأويل: {ما كان لأهل} مدينة القالب وهو النفس والهوى والقلب {ومن حولهم من الأعراب} الصفات النفسانية والقلبية {أن يتخلفوا عن رسول} الروح السائر ولا يبذلوا وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ} من ماء الشهوات {ولا نصب} من أنواع المجاهدات {ولا مخمصة} بترك اللذات وحطام الدنيا في طلب الله {لا يطؤن موطئاً} من مقامات الفناء {يغيظ} كفار النفس والهوى {ولا ينالون من عدوّ} الشيطان والنفس والدنيا بلاء ومحنة وفقراً وحزناً وغير ذلك من أسباب الفناء {إلا كتب لهم به عمل صالح} من البقاء بالله بقدر الفناء في الله {ولا ينفقون نفقة صغيرة} هي بذل الصفات {ولا كبيرة} هي بذل الذات في صفات الله وفي ذاته {ولا يقطعون وادياً} من أودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح. {أحسن ما كانوا يعملون} لأن عملهم بقدر معرفتهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق فهمهم{أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} تفسير : [السجدة: 17] {وما كان المؤمنون لينفروا} في السير إلى الله وبالله وفي الله، فهلا نفر من كل قوم وقبيلة فرقة طائفة هم خواصهم وأهل الاستعداد الكاملون ليتعلموا السلوك ويخبروا بذلك قومهم {لعلهم يحذرون} من غير الله. {قاتلوا الذين يلونكم} من كفار النفس والهوى وصفاتها {وليجدوا فيكم غلظة} عزيمة صادقة في ترك شهواتها {وماتوا وهم كافرون} أي لموت قلبهم لتزايد ظلمة النفاق كل حين، ثم أخبر عن موت القلب بقوله: {أولا يرون أنهم يفتنون} والفتنة موجبة لانتباه القلب الحي{أية : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}تفسير : [ق: 37] أي قلب حي {هل يراكم من أحد} في مقام الإنكار والنفاق أي هل يرى محمد إنكارنا على رسالته والقرآن، فإن كان رسولاً يرانا بنور رسالته {ثم انصرفوا} على هذا الحسبان لأن قلوبهم مصروفة وليس لهم فقه القلب لأن ذلك من أمارات حياة القلب. {من أنفسكم} تسكين للعوام لئلا يتنفروا عنه وإشارة للخواص إلى أن البشر لهم استعداد الوصول والوصال، فإن لم يكن بالاستقلال فبالمتابعة فاتبعوني يحببكم الله. ومن قرأ {من أنفسكم} أي أشرفكم فلأنه أوّل جوهر خلقه الله تعالى "أول ما خلق الله تعالى روحي" ولاختصاصه بالخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين أو أدنى وتحليه بحلية {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى}تفسير : [النجم: 10] ولعلو همته، {ما زاغ البصر وما طغى} [النجم: 17] ولرؤيته سر القدر{أية : ولقد رأى من آيات ربه الكبرى}تفسير : [النجم: 18] {بالمؤمنين رؤوف رحيم} فمن رأفته أمر بالرفق كما قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق" ومن رحمته قيل له{أية : فبما رحمة من الله لنت لهم}تفسير : [آل عمران: 159] وههنا نكتة وهي أن رأفته ورحمته لما كانت مخلوقة اختصت بالمؤمنين فقط، وكانت رحمته تعالى ورأفته للناس عامة {إن الله بالناس لرؤوف رحيم} ونكتة أخرى هي أن رحمته صلى الله عليه وسلم عامة للعالمين بقوله:{أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107] وأما رحمته المضمومة إلى الرأفة فخاصة بالمؤمنين وكأن الرأفة إشارة إلى ظهور أثر الدعوة في حقهم، فالمؤمنون أمة الدعوة والإجابة جميعاً وغيرهم أمة الدعوة فقط {فقل حسبي الله} لأن المقصود من التبليغ قد حصل لك وهو وصولك إلى الله أعرضوا عن دعوتك أو أقبلوا والله المستعان.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} الآية. لمَّا أوجب عليهم موافقة الرسول في جميع الغزوات والمشاهد؛ أكد ذلك بالنَّهي في هذه الآية عن التخلف عنه. قال المفسرون: ظاهره خبر ومعناه نهي، كقوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب:53]، {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} سكان البوادي: مزينة وجُهينة، وأشجع وأسلم، وغفار، قاله ابنُ عباسٍ. وقيل: يتناولُ جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة، فإنَّ اللفظ عامٌّ، والتخصيص تحكم، وعلى القولين فليس لهم أن يتخلَّفُوا عن رسُولِ الله إذا غزا، {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي: لا يطلبوا لأنفسهم الحفظ والدَّعة حال ما يكونُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحرِّ والمشقَّةِ، والمعنى: ليس لهم أن يكرهُوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول - عليه الصلاة والسلام - لنفسه. يقال: رَغِبْتُ بنفسي عن هذا الأمر، أي: توقفتُ عنه وتركته، وأرغب بفلان عن هذا الأمر، أي: أبخل به عليه ولا أتركه. وظاهر الآية وجوب الجهادِ على الكل، إلاَّ ما خصَّه الدَّليل من المرضى، والضعفاء، والعاجزين. ولمَّا منعهم من التخلف، بيَّن أنهم لا يصيبهم في ذلك السفر نوع من المشقة إلاَّ وهو يوجب الثَّواب العظيم عند الله تعالى. وذكر أموراً منها بقوله: "ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ" مبتدأ وخبر، والإشارة به إلى ما تضمَّنهُ انتفاء التخلف عن وجوب الخروج معه. "لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ" وهو العطشُ، يقال: ظَمِىءَ يَظْمَأُ ظَمَأ، فهو ظمآنُ وهي ظَمْأى، وفيه لغتان: القصر والمد، وبالمد قرأ عمرو بنُ عبيدٍ، نحو: سَفِه سَفَاهاً، والظَّمءُ: ما بين الشَّربتيْنِ. ومنها: قوله: "ولاَ نَصَبٌ" أي: إعياء وتعب. {وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: مجاعة شديدة يظهر بها ضمور البطن، يقال: فلان خميص البطنِ، ومنها قوله: {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ}. "مَوْطِئاً" مفعل، مِن: وَطِىءَ، ويحتملُ أن يكون مصدراً بمعنى: الوطْء وأن يكون مكاناً، والأوَّلُ أظهر؛ لأنَّ فاعل "يَغِيظُ" يعودُ عليه من غير تأويل، بخلاف كونه مكاناً، فإنَّهُ يعُودُ على المصدر، وهو الوطْءُ، الدالُّ عليه مكان المُوطِىءُ. والمعنى: لا يضعُ الإنسان قدمه، ولا يضع فرسه حافره، ولا يضع بعيره خفه، بحيث يصير ذلك سبباً لغيظ الكفار. قوله: "يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ" قال ابنُ الأعرابي: يقال: غَاظَه، وغيَّظَه، وأغَاظَه بمعنًى واحدٍ، أي: أغضبه. وقرأ زيدُ بنُ عليّ "يُغِيظُ" بضمِّ الياءِ. وقوله: {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} النَّيْلُ: مصدرٌ؛ فيحتمل أن يكون على بابه، وأن يكون واقعاً موقع المفعول به، وليس ياؤه مبدلةً من "واو" كما زعم بعضهم، بل نالهُ يَنولُه مادةٌ أخرى، وبمعنى آخر، وهو "المناولة"، يقال: نِلْتُه أنوله، أي: تناولتُه، ونِلْتُه أنَالُهُ، أي: أدركتُه. والمعنى: ولا ينالهم من العدو أسراً، أو قتلاً، أو هزيمةً قليلاً كان أو كثيراً {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} أي كان ذلك قربة عند الله لهم. قال قتادة: "هذا الحكم من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلَّف عنه إلاَّ بعذر" وقال ابنُ زيدٍ: هذا حين كان المسلمون قلّة فلمَّا كثروا نسخها الله بقوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}. وقال عطيَّة: ما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم، وهذا هو الصحيحُ؛ لأنَّ إجابة الرَّسُولِ واجبة، وكذلك غيره من الأئمة. قال الوليدُ بنُ مسلم: سمعتُ الأوزاعيَّ، وابن المباركِ، وابن جابرٍ، وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنَّها لأوّلِ هذه الأمَّةِ وآخرها، وذلك لأنا لو سوَّغْنَا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعضٌ دون بعض فيؤدي ذلك إلى تعطيل الجهادِ. قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} أي: تمرة فما فوقها، وعلاقة سوط فما فوقها {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} قال الزمخشريُّ: "الوَادِي": كل منفرجٍ بين جبال وآكام يكونُ منفذاً للسبيل، وهو في الأصل فاعل من: ودَى، إذا سَالَ، ومنه "الوَدِيّ". وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض. وجمع على "أوْدِيَة"، وليس بقياس، وكان قياسُه "الأوادي"، كـ "أواصل" جمع: "واصل"، والأصلُ: ووَاصل، قلبت "الواو" الأولى همزة. وهم قد يستثقلون واحده، حتى قالوا: "أقَيْتُ" في "وَقيْتُ". وحكى الخليل، وسيبويه، في تصغير واصل اسم رجل "أوَيْصِل"، ولا يقولون غيره قال النَّحَّاسُ "ولا أعرفُ فاعلاً وأفعلة سواهُ" وقد استدركَ هذا عليه؛ فزادُوا: نَادٍ وأندية؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 2859- وفِيهمْ مقامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُمْ وأنديَةٌ ينْتَابُهَا القوْلُ والفِعْلُ تفسير : والنَّادي المجلسُ. وقال الفرَّاءُ: إنَّه يجمع على "أوْدَاء" كـ "صاحب وأصحاب"؛ وأنشد لجرير: [الوافر] شعر : 2860- عَرَفتْ بِبُرقَةِ الأوْدَاءِ رَسْماً مُحِيلاً طَالَ عَهْدُكَ مِنْ رُسُومِ تفسير : وزاد الرَّاغبُ في "فاعل وأفْعِلَة": "نَاجٍ وأنْجِيَة" فقد كمُلَتْ ثلاثةُ ألفاظٍ، في "فاعل وأفْعِلَة". ويقالُ: أوداه: أي: أهلكه؛ كأنهم تصَوَّرُوا منه إسالة الدَّم. وسمي الدِّية ديةً؛ لأنَّها في مقابلة إسالة الدَّم. ومنه "الوَدْيُ" وهو ماءُ الفَحْل عند المداعبة، وما يخرجُ عند البول، و "الوَدِيُّ" بكسر الدال وتشديد الياء: صغار النَّحل. قوله: "إلاَّ كُتِبَ" هذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من "ظَمَأ" وما عطف عليه أي: لا يصيبهم ظمأٌ إلا مكتوباً. وأفرد الضَّمير في "به"، وإن تقدَّمته أشياء، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أي: كُتبَ لهم بذلك عملٌ صالحٌ. قال ابنُ عبَّاسٍ: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنةٍ. وقوله: "إِلاَّ كُتِبَ" كنظيره. والمضمرُ: يُحتمل أن يعُود على العمل الصالح المتقدم، وأن يعود على أحد المصدرين المفهومين من "يُنفقُونَ" و "يقْطَعُونَ"، أي: إلاَّ كتب لهم الإنفاق أو القطع. وقوله: "ليَجْزيهُم" متعلق بـ "كُتِبَ" وقوله: {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيه وجهان: الأول: أنَّ الأحسن من صفة فعلهم وفيها الواجب والمندوب والمباح، واللهُ تعالى يجزيهم على الأحسنِ، وهو الواجبُ والمندوب دون المباح. والثاني: أن الأحسن صفةٌ للجزاء، أي: يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأفضل، وهو الثواب. روى خريم بن فاتك قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أنفقَ نفقةً في سبيلِ اللهِ كتب اللهُ لهُ سبعمائة ضعفٍ ". تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} الآية. يمكن أن يقال هذه الآية من بقيَّةِ أحكام الجهادِ، ويمكن أن يقال إنَّهُ كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهادِ. أمَّا الأول فنقل عن ابن عبَّاسٍ أنَّه عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى الجهاد لم يتخلَّف عنه إلاَّ منافق أو صاحب علة. فلمَّا بالغ الله تعالى في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلَّف عن شيء من الغزوات مع الرسولِ، ولا عن سرية. فلمَّا قدم الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - المدينة، وأرسل السَّرايَا إلى الكُفَّار، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوه وحدهُ بالمدينة؛ فنزلت هذه الآية. والمعنى: لا يجُوز للمؤمنين أن ينفروا كلهم إلى الجهاد، بل يجبُ أن يصيروا طائفتين، طائفةٌ تبقى في خدمة الرسول، وطائفة أخرى تنفرُ للجهاد، وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجاً إلى الجهاد، وأيضاً كانت التَّكاليف والشَّرائع تنزلُ، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيماً بحضرة الرسول - عليه الصلاة والسلام - يتعلَّم تلك الشرائع والتكاليف، ويبلغها للغائبين، وبهذا الطريق يتمُّ أمرُ الدِّين، وعلى هذا القول ففيه احتمالان: أحدهما: أن تكون الطَّائفة المقيمة هم الذين يتفقَّهُونَ في الدِّين لملازمتهم الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ومشاهدتهم التنزيل؛ فكُلما نزل تكليفٌ وشرع؛ عرفوه وحفظوه، فإذا رجعت الطائفةُ النَّافرة من الغزو؛ أنذرتهم المقيمة ما تعلموه من التَّكاليف والشرائع، وعلى هذا فلا بد من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة وأقامت طائفة لتفقه المسلمين في الدين، ولينذروا قومهم، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى. والاحتمال الثاني: أنَّ التفقهة صفة للطائفة النافرة قاله الحسنُ. والمعنى: فلولا نفر من كُلِّ فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين، أي: أنهم إذا شاهدوا ظهور المسلمين على المشركين، وأنَّ العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين؛ فيتبصروا ويعلموا أن ذلك بسبب أنَّ الله تعالى خصهم بالنُّصرة، والتأييد وأنَّ الله تعالي يريد إعلاء دين محمدٍ، وتقوية شريعته؛ فإذا رجعوا إلى قومهم من الكُفَّار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر، والفتح، والظفر، لعلهم يحذرون؛ فيتركوا الكفر والنفاق. وأما الثاني: وهو أن هذا حكم مبتدأ؛ فتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا بيَّن في هذه السورة أمر الهجرة، ثم أمر الجهاد، وهما عبادتان بالسَّفر، بيَّن أيضاً عبادة التفقه من جهة الرَّسُول وله تعلق بالسفر، فقال: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} إلى حضرة الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ليتفقهوا في الدِّين، بل ذلك غيرُ واجب، وليس حاله كحال الجهادِ مع الرسول الذي يجبُ أن يخرج فيه كل من لا عُذْرَ لهُ. ثم قال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ} يعني من الفرق الساكنين في البلاد، طائفة إلى حضرة الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام - ليتفقهوا في الدِّين، وليعرفوا الحلال والحرام ويعودوا إلى قومهم؛ فينذروا ويحذروا قومهم، لكي يرجعوا عن كفرهم، وعلى هذا فالمرادُ وجوب الخروج إلى حضرة الرَّسُول للفقه والتعلُّم. فإن قيل: أفتدلُّ الآيةُ على وجوب الخروجِ للتفقه في كُلِّ زمان؟ فالجواب: متى عجز عن التفقه إلاَّ بالسَّفر؛ وجب عليه السَّفر، وفي زمان الرسول - عليه الصلاة السلام - كان الأمر كذلك؛ لأنَّ الشريعة ما كانت مستقرة، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد، وشرع حادث. وأمَّا الآن فقد صارت الشريعة مستقرة؛ فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يجب السَّفرُ. قوله: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} "لولا" تحضيضية، والمرادُ به الأمر؛ لأنَّ "لوْلاَ" إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل "هَلاَّ"؛ لأنَّ "هَلاَّ" كلمتان "هل" وهو استفهام وعرض؛ لأنك إذا قلت للرَّجُلِ: هل تأكلُ؟ فكأنَّك عرضت ذلك عليه، و "لا" وهو جحد، فـ "هلاَّ" مركب من أمرين: العرض، والجحد. فإذا قلت: هلا فعلت كذا؟ فكأنك قلت: هل فعلت. ثم قلت معه "لا" أي: ما فعلت، ففيه تنبيه على وجوب الفعل وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب، وهكذا الكلام في "لوْلا" لأنك إذا قلت: لوْلاَ دخلتَ عليَّ، ولوْلا أكلتَ عِنْدِي، فمعناه أيضاً عرض وإخبار عن سرورك به، لو فعل، وهكذا الكلام في "لوما" ومنه قوله: {أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ}تفسير : [الحجر:7] فـ "لَوْلاَ"، و "هَلاَّ" و "لوْمَا" ألفاظ متقاربة، والمراد بها: الترغيب والتحضيض. و "مِنْهُم" يجوزُ أن يكون صفةً لـ "فِرْقَةٍ"، وأن يكون حالاً من "طَائِفَةٌ"؛ لأنَّها في الأصل صفة لها. وعلى كلا التَّقديرين فيتعلقُ بمحذوف. والذي ينبغي أن يقال: إنَّ "مِن كُلِّ فرقةٍ" حال من "طَائفَةٌ" و "مِنْهُم" صفة لـ "فِرْقَةٍ". ويجوزُ أن يكون "مِن كُلِّ" متعلقاً بـ "نفر". وفي الضمير من قوله "ليتفَقَّهُوا" قولان: أحدهما: أنَّهُ للطَّائفة النَّافرة. والثاني: للطائفة القاعدة، والضَّمير في "رَجَعُوا" عائدٌ على النَّافرة. قال ابنُ العربي، والقاضي أبو بكرٍ، والشيخُ أبو الحسن: "إنَّ الطَّائفة ههنا واحد، ويقضون على وجوب العملِ بخبر الواحد، وهو صحيح، لا من جهة أن الطائفة تطلق على الواحد ولكن من جهة أنَّ خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد، وأنَّ مقابله وهو التَّواتر لا ينحصر". قال القرطبي: "أنص ما يستدل به على أنَّ الواحد يقال له: طائفة قوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات:9] أي: نفسين، بدليل قوله: {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}تفسير : [الحجرات:10] فجاء بلفظ التثنية، وأما الضمير في: "اقْتَتلُوا" وإن كان ضمير جماعة فأقل الجماعة اثنان في أحد القولين". فصل دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ خبر الواحد حجة، وأنَّ كلَّ ثلاثة فرقة، وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كلِّ فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة يكون اثنين، أو واحداً؛ فوجب أن تكون الطائفة إمَّا اثنين أو واحداً، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم، لقوله "وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ" وهو عبارة عن أخبارهم. وقوله "لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" إيجاب على قومهم أن يعملوا بأخبارهم، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع. قال القاضي: "لا تدل الآية على وجوب العمل بخبر الواحد؛ لأنَّ الطائفة قد تكونُ جماعة يقع بخبرها الحجة؛ ولأنَّ قوله: "وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ" يصحُّ وإن لم يجب القبول، كما أنَّ الشَّاهدَ الواحد يلزمه الشهادة، وإن لم يلزم القبول؛ ولأن الإنذار يتضمَّنُ التخويف، وهذا العذرُ لا يقتضي وجوب العمل به". والجوابُ: أنَّا بينَّا أنَّ كل ثلاثة فرقة، وقد أوجب الله أن يخرج من كل فرقة طائفة؛ فلزم كون الطائفة إما اثنين أو واحداً؛ فبطل كون الطائفة جماعة يحصلُ العلم بخبرهم، فإن قيل: إنَّه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف، فلعلهم بلغُوا في الكثرة إلى حيث يحصلُ العلم بخبرهم. فالجوابُ: أنه تعالى أوجب على كُلِّ طائفة أن يرجعوا إلى قومهم، فاقتضى رجوع كل طائفة إلى قوم خاص، ثم إنَّه تعالى أوجب العمل بقول تلك الطائفة، وهو المطلوب. وأمَّا قوله: "وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ" يصحُّ وإن لم يجب القبولُ؛ فالجوابُ: أنَّا لا نتمسَّكُ في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله: "وليُنذِرُوا" بل بقوله: "لعَلَّهُم يَحْذرُون" فإنَّه ترغيبٌ منه تعالى في الحذرِ، بناءً على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار. فصل الفقه معرفة أحكام الدِّين، وهو ينقسمُ إلى فرض عين، وفرض كفاية، ففرض العين مثل: علم الطهارة والصلاة والصوم، فعلى كل مكلف معرفته، قال عليه الصلاة والسلام "حديث : طلبُ العِلْمِ فريضَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ" تفسير : وكذلك كل عبادة أوجبها الشَّرع على كل واحد يجب عليه معرفة علمها مثل: علم الزكاة إن كان له مال، وعلم الحج إن وجب عليه. وأما فرض الكفاية، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد؛ فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعاً، وإذا قام من كل بلد واحد بتعلمه سقط الفرض عن الآخرين، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : فَضْلُ العَالم على العَابدِ كفَضْلِي على أدْنَاكُم"تفسير : ، وقال عليه الصلاة والسلام "حديث : فقيهٌ واحدٌ أشَدُّ على الشَّيطانِ من ألْفِ عابدٍ"تفسير : وتقدم الكلام على حد الفقه في اللغةِ في سورة النساء عند قوله {أية : لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً}تفسير : [النساء:78].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مالك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لما نزلت هذه الآية {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق لولا ضعفاء الناس ما كانت سرية إلا كنت فيها ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} قال: هذا حين كان الإِسلام قليلاً، فلما كثر الإِسلام وفشا قال الله تعالى {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تفسير : [التوبة: 122]. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لا يصيبهم ظمأ} قال: العطش {ولا نصب} قال: العناء. وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة ومكحول: أنهما كانا يكرهان التلثم من الغبار في سبيل الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وإبراهيم بن محمد الغزاري وعيسى بن يونس السبيعي أنهم قالوا في قوله تعالى {ولا ينالون من عدوّ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح} قالوا: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة. وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله {ما كان لأهل المدينة} الآية قال: نسختها الآية التي تليها {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. وأخرج الحاكم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال "حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة وخلف جعفراً في أهله فقال جعفر: والله ما أتخلف عنك فخلفني. فقلت: يا رسول الله أتخلفني أي شيء تقول قريش؟ أليس يقولون: ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، وأخرى ابتغى الفضل من الله لأني سمعت الله تعالى يقول {ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار...} الآية. قال: أما قولك أن تقول قريش: ما أسرع ما خذل ابن عمه وجلس عنه، فقد قالوا: إني ساحر وكاهن وإني كذاب فلك بي أسوة، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى غير أنه لا نبي بعدي، وأما قولك تبتغي الفضل من الله، فقد جاءنا فلفل من اليمن فبعه وأنفق عليك وعلى فاطمة حتى يأتيكما الله منه برزق ".
القشيري
تفسير : لا يجوز لهم أن يؤثِروا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - شيئاً من نَفْسٍ وروح، ومالٍ ووَلَدٍ وأهلٍ، وليسوا يخسرون على الله وأنَّى ذلك..؟ وإنهم لا يرفعون لأجْلِه خطوةً إلاَّ قابَلَهم بأَلفِ خطوة، ولا ينقلون إليه قَدَماً إلا لقَّاهم لطفاً وكرماً، ولا يُقاسُون فيه عَطَشاً إلا سقاهم من شراب محابِّه كاسا، ولا يتحملون لأجله مشقةً إلا لقَّاهم لطفاً وإيناساً، ولا ينالون من الأعداء أَذَىً إلا شَكَرَ اللهُ سَعْيَهم بما يوجب لهم سعادة الدارين!.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما كان لأهل المدينة} اى ما صح وما استقام لهم والمدينة علم بالغلبة لدار الهجرة كالنجم للثريا اذا اطلقت فهى المرادة وان اريد غيرها قيد والنسبة اليها مدنى ولغيرها من المدن مدينى للفرق بينهما كما فى انسان العيون. قال الامام النووى لا يعرف فى البلاد اكثر اسماء منها ومن مكة. وفى كلام بعضهم لها نحو مائة اسم منهادار الاخبار ودار الابرار ودار السنة ودار السلامة ودار الفتح والبارة وطابة وطيبة لطيب العيش بها ولان لعطر الطيب بها رائحة لا توجد فى غيرها وترابها شفاء من الجدام ومن البرص بل ومن كل داء وعجوتها شفاء من السم وقد خص الله تعالى مكة والمدينة بانهما لا يخلوان من اهل العلم والفضل والدين الى ان يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين وهى اى المدنية تخرب قبل يوم القيامة باربعين عاما ويموت اهلها من الجوع {ومن حولهم الاعراب} [باديه نشينان} كمزينة وجهينه واشجع وغفار واضرابهم. قال الكاشقى [وتخصيص اهالى مدينة وحوالى بجهت قرب بوده ومعرفت ايشان بخروج آن حضرت عليه السلام بطرف تبوك] {أن يتخلفوا عن رسول الله} عند توجهه الىالغزو واذا استنفرهم واستنهضهم كما فى حواشى ابن الشيخ وهذا نهى ورد بلفظ النفى للتأكيد {ولا} ان {يرغبوا بانفسهم عن نفسه} الباء للتعدية فقولك رغبت عنه معناه اعرضت عنه فعدى بالباء فاذا قلت رغبتى بنفسى عنه كأنك قلت جعلت نفسى راغبة عنه. فالمعنى اللغوى فى الآية ولا يجعلوا انفسهم راغبة ومعرضة عن نفسه عليه السلام وحاصل المعنى لا يصرفوا انفسهم عن نفسه الكريمة اى عما القى فيه نفسه من شدائد الغزو واهوالها ولا يصونها عما لا يصون عنه نفسه بل يكابدوا معه ما يكابده فانه لا ينبغى ان يختاروا لانفسهم الخفض والدعة ورغد العيش ورسول الله فى الحر والمشقة. قال الحدادى لا ينبغى ان يكونوا بانفسهم آثر واشفق عن نفس محمد صلى الله عليه وسلم بل عليهم ان يجعلوا انفسهم وقاية للنبى عليه السلام لما وجب من الحقوق عليهم بدعائه لهم الى الايمان حتى اهتدوا به ونجوا من النار {ذلك} اى وجوب المتابعة فان النهى عن التخلف امر بضده الذى هو الامر بالمتابعة والمشايعة {بأنهم} اى بسبب انهم اذا كانوا معه عليه السلام {لا يصيبهم ظمأ} اى عطش يسير {ولا نصب} ولا تعب فى ابدانهم {ولا مخمصة} اى مجاعة ما {فى سبيل الله} واعلاء كلمته {ولا يطؤن} ولا يدوسون بارجلهم وحوافر خيولهم واخفاف رواحلهم {موطئا} دوسا فهو مصدر كالموعد او مكانا على ان يكون مفعولا {يغيظ الكفار} [بخشم آرد كافرانرا] اى لا يبلغون موضعا من اراضى الكفار من سهل او جبل يغيظ قلوبهم مجاوزة ذلك الموضع فان الانسان يغيظه ان يطأ ارضه غيره والغيظ انقباض الطبع برؤية ما يسوءه والغضب قوة طلب الانتقام {ولا ينالون} [ونيابند] فان النيل بالفارسية [يافتن] {من عدو} من قبلهم {نيلا} بمعنى الميل على ان يكون مفعولا به اى اى آفة محنة كالقتل والاسر والهزيمة والخوف {إلا كتب لهم به} اى بكل واحد من الامور المعدودة. قوله الا كتب فى محل النصب على انه حال من ظمأ وما عطف عليه اى لا يصيبهم ظمأ ولا كذا ولا كذا فى حال من الاحوال الا فى حال كونه مكتوبا لهم بذلك {عمل صالح} وحسنة مقبولة اى استوجبوا به الثواب الجزيل. وقال الكاشفى يعنى [بهريك ازينها كه بديها رسد مستحق ثواب شوند ابن عباس كويد بهر ترسى كه از دشمن بدل ايشان رسد هفتاد درجه مى نويسد] هذا ما يدل عليه عامة التفاسير. وقال ابن الشيخ فى حواشيه يقال نال منه اذا ازراه ونقصه وصرح بنيل شيء مما يتأذى الكفار من نيله وهذا المعنى غير المعنى الاول كما لا يخفى {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} على احسانهم وهو تعليل لكتب وتنبيه على ان الجهاد احسان اما فى حق الكفار فلانه سعى فى تكميلهم باقصى ما يمكن كضرب المداوى للمجنون شعر : سفيها ابود تأديب نافع جنونرا شربت جوبست دافع تفسير : واما فى حق المؤمنين فلانه صيانة لهم من سطوة الكفار واستيلائهم {ولا ينفقون} فى الجهاد {نفقة صغيرة} [نفقه اندك] ولو تمرة او علافة سوط او نعل فرس {ولا كبيرة} [ونه نفقه بزرك] مثل ما انفق عثمان وعبد الرحمن بن عوف رضى الله عنهما فى جيش العسرة وقد سبق عند قوله تعالى {أية : الذين يلزمون المطوعين} تفسير : [التوبة: 79]. الاية فى هذه السورة {ولا يقطعون} اى لا يجتازون فى مسيرهم الى ارض الكفار مقبلين ومدبرين {واديا} من الاودية وهو فى الاصل كل منفرج من الجبال والآكام ينفد فيه السيل اسم فاعل من ودى يدى اذا سال ثم شاع فى الارض على الاطلاق {إلا كتب لهم} اى اثبت لهم فى صحائفهم ذلك الذى فعلوه من الانفاق والقطع {ليجزيهم الله} بذلك متعلق بكتب {احسن ما كانوا يعملون} مفعول ثان ليجزيهم وما مصدرية اى ليجزيهم جزاء احسن اعمالهم بحذف المضاف فان نفس العمل لا يكون جزاء [درينا بيع فرموده اكر مثلا غازى راهزار طاعت باشد ويكى ازهمه نيكو تربود حق سبحانه وتعالى آنرا ثوابى عظيم دهد ونهصد ونودونه ديكررا بطفيل آن قبول كند وهريك را برابر آن ثوابى ارزانى دارد تاكرم او بنسبت مجاهدان برهمه كس ظاهر كرسد] ففى الجهاد فضائل لا توجد فى غيره وهو حرفة النبى عليه السلام. وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال حديث : مر رجل من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذب فاعجبته فقال لو اعتزلت الناس فاقمت فى هذا الشعب ولن افعل حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك لرسول الله فقال "لا تفعل فان مقام احدكم فى سبيل الله افضل من صلاته سبعين عاما ألا تحبون ان يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة اغزوا فى سبيل الله من قاتل فى سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة"تفسير : قوله فواق ناقة وهو ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلبة ووضعها وقيل وهو ما بين الحلبتين. وفى الحديث دلالة على ان الجهاد والتصدى له افضل من العزلة للعبادة. وقال فى فتح القريب يا هذا ليت شعرى من يقوم مقام هذا الصحابى فى عزلته وعبادته وطيب مطعمه ومع هذا قال النبى عليه السلام "حديث : لا تفعل" تفسير : وارشده الى الجهاد فكيف لواحد منا ان يتركه من اعمال لا يوثق بها مع قلتها وخطايا لا ينجى معها لكثرتها وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه ونفوس جامحة الا عما نهيت عنه ونيات لا يتحقق اخلاصها وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها: قال الحافظ شعر : كارى كنيم ورنه حجالت برآورد روزيكه رخت جان بجهان دكركشيم تفسير : واعلم ان المتخلف بعذر اذا كانت نيته خالصة يشارك المجاهد فى الاجر والثواب كما "حديث : روى انه عليه السلام لما رجع من غزوة تبوك قال "ان اقواما خلفناهم بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا الا وهم معنا حبسهم العذر" تفسير : يعنى يشاركوننا فى استحقاق الثواب لكونهم معنا نية وانما تخلفوا عنا للعذر ولولاه لكانوا معنا ذواتا. قال ابن الملك ولا يظن منه التساوى وفى الثواب لان الله قال {أية : فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما} تفسير : [النساء: 95] انتهى. يقول الفقير اصلحه الله القدير هذه الآية مطلقة ساكتة عن بيان العذر وعدمه وقد قيدها الحديث المذكور ولا بعد فى ان يشترك المجاهد والمتخلف لعذر فى الثواب بل تاثير الهمة اشد ورب نية خير من عمل ولهذا شواهد لا تخفى على اولى الالباب. والاشارة {ما كان لأهل المدينة} مدينة القلب واهلها النفس والهوى {ومن حولهم من الاعراب} اعراب الصفات النفسانية والقلبية {ان يتخلفوا عن رسول الله} عن رسول الروح اذ هو راجع الى الله وسائر اليه {لا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} اى عن بذل وجوههم عند بذل وجوده بالفناء فى الله {ذلك بانهم لا يصيبهم ظمأ} من ماء الشهوات {ولا نصب} من انواع المجاهدات {ولا مخمصة} بتر اللذات وحطام الدنيا {فى سبيل الله} فى طلب الله {ولا يطئون موطئا} مقاما من مقامات الفناء {يغيظ الكفار} كفار النفس والهوى {ولا ينالون من عدو} عدو الشيطان والدنيا والنفس {نيلا} اى بلاء ومحنة وفقرا وفاقة جهدا وهما حزنا وغير ذلك من اسباب الفناء {الا كتب لهم به عمل صالح} من البقاء بالله قدر الفناء فى الله {ان الله لا يضيع أجر المحسنين} الفانين فى الله فيبقيهم بالله ليعبدوه على المشاهدة لان الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه {ولا ينفقون نفقة} من بذل الوجود {صغيرة ولا كبيرة} الصغيرة بذل وجود الصفات والكبيرة بذل وجود الذات فى صفات الله تعالى وذاته {ولا يقطعون واديا} من اودية الدنيا والآخرة والنفس والهوى والقلب والروح {إلاّ كتب لهم} بقطع كل واحد من هذه الاودية قربة ومنزلة ودرجة كما قال "حديث : من تقرب الىّ شبرا تقربت اليه ذراعا" تفسير : {ليجزيهم الله} بالبقاء والفناء عن انفسهم {أحسن ما كانوا يعلمون} اى احسن مقام كانوا يعملون العبودية فى طلبه لان طلبهم على قدر معرفتهم ومطمح نظرهم وجزاؤه يضيق عنه نطاق عقولهم وفهومهم كما قال {اعددت لعبادى الصالحين} الحديث كما فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ولا يرغبوا): منصوب بالعطف، أو مجزوم بالنهي، والوادي: أصله: فاعل، من وَدِيَ، إذا سأل، وهو منقوص، وهو في اللغة: كل متفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل. يقول الحق جل جلاله: {ما كان} يصح {لأهل المدينةِ}، ولا لمن {حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله} في غزوة ولا سرية ولا غيرهما، وهي نهي بصيغة النفي؛ للمبالغة، {لا} ينبغي لهم أن {يَرْغَبُوا بأنفسهم عن نفسِه}؛ بأن يصونوها من اقتحام المشقات والمتاعب التي تحملها نبي الله صلى الله عليه وسلم، حيث قعدوا عنه، ولم يكابدوا معه ما كابده من الأهوال. رُوي أن أبا خَيْثمة دخل بستانه، بعد خروجه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لتبوك، وكانت له امرأة حسناء، فرشت له في الظل، وبسطت له الحصير، وقربت إليه الرطب والماء البارد، فنظر فقال: ظِلّ ظَلِيلٌ، ورطب يانع، وماء بارد، وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضِّحّ، والريح ما هذا بخير فقام، فرحل ناقته، وأخذ سيفه ورمحه، ومر كالريح، فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق، فإذا براكب يقطع السراب، فقال: كن أبا خيثمة، فكأنهُ، ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغفر له. ثم علل النهي بقوله: {ذلك}؛ إشارة إلى النهي عن التخلف المفهوم من الكلام، {بأنهم}؛ أي: بسبب أنهم {لا يُصيبهم} في سفرهم {ظََمأ} من حر العطش، أو عطش، {ولا نَصبٌ} تعب، {ولا مَخمَصةٌ}؛ مجاعة، {في سبيل الله}، {ولا يطؤون} يدرسون بأرجلهم أو بأبدوابهم {مَوْطئاً}؛ مكاناً {يغيظ الكفار} أي: يغيظهم ذلك الوطء، {ولا ينالون من عدو نيلاً}؛ كالقتل، والأسر، والنصب، وكل ما ينكبهم، {إلا كُتِبَ لهم به عملٌ صالحٌ}، أي: إلا استوجبوا به ثواباً جزيلاً. وذلك مما يوجب النهوض إلى الغزو معه صلى الله عليه وسلم؛ فإن {الله لا يُضيع أجرَ المحسنين} على إحسانهم، وهو تعليل لقوله: {إلا كتب لهم...} الخ. وفيه تنبيه على أن الجهاد إحسان، إما في حق الكفار؛ فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن، كضرب المُداوي للمجنون، وإما في حق المؤمنين؛ فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم على الإسلام. قاله البيضاوي. {ولا يُنفقون نفقةً صغيرةً} في امر الجهاد، ولو علاقة سيف، {ولا كبيرة}؛ مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، {ولا يقطعُون وادياً} في سيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل، {إلا كُتِبَ لهم} ذلك، ولم يضعْ منه شيء، {ليجزيَهُم الله} بذلك {أحسنَ ما كانوا يعملون}، أي: جزاء أحسن أعمالهم، أو أحسن جزاء أعمالهم. قاله البيضاوي. الإشارة: لا ينبغي للفقراء أن يتخلفوا عن أشياخهم إذا سافروا لحج أو غزو أو تذكير أو زيادة، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، فيقعدون في الراحة والدعة؛ وشيخهم في التعب والنصب؛ لأن ما يصيبهم من مشاق السفر زيادة في ترقيهم ومعرفتهم، وتقوية لمعانيهم، إلى غير ذلك من فوائد السفر، فهو في حق السائرين أمر مؤكد، فكما سار البدن في عالم الشهادة سار القلب في عالم الغيب، كما هو محبوب. والله تعالى أعلم. ولما ذم الله تعالى من تخلف عن تبوك، ووسمه بالنفاق، لم يقدر أحد بعد ذلك على التخلف، فخفف عنهم بقوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}.
الطوسي
تفسير : لما قص الله تعالى قصة الذين تأخروا عن النبي صلى الله عليه وآله والخروج معه إلى تبوك ثم اعتذارهم عن ذلك وتوبتهم منه وأنه قبل توبة من ندم على ما كان منه لرأفته بهم ورحمته عليهم، ذكر عقيب ذلك على وجه التوبيخ لهم والازراء على ما كانوا فعلوه فقال: لم يكن لأهل المدينة ولا من يسكن حول المدينة من الاعراب والبوادي {أن يتخلفوا} بمعنى ان يتأخروا عن رسول الله {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} ومعناه ولا أن يطلبوا نفع نفوسهم، لأن الرغبة المنفعة ونقيضها الرهبة. ويقال رغب فيه اذا طلب المنفعة به ورغب عنه طلب المنفعة بتركه، والترغيب ضد الترهيب ومعنى {يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} اي يطلبون المنفعة بترفيه انفسهم دون نفسه وهذه فريضة الزمهم الله اياها؛ لحقه فيما دعاهم من الهدى الذي اهتدوا به وخرجوا من ظلمة الكفر إلى نور الايمان. وقوله {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب} اشارة إلى ما الزمهم الله اياه من تحمل هذه المشقة لأنهم لا يصيبهم ظمأ وهو شدة العطش تقول: ظمئ يظمأ ظمأ وهو ظميء وظمآن وأظمأه الله إظماء. ومنه قيل: أنا ظمآن إلى رؤية فلان ومعنى {ولا نصب} اي تعب تقول: نصب ينصب نصباً فهو نصب. ومثله الوصب قال النابغة: شعر : كليني لهم يا أميمة ناصب وليل اقاسيه بطيء الكواكب تفسير : وقوله {ولا مخمصة} يعني مجاعة وأصله ضمور البطن للمجاعة ومنه رجل خميص البطن وأمرأة خمصانة. وقوله {في سبيل الله} يعني من قتال اعدائه المشركين. وقوله {ولا يطؤن موطئاً يغيظ الكفار} اي لا يخطون خطوة إلا كتب لهم اجرها، والموطئ الأرض، والغيظ انتقاض الطبع بما يرى مما يشق. والغضب هو ما يدعوا إلى الانتقام على ما سلف من المعصية مما هي متعلقة به، وهو مستحق بها ولذلك جاز ان يطلق الغضب على الله ولم يجز اطلاق الغيض عليه. وقوله {ولا ينالون من عدّو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح} والنيل لحوق الشيء تقول: نلته اناله نيلا اذا نلته بيدك وهو منيل، وليس من التناول لأن هذا من الواو تقول: نلته بخير انوله نولا ونوالا وانالني خيراً انالة. والمعنى ان هؤلاء المؤمنين لا يصيبون من المشركين امراً، من قتل او جراح او مال، او امر يغمهم الا ويكتب الله للمؤمنين {به عملا صالحاً ان الله لا يضيع اجر المحسنين} اخبار منه تعالى انه لا يضيع اجر من فعل الأفعال الحسنة التي يستحق بها المدح وقد يكون فاعل الحسن لا يستحق المدح مثل فاعل المباح. وقال قتادة: حكم هذه الآية مختص بالنبي فانه اذا غزا النبي صلى الله عليه وآله لم يكن لأحد ان يتخلف عنه، فاما من بعده من الخلفاء فان ذلك جائز، وقال الاوزاعي وعبد الله بن المبارك والفرازي والسبيعي وأبو جابر وسعيد بن عبد العزيز: ان هذه الاية لأول الأمة وآخرها من المجاهدين في سبيل الله. وقال ابن زيد: هذا حين كان المسلمون قليلين، فلما كثروا نسخ بقوله {وما كان المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} وهذا هو الأقوى لأنه لا خلاف ان الجهاد من فروض الكفايات فلو لزم كل احد النفر لصار من فروض الأعيان
الجنابذي
تفسير : {مَا كَانَ} استيناف لتعليل الامر السّابق والمعنى ما ينبغى {لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} من اهل الشّرق والغرب فانّ ما حول المدينة بالنّسبة الى العوالم الاُخر تمام الدّنيا واهلها ما لم يدخلوا فى الاسلام اعراب كلّهم وكذلك ما كان لاهل المدنية القلب والصّدر المنشرح بالاسلام ومن حولهما {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} الّذى هو اصل فى الصّدق، وصدق سائر الصّادقين فرع صدقه {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ} بسبب محبّة انفسهم او فى انفسهم او لا يرغّبوا انفسهم على ان يكون الباء للتّعدية {عَن نَّفْسِهِ ذٰلِكَ} اى عدم جواز التّخلّف والرّغبة {بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} عطش {وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ} مجاعة {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} من غلبة وقتل واسر ونهب {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} يعنى سواء اصيبوا او اصابوا اثيبوا، وللفرق بين ما عليهم وما لهم اتى بقوله فى سبيل الله بين المتعاطفين كما انّ توسّط الاستثناء وتعليله بين المتعاطفات كان لذلك وللتّأكيد بالتّكرير {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يعنى انّهم باتّباعهم لرسول الله (ص) محسنون والله لا يضيع اجر المحسنين.
الأعقم
تفسير : {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب} يعني مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حولها من سكان البوادي {أن يتخلفوا عن رسول الله} يعني عن غزواته وجهاده {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه والدفع عنه {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ} عطش {ولا نصب} أي تعب {ولا مخمصة} مجاعة {في سبيل الله} أي في الجهاد، وقيل: أراد الصبر على الجوع والعطش {ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار} وطئهم إياه {ولا ينالون من عدو نيلاً} أي لا يصيبهم منه إصابة من قتل أو أسر أو غنيمة أو هزيمة {إلا كتب لهم به عمل صالح} الآية، قوله تعالى: {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} أي من قليل أو كثير {ولا يقطعون وادياً} في طلب الكفار {إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الآية، قيل: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج في غزاة لم يتخلف عنه إلا المنافقون والمعذورون، فلما بين تعالى نفاقهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المسلمون: لا نتخلف عن غزوة ولا عن سرية، فلما بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) السرايا خرج الناس كلهم وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فنزلت الآية، يعني ما كان لجميع المسلمين أن ينفروا كافة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويخلفوا ديارهم ولكن تنفر طائفة من كل ناحية اليه لتسمع كلامه ويتعلموا الدين، ثم يرجعون إلى قومهم فيبينوا لهم ذلك وينذرونهم ليحذروا، المراد بالنفر: الخروج لطلب العلم وذلك أن المسلمين بعد أن عُيّروا بالتخلف عن غزوة تبوك توفروا للخروج وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة وحده فنزلت حثاً لهم في أن تنفر طائفة منهم للجهاد، ويبقى منهم من يبقى لئلا ينقطعوا عن سماع الوحي والتفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأن الجهاد بالحجة أعظم من الجهاد بالسيف {يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} يعني يقرب منكم في الدار والنسب، وقيل: مثل بني قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها، وقيل: أراد الروم وكانوا سكان الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق، {وليجدوا فيكم غلظة} الغلظة خلاف الرقة وهي الشدة، يعني وليخشوا منكم الغلظة، ونحو ذلك وأغلظ عليهم {وإذا ما أنزلت سورة} من القرآن {فمنهم} يعني من المنافقين {من يقول} بعضهم لبعض {أيكم زادته هذه إيماناً} ثم حال بين الفريقين، فقال تعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} إخلاصاً ويقيناً {وهم يستبشرون} بما نزل من الفرائض ويبشر بعضهم بعضاً، وقيل: بما وعد من النصر والثواب.
الهواري
تفسير : قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللهِ} وهذا في غزوة تبوك {وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} يعني من خرج منهم { لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي عطش { وَلاَ نَصَبٌ} أي: في أبدانهم { وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي: جوع تخمص له بطونهم { في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. ذكروا أن مجاهد إذا خرج من بيته جعل ذنوبه جسراً على باب بيته، فإذا خرج قطعها، فيكون من ذنوبه كيوم ولدته أمه؛ فما من خطوة يخطوها إلا كُتِب له بها سبعُمائة حسنةً، ولا بطشة يبطشها، ولا عمل يعمله إلا كتب له سبعمائة حسنة، فإن مات أو قتل كان على الأرض حراماً حتى يرى مقعده في الجنة، ويغفر له كل ذنب هو له. ذكروا أن ابن عمر قال: صفرة في سبيل الله خير من خمسين حجة. قال: يعني بالصفرة أن يذهب زاده حتى يبقى صفراً ليس معه طعام، وإنما يتقبّل الله من المتقين. ذكروا عن أبي المصبّح قال: غزونا مع مالك بن عبد الله الخثعمي أرض الروم، فسبق الناسَ رجل، ثم نزل يمشي ويسوق فرسه. فقال له مالك: يا عبد الله. ألا تركب: فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : من اغبرّت قدماه في سبيل الله ساعة من نهار فهما حرام على النار تفسير : . وأصلح دابتي لتقيني من قومي. قال: فلم أَرَ نازلاً أكثر يومئذٍ. ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: العمل في سبيل الله يضاعف كما تضاعف النفقة الواحدة بسبعمائة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم في منخري عبد مسلم أبداً
اطفيش
تفسير : {ما كانَ لأهْلِ المدِينَةِ ومَنْ حَوْلهم مِنَ الأعْرابِ} كمزينة، وجهينة، وأسلم، وغفار وغيرهم {أنْ يتخلَّفوا عَنْ رسُول اللهِ} إذا غزا بنفسه ولو لم يأمرهم {ولا يرْغَبوا} عطف على يتخلفوا، ولا نافية أو استئناف ولا ناهية {بأنفُسِهم عَنْ نفْسِه} بأن يصونوها عما لم يصنها من شدائد، بل يجب عليهم أن يكابدوا معه الشدائد، ولا يقيموا لأنفسهم وزنا إذ كابدها بأعز نفس، والنفى فى الموضعين بمعنى النهى، وهو أبلغ من صريح النهى مع تقبيح التخلف والتوبيخ عليه، وذلك خاص بالنبى. وقيل: إذا قل الإسلام مطلقا، وقيل: حق لكل إمام إذا عزا بنفسه لا يتخلف عنه أحد، وقيل: ما كان لهم التخلف عنه إذا دعاهم للخروج، وهكذا سائر الأئمة، وذلك فى الغزو للإدخال فى الإسلام، وإما إن نزل العدو بجهة فمتعين على كل أحد القيام بذبِّة، وقيل: ذلك إخبار بأن ما صدر عنهم من التخلف عن تبوك قبيح غير جائز، وهو أيضا متضمن للنهى عن مثله. {ذَلكَ} النهى عن التخلف، أو وجوب المتابعة بأنهم أى لأنهم {لا يُصيبُهم ظَمأ} أى عطش، وقرأ عبيد بن عمير ظماء بالمد {ولا نَصبٌ} تعب {ولا مخْمصَةٌ} جوع، فهو مصدر ميمى، والخموص الضمور، وإذا جاع الإنسان كان بطنه ضامرا {فى سَبيلِ اللهِ} طريق الجهاد. {ولا يَطئونَ} يضعون قدما بأنفسهم أو بمراكيبهم {مَوْطِئا} موضع وطء أو وطئا فهو اسم مكان أو مصدر {يَغيظُ الكفَّارَ} لكونه فى أرضهم، والجملة صفة موطئا، ويجوز تفسير الوطء بالإهلاك، إذ هو مما قد يترتب على الوطء بالأقدام. {ولا ينَالُون مِنْ عدوٍّ نَيلاً} مصدر فهو مفعول مطلق، أو بمعنى اسم مفعول به من نال ينال، لا من نال ينول نولا، وأبدلت الواو ياء لخفتها هنا كما زعم بعض، كقتل وأسر وغنيمة وهزيمة، وما يوهنهم أو يغمهم. {إلا كُتِبَ لَهم به} أى بكل واحد مما فعلوا من ذلك {عَملٌ صَالحٌ} أى ثواب عمل صالح فحذف المضاف، أى ثواب عمل صالح من مطلق الأعمال الصالحة، والخاص غير العام، فساغ الكلام، ولو كان الواحد من ذلك هو نفس عمل صالح، هذا ما يظهر لى فى بيان الكلام، وظهر لى وجه آخر وهو أن يكون قوله به من التجريد البديعى وهو أبلغ، كأنه تجرد لهم بهذا العمل الصالح الذى هو واحد مما ذكر إصابة الظمأ، أو ما بعدها عمل صالح آخر لقوته، فالمراد من كتابته الجزاء عليه، كأنه قيل: كتب لهم ليجازوا عليه. روى أن ذنوب المجاهد جسر على باب بيته، إذا خرج قطعها، فهو كيوم ولد له بكل خطوة أو عمل سبعمائة حسنة، وإن مات ولو بغير قتال فى وجهته فشهيد، وفراغ زاده خير خمسين حجة، ولا يجتمع غبار فى سبيل الله ودخان جهنم، في منخر عبد مسلم، ومن اغبرت قدماه ساعة فيه حرم على النار، والذكر فيه بسبعمائة كالنفقة فيه، وروحة أو غدوة فيه خير من الدنيا وما فيها، وما ازداد فيه بعدا عن أهله إلا ازداد من الله قربا، ودمه فيه يجىء يوم البعث لونه لون الدم وريحه ريح المسك وأفضل الناس من جاهد بنفسه وماله، ثم رجل فى شعب يعبد الله وسلم الناس من شره، "حديث : وجاء أعرابى بناقة مخطومة، فقال: هذه فى سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة" . تفسير : {إنَّ اللهَ} تعليل جملى لكتب {لا يُضيعُ أجْر المحْسِنينَ} أى محسن كان، وبأى إحسان كان، أو المراد هؤلاء الذين يجاهدون، فوضع الظاهر موضع الضمير مدحا لهم بالإحسان، وتنبيها على أن الجهاد إحسان، لأنه حفظ للإسلام والمسلمين، وحرمهم وأموالهم، وسعى فى إصلاح الكافر بغاية ما يمكن، كضرب الدابة والمجنون حال إضرارهما بإنسان أو دابة زجرا، والآية دليل على أن من قصد خبرا كان سعيه فيه مشكورا، من قيام، أو قعود، أو مشى، أو كلام بعكس الشر، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لابنى عامر إذ قدما بنية الحرب وقد انقضت. وأمد أبو بكر رضى الله عنه المهاجرين أبى أمية، وزياد بن أبى لبيد، بعكرمة بن أبى جهل مع خمسمائة نفس، فلحقوا المهاجر ومن معه وقد فتح، فأسهم لهم، وقال الشافعى: لا يشارك المدرك الغانمين فأما إسهام رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعله من سهم الله ورسوله، فتوهم الرأى والراوى أنه من سهم الغزاة، وأما إسهام أبى بكر لعكرمة وخمسمائة فلأنه الذى أرسله.
اطفيش
تفسير : {مَا كَانَ لأِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ} كمزينة وأَشجع وأَسلم وغفار وجهينة {أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ} إِذا غزا بنفسه وإِن لم يخرج بفىءِ بعض لخدمته صلى الله عليه وسلم، ولتلقى الوحى عنه ولتعليمه لمن خرج، والجملة خبر لفظاً ومعنى تفيد ما أَفاده النهى فإِنك إِذا قلت لا يجوز كذا فى الشرع أَو لا يحل كذا فكأَنك قلت لا تفعله فلا تهم، بل نفى الجواز أَبلغ من النهى إِذ قد ينهى عن جائِز تنزيها أَو لعلة ما، بخلاف قولك: لا يحل كذا. {وَلاَ يَرْغَبُوا} فهى بلا فالفعل مجزوم، والعطف على ما كان لأَهل المدينة لأَن المعنى واحد ولا نافية فالفعل منصوب والعطف على يتخلفوا {بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} الباءُ للتعدية كأَنه قيل: لا يجعلوا أَنفسهم راغبة عنه فيصونوها عما لم يصن نفسه من نحو شدة السفر للقتال فى الحر والبعد والجوع. أُمروا أَن يلقوا الشدائِد بأَنفسهم كما يتلقاها، روى البيهقى أَن أَبا خيثمة وهو رجل من الأَنصار أَحد بنى سالم بن الخزرج، شهد أُحدا ومات فى أَيام يزيد بن معاوية، أَتى إِلى بستانه ورشت له امرأَته الأَرض بالماءِ فى الظل وفرشت عليها الحصر وقربت إِليه الرطب والماءَ البارد، فقال: ظل ظليل ورطب يانعة وماء بارد وامرأَة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى الريح والضح ـ أى حر الشمس ـ ما هذا بخير، فرحل ناقته وأَخذ سيفه ورمحه ومر كالريح، ومد صلى الله عليه وسلم عينه إِلى الطريق فإِذا براكب يزهاه السراب، أى كأَنه يرفعه السراب لسرعته، فقال: حديث : كن أَبا خيثمةتفسير : ، ففرح واستغفر له، وأَبطأَ أَبو ذر فى الطريق لبعيره، فأَخذ متاعه وحمله وترك البعير، فرأَى رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصاً فقال: حديث : كن أَبا ذر تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من النهى عن التخلف والرغبة {بِأَنَّهُمُ} لأَنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} عطش ما ولو قل {وَلاَ نَصَبٌ} تعب ما ولو قل {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} مجاعة ما ولو قلت {فِى سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا} لا يدوسون بأَقدامهم موضعاً صالحاً للدوس فهو اسم مكان ميمى مفعول به لا ظرف ولا مصدر ميمى بمعنى الوطءِ، أَى الدوس لأَن الكفار يغتاظون بنفس وصول المسلمين موضعا ليس لهم من قبل لا بنفس دوسه إِلا على التوسع فى العبارة {يَغِيظُ الْكُفَّارَ} نعت لموطئاً، والمعنى يجعل الحزن والشدة فى قلوبهم أَو يغيظهم والإِسناد مجاز عقلى لعلاقة السببية؛ لأَن الغائظ المسلمون أَو وطؤُهم على تقدير مضاف أَى يغيظ وطؤه والضمير لموطئاً أَو للوطءِ المعلوم من قوله عز وجل: ولا يطأَون، وليس الغائِظ موضع وطئِهم ولو كان مرتباً عن سبب مرتب فإِنه يغيظه الموضع الموطوءُ من حيث ترتبه على الوطءِ المرتب عن الوصول إِليه {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً} مصدر بمعنى اسم مفعول أَى شيئاً ينال كالقتل والأَسر والغنيمة والسبى وجزية إِن عقدت وشىءٍ يصالح به، وهو مفعول به ولو أَبقى على المعنى المصدرى لكان مفعولا مطلقاً، فيقدر المفعول به لا ينالون قتلا ولا أَسراً ولا غنماً ولا سبياً ولا جزية إِن عقدت ولا ما يصالح به نيلا، وياؤُه عن واو على خلاف القياس فالأَصل نال ينول نولا، وقيل نال ينيل نيلا {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ} شىء مما ذكر استوجب لهم به أَو كتب فى ديوانهم والاستيجاب سبب للكتب وملزومه والكتب مسببة ولازمة {عَمَلٌ صَالِحٌ} ثواب صالح، فسمى الثواب عملا لأَن العمل سبب الثواب وملزومه. أَو يقدر مضاف أَى ثواب عمل صالح، أَو المعنى كتب لهم بأَحدهن أَنهم عملوا عملا صالحاً، والعمل الصالح يثاب عليه، والآية فى أَنه من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشى وكلام وغير ذلك، وتدل على أَن للمدد سهما فى الغنيمة، ولو وصل بعد الحرب لأَن وطأَهم الأَرض يغيظ الكفار، وقد أَسهم صلى الله عليه وسلم لبنى عامر، وقد قدما بعد انقضاءِ لحرب، وذلك حث على الجهاد، وزاد الحث بقوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} عموماً فيدخل هؤلاءِ أَولا أَو هم المراد عبر عنهم بالمحسنين مدحاً وذكر الإِحسان الذى هو علة للفاصلة وتلويحاً بأَن الجهاد إِحسان إِلى الكفار لزجرهم عن النار إِلى الجنة، كما يضرب المجنون مداواة له، والكفر أَقبح من الجنون، وإِحسان إلى المسلمين لاستكمالهم به وينجوا ويفوزوا، ولصيانتهم به عن سطوة الكفار واستيلائهم.
الالوسي
تفسير : {مَا كَانَ} أي ما صح ولا استقام {لأهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ ٱلاْعْرَابِ} كمزينة وجهينة / وأشجع وغفار وأسلم وأضرابهم {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} عند توجهه عليه الصلاة والسلام إلى الغزو {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصنها عنه بل يكابدون ما يكابده من الشدائد، وأصله لا يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا لأنفسهم المكاره ولا يكرهوها له عليه الصلاة والسلام بل عليهم أن يعكسوا القضية، وإلى هذا يشير كلام الواحدي حيث قال: يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي ترفعت عنه. وفي «النهاية» يقال: رغبت بفلان عن هذا الأمر (أي كرهت له ذلك). وجوز في {يَرْغَبُواْ} النصب بعطفه على {يَتَخَلَّفُواْ} المنصوب بأن وإعادة {لا} لتذكير النفي وتأكيده وهو الظاهر والجزم على النهي وهو المراد من الكلام إلا أنه عبر عنه بصيغة النفي للمبالغة، وخص أهل المدينة بالذكر لقربهم منه عليه الصلاة والسلام وعلمهم بخروجه. وظاهر الآية وجوب النفير إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو بنفسه. وذكر بعضهم أنه استدل بها على أن الجهاد كان فرض عين في عهده عليه عليه الصلاة والسلام وبه قال ابن بطال وعلله بأنهم بايعوه عليه عليه الصلاة والسلام فلا يجب النفير مع أحد من الخلفاء ما لم يلم العدو ولم يمكن دفعه بدونه، وقدر بعضهم في الآية مضافاً إلى {رَّسُولِ} أي أن يتخلفوا عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الظاهر؛ وعليه يكون الحكم عاماً وفيه بحث. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن زيد أن حكم الآية حين كان الإسلام قليلاً فلما كثر وفشا قال الله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً }تفسير : [التوبة: 122]، وأنت تعلم أن الإسلام كان فاشياً عند نزول هذه السورة، ولا يخفى ما في الآية من التعريض بالمتخلفين رغبة باللذائذ وسكوناً إلى الشهوات غير مكترثين بما يكابد عليه الصلاة والسلام، وقد كان تخلف جماعة عنه صلى الله عليه وسلم كما علمت لذلك، وجاء أن أناساً من المسلمين تخلفوا ثم ان منهم من ندم وكره مكانه فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم غير مبال بالشدائد كأبـي خيثمة فقد روي «حديث : أنه رضي الله تعالى عنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد فنظر فقال: ظل ظليل ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح ما هذا بخير مقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال عليه الصلاة والسلام: كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له»تفسير : . {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما دل عليه الكلام من وجوب المشايعة {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} أي شيء من العطش. وقرىء بالمد والقصر {وَلاَ نَصَبٌ} ولا تعب ما {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} ولا مجاعة ما {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} في جهاد أعدائه أو في طاعته سبحانه مطلقاً {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} أي يغضبهم ويضيق صدورهم والوطء الدوس بالأقدام ونحوها كحوافر الخيل وقد يفسر بالإيقاع والمحاربة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : آخر وطأة وطئها الله تعالى بِوَج»تفسير : والموطىء اسم مكان على الأشهر الأظهر، وفاعل {يَغِيظُ} ضميره بتقدير مضاف أي يغيظ وطؤه لأن المكان نفسه لا يغيظ، ويحتمل أن يكون ضميراً عائداً إلى / الوطء الذي في ضمنه، وإذا جعل الموطىء مصدراً كالمورد فالأمر ظاهر {وَلاَ يَنَالُونَ} أي ولا يأخذون {مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً} أي شيئاً من الأخذ فهو مصدر كالقتل والأسر والفعل نال ينيل. وقيل: نال ينول فأصل نيلاً نولاً فأبدلت الواو ياء على غير القياس، ويجوز أن يكون بمعنى المأخوذ فهو مفعول به لينالون أي لا ينالون شيئاً من الأشياء. {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ} أي بالمذكور وهو جميع ما تقدم ولذا وحد الضمير، ويجوز أن يكون عائداً على كل واحد من ذلك على البدل. قال النسفي. وحد الضمير لأنه لما تكررت {لا} صار كل واحد منها على البدل مفرداً بالذكر مقصوداً بالوعد، ولذا قال فقهاؤنا: لو حلف لا يأكل خبزاً ولا لحماً حنث بواحد منهما ولو حلف لا يأكل لحماً وخبزاً لم يحنث إلا بالجمع بينهما، والجملة في محل نصب على الحال من {ظَمَأٌ} وما عطف عليه أي لا يصيبهم ظمأ ولا كذا إلا مكتوباً لهم به {عَمَلٌ صَالِحٌ} أي ثواب ذلك فالكلام بتقدير مضاف، وقد يجعل كناية عن الثواب وأول به لأنه المقصود من كتابة الأعمال، والتنوين للتفخيم، والمراد أنهم يستحقون ذلك استحقاقاً لازماً بمقتضى وعده تعالى لا بالوجوب عليه سبحانه. واستدل بالآية على أن من قصد خيراً كان سعيه فيه مشكوراً من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم. ولقد أسهم النبـي صلى الله عليه وسلم لابني عامر وقد قدما بعض تقضي الحرب، واستدل بها ـ على ما نقل الجلال السيوطي ـ أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على جواز الزنا بنساء أهل الحرب في دار الحرب. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} على إحسانهم، والجملة في موضع التعليل للكتب، والمراد بالمحسنين إما المبحوث عنهم ووضع المظهر موضع المضمر لمدحهم والشهادة لهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالهم من قبيل الإحسان وللإشعار بعلية المأخذ للحكم وإما الجنس وهم دخولاً أولياً.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي لإيجاب الغزو على أهل المدينة ومن حولهم من أهل باديتها الحافّين بالمدينة إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو. فهذا وجوب عيني على هؤلاء شرفهم الله بأن جعلهم جند النبي صلى الله عليه وسلم وحَرَس ذاته. والذين هم حول المدينة من الأعراب هم: مُزينة، وأشجع، وغِفار، وجُهينة، وأسلم. وصيغة {ما كان لأهل المدينة} خبر مستعمل في إنشاء الأمر على طريق المبالغة، إذ جعل التخلف ليس مما ثبت لهم، فهم برآء منه فيثبت لهم ضده وهو الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا غزا. فيه ثناء على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب لما قاموا به من غزو تبوك، فهو يقتضي تحريضهم على ذلك كما دل عليه قوله: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ} الخ. وفيه تعريض بالذين تخلفوا من أهل المدينة ومن الأعراب. وذلك يدل على إيجاب النفير عليهم إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو. وقال قتادة وجماعة: هذا الحكم خاص بخروج النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من الخلفاء والأمراء فهو مُحكم غير منسوخ. وبذلك جزم ابن بَطال من المالكية. قال زيد بن أسلم وجابر بن زيد: كان هذا حكماً عاماً في قلة الإسلام واحتياجه إلى كثرة الغزاة ثم نسخ لما قوي الإسلام بقوله تعالى: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة}تفسير : [التوبة: 122] فصار وجوب الجهاد على الكفاية. وقال ابن عطية: هذا حكم من استنفرهم الإمام بالتعيين لأنه لو جاز لهؤلاء التخلف لتعطل الخُروج. واختاره فخر الدين. والتخلف: البقاء في المكان بعدَ الغير ممن كان معه فيه، وقد تقدم عند قوله: {أية : فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله}تفسير : [التوبة: 81]. والرغبة تُعدّى بحرف (في) فتفيد معنى مودة تحصيل الشيء والحرص فيه، وتُعدى بحرف (عن) فتفيد معنى المجافاة للشيء، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم}تفسير : [البقرة: 130] وهي هنا معداة بـــ (عن). أريد برغبتهم عن نفسه محبتهم أنفسهم وحرصهم على سلامتها دون الحرص على سلامة نفس الرسول، فكأنهم رغبوا عن نفسه إذ لم يخرجوا معه مُلاَبسين لأنفسهم، أي محتفظين بها لأنهم بمقدار من يتخلف منهم يزداد تعرض نفس الرسول من التلف قرباً، فتخلف واحد منهم عن الخروج معه عون على تقريب نفس الرسول عليه الصلاة والسلام من التلف فلذلك استعير لهذا التخلف لفظ الرغبة عنه. والباء في قوله: {بأنفسهم} للملابسة وهي في موضع الحال. نزل الضن بالأنفس والحذر من هلاكها بالتلبس بها في شدة التمكن فاستعمل له حرف باء الملابسة. وهذه ملابسة خاصة وإن كانت النفوس في كل حال متلبساً بها. وهذا تركيب بديع الإيجاز بالغ الإعجاز. قال في «الكشاف»: «أمروا أن يُلَقُّوا أنفسَهم من الشدائد ما تلقاه نفسه علماً بأنها أعَز نفس عند الله وأكرمها عليه فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له» اهـــ. وهذا نهي بليغ وتوبيخ لهم وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية. والإشارة بـــ {ذلك} إلى نفي كون التخلف عن الرسول ثابتاً لهم، أي أن ما ينالونه من فضل وثواب وأجر عظيم يقضي بأنه ما يكون لهم أن يتخلفوا عن رسول الله. والباء في {بأنهم} للسببية. والظَّمأ: العطش، والنصَب: التعب، والمخمصة: الجوع. وتقدم في قوله: {أية : فمن اضطر في مخمصة }تفسير : في سورة العقود (3). والوطء: الدوس بالأرجل. والمَوْطىء: مصدر ميمي للوطء. والوطء في سبيل الله هو الدوس بحوافر الخيل وأخفاف الإبل وأرجل الغزاة في أرض العدو، فإنه الذي يغيظ العدو ويغضبه لأنه يأنف من وطء أرضه بالجيش، ويجوز أن يكون الوطء هنا مستعاراً لإذلال العدو وغلبته وإبادته، كقول الحارث بن وَعْلة الذُهْلي من شعراء الحماسة:شعر : ووطئتَنَا وَطئاً على حنق وَطْء المُقَيّد نابِتَ الهَرْم تفسير : وهو أوفق بإسناد الوطء إليهم. والنيل: مصدر (ينالون). يقال: نال منه إذا أصابه برزء. وبذلك لا يقدَّر له مفعول. وحرف (من) مستعمل في التبعيض المجازي المتحقق في الرزية. ورزءُ العدو يكون من ذوات الأعداء بالأسر، ويكون من متاعهم وأموالهم بالسبي والغنم. والاستثناء مفرغ من عموم الأحوال. فجملة: {كتب لهم به عمل صالح} في موضع الحال، وأغنى حرف الاستثناء عن اقترانها بقد. والضمير في (به) عائد على (نصَب) وما عطف عليه إما بتأويل المذكور وإما لأن إعادة حرف النفي جعلت كل معطوف كالمستقل بالذكر، فأعيد الضمير على كل واحد على البدل كما يعاد الضمير مفرداً على المتعاطفات بــ (أو) باعتبار أن ذلك المتعدد لا يكون في نفس الأمر إلا واحد منه. ومعنى: {كتب لهم به عمل صالح} أن يكتب لهم بكل شيء من أنواع تلك الأعمال عمل صالح، أي جعَل الله كل عمل من تلك الأعمال عملاً صالحاً وإن لم يقصِد به عاملوه تقرباً إلى الله فإن تلك الأعمال تصدر عن أصحابها وهم ذاهلون في غالب الأزمان أو جميعها عن الغاية منها فليست لهم نيات بالتقرب بها إلى الله ولكن الله تعالى بفضله جعلها لهم قربات باعتبار شرف الغاية منها. وذلك بأن جعل لهم عليها ثواباً كما جعل للأعمال المقصود بها القربة، كما ورد أن نوم الصائم عبادة. وقد دل على هذا المعنى التذييل الذي أفاد التعليل بقوله: {إن الله لا يضيع أجر المحسنين}. ودل هذا التذييل على أنهم كانوا بتلك الأعمال محسنين فدخلوا في عموم قضية {إن الله لا يضيع أجر المحسنين} بوجه الإيجاز.
الواحدي
تفسير : {ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدَّعَة، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الحرِّ والمشقَّة {ذلك} أَيْ: ذلك النَّهي عن التَّخلُّف {بأنهم لا يصيبهم ظمأ} وهو شدَّة العطش {ولا نصب} إعياء من التَّعب {ولا مخمصة} مجاعةٌ {ولا يطؤون موطئاً} ولا يقفون موقفاً {يغيظ الكفار} يُغضبهم {ولا ينالون من عدو نيلاً} أسراً وقتلاً إلاَّ كان ذلك قُربةً لهم عند الله. {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} تمرةً فما فوقها {ولا يقطعون وداياً} يُجاوزونه في سيرهم {إلاَّ كتب لهم} آثارهم وخُطاهم {ليجزيهم الله أحسن} بأحسن {ما كانوا يعملون} فلمَّا عِيبَ مَنْ تخلَّف عن غزوة تبوك قال المسلمون: والله لا نتخلَّف عن غزوةٍ بعد هذا، ولا عن سرية أبداً، فلمَّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسَّرايا إلى العدُّو، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} ليخرجوا جميعاً إلى الغزو {فلولا نفر من كلِّ فرقة منهم طائفة} فهلاَّ خرج إلى الغزو من كل قبيلةٍ جماعةٌ {ليتفقهوا في الدين} ليتعلَّموا القرآن والسُّنن والحدود. يعني: الفرقة القاعدين {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} وليعلِّموهم ما نزل من القرآن ويخوّفوهم به {لعلهم يحذرون} فلا يعملون بخلاف القرآن. {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم} يقربون منكم. أُمروا بقتال الأدنى فالأدنى من عدوِّهم من المدينة {وليجدوا فيكم غلظة} شدَّةً وعُنفاً. {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم} من المنافقين {مَنْ يقول أيكم زادته هذه إيماناً} يقوله المنافقون بعضهم لبعض هزؤاً، فقال الله تعالى: {فأمَّا الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} تصديقاً، لأنَّهم صدَّقوا بالأولى والثَّانية {وهم يستبشرون} يفرحون بنزول السُّورة. {وأما الذين في قلوبهم مرض} شكٌّ ونفاقٌ {فزادتهم رجساً إلى رجسهم} كفراً إلى كفرهم؛ لأنَّهم كلَّما كفروا بسورةٍ ازداد كفرهم. {أَوَلاَ يرون أنهم يفتنون في كلِّ عام مرَّة أو مرتين} يُمتحنون بالأمراض والأوجاع، وهنَّ روائد الموت {ثمَّ لا يتوبون} من النِّفاق، ولا يتَّعظون كما يتَّعظ المؤمن بالمرض. {وإذا ما أنزلت سورة} كان إذا نزلت سورةٌ فيها عيبُ المنافقين، وتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شقَّ ذلك عليهم، و {نظر بعضهم إلى بعض} يريدون الهرب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم لبعض: {هل يراكم من أحد} إنْ قمتم، فإن لم يرهم أحدٌ خرجوا من المسجد، وإنْ علموا أنَّ أحداً يراهم ثبتوا مكانهم حتى يفرغ من خطبته {ثم انصرفوا} على عزم الكفر والتَّكذيب {صرف الله قلوبهم} عن كلِّ رشدٍ وهدى {بأنهم قومٌ لا يفقهون} جزاءً على فعلهم، وهو أنَّهم لا يفقهون عن الله دينه وما دعاهم الله إليه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 120- ما كان يحل لأهل المدينة، ومن يجاورونهم من سكان البوادى، أن يتخلفوا عن الغزو مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، ولا أن يضنوا بأنفسهم عما بذل الرسول فيه نفسه، إذ أنهم لا يصيبهم فى سبيل اللَّه ظمأ أو تعب أو جوع، ولا ينزلون مكاناً يثير وجودهم فيه غيظ الكفار، ولا ينالون من عدو غرضا كالهزيمة أو الغنيمة إلا حُسِب لهم بذلك عمل طيب يجزون عليه أحسن الجزاء، وإن اللَّه لا يضيع أجر الذين أحسنوا فى أعمالهم. 121- وكذلك لا يبذل المجاهدون أى مال - صغيرا أو كبيرا - ولا يسافرون أى سفر فى سبيل اللَّه، إلا كتبه اللَّه لهم فى صحائف أعمالهم الصالحة، لينالوا به أحسن ما يستحقه العاملون من جزاء. 122- ليس للمؤمنين أن يخرجوا جميعا إلى النبى صلى اللَّه عليه وسلم إذا لم يقتض الأمر ذلك، فليكن الأمر أن تخرج إلى الرسول طائفة ليتفقهوا فى دينهم، وليدعوا قومهم بالإنذار والتبشير حينما يرجعون إليهم ليثبتوا دائما على الحق، وليحذروا الباطل والضلال.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن حولهم من الأعراب: وهم مزينة وجهينة وأشجع وغفار وأسلم. ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه: أي يطلبون لأنفسهم الراحة ولنفس رسول الله التعب والمشقة. ظمأ: أي عطش. ولا نصب: أي ولا تعب. ولا مخمصة: أي مجاعة شديدة. يغيظ الكفار: أي يصيبهم بغيظ في نفوسهم يحزنهم. نيلا: أي منالاً من أسر أو قتل أو هزيمة للعدو. وادياً: الوادي: سيل الماء بين جبلين أو مرتفعين. لينفروا كافة: أي يخرجوا للغزو والجهاد جميعاً. طائفة: أي جماعة معدودة. ليتفقهوا في الدين: أي ليعلموا أحكام الدين وأسرار شرائعه. ولينذروا قومهم: أي ليخوفوهم عذاب النار بترك العمل بشرع الله. لعلهم يحذرون: أي عذاب الله تعالى بالعلم والعمل. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في آثار أحداث غزوة تبوك فقال تعالى {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} أي سكانها من المهاجرين والأنصار {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} أي ومن النازلين حول المدينة من الأعراب كمزينة وجهينة وغفار وأشجع وأسلم {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} إذا خرج إلى جهاد ودعا بالنفير العام وفي هذا عتاب ولوم شديد لمن تخلفوا عن غزوة تبوك وقوله {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي بأن يطلبوا لأنفسهم الراحة دون نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله {ذٰلِكَ} أي النهي الدال عليه بصيغة ما كان لأهل المدينة وهي أبلغ من النهي بأداته (لا) لأنه نفي للشأن أي هذا مما لا ينبغي أن يكون أبداً. وقوله {بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ} بسبب أنهم لا يصيبهم {ظَمَأٌ} أي عطش {وَلاَ نَصَبٌ} أي تعب {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي جوع شديد في سبيل الله أي في جهاد أهل الكفر لإِعلاء كلمة الإِسلام التي هي كلمة الله {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} أي ولا يطأون أرضاً من أرض العدو يغتاظ لها العدو الكافر ويحزن {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ} أي لله تعالى {نَّيْلاً} أي منالاً أي أسرى أو قتلى أو غنيمة منه أو هزيمة له {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فلهذا لا ينبغي لهم أن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يفوتهم هذا الأجر العظيم. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تعليل لتقرير الأجر وإثباته لهم إن هُم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنوا الصحبة والعمل وقوله تعالى {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً} أي في سبيل الله الذي هو هنا الجهاد {صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} أي قليلة ولا كثيرة {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً} ذاهبين إلى العدو أو راجعين {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} أي ذلك المذكور من النفقة والسير في سبيل الله، وقوله تعالى {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه قبل خروجهم في سبيل الله، وقوله تعالى {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} أي قبيلة منهم طائفة أي جماعة {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} بما يسمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعلمونه منه {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} عواقب الشرك والشر والفساد {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ذلك فينجون من خزي الدنيا وعذاب الآخرة هذه الآية نزلت لما سمع المسلمون ورأوا نتائج التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لن نتخلف بعد اليوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً ولا نتخلف عن غزو ما حيينا فأنزل الله تعالى هذه الآية يرشدهم إلى ما هو خير وأمثل فقال {فَلَوْلاَ} أي فهلا نفر من كل فرقة منهم أي قبيلة أو حيّ من أحيائهم طائفة فقط وتبقى طائفة منهم بدل أن يخرجوا كلهم ويتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فإن خروجهم على هذا النظام أنفع لهم فالذين يبقون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجون معه إذا خرج يتفقهون في الدين لصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والباقون هم في مهام دينهم أيضاً ودنياهم فإذا رجع أولئك المتفقهون علموا إخوانهم ما فاتهم من العلم وأسرار الشرع كما أن الذين ينفرون إلى الجهاد قد يشاهدون من نصر الله لأوليائه وهزيمته لأعدائه ويشاهدون أيضاً ضعف الكفار وفساد قلوبهم وأخلاقهم وسوء حياتهم فيعودون إلى إخوانهم فينذرونهم ما عليه أهل الكفر والفساد فيحذرون منه ويتجنبونه وفي هذا خير للجميع وهو معنى قوله تعالى {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- وجوب إيثار رسول الله صلى الله عليه وسلم على النفس بكل خير بل بالحياة كلها. 2- بيان فضل السير في سبيل الله، وما فيه من الأجر العظيم. 3- فضل الإِحسان وأهله. 4- تساوي فضل طلب العلم والجهاد على شرط النية الصالحة في الكل وطالب العلم لا ينال هذا الأجر إلا إذا كان يتعلم ليعلم فيعمل فيعلم مجاناً في سبيل الله والمجاهد لا ينال هذا الأجر إلا إذا كان لإِعلاء كلمة الله خاصة. 5- حاجة الأمة إلى الجهاد والمجاهدين كحاجتها إلى العلم والعلماء سواء بسواء.
القطان
تفسير : الضمأ: شدة العطش. النَّصَب: التعب. المخمصة: الجوع الشديد. موطئا: مكانا. بعد ان بين الله تعالى توبته عن المتخلفين أكّد هنا وجوب اتباع الرسول والغزو معه. لا ينبغي لأهل المدينة ولا من حولَهم من الأعراب ان يتخلّفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما فعل بعضهم في غزوة تبوك، ولا ان يَضِنّوا بأنفسِهم فيرغبوا في الراحة والسلامة، ولا يبذلوها فيما بذَلَ نفسه الشريفة.. اذ أنهم لا يصيبهم في سبيل الله ظمأ او تعب او جوع، ولا ينزلون مكاناً يَغيظ الكفارَ، ولا ينالون من عدو غرضا كالهزيمة او الغنيمة الا كتب لهم بذلك عملاً صالحاً يجزون عليه احسن الجزاء. بل إنهم {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً..} الآية. وكذلك لا يبذلون اي مال في سبيل الله، ولا يسافرون اي سفر الا كتبه الله لهم في صحائف اعمالهم الصالحة.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَطَأُونَ} {صَالِحٌ} (120) - يُعَاتِبُ اللهُ تَعَالَى المُتَخَلِّفِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنْ نَبِيِّهِمْ، وَإِيثَارِهِمْ أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ وَيَخُصُّ بِالعِتَابِ أَهْلَ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَإِنَّهُمْ نَقَصُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الأَجْرِ، لأَِنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ عَطَشٌ وَلاَ تَعَبٌ وَلاَ مَجَاعَةٌ (مَخْمَصَةٌ)، وَلاَ يَنْزِلُونَ مَنْزِلاً يُرْهِبُ الكُفَّارَ، وَيَغِيظُهُمْ، وَلاَ يُحَقِّقُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ ظَفَراً وَغَلَبَةً .. إِلاَّ كَتَبَ اللهُ لَهُمْ بِهذِهِ الأَعْمَالِ، ثَوَابَ عَمَلٍ صَالِحٍ جَزِيلٍ، وَاللهُ تَعَالَى لاَ يُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً. لاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ - لاَ يَتَرَفَّعُوا بِهَا، وَلاَ يَضَنُّوا بِهَا، وَلاَ يَصْرِفُوهَا. نَصَبٌ - تَعَبٌ مَا. مَخْمَصَةٌ - مَجَاعَةٌ. يَغِيظُ الكُفَّارَ - يَغُمُّهُمْ وَيُغْضِبُهُمْ. نَيْلاً - شَيْئاً مِنْ قَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ مَغْنَمٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحديث هنا فيه رجوع إلى الذين تخلفوا عن الغزوة، وعرفنا من قبل أنك ساعة تقول: "ما كان لك أن تفعل كذا" أي: أنك تنفي القدرة على الفعل، أما إن قلت: "ما ينبغي" أي: عندك قدرة على الفعل، ولا يجب أن تفعله. وهنا يقول الحق: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ} وبعضهم قد تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} وهنا حديث عن نوعين من الأنفس: أنفس من قالوا بالتخلف، ونفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت إذا قلت: "رغبت"، معناها: أنك ملتَ ميلاً قلبياً، فإن قلت: "رغبت في" كان الميل القلبي إلى ممارسة الفعل وفيها التغلغل، أما إن قلت: "رغبت عن" وفيها التجاوز، هذا يعني أن الميل القلبي يهدف إلى الابتعاد عن الفعل. إذن: فحرف الجر هو الذي يحدِّد لون الميل القلبي. وقوله الحق: {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} أي: أنهم زهدوا في أمر صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضَّلوا أمر نفوسهم على أمر رسول الله، فيبين الحق لهم أنهم ما كان لهم أن يفعلوا ذلك؛ لأنكم ما دمتم آمنتم بالله، فإيمانكم لا يكمل حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليكم من نفوسكم. ولذلك نجد سيدنا عمر رضي الله عنه لما سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"تفسير : ، فقال: يا رسول الله، أنا أحبك عن أهلي وعن مالي إنما عن نفسي، فلا. وهكذا كان صدق عمر رضي الله عنه، فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم القول: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"تفسير : . فعلم عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حازم في هذه القضية الإيمانية، وعلم أن الحب المطلوب ليس حب العاطفة، إنما هو حب العقل، وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل؛ فحب العاطفة لا تكليف فيه، لكن حب العقل يأتي بالتكليف. وعلى سبيل المثال: فأنت تحب ابنك بعاطفتك، حتى وإن لم يكن ذكيّاً، لكنك تحب بعقلك ابن عدوك إن كان ذكيّاً وأميناً وناجحاً. وضربنا المثل من قبل وقلنا: إن الإنسان قد يحب الدواء المرّ؛ لأن فيه الشفاء، والإنسان لا يحب هذا الدواء بعواطفه، ولا يتلذذ به وهو يشربه، بل يحبه بعقله؛ لأن هذا الدواء قد يكون السبب في العافية، وإن لم يجده في الصيدليات يغضب ويشكو، ويسرّ بمن يأتي له به من البلاد الأخرى. إذن: فالذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة أو ممن حولهم ما كان لهم أن يتخلفوا؛ لأن هذا يناقض إيمانهم في أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم، وكان من الواجب أن يرغبوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنفسهم، أما أن يكون الأمر بالعكس، فلا. لأن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يأتي لهم بالخير. أما اتباع حبهم لأنفسهم فهو حب ضيق البصيرة، سيأتي لهم بالشرور، وإن جاء لهم بخير فخيره موقوت، وبحسب إمكاناتهم، ولكن حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنفسهم يأتي لهم بالخير الثابت الدائم الذي يتناسب مع قدرة الله سبحانه. ثم يقول سبحانه: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} و {ذٰلِكَ} إشارة إلى حيثيات الترغيب التي يأخذون بها الجزاء الطيب من الحق سبحانه بأنهم {لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ}، ونعلم أن الظمأ قد أصابهم في جيش العسرة لدرجة أن المقاتل كان يذبح البعير، ويصفي الماء الذي في معدته لِيبُلَّ ريقه، وريق زملائه. {وَلاَ نَصَبٌ} والنَّصَب: هو التعب، وكانت الغزوة في جو حار مرهق. {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} أي: المجاعة، وقد كانوا يأكلون التمر الذي أصابه الدود، والشعير الذي انتشر فيه السوس. وإن كانوا قد عانوا من كل ذلك فهو في سبيل الله القادر على أن يمُنَّ عليهم بكل خير جزاء لما يقدمونه في سبيل نصرته. {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ} نعلم أن الكفار كان لهم رقعة من الأرض يتمركزون فيها، فحين يغير عليهم المؤمنون ويزحزحونهم عن هذا المكان، وينزلون إلى الوديان والبساتين التي يملكها الكفار، فهذا أمر يغيظ أهل الكفر، إذن: فهم حين يطأون موطئاً، فهذا يغيظ الكفار. {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً} أي: يأخذون من عدوٍّ منالاً، والمعنى: أن يقهروا العدو فيتراجع ويشعر بالخسران، حينئذ يأخذون الجزاء الخيِّر من الله، وكل ما حدث أن الظمأ والنصب والمخمصة ووطء موطىء يغيظ الكفار والنيل من عدوهم نيلاً. كل واحدة من هذه الأحداث لها جزاء يحدده الحق: {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}. إذن: فالذين رغبوا عن رسول الله بأنفسهم ولم يخرجوا للغزوة قد خسروا كثيراً؛ خسروا ما كتبه الحق سبحانه من عمل صالح جزاءً لكل حادث قابله مَنْ خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم. ويُنهي الحق سبحانه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} فهؤلاء الذين أحسنوا لا يضيع الله أجرهم أبداً. ثم يأتي بأحداث أخرى غير الظمأ والنصب والمخمصة ووطء الموطىء الذي يغيظ الكفار، والنَّيْل من عدو الله نيلاً، فيقول سبحانه: {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ} فالظَّمأُ: العَطشُ. والنَّصبُ: التَّعبُ. والمَخْمَصةُ: المَجاعةُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى -حاثا لأهل المدينة المنورة من المهاجرين، والأنصار، ومن حولهم من الأعراب، الذين أسلموا فحسن إسلامهم-: { مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } أي: ما ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بأحوالهم. { وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ } في بقائها وراحتها، وسكونه { عَنْ نَفْسِهِ } الكريمة الزكية، بل النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى كل مسلم أن يفدي النبي صلى الله عليه وسلم، بنفسه ويقدمه عليها، فعلامة تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبته والإيمان التام به، أن لا يتخلفوا عنه، ثم ذكر الثواب الحامل على الخروج فقال: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } أي: المجاهدين في سبيل اللّه { لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ } أي: تعب ومشقة { وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي: مجاعة. { وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ } من الخوض لديارهم، والاستيلاء على أوطانهم، { وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا } كالظفر بجيش أو سرية أو الغنيمة لمال { إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } لأن هذه آثار ناشئة عن أعمالهم. { إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } الذين أحسنوا في مبادرتهم إلى أمر الله، وقيامهم بما عليهم من حقه وحق خلقه، فهذه الأعمال آثار من آثار عملهم. ثم قال: { وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا } في ذهابهم إلى عدوهم { إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }. ومن ذلك هذه الأعمال، إذا أخلصوا فيها للّه، ونصحوا فيها، ففي هذه الآيات أشد ترغيب وتشويق للنفوس إلى الخروج إلى الجهاد في سبيل اللّه، والاحتساب لما يصيبهم فيه من المشقات، وأن ذلك لهم رفعة درجات، وأن الآثار المترتبة على عمل العبد له فيها أجر كبير.
همام الصنعاني
تفسير : 1140- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَة، في قوله تعالى: {مَخْمَصَةٌ}: [الآية: 120]، قال: هو الجوع.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):