Verse. 1356 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَلَا يُنْفِقُوْنَ نَفَقَۃً صَغِيْرَۃً وَّلَا كَبِيْرَۃً وَّلَا يَـقْطَعُوْنَ وَادِيًا اِلَّا كُتِبَ لَھُمْ لِيَجْزِيَھُمُ اللہُ اَحْسَنَ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۲۱
Wala yunfiqoona nafaqatan sagheeratan wala kabeeratan wala yaqtaAAoona wadiyan illa kutiba lahum liyajziyahumu Allahu ahsana ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولا ينفقون» فيه «نفقة صغيرة» ولو تمرة «ولا كبيرة ولا يقطعون واديا» بالسير «إلا كُتب لهم» به عمل صالح «ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون» أي جزاءهم.

121

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً} ولو علاَّقة. {وَلاَ كَبِيرَةً} مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة. {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا} في مسيرهم وهو كل منعرج ينفذ فيه السيل اسم فاعل من ودي إذا سال فشاع بمعنى الأرض. {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} أثبت لهم ذلك. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} بذلك. {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أعمالهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَلاَ يُنفِقُونَ} هؤلاء الغزاة في سبيل الله {نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} أي: قليلاً ولا كثيراً {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا} أي: في السير إلى الأعداء {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} ولم يقل ههنا: به؛ لأن هذه أفعال صادرة عنهم، ولهذا قال: {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه من هذه الآية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة؛ كما قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا أبو موسى العنزي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سليمان بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن خباب السلمي، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم حث، فقال عثمان: عليَّ مائة بعير أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم نزل مرقاة من المنبر، ثم حث، فقال عثمان بن عفان: عليَّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب: «حديث : ما على عثمان ما عمل بعد هذا» تفسير : وقال عبد الله أيضاً: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلمبألف دينار في ثوبه حتى جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول: «حديث : ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» تفسير : يرددها مراراً، وقال قتادة في قوله تعالى: {وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} الآية: ما ازداد قوم في سبيل الله بعداً من أهليهم، إلا ازدادوا قرباً من الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلاَ يُنفِقُونَ } فيه {نَفَقَةً صَغِيرَةً } ولو تمرة {وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا } بالسير {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } ذلك {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي جزاءه.

الخازن

تفسير : وقوله عز وجل: {ولا ينفقون} يعني في سبيل الله {نفقة صغيرة ولا كبيرة} يعني تمرة فما دونها أو أكثر منها حتى علاقة سوط {ولا يقطعون وادياً} يعني ولا يجاوزون في مسيرهم وادياً مقبلين أو مدبرين فيه {إلا كتب لهم} يعني كتب الله لهم آثارهم وخطاهم ونفقاتهم {ليجزيهم الله} يعني يجازيهم {أحسن ما كانوا يعملون} قال الواحدي: معناه بأحسن ما كانوا يعملون. وقال الإمام فخر الدين الرازي: فيه وجهان: الأول: أن الأحسن من صفة أفعالهم وفيها الواجب والمندوب والمباح فالله سبحانه وتعالى يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح. والثاني: أن الأحسن صفة للجزاء أي يجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب وفي الآية دليل على فضل الجهاد وأنه من أحسن أعمال العباد (ق) عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها"تفسير : وفي رواية "حديث : وما فيها"تفسير : (ق) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي وإيماناً بي وتصديقاً برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم لونه لون دم وريحه ريح مسك والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة ويشق عليهم أن يتخلفوا عني والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو فأقتل في سبيل الله ثم أغزو فأقتل ثم أغزو فأقتل"تفسير : لفظ مسلم وللبخاري بمعناه (ق). عن أبي سعيد الخدري قال:"حديث : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي الناس أفضل قال مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله قال ثم من قال ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله"تفسير : وفي رواية "حديث : يتقي الله ويدع الناس من شره"تفسير : (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة"تفسير : يعني حسنات (خ) عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما أغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار"تفسير : (م) عن أبي مسعود الأنصاري البدري قال:"حديث : جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة"تفسير : عن خريم بن فاتك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف"تفسير : أخرجه الترمذي والنسائي.

البقاعي

تفسير : ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره إلى المال، ووطئ مطلق الأرض الذي قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون المشقة الحاصلة في النفس بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه، قدم ذلك على قوله: {ولا ينفقون} ولما كان القليل قد يحتقر، ابتدأ به ترغيباً في قوله: {نفقة صغيرة} ولما كان ربما تعنت متعنت فجعل ذكرها قيداً، قال: {ولا كبيرة} إعلاماً بأنه معتد به لئلا يترك، وفيه إشارة إلى آية اللمز للمطوعين في الصدقات {ولا يقطعون وادياً} أي من الأدوية بالسير في الجهاد، والوادي: كل منفرج بين جبال وآكام ينفذ فيه السيل، وهو في الأصل فاعل من ودى - إذا سال {إلا كتب لهم} أي ذلك الإنفاق والقطع، بناه للمفعول لأن القصد الحفظ بالكتابة مطلقاً {ليجزيهم الله} أي ذو الجلال والإكرام، أي بذلك من فضله {أحسن ما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يعملون*} مضاعفاً على قدر الثبات، وأكدت فاصلة الأولى دون هذه لزيادة تلك في المشقة والنفع، ولذا صرح فيها الأجر والعمل الصالح - نبه على ذلك الإمام أبو حيان. ومن هنا بل من عند {إن الله اشترى} شرع في عطف الآخر على الأول الذي مضمونه البراءة من المشركين والاجتهاد في قتالهم بعد انقضاء مدتهم حيث وجدوا - إلى أن قال {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} - إلى أن قال {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} ثم قال {انفروا خفافاً وثقالاً} ثم أتبع ذلك قصص المنافقين كما أنه فعل هنا كذلك أن ختم بقوله {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} الآية ثم أتبعها ذكر المنافقين. ولما تواترت النواهي للمتخلفين وتواصلت الزواجر وتعاظم التبكيت والتهديد، طارت القلوب وأشفقت النفوس، فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال والذراري والعيال، فأتبع ذلك قوله تعالى: {وما كان المؤمنون} أي الذين حثهم على النَّفر الرسوخ في الإيمان {لينفروا كآفة} أي جميعاً فإن ذلك بخل بكثير من الأغراض الصالحة، وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين: قسماً للجهاد، وقسماً للنفقة وحفظ الأموال والأولاد، كل ذلك بأمره عليه الصلاة والسلام والعمل بما يرضاه، ولا يخفى ذلك على المخلص، ولعل التعبير بالفعل الماضي في قوله مسبباً عما قبله: {فلولا نفر} ليفهم تبكيت من قصد تبكيته من المتخلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن ينفر مع النبي صلى الله عليه وسلم {من كل فرقة} أي ناس كثير يسهل افتراقهم، قالوا: وهو اسم يقع على ثلاثة {منهم طائفة} أي ناس لا ينفكون حافين بالنبي صلى الله عليه وسلم يلزمونه، قيل: والطائفة واحد واثنان، فالآية حجة على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، وكأنه عبر به للإشارة إلى الحث على كثرة النافرين كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه {ليتفقهوا} أي ليكلف النافرون أنفسهم الفهم منه صلى الله عليه وسلم شيئاً فشيئاً {في الدين} أي بما يسمعونه من أقواله ويرونه من جميل أفعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير أحواله، وهذا غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له صلى الله عليه وسلم للجهاد، هذا إن كان هو صلى الله عليه وسلم النافر في تلك الغزاة، وإن كان غيره كان ضمير {يتفقهوا} للباقين معه صلى الله عليه وسلم. ولما كان من العلم بشارة ومنه نذارة، وكان الإنسان - لما فيه من النقصان - أحوج شيء إلى النذارة، خصها بالذكر فقال عطفاً على نحو: ليخافوا في أنفسهم فيعملوا في خلاصها: {ولينذروا قومهم} أي يحذروهم ما أمامهم من المخاوف إن فرطوا في جانب التقوى {إذا رجعوا إليهم} أي ما أنذرهموه الرسول صلى الله عليه وسلم ويبشروهم بما بشرهم به؛ ثم بين غاية العلم مشيراً إلى أن من جعل له غاية غيرها من ترفع أو افتخار فقد ضل ضلالاً كبيراً، فقال موجباً لقبول خبر من بلغهم: {لعلهم} أي كلهم {يحذرون*} أي ليكون حالهم حال أهل الخوف من الله بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل خير، به تنجلي القلوب فَتقبل على الخير وتعرض عن الشر، فإن الحذر تجنب الشيء لما فيه من الضرر، والمراد بالفقه هنا حفظ الكتاب والسنة وفهم معانيهما من الأصول والفروع والآداب والفضائل، وقال الرماني: الفقه فهم موجبات المعاني المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها.

ابو السعود

تفسير : {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً} ولو تمرةً أو علاقةَ سَوْط {وَلاَ كَبِيرَةً} كما أنفق عثمانُ رضى الله عنه والترتيب باعتبار ما ذُكر من كثرة الوقوعِ وقلته وتوسيطُ لا للتنصيص على استبداد كلَ منهما بالكتْب والجزاءِ لا لتأكيد النفي كما في قوله عز وجل: {وَلاَ يَقْطَعُونَ} أي لا يجتازون في مسيرهم {وَادِيًا} وهو في الأصل كلُّ منفرَجٍ من الجبال والآكامِ يكون منفذاً للسيل، اسمُ فاعلٍ من ودَى إذا سال ثم شاع في الأرض على الإطلاق {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} ذلك الذي فعلوه من الإنفاق والقطع {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} بذلك {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أحسنَ جزاءِ أعمالِهم أو جزاءَ أحسنِ أعمالِهم. {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} أي ما صح وما استقام لهم أن ينفِروا جميعاً لنحو غزْوٍ أو طلب علمٍ كما لا يستقيم لهم أن يتثبّطوا جميعاً فإن ذلك مُخِلٌّ بأمر المعاش. {فَلَوْلاَ نَفَرَ} فهلا نفَر {مِن كُلّ فِرْقَةٍ} أي طائفة كثيرة {مِنْهُمْ} كأهل بلدةٍ أو قبـيلةٍ عظيمة {طَائِفَةٌ} أي جماعة قليلة {لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ} أي يتكلفوا الفَقاهةَ فيه ويتجشموا مشاقَّ تحصيلِها {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} أي وليجعلوا غايةَ سعيِهم ومرمىٰ غرضِهم من ذلك إرشادَ القومِ وإنذارَهم {إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ} وتخصيصُه بالذكر لأنه أهم، وفيه دليلٌ على أن التفقهَ في الدين من فروض الكفايةِ وأن يكون غرضُ المتعلمِ الاستقامةَ والإقامةَ لا الترفعَ على العباد والتبسّط في التلاد كما هو ديدن أبناء الزمان والله المستعان {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} إرادةَ أن يحذروا عما ينذَرون واستدلوا به على أن أخبارَ الآحادِ حجةٌ لأن عمومَ كلِّ فرقةٍ يقتضي أن ينفِرَ من كل ثلاثةٍ تفردوا بقرية طائفةٌ إلى التفقه لتنذر قرقتَها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبارُ ما لم يتواتر لم يُفِدْ ذلك، وقد قيل: للآية وجهٌ آخرُ وهو أن المؤمنين لما سمعوا ما نزل في المتخلفين سارعوا إلى النفير رغبةً ورهبةً وانقطعوا عن التفقه فأُمروا أن ينفِر من كل فرقةٍ طائفةٌ إلى الجهاد ويبقى أعقابُهم يتفقهون حتى لا ينقطع الفقهُ الذي هو الجهادُ الأكبرُ لأن الجدالَ بالحجة هو الأصلُ والمقصودُ من البعثة، فالضميرُ في ليتفقهوا ولينذِروا لبواقي الفِرَق بعد الطوائفِ النافرةِ للغزو، وفي رجعوا للطوائف، أي ولينذر البواقي قومَهم النافرين إذا رجَعوا إليهم بما حصلوا في أيام غَيبتهم من العلوم.

الطوسي

تفسير : هذه الاية عطف على ما تقدم ذكره في الاية الاولى من قوله {ولا يطؤن موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا... ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة} اي لا ينفق هؤلاء المؤمنون في سبيل الله وجهاد اعدائه نفقة صغيرة ولا كبيرة يريدون بها اعزاز دين الله ونفع المسلمين والتقرب إلى الله بها، لأن الانفاق متى كان للشهوة أو ليذكر بالجود كان ذلك مباحاً. وان كان للرياء والسمعة وللمعاونة على فساد كان معصية. والصغير ما نقص ثوابه عن ثواب ما هو اكبر منه، والكبير ما زاد ثوابه على ثواب ما هو دونه. وقوله {ولا يقطعون وادياً} معناه ولا يتجاوزون وادياً. وقوله {إلا كتب لهم} ثواب ذلك لهم {ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} معناه انه يكتب طاعاتهم ليجزيهم عليها أحسن مما فعلوه. وقال الرماني: ذلك يدل على انه يكون حسن أحسن من حسن، قال: لان لفظة أفعل تقتضي التفاضل فيما شاركه في الحسن. وهذا ليس بشيء لأن المعنى ان الله تعالى يجزيهم أحسن ما كانوا يعملون يعني ما له مدخل في استحقاق المدح والثواب من الواجبات والمندوبات دون المباحات التي لا مدخل لها في ذلك وان كانت حسنة.

الجنابذي

تفسير : {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ} ذلك {لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يعنى يكتب كلّما عملوا لينظر اليها ويجزى كلّها بازاء احسنها وليس المراد انّه لا يجزى الاّ احسنها، ويجوز ان يراد هنا انّهم يجزون بأحسن ممّا عملوا. اعلم، انّ الانسان كما يكون فى الاستكمال بحسب بدنه من اوّل صباه يكون فى الاستكمال بحسب نفسه وكلّ فعلٍ يصدر منه خيراً كان او شرّاً يحصل منه فعليّة له، ولمّا كان واقعاً بين عالمى الملائكة والشّياطين، فان لم يتمكّن فى احد العالمين لا يمكن الحكم عليه بكونه من اهل الرّحمة او اهل العذاب من غير تقييدٍ بشرط البقاء على الاسلام او الكفر، وكان بحسب العاقبة محكوماً عليه بكونه مرجىً لأمر الله وان لم يكن داخلاً فى صنفهم، وان دخل فى احدهما وتمكّن فيه صار جميع الفعليّات الحاصلة له مسخّرة لحاكم ذلك العالم اى العقل او الشّيطان وصارت محكومةً بحكم احسنها واسوئها، فانّ احسن الاعمال ما كان الفعليّة الحاصلة منه مسخّرة لعقل وأسوأها ما كان الفعليّة الحاصلة منه مسخّرة للشّيطان، وغير هذين حسن وسيّئ باعتبار قربهما الى العقل والشّيطان فاذا صار الفعليّات كلّها مسخّرة للعقل بسبب تمكّن صاحبها فى اتّباع الاخيار والانقياد لهم كان جزاء كلّ الاعمال سيّئها وحسنها واحسنها بجزاء احسنها، واذا صارت مسخّرة للشّيطان كان الجزاء بالعكس، وايضاً اذا صار الانسان متمكّناً فى اتّباع الابرار صار محبوباً لله بمنطوق فاتّبعونى يحببكم الله واذا صار محبوباً لله صار كلّ اعماله محبوبةً سيئّها وحسنها كأحسنها فيجزى الكلّ بمثل أحسنها، واذا صار مبغوضاً صار كلّ اعماله مبغوضة مثل اقبحها فيجزى بأسوء الّذى كان يعمل من اوّل عمره، وقد حقّقنا فى موضع آخر انّ اسماء الاشياء اسماء لفعليّاتها الاخيرة واحكامها ايضاً جارية على فعليّاتها الاخيرة فمن كان فعليّته الاخيرة فعليّة الولاية كان جزاء جميع فعليّاته جزاء فعليّته الاخيرة وجارياً عليها.

اطفيش

تفسير : {ولا ينْفِقُون نَفقةً صَغيرةً} ولو تمرة أو أقل {ولا كَبيرةً} كألف بعير، وسبعين فرسا وما فوقها أو أقل منها كمائتى بعير بأقتابها وأحلاسها، مع مائة أوقية، وقدم الصغيرة إيذانا بأن الصغيرة إذا كتبت فالكبيرة أحرى، وبأن الصغيرة غير ضائعة، وترغيبا فى النفقة، حتى إن أفقر الفقراء يمكنه الإنفاق على قدر إمكانه. {ولا يقْطَعون وادياً} بالسير وهو منفرج بين الجبلين، أو أكمتين يسيل فيه السيل، ويطلق على المسيل مطلقا، ويطلق على الأرض مطلقا، وهو المراد هنا، وهو شائع، ويجمع على أودية قال بعض: ليس فى كلام العرب فاعل وأفعلة إلا وادٍ وأودية، وهو فى الأصل اسم فاعل ودى أى سال {إلاَّ كُتبَ لَهم} ذلك المذكور من الإنفاق، وقطع الوادى، أو إلا كتب لهم العمل الصالح. {ليجْزِيهمُ اللهُ أحْسَن ما كانُوا يعْمَلون} ما مصدرية أو اسم، وأحسن واقع على الجزاء، ويقدر مضاف بعده، أى أحسن جزاء كونهم يعملون، أو أحسن جزاء ما كانوا يعملون، أو على العمل فيقدر مضاف قبله، أى جزاء أحسن كونهم يعملون، وجزاء أحسن ما يعملونه، فإن فى أعمالهم فرضا ومندوبا ومباحا، لا يعجزه ثواب العمل الأحسن، فكيف يعجزه ثواب سواه، ويأتى بحث ذلك إن شاء الله تعالى. وهو مفعول مطلق أولى من كونه منصوبا على تقدير الباء، وقول الفخر يجزيهم جزاء أحسن من أعمالهم، تفسير معنى عندى، وإلا فهو يقتضى أن أحسن مضاف إلى ما ليس عاما له، وأفعل التفصيل لا يجوز فيه ذلك، لا تقول: فرسى أحسن البقر، يجر بمن على الصحيح، ولما وبخوا على التخلف، وأنزل الله سبحانه عيوب المتخلفين، قال المسلمون: والله ما نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سرية يبعثها، فبعث، فبعث سريا ونفر المسلمون جميعا، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة فنزل.

اطفيش

تفسير : {وَلاَ يُنْفِقُونَ} على أَنفسهم أَو غيرهم فى سبيل الله {نَفَقَةً صَغِيرَةً} كتمرة وشسع نعل وعلاقة سيف وعلاقة سوط وسهم (وَلاَ كَبِيرَةً) كما أَنفق عثمان أَلف دينار وأَلف بعير وغير ذلك فى غزوة العسرة {وَلاَ يَقْطَعُونَ} بالسير{وَادِياً} ما من الأَودية وهو ما بين الجبلين تمر فيه السيول، وما حفر السيل هو بطن الوادى وما لم يحفر هو ظاهر الوادى، وهو فى الأَصل اسم فاعل، ودى الشىء بمعنى سال أَو وداه أَى أَوصله، والمراد هنا مطلق الأَرض حقيقة عرفية أَو اصطلاحية ولا فاعل يجمع على أَفعلة إِلا وادٍ وناج ونادٍ {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} ما ذكر من الإِنفاق {لِيَجْزِيَهُمُ الله} بذلك {أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أَى جزاء مثل جزاءِ أَحسن أَعمالهم، أَو أَحسن جزاءِ أَعمالهم سبعمائِة فصاعدا، فأحسن فى الآية إِما نفس العمل وبقدر مضار قبله أَى جزاءَ العمل الذى هو أَحسن الأَعمال وإِما الجزاءُ فيقدر مضاف بعده أَى أَحسن جزاءِ أَعمالهم، والعمل الأَحسن هو الواجب المؤدى تأْدية مجودة. ولما بالغ فى كشف عيوب المنافقين، وقال {ما كان لأَهل المدينة} إِلخ قال المسلمون والله لا نتخلف عن غزوة ولا عن سرية يبعثها. فنزل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا} إِلى الجهاد {كَافَّةً} فيبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أَو يخرج معهم فلا يبقى إِلا من هو ضعيف فتبقى المدينة بلا حرس، وذلك إِجبار بمعنى النهى أَى لا ينفروا كافة، أَو إِخبار باق أَى ما كان فى دين الله، أَو كان بمعنى يستقيم مجازا لا ينفروا كافة ولا يقعدوا كافة، وهكذا الإِسلام بين إِفراط وتفريط {فَلَوْلاَ} حرف تحضيض {نَفَرَ} بمعنى ينفر أَو حرف توبيخ بالماضى على ظاهره، وهذا على أَنه قد صدر منهم النفار جميعاً فى كل سرية كما حلفوا، ولو ردهم عن النفار {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} قبيلة {مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} جماعة فقط اثنان أَو ثلاثة فصاعدا، وقد تطلق طائِفة على واحد، ويليق هذا أَيضاً فى بعض الأَحيان إِذا أَراد الفتنة، وربما بعث أَربعة فصاعدا أَو مر كلام فى ذلك، وفى بعض القول السرية ما زاد على المائِة إِلى خمس مِائَة، وما زاد عليها إِلى ثمانمائَةٍ منسر ـ بكسر السين ـ وما زاد إِلى أَربعة آلاف جيش، وما زاد جحفل، وسراياه بلا خروج منه سبع وأَربعون، وغزواته التى خرج فيها سبع وعشرون، قاتل فى ثمانين منها. {لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ} من قعد لسماعه ومن خرج لأَنه يعلمه القاعد ما سمع، والمعنى ليعالجا معرفة مسائِل الدين والعمل بها، ولا شك أَن المراد ما يشمل المواعظ ونحو الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحو النكاح والبيوع والطلاق واللعان والإِجارات والقضاء {وَلِيُنْذِرُوا} بمعنى لينذر من قعد {قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا} أَى القوم الخارجون {إِلَيْهِمْ} إِلى القاعدين، وفى ذلك تفكيك الضمائر إِن رجعنا واو يتفقهوا إِلى الكل و واو ينذروا للقاعدين كهاءِ إِليهم، وإِن رجعنا ضمير ليتفقهوا للقاعدين وضمير لينذروا لهم أَيضاً لم يكن تفكيك، وفى هذا مخالفة ما يتبادر من أَن النفار إِلى الغزو بأَن نجعل النفار إلى التعلم. والسياق وسبب النزول أَنه إِلى الجهاد، فنقول وما كان المؤمنون لينفروا إِلى التعلم كافة، وقدر بعض لولا نفر من كل فرقة طائِفة وأَقام طائِفة ليتفقهوا، ولم يقل وليعلموا قومهم إِذا رجعوا إِليهم لعلهم يفقهون، كما هو مناسب لما قبله، لأَنه يلزم المعلم الإِرشاد والإِنذار، وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسيط والاستكبار وطلب العلم لذات العلم، فالآية كالنص فى أَنه يجوز التعلم لأَجل التعليم إِذا كان إِخلاص، فإِن الصحابة لما سمعوا تعلموا ليعلموا من خرج، وقد يجعل لينفروا بمعنى لينفروا إِلى أَمر الدين مطلقاً الغزو والتعلم ولا سيما أَن التعلم والتعليم باللسان كجهاد السيف، فلولا نفر من كل فرقة إلى ما يليق بها من تعلم أَو غزو ليكون فى المجموع التفقه فى الدين والإِنذار، ولا تفكيك على هذا، وفى التعبير بالنفر التحضيض على الغزو ونحوه بسرعة، ولم يذكر التبشير لأَن الأَهم الإِنذار، وعدم التبشير لا يحل بالتكليف ولا يفرق بعدمه فى أَداءِ الغرض، والقلوب القاسية أَليق بالإِنذار، وقد يقدر محذوف هكذا: وليبشروهم ويخبروهم بمطلق ما نزل، فيقدر على هذا فى قوله {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} محذوف أَيضاً، أَى يحذرون ويتباشرون ويسمعون مطلق ما نزل، لأَن الوحى لا ينحصر فى إِنذار وتبشير، روى أَن ناساً من أَصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فى البوادى فأَصابوا معروفاً من الناس وما ينفعهم من الخصم، ودعوا من لاقوه إِلى الهدى، فقيل لهم تركتم أَصحابكم وجئْتمونا فتخرجوا فرجعوا كلهم ودخلوا على النبى صلى الله عليه وسلم فنزل {وما كان المؤمنون} أَى لولا خرج بعض وقعد بعض، وفى الآية أَن خبر الواحد الأَمين حجة؛ فإِن كل واحد ينذر غيره لا يشترط أَن يكون معه آخر أَو إِثنان، والآحاج يطلق فى عرف الأُصول على ما دون التواتر ولو اثنين أَو ثلاثة...

الالوسي

تفسير : {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً} ولو تمرة أو علاقة سوط {وَلاَ كَبِيرَةً} كما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة، وذكر الكبيرة بعد الصغيرة وان علم من الثواب على الأولى الثواب على الثانية لأن المقصود التعميم لا خصوص المذكور إذ المعنى ولا ينفقون شيئاً ما فلا يتوهم أن الظاهر العكس، وفي «أرشاد العقل السليم» أن الترتيب باعتبار كثرة الوقوع وقلته، وتوسيط {لا} للتنصيص على استبداد كل منهما بالكتب والجزاء لا لتأكيد النفي كما في قوله تعالى شأنه: {وَلاَ يَقْطَعُونَ} أي ولا يتجاوزون في سيرهم لغزو {وَادِيًا} وهو في الأصل اسم فاعل من ودى إذا سال فهو بمعنى السيل نفسه ثم شاع في محله وهو المنفرج من الجبال والآكام التي يسيل فيها الماء - ثم صار حقيقة في مطلق الأرض ويجمع على أودية كناد على أندية وناج على أنجية ولا رابع لهذه على ما قيل في كلام العرب {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ} أي أثبت لهم أو كتب في الصحف أو اللوح ولا يفسر الكتب بالاستحقاق لمكان التعليل بعد، وضمير {كِتَـٰبَ} على طرز ما سبق أي المذكور أو كل واحد، وقيل: هو للعمل وليس بذاك وفصل هذا وأخر لأنه أهون مما قبله. {لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ} بذلك {أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي أحسن جزاء أعمالهم على معنى أن لأعمالهم جزاء حسناً وأحسن وهو سبحانه اختار لهم أحسن جزاء / فانتصاب {أَحْسَنُ} على المصدرية لإضافته إلى مصدر محذوف. وقال الإمام [الرازي]: ((فيه وجهان: الأول أن الأحسن (صفة عملهم وفيه)الواجب والمندوب والمباح فهو {يَجْزِيَهُمُ} على الأولين دون الأخير))، والظاهر أن نصب {أَحْسَنُ} حينئذ على أنه بدل اشتمال من ضمير (يجزيهم) كما قيل. وأورد عليه أنه ناء عن المقام مع قلة فائدته لأن حاصله أنه تعالى يجزيهم على الواجب والمندوب وأن ما ذكر منه ولا يخفى ركاكته وأنه غير خفي على أحد وكونه كناية عن العفو عما فرط منهم في خلاله أن وقع لأن تخصيص الجزاء به يشعر بأنه لا يجازي على غيره خلاف الظاهر، ثم قال: ((الثاني أن الأحسن صفة للجزاء أي ليجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم [وأجل] وأفضل وهو الثواب)). واعترضه أبو حيان بأنه ((إذا كان الأحسن [من] صفة الجزاء كيف يضاف إلى الأعمال وليس بعضاً منها وكيف يفضل عليهم بدون من))، ولا وجه لدفعه بأن أصله مما كانوا الخ فحذف {مِنْ} مع بقاء المعنى على حاله كما قيل لأنه لا محصل له. هذا ووصف النفقة بالصغيرة والكبيرة دون القليلة والكثيرة مع أن المراد ذلك قيل حملاً للطاعة على المعصية فإنها إنما توصف بالصغيرة والكبيرة في كلامهم دون القليلة والكثيرة فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {لا يصيبهم ظمأ}، وهو انتقال من عداد الكُلف التي تصدر عنهم بلا قصد في سبيل الله إلى بعض الكلف التي لا تخلو عن استشعار من تحِل بهم بأنهم لقُوها في سبيل الله، فالنفقة في سبيل الله لا تكون إلا عن قصد يتذكر به المنفق أنه يسعى إلى ما هو وسيلة لِنصر الدين، والنفقةُ الكبيرة أدخل في القصد، فلذلك نبه عليها وعلى النفقة الصغيرة ليعلم بذكر الكبيرة حكم النفقة الصغيرة لأن العلة في الكبيرة أظهر وكان هذا الإطناب في عد مناقبهم في الغزو لتصوير ما بذلوه في سبيل الله. وقطع الوادي: هو اجتيازه. وحقيقة القطع: تفريق أجزاء الجسم. وأطلق على الاجْتياز على وجه الاستعارة. والوادي: المنفرج يكون بين جبال أو إكام فيكون منفذاً لسيول المياه، ولذلك اشتق من ودى بمعنى سال. وقطع الوادي أثناءَ السير من شأنه أن يتذكر السائرون بسببه أنهم سائرون إلى غرض مَّا لأنه يجدد حالة في السير لم تكن من قبل. ومن أجل ذلك نُدب الحجيجُ إلى تجديد التلبية عندما يصعدون شرفاً أو ينزلون وادياً أو يلاقون رفاقاً. والضمير في {كُتب} عائد إلى {أية : عمل صالح}تفسير : [التوبة: 120]. ولام التعليل متعلقة بــ (كتب)، أي كتب الله لهم صالحاً ليجزيهم عن أحسن أعمالهم. ولما كان هذا جزاء عن عملهم المذكور علم أن عملهم هذا من أحسن أعمالهم. وانتصب {أحسنَ} على نزع الخافض، أي عن أحسنِ ما كانوا يعملون أو بأحسن ما كانوا يعملون كقوله تعالى: {أية : ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدَهم من فضله}تفسير : [النور: 38] وأما قوله: {أية : ليجزيك أجر ما سقيت لنا}تفسير : [القصص: 25] فالظاهر أنه من غير هذا القبيل وأن (أجر) مفعول مطلق. وفي ذكر {كانوا} والإتيان بخبرها مضارعاً إفادةُ أن مثل هذا العمل كان ديدنهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (121) - وَلاَ يُنْفِقُ هؤُلاءِ الغُزَاةُ قَليلاً وَلاَ كَثِيراً فِي سَبيلِ اللهِ، وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً فِي سَيْرِهِمْ إِلى أَعْدَائِهِمْ، إِلاَّ كَتَبَ لَهُمْ، وَسُجِّلَ فِي صَحِيفَةِ أَعْمَالِهِمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ عَلَيهِ جَزَاءً أَحْسَنَ مِنْ جَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الجَلِيلَةِ فِي غَيْرِ الجِهَادِ، فَالنَّفَقَةُ الصَّغِيرَةُ فِي الجِهَادِ كَالنَّفَقَةِ الكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ المَبَرَّاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كل شيء - إذن - محسوب، فحتى هؤلاء الذين أنفقوا، فالله سبحانه يعلم ماذا أنفقوا وسيجازيهم عليه، وهؤلاء الذين ساروا الطريق الطويل وقطعوا الوديان ليلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته، فالله سبحانه يكتب لهم الخير. وبعد ذلك تدفق المسلمون على تنفيذ أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كادت المدينة تفرغ من المسلمين؛ ليلحقوا بالسرايا التي يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الدعوة. وجاء قول الحق: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ ...}.