٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
122
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه يمكن أن يقال: هذه الآية من بقية أحكام الجهاد، ويمكن أن يقال: إنها كلام مبتدأ لا تعلق لها بالجهاد. أما الاحتمال الأول: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه السلام كان إذا خرج إلى الغزو لم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عُذر. فلما بالغ الله سبحانه في عيوب المنافقين في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع الرسول عليه السلام ولا عن سرية. فلما قدم الرسول عليه السلام المدينة، وأرسل السرايا إلى الكفار، نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة، فنزلت هذه الآية. والمعنى: أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بكليتهم إلى الغزو والجهاد، بل يجب أن يصيروا طائفتين. تبقى طائفة في خدمة الرسول، وتنفر طائفة أخرى إلى الغزو، وذلك لأن الإسلام في ذلك الوقت كان محتاجاً إلى الغزو والجهاد وقهر الكفار، وأيضاً كانت التكاليف تحدث والشرائع تنزل، وكان بالمسلمين حاجة إلى من يكون مقيماً بحضرة الرسول عليه السلام فيتعلم تلك الشرائع، ويحفظ تلك التكاليف ويبلغها إلى الغائبين. فثبت أن في ذلك الوقت كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين، أحد القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد، والثاني: يكونون مقيمين بحضرة الرسول، فالطائفة النافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النافرين، في التفقه، وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين. إذا عرفت هذا فنقول على هذا القول احتمالان: أحدهما: أن تكون الطائفة المقيمة هم الذين يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما لازموا خدمة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وشاهدوا الوحي والتنزيل، فكلما نزل تكليف وحدث شرع عرفوه وضبطوه، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو إليهم، فالطائفة المقيمة ينذرونهم ما تعلموه من التكاليف والشرائع، وبهذا التقرير فلا بد في الآية من إضمار، والتقدير: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، وأقامت طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم. والاحتمال الثاني: هو أن يقال: التفقه صفة للطائفة النافرة وهذا قول الحسن. ومعنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين، وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين، فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة والتأييد وأنه تعالى يريد إعلاء دين محمد عليه السلام وتقوية شريعته، فإذا رجعوا من ذلك النفر إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لعلهم يحذرون، فيتركوا الكفر والشك والنفاق، فهذا القول أيضاً محتمل، وطعن القاضي في هذا القول: قال لأن هذا الحس لا يعد فقهاً في الدين، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا شاهدوا أن القوم القليل الذين ليس لهم سلاح ولا زاد يغلبون الجمع العظيم من الكفار الذين كثر زادهم وسلاحهم، وقويت شوكتهم، فحينئذ انتبهوا لما هو المقصود وهو أن هذا الأمر من الله تعالى وليس من البشر. إذ لو كان من البشر لما غلب القليل الكثير، ولما بقي هذا الدين في التزايد والتصاعد كل يوم، فالتنبه لفهم هذه الدقائق واللطائف لا شك أنه تفقه. وأما الاحتمال الثالث: وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد، بل هو حكم مبتدأ مستقل بنفسه، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين في هذه السورة أمر الهجرة، ثم أمر الجهاد، وهما عبادتان بالسفر، بين أيضاً عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله تعلق بالسفر. فقال: وما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له. ثم قال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ } يعني من الفرق الساكنين في البلاد، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في ا لدين، وليعرفوا الحلال والحرام، ويعودوا إلى أوطانهم، فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه والتعلم. فإن قيل: أفتدل الآية على وجوب الخروج للتفقه في كل زمان؟ قلنا: متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب عليه السفر، وفي زمان الرسول - عليه السلام - كان الأمر كذلك، لأن الشريعة ما كانت مستقرة، بل كان يحدث كل يوم تكليف جديد وشرع حادث. أما في زماننا فقد صارت الشريعة مستقرة، فإذا أمكنه تحصيل العلم في الوطن لم يكن السفر واجباً، إلا أنه لما كان لفظ الآية دليلاً على السفر، لا جرمَ رأينا أن العلم المبارك المنتفع به لا يحصل إلا في السفر. المسألة الثانية: في تفسير الألفاظ المذكورة في هذه الآية «لولا» إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل هلا، وإنما جاز أن يكون لولا بمعنى هلا، لأن هلا كلمتان هل وهو استفهام وعرض، لأنك إذا قلت للرجل هل تأكل؟ هل تدخل؟ فكأنك عرضت ذلك عليه، و «لا» وهو جحد، فهلا مركب من أمرين: العرض، والجحد. فإذا قلت: هلا فعلت كذا؟ فكأنك قلت: هل فعلت. ثم قلت معه: «لا» أي ما فعلته، ففيه تنبيه على وجوب الفعل، وتنبيه على أنه حصل الإخلال بهذا الواجب، وهكذا الكلام في «لولا» لأنك إذا قلت: لولا دخلت علي، ولولا أكلت عندي. فمعناه أيضاً عرض وإخبار عن سرورك به، لو فعل، وهكذا الكلام في «لوما» ومنه قوله: { أية : لومَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلَـئِكَةِ } تفسير : [الحجر: 7] فثبت أن لولا وهلا ولوما ألفاظ متقاربة، والمقصود من الكل الترغيب والتحضيض فقوله: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ } أي فهلا فعلوا ذلك. المسألة الثالثة: هذه الآية حجة قوية لمن يرى أن خبر الواحد حجة، وقد أطنبنا في تقريره في كتاب «المحصول من الأصول»، والذي نقوله ههنا أن كل ثلاثة؛ فرقة. وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة يكون اثنين أو واحداً، فوجب أن يكون الطائفة إما اثنين وإما واحداً، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم لأن قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } عبارة عن أخبارهم. وقوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } إيجاب على قومهم أن يعلموا بأخبارهم، وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع. قال القاضي: هذه الآية لا تدل على وجوب العمل بخبر الواحد، لأن الطائفة قد تكون جماعة يقع بخبرها الحجة، ولأن قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } يصح وإن لم يجب القبول كما أن الشاهد الواحد يلزمه الشهادة، وإن لم يلزم القبول، ولأن الإنذار يتضمن التخويف، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به. والجواب: أما قوله: {الطائفة} قد تكون جماعة، فجوابه: أنا بينا أن كل ثلاثة فرقة، فلما أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة لزم كون الطائفة، إما اثنين أو واحداً، وذلك يبطل كون الطائفة جماعة يحصل العلم بخبرهم. فإن قالوا: إنه تعالى أوجب العمل بقول أولئك الطوائف ولعلهم بلغوا في الكثرة إلى حيث يحصل العلم بقولهم. قلنا: إنه تعالى أوجب على كل طائفة أن يرجعوا إلى قومهم وذلك يقتضي رجوع كل طائفة إلى قوم خاص، ثم إنه تعالى أوجب العلم بقول تلك الطائفة وذلك يفيد المطلوب. وأما قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } يصح وإن لم يجب القبول. فنقول إنا لا نتمسك في وجوب العمل بخبر الواحد بقوله: {وَلِيُنذِرُواْ } بل بقوله: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ترغيب منه تعالى في الحذر، بناء على أن ذلك الإنذار يقتضي إيجاب العمل على وفق ذلك الإنذار، وبهذا الجواب خرج الجواب عن سؤاله الثالث وهو قوله: الإنذار يتضمن التخويف، وهذا القدر لا يقتضي وجوب العمل به. المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق، وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم، لأن الآية تدل على أنه تعالى أمرهم بالتفقه في الدين، لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بالدين الحق، وأولئك يحذرون الجهل والمعصية ويرغبون في قبول الدين. فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض كان على المنهج القويم والصراط المستقيم، ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان من الأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وهي أن الجهاد ليس على الأعيان وأنه فرض كفاية كما تقدّم؛ إذ لو نفر الكل لضاع مَن وراءهم من العيال، فليخرج فريق منهم للجهاد ولْيُقِم فريق يتفقهون في الدين ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون أعلمهم المقيمون ما تعلّموه من أحكام الشرع، وما تجدّد نزوله على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذه الآية ناسخة لقوله تعالىٰ: {إِلاَّ تَنفِرُواْ} وللآية التي قبلها؛ على قول مجاهد وٱبن زيد. الثانية ـ هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم؛ لأن المعنىٰ: وما كان المؤمنون لينفروا كافَّةً والنبيُّ صلى الله عليه وسلم مقيم لا يَنْفر فيتركوه وحده. {فَلَوْلاَ نَفَرَ} بعد ما علموا أن النفير لا يسع جميعهم. {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} وتبقىٰ بقيّتها مع النبيّ صلى الله عليه وسلم ليتحملوا عنه الدين ويتفقهوا؛ فإذا رجع النافرون إليهم أخبروهم بما سمعوا وعلموه. وفي هذا إيجاب التفقه في الكتاب والسنة، وأنه على الكفاية دون الأعيان. ويدل عليه أيضاً قوله تعالىٰ: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] [الأنبياء: 7]. فدخل في هذا من لا يعلم الكتاب والسنن. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ} قال الأخفش: أي فهلاّ نفر. {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} الطائفة في اللغة الجماعة، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين، وللواحد على معنىٰ نفس طائفة. وقد تقدّم أن المراد بقوله تعالىٰ: {أية : إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً}تفسير : [التوبة: 66] رجل واحد. ولا شك أن المراد هنا جماعةٌ لوجهين؛ أحدهما عقلاً، والآخر لغة. أما العقل فلأن العلم لا يتحصل بواحد في الغالب، وأما اللغة فقوله: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} فجاء بضمير الجماعة. قال ٱبن العربيّ: والقاضي أبو بكر والشيخ أبو الحسن قبله يرون أن الطائفة هاهنا واحد، ويَعْتضِدون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد ولكن من جهة أن خبر الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر. قلت: أنصّ ما يُستدلّ به على أن الواحد يقال له طائفة قولهُ تعالىٰ: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات: 9] يعني نفْسين. دليله قوله تعالىٰ: {أية : فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} تفسير : [الحجرات: 10] فجاء بلفظ التثنية، والضمير في «ٱقتتلوا» وإن كان ضمير جماعة فأقلّ الجماعة ٱثنان في أحد القولين للعلماء. الرابعة ـ قوله تعالىٰ: {لِّيَتَفَقَّهُواْ} الضمير في «لِيتَفقَّهُوا، وَلِيُنْذِرُوا» للمقيمين مع النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قاله قتادة ومجاهد. وقال الحسن: هما للفرقة النافرة؛ وٱختاره الطبريّ. ومعنىٰ {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} أي يتبصّرُوا ويتيقّنوا بما يُريهم الله من الظهور على المشركين ونُصرة الدين. {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} من الكفار. {إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} من الجهاد فيخبرونهم بنصرة الله تعالىٰ نبيّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وأنهم لا يدان لهم بقتالهم وقتال النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. قلت: قول مجاهد وقتادة أبْيَن، أي لتتفقّه الطائفة المتأخرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النفور في السرايا. وهذا يقتضي الحثّ على طلب العلم والندب إليه دون الوجوب والإلزام؛ إذ ليس ذلك في قوة الكلام، وإنما لزم طلب العلم بأدلته؛ قاله أبو بكر بن العربيّ. الخامسة ـ طلب العلم ينقسم قسمين: فرضٌ على الأعيان، كالصلاة والزكاة والصيام. قلت ـ وفي هذا المعنىٰ جاء الحديث المرويّ «حديث : إن طلب العلم فريضة»تفسير : . روىٰ عبد القدوس بن حبيب: أبو سعيد الوُحَاظيّ عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النَّخَعِيّ قال سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم»تفسير : . قال إبراهيم: لم أسمع من أنس بن مالك إلا هذا الحديث. وفرضٌ على الكفاية؛ كتحصيل الحقوق وإقامة الحدود والفصل بين الخصوم ونحوه؛ إذ لا يصلح أن يتعلمه جميع الناس فتضيع أحوالهم وأحوال سراياهم وتنقص أو تبطل معايشهم؛ فتعيّن بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين، وذلك بحسب ما يسّره الله لعباده وقسّمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق قدرته وكلمته. السادسة ـ طلب العلم فضيلة عظيمة ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل؛ روىٰ الترمذيّ من حديث أبي الدّرْدَاء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثةُ الأنبياء وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورَّثُوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر»تفسير : . وروى الدّارِميّ أبو محمد في مسنده قال: حدثنا أبو المغيرة حدّثنا الأوزاعيّ عن الحسن قال: حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلين كانا في بني إسرائيل، أحدهما كان عالماً يصلّي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير. والآخر يصوم النهار ويقوم الليل، أيهما أفضل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل هذا العالم الذي يصلّي المكتوبة ثم يجلس فيعلم الناس الخير على العابد الذي يصوم النهار ويقوم الليل كفضلي على أدناكم»تفسير : . أسنده أبو عمر في كتاب (بيان العلم) عن أبي سعيد الخُدْري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي»تفسير : . وقال ٱبن عباس: أفضل الجهاد من بنى مسجداً يعلم فيه القرآن والفقه والسنة. رواه شُريك عن ليث بن أبي سليم عن يحيىٰ بن أبي كثير عن عليّ الأزدي قال: أردت الجهاد فقال لي ابن عباس ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد، تأتي مسجداً فتقرىء فيه القرآن وتعلم فيه الفقه. وقال الربيع سمعت الشافعي يقول: طلب العلم أوجب من الصلاة النافلة. وقوله عليه السلام: «حديث : إن الملائكة لتضع أجنحتها»تفسير : الحديث يحتمل وجهين: أحدهما أنها تعطف عليه وترحمه؛ كما قال الله تعالىٰ فيما وصى به الأولاد من الإحسان إلى الوالدين بقوله: {أية : وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ} تفسير : [الإسراء: 24] أي تواضع لهما. والوجه الآخر ـ أن يكون المراد بوضع الأجنحة فرشها؛ لأن في بعض الروايات «حديث : وإن الملائكة تفرش أجنحتها»تفسير : أي إن الملائكة إذا رأت طالب العلم يطلبه من وجهه ابتغاء مرضات الله وكانت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم فرشت له أجنحتها في رحلته وحملته عليها؛ فمن هناك يَسْلَم فلا يحفى إن كان ماشياً ولا يَعْيَا، وتقرُب عليه الطريق البعيدة ولا يصيبه ما يصيب المسافر من أنواع الضرر كالمرض وذهاب المال وضلال الطريق. وقد مضىٰ شيء من هذا المعنىٰ في «آل عمران» عند قوله تعالىٰ: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 18] الآية، روىٰ عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة»تفسير : . قال يزيد بن هارون: إن لم يكونوا أصحاب الحديث فلا أدري من هم؟. قلت: وهذا قول عبد الرزاق في تأويل الآية، إنهم أصحاب الحديث؛ ذكره الثعلبيّ. سمعت شيخنا الأستاذ المقرىء النحوي المحدث أبا جعفر أحمد بن محمد بن محمد القيسي القرطبي المعروف بابن أبي حجة رحمه الله يقول في تأويل قوله عليه السلام: «حديث : لا يزال أهل الغَرْب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» تفسير : إنهم العلماء؛ قال: وذلك أن الغرب لفظ مشترك يطلق على الدلو الكبيرة وعلى مغرب الشمس، ويطلق على فَيْضة من الدمع. فمعنىٰ «حديث : لا يزال أهل الغرب» تفسير : أي لا يزال أهل فيض الدمع من خشية الله عن علم به وبأحكامه ظاهرين؛ الحديث. قال الله تعالىٰ: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 28]. قلت: وهذا التأويل يَعْضُده قوله عليه السلام في صحيح مسلم: «حديث : من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة»تفسير : . وظاهر هذا المساق أن أوّله مرتبط بآخره. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} وما استقام لهم أن ينفروا جميعاً لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً فإنه يخل بأمر المعاش. {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ} فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة جماعة قليلة. {لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ} ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا مشاق تحصيلها. {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ} وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم، وتخصيصه بالذكر لأنه أهم وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد. {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} إرادة أن يحذروا عما ينذرون منه، واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا، فلو لم يعتبر الأخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك، وقد أشبعت القول فيه تقريراً واعتراضاً في كتابي (المرصاد). وقد قيل للآية معنى آخر وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنون إلى النفير وانقطعوا عن التفقه، فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر، لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو، وفي رجعوا للطوائف أي ولينذروا لبواقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم.
ابن كثير
تفسير : هذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فإنه قد ذهبت طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال تعالى: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً} تفسير : [التوبة: 41] وقال: {أية : مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} تفسير : [التوبة: 120] الآية، قال: فنسخ ذلك بهذه الآية. وقد يقال: إن هذا بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم، ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعين، وبعده صلى الله عليه وسلم تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه، وإما للجهاد، فإنه فرض كفاية على الأحياء. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} يعني: عصبة، يعني: السرايا، ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا، وقد أنزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون مع النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم قرآناً، وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدِّينِ} يقول: ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فأصابوا من الناس معروفاً، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا؟ فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجاً، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله عز وجل: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} يبغون الخير {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدِّينِ} وليستمعوا ما في الناس وما أنزل الله، فعذرهم {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} الناس كلهم إذا رجعوا إليهم {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. وقال قتادة في الآية: هذا إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش، أمرهم الله أن يغزوا بنبيه صلى الله عليه وسلم وتقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم. وقال الضحاك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه، لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه، إلا أهل الأعذار، وكان إذا قام وأسرى السرايا، لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه، وكان الرجل إذا أسرى، فنزل بعده قرآن، وتلاه نبي الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه، فإذا رجعت السرية، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآناً، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} يقول: إذا أقام رسول الله {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعاً، ونبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله، فسرت السرايا، وقعد معه معظم الناس. وقال علي بن أبي طلحة أيضاً عن ابن عباس في الآية، قوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} إنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى مضر بالسنين، أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها، حتى يحلوا بالمدينة؛ من الجهد، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى عشائرهم، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} الآية. وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة، فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ما تأمرنا أن نفعله؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا عليهم، قال: فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا: إن من أسلم، فهو منا، وينذرونهم، حتى إن الرجل ليفارق أباه، وأمه، وكان النبي صلى الله عليه وسلميخبرهم، وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم، يدعونهم إلى الإسلام، وينذرونهم النار، ويبشرونهم بالجنة. وقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية: {أية : إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} تفسير : [التوبة: 39] و{مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ} الآية، قال المنافقون: هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه، وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلمخرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} الآية، ونزلت {أية : وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِى ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ٱسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } تفسير : [الشورى: 16] وقال الحسن البصري في الآية: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ولما وبخوا على التخلف وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية نفروا جميعاً فنزل:{وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ } إلى الغزو {كآفَّةً فَلَوْلاَ } فهلا {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ } قبيلة {مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ } جماعة ومكث الباقون {لِّيَتَفَقَّهُواْ } أي الماكثون {فِى ٱلدّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ } من الغزو بتعليمهم ما تعلّموه من الأحكام {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } عقاب الله بامتثال أمره ونهيه. قال ابن عباس: فهذه مخصوصة بالسرايا، والتي قبلها بالنهي عن تخلف واحد فيما إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم.
الشوكاني
.تفسير : اختلف المفسرون في معنى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد؛ لأن سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو، كان المسلمون إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من الكفار ينفرون جميعاً ويتركون المدينة خالية، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك، أي ما صحّ لهم، ولا استقام أن ينفروا جميعاً، بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك الفرقة، ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة. قالوا: ويكون الضمير في قوله: {لّيَتَفَقَّهُواْ } عائداً إلى الفرقة الباقية. والمعنى: أن الطائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو، ومن بقي من الفرقة يقفون لطلب العلم، ويعلمون الغزاة إذا رجعوا إليهم من الغزو، أو يذهبون في طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه، ليأخذوا عنه الفقه في الدين، وينذروا قومهم وقت رجوعهم إليهم. وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقلّ بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم، والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه متصلاً بما دلّ على إيجاب الخروج إلى الجهاد، فيكون السفر نوعين: الأوّل: سفر الجهاد، والثاني: السفر لطلب العلم. ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر. والفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، وبما يتوصل به إلى العلم بها من لغة ونحو، وصرف وبيان وأصول. ومعنى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ } فهلا نفر، والطائفة في اللغة: الجماعة. وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه. فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين، فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض دينيّ، فهو كماقلت:شعر : وطالب الدنيا بعلم الدين أي بائس كمن غدا لنعله يمسح بالقلانس تفسير : ومعنى: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } الترجي لوقوع الحذر منهم عن التعريض فيما يجب فعله فيترك، أو فيما يجب تركه فيفعل، ثم أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار، وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدّة، والجهاد واجب لكل الكفار، وإن كان الابتداء بمن يلى المجاهدين منهم أهمّ وأقدم، ثم الأقرب فالأقرب؛ ثم أخبرهم الله بما يقوّي عزائمهم، ويثبت أقدامهم فقال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } أي: بالنصرة لهم، وتأييدهم على عدوّهم، ومن كان الله معه لم يقم له شيء. وقد أخرج أبو داود في ناسخه، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: نسخ هؤلاء الآيات: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً } تفسير : [التوبة: 41] و{أية : إِلاّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ } تفسير : [التوبة: 39] قوله: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } يقول: لتنفر طائفة، وتمكث طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين، وينذرون إخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، ولعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عنه، نحوه من طريق أخرى بسياق أتمّ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه، أيضاً في هذه الآية قال: ليست هذه الآية في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين، أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يخلوا بالمدينة من الجهد، ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله يخبر رسوله أنهم ليسوا بمؤمنين، فردّهم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } وفي الباب روايات عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم} قال: الأدنى، فالأدنى. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، مثله. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر، أنه سئل عن غزو الديلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ } قال: "الروم". وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } قال: شدّة.
ابن عطية
تفسير : قالت فرقة: سبب هذه الآية أن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكاناً ومبعوثين لتعليم الشرع لما سمعوا قول الله عز وجل: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب} تفسير : [الكهف: 62] أهمهم ذلك فنفروا إلى المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يكونوا مذنبين في التخلف عن الغزو فنزلت هذه الآية في نفرهم ذلك، وقالت فرقة: سبب هذه الآية أن المنافقين لما نزلت الآيات في المتخلفين قالوا هلك أهل البوادي فنزلت هذه الآية مقيمة لعذر أهل البوادي. قال القاضي أبو محمد : فيجيء قوله تعالى: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم} تفسير : [الكهف: 62] عموم في اللفظ والمراد به في المعنى الجمهور والأكثر، وتجيء هذه الآية مبينة لذلك مطردة الألفاظ متصلة المعنى من قوله تعالى: {ما كان لأهل المدينة} إلى قوله {يحذرون} بين في آخر الآية العموم الذي في أولها إذ هو معرض أن يتأول فيه ألا يتخلف بشر، و" التفقه" هو من النافرين، و" الإنذار " هو منهم، والضمير في {رجعوا } لهم أيضاً، وقالت فرقة: هذه الآية ليست في معنى الغزو وإنما سببها أن قبائل من العرب لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أصابتهم مجاعة وشدة، فنفروا إلى المدينة لمعنى المعاش فكادوا أن يفسدوها، وكان أكثرهم غير صحيح الإيمان وإنما أضرعه الجوع فنزلت الآية في ذلك، فقال وما كان من صفته الإيمان لينفر مثل هذا النفر أي ليس هؤلاء المؤمنين، وقال ابن عباس ما معناه:إن هذه الآية مختصة بالبعوث والسرايا، والآية المتقدمة ثابتة الحكم مع خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو، وهذه ثابتة الحكم مع تخلفه أي يجب إذا تخلف ألا ينفر الناس كافة فيبقى هو منفرداً وإنما ينبغي أن تنفر طائفة وتبقى طائفة لتتفقه هذه الباقية في الدين، وينذروا النافرين إذا رجع النافرون إليهم، وقالت فرقة: هذه الآية ناسخة لكل ما ورد من إلزام الكافة النفير والقتال، والضمير في قوله {ليتفقهوا} عائد أيضاً على هذا التأويل على الطائفة المتخلفة مع النبي صلى عليه وسلم، وهو القول الأول في ترتيبنا هذا عائد على الطائفة النافرة، وكذلك يترتب عوده مع بعض الأقوال على هذه ومع بعضها على هذه، والجمهور على أن " التفقه " إنما بمشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبته، وقالت فرقة يشبه أن يكون " التفقه" في الغزو في السرايا لما يرون من نصرة الله لدينه وإظهاره العدد القليل من المؤمنين على الكثير من الكافرين وعلمهم بذلك صحة دين الإسلام ومكانته في الله تعالى، ورجحه الطبري وقواه، والآخر أيضاً قوي، والضمير في قوله {لينذروا} عائد على المتفقهين بحسب الخلاف، و" الإنذار " عام للكفر والمعاصي والحذر منها أيضاً كذلك، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} الآية، قيل هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال الكفار كافة فهي من التدريج الذي كان في أول الإسلام. قال القاضي أبو محمد : وهذا قول يضعفه هذه الآية من آخر ما نزل، وقالت فرقة: إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما تجاوز قوماً من الكفار غازياً لقوم آخرين أبعد منهم، فأمر الله تعالى بغزو الأدنى فالأدنى إلى المدينة، وقالت فرقة: الآية مبينة صورة القتال كافة وهي مترتبة مع الأمر بقتال الكفار كافة، ومعناها أن الله تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أن يقاتل كل فريق منهم الجنس الذي يصاقبه من الكفرة، وهذا هو القتال لكلمة الله ورد الناس إلى الإسلام، وأما إذا مال العدو إلى صقع من أصقاع المسلمين ففرض على من اتصل به من المسلمين كفاية عدو ذلك الصقع وإن بعدت الدار ونأت البلاد، وقال قائلو هذه المقالة: نزلت الآية مشيرة إلى قتال الروم بالشام لأنهم كانوا يومئذ العدو الذي يلي ويقرب إذ كانت العرب قد عمها الإسلام وكانت العراق بعيدة، ثم لما اتسع نطاق الإسلام توجه الفرض في قتال الفرس والديلم وغيرهما من الأمم، وسأل ابن عمر رجل عن قتال الديلم فقال: عليك بالروم، وقال الحسن: هم الروم والديلم. قال القاضي أبو محمد : يعني في زمنه ذلك، وقاله علي ابن الحسين، وقال ابن زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله {أية : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } تفسير : [التوبة: 29]، وقرأ جمهور الناس " غِلظة" بكسر الغين، وقرأ المفضل عن عاصم والأعمش " غَلظة" بفتحها، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبان بن ثعلبة وابن أبي عبلة " غُلظة" بضمها، وهي قراءة أبي حيوة ورواها المفضل عن عاصم أيضاً، قال أبو حاتم رويت الوجوه الثلاثة عن أبي عمرو، وفي هاتين القراءتين شذوذ وهي لغات، ومعنى الكلام وليجدوا فيكم خشونة وبأساً، وذلك مقصود به القتال، ومنه {أية : عذاب غليظ} تفسير : [إبراهيم:17، لقمان:24، فصلت: 50، هود:58] و {أية : غليظ القلب} تفسير : [آل عمران: 129] و {أية : غلاظ شداد} تفسير : [التحريم:6] في صفة الزبانية، وغلظت علينا كبده في حفر الخندق إلى غير ذلك، ثم وعد تعالى في آخر الآية وحض على التقوى التي هي ملاك الدين والدنيا وبها يلقى العدو، وقد قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في طرق الحق فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى ومن كان الله معه فلن يغلب.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ} ما كان عليهم أن ينفروا جميعاً لأن الجهاد صار فرض كفاية. نسخت قوله ـ تعالى: {أية : ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً}تفسير : [التوبة: 41] "ع"، أو ما كان لهم إذا بعث الرسول صلى الله عليه وسلم سرية أن يخرجوا جميعاً ويتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة واحده بل يقيم بعضهم. لما عُيِّروا بالتخلف عن غزوة تبوك خرجوا في سرايا الرسول صلى الله عليه وسلم وتركوه وحده بالمدينة فنزلت. {فَلَوْلا نَفَرَ} مع الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة لتتفقه في الجهاد معه، أو هاجرت إليه في إقامته لتتفقه، أو لتتفقه الطائفة المقيمة مع الرسول صلى الله عليه وسلم معناه فهلا إذا نفروا أن تقيم مع الرسول صلى الله عليه وسلم طائفة لأجل التفقه في الدين في أحكامه، ومعالمه ويتحملوا ذلك لينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم، أو ليتفقهوا فيما يشاهدونه من المعجزات والنصر المصدق للوعد السابق ليقوي إيمانهم ويُخبروا به قومهم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله قال ناس من المنافقين. هلك من تخلف فنزلت هذه الآية ومن كان المؤمنون لينفروا كافة. وقال ابن عباس: أنها ليست في الجهاد ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويقبلوا بالإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم فأنزل الله عز وجل الآية يخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا مؤمنين فردهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم إذا رجعوا إليهم فذلك قوله سبحانه وتعالى: {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: "كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ما تأمرنا أن نفعله وأخبرنا عما نقول لعشائرنا إذا انلطقنا إليهم فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة فكانوا إذا أتوا قومهم نادوا أن من أسلم فهو منا وينذرونهم حتى أن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما يحتاجون إليه من أمر الدين وأن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الإسلام وينذرهم ويبشروهم بالجنة وقال مجاهد: إن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً ومن الحطب وما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم تحرجاً وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله عز وجل {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يبتغون الخير وقعد طائفة {ليتفقهوا في الدين} ليسمعوا ما أنزل الله {ولينذروا قومهم} من الناس {إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} وقال ابن عباس: ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة يعني السرايا ولا يسيرون إلا بإذنه فإذا رجعت السرايا وقد نزل في بعضهم قرآن تعلمه القاعدون من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إن الله قد أنزل على نبيكم من بعدكم قرآناً وقد تعلمناه فمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم وتبعث سرايا أخرى فذلك قوله سبحانه وتعالى ليتفقهوا في الدين يقول ليتعلموا ما أنزل الله على نبيهم ويعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون نقل هذه الأقوال كلها الطبري وأما تفسير الآية فيمكن أن يقال إنها من بقية أحكام الجهاد ويمكن أن يقال إنها كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد فعلى الاحتمال الأول فقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج للغزو ولم يتخلف عنه إلا منافق أو صاحب عذر فلما بالغ الله في الكشف عن عيوب المنافقين وفضحهم في تخلفهم عن غزوة تبوك قال المؤمنون والله لا نتخلف عن شيء من الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سرية يبعثها فلما قدم المدينة وبعث السرايا نفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزلت هذه الآية فيكون المعنى ما كان ينبغي للمؤمنين ولا يجوز لهم أن ينفروا بكليتهم إلى الجهاد ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يجب أن ينقسموا إلى قسمين فطائفة يكونون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة ينفرون إلى الجهاد لأن ذلك الوقت كانت الحاجة داعية إلى انقسام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين: قسم للجهاد، وقسم لتعلم العلم والتفقه في الدين، لأن الأحكام والشرائع كانت تتجدد شيئاً بعد شيء فالملازمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحفظون ما نزل من الأحكام وما تجدد من الشرائع فإذا قدم الغزاة أخبروهم بذلك فيكون معنى الآية وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا يعني فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة للجهاد وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الذين نفروا إلى الجهاد إذا رجعوا إليهم من غزوهم لعلهم يحذرون يعني مخالفة أمر الله وأمر رسوله وهذا معنى قول قتادة. وقيل: إن التفقه صفة للطائفة النافرة قال الحسن: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ومعنى ذلك أن الفرقة النافرة إذا شاهدوا نصر الله لهم على أعدائهم وأن الله يريد إعلاء دينه وتقوية نبيه صلى الله عليه وسلم وأن الفئة القليلة قد غلبت جمعاً كثيراً، فإذا رجعوا من ذلك النفير إلى قومهم من الكفار، أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لهم لعلهم يحذرون فيتركوا الكفر والنفاق وأورد على هذا القول أن هذا النوع لا يعد تفقهاً في الدين ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا علموا أن الله هو ناصرهم ومقويهم على عدوهم كان ذلك زيادة في إيمانهم فيكون ذلك فقهاً في الدين. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يقال إن هذه الآية كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد وهو ما ذكرناه عن مجاهد أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البوادي فأصابوا معروفاً ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجاً فأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية والمعنى هلا نفر من كل فرقة طائفة وقعد طائفة ليتفقهوا في الدين ويبلغوا ذلك إلى النافرين لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون يعني بأس الله ونقمته إذا خالفوا أمره في الآية دليل على أنه يجب أن يكون المقصود من العلم والتفقه دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدين القويم والصراط المستقيم فكل من تفقه وتعلم بهذا القصد كان المنهج القويم والصراط المستقيم ومن عدل عنه وتعلم العلم لطلب الدنيا كان من الأخسرين أعمالاً الآية (ق). عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم ويعطى الله ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة وحتى يأتي أمر الله"تفسير : (ق). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"تفسير : . عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"تفسير : . أخرجه الترمذي وأصل الفقه في اللغة الفهم يقال فقه الرجل إذا فهم وفقه فقاهة إذا صار فقيهاً. وقيل: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم وفي الاصطلاح الفقه عبارة عن العلم بأحكام الشرائع وأحكام الدين وذلك ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية ففرض العين معرفة أحكام الطهارة وأحكام الصلاة والصوم فعلى كل مكلف معرفة ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم"تفسير : ذكره البغوي بغير سند وكذلك كل عبادة وجبت على المكلف بحكم الشرع يجب عليه معرفة علمها مثل علم الزكاة إذا صار له مال يجب في مثله الزكاة وعلم أحكام الحج إذا وجب عليه. وأما فرض الكفاية من الفقه، فهو أن يتعلم حتى يبلغ رتبة الاجتهاد ودرجة الفتيا وإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعاً وإذا قام به من كل بلد واحد فتعلم حتى بلغ درجة الفتيا سقط الفرض عن الباقين وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث. عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"تفسير : أخرجه الترمذي مع زيادة فيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة"تفسير : أخرجه الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع"تفسير : أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة"تفسير : . أخرجه أبو داود. الآية المحكمة هي التي لا اشتباه فيها ولا اختلاف في حكمها أو ما ليس بمنسوخ، والسنة القائمة هي المستمرة الدائمة التي العمل بها متصل لا يترك، والفريضة العادلة هي التي لا جور فيها ولا حيف في قضائها. قال الفضيل بن عياض: عالم عامل معلم يدعى عظيماً في ملكوت السموات. وأخرجه الترمذي موقوفاً وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً...} الآية: قالتْ فرقة: إِن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكَّاناً ومبعوثين لتعليم الشَّرْع، لما سمعوا قولَ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ: { أية : مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ... } تفسير : [التوبة:120]، أهمَّهم ذلك، فنفروا إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ خشية أنْ يكونُوا عُصَاةً في التخلُّف عن الغَزْوِ، فنزلَتْ هذه الآية في نَفْرِهِمْ ذلك. وقالتْ فرقة: سَبَبُ هذه الآية أن المنافقين، لما نزلَتِ الآيات في المتخلِّفين، قالوا: هَلَكَ أَهْلُ البوادِي، فنزلَتْ هذه الآية مقيمةً لعُذْرِ أهل البوادي. قال * ع *: فيجيء قوله: {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلأَعْرَابِ}: عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المَعنَى الجمهورُ والأكْثَرُ، وتجيءُ هذه الآية مبيِّنة لذلك. وقالتْ فرقةٌ: هذه الآية ناسِخَةٌ لكُلِّ ما ورد من إِلزام الكافَّة النَّفير والقِتَال، وقال ابنُ عبَّاس ما معناه: أَنَّ هذه الآية مختصَّة بالبعوثِ والسَّرايا والآية المتقدِّمة ثابتةُ الحُكْم مع خروجِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الغَزْو، وقَالَتْ فرقةٌ: يشبه أنْ يكون التفقُّه في الغَزْو وفي السرايا، لِمَا يَرَوْنَ من نُصْرَةِ اللَّه لدينِهِ، وإِظهارِهِ العَدَد القليلَ من المؤمنين على الكثير من الكافرين، وعِلْمِهم بذلك صحَّة دِينِ الإِسلام ومكانَتِهِ. * ع *: والجمهور على أن التفقُّه إِنما هو بمشاهدة رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وصُحْبَته، وقيل غير هذا. * ت * وَصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ: « حديث : لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا ٱسْتَنْفِرْتُمْ فانفزوا )تفسير : ، وقد ٱسْتَنْفَرْ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الناس في غزوة تَبُوكَ، وأعلن بها حَسَبَ ما هو مصرَّح به في حديث كَعْب بن مالِكٍ في «الصِّحَاح»، فكان العَتَبُ متوجِّهاً على مَنْ تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها؛ كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق وهذا هو الذي يُفْهَمُ من ٱستدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة: إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً؛ كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال: إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ: فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه. انتهى.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: نسخ هؤلاء الآيات {أية : انفروا خفافاً وثقالاً} تفسير : [التوبة:41] و {أية : إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} تفسير : [التوبة: 39] قوله {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يقول: لتنفر طائفة ولتمكث طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالماكثون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين يتفقهون في الدين وينذرون اخوانهم إذا رجعوا إليهم من الغزو، لعلهم يحذرون ما نزل من بعدهم من قضاء الله في كتابه وحدوده. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس في قوله {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} يعني ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا النبي صلى الله عليه وسلم وحده {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} يعني عصبة يعني السرايا فلا يسيرون إلا باذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل قرآن تعلمه القاعدون من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: إن الله قد أنزل على نبيكم بعدنا قرآناً وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم صلى الله عليه وسلم بعدهم، ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله {ليتفقهوا في الدين} يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه ويعلمونه السرايا إذا رجعت إليهم {لعلهم يحذرون}. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} قال: ليست هذه الآية في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإِسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا بمؤمنين، فردهم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله {ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان المؤمنون يحرضهم على الجهاد إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية خرجوا فيها وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة في رقة من الناس، فأنزل الله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} أمروا إذ بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أن تخرج طائفة وتقيم طائفة، فيحفظ المقيمون على الذين خرجوا ما أنزل الله من القرآن وما يسن من السنن، فإذا رجع اخوانهم أخبروهم بذلك وعلموهم، وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتخلف عنه أحد إلا باذن أو عذر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة قال: لما نزلت {أية : إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} تفسير : [التوبة: 39] {أية : ما كان لأهل المدينة} تفسير : [التوبة: 120] الآية. قال المنافقون: هلك أهل البدو الذين تخلفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم ولم يغزوا معه، وقد كان ناس خرجوا إلى البدو وإلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. ونزلت {أية : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة} تفسير : [الشورى: 16] الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} الآية. قال: ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي، فاصابوا من الناس معروفاً ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجاً واقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير {ليتفقهوا في الدين} وليسمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم {ولينذروا قومهم} قال: الناس كلهم إذا رجعوا إليهم {لعلهم يحذرون} .
التستري
تفسير : قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ}[122] قال: ليتعلموا ما يحتاج إليه في أمر الدين. وقد حكي عن الحسن البصري أنه قال: الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير في أمر دينه. وسئل سهل عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم"تفسير : ، فقال: يعني علم الحال. قيل: وما علم الحال؟ قال: من الباطن الإخلاص، ومن الظاهر الاقتداء، فمن لم يكن ظاهره إمام باطنه، وباطنه كمال ظاهره فهو في تعب من البدن. قيل: وما تفسير ذلك؟ قال: إن الله قائم عليك في سرك وعلانيتك وحركاتك وسكونك لا تغيب عنه طرفة عين، كما قال: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} تفسير : [الرعد:33]. وقال: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ}تفسير : [المجادلة:7] الآية، وقال: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ}تفسير : [ق:16] وهو العرق الذي في جوف القلب، فأخبر أنه أقرب إلى القلب من ذلك العرق. فإذا علمت ذلك، ينبغي أن تستحي منه، وما هاج في القلب شيء مما تهوى النفس. فذكر العبد قيام الله عزَّ وجلَّ عليه، فتركه إلاَّ دخل قلبه من علم حاله ما لو قسم ما أعطى ذلك العبد على أهل المدينة لسعدوا جميعاً وفازوا به، وقد أشار إليه مالك بن أنس رضي الله عنهما حيث قال: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يجعله الله في القلب. قيل له: كيف يعرف الرجل الحال والعلم به؟ فقال: إذا كنت تتكلم فحالك الكلام، وإذا سكت فحالك السكوت، وإذا قمت فحالك القيام، وإذا قعدت فحالك القعود، والعلم به أن تنظر أن هذا الحال لله أو لغيره، فإن كانت لله استقررت عليها، وإن كانت لغيره تركتها، وهو المحاسبة التي أمر بها عمر رضي الله عنه حيث قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا. وقد كان عمر رضي الله عنه يضرب نفسه بالدرة في المحاسبة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} [الآية: 122]. قال سهل: أفضل الرحل رحلة من الهوى إلى العقل، ومن الجهل إلى العلم، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن الاستطاعة إلى التبرى، ومن الحول والقوة والنفس إلى التقوى ومن الأرض إلى السماء، ومن الخلق إلى الله عز وجل. وقال المرتعش: السياحة والأسفار على ضربين: سياحة لتعليم أحكام الدين وأساس الشريعة وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس، فمن رجع عن سياحة الأحكام قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه، ومن رجع من سياحة الأدب والرياضة، قام فى الخلق يؤدبهم بأخلاقه وشمائله وسياحة هى سياحة الحق وهى رؤية أهل الحق والتأدب بآدابهم، فهذا بركاته تعم العباد والبلاد، قال عز وجل: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} الآية.
القشيري
تفسير : لو اشتغل الكُلُّ بالتَّفَقُّه في الدِّين لَتَعَطَّل عليهم المعاش، ولبقي الكافة عن درك ذلك المطلوب، فجعل ذلك فرضاً على الكفاية. ويقال جعل المسلمين على مراتب: فعوامُّهم كالرعية للمَلِك، وكَتَبَةُ الحديثِ كخُزَّان المَلِك، وأهلُ القرآن كحُفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاء بمنزلة الوكلاء للمَلِك إذ الفقيه (...) عن الله، وعلماءُ الأصول كالقُوَّادِ وأمراء الجيوش، والأولياءُ كأَركان الباب، وأربابُ القلوبِ وأصحابُ الصفاء كخواص المَلِكِ وجُلَسائه. فيشتغل قومٌ بحفظ أركان الشرع وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخرون بالردِّ على المخالفين، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوم مُفْرَدُون بحضور القلب وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شُغْلٌ، يراعون مع الله أنفاسَهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طَلَبٌ ولا يهزُّهم أَرَبٌ، فَهُمْ بالله لله، وهم محو عما سوى الله. وأمَّا الذين يتفقهون في الدِّين فهم الداعون إلى الله، وإنما يُفْهمُ الخلْقَ عن الله مَنْ كان يَفْهَمْ عن الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} اختار الله سبحانه قوما خاصا لمجالسة نبيه عليه السلام على الدوام وخصهم لالقاء الاسماع الخاصة لتلقف خطاب الحق من فلق الغيب وجعل الاخرين للاسفار والمجاهدات والرياضات ليبلغهم الى مقام المشاهدة والصحبة فاولون اهل الحضور وشهود الغيب والموانسة بالصحبة وفهم الخطاب قال تعالى ليتفقهوا فى الدين اى ليفهموا حقائق احكام المعرفة والطريقة والحقيقة والشريعة والآخرون اذا تمكنوا فى العبودية ويدركون مقام اهل الموانسة وفهم مراد الله من خطابه واذا الكل على سعادة من الازل حيث لحق بعضهم بعضاً لان شموس العناية اذا اشرقت يحادى الكل انوارها اذا طلع لنجم راح تساوى فيه سكران وصاحى قال سهل افضل الرحلة رحلة عن الهوى الى العقل ومن الجهل الى العلم ومن الدنيا الى الاخرة ومن الاستطاعة الى التعرى من الحول والقوة ومن النفس الى التقوى ومن الارض الى السماء ومن الخلق الى الله قال المرتعش السياحة والاسفار على ضربين سياحة لتعلم احكام الدين واساس الشريعة وسياحة لاداب العبودية ورياضة الانفس فمن رجع من سباحة الاحكام قام بلسانه يدعون الخلق الى ربه ومن رجع من سياحة الاداب والرياضة قام فى الخلق يؤديهم باخلاقه وشمائله وسياحة هى سياحة الحق وهى رؤية اهل الحق والتأدب بادابهم فهذا بركته تغم العباد والبلاد قال الله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وقال سهل فى قوله ليتفقهوا فى الدين ليفهموا عن الله مراد خطابه ويقوموا باستعماله امروا به مخلصين له الدين ثم حثهم بقتال نفوسهم ومجاهدة هواهم بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} الكفار النفوس البدة التى هى مجمع الهوى والبلا والحجاب من عرفها قاتلها واماتها بفتون الرياضات حتى لا يبقى فى عرضات قلبه من عروق اشجا رالشهوات اثر فينبت فيها بعد ذلك اشجار المعارف والكواشف ونور الحكمة ورياحين المودة وورد الشوق وياسمين العشق ويكون بهذه الانوار مزار جنود الاسرار ومنازل نزول النوار قال سهل النفس كافرة فقاتلها بمخالفة هواها وحملها على طاعة الله والمجاهدة فى سبيله واكل الحلال وقول الصدق وما امرت به من مخالفة الطبيعة وعن على ابن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر معناه مجاهد النفس وشرورها فانه اقرب شئ يليك صدق الصادق حيث وافق قول سيد الصادقين صلوات الله عليه اعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} اللام لتأكيد النفى اى ما صح وما استقام لهم ان ينفروا اى يخرجوا جميعا لنحو غزو او طلب علم كما لا يستقيم لهم ان يتثبطوا جميعا فان ذلك مخل بامر المعاش {فلولا نفر} [بس جرا بيرون نرود] فلولا تحضيضية مثل هلا وحرف التحصيص اذا دخل على الماضى يفيد التوبيخ على ترك الفعل والتوبيخ انما يكون على ترك الواجب فعلم منه ان الفعل واجب وان قوله فلولا نفر معناه الامر بالنفير وايجابه {من كل فرقة منهم طائفة} اى من كل جماعة كثيرة كقبيلة واهل بلدة جماعة قليلة. ودلت الآية على الفرق بين الفرقة والطائفة بان الفرقة اكثر من الطائفة لان القياس ان ينتزع القليل من الكثير والطائفة تتناول الواحد فما فوقه {ليتفقهوا فى الدين} ليتكلفوا الفقاهة فى الدين ويتجشموا مشاق تحصيلها والفقه معرفة أحكام الدين {ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم} وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة ارشاد القوم وانذارهم وذكر الانذار دون التبشير لانه اهم والتخلية بالمعجمة اقدم من التحلية بالمهملة {لعلهم يحذرون} ارادة ان يحذر قومهم عما ينذرون منه. وفى الآية دليل على ان التفقه والتذكير من فروض الكفاية وانه ينبغى ان يكون غرض المتعلم الاستقامة والاقامة لا الترفع على الناس بالتصدر والترأس والتبسط فى البلاد بالملابس والمراكب والعبيد والاماء كما هو ديدن ابناء الزمان والله المستعان. فينبغى ان يطلب المتعلم رضى الله والدار الآخرة وازالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهال واحياء الدين وابقاء الاسلام فان بقاء الاسلام بالعلم ةلا يصح الزهد والتقوى بالجهل شعر : علم آمد دليل آكاهى جهل برهان نقض وكمراهى بيش ارباب دانش وعرفان كى بود اين تمام وآن نقصان تفسير : وينبغى لطالب العلم ان ينوى به الشكر على نعمة العقل وصحة البدن وسلامة الحواس عملا بقوله تعالى {أية : والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون} تفسير : [النحل: 78]. وينبغى لطالب العلم ان يختار الاستاذ الاعلم والاروع والاسن بعد التامل التام كما اختار ابو حنيفة رضى الله عنه حماد قال دخلت البصرة فظننت ان لا اسال عن شيء الا اجبت عنه فسالونى عن اشياء لم يكن عندى جوابها فحلفت على نفسى ان لا افارق حمادا فصحبته عشرين سنة وما صليت قط الا ودعوت لشيخى حماد مع والدى ففى انفاس الاساتذة الصالحين ودعوات الرجال الكاملين تاثيرات عجيبة -كما حكى- ان ابا ابى حنيفة ثابتا اهدى الفالوذج لعلى بن ابى طالب يوم النيروز ويوم المهرجان فدعا له ولاولاده بالبركة وكان ثابت يقول انا فى بركة دعوة صدرت من على رضى الله عنه حتى كان يفتخر اولاده العلماء بذلك فاذا وجد الطالب الاستاذ العالم العامل فعليه ان يختار من كل علم احسنه وانفعه فى الآخرة فيبدأ بفرض العين وهو علم ما يجب من اعتقاد وفعل وترك ظاهرا وباطنا ويقال له عن علم الحال الا العلم المحتاج اليه فى الحال. قال العز بن عبد السلام العلم الذى هو فرض لازم ثلاثة انواع. الاول علم التوحيد فالذى يتعين عليك منه مقدار ما تعرف به اصول الدين فيجب عليك اولا ان تعرف المعبود ثم تعبده وكيف تعبد من لا تعرفه باسمائه وصفات ذاته وما يجب له وما يستحيل فى نعته فربما تعتقد شيئاً فى صفاته يخالف الحق فتكون عبادتك هباء منثورا. والنوع الثانى علم السر وهو ما يتعلق بالقلب ومساعيه فيفترض على المؤمن علم احوال القلب من التوكل والانابة والخشية والرضى فانه واقع فى جميع الاحوال واجتناب الحرص والغضب والكبر والحسد والعجب والرياء وغير ذلك وهو المراد بقوله عليه السلام "حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " .تفسير : اذ لو اريد بالعلم فيه التوحيد فهو حاصل ولو اريد به الصلاة فيجوز ان يتأهلها شخص وقت الضحى ويموت قبل الظهر فلا يستقيم العموم والمستفاد من لفظ كل واما غيرهما فلا يظهر فلم يبق الا المعاملة القلبية اذ فرضية علمها متحققة فى كل زمان ومكان فى كل شخص. والنوع الثالث علم الشريعة وهو ما يجب عليك فعله من الواجبات الشرعية فيجب عليك علمه لتؤديه على جهة الشرع كما امرت به وكذا علم كل ما يلزمك تركه من المناهى الشرعية لتتركه وذلك شامل للعبادات والمعاملات فكل من اشتغل بالبيع والشراء وايضا بالحرفة فيجب عليه علم التحرز عن الحرام فى معاملاته وفما يكسبه فى حرفته واما حفظ ما يقع فى بعض الاحايين ففرض على سبيل الكفاية. والعلوم الشرعية خمسه الكلام والتفسير والحديث والفقه واصول الفقه قال فى عين المعانى المراد بقوله {ليتفقهوا فى الدين} علم الآخرة لاختصاصه بالانذار والحذر به وعلم الآخرة يشمل علم المعاملة وعلم المكاشفة اما علم المعاملة فهو العلم المقرب اليه تعالى والمبعد عنه ويدخل فيه اعمال الجوارح واعمال القلوب واما علم المكاشفة فهو المراد فيما ورد "حديث : فضل العالم على العابد كفضلى على امتّى " .تفسير : اذ غيره تبع للعمل لثبوته شرطا له فاذا فرغ علما وعملا ساغ ان يشرع فى فروض الكفاية كالتفسير والاخبار والفتاوى غير متجاوز الى نوادر المسائل ولا مستغرق مشتغل عن المقصود وهو العمل ويجوز ان يتعلم من علم النجوم قدر ما يعرف به القبلة واوقات الصلاة ويتعلم من علم الطب قدر ما يمكن بمعرفته تداوى الامراض. قال فى الاشباه تعلم العلم يكون فرض عين وهو بقدر ما يحتاج اليه لدينه وفرض كفاية وهو ما زاد عليه لنفع غيره ومندوبا وهو التبحر فى الفقه وعلم القلب وحراما وهو علم الفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين والسحر ودخل فى افلسفة المنطق ومن هذا القسم علم الحروف والموسيقى ومكروها وهو اشعار المولدين من الغزل والبطالة ومباحا كاشعارهم التى لا سخف فيها. قال الخناوى لم ار فى كتب اصحابنا القول بتحريم المنطق ولا يبعد ان يكون وجهه ان يضيع العمر وايضا من اشتغل به يميل الى الفلسفة غالبا فكان المنع منه من قبيل سد الذرائع والا فليس فى المنطق ما ينافى الشرع انتهى. قال القهستانى ذكر فى المهمات للاسنوى لا يستنجى بما كتب عليه علم محترم كالنحو واحترز بالمحترم من غيره من الحكميات مثل المنطق انتهى. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى مواقع النجوم ولا يكثر مما لا يحتاج اليه فان التكثير مما لا حاجة فيه سبب فى تضييع الوقت على ما هو اهم وذلك ان من لم يعول على ان يلقى نفسه فى درجة الفتيا فى الدين لان فى البلد من ينوب عنه فى ذلك لا يتعين عليه طلب الاحكام كلها اذ هو فى حق الغير طلب فضول العلم انتهى. فعلى العاقل ان يتعلم قدر الحاجة ويشتغل بالعمل وفى الحديث"حديث : من احب ان ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فوالذى نفسى بيده ما من متعلم يختلف الى باب العالم الا كتب له بكل قدم عبادة سنة وبنى له بكل قدم مدينة فى الجنة ويمشى على الارض والارض تستغفر له ويمشى ويصبح مغفورا له وشهدت له الملائكة بانه من عتقاء الله من النار" .تفسير : وفى نشر العلم والارشاد به فضائل ايضا حديث : قال عليه السلام لمعاذ بن جبل رضى الله عنه حين بعثه الى اليمن "لان يهدى الله بك رجلا خير لك مما تطلع عليه الشمس" .تفسير : والعلماء ورثة الانبياء فكما انهم اشتغلوا بالابلاغ والارشاد كذلك ورثتهم فكل مرشد من الورثة ينبغى ان يكون غرضه اقامة جاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه بتكثير اتباعه وقد قال "حديث : انى مكاثر بكم الامم " .تفسير : قال فى العوارف الصوفية أخذوا حظا من علم الدراسة فافادهم علم الدراسة العمل بالعلم فلما عملوا بما علموا افادهم العمل علم الوراثة فهم مع سائر العلماء فى علومهم وتميزوا عنهم بعلوم زائدة هى علوم الوراثة وعلم الوراثة هو الفقه فى الدين قال الله تعالى {فلولا نفر} الآية فصار الفقه فى الدين من اكمل الرتب واعلاها هو علم العالم الزاهد فى الدنيا المتقى الذى يبلغ رتبة الانذار بعلمه فمورد الهدى والعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم اولا ورد عليه الهدى والعلم من الله تعالى فارتوى بذلك ظاهرا وباطنا وانتقل من قلبه الى القلوب ومن نفسه الى النفوس ولا يدرك المرء هذا العلم بالتمنى بل بالجد والطلب ألا ترى الى الجنيد قيل له بم نلت ما نلت فقال بجلوسى تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة واشار الى درجة فى داره شعر : هركنج سعادت كه خداداد بحافظ ازيمن دعاى شب وورد سحرى بود تفسير : .وفى الآية تحريض للمؤمنين على الخروج من الاوطان لطلب العلم النافع ورحل جابر من المدينة الى مصر لحديث واحد ولذا لم يعد احد كاملا الا بعد رحلته ولا وصل مقصده الا بعد هجرته وقيل شعر : سافر تجد عوضا عمن تفارقه وانصب فان اكتساب المجد فى النصب فالاسد لولا فراق الخيس ما فرست والسهم لولا فراق القوس لم يصب تفسير : قال سعدى قدس سره شعر : جفا نبرده جه دانى توقدر يار تحصيل كام دل بتكابوى خوشترست تفسير : .قال فى التأويلات النجمية الاشارة فى الآية ان الله تعالى يندب خواص عباده الى رحلة الصورة والمعنى فاما رحلة الصورة ففى طلب اهل الكمال الكاملين المتكملين الواصلين الموصلين كما ندب موسى الرحلة فى طلب الخضر عليه السلام واما رحلة المعنى فكما كان حال ابراهيم عليه السلام قال انى ذاهب الى ربى فهو السير من القالب وصفاته الى القلب وصفاته ومن القلب الى الروح وصفاته من الروح الى التخلق باخلاق الله بقدم فناء اوصافه وهو السير الى الله ومن اخلاق الله الى ذات الله يقدم فناء ذاته يتجلى صفات الله وهو السير بالله ومن انانيته الى هويته ومن هويته الى الوهيته الى ابد الآباد وهو السير بالله من الله الى الله تعالى وتقدس انتهى باختصار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وما كان المؤمنون} يستقيم لهم ان ينفروا {كافةً}؛ جميعاً لنحو غزو، أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعاً، فإنه بخل، ووهن للإسلام. قال ابن عباس: هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا، أي: لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه. فالآية الأولى في الخروج معه صلى الله عليه وسلم، وهذه في السرايا التي كان يبعثها، وقيل: ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع، فهي دليل على أن الجهاد فرض كفاية. {فلولا}: فهلا {نَفَرَ من كل فرقةٍ}؛ جماعة كبيرة، كقبيلة أو بلدة، {طائفة} قليلة منها؛ {ليتفقهوا في الدين}، اما إذا خرجوا للغزو؛ فإنه لا يخلو الجيش من عالم أو عارف يتفقهون، مع أن مشاق السفر تشحذ الأذهان، وترقق البشرية، فتستفيد الروح حينئذٍ علوماً لدنية، وأسراراً ربانية، من غير تعلم، وهذا هو العلم الذي يصلح للإنذار. قال في الإحياء: التفقه: الفقه عن الله؛ بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف والخشية والهيبة والخشوع، ويحمل على التقوى وملازمتها، وهذا مقتضى الآية. فإن معرفة صفاته تعالى المخوفة والمرجوة هو الذي يحصل به الانذار، لا الفقه المصطلح عليه.هـ. وأما إذا وقع الخروج لطلب العلم فالتفقه ظاهر. ثم قال تعالى: {وليُنْذِرُوا قومَهم إذا رجعوا إليهم}، أي: وليجعلوا غاية سعيهم ومُعظم غرضهم من التفقه إرشاد القوم وإنذارهم. وتخصيصه بالذكر؛ لأنه أهم، وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم، لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد. قاله البيضاوي. وقوله: {لعلهم يَحذَرُون}، أي: لعلهم يخافون مما حذروا منه. قال البيضاوي: قد قيل: للآية معنى آخر، وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل؛ تسابق المؤمنون إلى نفير، وانقطعوا عن التفقه، فأمروا ان ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد، ويبقى أعقابهم يتفقهون، حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر؛ لأن الجدال بالحجة هو الأصل، المقصود من البعثة، فيكون الضمير في {ليتفقهوا}، {ولينذروا}: للفرق البواقي بعد الطوائف النافرة للغزو، وفي {رجعوا}: للطوائف النافرة، أي: لينذروا البواقي من قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم حصَّلوا أيام غيبتهم من العلوم.هـ. وتقدير الآية على هذا: فلولا نفر من كل فرقةٍ طائفةٌ، وجلس طائفة ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم الخارجين للغزو إذا رجعوا إليهم من غزوهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: قال القشيري: لو اشتغل الكُلُّ بالتَّفَقُّه في الدين لَتَعطَّلَ عليهم المعاش، ولمنعهم الكافر عن درك المطلوب، فجعل ذلك فرضاً على كفاية. ويقال: المسلمون على مراتب: فعوامَّهم كالرعية للمَلِك، وكَتَبَةُ الحديث كخزنة المَلِك، وأهل القرآن كحُفَّاظ الدفاتر، ونفائس الأموال. والفقهاء بمنزلة الوكلاء؛ إذ الفقيه يوقع الحكم عن الله. وعلماءُ الأصول كالقُوَّاد وامراء الجيوش. والأولياءُ كأركان الباب. وأربابُ القلوب وأصحابُ الصفاء كخواص المَلِكِ وجُلَسائه. فشغل قوماً بحفظ أركان الشرع، وآخرين بإمضاء الأحكام، وآخران بالردِّ على المخالفين، وآخران بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعل قوماً مُفْرَدين لحضور القلب؛ وهم أصحاب الشهود، وليس لهم شُغْلٌ، يراعون مع الله أنفاسَهم، وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طلَبٌ، ولا يهزُّهم أمر، فهم بالله لله، بمحو ما سوَّى الله، وامَّا الذين يتفقهون في الدين فهم الداعون إلى الله، وإنما يفهم الخلق عن الله بمَنْ كان يَفْهَمُ عن الله. هـ. قوله: وأما الذين يتفقهون... الخ، الداعون إلى الله على الحقيقة هم العارفون بالله، وهم أصحاب الشهود، الذين وصفهم قبل، وأما الفقهاء في الدِّين فإنما يدعون إلى أحكام الله، وتعلم دينه دون معرفة ذاته وصفاته؛ فدعواهم ضعيفة التأثير، فلا ينهض على أيديهم ما ينهض على أيدي العارفين. وقال الورتجبي، في قوله تعالى: {ليتفقهوا في الدين}: قال المرتعش: السياحة والأسفار على ضربين: سياحة لتعلّم احكام الدين وأساس الشريعة، وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس، فمن رجع عن سياحة الأحكام قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه، ومن رجع من سياحة الأدب والرياضة قام في الخلق يهديهم لأخلاقه وشمائله. وسياحة هي سياحة الحق، وهي رؤية أهل الحق والتأدب بآدابهم، فهذا بركته تعم البلاد والعباد.هـ. ثم أمر بجهاد الأقرب فالأقرب، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ}.
الطوسي
تفسير : قوله {فلولا نفر} معناه هلا نفر، وهي للتحضيض إذا دخلت على الفعل، فاذا دخلت على الاسم فهي بمعنى امتناع الشيء لأجل وجود غيره. وقيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال الحسن: حث الله تعالى الطائفة النافرة على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها. وقال قتادة: ان المعنى. انه لم يكن لهم ان ينفروا بأجمعهم في السرايا ويتركوا النبي صلى الله عليه وآله بالمدينة وحده، ولكن تبقى بقية لتتفقه البقية ثم تنذر النافرة وبه قال الضحاك وابن عباس، وقال ابو علي الجبائي: تنفر الطائفة من كل ناحية إلى النبي صلى الله عليه وآله لتسمع كلامه وتتفقه عنه، ثم يبينوا ذلك لقومهم إذا رجعوا اليهم. وقال مجاهد: نزلت الآية في قوم خرجوا إلى البادية ليفقهوهم ولينالوا منهم خيراً، فلما عاتب الله من تأخر عن النبي عند خروجه إلى تبوك وذم آخرين خافوا ان يكونوا منهم فنفروا بأجمعهم، فقال الله: هلا نفر بعضهم ليفقه عن النبي صلى الله عليه وآله ما يجب عليهم وما لا يجب ويرجعون فيخبرون اصحابهم بذلك ليحذروا. والنفور عن الشيء هو الذهاب عنه لتكره النفس له، والنفور اليه الذهاب اليه لتكره النفس لغيره. والتفقه تعلم الفقه. والفقه فهم موجبات المعنى المضمنة بها من غير تصريح بالدلالة عليها، وصار بالعرف مختصاً بمعرفة الحلال والحرام، وما طريقه الشرع. وقوله {لعلهم يحذرون} معناه لكي يحذروا، لأن الشك لا يجوز على الله. والحذر تجنب الشيء لما فيه من المضرة يقال: حذر حذراً وحذّرته تحذيراً وحاذره محاذرة وتحذر تحذراً. واستدل جماعة بهذه الآية على وجوب العمل بخبر الواحد بأن قالوا: حث الله تعالى الطائفة على النفور والتفقه حتى إذا رجعوا إلى غيرهم لينذروهم ليحذروا، فلولا انه يجب عليهم القبول منهم لما وجب عليهم الانذار والتخويف. والطائفة تقع على جماعة لا يقع بخبرهم العلم بل تقع على واحد. لأن المفسرين قالوا في قوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} أنه يكفي أن يحضر واحد. وهذا الذي ذكروه ليس بصحيح، لأن الذي يقتضيه ظاهر الاية وجوب النفور على الطائفة من كل فرقة، ووجوب التفقه والانذار إذا رجعوا، ويحتمل ان يكون المراد بالطائفة الجماعة التي يوجب خبرهم العلم، ولو سلمنا انه يتناول الواحد او جماعة قليلة، فلم اذا وجب عليهم الانذار وجب على من يسمع القبول؟ والله تعالى إنما اوجب عليه المنذرين الحذر، والحذر ليس من القبول في شيء بل الحذر يقتضي وجوب البحث عن ذلك حتى يعرف صحته من فساده بالرجوع إلى الأدلة، ألا ترى ان المنذر إذا ورد على المكلف وخوفه من ترك النظر فانه يجب عليه النظر ولا يجب عليه القبول منه قبل ان يعلم صحته من فساده، وكذلك إذا ادعى مدع النبوة وان معه شرعاً وجب عليه ان ينظر في معجزه ولا يجب عليه القبول منه وتصديقه قبل ان يعلم صحة نبوته. فكذلك لا يمتنع ان يجب على الطائفة الانذار ويجب على المنذرين البحث والتفتيش حتى يعلموا صحة ما قالوه فيعملوا به، وقد استوفينا الكلام في ذلك في كتاب اصول الفقه لا نطول بذكره ها هنا. وقيل: ان اعراب اسد قدموا على النبي صلى الله عليه وآله المدينة فغلت الأسعار وملؤوا الطرق بالعذرة فانزل الله تعالى الآية يقول: فهلا جاء منهم طوائف ثم رجعوا إلى قومهم فأخبروهم بما تعلموا. وروى الواقدي ان قوماً من خيار المسلمين خرجوا إلى البدو يفقهون قومهم فاحتج المنافقون في تأخرهم عن تبوك بأولئك فنزلت {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} قال: وفيهم نزلت {أية : والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة }تفسير : يعني ان احتجوا بتأخير هؤلاء في البادية فانهم مستجيبون مؤمنون، فكيف يكون لهم بهم اسوة او حجة في تأخرهم وهم منافقون مدهنون. وقال ابو جعفر عليه السلام كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله ان ينفر منهم طائفة وتقيم للتفقه وان يكون الغزو نوباً.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} جميعاً عطف على ما كان لاهل المدينة واستدراك لما يتوهّم من الآية السّابقة من لزوم ملازمة النّبىّ (ص) لجميع المؤمنين وعدم جواز التّخلّف عنه فى حالٍ من الاحوال، مع امتناعه عادةً لاختلال معيشتهم وعدم كفاية ما فى يد النّبىّ (ص) بحاجتهم وضيق محلّه عن سكناهم، وكون الآية استداركاً مبتنٍ على تلازم العلم والعمل وانّ الغاية من جميع الاعمال حصول العلم، وحينئذٍ فوضع المؤمنين موضع ضمير اهل المدينة للاشارة الى انّ ملازمة خدمة النّبىّ (ص) واجبة لاهل الشّرق والغرب ما لم يحصّلوا الاسلام فاذا حصّلوا الاسلام فليس عليهم الاّ خروج طائفة مستعدّة لتلك الملازمة حتّى يستكملوا بالعلم والعمل ويستحقّوا الاذن فى ارشاد قومهم، وامّا اذا جعل الآية الاولى فى الجهاد والثّانية فى تحصيل العلم فهى عطف من دون اعتبار استدراكٍ {فَلَوْلاَ نَفَرَ} الى الجهاد او الى خدمة النّبىّ (ص) او مشايخه لتحصيل العلم {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} مستعدّون لاستكمال القوّتين العلميّة والعمليّة {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} ليطلبوا الفقاهة او ليكمّلوها {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} بعد استكمالهم فى القوّتين واذنهم فى الارشاد وتعليم العباد. اعلم، انّ الفقه كما مرّ علم دينىّ يتوسّل به الى علم آخر والمقصود العلوم العقليّة الانسانيّة فانّ العلم الدّينىّ هو العلم الانسانىّ العقلىّ عقليّاً كان او خياليّاً، لانّ الانسان بانسانيّته طريق الى الآخرة وواقع فى الطّريق وسائر عليه، وحيث انّه بانسانيّته سالك على الطّريق يكون علمه فى الاشتداد والازدياد دون العلم الخيالىّ الّذى يحصل بتصرّف الواهمة دون العقل سواء سمّى عقليّاً او خياليّاً، فانّه علم نفسىّ حيوانىّ موصل الى الملكوت السّفلى صادٌّ على طريق الآخرة وان كان صورته صورة علم الآخرة، فالفقه كما فى الصّحيحة النّبويّة امّا علم بالاحكام القالبيّة المسمّاة بالسّنّة القائمة ولا طريق اليها الاّ الوحى الآلهىّ لخفاء ارتباطها الى عالم الآخرة وخفاء كيفيّة ايصالها اليه، واختلافها باختلاف درجات المكلّفين بها فهى لا تحصل الاّ بالاخذ والتّقليد من نبىٍّ او ممّن اخذها منه، وامّا علم بالنّفس واخلاقها واحوالها وهى الفريضة العادلة، وامّا علم بالعقائد الحقّة الدّينيّة وهى الآيات المحكمات لكون كلّ منها آية وعلامة من الحقّ تعالى ومبدئيّته ومرجعيّته؛ هذا اذا جعل العقل ذلك وسيلة الى مقاصده الاخرويّة، وامّا اذا جعله الوهم وسيلة الى آماله الدّنيويّة ومآربه الحيوانيّة فلم يكن فقهاً ولا علماً واشباه النّاس سمّوه فقهاً وعلماً، والمراد بالتّفقّه كمال الفقاهة سواء جعل الهيئة للمبالغة او غيرها لانّه تعالى غيّاه بالانذار والمراد بالانذار ما يكون مؤثّراً فى المنذر، ولا يكون الانذار مؤثّراً فى المنذر الاّ اذا كان المنذر كاملاً فى قوتيه العلميّة والعمليّة، والاّ فلفظ الانذار كثيراً ما يجرى على لسان غير المتفقّه كانذار خلفاء الجور وعلماءهم وقصّاصهم ووعّاظهم، الّذين كانوا يأمرون ولا يأتمرون وينهون ولا ينتهون ويعظون ولا يتّعظون ولم يحصل من ذلك الاّ وبال اتمام الحجّة عليهم لا تأثّر المخاطبين، ولخفاء كمال النّفس فى هاتين القوّتين على المتفقّه وعلى غيره كانوا يحتاجون فى الانذار والامر والنّهى الى الاذن والاجازة من الامام او نائبه وكانت سلسلة الاجازة منضبطة فى سلسلة العلماء الظّاهرة والباطنة {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} موبقات انفسهم وقد ورد فى تفسير قول النّبىّ (ص): "حديث : اختلاف امّتى رحمة"تفسير : ؛ انّه اختلافهم من البلدان اليه (ص) او الى خلفائه (ع) للتّفقّه لا اختلافهم فى الدّين حتّى يكون اجتماعهم عذاباً، ويمكن تصحيح ظاهره بان يكون المراد اختلافهم فى كيفيّة التّكليف حيث انّ كّلا مكلّف على قدر مرتبته كما قيل: حسنات الابرار سيّئات المقرّبين، وقد ورد فى تعميم الآية انّه يجرى فى النّفر بعد وفاة الامام (ع) لتعيين الامام الّذى يكون بعده ودرك خدمته وتجديد التّوبة والبيعة معه، وقد فسّرت ايضاً هكذا، فلولا نفر من كلّ فرقة طائفة للجهاد واقام طائفة ليتفقّه المقيمون.
الهواري
تفسير : قوله: قوله: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} أي جميعاً. قال الحسن: فَيُعْروا مقامَ رسول الله. { فَلَوْلا} أي: فهلاَّ {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ} أي: من الكفار { إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} فيخبروهم بنصر الله النبيِّ والمؤمنين، ويخبروهم أنهم ليس لهم بقتال النبي طاقة { لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي لا ينزل بهم ما نزل بغيرهم من القتل والسبإ والغنيمة، فيؤمنوا. وقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك، وقد أنزل الله في المنافقين الذين تخلّفوا عنه ما نزل، قال المؤمنون: لا والله، لا يرانا الله متخلفين عن غزوة غزاها رسول الله أبداً ولا عن سرية. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا، أن تخرج. فنفر المسلمون من آخرهم، وتركوا نبيَّ الله عليه السلام وحده، فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً} أي جميعاً، فيتركوك وحدك بالمدينة. {فَلَوْلاَ}، أي: فهلا، {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ [أي ليتفقه المقيمون] {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}، أي من غزاتهم، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، أي لِيُعْلِم المقيمُ الغازيَ، إذا رجع، ما نزل بعده من القرآن. وقال بعضهم: إن أحياء من بني أسد بن خزيمة أقحمتهم السنة إلى المدينة، فأقبلوا معهم بالذراري، فنزلوا المدينة، فغلوا أسعارها، وأفسدوا طرقها، فنزلت: {وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. وقال مجاهد: إن أناساً من أصحاب النبي عليه السلام كانوا خرجوا إلى البوادي، فأصابوا من الناس معروفاً، ومن الخصب ما ينتفعون به، ودعوا من لقوا من الناس إلى الهدى؛ فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم وجئتمونا. فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرّجاً، وأقبلوا من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال الله: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، أي: بعض، وقعد بعض يبتغون الخير، ليتفقهوا، أي ليستمعوا ما في الناس وما أنزل بعدهم، ولينذروا قومهم، أي الناس كلهم.
اطفيش
تفسير : {وما كانَ المؤمِنُونَ لينْفِرُوا كافَّةً} إلى الغزو، أى ما يستقيم لهم ذلك، فقوله عز وعلا: {أية : ما كان لأهل المدينة} تفسير : فيما إذا نفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه مطلقا، أو فيما إذا نفر واستنفرهم للحاجة إليهم، وقوله: {وما كان المؤمنون} فى بعثة السرايا فلا نسخ، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وإنما هى استثناء، ومعنى مراد فى قوله: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم} تفسير : إلخ ونحوه، إذ لا يمكن أن يراد إيجاب عدم التخلف عليهم كأنهم أجمعين، حتى لا يبقى من يحفظ الوحى، واللام لتأكيد النفى. {فَلوْلا} هلا {نَفَر من كلِّ فرقةٍ} جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة {منْهُم} نعت فرقة {طائفةٌ} جماعة قليلة ومكث الباقون، وذلك يدل على أن الفرقة أكبر من الطائفة، لأن القليل هو الذى ينتزع من الكثير، وقد يقال: إنهما سواء فى جواز الإطلاق على العدد القليل والكثير، فإذا أطلق أحدهما على الكثير صح استثناء الآخر منه، على أنه مستعمل فى القليل، كما يجوز هذا ولو فى اللفظ الواحد، تقول: جاءت من الفرقة الكثيرة فرقة قليلة، أو من الطائفة الكثيرة طائفة قليلة، صرح الجوهرى باستوائهما. {ليتَفقَّهوا} ليتكلفوا العلم عن الرسول {فى الدِّينِ} والواو للماكثين أو للكل باعتبار الماكثين إسنادا لما للبعض إلى الكل، ولأن تفقههم تفقه للنافرين، لأنهم يعملونه، والفقه لغة الفهم والعلم فى الدين أو غيره، وذلك قيد فى الآية بالدين، لأنه المراد، والقرآن نزل بلغة العرب، ثم خص فى عرف العلماء بعلم الدين، وقيل: الفقه الوصول إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص، واللام متعلق بمكث المقدر، أى ومكث الباقون ليتفقهوا، أو ينفروا، لأن المعنى هلا اقتصروا على نفور طائفة كذا ظهر لى. {ولينْذِرُوا} أى الماكثون {قَومَهم} وهم الطائفة النافرة {إذا رجَعُوا} أى هؤلاء النافرون {إليهم} من الغزو بتعليم ما تعلموه من الأحكام بالسنة، أو بنزول القرآن حال غيبة النافرين {لَعلَّهم يحْذَرونَ} العقاب بالائتمار والانتهاء، فإن العلم فرض كفاية فى صور، وفرض عين فى أخرى، وإذا ضيع فرض الكفاية ضيع فرض العين، والآية دليل على عظم العلم والتعليم، إذ جعلا فى مقابلة الجهاد، بل هما أفضل إذ بهما يعرف الجهاد، ويحيا الدين لما بعد، بل هما الجهاد الأكبر، لأن الأصل فى الجهاد هو الجدال بالحجة، وإنما يعدل عنه إلى الجهاد بالسيف عند المكابرة والعناد. واستدل بعضهم بالآية على أنه يقصد بالتعلم الإرشاد والتعليم والإنذار، وخص الإنذار بالذكر لأنه أهم، وذلك هو الذى ذهبت إليه مع نية نفى الجهل عن نفسه، وبنية فضيلة العلم، وعدم فصل الترفع على الناس، واقتناء الأموال والجاه، وعلو الصيت، ولكنى أقول ذلك من خارج لا من الآية، لأن التعليل فيها للنفر والمكث، من حيث إنه مفعول، فإنك إذا قلت إيت لأكرمك، لا تريد أقصد بإتيانك الإكرام، بل تريد أنى أقربك بالإتيان لتأتى لأكرمك فافهم، وبذلك قال الشيخ إسماعيل الجيطالى. وقال أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر: لا يجوز أن يقصد بتعلمه التعليم، والآية أيضا دليل على أن إخبار الآحاد حجة إذ رتب الحذر على إنذار الطائفة الصادقة بثلاثة فأكثر للفرقة، وقالت فرقة: هذه الآية ناسخة لقوله: {أية : ما كان لأهل المدينة} تفسير : ونحوه من كل ما ورد فى إلزام الكل النفير، وقالت فرقة: سمع المؤمنون الذين سكنوا البادية، والذين بعثوا إليها بعليم الشرع قوله: {أية : ما كان لأهل المدينة} تفسير : إلخ، فافهم ذلك. ونفروا إلى المدينة خشية الإثم فى تخلفهم، فنزل: {وما كان المؤمنون} إلخ، وعلى هذا فالمراد النفير إلى المدينة، وعلى هذا يكون قوله: {فلولا نفر} أنفالا وإعراضا من أمن الغزو التحريض بنفير الطائفة من كل للتفقه، وإنذار الباقين، كأنه قيل: لا نفير على المؤمنين كلهم، بل يكفى ما احتاج إليه الرسول، ودعاء فيما عليهم النفير إلى المدينة، بل عليكم أن تنفر منكم طائفة إليها لتزداد تفقها، وتنذر الباقين. وقالت فرقة: لما نزلت الآية فى المتخلفين، قال المنافقون أو الناس مطلقا: هلك أهل البادية، فنزل: {وما كان المؤمنون} إلخ مقيما لعذر أهلها، ومبينة لكون المعنى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم أن يتخلفوا إذا دعاهم الرسول، أو غزا بنفسه، أو مشعرة بكون المعنى ما كان لجمهور أهل المدينة ومن حولهم. وقيل: سبب الآية أنهم نفروا كلهم للتفقه، فأمرهم الله أن تنفر طائفة للتفقه وتنذر الباقين، وقيل: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين، فأقبلوا إلى المدينة مدعين الإسلام وما هم بمسلمين، وأفسدوا طرقها، وضيقوا على أهلها، وجعلوا يسألون عن أمر الدين فيما يزعمون، وإنما أرادوا المعيشة، فكنى الله سبحانه عن كونهم غير مؤمنين بقوله: {وما كان المؤمنون} إلخ بمعنى أنه ما هذه صفة المؤمنين من النفير كلهم، وإنما صفتهم أن تنفر طائفة للتفقه فترجع لتخبرهم. وعلى هذه الأقوال يكون المتفقهون المنذرون الراجعون هم الطائفة النافرة، وقيل: المعنى ليتفقه النافرون، بما يريهم الله من نصر المؤمنين مع قتلهم، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما أراهم الله من النصر والقتل والسبى والغنيمة، فيحذرون الكفر والنفاق، ووجه كون ذلك تفقها فى الدين أن ذلك زيادة فى إيمان النافرين، وهو ضعيف من حيث توجيه التفقه بذلك، والمشهور أن التفقه تعلم الشريعة، وفى الحديث: "حديث : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" تفسير : و "حديث : فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم" تفسير : و "حديث : من سلك طريقا يلتمس علما سهل الله طريقا إلى الجنة، وكان فى سبيل الله حتى يرجع" تفسير : و "حديث : عالم معلم يدعى عظيما فى ملكوت السماوات" تفسير : و "حديث : العلم أفضل من النافلة" تفسير : ورد هذا حديثا بالمعنى وأثرا، والعلم آية محكمة أى غير مشتبهة أو غير نسوخة، وسنة قائمة أى منسوخة وفريضة عادلة، أى لا جور فيها.
الالوسي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً} أي ما استقام لهم أن يخرجوا إلى الغزو جميعاً. روى الكلبـي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى لما شدد على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبداً ففعلوا ذلك وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده فنزل {وَمَا كَانَ} الخ والمراد نهيهم عن النفير جميعاً لما فيه من الإخلال بالتعلم {فَلَوْلاَ نَفَرَ} لولا هنا تحضيضية، وهي مع الماضي تفيد التوبيخ على ترك الفعل ومع المضارع تفيد طلبه والأمر به لكن اللوم على الترك فيما يمكن تلافيه قد يفيد الأمر به في المستقبل أي فهلا نفر {مِن كُلّ فِرْقَةٍ} أي جماعة كثيرة {مِنْهُمْ} كأهل بلدة أو قبيلة عظيمة {طَائِفَةٌ} أي جماعة قليلة، وحمل الفرقة والطائفة على ذلك مأخوذ من السياق و{من} التبعيضية لأن البعض في الغالب أقل من الباقي وإلا فالجوهري لم يفرق بينهما، وذكر بعضهم أن الطائفة قد تقع على الواحد، وآخرون أنها لا تقع وأن أقلها اثنان، وقيل: ثلاثة {لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ} أي ليتكلفوا الفقاهة فيه فصيغة التفعل للتكلف، وليس المراد به معناه المتبادر بل مقاساة الشدة في طلب ذلك لصعوبته فهو لا يحصل بدون جد وجهد {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي عما ينذرون منه وضمير {يَتَفَقَّهُواْ} و {يُنذِرُواْ} عائد إلى الفرقة الباقية المفهومة من الكلام، وقيل: لا بد من إضمار وتقدير، أي فلولا نفر من كل فرقة طائفة وأقام طائفة ليتفقهوا الخ. وكان الظاهر أن يقال: ليعلموا بدل {لِيُنذِرُواْ} ويفقهون بدل {يَحْذَرُونَ} لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المعلم الإرشاد والإنذار وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار. قال حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة: ((كان اسم الفقه في العصر الأول اسماً لعلم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب وتدل عليه هذه الآية فما به الإنذار والتخويف هو الفقه دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات، وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن: ثكلتك أمك هل رأيت / فقيهاً بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى)) اهـ وهو من الحسن بمكان، لكن الشائع إطلاق الفقيه على من يحفظ الفروع مطلقاً سواء كانت بدلائلها أم لا كما في «التحرير». وفي «البحر» عن «المنتقى» ما يوافقه، واعتبر في «القنية» الحفظ مع الأدلة فلا يدخل في الوصية للفقهاء من حفظ بلا دليل. وعن أبـي جعفر أنه قال: الفقيه عندنا من بلغ في الفقه الغاية القصوى، وليس المتفقه بفقيه وليس له من الوصية نصيب، والظاهر أن المعتبر في الوصية ونحوها العرف وهو الذي يقتضيه كلام كثير من أصحابنا. وذكر غير واحد أن تخصيص الإنذار بالذكر لأنه الأهم وإلا فالمقصود الإرشاد الشامل لتعليم السنن والآداب والواجبات والمباحات والإنذار أخص منه، ودعوى أنهما متلازمان وذكر أحدهما مغن عن الآخر غفلة أو تغافل، وذهب كثير من الناس إلى أن المراد من النفر النفر والخروج لطلب العلم فالآية ليست متعلقة بما قبلها من أمر الجهاد بل لما بين سبحانه وجوب الهجرة والجهاد وكل منهما سفر لعبادة فبعدما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم فضمير {يَتَفَقَّهُواْ} و{يُنذِرُواْ} للطائفة المذكورة وهي النافرة وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد. فقد أخرج عنه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما أنه قال: إن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً ومن الخصب ما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجاً وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الخ أي لولا خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير ليتفقهوا في الدين وليسمعوا ما أنزل ولينذروا الناس إذا رجعوا إليهم. واستدل بذلك على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية. وما في «كشف الحجاب» عن أبـي سعيد «طلب العلم فريضة على كل مسلم» على تضعيف الصغاني له ليس المراد من العلم فيه إلا ما يتوقف عليه أداء الفرائض ولا شك في أن تعلمه فرض على كل مسلم. وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قومها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبار ما لم تتواتر لم يفد ذلك، وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين. الأول أنه تعالى أمر الطائفة بالإنذار وهو يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذاراً. والثاني أمره سبحانه القوم بالحذر عند الإنذار لأن معنى قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ليحذروا وذلك أيضاً يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، وهذه الدلالة قائمة على أي تفسير شئت من التفسيرين، ولا يتوقف الاستدلال بالآية على ما ذكر على صدق الطائفة على الواحد الذي هو مبدأ الإعداد بل يكفي فيه صدقها على ما لم يبلغ حد التواتر وإن كان ثلاثة فأكثر، وكذا لا يتوقف على أن لا يكون الترجي من المنذرين بل يكون من الله سبحانه ويراد منه الطلب مجازاً كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : كان غالب ما تقدم من هذه السورة تحريضاً على الجهاد وتنديداً على المقصرين في شأنه، وانتهى الكلام قبل هذا بتبرئة أهل المدينة والذين حولهم من التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا جرم كانت قوة الكلام مؤذنة بوجوب تمحض المسلمين للغزو. وإذ قد كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عُقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جُنداً، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخَرُ يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والسَّاسَة وأولي الرأي المهْتمين بتدبير ذلك السلطان، ولذلك لم يثبت ملك اللمتونيين في الأندلس إلا قليلاً حتى تقلص، ولم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا بعلماء المُدن التي فتحوها ووكَلوا أمر الدولة إليهم. وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرضت فريقاً من المسلمين على الالتفاف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو لمصلحة نشر الإسلام ناسب أن يُذكر عقبها نَفْر فريق من المؤمنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في الدين ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام. ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم إذْ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود في قوله: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب}تفسير : [التوبة: 120] الآية وافتتحت صيغة التحريض على العلم والتفقه بمثل ذلك إذ يقول: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة}. وهذه الجملة معطوفة على مجموع الكلام الذي قبلها فهي جملة ابتدائية مستأنفة لغرض جديد ناشىء عن قوله: {أية : مالكم إذا قيل لكم انفروا}تفسير : [التوبة: 38] ثم عن قوله: {أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا}تفسير : [التوبة: 120] الخ. ومعنى {أن يتخلفوا} هو أن لا ينفروا، فناسب أن يذكر بعده {وما كان المؤمنون لينفروا كافة}. والمراد بالنفير في قوله: {لينفروا} وقوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} الخروج إلى الغزو المأخوذ من قوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض}تفسير : [التوبة: 38] أي وما كان المؤمنون لينفروا ذلك النفرَ كلُّهم. فضمير {ليتفقهوا في الدين} يجوز أن يعود على قوله: {المؤمنون}، أي ليتفقه المؤمنون. والمراد ليتفقه منهم طائفة وهي الطائفة التي لم تنفر، كما اقتضاه قوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}، فهو عام مراد به الخصوص. ويجوز أن يعود الضمير إلى مفهومٍ من الكلام من قوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} لأن مفهومه وبقيتْ طائفةً ليتفقهوا في الدين، فأعيد الضمير على (طائفة) بصيغة الجمع نظراً إلى معنى طائفة، كقوله تعالى: {أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}تفسير : [الحجرات: 9] على تأويل اقتتل جمعهم. ويجوز أن يكون المراد من النفرْ في قوله: {لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} نفْراً آخر غير النفر في سبيل الله، وهو النفر للتفقه في الدين، وتكون إعادةُ فعل (ينفروا) و(نَفَر) من الاستخدام بقرينة قوله: {ليتفقهوا في الدين} فيكون الضمير في قوله: {ليتفقهوا} عائداً إلى {طائفة} ويكون قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} تمهيداً لقوله: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة}. وقد نقل عن أيمة المفسرين وأسباب النزول أقوال تجري على الاحتمالين. والاعتماد في مراجع الضمائر على قرائن الكلام على عادة العرب في الإيجاز والاعتماد على فطنة السامع فإنهم أمة فطنة. والإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي، وهو خبر مستعمل في النهي فتأكيده يفيد تأكيد النهي، أي كونه نهياً جازماً يقتضي التحريم. وذلك أنه كما كان النفْر للغزو واجباً لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة كذلك كان تركه من طائفة من المسلمين واجباً لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة للأمة أيضاً، فأفاد مجموع الكلامين أن النفْر للغزو واجب على الكفاية أي على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو. وهذا تقييد للإطلاق الذي في فعل (انفروا)، أو تخصيص للعموم الذي في ضمير (انفروا). ولذلك كانت هذه الآية أصلاً في وجوب طلب العلم على طائفة عظيمة من المسلمين وجوباً على الكفاية، أي على المقدار الكافي لتحصيل المقصد من ذلك الإيجاب. وأشعر نفي وجوب النفْر على جميع المسلمين وإثباتُ إيجابه على طائفة من كل فرقة منهم بأن الذين يجب عليهم النفر ليسوا بأوفر عدداً من الذين يبقون للتفقه والإنذار، وأن ليست إحدى الحالتين بأوْلى من الأخرى على الإطلاق فيعلم أن ذلك منوط بمقدار الحاجة الداعية للنفر، وأن البقية باقية على الأصل، فعلم منه أن النفير إلى الجهاد يكون بمقدار ما يقتضيه حال العدو المغزُو، وأن الذين يبقون للتفقه يبقون بأكثر ما يستطاع، وأن ذلك سواء. ولا ينبغي الاعتماد على ما يخالف هذا التفسير من الأقوال في معنى الآية وموقعها من الآي السالفة. ولولا: حرف تحْضيض. والفرقة: الجماعة من الناس الذين تفرقوا عن غيرهم في المواطن؛ فالقبيلة فرقة، وأهل البلاد الواحدة فرقة. والطائفة: الجماعة، ولا تتقيد بعدد. وتقدم عند قوله: {أية : فلتقم طائفة منهم معك} تفسير : في سورة النساء (102). وتنكير {طائفة} مؤذن بأن النفر للتفقه في الدين وما يترتب عليه من الإنذار واجب على الكفاية. وتعيين مقدار الطائفة وضبط حد التفقه موكول إلى ولاة أمور الفرق فتتعين الطائفة بتعيينهم فهم أدرى بمقدار ما تتطلبه المصلحة المنوط بها وجوب الكفاية. والتفقه: تكلف الفقاهة، وهي مشتقة من فقه (بكسر القاف) إذا فهم ما يدق فهمه فهو فاقِهٌ. فالفقه أخص من العلم، ولذلك نجد في القرآن استعمال الفقه فيما يخفى علمه كقوله: {أية : لا تفقهون تسبيحهم}تفسير : [الإسراء: 44]، ويجيء منه فقه ـــ بضم القاف ـــ إذا صار الفقه سجيته، فقاهة فهو فقيه. ولما كان مصير الفقه سجية لا يحصل إلا بمزاولة ما يبلغ إلى ذلك كانت صيغة التفعل المؤذنة بالتكلف متعينة لأن يكون المراد بها تكلف حصول الفقه، أي الفهم في الدين. وفي هذا إيماء إلى أن فهم الدين أمرٌ دقيق المسلك لا يحصل بسهولة، ولذلك جاء في الحديث الصحيح «حديث : مَن يرد الله به خيراً يفَقِّهْه في الدِين»تفسير : ، ولذلك جزم العلماء بأن الفقه أفضل العلوم. وقد ضبط العلماء حقيقة الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية بالاجتهاد. والإنذار: الإخبار بما يتوقع منه شر. والمراد هنا الإنذار من المهلكات في الآخرة. ومنه النذير. وتقدم في قوله تعالى: {أية : إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} تفسير : في سورة البقرة (119)، فالإنذار هو الموعظة، وإنما اقتصر عليه لأنه أهم، لأن التخلية مقدمة على التحْلية، ولأنه ما من إرشاد إلى الخير إلا وهو يشتمل على إنذار من ضده. ويدخل في معنى الإنذار تعليم الناس ما يميزون به بين الحق والباطل وبين الصواب والخطإ وذلك بأداء العالم بث علوم الدين للمتعلمين. وحذف مفعول {يحذرون} للتعميم، أي يحذرون ما يُحذر، وهو فعل المحرمات وترك الواجبات. واقتصر على الحذر دون العمل للإنذار لأن مقتضى الإنذار التحذير، وقد علمت أنه يفيد الأمرين.
القطان
تفسير : نفر: خرج للجهاد. الفرقة: الجماعة الكثيرة. الطائفة: الجماعة القليلة. تفقّه: تعلم امور دينه. الذين يلونكم: من كانت بلادهم قريبة لبلدكم. غلظة: شدة. هنا يبين الله تعالى بقية احكام الجهاد مع بيان حكم التعلم والتفقه في الدين، لأن دين الاسلام قامَ على العلم والحجة والبرهان. قال ابن عباس: لما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين لتخفلهم عن الجهاد، قال المؤمنون: واللهِ لا نتخلّف عن غزوة يغزوها رسول الله، ولا سرية بادا. فلما أمر الرسولُ الكريم بالجهادَ نَفَرَ المسلمون جميعا وتركوا رسول الله وحد بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}. ليس من شأن المؤمنين ان يخرجوا جميعاً في كل سريةٍ تخرجُ للجهاد، الا اذا اقتضى الأمر وخرجَ الرسولُ بنفسه او استنفر الناس جميعاً. {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. ان هناك واجباتٍ اخرى مهمة غير الجهاد يجب على المؤمنين ان يقوموا بها، وذلك ان ينفِرَ من كل بلد او قبيلة جماعة يأتون الى رسول الله ليتفقّهوا في الدين ثم يعودوا الى قومهم فيرشدوهم ويعلّموهم ليثبتَ هؤلاء على الحق، ويعلموا الباطل فيجتنبوه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. لما امر الله تعالى بقتال المشركين كافة - أرشدهم في هذا الآية الى طري السداد، وهو ان يبدأوا بقتال من يَلِيهم من الأعداء ثم ينتقلوا الى الأبعد فالأبعد. وهكذا فعل الرسول وصحابته.. فقد حربَ قومه ثم انتقل الى غزو سائر العرب ثم الى غزو الشام. ولما فرغ الصحابة الكرام من الشام انتقلوا الى غيرها، وهكذا. يا ايها الذين آمنوا قاتِلوا الكفار الذين يجاورونكم، حتى لا يكونوا مصدرَ خطرٍ عليكم، وكونوا أشداء عليهم في القتال، ولْيجدوا فيكم شدة وجرأة، ولا تأخذْكم بهم رأفة.. واعلموا ان الله معكم بعونه ونصره اذا اتقيتموه، وأعددتم العدة الكاملة للحرب، وكنتم صفاً واحدا وعلى هدف واحد.
د. أسعد حومد
تفسير : {طَآئِفَةٌ} (122) - الجِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ. وَلكِنْ إِذا غَزَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلى الخُرُوجِ مَعَهُ لَمْ يَحِلَّ لأَِحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ إِلاَّ أَهْلَ الأَعْذَارِ. وَحِينَمَا نَزَلَتِ الآيَاتُ السَّابِقَاتُ فِي التَّشَديدِ عَلَى المُتَخَلِّفِينَ، قَالُوا: لاَ يَتَخَلَّفُ مِنَّا أَحَدٌ عَنْ جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَبَداً، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَبَقِيَ الرَّسُولُ وَحْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ. وَفِيهَا يُبَيِّنُ اللهُ لِلْمُؤْمِنينَ أَنَّ عَليهِمْ أَلاَّ يَنْفِرُوا جَمِيعاً، لِيَبقَى قُربَ رَسُولِ اللهِ أُنَاسٌ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، حَتَّى إِذا عَادَ الغُزَاةُ إِلى أَهْلِهِمْ أَعْلَمُوهُمْ بِمَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَبِمَا اسْتَجَدَّ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَتَعْلِيمَاتِ الرَّسُولِ، وَبِذلِكَ يَكُونُ المُسْلِمُونَ جَمِيعاً عَلَى عِلْمٍ بِأُمُورِ دِينِهِمْ. لِيَنْفِرُوا كَافَّةً - لِيَخْرُجُوا إِلى الجِهَادِ جَمِيعاً.
الثعلبي
تفسير : {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} الآية قال ابن عباس في رواية الكلبي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج غازياً لم يتخلف إلاّ المنافقون والمعذرون فلما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين ومن نفاقهم في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلّف عن غزوة بعدها يغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن سرية أبداً. فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرايا إلى الجهاد ونفر المسلمون جميعاً إلى الغزو وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده بالمدينة فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} يعني ليس لهم أن يخرجوا جميعاً إلى العدو ويتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. {فَلَوْلاَ نَفَرَ} فهلاّ خرج {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} قبيلة {مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} جماعة {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} يعني الفرقة القاعدين فإذا رجعت السرايا وقد نزلت بعدهم قوله تعالى: {أية : ٱلْقَاعِدُونَ}تفسير : [النساء: 95]. قالوا لهم اذا رجعوا: قد أنزل الله على نبيكم بعدكم قرآناً وقد تعلمنا فيمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيّهم من بعدهم ويبعث سرايا أُخر فذلك ليتفقهوا في الدين {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} وليعلمونهم الأمر {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ولا يعملون خلافه. وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة ومعنى الآية: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} أي ليتبصّروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد فيخبروهم بنصر الله النبي والمؤمنين، ويخبرونهم أنهم لا يدان لهم بقتال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، لعلهم يحذرون قتال النبي صلى الله عليه وسلم فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. قال الكلبي: ولها وجه آخر: ذكر أن أحياءً من بني أسد بن خزيمة أصابتهم [سنة شديدة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر فقدموا] حتى نزلوا بالمدينة فأفسدوا طرقها بالعذرات وأغلوا أسعارها فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مجاهد: في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفاً وخصباً ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى. قال الناس لهم: ما نراكم إلاّ وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرج وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} ويستمعوا ما أنزل إليهم {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} الناس كلهم {إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} ويدعوهم إلى الله {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} بأس الله ونقمته باتباعهم وطاعتهم، وقعدت طائفة تريد المغفرة. وقال عكرمة: لما نزلت {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} و {مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ} الآية قال المنافقون من أهل البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم ليفقهوهم، فأنزل الله تعالى في المعذر لأولئك هذه الآية. وروى عن عبد الرزاق بن همام في قوله {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} قال: هم أصحاب الحديث. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب. قال ابن عباس: مثل قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها. ابن عمر: أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق. وكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم والديلم تلا هذه الآية. {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} شدة وحمية، وقال الضحاك: جفاء، وقال الحسن: صبراً على جهادهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بالعون والنصر. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ} قراءة العامة: برفع الياء لمكان الهاء وقرأ عبيد بن عمير: أيكم بفتح الياء وكلّ صواب {زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} قال الله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} يقيناً وإخلاصاً وتصديقاً. وقال الربيع: خشية {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} يفرحون بنزول القرآن. عن الضحاك عن ابن عباس: (فإذا ما أنزلت سورة) يعني سورة محكمة فيها الحلال والحرام {فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وتصديقاً بالفرائض مع إيمانهم بالرحمن {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بنزول الفرائض {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} شك ونفاق {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} كفراً إلى كفرهم وضلالا إلى ضلالهم وشكاً إلى شكهم. وقال مقاتل: إثماً إلى أثمهم {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} قال مجاهد في هذه الآية: الإيمان يزيد وينقص، وقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): لو وزن إيمان أبو بكر (رضي الله عنه) بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلى إن الإيمان ليزيد وينقص، قالها ثلاث مرات. وروى زيد الشامي عن ذر قال: كان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد إيماناً. قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب كلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ملك الناس حتى يبيض القلب كله، وأن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما إزداد النفاق إزداد ذلك السواد فيسود القلب كله. فأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. وكتب الحسن إلى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): إن للإيمان تشاد شرائع وحدود وفرائض من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وقال ابن المبارك عن الحسن: إلاّ قرابة بزيادة الإيمان أو أردّ كتاب الله تعالى. {أَوَلاَ يَرَوْنَ} قرأ العامة بالياء خبراً عن المنافقين المذكورين، وقرأ حمزة و يعقوب: أو لا ترون بالتاء على خطاب المؤمنين، وهي قراءة أبي بن كعب. قرأ الأعمش: أو لم تر، وقرأ طلحة: أو لا ترى وهي قراءة عبد الله بن عمر {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} يختبرون {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} قال: يكذبون كذبة أو كذبتين يصلون فيه، وقال مجاهد: يفتنون بالقحط والغلاء، عطية: بالأمراض والأوجاع وهي روائد الموت. قتادة: بالغزو والجهاد، وقيل: بالعدوّ، وقيل: يفتنون فيعرفون مرة وينكرون بأخرى. مرّة الهمداني: يفتنون يكفرون. مقاتل بن حيان: يفضحون بإظهار نفاقهم. عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثمّ ينافقون كما أنهم ينقضون عهدهم في سنة مرة أو مرتين {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} من نقضهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [بما صنع الله بهم] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انقضوا عهودهم بعث إليهم السرايا فيقتلونهم. الحسن: يفتنون بالجهاد في سبيل الله مع رسوله ويرون تصديق ما وعده الله من النصر والظفر على من عاداه الله ثم لا يتوبون لما يرون من صدق موعد الله، ولا يتّعظون، الضحاك: يفتنون بالغلاء والبلاء ومنع القطر وذهاب الثمار ثم لا يرجعون عن نفاقهم ولا يتفكرون في عظمة الله، وفي قراءة عبد الله: وما يذكرون. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} فيها عيب المنافقين وتوبيخهم {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} كلام مختصر تقديره نظر بعضهم في بعض وقالوا أو أشاروا {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} إن قمتم فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أحداً يراهم قاموا فانصرفوا {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} عن الإيمان بها، وقال الضحاك: هل يراكم من أحد يعني أطلع أحد منهم على سرائركم مخافة القتل قال الله {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} عن الإيمان بالقرآن {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} قال ابن عباس: لا تقولوا إذا صليتم: انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة. {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} قراءة العامة بضم الفاء أي: من نسبكم تعرفون نسبه وحسبه وأي قبيلة من العرب من بني إسماعيل. قال ابن عباس: ليس في العرب قبيلة إلاّ وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعها ويمانيها. قال الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. أخبرنا عبد الله بن حامد، حدثنا حامد بن محمد. علي بن عبد العزيز. محمد بن أبي هاشم حدّثني المدني عن أبي الحويرث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية وما ولدني إلاّ نكاح كنكاح الإسلام"تفسير : فإن الله تعالى جعله من أنفسهم، فلا تحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة. قرأ ابن عباس وابن ثعلبة: عبد الله بن فسيط المكي وابن محيصن والزهري {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوباً فيه. قال يمان: من أعلاكم نسباً {عَزِيزٌ} شديد {عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ماصلة أي عنتكم وهو دخول المشقة والمضرّة عليكم. قال ابن عباس: ما ضللتم. قال الضحاك والكلبي: أثمتم، وقال العتيبي: ما عنتكم وضرّ بكم، وقال ابن الأنباري: ما هلكتم عليه {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي على إيمانكم وهداكم وصلاحكم، وقال قتادة: حريص على ضالهم أن يهديه الله، وقال الفراء: الحريص الشحيح أن تدخلوا النار. {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ} رفيق {رَّحِيمٌ} قيل: رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين رؤوف بعباده رحيم بأوليائه. رؤوف بمن يراه رحيم بمن لم يره. قال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رحيم عليه ما عنتم لا يهمه إلاّ شأنكم وهو القائم بالشفاعة فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته فإنه لا يرضيه إلاّ دخولكم الجنة" لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك مالاً فلنؤتينه ومن ترك كلاًّ وديناً فعليّ وإليَّ ". تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عن الإيمان وناصبوك {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} قراءة العامة بخفض الميم على العرش، وقرأ ابن محيصن: العظيم بالرفع على نعت الربّ، وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع اللههِلأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلاّ للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [البقرة: 143]. وقال يحيى بن جعدة: قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): لا تثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان فجاء رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة التوبة {لَقَدْ جَآءَكُمْ} فقال عمر: والله لا أسألك عليها بيّنة، كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثبتهما، وهي آخر آية نزلت من السماء في قول بعضهم، وآخر سورة كاملة نزلت سورة براءة. أخبرنا أبو عبد الله بن حامد، عن محمد بن الحسن عن علي بن عبد العزيز عن حجاج عن همام. عن قتادة قال: إن آخر القرآن عهداً بالسماء هاتان الآيتان خاتمة براءة {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى قوله {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}. أُبي بن كعب: إن أحدث القرآن عهداً بالله تعالى {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} إلى آخر السورة.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية جاءت عقب آيات المتخلفين عن الغزو مع رسول الله، وجاءت بعد أن بيّن الله سبحانه مزايا المجاهدين وما يثيبهم الله به جزاء هذا الجهاد في قوله سبحانه: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [التوبة: 120-121]. كانت تلك هي الحيثيات التي ترغِّب الناس في الجهاد ترغيباً يخرجهم عمّا ألفوا من العيش في أوطانهم وبين أهليهم وأموالهم؛ لأن الثمن الذي يتلقونه مقابل ذلك ثمن كبير، ثم جاءت هذه الآية. وحينما استقبل العلماء هذه الآية قالوا: إنها تتمة لآيات الجهاد، وما دام الله قد رغَّب في الجهاد هذا الترغيب، فإن الناس أقسموا بعده ألا يتركوا غزوة من الغزوات ولا سرية من السرايا إلا ذهبوا إليها، فنشأ عن ذلك أن المدينة كادت تخلو على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسقبل وحي الله. واستقبال وحي الله يقتضي وجود سامعين ليبلغوه، فلما انصرف الناس إلى مسألة الجهاد أراد الله أن يعدل هذه الموجة من الرغبة في الجهاد، فبيَّن أن الإسلام مُنزَّل من الله على رسوله ليبلغه للناس؛ لأن دين الله يحتاج إلى أمرين: أمر يحمله إلى الناس، وأمر يثبت صدقه في الناس، وحين يرى الناس إنساناً يضحي بنفسه ويدخل معركة، وآخر يضحي بماله، حينئذ يعلم الناس أن من يفعل ذلك لا بد أنه متيقن تمام التيقن من العقيدة التي يبذل في سبيلها الغالي والرخيص. لكن يبقى أمر آخر، هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالإسلام، فإذا كان المناضلون المضحّون بالنفس، والمنفقون المضحّون بالمال هم دليل صدق الإيمان، فهذا لا يعني الاستغناء عن هؤلاء الذين عليهم أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوحي به الله. إذن: فهناك منهج من الله، وهناك استقبال لهذا المنهج من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً، ومن السامعين لرسول الله ثانياً؛ ليسيحوا به في البلاد، سياحة إعلام بدين الله لنشر الإسلام، وهكذا كانت الإقامة مع رسول الله هي استقبال لذلك الإعلام، وإلا فماذا يُعْلِمون؟ إذن: فلا بد أن يحافظ المسلمون على أمرين: أمر بقاء الاستقبال من السماء، وأمر الإعلام بما استقبلوه إلى البلاد. فإن كنتم قد انصرفتم إلى الجهاد في سبيل الله فقد حقّقتم أمراً واحداً، ولكنكم لم تحققوا الأمر الآخر وهو أن تظلوا؛ لتستقبلوا من رسول الله. فأراد الله سبحانه أن يقسم الأمرين بين مجاهدين يجاهدون للإعلام، وباقين مع رسول الله ليستقبلوا إرسال السماء لهذه الأرض، فقال: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}. وساعة تسمع "كَانَ" منفيةً فاعلم أنها جحود لهذه المسألة، أي: ما كان يصح أن ينفر المسلمون كافة، أي: جميعاً، بدون أن يبقى منهم أحد. و {كَآفَّةً} مأخوذة من كف الشيء، وأنت تسمع خائط الثياب يقول: "أريد أن أكفّف الثوب" معنى هذا أن الخائط حين يقص القماش، فهناك بعض من الخيوط تخرج منه؛ فيكففها حتى لا يتفكك نسيج الثوب، إذن: فمعنى كلمة {كَآفَّةً}: جميعاً. ولنا أن نتساءل: لماذا لا ينفر المسلمون إلى الجهاد جميعاً، أليس الجهاد إعلاماً بمنهج الله؟ نقول: نعم هو إعلام وسياحة بمنهج الله في الأرض، ولكن الذي يسيح للإعلام بمنهج الله لا بد أن تكون عنده حصيلة يُعْلِم بها، وهذه الحصيلة كانت تأتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من منهج السماء حين ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فلا بد من أناس يسمعون وحتى السماء ثم يعلمون به ويرسلونه لأهل الأرض جميعاً، ولو انصرف كل هؤلاء المؤمنين إلى الجهاد لما تحقق أمر حمل الدعوة للإسلام؛ لذلك قال الحق: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} وفي هذا نفي أمر فيه انبغاء أي: لهم قدرة عليه، ويستطيعون تنفيذ ما يطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ في أمة عربية لها فصاحة وبلاغة، أمة بيان وأداء قويّ يسحر، وكان في هذه الأمة أناس كثيرون يتمتعون بموهبة الشعر والقول، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشتهر بهذا، وحاول بعضهم أن يقلل من فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنها فصاحة دون من خطب، ودون من قال، ودون من شعر، فجاء الرد عليهم من الحق: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ...} تفسير : [يس: 69]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يتفوق في ذلك، لكن الحق سبحانه لم يُعلِّمه الشعر؛ لأنه لا ينبغي له أن يتعلَّمه، لماذا؟ لأن العرب يعلمون أن أعذب الشعر أكذبه، وما دام أعذبه أكذبه، فالحق سبحانه لا يريد أن يعلم الناس أن محمداً صلى الله عليه وسلم مُرْتاض على صناعة البيان وأساليب الأدب، وبعد ذلك يُفاجئ الدنيا بالبيان الأعلى في القرآن، ويعلن صلى الله عليه وسلم أن هذا البيان ليس من عنده. وقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم مدة طويلة، ولم يسمعوا منه شعراً، فكل ما جاء به بلاغاً عن الله لا يُنسب لمحمد، ولكنه منسوب إلى رب محمد. وقوله الحق: {أية : وَمَا يَنبَغِي لَهُ}تفسير : [يس: 69] أي: لا يصح أن يكون الأمر، رغم استعداد محمد صلى الله عليه وسلم لذلك، وكان من الممكن أن يعلِّمه ربه الشعر وفنون القول؛ ولذلك حينما قال أناس: إن القرآن من عند محمد، جاء القول الحق مبلِّغاً محمداً: {أية : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16]. وقد عاش بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً ولم يقل قصيدة أو مقالة. ومن الذي يستطيع أن يؤخر عبقريته إلى الأربعين؟ نحن نعلم أن ميعاد بَدْء العبقرية إنما يظهر من قبل العشرين، أي: في العقد الثاني من العمر، ولا أحد يؤخر ظهور عبقريته. إذن: فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نزل عليه القرآن بالترغيب في الجهاد كادت المدينة تخلو من المسلمين؛ فجاء قوله الحق: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]. وفي هذا القول الكريم محافظة على أمرين؛ أمر استقبال وحي الله، وأمر الإعلام به، وبذلك يتنوع الجهاد، طائفة تستقبل، وطائفة تُعلِّم وترسل؛ لأنهم لو تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم جميعاً، فكيف يصل الوحي من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين؟ ولو أنهم جلسوا جميعاً في المدينة فمن الذي يسيح في الأرض معلِّماً الناس؟ أما إذا بقي الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، في فترة لا قتال فيها، فهذا أمر مختلف؛ لأنها ستكون فترة استقبال فقط. وكذلك إن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتال فعلى المؤمنين القادرين على القتال أن يصحبوه؛ لأن الرسول القادر على استقبال الوحي من الله موجود معهم، وكذلك الإعلام بالرسالة موجود. إذن: فالمشكلة كانت في حالة عدم وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الخارجين للجهاد، فإذا ما خرج المقاتلون للجهاد، وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، فعليهم أن ينقسموا قسمين: قسماً يبقى مع رسول الله ليتعلم منهج الله، وقسماً يخرج إلى القتال. حين كان الرسول يخرج إلى القتال فالمهمة تسمى غزوة، وإذا لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل جماعة للقتال سُمِّيت العملية بـ "السَّرِية". ولم يخرج عن التسمية بالسرية إلا عملية واحدة سُمِّيت غزوة ولم يخرج فيها رسول الله، وكان المفروض أن تُسمى سرية ولكنها سميت غزوة. وقد خرجت المهمة عن اصطلاح السرية إلى اصطلاح الغزوة، رغم أن رسول الله لم يحضرها؛ لأن المعركة حدث فيها أشياء كالتي تحدث في الغزوات، فقد كانت معركة حاسمة وقُتل فيها عدد من المسلمين، وحمل الراية مقاتل واستشهد فحملها غيره وقتل، فحملها ثالث، وكانت المعركة حامية الوطيس فقالوا: لا يمكن أن نسمي تلك المعركة بـ "السَّرية" بل هي غزوة؛ لأن فيها عنفاً شديداً. لم يلحظوا شيئاً واحداً وهو أن التسمية بالغزوة انطبقت تمام الانطباق على مؤتة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المدينة والمسلمون خارجون للغزو وأرسل إلى القوات: إن مات فلان في القتال فيليه فلان، وإن مات فلان ففلان يخلفه، أي: أنه صلى الله عليه وسلم قد سلسل أمور الغزوة قبل أن تبدأ. وهي الحملة القتالية الوحيدة التي خرجت بهذه التعليمات، من بين مثيلاتها، من الحملات المحددة التي لم يخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المقاتلين، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم مُقدّماً بمن سيموت من هؤلاء الخارجين إلى القتال. ثم وصلت الحملة إلى موقعها ودار القتال، وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة والتفت الصحابة فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم؛ قال: أخذ الراية فلان فقُتل، ثم أخذها بعده فلان فقُتِل. ثم قال: وأخذها بعده فلان، وكان صلى الله عليه وسلم يقصّ المعركة وهو في المدينة فقالوا: لم يقل ذلك إلا لأنه شهد. وحينما عاد المقاتلون عرف الصحابة منهم أن الأمر قد دار كما رواه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المدينة، وقد حدث مطابقاً غاية التطابق، فقالوا: شهدها رسول الله؛ وما دام قد شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي غزوة. ونعود إلى الآية التي يقول فيها الحق: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ...} [التوبة: 122]. وساعة تسمع كلمة "لولا" فلك أن تعرف أن في اللغة ألفاظاً قريبة من بعضها، فـ "لو" و "لولا" و "لوما" و "هلاَّ"، هي - إذن - ألفاظ واردة في اللغة، وإذا سمعت كلمة "لو" فهذا يعني أن هناك حكماً بامتناع شيئين. شيء امتنع لامتناع شيء، مثل قولك: "لو كان عندك زيد لجئتك" وهنا يمتنع مجيئك لامتناع مجيء زيد، فكلمة "لو" حرف امتناع لامتناع، وتقول: لو جئتني في بيتي لأكرمتك. إذن: فأنا لم أكرمك لأنك لم تأت. وتقول: "لولا زيد عندك لجئتك" أي: أنه قد امتنع مجيئي لك لوجود زيد. إذن: فـ "لولا" حرف امتناع لوجود. ونلحظ أن "لولا" هنا جاء بعدها اسم هو "زيد"، فماذا إن جاء بعدها فعل، مثل قولك: "لولا فعلت كذا"؟ هنا يكون في القول حضٌّ على الفعل، مثل قوله الحق: {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ...} تفسير : [النور: 12]. ومثل قوله: {أية : لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ...} تفسير : [النور: 13]. ومثلها أيضاً "لوما" مثل قوله الحق: {أية : لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} تفسير : [الحجر: 7]. وأيضاً قولك: "هَلاَّ". فهي أيضاً تحضيض مثل قولنا: "هلا ذاكرت دروسك"؟ وأنت بذلك تستفهم بـ (هل)، وجئت بالمد لتصبح (هلاَّ)؛ لتحثه على المذاكرة. أو قولك: "هلا أكرمت فلاناً؟" وفي هذا حَثٌّ على أن تكرم فلاناً. والأسلوب هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يجمع المؤمنين ويقول لهم: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} ثم يأتي الحث على أن ينقسموا إلى قسمين في قوله: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ}، والقسمان يذهب أحدهما للإعلام وللجهاد. والقسم الثاني يظل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستقبل منهج السماء. وقوله الحق: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} فيه كلمة {نَفَرَ} وهي من النفور. لكنها استعملت دائماً في مسألة الخروج للحرب، مثل قوله الحق: {أية : مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنفِرُواْ ...} تفسير : [التوبة: 38-39]. ولماذا يجيء الحق بالنفرة في الجهاد؟ نقول: لأن الذي يعوق الإنسان عن الجهاد حبه لدَعَته، ولراحته، ولسعادته بمكانه، وبأهله، وبماله، فإذا ما خرج للقتال شَق ذلك على نفسه، ولذلك يقول الحق: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ...} تفسير : [البقرة: 216]. وفي ذكر أمر الكُرْه إنصاف لهم، فصحيح أن القتال أمر صعب ويكرهه الإنسان، لكن الحق قد كتبه، والمسلم إذا استحضر الجزاء عليه فهو يحتقر ما يتركه؛ لأنه قليل بالنسبة لعطاء الله؛ لذلك ينفر المؤمن الحق من الذي يملكه، ويذهب للثواب الأعلى، وهذا هو معنى التحديد في أنهم سمّوا الجهاد نفرة، فحين يقارن المؤمن بين حصيلة ما يأخذه من الجهاد وما يمسكه عن الجهاد لتساءل: ما الذي يجعلني أتمسك بالأقل ما دام هناك عطاء أكثر؟ فلما جاءت {فَلَوْلاَ نَفَرَ} فهموا أن هذه الآية من تتمة الكلام عن الجهاد، ولتبقى طائفة من المؤمنين؛ لتسمع من رسول الله الوحي، وقد يتساءل المسلم حين يقرأ الآية ويجد قوله الحق: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ}، هنا يقول المسلم لنفسه: وهل تنفر الطائفة التي تتفقه في الدين، إنها الفرقة الباقية والمستقرة مع رسول الله في المدينة؟ ونجيب: إن قوله الحق: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} نجد فيه كلمة {فِرْقَةٍ} وهي الجماعة، والجماعة إنما تنقسم إلى طوائف. مثلما نسمي في الجيوش "الفرقة الأولى" و"الفرقة الثانية" و"الفرقة الثالثة"، ثم نقسم الفرقة الواحدة إلى: "جماعة الاستطلاع" و"جماعة التموين" و"الشئون المعنوية"، ونجد كلمة {طَآئِفَةٌ} وهي تعني "بعض الكثرة". وما دام الحق قد قال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} فهذا يعني أنه سبحانه قسمهم إلى طائفتين، إحداهما تنفر، والأخرى تبقى لتتفقه في الدين. إذن: فكأن أسلوب القرآن أسلوب أدائي كل ينفر لمهمته. {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} يبين أن طائفة منهم تكون قتالية والأخرى إعلامية مهمتها {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} فمن يجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستمع إليه، فهو يجهز للمقاتل حيثيات ما يجاهد على مقتضاه، وحين يرجع المقاتلون يُبلِّغهم من جلس مع الرسول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من وحي، ويتناوب المسلمون الجلوس مع الرسول في المدينة، والقتال، وكل طائفة تؤدي مهمتها. وهناك من العلماء من رأى رأياً آخر، وأخذ المسألة كلها مكتملة على بعضها، وقال: إن من بقي مع رسول الله له لون آخر من المجاهدة، ولأنه يأخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم علْماً جديداً، يتبادله مع المقاتلين في ساحة القتال بعد أن يعودوا، فالمقاتلون في ساحة الجهاد يعودون بما يؤكد نصرة الله للقلة على الكثرة، وإمداد الله سبحانه للمؤمنين بالملائكة، وتهدم العدو، والمعجزات التي رأوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم كنبوع الماء من بين أصابعه في حال قلة المياه عند العطش. ثم إنهم يسمعون من المجاهدين الجالسين لتلقي العلم أخبار الوحي والفقه، وهكذا يتكافأ المؤمنون في المهام، وكأنهم البنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً. وما تقدم هو فهم للآية إذا كانت خاصة بالجهاد، فماذا إذا كان للآية موضوع آخر غير الجهاد؟ نقول: إن الجهاد إعلام بمنهج الله في الأرض، والإعلام بمنهج الله في الأرض يقتضي المنهج المعلوم من السماء الذي يوضح مصير المجاهدين، ومصير المتخلفين. وهو هنا سبحانه يوضح أمر استقبال ما نجاهد من أجله. {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} أي: يذهب بعض المسلمين إلى البلاد التي حول المدينة؛ ليقولوا للناس حقيقة الإسلام، وأيضاً أن يأتي آخرون من البلاد الأخرى لِيَعْلَمُوا أمر الدين، ويعلموه لأهاليهم. ويكون قول الحق: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} مقصود به هؤلاء الذين يأتون من الأماكن البعيدة عن المدينة؛ ليجلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمعوا، ويتفقهوا في الدين؛ ليرجعوا إلى مجتمعاتهم، ويعلموهم أمور الإيمان. إذن: فالآية إما أن تكون من تتمة آيات الجهاد، وإما أن تكون أمراً مستقلاً للذين يبعد بهم المكان عن منبع المنهج، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله عليه وسلم يعلِّم من يأتون إليه من أي مجتمع؛ ليرجعوا بعد ذلك لقومهم، ويبلغوهم مطلوبات المنهج، وهذه مسألة بعيدة عن القتال. إذن: تكون النفرة للتفقه في الدين على أي معنى، ليس هناك فرق بين الطائفة الباقية التي تتفقه؛ لتعلِّم الطائفة التي تجاهد، أو الطائفة التي تجاهد تتفقه بالمعجزات وبالأحداث التي حدثت أثناء قتالهم وتعلمها للطائفة التي لم تخرج للقتال. أو أن المعنى هو الأمر الثاني الذي لا قتال فيه، بل يتناول أمر استقبال الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من كل بلد ليسمعوا منه صلى الله عليه وسلم، وقد سماها الحق "نفرة"؛ لأنها جهاد في البحث في المنهج وتعلمه، وهي نفرة النفرة؛ لأن النفرة للجهاد بالقتال تتطلب فهماً لحيثيات الدفاع عن هذا المنهج المنزَّل من الله. وقوله الحق: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} علمنا منه أن الفرقة هي الجماعة، والجماعة إما أن تنقسم إلى أفراد وإما إلى طوائف، والفرقة أقلها ثلاثة؛ لأنها جمع. وحينما يذهب اثنان من هذه الفرقة للتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعودان للبلاغ عنه صلى الله عليه وسلم نكون أمام خبر من شاهدين اثنين بأن النبي قال كذا وأبلغ بكذا، وكذلك قد يصح أن يكون المبلِّغ عن الرسول شاهداً واحداً، واختلف العلماء المسلمون فيما بينهم، هل يأخذون الخبر عن واحد فقط مبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا بد من الأخذ بالخبر من شاهدين اثنين؟ وقد جاءت الآية صريحة في أنه {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} والفرقة أقلها ثلاثة، والطائفة إما أن تكون اثنين وإما أن تكون شخصاً واحداً يرجع إلى قومه؛ ليفقههم في الدين، ويؤدي البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحفَّظ البعض على ذلك بأن قالوا: إن الذي نفر ليس فرداً من الفرقة، بل طائفة من الفرقة، ومفردات الفرقة طوائف لا واحد، وكلمة طائفة مقصود بها الجماعة. والنفرة لها علة محددة يذكرها الحق: {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} فالتفقُّه إذن هو سبب النفرة، مثلما نبعث بعثة في أي بلد متقدم؛ لنأخذ بعلوم الحضارة، فإن خرج واحد عن حدود البعثة؛ ليلعب، ويلهو، فهو لم يحقق النفرة. لا بد إذن من أن يستوعب كل واحد في البعثة أنه قد جاء للتفقه. والفقه في اللغة: هو الفهم، ويقال عن أي أمر تفهمه: فقهتُ الأمر الفلاني. فإن فهمت في الهندسة فهذا فقه، وإن فهمت في العلوم فهذا فقه، ولكن المعنى الذي غلب هو الفقه لأحكام الله؛ لأن هذا الأمر هو أهم أمور الحياة، فالفقيه في الدين هو من يبيّن للناس حدود المنهج بـ "افعل" و "لا تفعل". إذن: الفقه مطلقاً هو الفهم، لكنه أصبح مصطلحاً يعني فهم أحكام الله؛ لأنه هو الذي يحدد الصواب والخطأ. ولا يقال: "الفقيه" إلا لمن فَقُه. وهناك فرق بين فَقه وفَقُه. فَقُهَ في دين الله، أي: أصبح الفقه عنده ملكه، وساعة تسأله في أي موضوع لا يتردد، بل يجيب؛ لأن الفقه صار ملكه عنده، والملكة: الصفة التي ترسخ في النفس من مزاولة أي عمل؛ فيسهل أداء هذا العمل. وكذلك الفقه. وهكذا نعرف أن معنى فَقِهَ: "فهم شيئاً". أما فَقُهَ فمعناها: صار الفقه عنده مَلَكَة. وقوله الحق: {لِّيَتَفَقَّهُواْ} أي: ليعلموا أحكام الله، ويصير هذا العلم: من بعد ذلك مَلَكَة عندهم. ولكنْ ماذا إن نفروا لشيء آخر مثلما ينفر واحد من البدو ليسأل جماعته: إلى أين تذهبون؟ فيجيبون: نذهب إلى رسول الله لنسمع منه، فيذهب معهم. لكنه لا يسمع بل يذهب هنا أو هناك، ولا يجلس لتفقُّه العلم، على الرغم من أن علّة نفوره مع غيره هي التفقّه في الدين؛ وليعلم حقائق هذا الدين؛ لينذر به قومه حين يعود إليهم، فالفقيه لا يطلب جاهاً، أو رئاسة، أو وظيفة، بل هو يبين للناس متطلبات الحركة على هذا المنهج الحق، ولينذرهم {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أي: يتجنَّبون ما يضرُّهم. وحين ندقق في هذا الأمر نجده عدة مراحل: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} هذه هي المرحلة الأولى، ثم {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} هذه هي المرحلة الثانية وهي التفقه، أما الثالثة فهي {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ}، ومن تفقه لغير هذا؛ ليشار إليه بالبنان مثلا؛ نقول له: أنت من الذين قال الله فيهم: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104]. إذن: فالتفقه يكون للدعوة تبشيراً وإنذاراً؛ حتى يتجنب القوم ما يضرهم. ويقول سبحانه بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي: وما استقام لهم وناسب بحالهم {لِيَنفِرُواْ} عن أماكنهم وبلادهم {كَآفَّةً} بحيث تخلو بلدانهم عن الحفظة والحراس {فَلَوْلاَ} وهلا {نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} إلى الرسول {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} ويتعلموا شعائره وما يتعلق به من الأدب {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ} بذلك {إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} ويقيموا لهم ما يتعلمون من شعائر الإسلام ومناسك الدين القويم {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] عن منهيات الدين، ويتصفون بمأموراته، ويصلحون عقائدهم بها فيؤمنوا ويوقنوا بالله، ويتدينوا بدينه. ومن معظم شعائر الإسلام: القتال {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ} ويقرب منكم في حواليكم وحواشيكم {مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} وليضيقوا ويشددوا عليهم {وَلْيَجِدُواْ} ويشاهدوا {فِيكُمْ غِلْظَةً} تشدداً وتصبراً على القتال، وجرأةً وتهوراً عليها فيخافوا منكم، فيتركوا عنادهم، ولا تبالوا بكثرة عددهم وعددهم، واجترئوا عليهم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر بالقدرة التامة الكاملة {مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] الذين يحفظون حدود ما أنزل الله عليهم فتوكلوا عليه، وامتثلوا بمأموره إن كنتم موقنين. {وَ} كيف لا تقاتلون ولا تشددون أيها المؤمنون على الغواة المستهزئين الذين {إِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من عندنا مشتملة على تكميل دينكم، وزيادة إيمانكم ويقينكم {فَمِنْهُمْ} أي: من المنافقين {مَّن يَقُولُ} لأصحابه ورفقائه له من خبث باطنه وركاكة فطنته؛ استهزاءً وسخريةً: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ} استحقاراً لها {إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالله وبجميع ما نزل من عنده؛ لإصلاح أحوال عباده {فَزَادَتْهُمْ} بعدما تأمنوا فيها، وتدبروا في مرموزاتها {إِيمَاناً} يقيناً واطمئناناً {وَهُمْ} بعدما أطعلوا على مطالعها {يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] بنزولها. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هو التعامي عن آيات الله ومتقضى إشارته، ورموزه {فَزَادَتْهُمْ} هذه {رِجْساً} كفراً وشركاً متضمناً {إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} الأصلي وكفرهم الجبلي، وصاروا منعمسين منمكين بالكفر والضلال {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 125] مصرون على كفرهم فلحقوا بشياطينهم الذين مضوا قبلهم، خسر الدنيا والآخرة؛ ذلك هو الخسران المبين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن نفي النفر بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} [التوبة: 122] والإشارة فيه أن الله تعالى يندب خواص عباده بقوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} [التوبة: 122] إلى رحلة الصورة والمعنى، ففي طلب أهل الكمال والكاملين المكملين الواصلين الموصلين، كما ندب موسى إلى الرحلة في طلب الخضر - عليهما السلام -{لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} [التوبة: 122] ليتفقهوا في السير إلى الله تعالى، والسير بالله، والسير في الله، وأمَّا رحلة المعنى فلمّا كان حال إبراهيم عليه السلام قال: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي}تفسير : [الصافات: 99]، فهو السير من القالب وصفاته إلى القلب وصفاته، ومن القلب وصفاته إلى الروح إلى التخلق بأخلاق الله بقدم فناء أوصافه، وهو السير إلى الله، ومن أخلاق الله إلى ذات الله بقدم فناء ذاته بتجلي صفات الله وهو السير بالله، ومن أنانيته إلى هويته ومن هويته في ألوهيته إلى أبد الآباد وهو السير في الله بالله من الله، وتقدس فقال: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ} أي: فهلا نفر من كل قوم وقبيلة وبلدة وقرية، {مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} من خواصهم ومستعديهم للطلب، {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ} أي: ليتعلموا السير إلى الله من السائرين الواصلين إليه. {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ}[التوبة: 122] أي: ليعلموا القوم المستعدين لطلب الله المحبين المحبوبين الذين خصهم الله بالمحبة من بين خليقته، بقوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] إنكم القوم الموعودون من الله بالإتيان من المحبين والمحبوبين، {إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] أي: بعد الوصول مأمورين بالرجوع إلى الخلق بالدعوة والتربية، {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] من غير الله ويرغبون إليه، وأيضاً يحذرون الحرمان عن الوصول إلى الله تعالى. ثم أخبر عن القتال في طلب الكمال بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} [التوبة: 123] إلى قوله: {لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127]، {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: صدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم فيما دلكم إلى الله بإذنه، {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} أي: جاهدوا كفار النفس وصفاتها بمخالفة هواها وتبديل صفاتها وحملها على طاعة الله والمجاهدة في سبيله، فإنها تحجبك عن الله، {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] هي عزيمة صادقة في فنائها بترك شهواتها ولذاتها ومستحسناتها ومنازعاتها في هواها وحملها على المتابعة في طلب الحق، {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123] بجذبة الوصول لتبقوا به عمَّا سواه. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} [التوبة: 124] يشير إلى أن من علامات النفاق ما لا يظهر في القلب الاستهزاء، فإنهم يقولون على طريق الاستهزاء بالقرآن وبمن آمن به، ثم أجابهم الله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [التوبة: 124] أي: بما أنزل من القرآن، {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124] يشير إلى أن في كل سورة وآية وكلمة وحرف من القرآن نور، فالمؤمن إذا صدق النبي فيما جاء به من القرآن ينتقل النور من القرآن المنزل بطريق تصديقه إلى قلب المؤمن، فيضم إلى نور الإيمان فيزداد الإيمان المتمكن في القلب، وهذا يدل على أن الإيمان بكل حرف وآية من القرآن يزيد في إيمان المؤمن بقدر ازدياد الإيمان يزداد نوره في القلب. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} [التوبة: 125] مرض القلب ظلمة شكه ونفاقه وكفره وهو ضد سلامته وسلامة القلب خلوة من الظلمة لحصول النور فيه، {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} [التوبة: 125] أي ظلمة إلى ظلمتهم؛ لأنه إن كان في الإيمان بكل حرف وآية من القرآن نور، فكذلك في الإنكار والكفر بكل حرف وآية من القرآن ظلمة، فيضم إلى ظلمة الكفر والإنكار المتمكن به في القلب المريض فيزيد في مزيد رجس كفرهم ونفاقهم، {وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 125] يشير إلى أن موت القلب مودع في الكفر والنفاق. ثم أخبر عن موت القلب بقوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ} [التوبة: 126] كل، {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} [التوبة: 126] بالبلاء والمصائب، {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [التوبة: 126] وهذه الفتنة موجبة لانتباه القلب الحي نظيره قوله تعالى: {أية : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ}تفسير : [السجدة: 21]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}تفسير : [ق: 37] أي: قلب حي، {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} [التوبة: 126] إلى الله، {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] ويتعظون من قلوبهم ميتة والقلب الميت لا يرجع إلى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80]، وقال تعالى: {أية : لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً}تفسير : [يس: 70] أي: من كان قلبه حياً. ثم أخبر عن أمارات القلوب الميتة فقال تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} [التوبة: 127] بالإنكار عليها والإنكار من أمارات موت القلب، كما أن التصديق والإقرار من أمارات حياة القلب، {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} [التوبة: 127] أي يقول رآكم أحد في مقام الإنكار والنفاق يريدون به النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني: نحن ننكر القرآن ومحمد بالرسالة فهل يرى محمد إنكارنا على رسالته وعلى القرآن؟ فإنه إن كان رسولاً يرانا بنور رسالته ويخبره الله عن حالنا، {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} [التوبة: 127] على هذه الحسبان والغرور؛ لأنه {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} [التوبة: 127] بإنكارهم وحسبانهم عن الإيمان ورؤية الحق بأنهم؛ أي: ذلك الصرف، {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] أي: ليس له فقه القلب من أمارات حياته وهو رؤية الحق وحياة القلب بالنور كما قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ}تفسير : [الأنعام: 122]، فافهم جدّاً.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: -منبها لعباده المؤمنين على ما ينبغي لهم- { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } أي: جميعا لقتال عدوهم، فإنه يحصل عليهم المشقة بذلك، وتفوت به كثير من المصالح الأخرى، { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ } أي: من البلدان، والقبائل، والأفخاذ { طَائِفَةٌ } تحصل بها الكفاية والمقصود لكان أولى. ثم نبه على أن في إقامة المقيمين منهم وعدم خروجهم مصالح لو خرجوا لفاتتهم، فقال: { لِيَتَفَقَّهُوا } أي: القاعدون { فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ } أي. ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له. وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه اللّه علما ومنحه فهما. وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدا واحدا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور.
همام الصنعاني
تفسير : 1142- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً}: [الآية: 122]، قال: كافة ويدعون النبي صلى الله عليه وسلم. 1143- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسنِ، في قوله تعالى: {مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ}: [الآية: 122]، قال: بتفقه الذين خرجوا مما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصر. {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ}: [الآية: 122]، إذا رجعوا إليهم. 1144- عبد الرزاق، عن معمر، وقال قتادة: ليتفقه الذين قعدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، قال: ينذر الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):