Verse. 1358 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا قَاتِلُوا الَّذِيْنَ يَلُوْنَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوْا فِيْكُمْ غِلْظَۃً۝۰ۭ وَاعْلَمُوْۗا اَنَّ اللہَ مَعَ الْمُتَّقِيْنَ۝۱۲۳
Ya ayyuha allatheena amanoo qatiloo allatheena yaloonakum mina alkuffari walyajidoo feekum ghilthatan waiAAlamoo anna Allaha maAAa almuttaqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار» أي الأقرب فالأقرب منهم «وليجدوا فيكم غلظة» شدة، أي أغلظوا عليهم «واعلموا أن الله مع المتقين» بالعون والنصر.

123

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه نقل عن الحسن أنه قال: هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة، ثم إنها صارت منسوخة بقوله: { أية : قَاتَلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } تفسير : [التوبة: 36] وأما المحققون فإنهم أنكروا هذا النسخ وقالوا: إنه تعالى لما أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم في ذلك الباب إلى الطريق الأصوب الأصلح، وهو أن يبتدؤا من الأقرب فالأقرب، منتقلاً إلى الأبعد فالأبعد. ألا ترى أن أمر الدعوة وقع على هذا الترتيب قال تعالى: { أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب لأنه عليه السلام حارب قومه، ثم انتقل منهم إلى غزو سائر العرب ثم انتقل منهم إلى غزو الشام، والصحابة رضي الله عنهم لما فرغوا من أمر الشأم دخلوا العراق. وإنما قلنا: إن الابتداء بالغزو من المواضع القريبة أولى لوجوه: الأول: أن مقابلة الكل دفعة واحدة متعذرة، ولما تساوى الكل في وجوب القتال لما فيهم من الكفر والمحاربة وامتنع الجمع، وجب الترجيح، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة، وكما في سائر المهمات، ألا ترى أن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الابتداء بالحاضر أولى من الذهاب إلى البلاد البعيدة لهذا المهم، فوجب الابتداء بالأقرب. والثاني: أن الابتداء بالأقرب أولى لأن النفقات فيه أقل، والحاجة إلى الدواب والآلات والأدوات أقل. الثالث: أن الفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة. الرابع: أن المجاورين لدار الإسلام إما أن يكونوا أقوياء أو ضعفاء، فإن كانوا أقوياء كان تعرضهم لدار الإسلام أشد وأكثر من تعرض الكفار المتباعدين، والشر الأقوى الأكثر أولى بالدفع، وإن كانوا ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل، وحصول عز الإسلام لسبب انكسارهم أقرب وأيسر، فكان الابتداء بهم أولى. الخامس: أن وقوف الإنسان على حال من يقرب منه أسهل من وقوفه على حال من يبعد منه، وإذا كان كذلك كان اقتدار المسلمين على مقاتلة الأقربين أسهل لعلمهم بكيفية أحوالهم وبمقادير أسلحتهم وعدد عساكرهم. السادس: أن دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهل كل بلد بقتال من يقرب منهم من الكفار كانت المؤنة أسهل، وحصول المقصود أيسر. السابع: أنه إذا اجتمع واجبان وكان أحدهما أيسر حصولاً وجب تقديمه، والقرب سبب السهولة، فوجب الابتداء بالأقرب. الثامن: أنا بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة بالأقرب فالأقرب، وفي الغزو بالأقرب فالأقرب، وفي جميع المهمات كذلك. فإن الأعرابي لما جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال عليه السلام له: « حديث : كل مما يليك » تفسير : فدلت هذه الوجوه على أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب. فإن قيل: ربما كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح، لأن الأبعد يقع في قلبه أنه إنما جاوز الأقرب لأنه لا يقيم له وزناً. قلنا: ذاك احتمال واحد، وما ذكرنا احتمالات كثيرة، ومصالح الدنيا مبنية على ترجيح ما هو أكثر مصلحة على ما هو الأقل، وهذا الذي قلناه إنما قلناه إذا تعذر الجمع بين مقاتلة الأقرب والأبعد، أما إذا أمكن الجمع بين الكل، فلا كلام في أن الأولى هو الجمع، فثبت أن هذه الآية غير منسوخة ألبتة. وأما قوله تعالى: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } قال الزجاج: فيها ثلاث لغات، فتح الغين وضمها وكسرها. قال صاحب «الكشاف»: الغلظة بالكسر الشدة العظيمة، والغلظة كالضغطة، والغلظة كالسخطة، وهذه الآية تدل على الأمر بالتغليظ عليهم، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 73] وقوله: { أية : وَلاَ تَهِنُواْ } تفسير : [آل عمران: 139]، [النساء: 104] وقوله في صفة الصحابة - رضي الله عنهم -: { أية : أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 54] وقوله: { أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ } تفسير : [الفتح: 29] وللمفسرين عبارات في تفسير الغلظة، قيل شجاعة وقيل شدة وقيل غيظاً. واعلم أن الغلظة ضد الرقة، وهي الشدة في إحلال النقمة، والفائدة فيها أنها أقوى تأثيراً في الزجر والمنع عن القبيح، ثم إن الأمر في هذا الباب لا يكون مطرداً، بل قد يحتاج تارة إلى الرفق واللطف وأخرى إلى العنف، ولهذا السبب قال: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } تنبيهاً على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم، فقوله: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } يدل على تقليل الغلظة، كأنه قيل لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا على أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة. واعلم أن هذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين. وذلك إما بإقامة الحجة والبينة، وإما بالقتال والجهاد، فإما أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالبيع والشراء والمجالسة والمؤاكلة فلا. ثم قال: {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } والمراد أن يكون إقدامه على الجهاد والقتال بسبب تقوى الله، لا بسبب طلب المال والجاه، فإذا رآه قبل الإسلام أحجم عن قتاله، وإذا رآه مال إلى قبوله الجزية تركه، وإذا كثر العدو أخذ الغنائم على وفق حكم الله تعالى.

القرطبي

تفسير : فيه مسألة واحدة ـ وهو أنه سبحانه عرّفهم كيفية الجهاد وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدوّ؛ ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام. وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبيّ صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين؛ فهي من التدريج الذي كان قبل الإسلام. وقال ٱبن زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العربُ، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 29]. وقد رُوي عن ٱبن عمر أن المراد بذلك الدّيْلم. ورُوي عنه أنه سئل بمن يبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال بالرّوم. وقال الحسن: هو قتال الديلم والترك والروم. وقال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنىٰ فالأدنىٰ. قلت: قول قتادة هو ظاهر الآية، واختار ٱبن العربي أن يبدأ بالروم قبل الدّيلم؛ على ما قاله ابن عمر لثلاثة أوجه. أحدها ـ أنهم أهل كتاب، فالحجة عليهم أكثر وآكد. الثاني ـ أنهم إلينا أقرب، أعني أهل المدينة. الثالث ـ أن بلادنا الأنبياء في بلادهم أكثر فاستنقاذها منهم أوجب. والله أعلم. {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}أي شدّة وقوة وحميّة. وروى الفضل عن الأعمش وعاصم «غَلْظة» بفتح الغين وإسكان اللام. قال الفرّاء: لغة أهل الحجاز وبني أسد بكسر الغين؛ ولغة بني تميم «غُلظة» بضم الغين.

البيضاوي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ} أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً بإنذار عشيرته الأقربين، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح. وقيل هم يهود حوالي المدينة كقريظة والنضير وخيبر. وقيل الروم فإنهم كانوا يسكنون الشأم وهو قريب من المدينة. {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} شدة وصبراً على القتال. وقرىء بفتح الغين وضمها وهما لغتان فيها. {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بالحراسة والاعانة.

ابن كثير

تفسير : أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولاً فأولاً، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلما فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجاً، شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام؛ لأنهم أهل الكتاب، فبلغ تبوك، ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال، وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام، ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع، ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوماً، فاختاره الله لما عنده، وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل، فثبته الله تعالى به، فوطد القواعد، وثبت الدعائم، ورد شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة، وبين الحق لمن جهله، وأدى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله؛ كما أخبر بذلك رسول الله، وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقاً وغرباً، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعداً وقرباً، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي، ثم لما مات شهيداً، وقد عاش حميداً، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شهيد الدار. فكسا الإسلام رياسة حلة سابغة، وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة، فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلت كلمة الله، وظهر دينه، وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، وكلما علوا أمة، انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار؛ امتثالاً لقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} وقوله تعالى: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي: وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم؛ فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقاً لأخيه المؤمن، غليظاً على عدوه الكافر؛ كقوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [المائدة: 54] وقوله تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الفتح: 29] وقوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 73] وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أنا الضحوك القتال» تفسير : يعني: أنه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه، وقوله: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: قاتلوا الكفار، وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إِذا اتقيتموه وأطعتموه، وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى، لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام، فأخذوا من الأطراف بلداناً كثيرة، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله، وتوكل على الله، فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه، وبقدر ما فيه من ولاية الله. والله المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ } أي الأقرب فالأقرب منهم {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } شدّة: أي أغلظوا عليهم {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ } بالعون والنصر.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَآمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ} فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم الروم قاله ابن عمر. الثاني: أنهم الديلم، قاله الحسن. الثالث: أنهم العرب، قاله ابن زيد. الرابع: أنه على العموم في قتال الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى، قاله قتادة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ يَلُونَكُم} العرب، أو الروم، أو الديلم، أو عام في قتال الأقرب فالأقرب.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب قال ابن عباس: مثل قريظة والنضير وخيبر ونحوها. وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم كانوا مكان الشأم والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. وقال بعضهم: هم الديلم. وقال ابن زيد: كان الذين يلونهم من الكفار العرب فقاتلوهم حتى فرغوا منهم فأمروا بقتال أهل الكتاب وجهادهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد. ونقل عن بعض العلماء أنه قال: نزلت هذه الآية قبل الأمر بقتال المشركين كافة فلما نزلت: {وقاتلوا المشركين كافة} صارت ناسخة لقوله تعالى: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} وقال المحققون من العلماء: لا وجه للنسخ، لأنه سبحانه وتعالى لما أمرهم بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة لأن قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور، ولهذا السبب قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم انتقل إلى قتال أهل الكتاب وهم: قريظة، والنضير، وخيبر، وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم في الشأم فكان فتح الشأم في زمن الصحابة ثم إنهم انتقلوا إلى العراق ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب تقوى بما ينال منهم من الغنائم على الأبعد. قوله سبحانه وتعالى: {وليجدوا فيكم غلظة} يعني شدة وقوة وشجاعة والغلظة ضد الرقة. وقال الحسن: صبراً على جهادهم {واعلموا أن الله مع المتقين} يعني بالعون والنصرة. قوله عز وجل: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً} يعني: وإذا أنزل الله سورة من سور القرآن فمن المنافقين من يقول يعني يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه يعني السورة إيماناً يعني تصديقاً ويقيناً وإنما يقول ذلك المنافقون استهزاء وقيل: يقول ذلك المنافقون لبعض المؤمنين فقال سبحانه وتعالى: {فأما الذين آمنوا فزادتهم أيماناً} يعني تصديقاً ويقيناً وقربة من الله، ومعنى الزيادة، ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته فالمؤمنون إذا أقروا بنزول سورة القرآن عن ثقة واعترفوا أنها من عند الله عز وجل زادهم ذلك القرار والاعتراف إيماناً وقد تقدم بسط الكلام على زيادة الإيمان في أول سورة الأنفال {وهم يستبشرون} يعني أن المؤمنين يفرحون بنزول القرآن شيئاً بعد شيء لأنهم كلما نزل ازدادوا إيماناً وذلك يوجب مزيد الثواب في الآخرة كما تحصل الزيادة في الإيمان بسبب نزول القرآن كذلك تحصل الزيادة في الكفر وهو قوله سبحانه {وأما الذين في قلوبهم مرض} أي شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضاً لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى العلاج {فزادتهم} يعني السورة من القرآن {رجساً إلى رجسهم} يعني كفراً إلى كفرهم وذلك أنهم كلما جحدوا نزول سورة أو استهزؤوا بها ازدادوا كفراً مع كفرهم الأول وسمي الكفر رجساً لأنه أقبح الأشياء وأصل الرجس في اللغة الشيء المستقذر {وماتوا} يعني هؤلاء المنافقين {وهم كافرون} يعني وهم جاحدون لما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: في هذه الآية الإيمان يزيد وينقص وكان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه ويقول تعالوا حتى نزداد إيماناً. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب وكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمعة سوداء في القلب وكلما ازداد النفاق ازداد السواد حتى يسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شقتتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} قيل: إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام. قال * ع *: وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ. وقالتْ فرقة: معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة. وقوله سبحانه: {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً}: أي: خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال بعضُ الصحابة: إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ. وقوله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً...} الآية: هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً} يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم؛ علَى جهة ٱلاستخفَافِ والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان. ووجه آخر؛ أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وٱرتقَى ٱعتقاده عن معارَضَة الشبهاتِ، {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}: هم المنافقون، و«الرجْسُ»؛ في اللغة: يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم. وقوله سبحانه: {أَوَلاَ يَرَوْنَ} يعني: المنافقين، وقرأ حَمزة: «أَوَلاَ تَرَوْنَ» - بالتاء من فوق -؛ على معنى: أولا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون؛ {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ}، أي: يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ: «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ»، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة وٱلاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم؛ إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما ٱلاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين. وقوله سبحانه: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ}: المعنى: وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ}: أي: هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} عَنْ طريق ٱلاهتداء؛ وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ ٱلاهتداءِ، وقد تقدَّم بيانُ قوله: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} .

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} الآية. نقل عن الحسن أنَّه قال هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين كافة. وأنكر المحقِّقُون هذا النسخ وقالوا: إنَّهُ تعالى لمَّا أمر بقتال المشركين كافة أرشدهم إلى الطَّريق الأصلح وهو أن يَبْتَدِئوا من الأقرب، فالأقرب، منتقلاً إلى الأبعدِ. ألا ترى أنَّ أمر الدعوةِ وقع على هذا الترتيب قال تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ}تفسير : [الشعراء:214] وأمر الغزوات وقع على هذا الترتيب؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام حارب قومه أولاً، ثم انتقل إلى غزو سائر العربِ، ثم انتقل إلى غزو الشَّام، والصَّحابة لمَّا فرغوا من أمر الشَّام دخلوا العراق. والعلَّة في الابتداء بالأقرب وجوه: أحدها: أنَّ مقابلة الكل دفعة واحدة متعذّر، والكُلُّ متساوٍ في وجود القتال لما فيه من الكُفْرِ والمحاربة، والجمع متعذِّر، والقرب مرجح ظاهر كما في الدعوة. وثانيها: أنَّ النفقات في الأقرب أقلّ، والحاجة إلى الدواب والآلات أقلّ. وثالثها: أن المجاهدين إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد، فقد عرضوا الذراري للفتنة، وأموالهم إلى النهب. ورابعها: أنَّ المجاورين لدار الإسلام إمَّا أن يكونوا أقوياء ضعفاء، فإن كانوا أقوياء فتعرّضهم لدار الإسلام أشدّ وأكثر من تعرض الأبعد، والشَّرُّ الأكثر أولى بالدفع، وإن كان ضعفاء كان استيلاء المسلمين عليهم أسهل؛ فكأن الابتداء بهم أولى. وخامسها: أن القريب يعلم أكثر من علم حال البعيد، فيكون غزوه أسهل. وسادسها: أنَّ دار الإسلام واسعة، فإذا اشتغل أهلُ كل بلدٍ بقتال من يليهم من الكفار كانت المؤمنة أسهل. وسابعها: أنَّهُ إذا اجتمع واجبات قدم أيسرها حصولاً. وثامنها: ما تقدَّم من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ في الدعوة بالأقرب، وبالغزو بالأقرب، وفي جميع المهمات كذلك. حتَّى إنَّ الأعرابي الذي جلس على المائدة، وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة قال له عليه الصلاة والسلام "حديث : كُلْ مِمَّا يَليكَ"تفسير : فدلت الآيةُ على أنَّ الابتداء بالأقرب واجبٌ. فإن قيل: ربَّمَا كان التخطي من الأقرب إلى الأبعد أصلح؛ لأنَّ الأبعد يقع في قلبه أنما جاوز الأقرب؛ لأنَّهُ لا يقيمُ له وزناً. فالجوابُ: أنَّ ذلك احتمالٌ واحد، وما ذكرنا احتمالات كثيرة، ومصالح الدنيا مبنيةٌ على ترجيح الأكثر مصلحة، وهذا الذي قلناه إنَّما هو فيما إذا تعذَّر الجمعُ بين مقابلة الأقرب والأبعد وأما إذا أمكن الجمع بين الكل، فالأولى هو الجمع. قوله: "وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ" هو من باب: "لا أرينَّك ههنا"، وتقدم شرحه [الأنفال:25]. "غِلْظَةً" قرأ الجمهور بكسر الغين، وهي لغة أسد. وقرأ الأعمشُ، وأبانُ بن تغلب، والمفضَّلُ كلاهما عن عاصم بفتحها، وهي لغة الحجاز. وقرأ أبُو حيوة، والسُّلمي، وابنُ أبي عبلة والمفضل، وأبانُ في رواية عنهما "غُلْظة" بالضَّم، وهي لغةُ تميم، وحكى أبُو عمرو اللغات الثلاث. والغِلْظَة: أصلها في الأجْرَام، فاستعيرت هنا للشِّدَّة والصَّبر والتَّجلد قال المفسرون: شجاعة، وقيل: عنفاً، وقيل: شدة. والغلظة ضد الرِّقة، وفائدتها أنها أقوى تأثيراً في الزَّجْرِ، والمنع عن القبيح، وهذا غيرُ مطَّرد، بل يحتاجُ تارة إلى الرِّفْقِ واللُّطفِ، وتارة إلى العنف، ولهذا قال: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} تنبيهاً على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة ألبتة فإنَّه ينفرُ ويوجب تفرق القوم، فقوله: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} يدلُّ على تقليل الغلظة، كأنَّهُ قيل لا بد وأن يكونوا بحيثُ لو فتَّشُوا عن أخلاقكم، وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وهذا الكلامُ إنَّما يصحُّ فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة؛ فلا يخلو عن نوع غلظة. وهذه الغلظةُ إنَّما تعتبرُ فيما يتعلَّق بالدَّعوة إلى الدِّين، إمَّا بإقامة الحُجَّةِ، وإمَّا بالقتال فأمَّا فيما يتعلقُ بالبيع، والشراء، ونحوه فلا. ثم قال {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: بالفوز والنصر، ويكون إقدامه على القتال بسبب تقوى الله لا بسبب طلب المال والجاه. قوله تعالى {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ} الآية. لمَّا ذكر مخازي المنافقين وأعمالهم القبيحة قال: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} "ما" صلة مؤكدة "فَمِنْهُم" أي: من المنافقين: "مَنْ يقُولُ" قيل: يقولُ بعضهم لبعض، ليثبتوهم على النِّفاقِ وقيل: يقولونه لعوام المسلمين، ليصرفوهم عن الإيمان، وقيل: يقولون ذلك على سبيل الهزؤ. قوله: "أيُّكُمْ" الجمهور على رفع "أيُّكُمْ" بالابتداءِ، وما بعده الخبر. وقرأ زيدُ بنُ عليّ وعبيد بن عمير بالنصب، على الاشتغال، ولكن يُقدَّر الفعل. متأخراً عنه من أجلِ أنَّ لهُ صدر الكلام. والنَّصب عند الأخفش في هذا النحو أحسنُ من الرفع؛ لأنَّهُ يجري اسم الاستفهام مجرى الأسماء المسبوقةِ بأداة الاستفهام، نحو: أزيداً ضربته، في ترجيح إضمار الفعلِ. قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي: يقيناً وتصديقاً؛ لأنَّهُم يقرُّون بها ويعترفون بأنَّها حقٌّ من عند الله، وتقدم الكلامُ في زيادة الإيمان، ونقصانه في أول سورة الأنفال [الأنفال:2] ثم قال: {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي: يفرحون بنزول القرآن، وقيل: بثوابِ الآخرة، وقيل: بالنَّصر والظفر. والاستبشار: استدعاء البشارة؛ لأنَّهُ كُلَّما يذكر النعمة حصلت البشارة فهو بالتذكر يطلب تجدُّد البشارة، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للمذكورين في المؤمنين. فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي: شكٌّ ونفاق: {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} والمرادُ بالرِّجْسِ: إمَّا العقائد الباطلةُ، وإما الأخلاقُ المذمومة، فعلى الأول يكون المعنى: كانوا مكذبين بالسُّورِ النَّازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذِّبين بهذه السُّورة الجديدة، فقد انضمَّ كفرٌ إلى كفرٍ. وعلى الثاني: أنَّهم كانُوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد، والآن زادت تلك الأخلاق الذَّميمة بسبب نزول هذه السُّورة الجديدة. والأمر الثاني: أنَّهم يموتون على كفرهم، وهذه الحالة مضادة للاستبشار الذي حصل في المؤمنين، وهذه الحالة أقبحُ من الحالةِ الأولى؛ لأنَّ الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرَّجاسة وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكُفْرِ وموتهم عليه. قال مجاهدٌ: "في هذه الآية الإيمان يزيدُ وينقصُ، وكان عمر يأخذُ بيد الرَّجُلِ والرجلين من أصحابه فيقولُ تعالوا نزداد إيماناً، وقال عليُّ بن أبي طالبٍ: إنَّ الإيمان يبدو نقطة بيضاء في القلب، وكلما ازداد الإيمان عظماً ازداد ذلك البياضُ حتَّى يبيضَّ القلب كله وأيْمُ الله لو شققتم عن قلبِ المؤمنِ لوجدتموه أبيضَ، ولو شققتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود. قوله: "أَوَ لاَ يَرَوْنَ" قرأ حمزة، ويعقوب بتاء الخطابِ، وهو خطابُ للذينَ آمنُوا والباقون بياءِ الغيبة، رجُوعاً على {ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}. والرُّؤية هنا تحتمل أن تكون قلبية وأن تكون بصريةً. قال الواحديُّ: قوله: "أولا تَروْنَ" هذه ألف الاستفهام دخلت على "واو" العطف، فهو متصل بذكر المنافقين، وهو خطاب على سبيل التنبيه قال سيبويه عن الخليلِ في قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً}تفسير : [الحج:63] المعنى: أنزل الله من السماءِ ماء؛ فكان كذا وكذا. قوله: {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} أي: يبتلون "في كُلِّ عام مرَّةً أو مرَّتين" بالأمراض والشدائد. "ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ" عن ذلك النِّفاق، ولا يتَّعظُون كما يتَّعظُ المؤمنُ إذا مرض، فإنَّهُ يتذكَّرُ ذنوبه، وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك خوفاً وإيماناً، قاله ابنُ عبَّاسٍ. وقال مجاهدٌ: يفتنون بالقحطِ والشِّدة والجوع. وقال قتادة: بالغزو والجهاد؛ لأنَّهُم إذا تخلَّفوا وقعوا في ألسنة النَّاس باللَّعْن والخزي والذكر القبيح، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين فقد عرَّضُوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنَّهْبِ من غير فائدة. قال مقاتل: يفضحون بإظهار نفاقهم. وقال عكرمةُ: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السَّنة مرة أو مرتين "ثُمَّ لا يتوبُونَ" من نقض العهدِ، ولا يرجعون إلى الله من النِّفاقِ؛ "وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ" أي: لا يتَّعظُون بما يرونَ من تصديق وعد الله بالنَّصر والظفر للمسلمين. قوله تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} الآية. هذا نوع آخر من مخازي المنافقين، وهو أنَّهُ كلما نزلت سورة مشتملة على شرح فضائح المنافقين وسمعوها تأذّوا من سماعها، ونظر بعضهم إلى بعض نظراً مخصوصاً دالاً على الطَّعْن في تلك السُّورة والاستهزاء بها، وتحقير شأنها، ويحتملُ أنَّهُمْ كانوا يستحقرون القرآن كُلَّهُ؛ فكلما سمعوا سورة، استهزءوا بها وطعنوا فيها، وضحكوا وتغامزوا، وقيل: نظر بعضهم إلى بعض يريدون الحرب. قوله: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} في محل نصب بقول مضمر، أي: يقولون: هل يراكم، وجملةُ القول في محل نصب على الحال، و "مِنْ أحَدٍ" فاعل. والمعنى: أنَّهم عند سماع تلك السُّورةِ يتأذون، ويريدون الخروج من المسجد، يقول بعضهم لبعض {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} من المؤمنين إن قمتم، فإن لم يراهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أنَّ أحداً يراهم أقاموا وثبتوا. وقيل: إنهم كانُوا إذا نزلت سورةٌ اشتدَّ كفرهم ونفاقهم، وذلك النظر دالٌّ من الإنكار الشديد، والنفرة التامة، فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النَّظر وتلك الأحوال الدَّالة على النِّفاقِ والكفر؛ فعند ذلك قالوا: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} أي: لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم جدّاً. ثم قال تعالى: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} قال ابنُ عبَّاسٍ: عن كل رشد وخير وهدى وقال الحسن: طبع الله على قلوبهم. وقال الزجاج "أضلهم اللهُ تعالى مجازاةً على فعلهم". ذلك: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} عن الله دينه. قال ابنُ عبَّاسٍ: لا تقولُوا إذا صليتم انصرفنا من الصلاة فإنَّ قوماً انصرفوا؛ فصرف اللهُ قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة. والمقصود: التفاؤل بترك هذه اللَّفظة الواردة فيما لا ينبغي، والتَّرغيب في تلك اللفظةِ الواردة في الخير قال تعالى: {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ}تفسير : [الجمعة:10]. قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} الآية. لمَّا أمر رسوله - عليه الصلاة والسلام - أن يبلغ التكاليف الشاقَّة في هذه السورة إلى الخلق وهي مما يعسر تحملها؛ إلاَّ لمن خصَّه الله بالتوفيق، ختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف، وهو أنَّ هذا الرسول منكم؛ فكلُّ ما يحصلُ له من العزّ والشَّرف، فهو عائدٌ إليكم فهو كالطبيب المشفق، والأب الرحيم في حقكم، وإن كان كذلك صارت تلك التكاليف، وتلك التأديبات جارية مجرى الإحسان. قوله "مِنْ أَنفُسِكُمْ" صفة لـ "رسُول" أي: من صميم العربِ. قال ابنُ عباسٍ: ليس من العرب قبيلة إلاَّ وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم وله فيهم نسب. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَا ولدَنِي مِنْ سفاحِ أهْلِ الجاهليَّة شيءٌ، ما ولدَنِي إلاَّ نكاحٌ كنِكَاحِ الإِسلامِ ". تفسير : وقرأ ابنُ عبَّاسٍ، وأبو العالية، والضحاك، وابن محيصن، ومحبوب عن أبي عمرو، والزهري، وعبدُ الله بن قسيط المكي، ويعقوبُ من بعض طرقه، وهي قراءةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة، وعائشة بفتح الفاء، أي: من أشْرفكُم، من النَّفاسة. فصل اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمس صفات، أولها: قوله "مِنْ أنفُسِكُم" وفيه وجوه: أحدها: ما تقدم عن ابن عباس، والمراد منه: ترغيب العرب في نصرته والقيام بخدمته، أي: كلّ ما يحصل له من الدولة والرفع في الدنيا، فهو سبب لعزكم، فإنه منكم، ومن نسبكم. وثانياً: يريد أنه بشر مثلكم، كقوله {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ}تفسير : [يونس:2] وقوله: {أية : إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [الكهف:110] والمعنى: أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على النَّاسِ، كما قرر في الأنعام. وثالثها: أنَّ هذا خطاب لأهل الحرم؛ لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته، وكانوا يخدمونهم، فكأنه قيل للعرب: كنتم قبل مقدمه مجتهدين في خدمة أسلافه، فلم تتكاسلوا عن خدمته مع أنَّهُ أعلى في الشَّرفِ من أسلافه. والصفة الثانية: قوله "عَزِيزٌ" فيه أوجه: أحدها: أنَّهُ صفة لـ "رسُول"، وفيه أنه تقدَّم غيرُ الوصف الصَّريح على الوصف الصَّريح. وقد يجاب بأنَّ "مِنْ أنفُسِكُم" متعلق بـ "جَاءَ" و "ما" يجوزُ أن تكون مصدرية، أو بمعنى "الذي". وعلى كلا التقديرين فهي فاعل بـ "عَزِيز"، أي: يعزُّ عليه عنتُكم، أو الذي عنتُّمُوهُ، أي: عنتُهم يُسيئه، فحذف العائد على التدرج؛ وهذا كقوله: [الوافر] شعر : 2861- يَسُرُّ المَرْء ما ذهبَ اللَّيَالِي وكانَ ذهَابُهُنَّ لهُ ذَهَابَا تفسير : أي: يَسُرُّه ذهاب الليالي. ويجوز أن يكون "عزيزٌ" خبراً مقدماً، و "مَا عَنتُّمْ" مبتدأ مؤخراً والجملةُ صفة لـ "رسُول" وجوَّزَ الحوفي: أن يكون "عزيزٌ" مبتدأ، و "ما عنتم" خبره وفيه الابتداء بالنَّكرةِ؛ لأجْلِ عملها في الجارِّ بعدها. وتقدَّم معنى {أية : ٱلْعَنَتَ}تفسير : [النساء:25]. والأرجح أن يكون "عَزيزٌ" صفة لـ "رسُولٌ" لقوله بعد ذلك "حَرِيصٌ" فلم يجعل خبراً لغيره وادِّعاءُ كونه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو حريصٌ، لا حاجة إليه. قال الفرَّاءُ: "ما" في قوله: "مَا عنِتُّم" في موضع رفع، أي: عزيز عليه عنتكم، أي: يشقُّ عليه مكروهكم. وقال القتيبيُّ: ما أعنتكم وضركم. وقال ابن عباس: ما ضللتم. وقال الضحاكُ والكلبيُّ: ما آثمكم. والصفة الثالثة: قوله: "حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ" والحريص يمتنع أن يكون متعلقاً بذواتهم، بل المراد حريص على إيصال الخيراتِ إليكم في الدُّنيا والآخرة، وعلى هذا التقدير يكونُ قوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: شديد معزَّته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم؛ لأنَّ العزيز هو الغالب الشَّديد، وبهذا التقدير لا يحصلُ التَّكرار. والصفة الرابعة والخامسة قوله: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} "بالمُؤمنينَ" متعلقٌ بـ "رَءُوفٌ" ولا يجوز أن تكون المسألةُ من التنازع؛ لأنَّ شرطه تأخُّر المعمول عن العاملين، وإن كان بعضهم قد خالف، ويجيزُ: زيداً ضربتُ وشتمته، على التَّنازع. وإذا فرَّعنا على هذا الضعيف، فيكون من إعمال الثاني، لا الأول، لما عُرف أنَّهُ متى أعمل الأوَّلُ أضمر في الثاني من غير حذف. فصل قال ابن عباس: سمَّاه الله تعالى ههنا باسمين من أسمائه. والمعنى: رءوفٌ بالمطيعين. فإن قيل: كيف يكون كذلك، وقد كلَّفهم في هذه السُّورة بأنواعٍ من التَّكاليفِ الشَّاقَّة التي لا يقدرُ على تحملها إلا من وفقه الله تعالى. فالجوابُ: قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق، والأدب المشفق، والمعنى: أنه فعل بهم ذلك ليتخلَّصُوا من العقاب المؤبد، ويفُوزُوا بالثَّواب المؤبد. فإن قيل: لمَّا قال: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} فهذا النَّسق يوجب أن يقال: رءوف رحيم بالمؤمنين، فلم ترك هذا النسق وقال: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. فالجواب: أنَّ هذا يفيد الحصر، أي: لا رأفة ولا رحمة إلا بالمؤمنين. فأما الكفار فليس له عليهم رأفة ولا رحمة، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التَّغليظِ، كأنَّهُ يقول: إنِّي وإن بالغت في التَّغليظِ في هذه السُّورة، إلاَّ أنَّ ذلك التَّغليظ على الكُفَّارِ والمنافقين، وأما رحمتي، ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين. قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} يعني: المشركين والمنافقين، أي: أعرضوا عنك وقيل: تولوا عن طاعة الله وتصديق الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام - وقيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السُّورة. وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد. {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} والمرادُ: أنَّه لا يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف؛ لأنَّ الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء. "عليْهِ توكَّلتُ" أي: لا أتوكل إلاَّ عليه: {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}. فإن قيل: العرشُ غير محسوس، فلا يعرف وجوده إلاَّ بعد ثُبوتِ الشريعةِ، فكيف يمكنُ ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى؟. فالجواب: وجود العرش أمرٌ مشهورٌ، والكفار سمعوه من اليهود والنصارى وأيضاً لا يبعد أنَّهُم كانوا قد سمعُوهُ من أسلافهم. وقرأ الجمهور بجرِّ الميم من "العَظيمِ" صفة للعرش. وقرأ ابنُ محيصنٍ برفعها نعتاً للرب ورويت هذه قراءة عن ابن كثير. قال أبو بكر الأصم: "وهذه القراءة أعجبُ إليَّ؛ لأنَّ جعل "العظيم" صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش" وأيضاً قال "فإن جعلناه صفة للعرش، كان المراد من كونه عظيماً كبر جثته وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما ذكر في الأخبار وإن جعلناه صفة لله تعالى كان المرادُ من العظمة وجوب التقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض، وكمال العلم والقدرة، وكونه منزَّهاً عن أن يتمثل في الأوهام، أو اتصل إليه الأفهام". فصل روي عن أبيّ بن كعب والحسن قالا: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة:128] إلى آخرها. وقال أبي بن كعب: "هما أحدث الآيات بالله عهداً" وفي رواية: "أقرب القرآنِ من السَّماءِ عهداً" وهو قول سعيد بن جبير. وقيل: آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:281]. قال القرطبي "يحتمل أن يكون قول أبيّ: أقرب القرآن من السماء عهداً بعد قوله "وَٱتَّقُواْ يَوْماً" والله أعلمُ. ونقل عن حذيفة أنَّهُ قال: أنتم تسمُّون هذه السورة بالتوبة وهي سورة العذاب، ما تركت أحداً إلاَّ نالتْ منه". قال ابنُ الخطيبِ: "وهذه الرواية يجب تكذيبها؛ لأنَّا لو جوزنا ذلك؛ لكان ذلك دليلاً على تطرُّق الزيادة والنقصان إلى القرآن وهو باطلٌ". وروت عائشة قالت: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّه ما نزل عليَّ القرآنُ إلاَّ آيةً آيةً وحَرْفاً حَرْفاً ما خلا سُورة براءة، و {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] فإنَّما نزلتَا عليَّ ومعهما سَبْعُونَ ألف صف مِنَ الملائكةِ كُلُّهُم يقُولُ: يا مُحمَّدُ استوصِ بنسبةِ اللهِ خَيْراً ".

البقاعي

تفسير : ولما علمت المقاصد وتهيأت القلوب لقبول الفوائد، وأمر بالإنذار بالفقه، وكان من الناس من لا يرجع إلا بشديد البأس، أقبل على الكل مخاطباً لهم بأدنى أسنان القلوب ليتوجه إلى الأدنى ويتناول الأعلى منه من باب الأولى فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادَّعوا بألسنتهم الإيمان {قاتلوا} أي تصديقاً لدعواكم ذلك {الذين يلونكم} أي يقربون منكم {من الكفار} فالذين يلونهم إن لم تروا غيره أصلح لمعنى يعرض لما في ذلك من حسن الترتيب ومقتضى الحكمة ولأن الجهاد معروف وإحسان، والأقربون أولى بالمعروف، ولتبعدوا العدو عن بلادكم فيكثر صلاحهم ويقل فسادكم وتكونوا قد جمعتم بالتفقه والقتال بين الجهادين: جهاد الحجة وجهاد السيف مع الاحتراس بهذا الترتيب من أن يبقى وراءكم إذا قاتلتم من تخشون كيده. ولما كانت الملاينة أولى بالمسالمة، والمخاشنة أولى بالمصارمة، قال: {وليجدوا} من الوجدان {فيكم غلظة} أي شدة وحمية لأن ذلك أهيب في صدورهم. وأكف عن فجورهم، وحقيقة الغلطة في الأجسام، استعيرت هنا للشدة في الحرب، وهي تجمع الجراءة والصبر على القتال وشدة العدواة، فإذا فعلوا ذلك كانوا جامعين بين جهاد الحجة والسيف كما قيل: شعر : من لا يعدله القرآن كان له من الصغار وبيض الهند تعديل تفسير : نبه على ذلك أبو حيان. ولما كان التقدير: وليكن كل ذلك مع التقوى لا بسبب مال ولا جاه فإنها ملاك الأمر كله، قال منبهاً على ذلك بقوله: {واعلموا أن الله} أي الذي له الكمال كله {مع المتقين*} فلا تخافوا أن يؤدي شيء من مصاحبتها إلى وهن فإن العبرة بمن كان الله معه. ولما ذكر هذه السورة أي الطائفة الحاضة بصيغة "لولا" على النفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمرة بجهاد الكفار والغلظة عليهم، وكان لا يحمل على ذلك إلا ما أشار إليه ختم الآية السالفة من التقوى بتجديد الإيمان كلما نزل شيء من القرآن، وكان قد ذكر سبحانه المخالفين لأمر الجهاد بالتخلف دون أمر الإيمان حين قال {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} التفت إلى ذلك ليذكر القسم الآخر وهو القاعد عن الإيمان فقال: {وإذا} وأكد بزيادة النافي تنبيهاً على فضل الإيمان فقال: {ما}. ولما كان المنكي لهم مطلق النزول، بني للمفعول قوله: {أنزلت سورة} أي قطعة من القرآن، أي في معنى من المعاني {فمنهم} أي من المنزل إليهم {من يقول} أي إنكاراً واستهزاء، وهم المنافقون {أيكم} أي أيها العصابة المنافقة {زادته هذه إيماناً} إيهاماً لأنهم متصفون بأصل الإيمان، لأن الزيادة ضم الشيء إلى غيره مما يشاركه في صفته، هذا ما يظهرون تستراً، وأما حقيقة حالهم عند أمثالهم فالاستهزاء استبعاداً لكونها تزيد أحداً في حاله شيئاً، وسبب شكهم واستفهامهم أن سامعيها انقسموا إلى قسمين: مؤمنين ومنافقين، ولذلك أجاب تعالى بقوله مسبباً عن إنزالها: {فأما الذين آمنوا} أي أوقعوا الإيمان حقيقة لصحة أمزجة قلوبهم {فزادتهم} أي تلك السورة {إيماناً} أي بإيمانهم بها إلى ما كان لهم من الإيمان بغيرها وبتدبرها ورقة القلوب بها وفهم ما فيها من المعارف الموجبة لطمأنينة القلوب وثلج الصدور. ولما كان المراد بالإيمان الحقيقة وكانت الزيادة مفهمة لمزيد عليه، استغنى عن أن يقول: إلى إيمانهم، لذلك ولدلالة {الذين آمنوا} عليه {وهم يستبشرون*} أي يحصل لهم البشر بما زادتهم من الخير الباقي الذي لا يعدله شيء {وأما الذين} وبين أن أشرف ما فيهم مسكن الآفة فقال: {في قلوبهم مرض} فمنعهم الإيمان وأثبت لهم الكفران فلم يؤمنوا. ولما كان المراد بالمرض الفساد المعنوي المؤدي إلى خبث العقيدة، عبر عنه بالرجس فقال: {فزادتهم رجساً} أي اضطراباً موجباً للشك، وزاد الأمر بياناً بأن المراد المجاز بقوله: {إلى رجسهم} أي شكهم الذي كان في غيرها {وماتوا} أي واستمر بهم ذلك لتمكنه عندهم إلى أن ماتوا {وهم كافرون*} أي عريقون في الكفر، وسمي الشك في الدين مرضاً لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كفساد البدن في الاحتياج، ومرض القلب أعضل، وعلاجه أعسر وأشكل، ودواءه أعز وأطباؤه أقل. ولما زاد الكفار بالسورة رجساً من أجل كفرهم بها، كانت كأنها هي التي زادتهم، وحسن وصفها بذلك كما حسن: كفى بالسلامة داء، وكما قال الشاعر: شعر : أرى بصري قد رابني بعد نصحه وحسبك داء أن تصح وتسلما تفسير : قاله الرماني، فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه في وجدانهم، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور الثمرات مزيل للشبهات، والآية من الاحتباك: إثبات الإيمان أولاً دليل على حذف ضده ثانياً، وإثبات المرض ثانياً دليل على حذف الصحة أولاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏قاتلوا الذين يلونكم من الكفار‏}‏ قال‏:‏ الأدنى فالأدنى‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك‏.‏ مثله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال‏:‏ كان الذين يلونه من الكفار العرب، فقاتلهم حتى فرغ منهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد‏.‏ أنه سئل عن قتال الديلم فقال‏:‏ قاتلوهم فإنهم من الذين قال الله تعالى ‏{‏قاتلوا الذين يلونكم من الكفار‏} ‏‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن‏.‏ أنه كان إذا سئل عن قتال الروم والديلم، تلا هذه الآية ‏ {‏قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة‏} ‏ قال‏:‏ شدة‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر‏‏ أنه سئل عن غزو الديلم فقال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏{‏قاتلوا الذين يلونكم من الكفار‏} ‏ قال‏:‏ الروم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏{‏وليجدوا فيكم غلظة‏} ‏ قال‏:‏ شدة‏.

ابو السعود

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ} أُمروا بقتال الأقربِ منهم فالأقرب كما أُمر عليه الصلاة والسلام أولاً بإنذار عشيرتِه فإن الأقربَ أحقُّ بالشفقة والاستصلاحِ. قيل: هم اليهودُ حوالي المدينة كبني قرُيظةَ والنَّضير وخيبَر، وقيل: الرومُ فإنهم كانوا يسكنون الشامَ وهو قريبٌ من المدينة بالنسبة إلى العراق وغيره {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي شدة وصبراً على القتال وقرىء بفتح الغين كسَخْطة وبضمها وهما لغتان فيها {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بالعصمة والنصرة والمرادُ بهم إما المخاطَبون، ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضمير للتنصيص على أن الإيمانَ والقتالَ على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادةِ بكونه من ومرة المتقين، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ، وقد ذُكر وجهُ دخولِ مع على المتبوع في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا} تفسير : [التوبة: 40] {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من سور القرآن {فَمِنْهُمْ} أي من المنافقين {مَن يِقُولُ} لإخوانه ليثبِّتهم على النفاق أو لعوامّ المؤمنين وضعفتِهم ليصُدّهم عن الإيمان {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ} السورةُ {إِيمَـٰناً} وقرىء بنصب أيَّكم على تقدير فعلٍ يفسِّره المذكورُ أي أيُّكم زادتْه هذه الخ، وإيرادُ الزيادةِ مع أنه لا إيمانَ فيهم أصلاً باعتبار اعتقادِ المؤمنين حسبما نطَق به قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} تفسير : [الأنفال: 2] {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} جوابٌ من جهته سبحانه وتحقيقٌ للحق وتعيـينٌ لحالهم عاجلاً وآجلاً أي فأما الذين آمنوا بالله تعالى وبما جاء من عنده {فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} بزيادة العلمِ اليقينيِّ الحاصلِ من التدبر فيها. والوقوفِ على ما فيها من الحقائق وانضمامِ إيمانِهم بما فيها بإيمانهم السابق {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بنزولها وبما فيه من المنافع الدينيةِ والدنيوية.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} [الآية: 123]. قال سهل: النفس كافرة فقاتلها بالمخالفة لهواها، واحملها على طاعة الله والمجاهدة فى سبيله وأكل الحلال وقول الصدق وما قد أمرت به من مخالفة الطبيعة.

القشيري

تفسير : أقربُ الأعداء إلى المسلم من الكفار، الذي يجب عليه منازعته هو أعدى عدوِّه أي نَفْسُه. فيجب أن يبدأ بمقاتلة نَفْسِه ثم بمجاهدة الكفار، قال عليه السلام: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ". تفسير : قوله: {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} من حابى عدوه قهره، وكذلك المريد الذي ينزل عن مطالباتِ الحقيقة إلى ما يتطلبه من التأويلات فيفسخ عَهْدَه، وينقض عَقْدَه، وذلك كالرِّدَّةِ لأهل الظاهر.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا} اقروا بالله وبوحدانيته وصدقوا بحضرة صاحب الرسالة وحقانيته {قاتلوا الذين} كارزار كنيد آنانكه] {يلونكم} الولى القرب والدنو {من الكفار} اى قاتلوا من نحوكم ويقربكم من العدو وجاهدوا الاقرب فالاقرب ولا تدعوا الاقرب وتقصدوا الابعد فيقصد الاقرب بلادكم واهاليكم واولادكم وفيه انهم اذا امنوا الاقرب كان لهم محاربة الابعد. واعلم ان القتال واجب مع كافة الكفرة قريبهم وبعيدهم ولكن الاقرب فالاقرب اوجب ولذا حارب عليه السلام قومه اولا ثم انتقل الى غزو سائر العرب ثم انتقل عنهم الى غزو الشام وكذا الصحابة رضى الله عنهم لما فرغوا من امر الشام دخلوا العراق وهكذا المفروض على اهل كل ناحية ان يقاتلوا من وليهم ما لم يضر بهم اهل ناحية اخرى وقد وقع امر الدعوة ايضا على هذا الترتيب فانه عليه السلام امر اولا بانذار عشيرته فان الاقرب احق بالشفقة والاستصلاح لتأكد حقه. واختلفوا فى افضل الاعمال بعض الفرائض. فقال الشافعى رضى الله عنه الصلاة افضل اعمال البدن وتطوعها افضل التطوع. وقال احمد لا اعلم شيئاً بعد الفرائض افضل من الجهاد لانه كان حرفة النبى عليه السلام. وقال ابو حنيفة ومالك لا شيء بعد فروض الاعيان من اعمال البر افضل من العلم لان الاعمال تبتنى عليه ثم الجهاد وبلغ من علم ابى حنيفة رحمه الله لى ان سمع فى المنام انا عند علم ابى حنيفة بعد ما قيل اين اطلبك يا رسول الله وفى الحديث "حديث : اقرب الناس من درجة النبوة اهل العلم واهل الجهاد" تفسير : اما اهل العلم فدلوا الناس على ما جاءت به الرسل واما اهل الجهاد فجاهدوا باسيافهم على ما جاءت به الرسل والجهاد سبب البقاء اذ لو تركه الناس لغلبهم العدو وقتلهم وفيه الحياة الدائم فى الآخرة لانه سبب الشهادة التى تورث تلك الحياة والشهداء احياء غير اموات: وفى المثنوى شعر : بس زيادتها درون نقصها ست مرشهيدانرا حيات اندر فناست[1] تفسير : {وليجدوا فيكم غلظة} اى شدة وصبرا على القتال. قال فى القاموس الغلظة مثلثة ضد الرقة وهذا الكلام من باب لا ارينك ههنا فانه وان كان على صورة ان ينهى المتكلم نفسه عن رؤية المخاطب ههنا الا ان المراد نهى المخاطب عن ان يحضر ههنا فكذا الآية فانها على صورة امر الكفار بان يجدوا من المؤمنين غلظة لكن المعنى على امر المؤمنين بان يعاملوا الكفار بالغلظة والخشونة على طريق الكناية حيث ذكر اللازم واريد الملزوم: وفى المثنوى شعر : هربيمبر سخت روبد درجهان يكسواره كفت برجيش شهان[2] رونكردانيد ازترس وغمى يك تن تنها بزد بر عالمى شعر : كوسفندان كربرننداز حساب زانبهشان كى بترسد آن قصاب تفسير : .قيل للاسكندر فى عسكر دارا الف الف مقاتل فقال ان القصاب لا تهوله كثرة الاغنام والعرب تقول الشجاعة وقاية والجبن مقتلة فاعتبروا بان من يقتل مدبرا اكثر ممن يقتل مقبلا: قال السعدى قدس سره شعر : آنكه جنك آرد بخون خويش بازى ميكند روزميدان وانكه بكريزد بخون لشكرى تفسير : ونعم ما قيل شعر : زهره مردان ندارى جون زنان در خانه باش وربميدان ميروى ازتير باران بر مكرد تفسير : واعلم ان السلاطين والوزراء والوكلاء بالنسبة الى العسكر كالقلب بالنسبة الى الاعضاء فكما ان القلب اذا صلح صلح الجسد كله فكذا الرئيس اذا ثبت واظهر الشجاعة ثبت ان الجيش كله [بهرام كفت هرانكه سرتاج دارد بايدكه دل ازسر بردارد هرانكه باى نهد درنكار خانة ملك يقين كه مال وسر وهرجه هست دربازد] {واعلموا ان الله مع المتقين} بالحراسة والاعانة والمراد بالمعية الولاية الدائمة وادخل على المتقين مع اختصاصه بالمتبوع لكونهم المباشرين للقتال ووضع المظهر موضع المضمر اى معكم اشارة الى علة النصرة وهى التقوى كأنه قيل واعلموا ان نصرة الله معكم بسبب تقواكم بالتوحيد والاسلام والايمان والطاعة عن الاشراك والكفر والنفاق والعصيان فى مرتبة الشريعة وبالله عن جميع ما سوى الله فى مرتبة الحقيقة لا مع الكفار المشركين المنافقين العاصين وان اعطاهم لوازم القتال مكرا واستدراجا كما اعطاكموها كرما واحسانا وبقدر تقواكم بالحق عن الخلق يسخر الله لكم الخلق وبقدر تسخيركم لله قواكم النفسانية يسخر الله لكم الكفار وبقدر تسخيركم لله قواكم الروحانية يسخر الله لكم المؤمنين. قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى مواقع النجوم اعلم يا بنى ان الله جل ثناؤه لما اراد ان يرقى عبده الخصوصى الى المقامات العلية قرب منه اعداءه حتى يعظم جهاده لهم ويشتغل بمحاربتهم اولا قبل محاربة غيرهم من الاعداء الذين هم منه ابعد قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين} الآية وحظ الصوفى وكل موفق من هذه الآية ان ينظر فيها الى نفسه الامارة بالسوء التى تحمله على كل محظور ومكروه وتعدل به عن كل واجب ومندوب للمخالفة التى جبلها الله عليها وهى اقرب الكفار والاعداء اليه فاذا جاهدها وقتلها او اسرها فحينئذ يصح له ان ينظر فى الاعيار على حسب ما يقتضيه مقامه وتعطيه منزلته فالنفس اشد الاعداء شكيمة واقواهم عزيمة فجهادها هو الجهاد الاكبر ومعنى الجهاد مخالفة هواها وتبديل صفاتها وحملها على طاعة الله: وفى المثنوى شعر : اى شهان كشتيم ما خصم برون ماند خصم زو بتر دراندرون قد رجعنا من جهاد الاصغريم باعدو اندر جهاد الا كبريم سهل شيرى دانكه صفها بشكند شير آن ست آنكه خودرا بشكند تفسير : وللنفس سيفان ماضيان تقطع بهما رقاب صناديد الرجال وعظمائهم وهما شهوتا البطن والفرج وشهوة البطن اقوى واشد من شهوة الفرج لانه ليس لها تأييد الا من سلطان شهوة البطن شعر : زان ندارى ميوه مانند بيد كآب روبردى بى نان سبيد تفسير : فما ملئ وعاء شر من بطن ملئ بالحلال هذا اذا كان القوت حلالا فكيف اذا كان حراما فالطعام والاكثار منه قاطع عن الطريق. وعن عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم وعطشوا اكبادكم لعل قلوبكم ترى الله تعالى وكذا الكلام وكذا التأذى بأذى الانام فعليه بالصبر وان لا يجدهم مؤذين لانه موحد فيستوى عنده المسيء والمحسن فى حقه بل ينبغى ان يرى المسيء محسنا وكذا المنام. قال بعض العلماء من سهر اربعين ليلة خالصا كوشف بملكوت السموات ايقظنا الله واياكم من رقدة الغفلة انه مجيب الدعوة.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}، أي: جاهدوا الأقرب فالأقرب بالتدريج، كما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته الأقربين، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح. وقيل: هم يهود حوالي المدينة، كقريظة والنضير وخيبر، وقيل: الروم بالشام؛ وهو قريب من المدينة، وكانت أرض العرب قد عمها الإسلام، وكانت العراق حينئذٍ بعيدة. {وليجدوا فيكم غِلْظَةً}؛ شدة وصبراً على قتالهم، {واعلموا أن الله مع المتقين} بالإعانة والنصر والحراسة. الإشارة: ينبغي لأهل الوعظ والتذكير أن يبدأوا بالأقرب فالأقرب على التدريج؛ قال الرفاعي رضي الله عنه: إذا أراد الله أن يرقي عبداً إلى مقامات الرجال؛ كلفه بأمر نفسه أولاً، فإذا أدب نفسه واستقامت معه، كلفه بأهله؛ فإن أحسن إليهم وساسهم، كلفه بأهل بلده، فإن أحسن إليهم وساسهم، كلفه جهةً من البلاد، فإن هو نصحهم، وساسهم، وأصلح سريرته مع الله، كلفه رتبة ما بين السماء والأرض، فإن لله خلقاً لا يعلمهم إلا الله، ثم لا يزال يرتفع من سماء حتى يرتفع ويصل إلى محل القطب الغوث، وهناك يطلعه الله على بعض غيبه. انتهى. والغلطة التي تكون في المذكر، إذا رأى منكراً، أو ذُكرَ له وأراد النهي عنه. وأما في الترغيب والإرشاد فينبغي أن يُغلب جانب اللطافة واللين. والله تعالى أعلم. ثم ذكر حال المنافقين عند نزول الوحي، لأن السورة جُلها في فضيحتهم، فقال: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ}.

الطوسي

تفسير : روى المفضل عن عاصم {غلظة} بفتح الغين. الباقون بكسرها، قال ابو الحسن قراءة الناس بالكسر، وهي العربية، قال وبه أقرأ ولا أعلم الفتح لغة. وقال غيره: هي لغة. وذكر الزجاج أن فيه ثلاث لغات الفتح والضم والكسر، والكسر أفصحها والكسر لغة أهل الحجاز والضم لغة تميم. امر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار الذين يلونهم يعني الأقرب فالأقرب وذلك يدل على أنه يجب على اهل كل ثغر أن يقاتلوا دفاعاً عن أنفسهم اذا خافوا على بيضة الاسلام إذا لم يكن هناك إمام عادل، وانما جاز من الله تعالى ان يأمر بالقتال ليدعوهم إلى الحق، ولم يجز ان يمنعهم من الكفر، لأن المنع ينافي التكليف. ومن قاتل الأبعد من الكفار وترك الأقرب فالاقرب فان كان باذن الامام كان مصيباً وان كان بغير أمره كان مخطئاً، ولو قال: قاتلوا الأقرب فالأقرب لصح لأنه يمكن ذلك. ولو قال: قاتلوا الأبعد فالابعد لم يصح لأنه لا حدّ للأبعد يبتدأ منه كما للأقرب. وقوله {وليجدوا فيكم غلظة} معناه وليخشوا منكم بالغلظة، والغلظة ضد اللين وخلاف الرقة، وهي الشدة في احلال النقمة، ومخرج الكلام على الأمر بالوجود، وإنما معناه يجدون ذلك، ويجوز ان يكون المراد وليعلموا منكم الغلظة. وقوله {واعلموا ان الله مع المتقين} امر من الله للمؤمنين ان يتيقنوا أن الله مع الذين يتقون معصيته، بالنصرة لهم، ومن كان الله ناصره في الحرب لم يغلبه احد. فأما إذا نصره بالحجة في غير الحرب فانه يجوز أن يغلب بالحرب لضرب من المحنة وشدة والتكليف.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} اى يقربون منكم فانّ التجاوز عنهم الى الاباعد لا يرتضيه العقل لانّه ايقاع للانفس بين الاعداء وترك للاحتياط بالنّسبة الى من خلّفتموه فى اوطانكم {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} وشدّة بأس حتّى لا يجترؤا عليكم {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} فاتّقوا اغراض النّفس فى القتال من المراياة والصّيت والغنيمة تنصروا فهو تخصيص على التّقوى.

الهواري

تفسير : قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ}. قال الحسن: كان هذا قبل أن يؤمر بقتال المشركين كافة، ثم أمر بقتال المشركين كافة بعدُ. قوله: { وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} أي: شدة عليهم { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ} أي بالنصر والتأييد. أي: إنه سينصركم عليهم. قوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم} يعني المنافقين؛ رجع إليهم قوله: {مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ} يعني السورة {إِيمَاناً} يقوله بعضهم لبعض. قال الله جواباً لقولهم قوله: { فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي تصديقاً إلى تصديقهم قوله: { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي بما يجيء من عند الله. { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} وهم المنافقون { فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} أي كفراً إلى كفرهم { وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} يقول: أنهم يموتون على الكفر. قوله: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال الحسن: يعني: يبتلون بالجهاد في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرون نصرَ اللهِ رسولَه {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} من نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ}. وقال مجاهد: يفتنون في كل عام مرة أو مرتين بالسنين والجوع. قوله: { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} يعني المنافقين {هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ} يعني من المسلمين؛ يقوله بعضهم لبعض قوله: { ثُمَّ انْصَرَفُوا} قال الحسن: يعني عزموا على الكفر. { صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُم} هذا دعاء واجب عليهم { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي لا يرجعون إلى الإيمان.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا قاتِلُوا الَّذينَ يلُونكُم مِنَ الكفَّارِ} كقريظة والنضير، وخيبر وفدك، ثم بعدهم روم الشام، ثم العراق، وهذا الأقرب فالأقرب لتتقووا بقائمهم، ومن يسلم منهم على البعيد، وتكون مدنهم كمدنكم، وأهلا تخلفوهم من ورائكم، إذ كانوا مملوكين أو مدعين أو مصالحين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما تجاوز قوما إلى آخرين، فكفه الله عز وجل عن ذلك لما ذكر، ولكون الأقرب نسبا أو موضعا أولى بالشفقة والإصلاح، كما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أولا بإنذار عشيرته، وقاتل قومه، ثم غيرهم من الحجاز ثم الشام، وفتحته الصحابة بعده، ثم فتحوا العراق، وهكذا يجب على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم، ما لم يضطروا إليهم أهل ناحية أخرى، بوقوع العدو عليهم، فيجب حينئذ على من بعد عنهم أن يقاتل معهم إن قدر، وهذا هو الصحيح عندى، وقيل: المراد قريظة والنضير، وخيبر وفدك، وقيل: الشام لأنه أقرب إلى المدينة من العراق وغيره، وهذا على أن الآية نزلت بعد فتح قريظة وما ذكر، وقيل: العرب، ولما قوتلوا نزل فى الروم وغيرهم: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} تفسير : إلى قوله: {أية : صاغرون}. تفسير : وقيل: الديلم، وقيل: نزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا} الخ قبل الأمر بقتال الكفار كافة، ثم نسختها آية الأمر بقتالهم كافة، وهى قوله: {أية : وقاتلوا المشركين كافة} تفسير : ويرده أن هذا على تسليمه ليس بنسخ، بل زيادة، ويرده أن هذه الآية من أواخر ما نزل، فقوله: {أية : وقاتلوا المشركين} تفسير : نزل قبلها: {ولْيَجِدُوا فيكُم غِلْظةً} أى كونوا بحال يجدون فيكم بها غلظة، أى شدة وقوة وشجاعة وصبرا، فعبر بالمسبب أو اللازم وهو وجودهم الغلظة فى المؤمنين عن السبب، أو الملزوم، وهو كون المؤمنين بتلك الحال، وقرأ الأعمش بفتح الغين وهو رواية المفضل عن عاصم، وقرأ ابن أبى عبلة، وأبو حيوة، وعاصم فى رواية عنه بضمها، ورويت الثلاثة عن أبى عمرو، وهى لغات. {واعلموا أنَّ اللهَ مَعَ المتَّقينَ} بالنصر والعون، قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون الناس بأعمالكم.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} فى الأَرض أَجانب أَو أَقارب فى النسب، نزلت الآية بعد ما قاتل أَهل اليمن لأَنهم أَبعد، وبعد ما قاتل قريظة والنضير وخيبر وفدك والعرب فى بدر وأُحد والأَحزاب، وقاتل الروم فى تبوك بعض قتال فلم يبق من يليه بعد قرب إِلا الروم فى الشام وتبوك منها فقاتلهم الصحابة والتابعون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ذلك انتقلوا إِلى العراق وهو أَبعد وإِلى خراسان ومصر وإِلى المغرب، وكل ذلك بعضه أَبعد من بعض، وقلَّت الصحابة فى فتح أَندلس حتى قيل لاصحابى فى قتالها. وفى كتاب الاستقصاءِ أَنه دخلها صحابى واحد، وقد ذكرت اسمه فى غير هذه السورة وهو المنيار، وسمى المغرب الأَقصى باعتبار أَنه أَبعد ما بلغ الإِيمان وإِلا فليس آخر العرب وإِنما فتحها بعد فتح المغرب، وكلما قاتلوا أَهل موضع وغلبوهم فهم فى ذلك الموضع يليهم الكفار بعده، وذلك قتال للمشركين حيث وجدوهم، فلا ينافى "أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم"تفسير : [التوبة: 5] وإِنما يقال نسخت هذه الآية بقوله عز وجل: اقتلوا المشركين، لو صح أَنه قاتل بعد نزولها من هو أَبعد، قبل من هو أَقرب، ولم يثبت ذلك فلا نسخ، وقتالهم دفعة لا يتصور وفيه مضرة، وإِذا قاتلوا الأَقرب فالأَقرب تقووا بالغنيمة ونجوا من شر عدو بينهم وبين العدو الآخر، فلو تركوا عدوا وراءَهم خافوه على أَهلهم ومالهم وخافوه أَن يرجعوا عليهم مع من قصدوه، وزعم قوم أَن المراد الأَقرب نسباً وهو إِن كان أَنسب لقوله "أية : وأَنذر عشيرتك الأَقربين"تفسير : [الشعراء: 214] ولأَنهم أَحق بالبيان ولأَنه هو الواقع، إِذا قاتل قومه ثم سائِر العرب، لكن قبل نزول هذه الآية، إِلا أَن يدعى أَنها نزلت قبل ذلك وجعلت بعد فى براءَة وهذا بعيد {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} أَى ولتغلظوا عليهم فيجدوا غلظتكم، فجعل الأَمر بالمسبب واللازم مكان الأَمر بالسبب والملزوم، كقولك: لأَرينك ها هنا، والغلظة الجرأَة عليهم والقسوة والعنف والصبر وعدم الرأَفة {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} بالنصر والحفظ، وذلك عموم، ويجوز أَن يراد المخاطبون، وعليه فمقتضى الظاهر أَن الله معكم.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ} أي الذين يقربون منكم قرباً مكانياً وخص الأمر به مع قوله سبحانه في أول السورة: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ }تفسير : [التوبة: 5] ونحوه قيل: لأنه من المعلوم أنه لا يمكن / قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال الأبعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضاً الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن قتال الأبعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم: المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وبذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتل صلى الله عليه وسلم أولاً قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة والنضير وخيبر وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ عليه الصلاة والسلام بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه صلى الله عليه وسلم إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى وعلى هذا فلا نسخ، وروي عن الحسن أن الآية منسوخة بما تقدم والمحققون على أنه لا وجه له، وزعم الخازن تبعاً لغيره أن المراد من الوَلْيُ ما يعم القرب المكاني والنسبـي وهو خلاف الظاهر، وقيل: إنه خاص بالنسبـي لأنها نزلت لما تحرج الناس من قتل أقربائهم، ولا يخفى ضعفه. {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي شدة كما قال ابن عباس وهي مثلثة الغين، وقرىء بذلك لكن السبعة على الكسر، والمراد من الشدة ما يشمل الجراءة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك، ومن هنا قالوا: إنها كلمة جامعة والأمر على حد ـ لا أرينك هٰهنا ـ فليس المقصود أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين ذلك بل أمر المؤمنين بالاتصاف بما ذكر حتى يجدهم الكفار متصفين به {وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} بالعصمة والنصرة، والمراد بهم إما المخاطبون والإظهار للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، وأياً ما كان فالكلام تعليل وتأكيد لما قبله.

ابن عاشور

تفسير : كان جميع بلاد العرب خلَص للإسلام قبل حجة الوداع، فكانت تخوم بلاد الإسلام مجاورة لبلاد الشام مقرّ نصارى العرب، وكانوا تحت حكم الروم، فكانت غزوة تبوك أول غزوة للإسلام تجاوزت بلاد العرب إلى مشارف الشام ولم يكن فيها قتال ولكن وُضعت الجزية على أيْلَةَ وبُصرى، وكانت تلك الغزوة إرهاباً للنصارى، ونزلت سورة براءة عقبها فكانت هذه الآية كالوصية بالاستمرار على غزو بلاد الكفر المجاورة لبلاد الإسلام بحيث كلَّما استقر بلد للإسلام وكان تُجاوره بلاد كفر كان حقاً على المسلمين غزو البلاد المجاورة. ولذلك ابتدأ الخلفاء بفتح الشام ثم العراق ثم فارس ثم انثنوا إلى مصر ثم إلى إفريقية ثم الأندلس. فالجملةُ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً تكملة للأمر بما يتعين على المسلمين في ذيول غزوة تبوك. وفي توجيه الخطاب للذين آمنوا دون النبي إيماء إلى أن النبي ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ لا يغزو بعد ذلك وأن أجله الشريف قد اقترب. ولعل في قوله: {واعلموا أن الله مع المتقين} إيماء إلى التسلية على فقد نبيهم ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ وأن الله معهم كقوله في الآية الأخرى {أية : وسيجْزي الله الشاكرين}تفسير : [آل عمران: 144]. والغلظة بكسر الغين: الشدة الحسية والخشونة، وهي مستعارة هنا للمعاملة الضارة، كقوله: {أية : واغلظ عليهم}تفسير : [التوبة: 73]. قال في «الكشاف»: وذلك يجمع الجرأة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر. اهــ. قلت: والمقصد من ذلك إلقاءُ الرعب في قلوب الأعداء حتى يخشوا عاقبة التصدي لقتال المسلمين. ومعنى أمر المسلمين بحصول ما يجده الكافرون من غلظة المؤمنين عليهم هو أمر المؤمنين بأن يكونوا أشداء في قتالهم. وهذه مبالغة في الأمر بالشدة لأنه أمر لهم بأن يجد الكفار فيهم الشدة. وذلك الوجدان لا يتحقق إلا إذا كانت الغلظة بحيث تظهر وتَنال العدو فيحِس بها، كقوله تعالى لموسى: {أية : فلا يَصدَّنَّك عنها من لا يؤمن بها}تفسير : [طه: 16]. وإنما وقعت هذه المبالغة لِما عليه العدو من القوة، فإن المقصود من الكفار هنا هم نصارى العرب وأنصارهم الروم، وهم أصحاب عَدد وعُدد فلا يجدون الشدة من المؤمنين إلا إذا كانت شدة عظيمة. ومن وراء صريح هذا الكلام تعريض بالتهديد للمنافقين، إذ قد ظُهر على كفرهم وهم أشد قرباً من المؤمنين في المدينة. وفي هذا السياق جاء قوله تعالى: {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلُظ عليهم}تفسير : [التوبة: 73]. وجملة: {واعلموا أن الله مع المتقين} تأييد وتشجيع ووعد بالنصر إن اتقوا بامتثال الأمر بالجهاد. وافتتحت الجملة بــ {اعلموا} للاهتمام بما يراد العلم به كما تقدم في قوله تعالى: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء } تفسير : في سورة الأنفال (41). والمعية هنا معية النصر والتأييد، كقوله تعالى: {أية : إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}تفسير : [التوبة: 40]. وهذا تأييد لهم إذ قد علموا قوة الروم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 123- يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الكفار الذين يجاورونكم، حتى لا يكونوا مصدر خطر عليكم، وكونوا أشدَّاء عليهم فى القتال، ولا تأخذكم بهم رأفة، واعلموا أن اللَّه بعونه ونصره مع الذين يتقونه. 124- وإذا ما أنزلت سورة من سور القرآن، وسمعها المنافقون سخروا واستهزأوا، وقال بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيمانا؟ ولقد رد اللَّه عليهم بأن هناك فرقا بين المنافقين والمؤمنين: فأما المؤمنون الذين أبصروا النور، وعرفوا الحق، فقد زادتهم آيات اللَّه إيمانا، وهم عند نزولها يفرحون ويستبشرون. 125- وأما المنافقون الذين مرضت قلوبهم وعميت بصائرهم عن الحق فقد زادتهم كفرا إلى كفرهم، وماتوا وهم كافرون. 126- أو لا يعتبر المنافقون بما يبتليهم اللَّه به فى كل عام مرة أو مرات من ألوان البلاء بكشف أستارهم، وظهور أحوالهم، ونصر المؤمنين، وظهور باطلهم، ثم لا يتوبون عما هم فيه، ولا هم يذكرون ما وقع لهم؟ 127- وكذلك إذا ما أنزلت سورة، وهم فى مجلس الرسول، تغامزوا، وقال بعضهم لبعض: هل يراكم أحد؟ ثم انصرفت قلوبهم عن متابعته والإيمان به، زادهم اللَّه ضلالا بسبب تماديهم فى الباطل وإعراضهم عن الحق، لأنهم قوم لا يفقهون.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: أي بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. الذين يلونكم: أي يلون بلادكم وحدودها. من الكفار: من: بَيانِيَّة، أي الكافرين. وليجدوا فيكم غلظة: أي قوة بأس وشدة مراس ليرهبوكم وينهزموا أمامكم. مع المتقين: أي بنصره وتأييده والمتقون هم الذين اتقوا الشرك والمعاصي والخروج عن السنن الإِلهية في النصر والهزيمة. معنى الآية الكريمة: لما طهرت الجزيرة من الشرك وأصبحت دار إسلام وهذا في أخريات حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك بعد غزوة تبوك أمر الله تعالى المؤمنين بأن يواصلوا الجهاد في سبيله بعد وفاة نبيه وأرشدهم إلى الطريقة التي يجب أن يتبعوها في ذلك وهي: أن يبدأوا بدعوة وقتال أقرب كافر منهم والمراد به الكافر المتاخم لحدودهم كالأردن أو الشام أو العراق مثلاً فيعسكروا على مقربة منهم ويدعونهم إلى خصلة من ثلاث: الدخول في دين الله الإِسلام أو قبول حماية المسلمين لهم بدخولهم البلاد وضرب الجزية على القادرين منهم مقابل حمايتهم وتعليمهم وحكمهم بالعدل والرحمة الإِسلامية أو القتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم فإذا ضمت أرض هذا العدو إلى بلادهم وأصبحت لهم حدود أخرى فعلوا كما فعلوا أولاً وهكذا حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فتسعد البشرية في دنياها وآخرتها. وأمرهم أن يعلموا أن الله ما كلفهم بالجهاد إلا وهو معهم وناصرهم ولكن على شرط أن يتقوه في أمره ونهيه فهذا ما دلت عليه الآية الكريمة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي قوة بأس وشدة مراس في الحرب {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} أي بنصره وتأييده. هداية الآية الكريمة من هداية الآية الكريمة: 1- وجوب الجهاد واستمراريته إلى أن لا تبقى فتنة أو شرك أو اضطهاد لمؤمن ويكون الدين والحكم كلاهما لله تعالى. 2- مشروعية البداءة في الجهاد بأقرب الكفار إلى بلاد المسلمين من باب (الأقربون أولى بالمعروف). 3- إذا اتسعت بلاد الإِسلام تعين على أهل كل ناحية قتال من يليهم الأقرب فالأقرب. 4- وعد الله بالنصر والتأييد لأهل التقوى العامة والخاصة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {قَاتِلُواْ} (123) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنينَ الطَّرِيقَ الأَمْثَلَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَبْدَؤُوا بِقِتَالِ الأَقْربِ فَالأَقْرَبِ مِنْهُمْ إِلى أرْضِ الإِسْلامِ، وَبِذلِكَ لاَ يَبْقَى مَجَالٌ لأَِنْ يُؤْخَذَ المُسْلِمُونَ مِنْ خَلْفِهِمْ مِنْ قِبَلِ أَعْدَائِهِمْ، إِذَا تَرَكُوا مَنْ هُمْ قُرْبَهُمْ وَذَهَبُوا لِيُقَاتِلُوا مَنْ خَلْفَ أَعْدَائِهِمْ، وَلِهذا بَدَأَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَمَّا انْتَهَى مِنَ العَرَبِ شَرَعَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الكِتَابِ فَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ، لأَِنَّهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ. وَهَكَذَا كَانَ المُسْلِمُونَ كُلَّمَا عَلَوْا أُمَّةً انْتَقَلُوا إِلَى مَنْ هُمْ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهُمْ مِنَ العُتَاةِ الفُجَّارِ وَهَكَذَا. وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأَنْ يَكُونُوا أشِدّاءَ فِي قِتَالِ الكُفَّارِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا لَهُمْ غِلْظَةً وَشِدَّةً وَخُشُونَةً فِي القِتَالِ، لِيُدْخِلُوا الوَهَنَ إِلى نُفُوسِهِمْ، وَنُفُوسِ مَنْ خَلْفَهُمْ. وَمِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنينَ أَنْ يَكُونُوا أَشِدَّاءَ عَلَى الكُفَّارِ، رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ. وَيُخْبِرُ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُ مَعَهُمْ يُثَبِّتُهُمْ وَيَنْصُرُهُمْ إِذَا اتَّقَوْهُ وَأَطَاعُوهُ. غِلْظَةً - شِدَّةً وَقَسْوَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ينقلنا الحق هنا إلى الحديث عن الجهاد مرة أخرى. ولنا أن نتساءل: لماذا - إذن - جاء الحديث عن النفرة والفقه كفاصل بين حديث متصل عن الجهاد؟ أجيب: شاء سبحانه هنا أن يعلمنا أن كل من ينفر؛ لتعلُّم الفقه، وليعلِّم غيره؛ هذا المسلم في حاجة إلى مرحلة التعلُّم، ومعرفة الأسباب التي يقاتل من أجلها المسلمون وحيثيات الجهاد في سبيل الله. وقد قسَّم الحق سبحانه الناس في آيات الجهاد إلى قسمين: فرقة تنفر، وطائفة منها تبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا استوى الأمر، فرقة تجاهد، وفرقة تَتَعَلم وتعلِّم، وتتبادل الفرقتان الخبرة الإيمانية والقتالية، تصبح الملكات الإيمانية متساندة غير متعاندة، ومن بعد ذلك يتجهون إلى الكفار. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ} وهذا يعني أن هناك قوماً قريبين منهم ما زالوا كافرين، وهناك قوم أبعد منهم، والحق قد قال: {أية : وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً ...} تفسير : [التوبة: 36]. إذن: فهناك أولويات في القتال، وقتال الكفار القريبين منك فيه تأمين لمعسكر الإيمان؛ لذلك جاء الأمر بقتال الأقرب؛ لأنه قتال لن يتطلب رواحل ولا مؤونة للسفر البعيد، كما أن العدو القريب منك أنت أعلم بحاله أكثر من علمك بحال الكفار البعيدين عنك؛ لذلك فأنت تعلم مواطن قوتهم وضعفهم، وكيفية تحصيناتهم. فإذا تيسر أمر قتال العدو الأقرب كان ذلك طريقاً لمجابهة العدو الأبعد، بدلاً من أن تواجه العدو البعيد؛ فيتفق مع العدو القريب، ويصنع الاثنان حولك "كماشة" بلغة الحرب، فلا بد أن تحمي ظهرك أولاً، من شر العدو الأقرب. إذن: فلا تعارض بين محاربة العدو البعيد والعدو القريب. ولا تَعارض بين قوله الحق: {قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ} وقوله سبحانه: {وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً}؛ لأن معنى {كَآفَّةً} أي: جميعاً، ولكن الجماعة لها أولوية. فخذ القريب منك؛ لتضمه إليك، ومتى ضممته إليك نقصت أرضاً من عدوك، وأصبح زائداً فيك، فإذا كان الخصم معه سيف ومعك سيف، وبعد ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده؛ فأخذته؛ فبذلك يصبح معك سيفان وهو لا سيف معه. ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار: اعتبروا أيها الكفار، فأنتم لا ترون الأرض كل يوم وهي تنقص من تحت أقدامكم، وما ينقص من أرض الكفار يزيد في أرض الإيمان. وما دام الحق قد جاء بكلمة "قتال" فهذه الكلمة تحتاج إلى عزيمة، وجرأة تُجَرِّىء على القتال، وصبر عليه، فقد تجد في مواجهتك من هو أقوى منك أو من هو أشجع منك، فإن رأى شجاعة منك تفوق شجاعته، وأحسَّ منك قوة ومثابرة تفوق قوته ومثابرته، فهذا ينزع من قلبه الأمل في الانتصار عليك؛ ولذلك يقول الحق: {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} والغلظة صفة، ويقال: غِلْظَة، وغُلْظَة، وغَلْظَة، والمعروف أنها الشدة، فحين تضرب عدوكَ اضربه بقوة، وبجرأة، وبشجاعة. وحين يحاول عدوك أن يضربك استقبلْ الضربة بتحمُّل، وهكذا نجد أن الغلظة مطلوبة في حالتين اثنتين؛ في حالة الإرسال منك، وفي حالة الاستقبال منه، فلا يكفي أن تضرب عدوك ضربة قوية، وحين يردُّ لك الضربة تخور وتضعف. إن الحق يطلب منك غلظة تحمِلُ على عدوّك، وغلظة تتحمَّل من عدوّك. ولذلك نجد آية آل عمران يقول فيها الحق: {أية : ٱصْبِرُواْ ...} تفسير : [آل عمران: 200]. ولكن هَبْ أن عدوَّك يصبر أيضاً، فيأتي الأمر من الحق: {أية : وَصَابِرُواْ ...} تفسير : [آل عمران: 200]. أي: حاول أن تغلبه في الصبر. وحذَّر الحقُّ من إلقاء السلاح بعد انتهاء المعركة؛ لأن العدو قد يستنيم المؤمن؛ لذلك جاء الأمر من الحق: {أية : وَرَابِطُواْ...} تفسير : [آل عمران: 200]. أي: استقر أيها المؤمن في الأرض؛ ليعلم العدو أنك تنتظره إن حاول الكرّة من جديد أو حدَّثته نفسه بالقتال مرة أخرى. إذن: فالغلظة تطلب منك أن تهاجم، وتطلب منك أن تتحمّل، والتحمُّل يقتضي صبراً، والتحامل يقتضي شجاعة، فإذا ما كان في خصمك صبر وشجاعة؛ فعليك أن تصابره أي: تصبر أكثر منه، وهي مأخوذه في الأصل من "نافس فلان فلانا.. أي سابقه وحاول أن يسبقه"، والمنافسة من النفس، والحق يقول: {أية : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ} تفسير : [المطففين: 26]. أي: تنافسوا في الخير، ونحن نعلم أن تركيبة النفس الإنسانية تحتاج إلى شيء مرة أو مرتين في اليوم، وتحتاج إلى شيء آخر خمس أو ستَّ مرات في اليوم. وتحتاج إلى شيء ثالث دائماً. فأنت في الأكل تأكل ثلاث وجبات، وفي الشراب تحتاج إلى لترين أو أربعة من الماء أو أكثر. أما التنفس فأنت لا تصبر على الانقطاع عنه، وهو أهم الضروريات لحياة الإنسان. وقلنا قديماً: إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه قد يملك إنسان طعامَ إنسان، وقد يستطيع الإنسان الصبر عن الطعام لأسابيع، ولا يصبر الإنسان عن انقطاع الماء إلا أياماً تتراوح من ثلاثة إلى عشرة، حسب كمية المياه التي في جسمه؛ لذلك لم يُملِّك الحق سبحانه الماء مثلما مَلَّك الطعام، وأما الهواء فأنت لا تصبر على افتقاده للحظات؛ ولذلك لم يملِّك الله الهواء لأحد أبداً، وكأنه سبحانه علم أن عباده غير مأمونين على بعضهم البعض، ولذلك سُمّي استنشاق الهواء وزفيره بالتنفس، وهو من النفس، وهو سبب وجود النفْس وهي مزيج من المادة والروح، والأساس هو نَفَس الهواء الذي يضمن استمرار النفس في الحياة. وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشيء النفيس، وهو إعلاء منهج الله. وحين تصابر أهل الباطل، فكل واحد من أهل الباطل قد يصابر لجاجة لمدة قصيرة ثم يتراجع؛ لأن الباطل زهوق، وهنا يقول سبحانه: {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي: غلظة تحمل بها على العدو، وغلظة تتحمَّل من العدو، وأن تصبر، وتصابر، وترابط. وكيف يطلب الله منا أن تكون لنا غلظة عليهم مع أنه قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ ...} تفسير : [آل عمران: 159]. فإن هذا ينفي الغلظة، وأقول: لِنُفرق بين أمرين، أمر الغلظة في أن تكون الحجة قوية، وأمر الغلظة التي يتطلبها القتال، أما المعايشة والمآكلة والملاطفة، فهذه تحتاج إلى لين ورِقَّة. وقوله الحق: {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة، بل تعني أنك إن تَطَلّبَ الأمرُ فيجب أن تتوافر فيك، وكذلك قلنا: إن الله لم يطبع المؤمن على الغلظة، ولم يطبعه على الشدة، ولم يطبعه على العزة، بل قال: {أية : أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ...} تفسير : [الفتح: 29]. وقال: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ...} تفسير : [المائدة: 54]. ويُنهي الحق الآية: {وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار بعددك وعُدَّتِك، ولكن العدد والعدة أمران مطلوبان؛ لتدخل المعركة، وعندك شيء من الاطمئنان. ومثال هذا من يسلك مفاوز أو صحارى مقفرة أو طريقاً موحشاً، ويحتمل أن يصادف قُطَّاع طريق، نجده يستعد بحمل سلاح؛ فهو يعطيه شيئاً من الاطمئنان فقط، وهكذا الحال مع العدد والعدة. أما النصر فهو من المدد الرَّبَّاني من الحق سبحانه وتعالى. وما دام الله مع المتقين، ولله معيَّة مع المتقين فلا بد أن يمدهم بمدده؛ لذلك جاء الحق هنا بقوله: {أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} لننتبه إلى أن الداخل في الحق هو من سيسلك سلوكاً غليظاً مع الأعداء، وقد يسلك بالغلظة طمعاً في المغنم، فيدخل على الكافر بالقسوة، وقد يكون قلب هذا الكافر مستعداً للإيمان، فيقول: أسلمت واستسلمت، لكن من دخل عليه تعجبه مطية هذا الكافر، ويعتبرها مغنماً. لذلك يأتي التحذير في قول الحق سبحانه: {أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} فإن سلَّم لك واستسلم؛ فاستأسره، وإياك أن تؤذيه أو تأخذ معداته على أنها مغنم، فأنت لم تذهب للقتال من أجل الغنائم، أو لتكسب مكانة في مجتمعك كمقاتل، بل أنت تقاتل حين يكون القتال مطلوباً، وتسلك بالخلق الإيماني اللائق في إطار أنك من المتقين لله، وتحارب لتكون كلمة الله هي العليا وهنا تكون معيه الله لك {أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ}. إذن: فالغلظة لا تعني أنها طبع أصبح فيك، ولكن عدوك يجد فيك غلظة إن احتاج الأمر إلى غلظة. فإن لم يحتج الأمر إلى غلظة؛ فلا بد أن يوجد في طبعك اللين والموادعة. ولذلك يقولون: الرجل كل الرجل هو من كانت له في الحرب شجاعة، وفي السلم وداعة، وخيركم من كان في الجيش كميّاً وفي البيت صبيّاً، فلا يصطحب غلظته مع العدو إلى البيت والزوجة والأبناء؛ لأن ذلك وضع للطاقة في غير مجالها. هكذا نفهم قوله الحق: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123]. أي: كونوا في حربكم غلاظاً بما يناسب الموقف؛ لأن الحرب تتطلب القسوة والشدة، ولكن إياك أن تستعمل هذه الأمور لصالحك، ولكن استعملها لله؛ لتضمن أن تكون في معية الله ويقول سبحانه بعد ذلك: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ} الآية، لما حض الله تعالى على النفقة في الدين وحض على رحلة طائفة من المؤمنين فيه أمر تعالى المؤمنين كافة بقتال من يليهم من الكفار فجمع بين الجهادين جهاد الحجة وجهاد السيف. وقال بعض الشعراء: شعر : من لا يعد له القرآن كان له من الجهاد وبيض البتر تعديل تفسير : {وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} الغلظة تجمع الجرأة والصبر على القتال وشدة العداوة. والغلظة حقيقة في الأجسام فاستعيرت هنا للشدة في الحرب. وفي قوله: واعلموا تبشير لهم بالنصر. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} الآية، قال ابن عباس: نزلت هذه والثانية في المنافقين كانوا إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين خطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض بهم في خطبته فينظر بعضهم إلى بعض يريدون الهرب، ويقولون: هل يراكم من أحد إن قمتم فإِن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد. {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} يحتمل أن يكون خطاب بعض المنافقين لبعض على سبيل الإِنكار والاستهزاء بالمؤمنين. ويحتمل أن يقولوا ذلك لقراباتهم المؤمنين فيستقيمون إليهم ويطمعون في ردهم إلى النفاق. ومعنى قولهم: هذه، هو على سبيل التحقير للسورة والاستخفاف بها كما تقول: أي غريب في هذا، واني ذليل في هذا. {أَوَلاَ يَرَوْنَ} قرىء: بياء الغيبة يعني به الكفار، وبتاء الخطاب يعني به المؤمنين، والرؤية إما بصرية أو علمية. ومعنى الآية: أفلا يزدجر هؤلاء الذين تفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين بحسب واحدٍ واحدٍ ويعلمون أن ذلك من عند الله فيتوبون ويذكرون وعد الله ووعيده. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ} الآية، ذكر أولاً ما يحدث منهم من القول على سبيل الاستهزاء، ثم ذكر ثانياً ما يصدر من الفعل على سبيل الاستهزاء وهو الإِيماء والتغامز بالعيون إنكاراً للوحي. وسخرية قائلين: هل يراكم من المسلمين لننصرف فإِنا لا نقدر على استماعه، ونظر بصرية وهي معلقة. وهل يراكم من أحد في موضع نصب بها. {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} أي عن الإِيمان والفكر في السورة التي نزلت. {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} الظاهر أنه خبر لما كان الكلام في معرض ذكر الذنب بدأ بالفعل المنسوب إليهم وهو قوله: ثم انصرفوا. ثم ذكر تعالى فعله بهم على سبيل المجازاة لهم في فعلهم، كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}تفسير : [الصف: 5]. {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} الآية لما ابتدأ السورة سبحانه ببراءة الله ورسوله من المشركين وقص فيها احوال المنافقين شيئاً فشيئاً خاطب العرب على سبيل تعداد النعم والمن عليهم بكونهم جاءهم رسول من جنسهم عربياً قرشياً يبلغهم عن الله متصفٌ بالاوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب ويحرص على هداهم ويرأف بهم ويرحمهم صلى الله عليه وسلم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا أيضا إرشاد آخر، بعدما أرشدهم إلى التدبير فيمن يباشر القتال، أرشدهم إلى أنهم يبدأون بالأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم، والشدة في القتال، والشجاعة والثبات. { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } أي: وليكن لديكم علم أن المعونة من اللّه تنزل بحسب التقوى، فلازموا على تقوى اللّه، يعنكم وينصركم على عدوكم. وهذا العموم في قوله: { قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ } مخصوص بما إذا كانت المصلحة في قتال غير الذين يلوننا، وأنواع المصالح كثيرة جدا.