Verse. 1359 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

وَاِذَا مَاۗ اُنْزِلَتْ سُوْرَۃٌ فَمِنْھُمْ مَّنْ يَّقُوْلُ اَيُّكُمْ زَادَتْہُ ہٰذِہٖۗ اِيْمَانًا۝۰ۚ فَاَمَّا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا فَزَادَتْھُمْ اِيْمَانًا وَّھُمْ يَسْتَبْشِرُوْنَ۝۱۲۴
Waitha ma onzilat sooratun faminhum man yaqoolu ayyukum zadathu hathihi eemanan faamma allatheena amanoo fazadathum eemanan wahum yastabshiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا ما أنزلت سورة» من القرآن «فمنهم» أي المنافقين «من يقول» لأصحابه استهزاءً «أيكم زادته هذه إيمانا» تصديقا، قال تعالى: «فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا» لتصديقهم بها «وهم يستبشرون» يفرحون بها.

124

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر مخازي المنافقين وذكر أعمالهم القبيحة فقال: وإذا ما أنزلت سورة، فمن المنافقين من يقول أيكم زادته هذه إيماناً؟ واختلفوا فقال بعضهم: يقول بعض المنافقين لبعض، ومقصودهم تثبيتهم قومهم على النفاق، وقال آخرون: بل يقولونه لأقوام من المسلمين، وغرضهم صرفهم عن الإيمان. وقال آخرون: بل ذكروه على وجه الهزؤ، والكل محتمل. ولا يمكن حمله على الكل، لأن حكاية الحال لا تفيد العموم. ثم إنه تعالى أجاب فقال إنه حصل للمؤمنين بسبب نزول هذه السورة أمران، وحصل للكافرين أيضاً أمران. أما الذي حصل للمؤمنين: فالأول: هو أنها تزيدهم إيماناً إذ لا بد عند نزولها من أن يقروا بها ويعترفوا بأنها حق من عند الله، والكلام في زيادة الإيمان ونقصانه قد ذكرناه في أول سورة الأنفال بالاستقصاء. والثاني: ما يحصل لهم من الاستبشار. فمنهم من حمله على ثواب الآخرة، ومنهم من حمله على ما يحصل في الدنيا من النصر والظفر، ومنهم من حمله على الفرح والسرور الحاصل بسبب تلك التكاليف الزائدة من حيث إنه يتوسل به إلى مزيد في الثواب، ثم جمع للمنافقين أمرين مقابلين للأمرين المذكورين في المؤمنين، فقال: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } يعني المنافقين {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } والمراد من الرجس إما العقائد الباطلة أو الأخلاق المذمومة، فإن كان الأول كان المعنى أنهم كانوا مكذبين بالسور النازلة قبل ذلك، والآن صاروا مكذبين بهذه السورة الجديدة، فقد انضم كفر إلى كفر، وإن كان الثاني كان المراد أنهم كانوا في الحسد والعداوة واستنباط وجوه المكر والكيد، والآن ازدادت تلك الأخلاق الذميمة بسبب نزول هذه السورة الجديدة. والأمر الثاني: أنهم يموتون على كفرهم، فتكون هذه الحالة كالأمر المضاد للاستبشار الذي حصل في المؤمنين، وهذه الحالة أسوأ وأقبح من الحالة الأولى، وذلك لأن الحالة الأولى عبارة عن ازدياد الرجاسة، وهذه الحالة عبارة عن مداومة الكفر وموتهم عليه. واحتج أصحابنا بقوله: {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } على أنه تعالى قد يصد عن الإيمان ويصرف عنه، قالوا: إنه تعالى كان عالماً بأن سماع هذه السورة يورث حصول الحسد والحقد في قلوبهم، وأن حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم، أجابوا وقالوا نزول تلك السورة لا يوجب ذلك الكفر الزائد، بدليل أن الآخرين سمعوا تلك السورة وازدادوا إيماناً. فثبت أن تلك الرجاسة هم فعلوها من قبل أنفسهم. قلنا: لا ندعي أن استماع هذه السورة سبب مستقل بترجيح جانب الكفر على جانب الإيمان، بل نقول استماع هذه السورة للنفس المخصوصة والموصوفة بالخلق المعين والعادة المعينة. يوجب الكفر. والدليل عليه أن الإنسان الحسود لو أراد إزالة خلق الحسد عن نفسه، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد، وأما الحالة القلبية المسماة بالحسد، فلا يمكنه إزالتها عن نفسه، وكذا القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير، والفعل غير، والخلق غير، فإن أصل القدرة حاصل للكل أما الأخلاق فالناس فيها متفاوتون. والحاصل أن النفس الطاهرة النقية عن حب الدنيا الموصوفة باستيلاء حب الله تعالى والآخرة إذا سمعت السورة صار سماعها موجباً لازدياد رغبته في الآخرة ونفرته عن الدنيا، وأما النفس الحريصة على الدنيا المتهالكة على لذاتها الراغبة في طيباتها الغافلة عن حب الله تعالى والآخرة، إذا سمعت هذه السورة المشتملة على الجهاد وتعريض النفس للقتل والمال للنهب ازداد كفراً على كفره. فثبت أن إنزال هذه السورة في حق هذا الكافر موجب لأن يزيد رجساً على رجس، فكان إنزالها سبباً في تقوية الكفر على قلب الكافر وذلك يدل على ما ذكرنا أنه تعالى قد يصد الإنسان ويمنعه عن الإيمان والرشد ويلقيه في الغي والكفر. بقي في الآية مباحث: الأول: ما في قوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } صلة مؤكدة. الثاني: الاستبشار استدعاء البشارة، لأنه كلما تذكر تلك النعمة حصلت البشارة، فهو بواسطة تجديد ذلك التذكر يطلب تجديد البشارة. الثالث: قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } يدل على أن الروح لها مرض، فمرضها الكفر والأخلاق الذميمة، وصحتها العلم والأخلاق الفاضلة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : «ما» صلة، والمراد المنافقون. {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} قد تقدّم القول في زيادة الإيمان ونقصانه في سورة «آل عمران». وقد تقدّم معنىٰ السورة في مقدمة الكتاب، فلا معنىٰ للإعادة. وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز «إن للإيمان سنناً وفرائض من استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان» قال عمر بن عبد العزيز: «فإن أعِشْ فسأبيّنها لكم، وإن أمت فما أنا على صُحبتكم بحريص». ذكره البخاريّ. وقال ابن المبارك: لم أجد بُداً من أن أقول بزيادة الإيمان، وإلاَّ رددت القرآن.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ} فمن المنافقين. {مَن يِقُولُ} انكار واستهزاء. {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ} السورة. {إِيمَـٰناً} وقرىء {أَيُّكُمْ} بالنصب على إضمار فعل يفسره {زَادَتْهُ}. {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الإِيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم. {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} فمن المنافقين {مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً} أي: يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيماناً؟ قال الله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيدوينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك. وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري رحمه الله {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} أي: زادتهم شكاً إلى شكهم، وريباً إلى ريبهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ} تفسير : [الإسراء: 82] الآية، وقوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِىۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تفسير : [فصلت: 44] وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب، يكون سبباً لضلالهم ودمارهم؛ كما أن سيىء المزاج لو غذي به لا يزيده إلا خبالاً ونقصاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ } من القرآن {فَمِنْهُمْ } أي المنافقين {مَن يِقُولُ } لأصحابه استهزاء {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَٰناً } تصديقاً؟ قال تعالى:{فَأَمَّا الَّذين ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إيمَانَاً} لتصديقهم بها {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون بها.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } حكاية منه سبحانه لقية فضائح المنافقين، أي إذا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من كتابه العزيز، فمن المنافقين {مَن يِقُولُ } لإخوانه منهم {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ } السورة النازلة {إِيمَـٰناً } يقولون هذا استهزاء بالمؤمنين، ويجوز أن يقولوه لجماعة من المسلمين قاصدين بذلك صرفهم عن الإسلام وزهيدهم فيه، و{أيكم} مرفوع بالابتداء وخبره زادته. وقد تقدّم بيان معنى السورة. ثم حكى الله سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين زادتهم إيماناً إلى إيمانهم، والحال أنهم يستبشرون مع هذه الزيادة بنزول الوحي، وما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } وهم: المنافقون {فَزَادَتْهُمْ } السورة المنزلة {رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } أي: خبثاً إلى خبثهم الذين هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد، وإظهار غير ما يضمرونه، وثبتوا على ذلك واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفاراً منافقين، والمراد بالمرض هنا: الشك والنفاق؛ وقيل المعنى: زادتهم إثماً إلى إثمهم. قوله: {أَوْ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } قرأ الجمهور {يرون} بالتحتية. وقرأ حمزة ويعقوب بالفوقية خطاباً للمؤمنين. وقرأ الأعمش «أو لم يروا». وقرأ طلحة بن مصرف «أو لا ترى» خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قراءة ابن مسعود. ومعنى: {يُفْتَنُونَ }: يختبرون، قاله ابن جرير، وغيره، أو يبتليهم الله سبحانه بالقحط والشدّة، قاله مجاهد. وقال ابن عطية بالأمراض والأوجاع. وقال قتادة، والحسن، بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويرون ما وعد الله من النصر {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } بسبب ذلك {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } و"ثم" لعطف ما بعدها على يرون، والهمزة في أو لا يرون للإنكار والتوبيخ، والواو للعطف على مقدّر، أي لا ينظرون ولا يرون، وهذا تعجيب من الله سبحانه للمؤمنين من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق، وإهمالهم للنظر والاعتبار. ثم ذكر الله سبحانه ما كانوا يفعلونه عند نزول السورة بعد ذكره لما كانوا يقولونه، فقال: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } أي: نظر بعض المنافقين إلى البعض الآخر قائلين: {هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ } من المؤمنين، لننصرف عن المقام الذي ينزل فيه الوحي، فإنه لا صبر لنا على استماعه، ولنتكلم بما نريد من الطعن والسخرية والضحك. وقيل المعنى: وإذا أنزلت سورة ذكر الله فيها فضائح المنافقين ومخازيهم، قال بعض من يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم للبعض الآخر منهم: هل يراكم من أحد؟ ثم انصرفوا إلى منازلهم. وحكى ابن جرير، عن بعض أهل العلم، أنه قال: {نَظَرَ } في هذه الآية موضوع موضع قال: أي قال بعضهم لبعض هل يراكم من أحد؟ قوله: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ } أي: عن ذلك المجلس إلى منازلهم، أو عن ما يتقضي الهداية والإيمان إلى ما يقتضى الكفر والنفاق، ثم دعا الله سبحانه عليهم، فقال: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم } أي: صرفها عن الخير وما فيه الرشد لهم والهداية، وهو سبحانه مصرّف القلوب ومقلبها. وقيل المعنى: أنه خذلهم عن قبول الهداية. وقيل: هو دعاء لا يراد به وقوع مضمونه، كقولهم: قاتله الله. ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن مواطن الهداية، أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم } فقال: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } ما يسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم. ثم ختم الله سبحانه هذه السورة بما يهوّن عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشاقة، فقال: {لَقَدْ جَاءكُمْ } يا معشر العرب {رَّسُولٍ } أرسله الله إليكم، له شأن عظيم {مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم في كونه عربياً وإلى كون هذه الآية خطاباً للعرب ذهب جمهور المفسرين. وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم. والمعنى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ } جنسكم في البشرية {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } "ما" مصدرية. والمعنى: شاق عليه عنتكم لكونه من جنسكم، ومبعوثاً لهدايتكم، والعنت: التعب لهم والمشقة عليهم بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه، أو بعذاب الآخرة بالنار، أو بمجموعهما {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } أي: شحيح عليكم بأن تدخلوا النار، أو حريص على إيمانكم. والأوّل: أولى، وبه قال الفراء. والرؤوف الرحيم، قد تقدّم بيان معناهما: أي هذا الرسول {بِٱلْمُؤْمِنِينَ } منكم أيها العرب أو الناس {رَءوفٌ رَّحِيمٌ } ثم قال مخاطباً لرسوله ومسلياً له، ومرشداً له، إلى ما يقوله عند أن يُعصى {فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي: أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ولا قبلوه {فَقُلْ } يا محمد {حَسْبِىَ ٱللَّهُ } أي: كافيّ الله سبحانه المنفرد بالألوهية {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: فوّضت جميع أموري {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } وصفه بالعظم، لأنه أعظم المخلوقات. وقد قرأ الجمهور بالجرّ على أنه صفة لعرش. وقرأ ابن محيصن بالرفع صفة لرب. وقد رويت هذه القراءة عن ابن كثير. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} قال: كان إذا نزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله إيماناً وتصديقاً، وكانوا بها يستبشرون. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله: {رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } قال: شكاً إلى شكهم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } قال: يقتلون. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، نحوه وقال: بالسنة والجوع. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، قال: بالعدوّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: بالغزو في سبيل الله. وأخرج أبو الشيخ، عن بكار بن مالك، قال: يمرضون في كل عام مرّة أو مرّتين. وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد، قال: كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن حذيفة، قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } قال: هم المنافقون. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوماً انصرفوا، صرف الله قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة. وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عمر، نحوه. وأقول: الانصراف يكون عن الخير، كما يكون عن الشرّ، وليس في إطلاقه هنا على رجوع المنافقين عن مجلس الخير ما يدل على أنه لا يطلق إلا على نحو ذلك، وإلا لزم أن كل لفظ يستعمل في لغة العرب في الأمور المتعدّدة إذا استعمل في القرآن في حكاية ما وقع من الكفار، لا يجوز استعماله في حكاية ما وقع عن أهل الخير، كالرجوع والذهاب، والدخول والخروج، والقيام والقعود. واللازم باطل بالإجماع، فالملزوم مثله، ووجه الملازمة ظاهر لا يخفى. وأخرج عبد بن حميد، والحارث بن أبي أسامة، في مسنده، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، في دلائل النبوّة، وابن عساكر، عن ابن عباس، في قوله: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } قال: ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعها ويمانيها. وأخرج ابن سعد عنه، في قوله: {مّنْ أَنفُسِكُمْ } قال: قد ولدتموه يا معشر العرب. وأخرج عبد الرزاق في المصنف، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، وأبو الشيخ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، في قوله: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» تفسير : وهذا فيه انقطاع، ولكنه قد وصله الحافظ الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي، فقال: حدثنا أبو أحمد، يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي يحدثني، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي»تفسير : . وأخرج ابن مردويه، عن أنس، قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } فقال عليّ بن أبي طالب: يا رسول الله، ما معنى {من أنفسكم}؟ قال: حديث : نسباً وصهراً وحسباً، ليس فيّ ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح»تفسير : . وأخرج الحاكم، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } يعني:من أعظمكم قدراً. وأخرج ابن سعد عنه نحو حديث على الأول. وأخرج الطبراني عنه أيضاً نحوه. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن عائشة، نحوه. وفي الباب أحاديث بمعناه، ويؤيد ما في صحيح مسلم، وغيره، من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»تفسير : . وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفريقين، ثم حين خلق القبائل جعلني من خير قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً»تفسير : وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وابن منيع، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل من طريق يوسف بن مهران، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ: آخر ما أنزل من القرآن: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } إلى آخر الآية، وروي عنه نحوه من طريق أخرى؛ أخرجها عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، وابن الضريس، في فضائله، وابن أبي داود في المصاحف، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والخطيب في تلخيص المتشابه، والضياء في المختارة. وأخرج ابن مردويه، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال: ولم سألتم هذا؟ قالوا: نطلب الأمن، فأنزل الله هذه الآية: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ }. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ } يعني: الكفار تولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه، قال: إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه، وقد رويت أحاديث كثيرة في صفة العرش وماهيته، وقدره. وإلى هنا انتهى الثلث الأوّل من التفسير المسمى: «فتح القدير» الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، بقلم مؤلفه: محمد بن علي الشوكاني، غفر الله لهما. وكان تمام هذا الثلث في نهار يوم الثلاثاء لعله يوم عشرين من شهر محرّم سنة 1227 هـ. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين. الحمد لله: انتهى سماعاً على مؤلفه. أطال الله مدّته في شهر جمادى الأولى من عام سنة 1235 هـ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتُ سُورَةٌ فِمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيَُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً}. هؤلاء هم المنافقون. وفي قولهم ذلك عند نزول السورة وجهان: أحدهما: أنه قول بعضهم لبعض على وجه الإنكار، قاله الحسن. الثاني: أنهم يقولون ذلك لضعفاء المسلمين على وجه الاستهزاء. {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَآمَنُوا فَزَادَتْهُمُ إيمَاناً} فيه تأويلان: أحدهما: فزادتهم خشية، قاله الربيع بن أنس. الثاني: فزادتهم السورة إيماناً لأنهم قبل نزولها لم يكونوا مؤمنين بها، قاله الطبري. {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شك. {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إثماً إلى إثمهم، قاله مقاتل. الثاني: شكاً إلى شكِّهم، قاله الكلبي. الثالث: كفراً إلى كفرهم، قاله قطرب.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية نزلت في شأن المنافقين، والضمير في قوله {فمنهم} عائد على المنافقين، وقوله تعالى {أيكم زادته هذه إيماناً} يحتمل أن يكون لمنافقين مثلهم، ويحتمل أن يكون لقوم من قراباتهم من المؤمنين يستنيمون إليهم ويثقون بسترهم عليهم ويطمعون في ردهم إلى النفاق، ومعنى {أيكم زادته هذه إيماناً} الاستخفاف والتحقير لشأن السورة كما تقول أي غريب في هذا أو أي دليل، ثم ابتدأ عز وجل الرد عليهم والحكم بما يهدم لبسهم فأخبر أن المؤمنين الموقنين قد " زادتهم إيماناً " وأنهم {يستبشرون} من ألفاظها ومعانيها برحمة الله ورضوانه، والزيادة في الإيمان موضع تخبط للناس وتطويل، وتلخيص القول فيه أن الإيمان الذي هو نفس التصديق ليس مما يقبل الزيادة والنقص في نفسه، وإنما تقع الزيادة في المصدق به، فإذا نزلت سورة من الله تعالى حدث للمؤمنين بها تصديق خاص لم يكن قبل، فتصديقهم بما تضمنته السورة من إخبار وأمر ونهي أمر زائد على الذي كان عندهم قبل، فهذا وجه من زيادة الإيمان، ووجه آخر أن السورة ربما تضمنت دليلاً أو تنبيهاً عليه فيكون المؤمن قد عرف الله بعدة أدلة ، فإذا نزلت السورة زادت في أدلته، وهذه أيضاً جهة أخرى من الزيادة، وكلها خارجة عن نفس التصديق إذا حصل تاماً، فإنه ليس يبقى فيه موضع زيادة، ووجه آخر من وجوه الزيادة أن الرجل ربما عارضه شك يسير أو لاحت له شبهة مشغبة فإذا نزلت السورة ارتفعت تلك الشبهة واستراح منها، فهذا أيضاً زيادة في الإيمان إذ يرتقي اعتقاده عن مرتبة معارضة تلك الشبهة إلى الخلوص منها، وأما على قول من يسمي الطاعات إيماناً وذلك مجاز عند أهل السنة فتترتب الزيادة بالسورة إذ تتضمن أوامر ونواهي وأحكاماً، وهذا حكم من يتعلم العلم في معنى زيادة الإيمان ونقصانه إلى يوم القيامة، فإن تعلم الإنسان العلم بمنزلة نزول سورة القرآن و {الذين في قلوبهم مرض } هم المنافقون، وهذا تشبيه وذلك أن السالم المعتقد المنشرح الصدر بالإيمان يشبهه الصحيح، والفاسد المعتقد يشبهه المريض، ففي العبارة مجاز فصيح لأن المرض والصحة إنما هي خاصة في الأعضاء، فهي في المعتقدات مجاز، و" الرجس" في هذه الآية عبارة عن حالهم التي جمعت معنى الرجس في اللغة، وذلك أن الرجس في اللغة يجيء بمعنى القذر ويجيء بمعنى العذاب، وحال هؤلاء المنافقين هي قذر وهي عذاب عاجل كفيل بآجل، وزيادة " الرجس إلى الرجس" هي عمههم في الكفر وخبطهم في الضلال يعاقبهم الله على الكفر والإعراض بالختم على قلوبهم والختم بالنار عليهم، وإذ كفروا بسورة فقد زاد كفرهم فذلك زيادة رجس إلى رجسهم، وقوله: {أولا يرون أنهم يفتنون } الآية، وقرأ الجمهور " أولا يرون " بالياء على معنى أو لا يرى المنافقون، وقرأ حمزة " أولا ترون " بالتاء على معنى أو لا ترون أيها المؤمنون، فهذا تنبيه للمؤمنين، وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب والأعمش " أولا ترى " أي أنت يا محمد. وروي عن الأعمش أيضاً أنه قرأ " أو لم تروا ". وذكر عنه أبو حاتم "أو لم تر " وقال مجاهد {يفتنون} معناه يختبرون بالسنة والجوع، وحكى عنه النقاش أنه قال مرضة أو مرضتين، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: معناه يختبرون بالأمر بالجهاد، والذي يظهر مما قبل الآية ومما بعدها أن الفتنة والاختبار إنما هي بكشف الله تعالى أسرارهم وإفشائه عقائدهم، فهذا هو الاختبار الذي تقوم عليه الحجة برؤيته وترك التوبة، وأما الجهاد أو الجوع فلا يترقب معهما ما ذكرناه، فمعنى الآية على هذا فلا يزدجر هؤلاء الذين تفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين بحسب واحد ويعلمون أن ذلك من عند الله فيتوبون ويتذكرون وعد الله ووعيده، وأما الاختبار بالمرض فهو في المؤمنين وقد كان الحسن ينشد: شعر : أفي كل عام مرضة ثم نقهة فحتى متى حتى متى وإلى متى تفسير : وقالت فرقة: معنى {يفتنون } بما يشيعه المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأكاذيب، فكأن الذي في قلوبهم مرض يفتنون في ذلك، وحكى الطبري هذا القول عن حذيفة وهو غريب من المعنى.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ} قاله المنافقون بعضهم لبعض على وجه الإنكار، أو قالوه لضعفاء المسلمين استهزاء. {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} بها لأنهم لم يؤمنوا بها قبل نزولها أو زادتهم خشية.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏فمنهم من يقول أيكم زادته‏} ‏ قال‏:‏ من المنافقين من يقول. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا‏ً}‏ قال‏:‏ كانت إذا أنزلت سورة آمنوا بها فزادهم الله إيماناً وتصديقاً وكانوا بها يستبشرون‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏فزادتهم رجساً إلى رجسهم‏}‏ قال‏:‏ شكاً إلى شكهم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏أو لا يرون أنهم يفتنون‏}‏ قال‏:‏ يبتلون‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏{‏يفتنون‏}‏ قال‏:‏ يبتلون ‏ {‏في كل عام مرة أو مرتين‏} ‏ قال‏:‏ بالسنة والجوع‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏يفتنون في كل عام مرة أو مرتين‏}‏ قال‏:‏ يبتلون بالعدوّ في كل عام مرة أو مرتين‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏يفتنون في كل عام‏}‏ قال‏:‏ يبتلون بالغزو في سبيل الله‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن بكار بن مالك ‏{‏أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين‏}‏ قال‏:‏ يمرضون في كل عام مرة أو مرتين‏. وأخرج أبو الشيخ عن العتبي قال‏:‏ إذا مرض العبد ثم عوفي فلم يزدد خيراً قالت الملائكة عليهم السلام هذا الذي داويناه فلم ينفعه الدواء‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد ‏ {‏أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين‏} ‏ قال‏:‏ كانت لهم في كل عام كذبة أو كذبتان‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن حذيفة في قوله ‏ {‏أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين‏} ‏ قال‏:‏ كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير‏. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال‏:‏ في قراءة عبد الله ‏"‏أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وما يتذكرون‏"‏‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [الآية: 124]. قال ابن عطاء: الذين صدقوا حكم الربوبية وتمسكوا بعهد العبودية، زادتهم معرفة فى قلوبهم ونظرًا أسقط عنهم النظر إلى ما سواه. قال أبو بكر الوراق: زيادة الإيمان يصيرونه بمعاتبة القلب.

القشيري

تفسير : جَعَلَ الله - سبحانه - إنزالَ القرآن لقومٍ شِفَاءً. ولقوم شَقَاءً؛ فإِذا أُنْزِلَتْ سورةٌ جديدةٌ زاد شكُّهم وتحيُّرهم، فاستعلم بعضُهم حالَ بعضٍ، ثم لم يزدادوا إلا تحسُّراً؛ قال تعالى: {أية : وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى}تفسير : [فصلت: 44] وأمَّا المؤمنون فزادتْهم السورةُ إيماناً فارتقوا مِنْ حدِّ تأمل البرهان إلى روْح البيان، ثم مِنْ روْح البيان إلى العيان، فالتجويز والتردد و (....) والتحيُّر مُنْتَفًى بأجمعه عن قلوبهم، وشموسُ العرفانِ طالِعةٌ على أسرارهم، وأنوار التحقيق مالكة أسرارهم، فلا لَهُم تعبُ الطلب، ولا لهم حاجة إلى التدبير، ولا عليهم سلطان الفكر. وأَشِعةُ شموس العرفان مستغرقة لأنوار نجوم العلم، يقول قائلهم: شعر : ولما استبانَ الصبحُ أدرك ضوءُه بإِسْفارِه أنوارَ ضوءِ الكواكب

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} وصف الله اهل الايمان بفتح اذان قلوبهم بسماع خطابه وفهم بيانه واستبشار قلوبهم بروح الخطاب وزيادة ايقانهم فى السماع قال ابن عطا اما الذين حكم الربوبية وتمسكوا بعهد العبودية زادتهم معرفة فى قلوبهم ونظرا اسقط عنهم النظر الى ما سواه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذا ما} كلمه ما صلة مؤكدة لارتباط الجزاء بالشرط {أنزلت سورة} من سور القرآن وعددها مائة واربع عشرة بالاجماع والسورة طائفة من كلامه تعالى {فمنهم} اى المنافقين {من يقول} لاخوانه انكارا واستهزاء {ايكم} مبتدأ وما بعده خبره {زادته هذه} السورة {إيمانا} مفعول زادته وايراد الزيادة مع انه لا ايمان فيهم اصلا باعتبار اعتقاد المؤمنين. وفيه اشارة الى ان الاستهزاء من علامات النفاق وامارات الانكار ثم اجاب الله تعالى عن انكارهم واستهزائهم من يعتقد زيادة الايمان بزيادة الحاصل بالوحى والعمل الحاصل بالوحى والعمل به فقال {فأما الذين آمنوا} بالله تعالى وبما جاء من عنده {فزادتهم ايمانا} هذا بحسب المتعلق وهو مخصوص بزمان النبى عليه السلام واما الآن فالمذهب على الايمان لا يزيد ولا ينقص وانما تتفاوت درجاته قوة وضعفا فانه ليس من يعرف الشيء اجمالا كمن يعرفه تفضيلا كما ان من رأى الشيء اجمالا كمن يعرفه تفصيلا كما ان من رأى الشيء من بعد ليس كمن يراه من قريب فصورة الايمان هو التصديق القلبى اجمالا وتفصيلا وحقيقته الاحسان الذى هو ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك وحقيقة الاحسان مرتبة كنت سمعه وبصره التى هى قرب النوافل وفوقها مرتبة قرب الفرائض المشار اليه بقوله سمع الله لمن حمده. والحاصل ان من اعتقد الكعبة اذا رآها من بعيد قوى يقينه ثم اذا قرب منها كمل ثم اذا دخل ازداد الكمال ولا تفاوت فى اصل الاعتقاد {وهم يستبشرون} بنزولها وبما فيه من المنافع الدينية والدنيوية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {وإذا ما أنزلت سورةٌ} من القرآن، {فمنهم}؛ فمن المنافقين {من يقولُ}؛ إنكاراً واستهزاءً: {أيُّكم زادتْهُ هذه} السورة {إيماناً}، كما يزعم أصحاب محمد: ان القرآن يزيدهم إيماناً، فلا زيادة فيه، ولا دليل أنه من عند الله. قال تعالى في الرد عليهم: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً}؛ لتنوير قلوبهم، وصفاء سرائرهم، فتزيدهم إيماناً وعلماً؛ لما فيها من الإنذار والإخبار، ولانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم، {وهم يستبشرون} بنزولها؛ لأنها سبب لزيادة إيمانهم، وارتفاع درجاتهم، بخلاف قلوب المنافقين؛ فلظلمانيتها وخوضها لم تزدهم إلا خوضاً، كما قال تعالى: {واما الذين في قلوبهم مرض}؛ كفر وشك، {فزادتهم رجْساً إلى رِجْسِهِمْ} أي: كفراً بها، مضموماً إلى الكفر بغيرها، الذي كان حاصلاً فيهم، {وماتوا وهم كافرون} أي: وتحكم ذلك في قلوبهم حتى ماتوا عليه. {أوَ لا يَرَوْنَ} أي: المنافقون، {أنهم يُفتَنُون} أي: يُبتلون ويُختبرون بأصناف البليات، كالأمراض والجوع، أو الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات، أو يفضحون بكشف سرائرهم. يفعل ذلك بهم {في كل عامٍ مرةً أو مرتين، ثم لا يتوبون}: لا ينتهون من نفاقهم وكفرهم، {ولا هم يذَّكَّرون}؛ يعتبرون. {وإذا ما أُنزلت سورةٌ نظر بعضُهم إلى بعضٍٍ}، يريدون الهرب، يقولون: {هل يراكم من أحدٍ} إذا قمتم، فإن لم يرهم أحد قاموا وانصرفوا. قال البيضاوي: تغامزوا بالعيوب، إنكاراً لها وسخرية، أو غيظاً؛ لما فيها من عيوبهم. هـ. قال ابن عطية: المعنى: إذا ما أُنزلت سورة فيها فضيحتهم، نظر بعضهم إلى بعض على جهة التقرير، يُفْهم من تلك النظرة: التقرير: هل معكم من ينقل عنكم؟ هل يراكم من أحد حين تدبرون أمركم؟ وقوله: {ثم انصَرَفُوا}؛ أي: عن طريق الاهتداء، وذلك أنهم حينما بيَّن لهم كشف أسرارهم، يقع لهم ـ لا محالة ـ تعجب وتوقف ونظر، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لهم، فهم إذ يصممون على الكفر، ويرتكبون فيه، كأنهم انصرفوا عن تلك الحال، التي كانت مظنة النظر والاهتداء. هـ. والتحقيق: أن معنى {انصرفوا}: قاموا عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم؛ مخافة الفضيحة. {صَرَفَ اللهُ قلوبَهم} عن الإيمان؛ دعاء عليهم، أو إخبار، فيستوجبون ذلك؛ {بأنهم} بسبب أنهم {قوم لا يفقهون}؛ لا يفهمون عن الله؛ ولا عن رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ، أو لا يفقهون سوء فهمهم أو عدم تدبرهم. الإشارة: زيادة الإيمان عند سماع القرآن يكون على حسب التصفية والتطهير من الأغيار، فبقدر ما يصفوا القلب من الأغيار يكشف له عن أسرار القرآن. قال بعضهم: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة، فجاهدت نفسي وطهرتها، فصرت كأني أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، يتلوه على أصحابه، ثم رفعت إلى مقام فوقه، فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ منَّ عليّ اللهُ بمنزلة أخرى، فأنا الآن أسمعه من المتكلم به، فعندما وجدت له نعيماً لا أصبر عليه. هـ. بلفظه. مثل هذا يزيده القرآن إيقاناً، ويستبشر قلبه عند سماعه، وأما من كان مريض القلب بحب الدنيا، مَغْمُوراً بالشكوى والأوهام والخواطر؛ فلا يزيده القرآن إلا بُعداً؛ حيث لم يتدبر فيه، ولم يعمل بمقتضاه، وإذا حضر مثلُ هذا الغافل مجلسَ وعظ أو تذكير أو ذكر لم يطق الجلوس، بل نظر: هل يراه من أحد؟ ثم انصرف، صرف الله قلبه عن حضرة قدسه؛ لعدم فهمه عن ربه. والله تعالى أعلم. ثم ختم السورة بذكر محاسن نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما ظهر عليه في هذه السورة من الرحمة والرأفة بالمؤمنين، ومن العفو والصفح عن المعتذرين، فقال: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}.

الطوسي

تفسير : {ما} في قوله: {وإذا ما} يحتمل امرين: أحدهما - ان تكون دخلت لتسليط (اذا) على الجزاء. والثاني - أن تكون صلة مؤكدة، وقوله {فمنهم من يقول} الضمير عائد على المنافقين في قول الحسن والزجاج، والتقدير فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض على وجه الانكار {أيكم زادته هذه إيماناً} وقال الجبائي: يقول المنافقون لضعفة المؤمنين على وجه الاستهزاء. فأخبر الله تعالى انه متى نزلت سورة من القرآن قال المنافقون على وجه الاستهزاء والانكار {أيكم زادته هذه إيماناً} ثم قال تعالى {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً} المعنى ازدادوا عندها ايماناً. وانما أضافه إلى السورة لأن عندها ازدادوا، فوجه زيادة الايمان انهم يصدقون بأنها من عند الله ويعترفون بذلك ويعتقدونه وذلك زيادة اعتقاد على ما كانوا معتقدين له. وقوله {وهم يستبشرون} جملة في موضع الحال، وتقديره انهم يزدادون الايمان عندها مستبشرين بذلك فرحين بما لهم في ذلك من السرور والثواب. والزيادة ضم الشيء إلى جنسه لأنك لو ضممت حجراً إلى ذهب لم تكن زدت، ولو ضممت ذهباً إلى ذهب أو حجراً إلى حجر لكنت زدته.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} عطف على مقدّر كأنّه قال لكن اذا امروا بالقتال تثبّط بعضهم واذا ما انزلت سورة {فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ} استهزاءً {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} جواب وردٌّ عليهم من الله {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بنزولها لانّهم يرونها نعمةً لهم.

اطفيش

تفسير : {وإذا مَا} صلة لتأكيد جواب إذا {أنْزلتْ سُورةٌ فمنْهُم} أى من المنافقين {مَن يقُولُ} إنكارا واستهزاء {أيُّكم} وقرأ عبيد بن عمير بالنصب على الاشتغال، ويقدر المحذوف بعدها، لأن لها الصدر أى أيكم زادت {زَادتْهُ هذه إيماناً} والخطاب من بعض المنافقين لبعض، وقيل: من بعضهم لبعض المؤمنين المحقورين، أو لبعض المؤمنين الذين هم ذووا قربى، الذين طمعوا فى أن يتركوا الإيمان كلما يقول الإنسان منكرا: أى دليل فى كذا، وأى غرابة فى كذا، وإنما استهزءوا بزيادة الإيمان، لأن المؤمنين يعتقدون زيادة الإيمان بنزول القرآن، ورد الله عز وجل عليهم بقوله: {فأمَّا الَّذينَ آمنُوا فَزادتهُم} أسند الزائد إلى السورة، لأنها آلة له وسبب، وإلا فالزائد الله سبحانه وتعالى {إيماناً} تصديقا لله ورسوله {وهُم يسْتبْشِرُون} بنزولها، لأنها سبب لزيادة إيمانهم، وارتفاع درجاتهم، وزوال ما قد يعرض من شبهة، والآية دليل على زيادة، وما صح اتصافه بالزائد، صح اتصافه بالنقص، لكن تحقيق زيادته على أوجه: الأول: أن ينزل الوحى قرآنا أو غيره فيؤمنوا به زيادة على ما نزل به من قبل وآمنوا، وسواء فى ذلك أمر التوحيد وغيره. الثانى: أن ينزل الوحى بدليل آخر، فيعرف الله بعدة أدلة. الثالث: أن الرجل قد يعرض له شك أو شبهة، فيرتفع بنزول الوحى ويرتقى عنه، ويتخلص منه. الرابع: أن يرسخ الإيمان فى قلبه بتكرر نزوله، بحيث لا يخرج عنه إلى الكفر. وأما زيادة الإيمان فى نفسه فلا يتصور، لأنه تحصيل الحاصل، مثل أن يكون زيد عندك معلوما، فلا يمكن أن يزداد لك علمه، وإنما تزداد علامة أخرى تقوى عملك به، فتكون قد عرفته مثلا بدليلين فلعل الخلاف مشهور فى زيادته لفظى، ثم رأيته قولا لبعضهم: إن الخلاف لفظى، لأن الدار على عدم تفاوت الإيمان محمول على أصله الذى هو التصديق، والدال على تفاوته محمول على ما به كماله وهو الأعمال، وما يتقوى به من علامات قيل إنما هو اسم التصديق البالغ حد الجزم والإذعان وهو لا تتصور فيه زيادة ولا نقص. ورجح قوم زيادته بزيادة الطاعة، ونقصه بنقصها، أو تركها وأنت خبير بأن كثيرا من الناس يشكون فى أمر الإيمان بعد التصديق به، ولا ينقص إيمان الملائكة والأنبياء.

اطفيش

تفسير : {وَإِذَ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ} ما بعد إِذا الظرفية لتأْكيد الربط لا لتزيين اللفظ كما توهم بعض، وإِنما ذلك فى الفاءِ قبل إِذا الفجائِية وقط فى قوله، والمراد بالسورة هنا بعض آيات السورة أى وإِذا ما نزلت بعض الآيات تمت السورة أَو لم تتم، وليس المنافقون حاضرين لنزولها، وليس فى الآية فضيحة لهم لأَن هذا مقابل لقوله:{وإِذا ما نزلت سورة} إِلخ فإِنه فى حضورهم النزول وفضيحتهم، ولكن لا بأَس بحمل هذه على العموم {فَمِنْهُمْ} من المنافقين {مَن يَّقُولُ} على الاستهزاءِ لأَصحابه أَو لضعفاءِ المؤمنين {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ} السورة أَى هذه الآيات أَو الآية أَو الآيتان، وزيادة إِيمان المنافقين باعتبار أَن ظاهرهم إِيمان وإِلا فلا إِيمان لهم {إِيماناً} تصديقاً، وذلك استهزاء أَو نفى لأَن تكون زادت إِيمانا. ورد الله عليهم بقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} ولم ينافقوا {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} الإِيمان يزداد وينقص إِجماعاً، إِذا كان بمعنى الأَعمال الصالحات، وبزيادة النزول، وأَما إِذا كان بمعنى التصديق فالصحيح أَنه يزداد بازدياد أَدلته والتفكر فيها، ولا شك أَن معرفة الشىءِ بدليلين أَقْوَى منها بدليل، وينقص بالإِعراض {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} بنزولها لموافقة ما قبلها وموافقة اعتقادهم السابق فى غيرها، ولزيادة كمال قواهم النظرية وزيادة القوة العملية بالعلم، وارتفاع درجاتهم: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} نفاق، مقتضى الظاهر وأَما هم أَو وأَما هؤلاءِ أَعنى القائِلين: أَيكم زادته، ولكن ذكر ما يصرح بكفرهم ويعمهم ويعم غيرهم ليدل على العلة، فإِن الكفر يجلب كفراً آخر، وليكون الكلام كالبرهان بأَنه قد زادت غيرهم ومن هو مثلهم رجساً {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً} كفرا منضماً {إِلَى رِجْسِهِمْ} كفرهم السابق بغيرها، كلما نزلت آية وسمعوها كفروا بها فذلك زيادة كفر، وتزداد قلوبهم قسوة بالكفر المزداد، فكانوا يستهزئون، وسمى الكفر رجساً تشبيها بالشىءِ المستقذر {وَمَاتُوا} برهان بمن مات وإِن أُريد الأَحياء خصوصاً فمعناه يموتون بعد {وَهُمْ كَافِرُونَ} لا غير كافرين، وكأَنهم قد ماتوا كافرين ليتحقق أَنهم يموتون كافرين.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ} من سور القرآن {فَمِنْهُمْ} أي من المنافقين كما روي عن قتادة وغيره {مَن يِقُولُ} على سبيل الإنكار والاستهزاء لإخوانه ليثبتهم على النفاق أو لضعفة المؤمنين ليصدهم عن الإيمان {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ} السورة {إِيمَـٰناً} وقرأ عبيد بن عمير {أَيُّكُمْ} بالنصب على تقدير فعل يفسره المذكور ويقدر مؤخراً لأن الاستفهام له الصدر أي أيكم زادت زادته الخ. واعتبار الزيادة على أول الاحتمالين في المخاطبين باعتبار اعتقاد المؤمنين. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} جواب من جهته تعالى شأنه وتحقيق للحق وتعيين لحالهم عاجلاً وآجلاً. وقال بعض المدققين: إن الآية دلت على أنهم مستهزئون وأن استهزاءهم منكر فجاء قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ }تفسير : [التوبة:125] الخ تفصيلاً لهذين القسمين، وجعل ذلك الطيبـي تفصيلاً لمحذوف وبينه بما لا يميل القلب إليه، وأياً ما كان فجواب {إِذَا} جملة {فَمِنْهُمْ} الخ، وليس هذا وما بعده عطفاً عليه؛ أي فأما الذين آمنوا بالله سبحانه وبما جاء من عنده {فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} أي تصديقاً لأن ذلك هو المتبادر من الإيمان كما قرر في محله. وقبول التصديق نفسه الزيادة والنقص والشدة والضعف مما قال به جمع من المحققين وبه أقول لظواهر الآيات والأخبار ولو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً، ومن لم يقبل قبوله للزيادة ولم يدخل الأعمال في الإيمان قال: إن زيادته بزيادة متعلقه والمؤمن به، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل: ويلزمه أن لا يزيد اليوم لإكمال الدين وعدم تجدد متعلق وفيه نظر وإن قاله من تعقد عليه الخناصر وتعتقد بكلامه الضمائر، ومن لم يقبل وأدخل الأعمال فالزيادة وكذا مقابلها ظاهرة عنده {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} / بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم ورفع درجاتهم بل هو لعمري أجدى من تفاريق العصا.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطَّول منهم}تفسير : [التوبة: 86] وهذا عود إلى بيان أحوال المنافقين وما بينهما اعتراضات. وهذه الآية زيدت فيها (ما) عَقب (إذا) وزيادتها للتأكيد، أي لتأكيد معنى (إذَا) وهو الشرط، لأن هذا الخبر لغرابته كان خليقاً بالتأكيد، ولأن المنافقين ينكرون صدوره منهم بخلاف الآية السابقة لأن مضمونها حكاية استيذانهم وهم لا ينكرونه. ولم يذكر في هذه الآية إجمال ما اشتملت عليه السور التي أنزلت كما ذكر في قوله: {أية : وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله}تفسير : [التوبة: 86]. ووجه ذلك أن سور القرآن كلها لا تخلو عن دعاء إلى الإيمان والصالحات والإعجاز ببلاغتها. فالمراد إذا أنزلت سورة مَّا من القرآن. وضمير {فمنهم} عائد إلى المنافقين للعلم بالمعاد من المقام ومن أواخر الكلام في قوله: {وأما الذين في قلوبهم مرض}، ولما في قوله قبل هذا: {أية : قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}تفسير : [التوبة: 123] من التعريض بالمنافقين كما تقدم، فالمنافقون خاطرون بذهن السامع فيكون الإتيان بضمير يعود عليهم تقوية لذلك التعريض. وقولهم: {أيكم زادته هذه إيماناً} خطاب بعضهم لبعض على سبيل التهكم بالمؤمنين وبالقرآن، لأن بعض آيات القرآن مصرحة بأن القرآن يزيد المؤمنين إيماناً قال تعالى: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً}تفسير : [الأنفال: 2]. ولعل المسلمين كانوا إذا سمعوا القرآن قالوا: قد ازددنا إيماناً، كقول معاذ بن جبل للأسود بن هلال: اجلس بنا نُؤمن ساعة، يعني بمذاكرة القرآن وأمور الدين (رواه البخاري في كتاب الإيمان). ولما كان الاستفهام في قولهم: {أيّكم} للاستهزاء كان متضمناً معنى إنكار أن يكون نزول سور القرآن يزيد سامعيها إيماناً توهماً منهم بأن ما لا يزيدهم إيماناً لا يزيد غيرهم إيماناً، يقيسون على أحوال قلوبهم. والفاء في قوله: {فأما الذين آمنوا} للتفريع على حكاية استفهامهم بحملهِ على ظاهر حاله وصرفه عن مقصدهم منه. وتلك طريقة الأسلوب الحكيم، وهو: تلقي المخاطب بغير ما يترقب بحمل كلامه على خلاف مراده لنكتة، وهي هنا إبطال ما قصدوه من نفي أن تكون السورة تزيد أحداً إيماناً قياساً على أحوال قلوبهم فأجيب استفهامهم بهذا التفصيل المتفرع عليه، فأثبت أن للسورة زيادة في إيمان بعض الناس وأكثرَ من الزيادة، وهو حصول البشر لهم. وارتُقِيَ في الجواب عن مقصدهم من الإنكار بأن السورة ليست منفياً عنها زيادة في إيمان بعض الناس فقط بل الأمر أشد إذ هي زائدة في كفرهم، فالقِسم الأول المؤمنون زادتهم إيماناً وأكسبتهم بشرى فحصل من السورة لهم نفعان عظيمان، والقسم الثاني الذين في قلوبهم مرض زادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون. فالوجه أن تكون جملة {وهم يستبشرون} معطوفة على جملة: {فزادتهم إيماناً} وأن تكون جملة: {وماتوا وهم كافرون} معطوفة على جملة: {فزادتهم رجساً} لأن مضمون كلتا الجملتين مما أثرته السورة. أما جملة: {وهم كافرون} فهي حال من ضمير {ماتوا}. وقوبل قوله: {وهم يستبشرون} في جانب المؤمنين بقوله: {وماتوا وهم كافرون} في جانب المنافقين تحسيناً بالازدواج، بحيث كانت للسورة فائدتان للمؤمنين ومصيبتان على المنافقين، فجُعل موتهم على الكفر المتسبب على زيادة السورة في كفرهم بمنزلة مصيبة أخرى غير الأولى وإن كانت في الحقيقة زيادة في المصيبة الأولى. هذا وجه نظم الآية على هذا النسج من البلاغة والبديع، وقد أغفل فيما رأيت من التفاسير، فمنها ما سكت عن بيانه. ومنها ما نُشرت فيه معاني المفردات وترك جانب نظم الكلام. والاستبشار: أثر البشرى في النفس، فالسين والتاء للتأكيد مثل استعجم، وتقدم في قوله تعالى: {أية : يستبشرون بنعمة من الله} تفسير : في آل عمران (171)، وتقدم آنفاً في قوله: {أية : فاستبشروا ببيعكم}تفسير : [التوبة: 111]. والمراد بزيادة الإيمان وبزيادة الرجس الرسوخ والتمكن من النفس. والرجس: هنا الكفر. وأصله الشيء الخبيث. كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : رجس من عمل الشيطان} تفسير : في سورة العقود (90). وقوله: {أية : كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} تفسير : في سورة الأنعام (125). والمرض في القلوب تقدم في قوله تعالى: {أية : في قلوبهم مرض} تفسير : في سورة البقرة (10). وتعدية {زادتهم} بــ {إلى} لأن زاد قد ضمن معنى الضم. ومعنى قوله: {فأما الذين آمنوا} الخ مثل معنى قوله تعالى: {أية : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}تفسير : [الإسراء: 82].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سورة: أي قطعة من القرآن وسواء كانت آيات من سورة أو سورة بكاملها وحدها. زداته إيماناً: أي السورة قَوَّت إيمانه وزادت فيه لأنها كالغيث النافع. يستبشرون: فرحين بفضل الله تعالى عليهم. في قلوبهم مرض: أي شك ونفاق وشرك. فزادتهم رجساً: أي نجساً إلى نجس قلوبهم ونفوسهم. يفتنون: أي يمتحنون. ولا هم يذكرون: أي لا يتعظون لموات قلوبهم. صرف الله قلوبهم: دعاء عليهم بأن لا يرجعوا إلى الحق بعد انصرافهم عنه. لا يفقهون: أي لا يفهمون أسرار الخطاب لظلمة قلوبهم وخبث نفوسهم. معنى الآيات: هذا آخر حديث عن المنافقين في سورة براءة الفاضحة للمنافقين يقول تعالى {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي من سور القرآن التي بلغت 114 سورة نزلت وتليت وهم غائبون عن المجلس الذي تليت فيه، فمنهم أي من المنافقين من يقول: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} وقولهم هذا تهكم منهم وازدراء قال تعالى {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بحق وصدق {فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً} لأنها نزلت بأحكام أو أخبار لم تكن عندهم فآمنوا بها لما نزلت فزاد بذلك إيمانهم وكثر كما كان أن إيمانهم يقوى حتى يكون يقيناً بما يتنزل من الآيات وقوله {وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} أي فرحون مسرورون بالخبر الذي نزل والقرآن كله خير كما هم أيضاً فرحون بإيمانهم وزيادة يقينهم {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شك ونفاق {فَزَادَتْهُمْ رِجْساً} أي شكاً ونفاقاً {إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}. وقوله تعالى {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} أي أيستمر هؤلاء المرضى بالنفاق على نفاقهم ولا يرون أنهم يفتنون أي من أجل نفاقهم مرة أو مرتين أي يختبرون بالتكاليف والفضائح وغيرها {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} من نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} فيتعظون فيتوبون هذا ما دلت عليه الآيات الأولى [124] والثانية [125] والثالثة [126] أما الآية الرابعة [127] فقد تضمنت سوء حال هؤلاء المنافقين وقبح سلوكهم فسجَّلَت عليهم وصمة عار وخزي إلى يوم القيامة إذ قال تعالى {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} أي وهم في المجلس وقرئت على الجالسين وهم من بينهم. {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} وقال في سرية ومُخافَتَه هيا نقوم من هذا المجلس الذي نعير فيه ونشتم {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} أي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان الجواب: لا يرانا أحد انصرفوا متسللين لواذاً قال تعالى في دعاء عليهم: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} أي عن الهدى {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي لا يفقهون أسرار الآيات وما تهدي إليه، فعلتهم سوء فهمهم وعلة سوء فهمهم ظلمة قلوبهم وعلة تلك الظلمة الشك والشرك والنفاق والعياذ بالله تعالى. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ زيادة الإِيمان ونقصانه زيادته بالطاعة ونقصانه بالعصيان. 2- جواز الفرح بالإِيمان وصالح الأعمال. 3- مريض القلب يزداد مرضاً وصحيحه يزداد صحة سنة من سنن الله في العباد. 4- كشف أغوار المنافقين وفضيحتهم في آخر آية من سورة التوبة تتحدث عنهم. 5- يستحب أن لا يقال انصرفنا من الصلاة أو الدرس ولكن يقال انقضت الصلاة أو انقضى الدرس ونحو ذلك.

القطان

تفسير : الرجس: النجس ومعناه هنا الكفر يعني ازدادوا كفراً الى كفرهم. بعد ذِكر الوان من مخازي المنافقين وكشفِ اخلاقهم بيّن هنا أنواعاً اخرى من تلك المثالب مثل سُخريتهم من القرآن الكريم، وتسلَّلهم حين سماعه. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ}. واذا ما أنزل الله سورةً من القرآن على رسوله، وسمعها المنافقون، سخرواواستهزأوا، وقال بعضهم لبعض: هل منكم من زادته هذه السورة إيمانا؟ وجواب ذلك يا محمد: نعم، المؤمنون الذين ابصروا النور وعرفوا الحق زادتهم إيمانا إلى إيمانهم. يفرحون بذلك ويستبشرون، لأنهم يرجون الخير من هذه الزيادة، وذلك بتزكية أنفسهم في الدنيا والآخرة. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}. وأما المنافقون الذين في قلوبهم شك وارتياب، فقد زادتهم كفرا الى كفرهم، وحين ماتوا على الكفر والنفاق كان مأواهم جهنم وبئس المصير. {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ}. أوَلا يعتبر هؤلاء المنافقون بما يبتليهم اللهُ به كل عام من ألوان باللاء بكشفِ أستارهم، وإنباءِ الله بما في قلوبهم وفضيحتهم، ونصر المؤمنين!! ثم هم مع كل هذا لا يتوبون من نفاقهم، ولا يتعظون بما يحل بهم من العذاب. قراءات: قرا حمزة ويعقوب: "او لا ترون" بالتاء. {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون}. بعد ان بين حال تأثير إنزال آيات القرآن في المنافقين وهم غائبون عن مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، بين حالهم هنا وهم في مجلسه حين نزولنا واستماع تلاوته لها. واذا ما انزلت سورة وهم في مجلس الرسول الكريم تسارقوا النظر وتفاخروا وقال بعضهم لبعض: هل يراكم أحد؟ ثم انصرفوا متسللين لئلا يفتضحوا بما يظهر عليهم من سخرية وانكار. {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} وهذا دعاء عليهم، فقد صرف قلوبهم عن الهدى فانهم يستحقون ان يظلوا في ضلالهم يعمهون، لانهم قوم لا يفقهون، حيث عطلوا قلوبهم عن وظيفتها واستمروا على عنادهم ونفاقهم. ثم يختم الله تعالى هذه السورة الكريمة بآيتين تتحدث احداهما عن الصلة بين الرسول وقومه، وعن حرصة عليهم ورحمته بهم، والآية الثانية توجيهٌ للرسول ان يعتمد على به وحده حين يتولى عنه من يتولى، فهو وليه وناصره وكافيه.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِيمَاناً} {آمَنُواْ} (124) - إِذَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى سُورَةً مِنْ سُوَرِ القُرْآنِ فَمِنَ المُنَافِقِينَ مَنْ يَقُولُ لإِخْوَانِهِ: (أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يَلْقَاهُ مِنَ المُؤْمِنينَ مُشَكِّكاً): أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ إِيمَاناً وَيَقيناً بِحَقِيقَةِ القُرْآنِ وَالإِسْلاَمِ، وَصدْقِ الرَّسُولِ؟ وَيَقُولُ تَعَالَى: أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَتَزيدُهُمُ الآيَاتُ إِيمَاناً، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِرِضْوانِ رَبِّهِمْ، وَبِمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنْ جَزِيلِ الثَّوابِ. (وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الفُقَهَاءِ مِنْ هذِهِ الآيَةِ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَزيدَ أَوْ يَنْقُصَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله الحق: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ} يعني: إذا نزلت، ونعلم أن هناك "نَزَل" و"أَنْزلَ" و"نَزَّل" فـ "أنَزَل" للتعدية، فالقرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ثم نزّله الحق نجوماً. فالتنزيل معناه: موالاة النزول لأبعاض القرآن، فالقرآن قد أنزل كله، ثم بعد ذلك نزله الحق، ونزل به جبريل - عليه السلام - على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقد جمعت الآية تنزيل الحق للقرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزول جبريل - عليه السلام - بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحق سبحانه يقول: {أية : وَبِٱلْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ...}تفسير : [الإسراء: 105]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. وهنا يقول الحق: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} والسورة هي الطائفة من القرآن المسورة بسور خاص؛ أوله مثلاً: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} وآخره تأتي بعده سورة أخرى تبدأ بقوله الحق: {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} ومأخوذة من السور الذي يحدد المكان. وهل المقصود بقوله الحق هنا نزول سورة كاملة من القرآن أم نزول بعض من القرآن؟ إن المقصود هو نزول بعض من القرآن. وتتابع الآية: {فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} والمقصود بهذا المنافقون الذين رجعوا عن الإيمان. ونحن نعلم أن القرآن حق وأنه من عند الله، وله أسر وفاعلية إشراقية في صفاء النفس، وقد سمعه الكفار من قبل، وشهدوا له، أما المؤمنون فحين سمعوه فقد أسرهم. وهذا الأمر بسبب الاستعداد لتلقيه؛ لأن المسألة في كل الأحداث ليست من الفاعل وحده، ولكن من الفاعل والقابل للفعل - ولله المثل الأعلى - أنت تأتي بمطرقة مثلاً، وتطرق قطعة حديد فترق وتزيد مساحتها، أما إن طرقت بالمطرقة قطعة صلب أقوى من المطرقة؛ فلن تؤثر فيها. إذن: فالطرق شيء وقابلية الطرق شيء آخر، وهكذا لا بد للفاعل من قابل، والمطلوب من القابل للشيء أن يستقبله بغير خصومة له نابعة من قلبه. فإذا أراد أحد أن يسمع القرآن فعليه أن يخرج ما في قلبه مما هو ضد القرآن، ويضع القرآن وضده خارج قلبه وليسمع هذا وهذا وما ينفذ إلى قلبه بعد هذا فليصدقه. لكن أن يستقبل القرآن بما في قلبه من كراهية القرآن؛ فلن يتأثر به، مثلما قابل بعض المنافقين القرآن وقالوا: لم نتأثر به. وسبب هذا أن هناك ما يسمى بالحيز، وعدم التداخل في الحيز، فالقلب حيز لا يسع الشيء ونقيضه، فلا تملأ قلبك ببغضك للدين، ثم تقول: لقد سمعت القرآن ولم يؤثر فيَّ. هنا نقول لك: أخرج من قلبك ما يكون ضد القرآن، واجعل القرآن أيضاً خارج قلبك، ثم انظر في الاثنين لترى ما الذي يستريح له قلبك، لكن أن تكون مشحوناً ضد القرآن ثم تقول: إن القرآن لم يؤثر فيك، فهذا يعني أنك لم تنتبه إلى الفرق بين الفاعل والقابل، ولم تنتبه إلى ما يسمى بالحيز، ومدى قدرته على الاستيعاب. فالزجاجة ذات الفوهة الضيقة لا تستقبل بداخلها الماء إن أغرقتها فيه؛ لأن ضيق الفوهة لا يساعد الهواء الذي بداخلها على الخروج، ولا يساعد الماء على الدخول؛ لأن الماء لن يدخل إلا إذا خرج الهواء؛ لذلك لا بد أن تكون فوهة الزجاجة واسعة تسمح بخروج الهواء ودخول الماء، وعند ذلك سترى فقاقيع الهواء وهي تعلو الفوهة. وإذا كان الأمر كذلك في الحسيات، فما بالك في الأمور المعنوية وهي مثل الأمور الحسية. إذن: فأخْرِج ما يناقض الحق من قَلْبك، واجعل الباطل والحق خارجاً، ثم استَقبل الاثنين. لا يمكن لك في مثل هذه الحالة إلا أن تستقبل الحق. ويصف سبحانه المصرين على الكفر: {أية : وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ ...} تفسير : [التوبة: 93]. أي: أن ما هو خارج هذه القلوب لا يدخل إليها، وما في داخلها لا يخرج منها. إذن: ما دام الحق قد ختم على قلوبهم؛ فلن تنفتح هذه القلوب للإيمان، وستظل محتفظة بالكفر. فإذا كان من هؤلاء الكافرين أو المنافقين من يسمع القرآن، ولا يأسره بيانه؛ فذلك بسبب عجزهم عن النظر إلى ما فيه من معان وقيم؛ لأن الإنسان حينما يسمع القرآن، وتكون نفسه صافية ليس فيها ما يشوش على ما في القرآن من جاذبية وبيان يؤثر فيه وتطمئن إليه نفسه. ولذلك حين قرأ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - القرآن، وكان من قبل ذلك شديداً على الإسلام، ثم ذهب إلى أخته؛ ليتحقق من أمر إسلامها، وحين سال منها الدم رقت عاطفته لها، ثم قرأ القرآن فاستقر في قلبه. إذن: لا بد أن تخرج ما في ذهنك أولاً؛ لتستقبل القرآن. فإذا ما أنزلت سورة يستقبلها المؤمن بصفاء. أما الكافرون والمنافقون، فمنهم من يقول: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} وتعطينا الآية معنى أننا أمام فريقين: واحد يقرأ، والثاني يسمع. ونفهم من سياق الآية أن الذي يتساءل مثل هذا السؤال إنما يوجهه لفريقين: أحدهما من ضعاف الإيمان، أو حديثي الإسلام، أو المنافقين، وهؤلاء هم الذين لم يُخْرجوا الكفر أو بعضه من قلوبهم، وقابلية بعضهم لاستقبال الإيمان لم تتأَكد بعد، ومنهم من قال فيهم الحق: {أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً ...} تفسير : [محمد: 16]. ويقول: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيۤ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ...} تفسير : [فصلت: 44]. إذن: الفاعل شيء، والقابل شيء آخر. هم سمعوا القرآن بدليل أن الحق يقول: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} وسياق الآية يوحي لنا أن هناك همساً من بعضهم: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} وهذا الهمس يأتي بلهجة المستهزئ، وقائل الهمس يعني أن سماعه للقرآن لم يزد شيئاً عنده، ولم ينقص، وهو يهمس لمنافق مثله، أو لضعيف الإيمان {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} فيرد الله على القضية النفسية، ويعلمنا أنه سبحانه قد قسم الناس قسمين: قسم كافر أو منافق، وهذا القسم يزيده القرآن كفراً، أما القسم المؤمن؛ فاستقباله للقرآن يزيد من إيمانه. إذن: الفاعل شيء والقابل مختلف. ووقف العلماء أمام هذه الآية موقفاً فيه اختلاف بينهم {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} فقال بعضهم: إن الإيمان ينقص ويزيد، وقال بعضهم: إن الإيمان لا ينقص ولا يزيد، وقامت معركة بين علماء الكلام، ولا تتسرب معركة بين عقلاء إلا إذا كانت جهة الفهم في الأمر الذي يختلفون فيه منفكة، فمنهم من يذهب فكره إلى ناحية، ومنهم من يتجه فكره إلى ناحية أخرى. فالذين قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلحظة أن يتألق الإيمان في القلب؛ يستقر فيه، وهو الإيمان بالله، وأن لا إله إلا الله ولا معبود سواه، وأن محمداً رسوله المبلغ عنه؛ هذا الإيمان لا يزيد ولا ينقص. والمثال: هو قول الإمام على كرم الله وجهه: لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقيناً. أما العلماء الذين قالوا بأن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد قصدوا بذلك تطبيق مستلزمات الإيمان من الآيات، فكل آية تحتاج ممن يصدقها أن يكون مؤمناً بالله أولاً، ثم ينفذ متطلبات الآية. وكل المسلمين مؤمنون بالله، ولكن في جزئيات التطبيق نجد من يطبق عشرين جزئية وآخر يطبق ثلاثين، أما أصل الإيمان الذي استقبل به الإنسان التكليف وهو التوحيد، فلا يزيد أو ينقص. وهؤلاء المنافقون عندما قالوا: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} هل تداولوا ذلك سرّاً أم قالوه علناً؟ لا بد أنهم قالوا ذلك سرّاً وفضحهم الحق سبحانه، وكان يكفي أن يعلموا أن الله يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بكل ما يكتمونه، ولكنهم احترفوا اللجاجة؛ لذلك قالوا: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً}. ويرد الحق سبحانه: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} و "يستبشر" أي: يملأ السرور بشرته، فترى البريق، والفرحة، والانبساط. وكلها من علامات الاستبشار، ومن يستبشر بآية من آيات الحق فهو الذي يفهم من الآية شيئاً جديداً؛ يدخل على نفسه السرور؛ ولذلك فهو يرتاج لنزول تكليفات إيمانية جديدة، ليعظم ويزداد ثوابه، وهو غير ذلك الذي يكره أن ينزل حكم جديد من الله. هذا هو معنى "يستبشر". أما الآخرون فيقول الحق سبحانه عنهم: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: مبينا حال المنافقين، وحال المؤمنين عند نزول القرآن، وتفاوت ما بين الفريقين، فقال: { وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ } فيها الأمر، والنهي، والخبر عن نفسه الكريمة، وعن الأمور الغائبة، والحث على الجهاد. { فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا } أي: حصل الاستفهام، لمن حصل له الإيمان بها من الطائفتين. قال تعالى -مبينا الحال الواقعة-: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } بالعلم بها، وفهمها، واعتقادها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، والانكفاف عن فعل الشر. { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } أي: يبشر بعضهم بعضا بما من اللّه عليهم من آياته، والتوفيق لفهمها والعمل بها. وهذا دال على انشراح صدورهم لآيات اللّه، وطمأنينة قلوبهم، وسرعة انقيادهم لما تحثهم عليه. { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: شك ونفاق { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } أي: مرضا إلى مرضهم، وشكا إلى شكهم، من حيث إنهم كفروا بها، وعاندوها وأعرضوا عنها، فازداد لذلك مرضهم، وترامى بهم إلى الهلاك { وَ } الطبع على قلوبهم، حتى { مَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ }. وهذا عقوبة لهم، لأنهم كفروا بآيات اللّه وعصوا رسوله، فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه. قال تعالى -موبخا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق-: { أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم. { ثُمَّ لا يَتُوبُونَ } عما هم عليه من الشر { وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ } ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه. فالله تعالى يبتليهم -كما هي سنته في سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأنه ينبغي للمؤمن، أن يتفقد إيمانه ويتعاهده، فيجدده وينميه، ليكون دائما في صعود.