٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
126
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الله تعالى لما بين أن الذين في قلوبهم مرض يموتون وهم كافرون، وذلك يدل على عذاب الآخرة، بين أنهم لا يتخلصون في كل عام مرة أو مرتين عن عذاب الدنيا وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {أَوْ لاَ تَرَوْنَ } بالتاء على الخطاب للمؤمنين، والباقون بالياء خبراً عن المنافقين، فعلى قراءة المخاطبة، كان المعنى أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر، ومن قرأ على المغايبة، كان المعنى تقريع المنافقين بالإعراض عن الاعتبار بما يحدث في حقهم من الأمور الموجبة للاعتبار. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: قوله: {أَوْ لاَ يَرَوْنَ } هذه ألف الاستفهام دخلت على واو العطف، فهو متصل بذكر المنافقين، وهو خطاب على سبيل التنبيه قال سيبويه عن الخليل في قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء } المعنى: أنه أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. المسألة الثالثة: ذكروا في هذه الفتنة وجوهاً: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون من ذلك النفاق ولا يتعظون بذلك المرض، كما يتعظ بذلك المؤمن إذا مرض، فإنه عند ذلك يتذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك إيماناً وخوفاً من الله، فيصير ذلك سبباً لاستحقاقه لمزيد الرحمة والرضوان من عند الله. الثاني: قال مجاهد: {يُفْتَنُونَ } بالقحط والجوع. الثالث: قال قتادة: يفتنون بالغزو والجهاد فإنه تعالى أمر بالغزو والجهاد فهم إن تخلفوا وقعوا في ألسنة الناس باللعن والخزي والذكر القبيح، وإن ذهبوا إلى الغزو مع كونهم كافرين كانوا قد عرضوا أنفسهم للقتل وأموالهم للنهب من غير فائدة. الرابع: قال مقاتل: يفضحهم رسول الله بإظهار نفاقهم وكفرهم قيل: إنهم كانوا يجتمعون على ذكر الرسول بالطعن فكان جبريل عليه السلام ينزل عليه ويخبره بما قالوه فيه، فكان يذكر تلك الحادثة لهم ويوبخهم عليها، ويعظهم فما كانوا يتعظون، ولا ينزجرون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} قراءة العامة بالياء، خبراً عن المنافقين. وقرأ حمزة ويعقوب بالتاء خبراً عنهم وخطاباً للمؤمنين. وقرأ الأعمش «أو لم يروا». وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «أَوَ لاَ تَرَىٰ» وهي قراءة ٱبن مسعود، خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم. و {يُفْتَنُونَ} قال الطبريّ: يختبرون. قال مجاهد: بالقحط والشدّة. وقال عطية: بالأمراض والأوجاع؛ وهي روائد الموت. وقال قتادة والحسن ومجاهد: بالغزو والجهاد مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويرون ما وعد الله من النصر {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} لذلك {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ}.
البيضاوي
تفسير : {أَوْ لاَ يَرَوْنَ} يعني المنافقين وقرىء بالتاء. {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} يبتلون بأصناف البليات، أو بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات. {فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} لا ينتهون ولا يتوبون من نفاقهم. {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} ولا يعتبرون.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} أي: يختبرون {فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة، ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم، قال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع. وقال قتادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين، وقال شريك عن جابر، هو الجعفي، عن أبي الضحى عن حذيفة في قوله: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير، رواه ابن جريرـ وفي الحديث عن أنس: «حديث : لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا يزداد الناس إلا شحاً، وما من عام إلا والذي بعده شر منه» تفسير : سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم وقوله: { وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} هذا أيضاً إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم{نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} أي: تلفتوا {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} أي: تولوا عن الحق، وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدين، لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه؛ كقوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } تفسير : [المدثر:49-51] وقوله تعالى: {أية : فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ} تفسير : [المعارج:36-37] أي: ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يميناً وشمالاً؛ هروباً من الحق، وذهاباً إلى الباطل. وقوله: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} كقوله: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} أي: لا يفهمون عن الله خطابه، ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في شغل عنه ونفور منه، فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَوْ لاَ يَرَوْنَ } بالياء: أي المنافقون، والتاء: أيها المؤمنون {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } يُبْتلون {فِى كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } بالقحط والأمراض {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } من نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } يتعظون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَوَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} الآية. في معنى الافتتان هنا ثلاثة أوجه: أحدها: يبتلون، قاله ابن عباس. الثاني: يضلون، قاله عبد الرحمن بن زيد. الثالث: يختبرون، قاله أبو جعفر الطبري. وفي الذي يفتنون به أربعة أقاويل: أحدها: أنه الجوع والقحط، قاله مجاهد. الثاني: أنه الغزو والجهاد في سبيل الله، قاله قتادة. الثالث: ما يلقونه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله حذيفة بن اليمان. الرابع: أنه ما يظهره الله تعالى من هتك أستارهم وسوء نياتهم، حكاه علي بن عيسى. وهي في قراءة ابن مسعود: {أَوَ لاَ تَرَى أَنَّهُم يُفْتَنُونَ} خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُفْتَنُونَ} يُبتلون، أو يضلون، أو يُختبرون بالجوع والقحط، أو بالجهاد والغزو في سبيل الله، أو ما يلقونه من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما هتكه الله ـ تعالى ـ من أسرارهم.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أولا يرون} قرئ ترون بالتاء على خطاب المؤمنين وقرئ بالياء على أنه خبر عن المنافقين المذكورين في قوله في قلوبهم مرض {أنهم يفتنون} يعني يبتلون {في كل عام مرة أو مرتين} يعني بالأمراض والشدائد. وقيل: بالقحط والجدب. وقيل: بالغزو والجهاد. وقيل: إنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم. وقيل: إنهم ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقيل إنهم ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين {ثم لا يتوبون} يعني من النفاق ونقض العهد ولا يرجعون إلى الله {ولا هم يذكرون} يعني ولا يتعظون بما يرون من صدق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين {وإذا ما أنزلت سورة} يعني فيها عيب المنافين وتوبيخهم {نظر بعضهم إلى بعض} يريدون بذلك الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة {هل يراكم من أحد} يعني هل أحد من المؤمنين يراكم إن قمتم من مجلسكم فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أن أحداً يراهم من المؤمنين أقاموا ولبثوا على تلك الحال {ثم انصرفوا} يعني عن الإيمان بتلك السورة النازلة. وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون {صرف الله قلوبهم} يعني عن الإيمان. وقال الزجاج: أضلهم الله مجازاة لهم على فعلهم {بأنهم قوم لا يفقهون} يعني لا يفقهون عن الله دينه ولا شيئاً فيه نفعهم. قوله سبحانه وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} هذا خطاب للعرب يعني: لقد جاءكم أيها العرب رسول من أنفسكم تعرفون نسبه وحسبه وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم وله فيهم نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح"تفسير : هكذا ذكره الطبري وذكر البغوي بإسناد الثعلبي. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام"تفسير : قال قتادة: جعله الله من أنفسكم فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة. قال بعض العلماء في تفسير قول ابن عباس: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: من مضرها وربيعتها ويمانها فأما ربيعة ومضر فهم من ولد معد بن عدنان وإليه تنسب قريش وهو منهم وأما نسبه إلى عرب اليمن وهم القحاطنة فإن آمنة لها نسب في الأنصار وإن كانت من قريش والأنصار أصلهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبأ فعلى هذا القول يكون المقصود من قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}. ترغيب العرب في نصره والإيمان به فإنه تم شرفهم بشرفه وعزتهم بعزته وفخرهم بفخره وهو من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة. وقرأ ابن عباس والزهري: من أنفسكم بفتح الفاء. ومعناه: أنه من أشرفكم وأفضلكم (خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه"تفسير : (م) عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم"تفسير : عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله إن قريشاً جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فقالوا مثلك كمثل نخلة في كدية من الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً"تفسير : أخرجه الترمذي. وقيل إن قوله سبحانه وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} عام فحمله على العموم أولى فيكون المعنى على هذا القول لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم يعني من جنسكم بشر مثلكم إذ لو كان من الملائكة لضعفت قوى البشر عن سماع كلامه والأخذ عنه. قوله سبحانه وتعالى: {عزيز عليه ما عنتم} أي شديد عليه عنتكم يعني مكروهكم. وقيل: يشق عليه ضلالكم {حريص عليكم} حريص على إيمانكم وإيصال الخير إليكم وقال قتادة: حريص على هدايتكم وأن يهديكم الله {بالمؤمنين رؤوف رحيم} يعني أنه صلى الله عليه وسلم رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين (ق). عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي"تفسير : وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً. قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله سبحانه وتعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى الله عليه وسلم فسماه رؤوفاً رحيماً قال سبحانه وتعالى: {أية : إن الله بالناس لرؤوف رحيم}تفسير : [البقرة: 143].
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير تسبيباً عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس وازديادهم منه: أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه؟ عطف عليه تقريرهم بعذاب الدنيا والإنكار عليهم في قوله: {أولا يرون} أي المنافقون، قال الرماني: والرؤية هنا قلبية لأن رؤية العين لا تدخل على الجملة لأن الشيء لا يرى من وجوه مختلفة {أنهم } أي المنافقين؛ ولما كان مطلق وقوع الفتنة من العذاب، بنى للمفعول قوله: {يفتنون} أي يخالطون من حوادث الزمان ونوازل الحدثان بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم في نفاقهم {في كل عام} أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشاً {مرة أو مرتين} فيفضحون بذلك، وذلك موجب للتوبة للعلم بأن من علم سرائرهم - التي هم مجتهدون في إخفائها - عالم بكل شيء قادر على كل مقدور، فهو جدير بأن تمتثل أوامره وتخشى زواجره. ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه مستبعداً، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم لا يتوبون} أي لا يجددون توبة {ولا هم} أي بضمائرهم {يذكرون*} أي أدنى تذكر بما أشار إليه الإدغام، فلولا أنه حصلت لهم زيادة في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي رجسهم إلى أن يزيله ولكن كلما أوهى شيئاً خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات المترتبة على وجود نجوم القرآن، والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه، فالآية ذامة لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر أنه سبحانه ما أصابهم بها إلا بذنوبهم {أية : ويعفو عن كثير} تفسير : [الشورى: 34] كما أن أحدهم لا يعاقب فتاة إلا بذنب وما لم يتب فهو يوالي عقابه. ولما ذكر ما يحدث منهم من القول استهزاء، أتبعه تأكيداً لزيادة كفرهم وتوضيحاً لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان والتغامز بالعيون فقال { وإذا} وأكد بالنافي فقال: { ما} ولما كان الغرض نفس الإنزال لا تعيين المنزل، بني للمفعول قوله { أُنزلت سورة} أي طائفة من القران { نظر بعضهم} أي المنافقين { إلى بعض} أي متغامزين سخرية واستهزاء قائلين: {هل يراكم} وأكدوا العموم فقالوا: {من أحد} أي من المؤمنين إن انصرفتم، فإن يشق علينا سماع مثل هذا، ويشق علينا أن يطلع المؤمنون على هذا السر منا. ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام مستهجناً، أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال: {ثم انصرفوا} أي إن لم يكن أحد يراهم، وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا؛ ولما كانوا مستحقين لكل سوء، أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله: { صرف الله} أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله {قلوبهم} أي عن الإيمان؛ ثم علل ذلك بقوله: {بأنهم قوم} وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم { لا يفقهون*} أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلظة، وهذا دليل على ختام الآية قبلها، وهاتان الآيتان المختتمتان - بـ { لا يفقهون} التاليتان للأمر بالجهاد في قوله {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} الموازي - { انفروا خفافاً وثقالاً} الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل أوصاف المنافقين التالية لآية {انفروا} المختتم ما هو العام منها في أهل الحاضرة في قوله { استأذنك أولوا الطول منهم} بـ { يفقهون} ثم عند إعادة ذكرهم بـ { لا يعلمون} وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم ممن يحضر نزول الذكر كثيراً مع احتمالهما للعموم، والختم هنا بـ {لا يفقهون} أنسب لأن المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم - يقتضي فكراً وتأملاً وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح. ولما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جداً من أمر هذه السورة، وكان من المعلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى، وأما المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالاً على الكراهة، عرفهم أن الأمر كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته والبعد عما يفعلونه به من الانصراف عنه، وأن أحواله الداعية لهم إلى محبته أعظم من أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من الحقوق ما هم مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه، وأن كل ما يحصل بهذا القرآن من العز والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال: { لقد جاءكم رسول}. ولما كان الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن غير ذلك الوصف، شرع يذكر لهم من أوصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال: {من أنفسكم} أي ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب، وذلك أقرب إلى الألفة وأسرع إلى فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة {عزيز} أي شديد جداً {عليه ما عنتم} والعزة: امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة، والعنت: لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه {حريص} أي بليغ الحرص {عليكم} أي على نفعكم، والحرص: شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه، وقدم الجار لإفادة الاختصاص فقال: {بالمؤمنين} أي العريقين في هذا الوصف كافة خاصة، ولما ذكر الوصف المقتضي للرسوخ، قدم ما يقتضي العطف على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة فقال: {رءوف} أي شديد الرحمة لمن له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى الرأفة قريباً. ولما كان المؤمن يطلق مجازاً على من يمكن منه الإيمان فوصلته الآن ليست بالفعل بل الإمكان، قال تعميماً لرحمته صلى الله عليه وسلم كما هو اللائق بشريف منصبه وعظيم خلقه: {رحيم*} ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه هذين الوصفين هكذا، ولكن المعاني المراده تارة يظهرها الله تعالى لعبده منحة له وإكراماً، وتارة يخفيها إظهاراً لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب، أو لغيره ممن هو أقل منه علماً وأضعف نظراً وفهماً، وإذا تأملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيراً من الآيات فسرها على غير المراد منها قطعاً أكابر العلماء، فعلى الأنسان - إذا خفي عليه أمر - أن يقول: لا أعلم، ولا يظن أنه رتب شيء من هذا الكتاب العزيز لأجل الفواصل، فلذلك أمر لا يليق بكلام الله تعالى، وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم السجع، لأن الساجع يكونُ محطَ نظره الألفاظ، فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها، فربما عجز اللفظ عن توفية المعنى؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة، فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم من لاشرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك بطل؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هذا من إخوان الكهان تفسير : من أجل سجعه الذي سجع، وفي رواية: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : سجع كسجع الأعراب تفسير : وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى عن هذا السجع أن يقال: كيف أغرم من لاحياة له، ولوقصد السجع وتهذيب المعنى لأتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا يستلزم نفيها، ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال، فصح بهذا أنه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا، وينطبع في عقل عاقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يذم السجع وهو يأتي به ويقصده في القرآن أو في السنة، ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه، وذكر أصحاب فتوح البلاد في فتح مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها أرسل بالأخماس مع صحار العبدي، فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال: يا أمير المؤمنين! أرض سهلها جبل، وماءها وشل وثمرها دقل، وعدوها بطل، وخيرها قليل، وشرها طويل، والكثير بها قليل، والقليل بها ضائع، وما وراءها شر منها؛ فقال، أسجاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا بل مخبر، قال: لاوالله! لا يغزوها جيش لي ما أطعت. فقد جعل الفاروق السجع قسيماً للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله بالفائدة أو بتمام الفائدة، ولعله إنما جوز أن يكون مخبراً لنه انفك عن السجع في آخر كلامه وكرر لفظ "قليل" فكان ما ظنه، لأنه لو أراد السجع لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل، والقليل بها ضائع كليل، وما وراءها شر منها بأقوم قيل؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال{أية : وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون} تفسير : [الحاقة: 41، 42] فكما أن قول الشاعر إتيانه بالكلام موزوناً، فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعاً والقرآن ليس من هذا ولا من هذا. وإن وقع فيه كل من الأمرين فغير مقصود إليه ولا معول عليه، بل لكون المعنى انتظم به على اتم الوجوه فيؤتي به لذلك، ثم تبين أنه غير مقصود بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام المعاني المرادة عندها فيعلم قطعاً أن ذلك غير مقصود أصلاً لأن مثل ذلك لا يرضى به أقل الساجعين، بل يراه عجزاً وضيقاً عن تكميل المشاكلة ونقصاً - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد{أية : وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة}تفسير : [الحديد: 27] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي والقاضي أبي بكر الباقلاني مَنَع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلاً عن جميع الأشاعرة، وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة، وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفاصلة لا توافق الأخرى، علمت أن هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة {اقرأ} وإذا تأملت كتب أهل العدد أتقنت علم هذا المستند، وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا، فإياك ان تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر، وأورد سبحانه هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب بالقسم، فكأنه قال: ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى! والله لقد جاءكم - إلى آخره، ثم أقبل عليه مسلياً له مقابلاً لإعراضهم إن أعراضوا بالإعراض عنهم والبراءة منهم ملتفتاً إلى السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف، قائلاً مسبباً عن النصيحة بهذه الآية التي لا شك عاقل في مضمونها: {فإن تولوا} أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية {فقل} اي استعانة بالله تفويضاً إليه {حسبي} أي كافي؛ قال الرماني: وهو من الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب الكفاية التي تعني عن غيره، ويزيد من نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ نعمه دائمة ومننه متظاهر {الله} أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له، وإنما كان كافياً لأنه {لا إله إلا هو} فلا مكافىء له فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه. ولما قام الدليل على أنه لا كفؤ له، وجب قصر الرغائب عليه فقال: {عليه} أي وحده {توكلت} لأن أمره نافذ في كل شيء {وهو رب} اي مالك ومخترع ومدبر؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية للأبرار، كان المقام بالعظمة أنسب كآية النمل فقال: {العرش العظيم*} أي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الأطلاق فلا شيء إلا هو في قبضته وداخل في دائرة مملكته، وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد مني كائناً من كان في كل زمان ومكان فقد عانق آخر السورة أولها وصافح منتهاها مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في {فسيحوا} وفي {فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله} والله تعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} [الآية: 126]. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: ليس الرجوع فى أيام الفتنة إلا إلى اللجأ والاستغاثة وطلب الأمان وقصد التوبة فمن رجع إلى غير هذه الأسباب لم يسلم من فتنة نفسه، وإن سلم من فتنة العوام، قال الله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} الآية. أى: لا يرجعون إلى الله بقلوبهم والراجع إلى الله سالم من الفتن والآفات، {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} أى: لا يشكرون نعمتى السالفة عندهم. ويعلمون رفقى بهم بالفتنة إذ لم أجعلهم من المفتونين فى الفتنة.
القشيري
تفسير : لم يُخْلِ الحقُّ - سبحانه - أربابَ التكليف من دلائل التعرِيف، التعريفُ لهم في كل وقت بنوع من البيان، والتكليفُ في كل أوان بضرب من الامتحان؛ فما لم يزد لهم في إيضاح البرهان لم يتجدد لهم من الله إلا زيادة الخذلان والحجبة عن البيان. وأمَّا أصحاب الحقائق فما للأغيار في كل عام مرة أو مرتين فلهم في كل نَفَسٍ مرة، لا يخليهم الحقُّ - سبحانه - من زواجِرَ توجِبُ بصائر، وخواطر تتضمن تكليفاتٍ وَأوَامِرَ قال قائلهم: شعر : كأنَّ رقيباً منك حَلَّ بمهجتي إذا رُمْتُ تسهيلاً عليَّ تَصَعَّبَا
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} اخبر الله سبحانه عن اهل الفتنة والعزة لا يعرفون طريق الحق بعد امتحانهم بالبلايا المتواتر ولا يهتدون سبيل الرشاد بعد اظهار البرهان لهم وكيف لا يكونون هكذا وهم فى الازل محجوبون عن عناية السرمدية قال ابو عثمان المغربى ليس الرجوع فى ايام الفتنة الا الى اللجا والاستغاثة وطلب الامان وقصد التوبة فمن رجع الى غير هذه الاسباب لم يسلم من فتنة نفسه وان سلم من فتنة العوام قال الله لا يتوبون اى لا يرجعون الى الله بقلوبهم والراجع الى الله سالم من الفتن والافات ولا هم يذكرون اى لا يشكرون العمى السالفة عندهم وهم يعملون مرفقى بهم فى الفتنة
اسماعيل حقي
تفسير : {أولا يرون} الهمزة للانكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر اى لا ينظر المنافقون ولا يرون {انهم يفتنون فى كل عام} من الاعوام بالفارسية [در هر سالى] {مرة او مرتين} والمراد مجرد التكثير لا بيان الوقوع حسب العدد المزبور اى يبتلون باصناف البليات من المرض والشدة وغير ذلك مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدى رب العزة فيؤدى الى الايمان به تعالى {ثم لا يتوبون} عطف على لا يرون داخل تحت الانكار والتوبيخ {ولا هم يذكرون} والمعنى اولا يرون افتتانهم الموجب لايمانهم ثم لا يتوبون عماهم عليه من النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفتن الموجبة للتذكر والتوبة. قال فى التأويلات النجمية هذه الفتنة موجبة لانتباه القلب الحى وقلوبهم ميتة والقلب الميت لا يرجع الى الله ولا يؤثر فيه نصح الناصحين كما قال {أية : إنك لا تسمع الموتى} تفسير : [النمل: 80]. وقال {أية : لينذر من كان حيا} تفسير : [يس: 70]. وفى المثنوى شعر : ورنكوئى عيب خود بارى خمش از نمايش وازدغل خودرا مكش[1] كرتو نقدى يافتى مكشا دهان هست درره سنكهاى امتحان كفت يزدان از ولادت تابحين يفتنون كل عام مرتين امتحان بر امتحانست اى بسر هين بكمتر امتحان خود را محر ماهيانرا بحر نكذارد برون خاكيانرا بحر نكذارد درون[2]
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة ويعقوب {أولا ترون} بالتاء. الباقون بالياء. قوله {أولا يرون} تنبيه وتقريع لمن عنى بالخطاب. فمن قرأ بالتاء فوجهه أن المؤمنين نبهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر لما ينبغي أن ينظروا فيه ويتدبروا، لأنهم يمتحنون بالأمراض والأسباب التي لا يؤمن معها الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، فلا يقدمون عليه اذا ماتوا فنبه المسلمين على قلة اعتبارهم واتعاظهم. ومن قرأ بالياء وجّه التقريع - بالاعراض عما يجب أن لايعرضوا عنه من التوبة والاقلاع عما هم عليه من النفاق - إلى المنافقين دون المسلمين، لان المسلمين قد عرفوا ذلك من امرهم. وكان الاولى أن يلحق التنبيه من يراد تنبيهه وتقريعه بتركه ما ينبغي ان يأخذ به. وتحتمل الرؤية في الآية على القراءتين أن تكون متعدية إلى مفعولين. وأن تكون من رؤية العين أولى فاذا جعلت متعدية إلى مفعولين سدّ (أن) مسدّهما. وإن جعلت من رؤية العين كان أولى، لأنهم مبتلون في الاعراض عنه على ترك الاعتبار به، وهذا أبلغ من المتعدية إلى مفعولين ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر ممن يكابر المشاهدات. ولو قرئ بضم الياء وبني الفعل للمفعول به كان (ان) في موضع نصب بأنه مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول، وفتحت الواو في قوله {أولا} لأنها واو العطف دخلت عليها الف الاستفهام، فهو متصل بذكر المنافقين ومتصل بذكر آخرين ذكرهم بدليل العلامتين الواو والألف. والفتنة المحنة بالقتل والسبي ونصر الله لنبيه حتى يستعلي على كل من ناواه - في قول الحسن وقتادة - وقال مجاهد: هي بالقحط والجوع. وقال الجبائي: هي بالمرض الذي ينزل بهم. وقيل: تهتك استارهم بما يظهره الله من سوء نياتهم وخبث سرائرهم. وقال الزجاج: معناه انهم يختبرون بالدعاء إلى الجهاد، وهو قول الحسن وقتادة: واجاز الرماني أن تفعل التوبة خوفاً من العقاب، كما يجوز أن تفعل لقبح المعصية. قال: لأن كل واحد من الأمرين يدعوا اليه الفعل. ومن جحد أحد الأمرين كمن جحد الآخر. والذي عليه أكثر أهل العدل أنه لا يجوز أن تفعل التوبة الا لوجه قبح المعصية. ومتى فعلت لخوف العقاب لم تكن مقبولة. وقوله {ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} اخبار منه تعالى انه مع ما يمتحنهم في كل سنة دفعة او دفعتين فانهم لا يقلعون عن المعاصي ولا يتوبون منها ولا يتفكرون فيها. والتذكير طلب الذكر بالفكر فيه.
الجنابذي
تفسير : {أَوَلاَ يَرَوْنَ} توبيخ لهم على عدم عبرتهم وعدم توبتهم {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} بالبلايا فى ابدانهم وفى انفسهم او يمتحنون بجهاد الاعداء وظهور آثار صدق النّبوّة بغلبتهم مع عدم تهيّة اسباب الغلبة {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} من نفاقهم وكفرهم وخديعتهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} انّ الافتتان من الله وانّه قادر على عذابهم.
اطفيش
تفسير : {أو لا يَروْنَ} أى المنافقون، وقرأ حمزة ويعقوب أولا ترون بالفوقية خطاب للمؤمنين، وقرأ ابن مسعود والأعمش أو لا ترى خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للخطاب، وعن الأعمش: أو لم تروا، وعنه أو لم تر {أنَّهم يُفْتنُون} يختبرون {فى كُلِّ عامٍ مَرةً أو مرَّتيْنِ} بأصناف البلايا كالجوع والقحط والمرض، وقال الحسن، وقتادة: بالأمر بالجهاد، فيحضرون الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات والنصر، وقيل: بإظهار الله سبحانه وتعالى نفاقهم، قيل: هذا أولى مما ذكر. ومن قول بعضهم: بأنهم يؤمنون ثم ينافقون، ومن قول بعض: بأنهم يعاهدون وينقضون، ويخبر الله نبيه بالنقض، ويعاهدون ينقضون لمناسبته لما تقدم، كأنه قال: أفلا يزدجرون مع افتضاحهم، فيعلمون أن أمر محمد حق من الله، وعن حذيفة رضى الله عنه: يفتنون بما يشيعه المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأكاذيب. {ثم لا يتُوبُونَ} عن نفاقهم ونقض العهد {ولا هُم يذَّكَّرونَ} يعتبرون.
اطفيش
تفسير : {أَوَ لاَ يَرَوْنَ} بقلوبهم أَو أَبصارهم، أَعموا أَو أَتعاموا أَو أَلم يفتنوا ولا يرون، أَو الهمزة مما بعد الواو والاستفهام توبيخ أَو تعجب {أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ} يبتلون بالأَسواءِ كالقحط والأَمراض لكفرهم والمعجزات والجهاد فيظهر لهم المعجزات، أَو أَلم يخبروا بالجهاد فيعاينوا ما ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات الكاشفة لأَسرارهم {فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} فلا يتعظون، وكان عليهم أَن يتعظوا كما قال {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} من نفاقهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} يتعظون والمراد بالعدد التمثيل لا خصوصه، أَو للتنويع أَو بمعنى بل، قيل الجملة الاسمية لاستمرار عدم تذكرهم.
الالوسي
تفسير : {أَوَلاَ يَرَوْنَ} يعني المنافقين، والهمزة للإنكار والتوبيخ، والكلام في العطف شهير. وقرأ حمزة ويعقوب وأبـي بن كعب بالتاء الفوقانية على أن الخطاب للمؤمنين والهمزة للتعجيب أي أولا يعلمون وقيل أولا يبصرون {أَنَّهُمْ} أي المنافقين {يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ} من الأعوام {مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} بأفانين البليات من المرض والشدة مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدي علام الغيوب فيؤدي إلى الإيمان به تعالى والكف عما هم عليه، وفي الخبر «إذا مرض العبد ثم عوفي ولم يزدد خيراً قالت الملائكة: هو الذي داويناه فلم ينفعه الدواء» فالفتنة هنا بمعنى البلية والعذاب، وقيل: هي بمعنى الاختبار، والمعنى أولا يرون أنهم يختبرون بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} عما هم فيه {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} ولا يعتبرون. والجملة على قراءة الجمهور عطف على {يَرَوْنَ} داخل تحت الإنكار والتوبيخ، وعلى القراءة الأخرى عطف على {يُفْتَنُونَ} والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به بعضهم مجرد التكثير لا بيان الوقوع على حسب العدد المزبور. وقرأ عبد الله {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وما يتذكرون}.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}تفسير : [التوبة: 125] إلى آخره فهي من تمام التفصيل. وقدّمت همزة الاستفهام على حرف العطف على طريقة تصدير أدوات الاستفهام. والتصدير للتنبيه على أن الجملة في غرض الاستفهام. والاستفهام هنا إنكار وتعجيب لعدم رؤيتهم فتنتهم فلا تعقبها توبتهم ولا تذكّرهم أمر ربهم. والغرض من هذا الإنكار هو الاستدلال على ما تقدم من ازدياد كفر المنافقين وتمكنه كلما نزلت سورة من القرآن بإيراد دليل واضح يُنَزَّلُ منزلة المحسوس المرئيّ حتى يَتوجه الإنكار على من لا يراه. والفتنة: اختلال نظام الحالة المعتادة للناس واضطرابُ أمرهم، مثل الأمراض المنتشرة، والتقاتل، واستمرار الخوف. وقد تقدم ذكرها عند قوله: {أية : والفتنة أشد من القتل}تفسير : [البقرة: 191] وقوله: {أية : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} تفسير : في سورة البقرة (193). فمعنى {أنهم يفتنون} أن الله يسلط عليهم المصائب والمضار تنال جماعتهم مما لا يُعتاد تكرر أمثاله في حياة الأمم بحيث يدل تكرر ذلك على أنه مراد منه إيقاظ اللّهِ الناس إلى سوء سيرتهم في جانب الله تعالى، بعدم اهتدائهم إلى الإقلاع عما هم فيه من العناد للنبيء صلى الله عليه وسلم فإنهم لو رزقوا التوفيق لأفاقوا من غفلتهم، فعلِموا أن ما يحل بهم كل عام ما طرأ عليهم إلا من وقت تلبسهم بالنفاق. ولا شك أن الفتنة التي أشارت إليها الآية كانت خاصة بأهل النفاق من أمراض تحل بهم، أو متالف تصيب أموالهم، أو جوائح تصيب ثمارهم، أو نقص من أنفسهم ومواليدهم؛ فإذا حصل شيئان من ذلك في السنة كانت الفتنة مرتين. وقرأ الجمهور {أولا يَرون} بالمثناة التحتية. وقرأ حمزة ويعقوب {أولا ترون} بالمثناة الفوقية على أن الخطاب للمسلمين، فيكون من تنزيل الرائي منزلة غيره حتى ينكر عليه عدم رؤيته مَا لا يخفى. و{ثم} للترتيب الرتبي لأن المعطوف بها هو زائد ـــ في رتبة التعجيب من شأنه ـــ على المعطوف عليه، فإن حصول الفتنة في ذاته عجيب، وعدم اهتدائهم للتدارك بالتوبة والتذكر أعجب. ولو كانت (ثم) للتراخي الحقيقي لكان محل التعجيب من حالهم هو تأخر توبتهم وتذكرهم. وأتي بجملة {ولا هم يذكرون} مبتدأة باسم أسند إليه فعل ولم يقل: ولا يذكرون، قصداً لإفادة التقوي، أي انتفاء تذكرهم محقق.
د. أسعد حومد
تفسير : (126) - أَيَجْهَلُ هؤلاءِ المُنَافِقُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْتَبِرُهُمْ (يُفْتَنُونَ) كُلَّ عَامٍ مَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ، بِالغَزاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الفِتْنَةِ وَالابْتِلاَءِ، وَالاخْتِبَارِ لَهُمْ، التِي تُظْهِرُ اسْتِعْدَادَ النُّفُوسِ لِلإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، أَوْ لِلْكُفْرِ وَالتَمَرُّدِ، وَالخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ، وَاقْتِرَافِ الذُنوبِ، وَمُقَارَفَةِ المَعَاصِي، وَلاَ يَرْجِعُونَ عَنْ غَيْهِمْ، وَلاَ يَتَّعِظُونَ بِمَا يَحِلُّ بِهِم ْمِنَ العَذَابِ. يُفْتَنُونَ - يُمْتَحَنُونَ وَيُخْتَبَرُونَ بِالشَّدَائِدِ وَالبَلاَيَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقوله الحق: {أَوَلاَ يَرَوْنَ} أي: ألا يستشهد المنافقون تاريخهم مع الإسلام، ويعلمون أنهم يفتنون في كل عام مرة بالمصائب ومرة بالفضيحة، فتجد رسول الله حين يراهم يخرج بعضهم من بين الصفوف ويقول لهم: "اخرج يا فلان فإنك منافق". ثم بعد شهور يتكرر الموقف، وهنا يذكرهم الحق سبحانه بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفيهم كل عام مرة أو مرتين. الأصل في الفتنة أنها امتحان واختبار، وهي ليست مذمومة في ذاتها، لكنها تذم بالنتيجة التي تأتي منها، فالامتحان - أي امتحان - غير مذموم، لكن المذموم هو أن يرسب الإنسان في الامتحان. إذن: الابتلاء أو الفتنة في ذاتها ليست مذمومة، إنما المذموم أن تأتي النتيجة على غير ما تشتهي، وهم يفتنون حين يرون انتصار المسلمين رغم نفاقهم وكيدهم للمسلمين، وكان يجب أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا عرقلة سير الإسلام؛ لأنه منتصر بالله. وكان يجب أن يعتبروا ويتوبوا لينالوا خير الإسلام، فخيره ممدود رغم أنوفهم، والخسارة لن تكون على الإسلام، وإنما الخسارة على من يكفر به. ونحن نعلم أن الإسلام بدأ بين الضعفاء إلى أن سار الأقوياء إليه، وتلك سنة الله في الكون، بل إننا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الرسالة كان مطلوباً منه أن يؤمن بأنه رسول. وكما تقول أنت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، كان على النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. وسبحانه جل شأنه، الخالق الأكرم، آمن بنفسه أولاً، بدليل قوله سبحانه: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ...} تفسير : [آل عمران: 18]. فأول شاهد بالألوهية الحقة هو الله، وقد شهد لنفسه، ومعنى ذكر شهادته لنفسه لنا أن نؤمن بأنه سبحانه يزاول قيوميته وطلاقة قدرته بكلمة "كن" وهو عالم أن مخلوقاته تستجيب قطعاً، وكان لا بد أن يعلمنا أنه آمن أولاً بأنه الأول، وأنه الإله الحق، بحيث إذا أمر أي كائن أمراً تسخيرياً فلا بد أن يحدث هذا الأمر، وسبحانه لا يتهيب أن يأمر؛ لذلك قال لنا: {شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} شهادة الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادة المشهد وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال، وحين يشهد محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله فهو يؤمن بأنه رسول، ولو لم يؤمن برسالته لتهيب أن يبلغنا بالرسالة، وبعد أن آمن صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله جاءه التكليف من الحق: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [الشعراء: 214]. وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ويبلغ آيات الحق إلى أن جاءت آيات الدفاع عن دين الله، وقال الحق: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ ...} تفسير : [التوبة: 123]. إذن: في البداية كان لا بد أن يؤمن أنه رسول، وأن يبلغ الدعوة إلى قريش وسائر الجزيرة، وتعبر دعوته بعد ذلك من الجزيرة إلى الشام، وتتعدى الرسالة الشام بالإعلام وإن لم تتعد بالفعل؛ حتى يأتي أتباعه من الصحابة وينساحوا بالإسلام في كل بقاع الأرض، ولذلك كانت الرمزية في إرسال الكتب: كتاب لفلان وكتاب لفلان وكتاب لفلان؛ ليفهم العالم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والإسلام دعوة متعدية؛ لأنها خالفت دعوات الرسل عليهم السلام، فقد كان كل رسول إنما يعلم أن حدود دعوته هي أمته. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت لرسالته مراحل: آمن بذاته أولاً، ثم دعا الأقربين، ثم من بعد ذلك قريش، ثم أبلغ العرب، ثم الشام، وتعدت الدعوة بالكتب إلى جميع الملوك في العالم، وصارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمنة على حمل الدعوة ونشرها في أي مكان ومعها حجتها وهي القرآن. وشاء الله أن يختم رسول الله الرسالات، وأرسله بالإسلام الذي يغلب الحضارات، رغم أنه صلى الله عليه وسلم من أمة أمية لا تعرف شيئاً؛ حتى لا يقال عن الإسلام أنه مجرد وثبة حضارية، وجاء لهم منهج غلب الحضارات المعاصرة له: فارس والروم في وقت واحد. إذن: فالمسألة كانت مسألة قبيلة، يحكمهم واحد منهم هكذا، دون تمرس بالنظم الاجتماعية، ولم يعرفوا شيئاً قبل الإسلام، بل هم أمة متبدية لا شأن لها بالنظم السياسية أو الاقتصادية، وطن الواحد منهم جمله وخيمته وبضعة أدوات تعينه على الحياة، وتستقر كل جماعة في أي مكان يظهر به العشب ويوجد به الماء، وبعد أن تأكل الأغنام والأنعام العشب، ينتقل العربي مع جماعته إلى مكان آخر، بعد أن ينظر الواحد منهم إلى السماء؛ ليعرف مسار الغمام وأين ستمطر السحب، ثم ينساح هؤلاء بالدعوة بعد ذلك، فلو كان لهم انتماء إلى وطن أو بيت أو مكان لصار الرحيل صعباً عليهم، لكنهم كانوا متمرسين بالسياحة في الأرض. والآية التي نحن بصددها تكشف ضعف إيمان البعض، ونفاق البعض، فيقول الحق: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي: كان لا بد أن يتوبوا أو يتعظوا ويعلموا أن وقوفهم ضد الإسلام لم ولن يحجب الإسلام وأنهم سينسحقون ويضيعون، فلماذا لا يتذكر كل منهم نفسه، ويرى مصلحته في الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} معناهُ يَكذِبُونَ كِذبةً أَو كِذبتينِ. وقَال يَعْتَلَّونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرةً أَو مَرتينِ ويُقالُ يُبتَلُون.
الجيلاني
تفسير : {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ} من خباثة بواطنهم ورجاسة نفوسهم {يُفْتَنُونَ} يقتلون ويصابون {فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً} بلية {أَوْ مَرَّتَيْنِ} بليتين؛ لتلين قلوبهم بها، ويتنبهوا فيتوبوا {ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ} إلى الله من كفرهم، ولا يرجعون نحوه بالإيمان؛ ليقبل عنهم {وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] بها؛ أي: يتذكرون ويتفطنون بها، بل يصرون ويعاندون. {وَ} من جملة إصرارهم وعنادهم: إنهم {إِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} مفضحة لهم، مفصحة بما عليهم من النفاق والشقاق، ونقض العهود والميثاق {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} يتغامزون بعيونهم، ويقولون استهزاءً وتهكماً: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} من هؤلاء المؤمنين {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} من عنده مريدين النفاق الشقاق بأضعاف ما كنوا عليه؛ بسبب تفضيحهم بهذه السورة، لذلك {صَرَفَ ٱللَّهُ} الهادي لعباده {قُلُوبَهُم} عن الإيمان وجادة التوحيد {بِأَنَّهُمْ} أي: بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127] أي: لا يفهمون لذة الإيمان، ولا يتخلقون على نشأة التوحيد والعرفان، مثل الموحدين. لذلك {لَقَدْ جَآءَكُمْ} أيها الأعراب {رَسُولٌ} بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة، منتشئ {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} وجنسكم، ومن غاية شفقته ومرحمته لكم {عَزِيزٌ} شاق شديد {عَلَيْهِ} صلى الله عليه وسلم {مَا عَنِتُّمْ} أي: عنتكم ولقاءكم المكروه؛ إذ هي من أمارات الكفر والشرك، وعدم الإطاعة والانقياد بأوامر الله ونواهيه، مع أنه {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: على إيمانكم وإسلامكم وإصلاح حالكم؛ إذ هو {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} الموقنين، الموحدين، المخلصين {رَءُوفٌ} عطوف، مشفق {رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] يرحمهم ويرضى عنهم؛ لخروجهم عن ظلمة الكفر بنور الإيمان. وكن في نفسك يا أكمل الرسل على الوجه المذكور {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا، وانصرفوا عنك وعن الإيمان بك وبدينك وكتابك {فَقُلْ} في نفسك ملتجئاً إلى ربك: {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} الرقيب علي، يكفيني مؤنة خصومتهم عني؛ إذ {لاۤ إِلَـٰهَ} يُرجع إليه في الوقائع، ويُلجأ نحوه في الخطوب {إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ} لا على غيره؛ إذ لا غيره حق في الوجود {تَوَكَّلْتُ} فلا أرجو ولا أخاف إلا منه {وَ} كيف لا أتوكل عليه وأرجع إليه؛ إذ {هُوَ} بذاته {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} [التوبة: 129] أي: مريبة، والمستوي عليه بالاستقلال والإحاطة، والاستيلاء التام؛ إذ لا شيء في الوجود سواه، وكل شيء هالك إلا وجهه. خاتمة السورة. عليك أيها الطالب المشمر لسلوك طريق الفناء، كي تصل إلى فضاء البقاء - شكر الله سعيك وهداك إلى غاية مبتغاك - أن تقتفي في تشمرك هذا أثر من نبهك عليها وهداك إليها، وهو الذي اختاره الله واصطفاه من بين خليقته؛ لتكميل بريته، وأظهره على صورته، وخلقه بجميع أخلاقه، لذلك اتخذه حبيباً وجعله على سائر الأنبياء إماماً ونقيباً. وتشبث بأذيال لطفه فعلاً وقولاً وشيمةً، صارفاً عنان عزمك إلى سرائر جميع ما جاء به من عند ربه؛ لإرشاد عباد الله، وما سمح به من تلقاء نفسه - صلوات الله عليه وسلامه - من الرموز والإشارات التي استنبطها من كلامه، وفاضت عليه بوحي الله وإلهامه، لصفاية استعداده الذي صار به مرآة لتجليات الحق وشئونه وتطوراته، وخليفة الله في أرضه وسمائه، وما التقط من كلماته وإشاراته الأولياء الوارثون منه، المقتفون أثره - قدس الله أرواحهم - وما ورد عليهم من تفاوت طبقاتهم في طريق التوحيد من المواجيد والملهمات الغيبية، المنتشئة من النفحات الإلهية والنفسات الرحمانية الناشئة من التجليات الجمالية والجلالية، المتفرعة على الشئون والتطورات الكمالية. وبالجلمة: لا بدذَ لك أن تفرغ هتمك عمَّا سوى الحق مطلقاً، ولا يتيسر لك هذا إلا بمتابعة المحققين بمقام الكشف والشهود، الواصلين إلى مقام المراقبة والمشاهدة، والاستفادة منهم ومن ملتقطاتهم ووارداتهم حتى يمكن لك التمكن في مكمن الفناء، والتقرب في مقر البقاء، وحنيذٍ يصح لك أن تقول بلسان حالك ومقالك: حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. جعلنا الله من عباده المفوضين، المتوكلين الذين يتخذون الله وقايةً ووكيلاً، ويجدونه ولياً وحسيباً.
همام الصنعاني
تفسير : 1145- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن، في قوله تعالى: {يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}: [الآية: 126]. قال: يبتلون بالغزو في كل عام مرّة أو مرتين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):