٩ - ٱلتَّوْبَة
9 - At-Tawba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
127
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من مخازي المنافقين، وهو أنه كلما نزلت سورة مشتملة على ذكر المنافقين وشرح فضائحهم، وسمعوها تأذوا من سماعها، ونظر بعضهم إلى بعض نظراً مخصوصاً دالاً على الطعن في تلك السورة والاستهزاء بها وتحقير شأنها، ويحتمل أن لا يكون ذلك مختصاً بالسورة المشتملة على فضائح المنافقين بل كانوا يستخفون بالقرآن، فكلما سمعوا سورة استهزؤوا بها وطعنوا فيها، وأخذوا في التغامز والتضاحك على سبيل الطعن والهزء، ثم قال بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد؟ أي لو رآكم من أحد؟ وهذا فيه وجوه: الأول: أن ذلك النظر دال على ما في الباطن من الإنكار الشديد والنفرة التامة، فخافوا أن يرى أحد من المسلمين ذلك النظر وتلك الأحوال الدالة على النفاق والكفر، فعند ذلك قالوا: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ } أي لو رآكم أحد على هذا النظر وهذا الشكل لضركم جداً؟ والثاني: أنهم كانوا إذا سمعوا تلك السورة تأذوا من سماعها، فأرادوا الخروج من المسجد، فقال بعضهم لبعض: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ } يعني إن رأوكم فلا تخرجوا، إن كان ما رآكم أحد فاخرجوا من المسجد، لتتخلصوا عن هذا الإيذاء. والثالث: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ } يمكنكم أن تقولوا نحبه، فوجب علينا الخروج من المسجد. قال تعالى: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ } يحتمل أن يكون المراد نفس هربهم من مكان الوحي واستماع القرآن، ويجوز أن يراد به، ثم انصرفوا عن استماع القرآن إلى الطعن فيه وإن ثبتوا في مكانهم. فإن قيل: ما التفاوت بين هذه الآية وبين الآية المتقدمة وهي قوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً }. قلنا: في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم: {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً } وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزؤ، وطلبوا الفرار. ثم قال تعالى: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } واحتج أصحابنا به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عن كل رشد وخير وهدى، وقال الحسن: صرف الله قلوبهم وطبع عليها بكفرهم، وقال الزجاج: أضلهم الله تعالى، قالت المعتزلة: لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال: {أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ } وكيف عاقبهم على الانصراف عن الإيمان؟ قال القاضي: ظاهر الآية يدل على أن هذا الصرف عقوبة لهم على انصرافهم، والصرف عن الإيمان لا يكون عقوبة، لأنه لو كان كذلك، لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه بإقامة الحدود، يجوز أن يأمرهم بصرف الناس عن الإيمان. وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول. ثم قال: هذا الصرف يحتمل وجهين: أحدهما: أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد. الثاني: صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى. والجواب: أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جداً، وأما الوجه الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم، هو أن الفعل يتوقف على حصول الداعي، وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وهو محال. وحصول ذلك الداعي ليس من العبد وإلا لزم التسلسل، بل هومن الله تعالى. فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل في قلبه داعي الكفر، وذلك الحصول من الله تعالى، وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك القلب من جانب الإيمان إلى الكفر، فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان قطعي وهو منطبق على هذا النص، فبلغ في الوضوح إلى أعلى الغايات، ومما بقي من مباحث الآية ما نقل عن محمد بن إسحق أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا قد قضينا الصلاة، وكان المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ينبغي، والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير، فإنه تعالى قال: { أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الجمعة: 10].
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} «ما» صلة، والمراد المنافقون؛ أي إذا حضروا الرسول وهو يتلو قرآناً أنزل فيه فضيحتهم أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض نظر الرعب على جهة التقرير؛ يقول: هل يراكم من أحد إذا تكلمتم بهذا فينقله إلى محمد، وذلك جهل منهم بنبوّته عليه السلام، وأن الله يطلعه على ما يشاء من غيبه. وقيل: إن «نظر» في هذه الآية بمعنىٰ أنبأ. وحكىٰ الطبريّ عن بعضهم أنه قال: «نظر» في هذه الآية موضع قال. قوله تعالىٰ: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} أي ٱنصرفوا عن طريق الاهتداء. وذلك أنهم حينما بين لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيّبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجّبٌ وتوقّف ونظر، فلو ٱهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لإيمانهم؛ فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء، ولم يسمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره وينظر في آياته: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الأنفال: 22]. {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} تفسير : [محمد:24.] قوله تعالىٰ: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم}. فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قوله تعالى: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} دعاء عليهم؛ أي قولوا لهم هذا. ويجوز أن يكون خبراً عن صرفها عن الخير مجازاةً على فعلهم. وهي كلمة يدعىٰ بها؛ كقوله: {قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ} والباء في قوله: «بِأَنَّهُمْ» صلة لـ «صرف». الثانية ـ قال ٱبن عباس: يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة؛ لأن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة؛ أسنده الطبريّ عنه. قال ابن العربي: وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح؛ فإن نظام الكلام أن يقال: لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة؛ فإن قوماً قيل فيهم: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم}. أخبرنا محمد بن عبد الملك القَيْسِيّ الواعظ حدّثنا أبو الفضل الجوهري سماعاً منه يقول: كنا في جنازة فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله! فقال: لا يقل أحد انصرفوا فإن الله تعالىٰ قال في قوم ذمهم: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله؛ فإن الله تعالىٰ قال في قوم مدحهم: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ}تفسير : [آل عمران: 174]. الثالثة ـ أخبر الله سبحانه وتعالىٰ في هذه الآية أنه صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلّبها؛ رداً على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم وجوارحهم بحُكمهم، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإرادتهم واختيارهم؛ ولذلك قال مالك فيما رواه عنه أشهب: ما أبين هذا في الرد على القدرية {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ}. وقوله عز وجل لنوح: {أية : أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ}تفسير : [هود: 36] فهذا لا يكون أبداً ولا يرجع ولا يزول.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} تغامزوا بالعيون إنكاراً لها وسخرية، أو غيظاً لما فيها من عيوبهم. {هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ} أي يقولون هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن لم يرهم أحد قاموا وإن يرهم أحد أقاموا. {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} عن حضرته مخافة الفضيحة. {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} عن الإِيمان وهو يحتمل الإخبار والدعاء. {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم. {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ } فيها ذكرهم وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } يريدون الهرب يقولون {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ } إذا قمتم؟ فإن لم يرهم أحد قاموا وإلا ثبتوا {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ } على كفرهم {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم } عن الهدى {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } الحق لعدم تدبرهم.
ابن عطية
تفسير : الضمير في قوله {بعضهم } عائد على المنافقين، والمعنى وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أسرارهم {نظر بعضهم إلى بعض} على جهة التقريب، يفهم من تلك النظرة التقرير: هل معكم من ينقل عنكم؟ هل يراكم من أحد حين تدبرون أموركم؟ وقوله تعالى: {ثم انصرفوا} معناه عن طريق الاهتداء. وذلك أنهم حين ما يبين لهم كشف أسرارهم والإعلام بمغيبات أمورهم يقع لهم لا محالة تعجب وتوقف ونظر، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة ذلك، فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء، وابتدىء بالفعل المسند إليهم إذ هو تعديد ذنب على ما قد بيناه، وقوله {صرف الله قلوبهم} يحتمل أن يكون دعاء عليهم، ويحتمل أن يكون خبراً أي استوجبوا ذلك {بأنهم قوم لا يفقهون } أي لا يفهمون عن الله ولا عن رسوله، وأسند الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس أنه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة. قال القاضي أبو محمد : فهذا النظر الذي في هذه الآية هو إيماء، وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال: نظر في هذه الآية في موضع قال، وقوله تعالى: {لقد جاءكم } مخاطبة للعرب في قول الجمهور وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك، إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه من الأغراض والفصاحة وشرفوا به غابر الأيام، وقال الزجّاج: هي مخاطبة لجميع العالم، والمعنى لقد جاءكم رسول من البشر والأول أصوب، وقوله {من أنفسكم} يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وشرفها، وينظر إلى هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم" تفسير : ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني من نكاح ولست من سفاح " تفسير : معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من من نكاح ولم يكن فيه زنى، وقرأ عبد الله بن قسيط المكي " من أنفَسكم" بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها، ذكر أبو عمرو أن ابن عباس رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {ما عنتم } معناه عنتكم فـ {ما} مصدرية وهي ابتداء، و {عزيز} خبر مقدم، ويجوز أن يكون {ما عنتم } فاعلاً بـ {عزيز} و {عزيز} صفة للرسول، وهذا أصوب من الأول والعنت المشقة وهي هنا لفظة عامة أي ما شق عليكم من كفر وضلال بحسب الحق ومن قتل أو أسار وامتحان بسبب الحق واعتقادكم أيضاً معه، وقال قتادة: المعنى عنت مؤمنيكم. قال القاضي أبو محمد : وتعميم عنت الجميع أوجه، وقوله: {حريص عليكم } يريد على إيمانكم وهداكم، وقوله: {رؤوف } معناه مبالغ في الشفقة، قال أبو عبيدة: الرأفة أرق الرحمة، وقرأ " رؤف " دون مد الأعمش وأهل الكوفة وأبو عمرو ثم خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، بعد تقريره عليهم هذه النعمة فقال: {فإن تولوا} يا محمد أي أعرضوا بعد هذه الحال المتقررة التي من الله عليهم بها {فقل حسبي الله} معناه وأعمالك بحسب قوله من التفويض إلى الله والتوكل عليه والجد في قتالهم، وليست بآية موادعة لأنها من آخر ما نزل، وخصص {العرش} بالذكر إذ هو أعظم المخلوقات، وقرأ ابن محيصن " العظيمُ " برفع الميم صفة للرب، ورويت عن ابن كثير، وهاتان الآيتان لم توجدا حين جمع المصحف إلا في حفظ خزيمة بن ثابت، ووقع في البخاري أو أبي خزيمة، فلما جاء بهما تذكرهما كثير من الصحابة، وقد كان زيد يعرفهما ولذلك قال: فقدت آيتين من آخر سورة التوبة ولو لم يعرفهما لم يدر هل فقد شيئاً أم لا، فإنما ثبتت الآية بالإجماع لا بخزيمة وحده، وأسند الطبري في كتابه قال: كان عمر لا يثبت آية في المصحف إلا أن يشهد عليها رجلان، فلما جاء خزيمة بهاتين الآيتين قال: والله لا أسألك عليهما بينة أبداً فإنه هكذا كان صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد : يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنتها الآية، وهذا والله أعلم قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مدة أبي بكر حين الجمع الأول وحينئذ فقدت الآيتان ولم يجمع من القرآن شيء في خلافة عمر، وخزيمة بن ثابت هو المعروف بذي الشهادتين، وعرف بذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمضى شهادته وحده في ابتياع فرس وحكم بها لنفسه صلى الله عليه وسلم، وهذا خصوص لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر النقاش عن أبيّ بن كعب أنه قال أقرب القرآن عهداً بالله تعالى هاتان الآيتان {لقد جاءكم رسول } إلى آخر الآية.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض} قال: هم المنافقون. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} كراهية أن يغصنا بها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد} ممن سمع خيركم رآكم أحد أخبره إذا نزل شيء يخبر عن كلامهم وهم المنافقون. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قضينا الصلاة. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: لا يقال انصرفنا من الصلاة، ولكن قد قضيت الصلاة.
القشيري
تفسير : تَقَنَّعوا بِخمارِ التلبيس ظانِّين أنهم يبقون في سِرٍّ بتكلفهم، والحقُّ أَبى إلا أن فَضَحَهم، وكما وَسَمَهم برقم النَّكَرَة أَطْلَعَ أسرارَ الموحِّدِين على أحوالهم فعرفوهم على ما هم عليه من أوصافهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا ما أنزلت سورة} بيان لاحوالهم عند نزولها فى محفل تبليغ الوحى كما ان الاول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه {نظر بعضهم الى بعض} المراد بالنظر النظر المخصوص الدال على الطعن فى تلك السورة والاستهزاء بها اى تغامزوا بالعيون انكارا لها وسخرية {هل يريكم من أحد} اى قائلين هل يراكم من احد من المسلمين لينصرفوا من المسجد والمجلس مظهرين انهم لا يضطربون عند استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون {ثم انصرفوا} عطف على نظر بعضهم والتراخى باعتبار وجدان الفرصة والوقوف على عدم رؤية احد من المؤمنين اى انصرفوا جميعا عن محفل الوحى خوفا من الافتضاح. والمعنى يقول بعضهم لبعض هل يراكم من احد من المؤمنين ان قمتم من مجلسكم فان لم يرهم احد خرجوا من المسجد وان علموا ان احدا يراهم اقاموا فيه وثبتوا حتى يفرغ عليه السلام من خطبته ثم انصرفوا {صرف الله قلوبهم} اى عن الايمان حسب انصرافهم عن المجلس والجملة اخبارية او دعائية {بأنهم} اى بسبب انهم {قوم لا يفقهون} لسوء الفهم او لعدم التدبر وفى التأويلات النجمية ليس فقه القلب فان فقه القلب من امارات حياة القلب وهو نور يهتدى به الى الحق كما ان الجهل ظلمة يقيم عندها ولا يدرى ماذا يفعل اللهم اجعلنا من المتدبرين والمتذكرين والمعتبرين. قال بعض العلماء اصحاب القلوب من الانس ثلاثة اصناف. صنف كالبهائم قال الله تعالى {أية : لهم قلوب لا يفقهون بها} تفسير : [الاعراف: 179]. وصنف اجسادهم اجساد بنى آدم وارواحهم ارواح الشياطين. وصنف فى ظل الله تعالى يوم لا ظل الا ظله. وعن ابى بكر الوراق رحمه الله انه قال للقلب ستة اشياء حياة وموت وصحة وسقم ويقظة ونوم فحياته الهدى ونومه الضلالة وصحته الصفاء وعلته العلاقة ويقظته الذكر ونومه الغفلة وفى المثنوى شعر : هر صباحى جون سليمان آمدى خاضع اندر مسجد اقصى شدى[1] نوكياهى رسته ديدى اندرو بس بكفتى نام ونفع خود بكو توجه داروئى وجه تامت جه است توزيان كه ونفعت بر كيست بس بكفتى هركيوء هى فعل ونام كه من آنرا جانم واين را حمام بس سليمان ديد اندر كوشه نوكياهى رسته همجون خوشه[2] كفت نامت جيست بركوبى دهان كفت خروبست اى شاه جهان كفت اندر توجه خاصيت بود كفت من رستم مكان ويران شود من كه حروبم خراب منزلم هادم بنياداين آب وكلم بس سليمان آن زمان دانست زود كه اجل آمد سفر خواهد نمود كفت تامن هستم اين مسجد يقين در خلل نايد زآفات زمين بس خراب مسجد ما بيكمان نبود الا بعد مرك ما بدان مسجدست اين دل كه جشمش ساجدست يا ربد خروب هرجا مسجد ست يا ربد جون رست درتو مهراو هين ازوبكريزو كم كن كفت وكو بركن از بيخش كه كر سر برزند مرترا ومسجدت را بركند
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه متى أنزل سورة من القرآن {نظر بعضهم إلى بعض} نظراً يومئون به {هل يراكم من أحد} وانما يفعلون ذلك؛ لأنهم منافقون يتحذرون أن يعلم بهم، فكأنهم يقول بعضهم لبعض: هل يراكم من أحد ثم يقومون فينصرفون. ويحتمل أن يكون انصرافهم عن العمل بشيء مما يستمعون. فقال الله تعالى {صرف الله قلوبهم} يعني عن رحمته عقوبة لهم {بأنهم قوم لا يفقهون} مواعظ الله ولا أمره ونهيه. وإنما صرف قلوبهم عن السرور بالفائدة التي تحصل للمؤمنين بسماع الوحي، فيحرمون ما للمؤمنين من الاستبشار بتلك الحال. والفقه فهم موجب المعنى المضمن به، وقد صار علماً على علم الفتيا في الشريعة لان المعتمد على المعنى. وكان القوم عقلاء يفقهون الاشياء؛ وإنما نفى الله عنهم ذلك لانهم لم ينظروا فيه، ولم يعملوا بموجبه، فكأنهم لم يفقهوه، كما قال {أية : صم بكم عمي } تفسير : لما لم ينتفعوا بما سمعوه ورأوه.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} ذمّ آخر يعنى اشاروا بأنظارهم استهزاءً او غيظاً لما يرون فيها من عيوبهم قائلين {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} يعنى ان قمتم وصرفتم من هذا المجلس {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} قاموا من مجلس محمّد (ص) وانصرفوا عنه غيظاً {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} استينافٌ، دعاءٌ عليهم او خبار عن حالهم {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون} لا يدركون ادراكاً يوصلهم الى طريق الآخرة ويستعقب ادراكاً آخر من امر الآخرة.
اطفيش
تفسير : {وإذا ما أنزلَتْ سُورةٌ} تعيبهم وتوبيخهم {نَظرَ بعْضُهم إلى بَعضٍ} يتغامزون بالعيون إنكاراً لها وسخرية، أو لئلا يغلبهم الضحك فيفتضحون، أو غيظا بها، والتغامز كالقول، فجملة: {هَلْ يَراكُم منْ أحدٍ} مقولة نظرا، وقد فسره بعض بقال، أو مفسرة أو مقولة لمحذوف، أى يقولون: هل يراكم أحد من المؤمنين إن قمتم من حضرة محمد، أو هل يراكم أحد حين تدبرون أموركم، والأول أصح، فإن لم يكن أحد يراهم قاموا لئلا يسمعوا ما يغيظهم كما قال: {ثم انْصرفُوا} عن الحضرة، أى إن لم يرهم أحد، أو عن الإيمان بالسورة، وعن الاهتداء لأنهم إذا فضحوا تعجبوا وتوقفوا ونظروه وتحققوا الأمر، ثم ينصرفوا عن ذلك التوقف، وذلك النظر، وذلك التحقق إلى نفاقهم {صَرفَ الله قُلُوبهم} عن الإيمان كما انصرفوا عن ذلك، وهو إخبار بدليل قوله: {بأنَّهم قومٌ لا يفْقَهون} أى بسبب سوء فهمهم، أو عدم تدبرهم، وقال الشيخ هود رحمه الله: إنه دعا دعاء، وعن ابن عباس: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قضينا الصلاة، يشير إلى التأدب فى التلفظ.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ} حال حضورهم {سُورَةٌ} بعض القرآن تمت السورة أَو لم تتم {نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} نظر تغامز إِنكارا وسخرية وغيظاً لعيوبهم التى فيها، وربما ضحكوا بإِخفاء أَو تبسموا، وإِذا لم يذكر فيها عيوبهم لم يغتاظوا، ويجوز أَن يكون المراد وإِذا ما أُنزلت فى معايبهم، والسورة غير الأُولى لأَنها نكرة، وذلك على الأَصل {هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ} مفعول به على الحكاية لنظر أَو تفسير لبعض ما يتضمنه لأَن نظرهم معتاد عندهم فى الاستفهام عن رؤية أَحدهم أَو مفعول ليقولون محذوف حالا أَو مستأْنفاً، ويجوز تقدير قائِلين هل إِلخ. وكانوا يخافون أَن يراهم المسلمون خارجين عن محل النزول {ثُمَّ انْصَرَفُوا} على كفرهم إِن لم يكن أَحد يراهم خوفاً من الافتضاح واستراحة عن المجلس لأَنهم كارهون به وإِلا أَقاموا. وجزاهم الله عز وجل عن انصرافهم عن مجلس الوحى بصرف قلوبهم عن الهدى صرفاً بعد الصرف الأَول جزاءً وفاقاً فى قوله {صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ} وهو إِخبار من الله عز وجل لا دعاء لأَن الله لا يدعو لأَنه المالك لكل شىءٍ إِلا أَن يقال أَمر للمسلمين بالدعاءِ عليهم، أَو جاءَ على طريق الدعاءِ عليهم من الله تعالى على طريق مجىءِ لعل وعسى لا على التحقيق {بِأَنَّهُمْ} لأَنهم {قَوْم لاَّ يَفْقَهُونَ} عادتهم الاعراض عن التدبر وسوءِ الفهم، ومن أَين يدركون الحق أَو يعملون به، وقد سبقت لهم الشقوة حتى أَنهم يريدون الضحك عند تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل من القرآن فيعالجون تركه لئَلا يفتضحوا، وقد يبلغهم الضحك فيفتضحون ويزعمون أَنهم لا يقدرون على استماع القرآن فيريدون الخروج من المسجد، والسورة نزلت فى التشديد والتكاليف الشاقة فختمها بما يسهل تلك التكاليف فقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ} يا معشر العرب من الله {رَسُولٌ} عظيم لم يرسل مثله، ويبعد ما روى عن سعد بن أَبى وقاص لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة قلت جهينة: نزلت بين أَظهرنا فأَوثق لنا منك وتأَمنا. فقال: لم؟ قالوا: نطلب الأَمن. فنزل {لقد جاءَكم رسول} {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} معشر العرب لا من العجم ولا من الملائكة ولا من الجن، تعرفون أَحواله وصدقه ولغته وعزه عز لهم، رؤوف رحيم فكيف لا تحبونه ولا تسارعون في اتباعه ونصره، وأَنتم تعرفون أَن نسبه أَفضل أَنسابكم كما قرىء بفتح الفاءِ بمعنى أَشرفكم، وإِنه وإِياكم من ولد إِسماعيل بن إِبراهيم خليل الرحمن. قال ابن عباس: لا قبيلة من العرب إِلا ولدت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولعله أَراد مضر وربيعة واليمنية، فإِنه قيل: لم ينل نسبه جذيمة وغسان ولخم وثقيف، والله أَعلم بحقيقة الحال، فأَما ربيعة ومضر فمن ولد معد بن عدنان وقريش منهم وأُمه آمنة لها نسب فى الأَنصار وهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبإِ، صعد صلى الله عليه وسلم المنبر فقال بعد حمد الله والإِثناء عليه: حديث : من أَنا؟ تفسير : فقالوا: أَنت رسول الله. قال: حديث : نعم، أَنا محمد بن عبدالله بن ابن عبد المطلب، إِن الله تعالى خلق الخلق فجعلنى فى خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلنى فى خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلنى فى خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلنى فى خيرهم بيتاً، فأَنا خيركم بيتاً وخيركم نفساًتفسير : . رواه المطلب بن ربيعة. وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : إِن الله اصطفى من ولد إِبراهيم إِسماعيل، واصطفى من ولد إِسماعيل كنانة، واصطفى من ولد كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشمتفسير : . رواه واثلة بن الأَسقع ويروى: واصطفى من بنى هاشم عبد المطلب، واصطفى من بنى عبد المطلب أَبى، واصطفانى من أَبى. وعن أَنس عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : لم يصبنى من عهر الجاهلية شىءٌ، وخرجت من نكاح ولم أَخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إِلى أَبى وأُمى، فأَنا خيركم نفساً، وخيركم أَباًتفسير : . والمراد بأَنفسهم الجنس والأَمثال وهو مجاز مرسل واستعارة لأَنهم كنفس واحدة. قال الله عز وجل: "أية : لقد من الله على المؤمنين إِذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم" تفسير : [آل عمران: 164] والمراد مؤمنو العرب. {عَزِيرٌ} شديد صعب نعت لرسول سببى {عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ما مصدرية، والمصدر فاعل عزيز والعنت المشقة كسوءِ العاقبة والوقوع فى العذاب. أَو عزيز خبر والعنت مبتدأٌ والجملة نعت رسول والأَول أَولى {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} على خيركم الدنيوى والأُخروى ومنه الإِيمان {بِالْمُؤْمِنِينَ} متعلق بقوله {رَءُوفٌ} أَو بقوله {رَّحِيمٌ} فيقدر للآخر لا على التنازع بل مجرد حذف لدليل وتعليقه بالأَول أَولى. قال ابن عباس والحسن بن الفضل: لم يجعل الله لأَحد من أَنبيائِهِ اسمين من أَسمائِه إِلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رءُوف رحيم. ومن كلام فى تقديم الرأْفة على الرحمة: قدمت مع أَنها أَشد من الرحمة للفاصلة، أَو لأَنها الشفقة والرحمة الإِحسان أَو لأَن أَثرها رفع المضار، وهو تخلية، والرحمة جلب النفع وهو تحلية، والتخلية لأَنها أَهم تقدم على الحلية، كما قدمت فى قوله تعالى رأْفة ورحمة ورهبانية، وقدم بالمؤمنين على طريق الاهتمام بهم فى مقام الخير وللحصر وللفاصلة، ولا رحمة للكافر، وما صعب على المؤمنين رحمة لهم ينال بها المراتب الأُخروية والدنيوية، ويقال رءُوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين، ورءوف بأَقربائه رحيم بأَوليائِه، ورءُوف بمن يراه ورحيم بمن لم يره، ولا حديث فى ذلك.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } بيان لأحوالهم عند نزولها وهم في محفل تبليغ الوحي كما أن الأول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه {نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ} ليتواطؤا على الهرب كراهة سماعها قائلين إشارة: {هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ} أي هل يراكم أحد من المسلمين إذا قمتم من المجلس أو تغامزوا بالعيون إنكاراً وسخرية بها قائلين هل يراكم أحد لننصرف مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون، والسورة على هذا مطلقة، وقيل: إن نظر بعضهم إلى بعض وتغامزهم كان غيظاً لما في السورة من مخازيهم وبيان قبائحهم، فالمراد بالسورة سورة مشتملة على ذلك، والإطلاق هو الظاهر، وأياً ما كان فلا بد من تقدير القول قبل الاستفهام ليرتبط الكلام، فإن قدر اسماً كان نصباً على الحال كما أشرنا إليه، وإن قدر فعلاً كانت الجملة في موضع الحال أيضاً، ويجوز جعلها مستأنفة، وإيراد ضمير الخطاب لبعث المخاطبين على الحزم فإن المرء بشأنه أكثر اهتماماً منه في شأن أصحابه كما في قوله تعالى: {أية : وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا }تفسير : [الكهف: 19]. {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} عطف على {نَّظَرَ بَعْضُهُمْ} والتراخي باعتبار وجود الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين، أي ثم انصرفوا جميعاً عن محفل الوحي لعدم تحملهم سماع ذلك لشدة كراهتهم أو مخافة الفضيحة بغلبة الضحك أو الاطلاع على تغامزهم أو انصرفوا عن المجلس بسبب الغيظ، وقيل: المراد انصرافهم عن الهداية والأول أظهر. {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} عن الإيمان حسب انصرافهم عن ذلك المجلس، والجملة تحتمل الإخبار والدعاء، واختار الثاني أبو مسلم وغيره من المعتزلة، ودعاؤه تعالى على عباده وعيد لهم وإعلام بلحوق العذاب بهم؛ وقوله سبحانه: / {بِأَنَّهُمْ} قيل متعلق بصرف على الاحتمال الأول وبانصرفوا على الثاني، والباء للسببية أي بسبب أنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم فهم إما حمقى أو غافلون.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً}تفسير : [التوبة: 124] والظاهر أن المقصود عطف جملة: {نظر بعضهم إلى بعض} على جملة: {أية : فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً}تفسير : [التوبة: 124]. وإنما أعيدت جملة الشرط لبعد ما بين الجملة المعطوفة وجملة الجزاء، أو للإشارة إلى اختلاف الوقت بالنسبة للنزول الذي يقولون عنده {أية : أيكم زادته هذه إيماناً}تفسير : [التوبة: 124] وبالنسبة للسورة التي عند نزولها ينظر بعضهم إلى بعض، أو لاختلاف السورتين بأن المراد هنا سورة فيها شيء خاص بهم. وموجب زيادة (ما) بعد (إذا) في الآيتين متحد لاتحاد مقتضيه. ونظَرُ بعضهم إلى بعض عند نزول السورة يدل على أنهم كانوا حينئذٍ في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لأن نظر بعضهم إلى بعض تعلقت به أداة الظرفية، وهي (إذا). فتعين أن يكون نظرُ بعضهم إلى بعض حاصلاً وقت نزول السورة. ويدل لذلك أيضاً قوله: {ثُم انصرفوا} أي عن ذلك المجلس. ويدل أيضاً على أن السورة مشتملة على كشف أسرارهم وفضح مكرهم لأن نظر بعضهم إلى بعض هو نظر تعجب واستفهام. وقد قال تعالى في الآية السابقة: {أية : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون}تفسير : [التوبة: 64]. ويدل أيضاً على أنهم كاتمون تعجُّبَهم من ظهور أحوالهم خشية الاعتراف بما نسب إليهم ولذلك اجتزوا بالتناظر دون الكلام. فالنظر هنا نظر دال على ما في ضمير الناظر من التعجب والاستفهام. وجملة: {هل يراكم من أحد} بيان لجملة {نظر بعضهم إلى بعض} لأن النظر تفاهموا به فيما هو سِرّ بينهم؛ فلما كان النظر نظر تفاهم صح بيان جملته بما يدل على الاستفهام التعجيبي، ففي هذا النظم إيجازُ حذف بديعٌ دلت عليه القرينة. والتقدير: وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحةُ أمرهم نظر بعضهم إلى بعض بخائنة الأعين مستفهمين متعجبين من اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على أسرارهم، أي هل يراكم من أحد إذا خلوتم ودبرتم أموركم، لأنهم بكفرهم لا يعتقدون أن الله أطْلع نبيه ـــ عليه الصلاة والسلام ـــ على دخيلة أمرهم. وزيادة جملة: {ثم انصرفوا} لإفادة أنهم لم يكتسبوا من نزول السورة التي أطلعت المؤمنين على أسرارهم عبرةً ولا قُرباً من الإيمان، بل كان قصارى أمرهم التعجب والشك في أن يكون قد اطلع عليهم من يبوح بأسرارهم ثم انصرفوا كأن لم تكن عبرة. وهذا من جملة الفتن التي تحل بهم ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون. وجملة: {صرف الله قلوبهم} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن ما أفاده قوله: {ثم انصرفوا} من عدم انتفاعهم بما في تلك السورة من الإخبار بالمغيبات الدال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم يثير سؤال من يسأل عن سَبب عدم انتفاعهم بذلك واهتدائهم، فيجاب بأن الله صرف قلوبهم عن الفهم بأمر تكويني فحُرموا الانتفاع بأبلغ واعظ. وكان ذلك عقاباً لهم بسبب أنهم {قوم لا يفقهون}، أي لا يفهمون الدلائل، بمعنى لا يتطلبون الهدى بالتدبر فيفهموا. وجعل جماعة من المفسرين قولَه: {صرف الله قلوبهم} دعاء عليهم، ولا داعي إليه لأن دعاء الله على مخلوقاته تكوين كما تقدم، ولأنه يأباه تسْبيبه بقوله: {بأنهم قوم لا يفقهون}. وقد أعرض المفسرون عن تفسير هذه الآية تفسيراً يبين استفادة معانيها من نظم الكلام فأتوا بكلام يخاله الناظر إكراهاً لها على المعنى المراد وتقديرات لا ينثلج لها الفؤاد.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَرَاكُمْ} (127) - وَهُنَا يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حَالِ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَكُونُونَ حَاضِرِينَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ نُزُولِ القُرْآنِ، فَيَقُولُ: وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ وَهُمْ فِي المَجْلِسِ، تَسَارَقُوا النَّظَرَ، وَتَغَامَزُوا بِالعُيُونِ، فِي ذَلِكَ الوَقْتِ الذِي تَخْشَعُ فِيهِ أَبْصَارُ المُؤْمِنينَ، وَتَنْحَنِي رُؤُوسُهُمْ سَمعاً للهِ وَطَاعَةً، وَتَشاوَرُوا فِي الانْسِلالِ مِنَ المَجْلِسِ خِفْيَةً لِئَلاَّ يُفْتَضَحَ أَمْرُهُمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُخْرِيَةٍ وَإنْكَارٍ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلْ يَرَاكُمْ رَسُولُ اللهِ وَالمُؤْمِنونَ إِذا قُمْتُمْ مِنَ المَجْلِسِ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ جَمِيعاً مُتَسَلِّلينَ كُرْهاً مِنْهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ. وَقَدْ صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى وَالإِيمَانِ لأَِنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ مَا يَسْمَعُونَ، وَلاَ يَعْقِلونَ، وَلاَ يَتَدَبَّرُونَ مَا يَسْمَعُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومن قبل جاء قول الحق: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً ...} تفسير : [التوبة: 124]. أي: أن هؤلاء المنافقين يشعرون بالضيق والحصار، ويخافون أن يتكلموا؛ لأنهم موجودون مع المسلمين، ولكنهم لا يعدمون وسيلة للتعبير عن كفرهم، فيغمز الواحد منهم بعينه، أو يشير إشارة بيده، فإذا ما كانوا قد تساءلوا من قبل بـ {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً} فقد كان هذا السؤال يتعلق بالتكاليف، أما في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فليس فيها تكاليف جديدة. لقد كانوا يريدون أن يقولوا شيئاً، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتكلموا بأفواههم، فتكلموا بأعينهم ونظراتهم، فكأن النظر نفسه كان فيه هذه الكلمة: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ}، وهذا قد تراه من واحد يسمع خطبة الخطيب، ولكنه يرى بها أشياء لا تعجبه، فتجده يعبر بانفاعالات وجهه عن عدم رضاه. إذن: فهناك نظر، وهناك كلام، وهم قد تساءلوا: هل يراكم من أحد؟ ومثلها مثل قولك: ما عندي من مال؟ أي أنك لا تملك بداية ما يقال عنه مال، والقول الكريم أبلغ بالقطع من أن تقول: هل يراكم أحد. إن قوله الحق: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} دليل على أنهم في خوف من أن يضبطهم أحد، ومن بعد ذلك تجدهم يتسللون خارج دائرة الاستماع للقرآن أو للرسول؛ لأنهم لا يطيقون الاستمرار في الاستماع؛ لأن منطق الحق يلجم الباطل، والواحد منهم غير قادر على أن يؤمن بالحق وغير قادر على إعلان الكفر؛ فينسحبون، وينصرف كل واحد منهم؛ لذلك نجد أن بعضهم قد قال من قبل: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ...} تفسير : [فصلت: 26]. وقد قالوا ذلك لأن الكافر أو المنافق قد تأتيه لحظة غفلة عن الباطل، فيتسلل الإيمان إلى قلبه، كما أن المؤمن قد تأتيه لحظة غفلة عن الحق، لكنه يستغفر الله عنها. وإذا ما أتت للمنافق أو الكافر لحظة غفلة عن كفره أو نفاقه؛ فتأتيه هجمة الإيمان فيخافها، فيقول لمن هم مثله: من الأفضل أن نقول لمن معنا لا تسمعوا هذا القرآن. لماذا؟ حتى لا يصادف فترة غفلة عن النفاق، فإذا صادف فترة غفلة عن النفاق فمن الممكن أن يدخل الإيمان القلب. ولذلك قالوا: {لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طلبوا من الأتباع ان يلغوا فيه، أي: أن يشوشوا عليه: {أية : وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ...} تفسير : [فصلت: 26]. إذن: لا غلبة لهم مطلقاً إلا بعدم الاستماع إلى القرآن، أو أن يشوشوا عند سماع القرآن؛ حتى لا ينفذ القرآن إلى القلوب. وهنا يقول الحق سبحانه عن هؤلاء المنافقين: {وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} كانوا يقولون ذلك؛ لأنهم كمنافقين سبق لهم إعلان الإسلام، وكانوا يدعون أنهم متقدمون في تطبيق أحكام الإيمان، وكانوا يصرون على الوقوف أثناء الصلاة في الصف الأول؛ حتى يدفعوا عن أنفسهم تهمة النفاق، وكما يقول المثل: يكاد المريب أن يقول خذوني. وينظر بعضهم إلى بعض متسائلين: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ} لأنهم لا يطيقون الجلوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى المؤمنين. وينهي الحق الآية: {صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} وذلك نتيجة لانصرافهم نفسيّاً إلى النفاق؛ فيساعدهم سبحانه على ذلك، فما داموا لا يعرفون قيمة الإيمان؛ فليذهبوا بعيداً عنه، فالحق لهم يصرفهم إلا باختيارهم، حتى لا يقول أحد: إن الله هو مصرف القلوب، فما ذنبهم؟ لا، لقد انصرفوا هم بما خلقه الله فيهم من اختيار، فصرف الله قلوبهم، لماذا؟ لأنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي: لا يفهمون. والفهم أول مرحلة من مراحل الذات الإنسانية، وهناك فرق بين الفهم والعلم. فالفهم يعني أنك تملك القدرة على تَفَهُّم ذاتية الأشياء بملكة فيك، لكن العلم يعني أنك قد لا تفهم أنت بذاتك، وإنما يفهم غيرك ويعلمك. فأنت قد تعلم جزئية لا من عندك وإنما من معلم لك. ولكن قد يقول قائل: ما داموا لا يفقهون فما ذنبهم؟ ونقول: الذي لا يفهم عليه أن يتقبل التعليم، لكن هؤلاء لم يفهموا ولم يتعلَّموا، وأصروا على عدم قبول العلم. وبعد ذلك يأتي ختام سورة التوبة. والسورة بدأت بالقطيعة: {أية : بَرَآءَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [التوبة: 1]. ووردت لنا أحوال الكفار والمنافقين وتكاليف الجهاد الشاقة، وأراد الحق أن يختم السورة بما يبرر هذه المشقات المتقدمة، فبيّن لنا: إياكم أن تنفضُّوا عن الرسول أو تغضبوه؛ لأنه وإن جاء لكم ببلاغ فيه أمور شاقة عليكم فخذوا هذه الأمور الشاقة على أنها من حبيب لكم، لا من عدو لكم. إنك مثلاً إن رأيت عدوّا ضرب ابنك وجرحه، يكون وقع هذا الأمر شديداً عليك؛ لأنه عدو. لكنك إذا أخذت ابنك للطبيب وقرر الطبيب إجراء جراحة للابن، فأنت تقبل ذلك؛ لتزيل عن ابنك خطراً. إذن: فهناك فارق بين جرح عدوك لابنك وجرح الطبيب له رغم أن الإيلام قد يكون واحداً. إذن: لا ترفض الأمور الشاقة عليك لمجرد ورود المشاق عليك، ولكن اعرف أولاً من الذي أجرى المشاق عليك، فإن كان ربك، فربك بك رحيم. وإن كان الرسول فخذ أوامر الرسول وطبقها؛ لأنها من حبيب يريد لك الخير. وهنا يقول الحق: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعني: أن المنافقين الذين يحذرون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، إذا نزلت سورة ليؤمنوا بها، ويعملوا بمضمونها { نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } جازمين على ترك العمل بها، ينتظرون الفرصة في الاختفاء عن أعين المؤمنين، ويقولون: { هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا } متسللين، وانقلبوا معرضين، فجازاهم اللّه بعقوبة من جنس عملهم، فكما انصرفوا عن العمل { صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } أي: صدها عن الحق وخذلها. { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } فقها ينفعهم، فإنهم لو فقهوا، لكانوا إذا نزلت سورة آمنوا بها، وانقادوا لأمرها. والمقصود من هذا بيان شدة نفورهم عن الجهاد وغيره، من شرائع الإيمان، كما قال تعالى عنهم: {أية : فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):