Verse. 1363 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

لَقَدْ جَاۗءَكُمْ رَسُوْلٌ مِّنْ اَنْفُسِكُمْ عَزِيْزٌ عَلَيْہِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيْصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِيْنَ رَءُوْفٌ رَّحِيْمٌ۝۱۲۸
Laqad jaakum rasoolun min anfusikum AAazeezun AAalayhi ma AAanittum hareesun AAalaykum bialmumineena raoofun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد جاءكم رسول من أنفسكم» أي منكم: محمد صلى الله عليه وسلم «عزيز» شديد «عليه ما عَنِتُّم» أي عنتكم، أي مشقتكم ولقاءكم المكروه «حريص عليكم» أن تهتدوا «بالمؤمنين رءوف» شديد الرحمة «رحيم» يريد لهم الخير.

128

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله عليه السلام أن يبلغ في هذه السورة إلى الخلق تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها، إلا لمن خصه الله تعالى بوجوه التوفيق والكرامة، ختم السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف، وهو أن هذا الرسول منكم، فكل ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا فهو عائد إليكم. وأيضاً فإنه بحال يشق عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقكم، والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها، والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة، إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذق، وأن الأب مشفق، صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة، وصارت تلك التأديبات جارية مجرى الإحسان. فكذا ههنا لما عرفتم أنه رسول حق من عند الله، فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير، ثم قال للرسول عليه السلام: فإن لم يقبلوها بل أعرضوا عنها وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وعول على الله وارجع في جميع أمورك إلى الله { أية : فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [التوبة: 129] وهذه الخاتمة لهذه السورة جاءت في غاية الحسن ونهاية الكمال. المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمسة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ } وفي تفسيره وجوه: الأول: يريد أنه بشر مثلكم كقوله: { أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } تفسير : [يونس: 2] وقوله: { أية : إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } تفسير : [فصلت: 6] والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس، على ما مر تقريره في سورة الأنعام. والثاني: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من العرب قال ابن عباس: ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات، مضرها وربيعها ويمانيها، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية، واليمانيون هم القحطانية ونظيره قوله تعالى: { أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 164] والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته، والقيام بخدمته، كأنه قيل لهم: كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو سبب لعزكم ولفخركم، لأنه منكم ومن نسبكم. والثالث: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ } خطاب لأهل الحرم، وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته، وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب: كنتم قبل مقدمه مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه، فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه؟ والقول الرابع: أن المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته، كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة، وتعرفون كونه حريصاً على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم، وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم. وقرىء {مِّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: هي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما. الصفة الثانية: قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } اعلم أن العزيز هو الغالب الشديد، والعزة هي الغلبة والشدة. فإذا وصلت مشقة إلى الإنسان عرف أنه كان عاجزاً عن دفعها إذ لو قدر على دفعها لما قصر في ذلك الدفع، فحيث لم يدفعها، علم أنه كان عاجزاً عن دفعها، وأنها كانت غالبة على الإنسان. فلهذا السبب إذا اشتد على الإنسان شيء قال: عز علي هذا، وأما العنت فيقال: عنت الرجل يعنت عنتاً إذا وقع في مشقة وشدة لا يمكنه الخروج منها، ومنه قوله تعالى: { أية : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ } تفسير : [النساء: 25] وقوله: { أية : وَلَوْ شَاءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ } تفسير : [البقرة: 220] وقال الفراء: {مَا } في قوله: {مَا عَنِتُّمْ } في موضع رفع، والمعنى: عزيز عليه عنتكم، أي يشق عليه مكروهكم، وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب الله تعالى، وهو إنما أرسل ليدفع هذا المكروه. والصفة الثالثة: قوله: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } والحرص يمتنع أن يكون متعلقاً بذواتهم، بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة. واعلم أن على هذا التقدير يكون قوله: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } معناه: شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم، وبهذا التقدير لا يحصل التكرار. قال الفراء: الحريص الشحيح، ومعناه: أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار، وهذا بعيد، لأنه يوجب الخلو عن الفائدة. والصفة الرابعة والخامسة: قوله: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه. بقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يكون كذلك، وقد كلفهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة التي لا يقدر على تحملها إلا الموفق من عند الله تعالى؟ قلنا: قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق والأب المشفق، والمعنى: أنه إنما فعل بهم ذلك ليتخلصوا من العقاب المؤبد، ويفوزوا بالثواب المؤبد. السؤال الثاني: لما قال: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } فهذا النسق يوجب أن يقال: رؤوف رحيم بالمؤمنين، فلم ترك هذا النسق وقال: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ }. الجواب: أن قوله: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } يفيد الحصر بمعنى أنه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين. فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ورحمة، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التغليظ كأنه يقول: إني وإن بالغت في هذه السورة في التغليظ إلا أن ذلك التغليظ على الكافرين والمنافقين. وأما رحمتي ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين فقط، فلهذه الدقيقة عدل على ذلك النسق.

القرطبي

تفسير : هاتان الآيتان في قول أُبَيّ أقرب القرآن بالسماء عهداً. وفي قول سعيد بن جبير: آخر ما نزل من القرآن {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 281] على ما تقدّم. فيحتمل أن يكون قول أُبَيّ: أقرب القرآن بالسماء عهداً بعد قوله: «وَٱتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إلَى اللَّهِ». والله أعلم. والخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك؛ إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه، وشُرِّفوا به غابر الأيام. وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم؛ والمعنى: لقد جاءكم رسول من البشر؛ والأوّل أصوب. قال ٱبن عباس: ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فكأنه قال: يا معشر العرب، لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل. والقول الثاني أوكد للحجة؛ أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتمُّوا به. قوله تعالى: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} يقتضي مدحاً لنسب النبيّ صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها. وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسْقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله ٱصطفى كنانة من ولد إسماعيل وٱصطفى قريشاً من كنانة وٱصطفى من قريش بني هاشم وٱصطفاني من بني هاشم»تفسير : . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إني من نكاح ولست من سفاح»تفسير : . معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النّسل فيه إلا من نكاح، ولم يكن فيه زِنًى. وقرأ عبد الله بن قُسيط المكي من «أنْفَسِكم» بفتح الفاء من النفاسة؛ ورويت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها؛ أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم؛ من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوباً فيه. وقيل: من أنفسكم؛ أي أكثركم طاعة. قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يَعِزُّ عليه مشقتكم. والعَنَت: المشقة؛ من قولهم: أَكَمة عَنُوت إذا كانت شاقة مهلكة. وقال ابن الأنباريّ: أصل التعنت التشديد؛ فإذا قالت العرب: فلان يتعنّت فلاناً ويُعنِته فمرادهم يشدّد عليه ويلزمه. بما يصعب عليه أداؤه. وقد تقدّم في «البقرة». «وما» في «ما عَنِتُّمْ» مصدرية، وهي ٱبتداء و «عَزِيزٌ» خبر مقدّم. ويجوز أن يكون «ما عنتم» فاعلاً بعزيز، و «عزيز» صفة للرسول، وهو أصوب. وكذا «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» وكذا «رَؤوفٌ رَحِيمٌ» رفع على الصفة. قال الفراء: ولو قرىء عزيزاً عليه ما عنتم حريصاً رؤوفاً رحيماً، نصباً على الحال جاز. قال أبو جعفر النحاس: وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدّثنا أحمد بن محمد الأزديّ قال حدّثنا عبد الله بن محمد الخزاعيّ قال سمعت عمرو بن عليّ يقول: سمعت عبد الله بن داود الخُرَيْبِي يقول في قوله عز وجل: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} قال: أن تدخلوا النار، {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} قال: أن تدخلوا الجنة. وقيل: حريص عليكم أن تؤمنوا. وقال الفراء: شحيح بأن تدخلوا النار. والحرص على الشيء: الشُّحُّ عليه أن يضيع ويتلف. {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} الرؤوف: المبالغ في الرأفة والشفقة. وقد تقدّم في «البقرة» معنى «رَؤوفٌ رَحِيمٌ» مستوفًى. وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء ٱسمين من أسمائه إلا للنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قال: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وقال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}. وقال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية لقد جاءكم رسول مِن أنفسِكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم، عزيز عليه ما عنتم لا يهمّه إلا شأنكم، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنِتم ما أقمتم على سنته؛ فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة. قوله تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} أي إن أعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي منّ الله عليهم بها فقل حسبي الله؛ أي كافيّ الله تعالى {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي اعتمدت، وإليه فوّضت جميع أُموري. {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} خصّ العرش لأنه أعظم المخلوقات فيدخل فيه ما دونه إذا ذكره. وقراءة العامة بخفض «العظيم» نعتاً للعرش. وقرىء بالرفع صفة للرب، رُويت عن ٱبن كثير، وهي قراءة ٱبن مُحَيْصِن. وفي كتاب أبي داود عن أبي الدّرْداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إلۤه إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، كفاه الله ما أهمه صادقاً كان بها أو كاذباً. وفي نوادر الأُصول عن بُريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال عشر كلمات عند دبر كل صلاة وجد الله عندهن مَكْفِيّاً مَجْزِيّاً خمسٌ للدنيا وخمس للآخرة حسبي الله لديني حسبي الله لدنياي حسبي الله لما أهمني حسبي الله لمن بغى عليّ حسبي الله لمن حسدني حسبي الله لمن كادني بسوء حسبي الله عند الموت حسبي الله عند المساءلة في القبر حسبي الله عند الميزان حسبي الله عند الصراط حسبي الله لا إلۤه إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب»تفسير : . وحكى النقاش عن أُبيّ بن كعب أنه قال: أقرب القرآن عهداً بالله تعالى هاتان الآيتان {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر السورة؛ وقد بيناه. وروى يوسف بن مِهران عن ابن عباس أن آخر ما نزل من القرآن {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} وهذه الآية؛ ذكره الماوردي. وقد ذكرنا عن ابن عباس خلافه؛ على ما ذكرناه في البقرة، وهو أصح. وقال مقاتل: تقدّم نزولها بمكة. وهذا فيه بُعد؛ لأن السورة مدنية، والله أعلم. وقال يحيى بن جعدة: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان؛ فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة براءة {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} فقال عمر: والله لا أسألك عليهما بينة، كذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأثبتهما. قال علماؤنا: الرجل هو خزيمة بن ثابت، وإنما أثبتهما عمر رضي الله عنه بشهادته وحده لقيام الدليل على صحتها في صفة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فهي قرينة تغني عن طلب شاهد آخر، بخلاف آية الأحزاب {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأحزاب: 23] فإن تلك ثبتت بشهادة زيد وخزيمة لسماعهما إياها من النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد تقدم هذا المعنى في مقدّمة الكتاب. والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم عربي مثلكم. وقرىء من أَنفُسِكُـمْ" أي من أشرفكم. {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} شديد شاق. {مَا عَنِتُّمْ} عنتكم ولقاؤكم المكروه. {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي على إيمانكم وصلاح شأنكم. {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} منكم ومن غيركم. {رَءوفٌ رَّحِيمٌ} قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة محافظة على الفواصل.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولاً من أنفسهم، أي: من جنسهم، وعلى لغتهم؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 129] وقال تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 164] وقال تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: منكم، وبلغتكم؛ كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته، وذكر الحديث. وقال سفيان بن عيينة: عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح» تفسير : وقد وصل هذا من وجه آخر؛ كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي: حدثنا أبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال: أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء» تفسير : وقوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال: «حديث : بعثت بالحنيفية السمحة» تفسير : وفي الصحيح: «حديث : إن هذا الدين يسر، وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة، يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه» تفسير : {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي: على هدايتكم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم، وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن فِطْر عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو فطن حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعد عن عبدة الهذلي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب»تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته، فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة، ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك، إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن وردت بكم رِياضاً مُعْشِبة وحِياضاً رِواءً تتبعوني؟ فقالوا: نعم، قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضاً معشبة، وحياضاً رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضاً معشبة وحياضاً رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى، فقال: فإن بين أيديكم رياضاً هي أعشب من هذه، وحياضاً هي أروى من هذه، فاتبعوني، فقالت طائفة: صدق والله لَنَتَّبِعَنَّهُ، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه وقال البزار: حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا: حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء، قال عكرمة: أراه قال: في دم، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ثم قال: «حديث : أحسنت إليك» تفسير : قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب بعض المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت، فقال: «حديث : إنك إنما جئتنا تسألنا، فأعطيناك، فقلت ما قلت» تفسير : فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، وقال: «حديث : أحسنت إليك؟» تفسير : فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك، فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم» تفسير : فقال: نعم، فلما جاء الأعرابي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن صاحبكم كان جاء فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي؟» تفسير : فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة، فشردت عليه، فاتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجه إليها، وأخذ لها من قتام الأرض، ودعاها حتى جاءت واستجابت، وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال، لدخل النار» تفسير : رواه البزار، ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه (قلت): وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان، والله أعلم، وقوله: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} كقوله: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّى بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوكَّلْ عَلَى ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} تفسير : [الشعراء:215-217] وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {فإِن تَوَلَّوْاْ} أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة {فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي: الله كافِيَّ، لا إله إلا هو، عليه توكلت؛ كما قال تعالى: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9]، {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر السورة، وقال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبد المؤمن، حدثنا عمر بن شقيق، حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهم: أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، فكان رجال يكتبون، ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة: {ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم} الآية، فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال لهم أبي بن كعب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر السورة، قال: هذا آخر ما نزل من القرآن، فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو، وهو قول الله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وهذا غريب أيضاً. وقال أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى عمر بن الخطاب فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها، فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها، فوضعوها في آخر براءة، وقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن، فأمر زيد بن ثابت فجمعه، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك، وفي الصحيح: أن زيداً قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت، أو أبي خزيمة، وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها، والله أعلم - وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد عن عبد الرزاق بن عمر - وقال: كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد - قال يزيد: شيخ ثقة - عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، إلا كفاه الله ما أهمه، وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق بن عمر، هذا من رواية أبي زرعة الدمشقي عنه، عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حليس عن أم الدرداء، سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، صادقاً كان بها أو كاذباً، إلا كفاه الله ما أهمه. وهذه زيادة غريبة، ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده، فرفعه، فذكر مثله بالزيادة، وهذا منكر، والله أعلم. آخر تفسير سورة براءة، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ } أي منكم محمد صلى الله عليه وسلم {عَزِيزٌ } شديد {عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } أي عنتكم، أي مشقتكم ولقاؤكم المكروه {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } أن تهتدوا {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ } شديد الرحمة {رَّحِيمٌ } يريد لهم الخير.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} فيه قراءتان: إحداهما: من أنفسكم بفتح الفاء ويحتمل تأويلها ثلاثة أوجه: أحدها: من أكثركم طاعة لله تعالى. الثاني: من أفضلكم خلقاً. الثالث: من أشرفكم نسباً. والقراءة الثانية: بضم الفاء، وفي تأويلها أربعة أوجه: أحدها: يعني من المؤمنين لم يصبه شيء من شرك، قاله محمد بن علي. الثاني: يعني من نكاح لم يصبه من ولادة الجاهلية، قاله جعفر بن محمد. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : خَرَجْتُ مِن نِكَاحٍ وَلَمْ أَخَرُجْ مِنْ سِفَاحٍ " تفسير : الثالث: ممن تعرفونه بينكم، قاله قتادة. الرابع: يعني من جميع العرب لأنه لم يبق بطن من بطون العرب إلا قد ولدوه، قاله الكلبي. {عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عنِتُّمُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: شديد عليه ما شق عليكم، قاله ابن عباس. الثاني: شديد عليه ما ضللتم، قاله سعيد بن أبي عروبة. الثالث: عزيز عليه عنت مؤمنكم، قاله قتادة. {حَرِيصٌ عَلَيكُمْ} قاله الحسن: حريص عليكم أن تؤمنوا. {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} فيه وجهان: أحدهما: بما يأمرهم به من الهداية ويؤثره لهم من الصلاح. الثاني: بما يضعه عنهم من المشاق ويعفو عنهم من الهفوات، وهو محتمل. قوله عز وجل {فَإِن تَوَلَّوْا} فيه وجهان: أحدهما: عن طاعة الله، قاله الحسن. الثاني: عنك، ذكره عليّ بن عيسى. {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ} يحتمل وجهين: أحدهما: حسبي الله معيناً عليكم. الثاني: حسبي الله هادياً لكم. {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظيمِ} يحتمل وجهين: أحدهما: لسعته. الثاني: لجلالته. روى يوسف بن مهران عن ابن عباس أن آخر ما أُنزل من القرآن هاتان الآيتان {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} وهذه الآية. وقال أُبي بن كعب: هما أحدث القرآن عهداً بالله وقال مقاتل: تقدم نزولهما بمكة، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} لم يبقَ من العرب بطن إلا ولده، أو من المؤمنين لم يصبه شرك، أو من نكاح لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، أو ممن تعرفونه بينكم. {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} شديد عليه ما شق عليكم "ع" أو شديد عليه ما ضللتم، أو عزيز عليه عنت مؤمنكم. {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} أن تؤمنوا. {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} بما يأمرهم به من الهدى ويؤثره من صلاحهم، نزلت هذه الآية والتي بعدها بمكة، أو هما آخر ما نزل "ع".

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ...} الآية مخاطبةٌ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديدِ النعمة عَلَيْهِمْ؛ إِذْ جاءَهم بلسانِهِمْ، وبما يفهمونه منَ الأَغراض والفصاحةِ، وشُرِّفوا به غَابِرَ الدهْرِ. وقوله: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: يقتضي مدْحاً لنسبه صلى الله عليه وسلم، وأنه من صميمِ العَرَبِ، وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» - بفتح الفاء -؛ من النَّفَاسة، ورويتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله: {مَا عَنِتُّمْ}: معناه عَنَتُكُمْ؛ فـــ «ما» مصدريةٌ، والعَنَت: المشقَّة، وهي هنا لفظةٌ عامَّة، أي: عزيز عليه مَا شَقَّ عليكم: مِنْ قتلٍ وإِسارٍ وٱمتحانٍ؛ بحسب الحَقِّ وٱعتقادكم أيضاً معه، {حَرِيصٌ َلَيْكُم} أي: علَى إيمانكم وهداكم. وقوله: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ} أي: مبالغٌ في الشفقة عليهم، قال أبو عُبَيْدة: الرَّأْفَة أرقُّ الرحمة. ثم خاطَبَ بحانه نبيَّه بقوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ}، أي: أعرضوا، {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}: هذه الآية من آخر مَا نَزَلَ، وصلى اللَّه علَى سَيِّدنا ومولانا محمَّد وعلَى آله وصَحْبه وسَلَّم تسليماً كثيراً، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه العلي العظيم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد والحارث بن أبي أسامة في مسنده وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في دلائل النبوّة وابن عساكر عن ابن عباس في قوله ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} قال‏:‏ ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، مضريها وربيعيها ويمانيها‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه وأبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ قال‏:‏ قد ولدتموه يا معشر العرب‏. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏حديث : قرأ رسول الله ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله ما معنى ‏ {‏أنفسكم‏} ‏‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "‏أنا أنفسكم نسباً وصهراً وحسباً، ليس فيَّ ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح"‏ ‏. تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ يعني من أعظمكم قدراً". وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏خرجت من لدن آدم من نكاح غير سفاح ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏حديث : ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء، وما ولدني إلا نكاح كنكاح الإِسلام ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏خرجت من نكاح غير سفاح‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في المصنف عن محمد بن علي بن حسين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إنما خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم لم يصبني من سفاح أهل الجاهلية شيء، لم أخرج إلا من طهرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن علي بن أبي طالب ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏: خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي، وأمي لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لم يلتق أبواي قط على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : خير العرب مضر، وخير مضر بنو عبد مناف، وخير بني عبد مناف بنو هاشم، وخير بنو هاشم بنو عبد المطلب، والله ما افترق شعبتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أنس قال‏:‏‏ حديث : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم، حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفساً وخيركم أبا‏ً ". تفسير : وأخرج ابن سعد والبخاري والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد ومسلم والترمذي والبيهقي في الدلائل عن واثلة بن الأسقع قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسمعيل، واصطفى من ولد إسمعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن العباس بن عبد المطلب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفريقين، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم، ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفسا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر، واختار من مضر قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، واختارني من بني هاشم، فانا من خيار إلى خيار‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: قسم الله الأرض نصفين فجعلني في خيرهما، ثم قسم النصف على ثلاثة فكنت في خير ثلث منها، ثم اختار العرب من الناس، ثم اختار قريشاً من العرب، ثم اختار بني هاشم من قريش، ثم اختار بني عبد المطلب من بني هاشم، ثم اختارني من بني عبد المطلب "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد والبيهقي عن محمد بن علي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏حديث : إن الله اختار العرب فاختار منهم كنانة، ثم اختار منهم قريشاً، ثم اختار منهم بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم ‏". تفسير : وأخرج ابن سعد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله اختار العرب فاختار كنانة من العرب، واختار قريشاً من كنانة، واختار بني هاشم من قريش، واختارني من بني هاشم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏ما ولدتني بغي قط مذ خرجت من صلب آدم، ولم تزل تتنازعني الأمم كابراً عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب هاشم وزهرة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي عمر العدني عن ابن عباس ‏"‏حديث : أن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه، فلما خلق الله آدم عليه السلام ألقى ذلك النور في صلبه‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ فاهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم عليه السلام، وجعلني في صلب نوح، وقذف بي في صلب إبراهيم، ثم لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب قال ‏"‏حديث : بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً نالوا منه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال‏: أيها الناس إن الله خلق خلقه فجعلهم فرقتين، فجعلني في خير الفرقتين، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلاً، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنا خيركم قبيلاً وخيركم بيتاً ‏"‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه والبيهقي عن المطلب بن أبي وداعة قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه بعض ما يقول الناس ‏‏"فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال‏:‏ من أنا‏؟ قالوا‏:‏ أنت رسول الله‏.‏ قال‏:‏ أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فانا خيركم بيتاً، وخيركم نفسا‏ً" ‏‏.‏ تفسير : وأخرجه الترمذي وصححه والنسائي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب‏. وأخرج ابن سعد عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إذا أراد الله أن يبعث نبياً نظر إلى خير أهل الأرض قبيلة فيبعث خيرها رجلا‏ً "‏‏. تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏أتاني جبريل عليه السلام فقال‏:‏ يا محمد إن الله عز وجل بعثني فطفت شرق الأرض وغربها وسهلها وجبلها فلم أجد حياً خيراً من العرب، ثم أمرني فطفت في العرب فلم أجد حياً خيراً من مضر، ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حياً خيراً من كنانة، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حياً خيراً من قريش، ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حياً خيراً من بني هاشم، ثم أمرني أن أختار من أنفسهم فلم أجد فيهم نفساً خيراً من نفسك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وإسحق بن راهويه وابن منيع في مسنده وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال‏:‏ آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ‏:‏ إن آخر ما نزل من القرآن ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏إلى آخر الآية‏. وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن الحسن أن أبي بن كعب كان يقول‏:‏ إن أحدث القرآن عهداً بالله، وفي لفظ‏:‏ بالسماء هاتان الآيتان ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ إلى آخر السورة‏. وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن الضريس في فضائله وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والخطيب في تلخيص المتشابه والضياء في المختارة من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب‏.‏ أنهم جمعوا القرآن في مصحف في خلافة أبي بكر، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، حتى انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ‏ {‏ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون‏} فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال أبي بن كعب: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأني بعد هذا آيتين ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم‏} ‏ فهذا آخر ما نزل من القرآن‏.‏ قال‏:‏ فختم الأمر بما فتح به بلا إله إلا الله، يقول الله ‏{أية : وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون‏} ‏تفسير : [‏الأنبياء: 25‏]‏‏. وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن حبان وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت قال‏:‏ أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر‏:‏ إن عمر أتاني فقال‏:‏ إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، واني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن الا أن تجمعوه، وإني أرى أن تجمع القرآن‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ فقلت لعمر‏:‏ كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال عمر‏:‏ هو - والله - خير‏.‏ فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر‏.‏ قال زيد بن ثابت‏:‏ وعمر جالس عنده لا يتكلم، فقال أبو بكر‏:‏ إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمراني به من جمع القرآن‏.‏ قلت‏:‏ كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال أبو بكر‏:‏ هو - والله - خير‏.‏ فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر‏.‏ فقمت فتتبعت القرآن اجمعه من الرقاع والإِكاف والعسب وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم‏} ‏ إلى آخرهما، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال‏:‏ كان عمر لا يثبت آية في المصحف حتى يشهد رجلان، فجاء رجل من الأنصار بهاتين الآيتين ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ إلى آخرها‏.‏ فقال عمر‏:‏ لا أسألك عليها بينة أبداً، كذلك كان رسول الله‏ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن عروة قال‏:‏ لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرقَّ أبو بكر على القرآن أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب، ولزيد بن ثابت‏:‏ أقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه‏. وأخرج ابن إسحق وأحمد بن حنبل وابن أبي داود عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ أتى الحرث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وهو رب العرش العظيم‏} ‏ إلى عمر فقال‏:‏ من معك على هذا‏؟‏ فقال‏:‏ لا أدري والله إلا أني أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها وحفظتها‏.‏ فقال عمر‏:‏ وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا من القرآن فالحقوها‏.‏ فألحقت في آخر براءة‏. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال‏:‏ أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس فقال‏:‏ من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان، فقتل وهو يجمع ذلك إليه، فقام عثمان بن عفان فقال‏:‏ من كان عنده شيء من كتاب الله فليأتنا به، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد به شاهدان، فجاء خزيمة بن ثابت فقال‏:‏ إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما‏.‏ فقالوا‏:‏ ما هما‏؟‏ قال‏:‏ تلقيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم‏} ‏ إلى آخر السورة فقال عثمان‏:‏ وأنا أشهد أنهما من عند الله، فأين ترى أن نجعلهما‏؟‏ قال‏:‏ اختم بهما آخر ما نزلت من القرآن، فختمت بهما براءة‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ جعله الله من أنفسهم فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة، عزيز عليه عنت مؤمنهم، حريص على ضالهم أن يهديه الله ‏ {‏بالمؤمنين رؤوف رحيم‏} ‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏عزيز عليه ما عنتم‏} ‏ قال‏:‏ شديد عليه ما شق عليكم ‏{‏حريص عليكم‏}‏ أن يؤمن كفاركم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏جاء جبريل فقال لي‏:‏ يا محمد إن ربك يقرئك السلام، وهذا ملك الجبال قد أرسله الله إليك وأمره أن لا يفعل شيئاً إلا بأمرك‏.‏ فقال له ملك الجبال‏:‏ إن الله أمرني أن لا أفعل شيئاً إلا بأمرك، إن شئت دمدمت عليهم الجبال، وإن شئت رميتهم بالحصباء، وإن شئت خسفت بهم الأرض‏.‏ قال‏:‏ يا ملك الجبال فإني آتي بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولون‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ فقال ملك الجبال عليه السلام‏:‏ أنت كما سمَّاك ربك رؤوف رحيم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي صالح الحنفي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله رحيم ولا يضع رحمته إلا على رحيم‏. قلنا‏:‏ يا رسول الله كلنا نرحم أموالنا وأولادنا‏.‏ قال‏: ليس بذلك ولكن كما قال الله ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم‏}‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال ‏"حديث : ‏لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له‏:‏ إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا‏.‏ قال‏:‏ ولم سألتم هذا‏؟‏ قالوا‏:‏ نطلب الأمن، فأنزل الله تعالى هذه الآية ‏ {‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم‏} ‏ الآية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن سعد عن أبي صالح الحنفي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن الله رحيم يحب الرحيم، يضع رحمته على كل رحيم‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله إنا لنرحم أنفسنا وأموالنا وأزواجنا‏.‏ قال‏:‏ ليس كذلك ولكن كونوا كما قال الله‏‏ ‏{‏لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم‏}‏ ‏"‏‏.

ابو السعود

تفسير : {لَقَدْ جَاءكُمْ} الخطابُ للعرب {رَّسُولٌ} أي رسول عظيمُ الشأن {مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم عربـيٌّ قرشيٌّ مثلُكم وقرىء بفتح الفاء أي أشرفِكم وأفضِلكم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي شاقٌّ شديدٌ عليه عَنَتُكم ولقاؤكم المكروهَ فهو يخاف عليكم سوءَ العاقبةِ والوقوعَ في العذاب، وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} في إيمانكم وصلاحِ حالِكم {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} منكم ومن غيركم {رَءوفٌ رَّحِيمٌ} قدِّم الأبلغُ منهما وهي الرأفةُ التي هي عبارةٌ عن شدة الرحمةِ محافظةً على الفواصل {فَإِن تَوَلَّوْاْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى النبـي صلى الله عليه وسلم تسليةً له أي إن أعرضوا عن الإيمان بك {فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ} فإنه يكفيك ويُعينك عليهم {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} استئناف مقرِّرٌ لمضمون ما قبله {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فلا أرجو ولا أخاف إلا منه {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} أي المُلك العظيمِ أو الجِسم الأعظمِ المحيط الذي تنزل منه الأحكامُ والمقادير، وقرىء العظيمُ بالرفع. وعن أبـي هريرة أن آخِرَ ما نزل هاتان الآيتان. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما نزل القرآنُ إلا آيةً آيةً وحرفاً حرفاً ما خلا سورةَ براءةٌ وسورةَ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} فإنهما أُنزلتا عَليّ ومعهما سبعون ألفَ صفٍ من الملائكة «

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [الآية: 128]. أخبرنا على بن الحسن البلخى قال: حدثنا عبد الله بن عجلان الزنجانى قال: حدثنا أبو عثمان أحمد بن غالب قال: حدثنا أبو عاصم عن بهز بن حكيم عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : لقد جاءكم رسول من أنفسكم قال: على بن أبى طالب عليه السلام: ما معنى من أنفسكم قال: من أَنْفَسِكُم نفسًا ونسبًا وحسبًا وصهرًا، ليس فى آبائك من لدن آدم سفاح كلنا نكاح ". تفسير : قال الخراز: أثبت لنفسك خطرًا حين قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنفسكم. قال الحسين: من أجلالكم نفسًا وأعلاكم همة، جاء بالكونين عوضًا عن الحق، وما طغى قلبه عن موافقته. قال ابن عطاء: نفسه موافقة لا نفس الخلق، خلقه ومباينة لها حقيقة فإنها نفس مقدسة بأنوار النبوة، مريدة بمشاهدة الحقائق ثابتة فى المحل الأدنى والمقام الأعلى {أية : مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم: 17]. قوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}. قال بعضهم قوله عزيز عليه قال: يشق عليه ركوبكم مراكب الخلاف. قوله تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} الآية. قال ابن عباس: حريص على هدايتكم، لو كانت الهداية إليه مشفق على من اتبعه أن تأتيه نزغة من نزغات الشيطان الرجيم عليه، يستجلب برحمته له رحمة الله إياه. وقال: حريص عليكم أن تبلغوا محل أهل المعرفة. قال جعفر الصادق عليه السلام: علم الله عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك، لكى يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته وأقام بينه وبينهم مخلوقًا من جنسهم فى الصورة، فقال {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ} الآية. وألبسهُ من نعته الرأفة والرحمة وأخرجهُ إلى الخلق سفيرًا صادقًا، وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال: { أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80].

القشيري

تفسير : جاءكم رسولٌ يشاكِلُكم في البشرية، فَلَمَا أفردناه به من الخصوصية ألبسناه لباسَ الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهد العطف والشفقة على جملتكم، قد وَكَلَ هِمَمَه بشأنكم، وأكبرُ هَمِّه إيمانُكم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} اخبر سبحانه عن كريم ميلاده عليه السلام وعظيم ميعاده ومراده وشرف بها امته حيث اختاره منها باصطفائيته رسالته وعظم شانه والحمد لله الذى جعل طيبنته من طينتنا وشرف طينتنا حيث جعلها من طينته وخص جوهر روحه من ارواحنا وشرف ارواحنا حيث كانت مع روحه فى اول بديهة الامر من الله سبحانه واى كرامة اعظم كرامة من ان الله سبحانه جعل نبينا من انفسنا وارسل الينا بالرافة والرحمة واكرم خليقته حيث جعله رحمة للعالمين قال وانك لعلى خلق عظيم قال الخراز اثبت لنفسك خطرا حين قال رسول من انفسمك قال الحسين من اجلكم نفسا واعلامكم همت جاد بالكونين عوضاً عن الحق ما نظر الى الملكوت ولا الى السدرة ما زاغ البصر وما طغى قلبه عن موافقته قال ابن عطا نفسه موافقة لانفس الخلق خلقه ومبائنة لها حقيقة فانها نفس مقدسة بانوار النبوة مؤيدة بمشاهدة الحقائق ثابتة فى المحل الادنى والمقام الاعلى ما زاغ وما طغى ثم زاد فى وصفه بقوله {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} اشتد عليه مخالفتنا مع الحق ومتابعتنا هوناً واحتجابنا عن الحق قال بعضهم شق عليه ركوبكم مراكب الخلاف قال سهل شديد عليه غفلتكم عن الله ولو طرفة عين ثم زاد فى وصفه بقوله {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} اى حريص على محبتكم بمشاهدة الله ومعرفة صفاته وذاته وعلى متابعتكم امر الله رؤف برافة الله بالمؤمنين ورحيم رحمة من الله على الصادقين رؤف باهل الجنايات من المذنبين ورحيم على اهل الطاعات من المقصرين فيها تشفع لاهل الجنايات ويدعوا لاهل الطاعات وهذا من اتصافه بصفة الله حيث البسه انوار عنايته وزينه بلطفه وشفقته قال بعضهم فى قوله حريص عليكم اى على هدايتكم لو كانت الهداية اليه مشفق على من اتبعه ان ياتيه نزعة من نزعات الشيطان رحيم يستجلب برحمته له رحمة الله اياه وقال حريص عليكم ان تبلغوا محل اهل المعرفة قال جعفر الصادق علم الله عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكى تعلموا انهم لا ينالون الصفو من خدمته فاقام بينه وبينهم مخلوقاً من جنسهم فى الصورة فقال لقد جاءكم رسول الاية فالبسه من === الرافة والرحمة واخرجه الى الخلق سفيرا صادقاً وجعل طاعته طاعته ومرافقته موافقته فقال من يطع الرسول فقد اطاع الله ثم افرده عليه السلام لنفسه خاصة بعد ان كان من جنسهم بالصورة فآواه الى نفسه بشهوده عليه فى جميع انفاسه وسلى قلبى باغراضهم عن متابعته بقوله {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} فى امر النبوة وشرف الرسالة وجماله حسبى عن الجملة وقربه ووصاله يكفينى عن بيع مراتب الثقلين لانه بوحدانيته منزه عن الاضداد فنزهنى عن صحبة الخيار بمشاهدة الانوار بوصفه لنفسه {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} اى لا غيرفي البين من العرش الى الثرى {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} لا على نفسى وغيرى فانه عماد المتوكلين وبه يثبت === الصادقين {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} حيث البس العرش انوار قصيرة عظيماً بعظمته عظمته ولولا ذلك لذاب العرش في سبحات وجهه باقل لمحة.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد جاءكم} يحتمل ان يكون الخطاب للعرب والعجم جميعا. فالمعنى بالله قد جاءكم ايها الناس {رسول} اى رسول عظيم الشان والرسول انسان بعثه الله تعالى الى الخلق لتبليغ الاحكام {من أنفسكم} اى من جنسكم آدمى مثلكم لا من الملائكة ولا من غيرهم وذلك لئلا يتنفروا ويمتنعوا من متابعته ويقولوا لا طاقة لنا بمتابعته لانه ليس من جنسنا يؤيده قوله تعالى {أية : قل انما انا بشر مثلكم} تفسير : [الكهف: 110]. وقوله تعالى {أية : لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم} تفسير : [آل عمران: 164]. اذ لفظ المؤمنين عام لكل مؤمن من كل صنف فيكون معنى من انفسهم اى من جنسهم لان الملك وكذا الجن لعدم جنسيته ولكونه غير مدرك بالحواس الخمس لا ينتفع به فاحتاج الى واسطة جنسية ذى جهتين جهة التجرد لتمكن الاستفاضة من جانب القدس وجهة التعلق لتمكن الافاضة الى جانب الخلق وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ومنه يظهر انه لكمال لطافته يمكن ان يستفيض منه الجن ايضا لكونهم اجساما لطيفة ولذا دعاهم دعوة البشر شعر : مشعله افروزشب خاكيان سمع سرا برده افلا كيان تفسير : ويحتمل ان يكون الخطاب للعرب خاصة. فالمعنى بالله قد جاءكم ايتها العرب رسول عربى مثلكم وعلى لغتكم وذلك اقرب الى الالفة وابعد من اللجاجة واسرع الى فهم الحجة فان الارشاد لا يحصل الا بمعرفة اللسان -حكى- ان اربعة نفر عجمى وعربى وتركى ورومى وجدوا فى طريق درهما فاختلفوا فيه ولم يعرف ولم يفهم واحد منهم مراد الآخر فسأل منهم رجل آخر يعرف الالسنة فقال للعربى ايش تريد وللعجمى [جه ميخواهى] مثلا وعلم ان مراد الكل ان يأخذوا بذلك الدرهم عنبا فاخذ العارف الدرهم منهم واشترى لهم عنبا فارتفع الخلاف من بينهم. وقرئ من انفسكم بفتح الفاء اى من اشرفكم وافضلكم من النفاسة وبالفارسية [عزيز شدن] وشيء نفيس اى خطير وذلك لان محمدا صلى الله عليه وسلم ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب وفى كلاب يجتمع نسب ابيه وامه لان امه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب وبنوا هاشم افضل القبائل الى اسماعيل عليه السلام من جهة الخصال الحميدة وكلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر واجمع النسابون على ان قريشا انما تفرقت عن فهر فهو جماع قريش وانما سمى فهر قريشا لانه كان يقرش اى يفتش عن حاجة المحتاج فيسدها بماله وكان بنوه يقرشون اهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم فسموا بذلك قريشا والرفادة طعام الحاج ايام الموسم حتى يتفرقوا فان قريشا كانت على زمن قصى تخرج من اموالها فى كل موسم شيئاً فتدفعه الى قصى فيصنع به طعاما للحاج ياكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد حتى قام بها ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم ولده عبد المطلب ثم ولده ابو طالب وقيل ولده العباس ثم استمر ذلك الى زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك فى الخلفاء الى ان انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر وعن انس بن مالك رضى الله عنه "حديث : حب قريش ايمان وبغضهم كفر " .تفسير : وفى الحديث "حديث : عالم قريش يملأ طباق الارض علما " .تفسير : وعن الامام احمد رحمه الله هذا العالم هو الشافعى لانه لم ينتشر فى طباق الارض من علم علماء قريش من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الامام الشافعى ويجتمع نسبه مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عبد مناف وهو الجد التاسع للشافعى رحمه الله وفى الحديث "حديث : انا انفسكم نسبا وصهرا وحسبا ليس فى آبائى من لدن آدم سفاح كلها نكاح " .تفسير : وذلك لأنه لا يجيء من الزنى ولى فكيف بى والاشارة فيه الى نفاسة جوهره فى اصل الخلقة لانه اول جوهر خلقه الله تعالى وعن ابى هريرة حديث : انه عليه السلام سال جبريل عليه السلام فقال "يا جبريل كم عمرك من السنين" فقال يا رسول الله لست اعلم غير ان فى الحجاب الرابع نجما يطلع كل سبعين الف سنة مرة رأيته اثنين وسبعين الف مرة فقال عليه السلام "يا جبريل وعزة ربى انا ذلك الكوكب" .تفسير : ولما خلق الله آدم جعل نور حبيبه فى ظهره فكان يلمع فى جبينه ثم انتقل الى ولده شيث الذى هو وصيه والثالث من ولده وكانت حواء تلد ذكرا وانثى معا ولم تلد ولدا منفردا الا شيث كرامة لهذا النور ثم انتقل الى واحد بعد واحد من اولاده الى ان وصل الى عبد المطلب ثم الى ابنه عبد الله ثم الى آمنة وكان عليه السلام علة غائية لوجود كل كون فوجوده الشريف وعنصره اللطيف افضل الموجودات الكونية وروحه المطهر امثل الارواح القدسية وقبيلته افضل القبائل ولسانه خير الالسنة وكتابه خير الكتب الالهية وآله واصحابه خير الآل وخير الاصحاب وزمان ولادته خير الازمان وروضته المنورة اعلى الاماكن مطلقا والماء الذى نبع من اصابعه الشريفة افضل المياه مطلقا ثم بعده الافضل ماء زمزم لانه غسل منه صدره عليه السلام ليلة المعراج ولو كان ماء افضل منه يغسل به صدره عليه السلام. ثم ان فى قوله {لقد جاءكم} اشارة الى انه صلى الله عليه وسلم هدية عظيمة من الله تعالى وتحفة جسيمة ولا يعرض عن هدية الله تعالى الا الكافرون والمنافقون: قال حضرة الشيخ العطار قدس سره شعر : خويشتن راخواجه عرصات كفت انما انا رحمة مهداة كفت تفسير : {عزيز عليه ما عنتم} العزيز الغالب الشديد وكلمة ما مصدرية والعنت الوقوع فى امر شاق واشق الامور دخول النار والجملة من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر صفة رسول. والمعنى شديد عليه عنتكم اى ما يلحقكم من المشقة والألم يترك الايمان فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع فى العذاب وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة. قال الكاشفى [وبعضى برلفظ عزيز وقف كرده اند وآنرا صفة رسول دانند ومعنى عليه ما عنتم برين فرود آرندكه براست آنجه بكنيد ازكناه يعنى اعتذار آن برويست در روز قيامت بشفاعت تدارك آن خواهد نمود ودرين معنى كفته اند] شعر : نماند بعصيان كسى دركرو كه دارد جنين سيدى بيش رو اكر دفترت ازكنه باك نيست جو او عذر خواهت بودباك نيست تفسير : {حريص عليكم} اى على ايمانكم وصلاح احوالكم اذ من البين انه عليه السلام ليس حريصا على ذواتهم والحرص شدة الطلب للشيء مع اجتهاد فيه كما فى تفسير الحدادى {بالمؤمنين} متعلق بقوله {رؤوف رحيم} قدم الابلغ منهما وهو الرؤف لان الرأفة شدة الرحمة مع ان مقام المدح يقتضى الترقى من الفاضل الى الافضل محافظة على الفواصل وقدم بالمؤمنين على متعلقه وهو رؤف ليفيد الاختصاص اى لا رأفة ولا رحمة الا بالمؤمنين واما الكفار فليس له عليهم رأفة ولا رحمة. قال فى التأويلات النجمية {بالمؤمنين رؤف رحيم} لتربيتهم فى الدين المتين بالرفق كما قال عليه السلام "حديث : ان هذا الدين متين فاوغلوا فيه بالرفق وبالرحمة يعفو عن سيآتهم " .تفسير : كما امره الله تعالى بقوله {أية : فاعف عنهم واصفح} تفسير : [المائدة: 13]. وفى قوله {أية : ان الله بالناس لرءوف رحيم} تفسير : [البقرة: 143]. دقيقة لطيفة شريفة وهى ان النبى صلى الله عليه وسلم لما كان مخلوقا كانت رأفته ورحمته مخلوقة فصارت مخصوصة بالمؤمنين لضعف الخلقة وان الله تعالى لما كان خالقا كانت رأفته ورحمته قديمة فكانت عامة للناس لقوة خالقيته كما قال {أية : ورحمتى وسعت كل شيء} تفسير : [الأعراف: 156]. فمن تداركته الرافة والرحمة الخالقية من الناس قابلا للرأفة والرحمة النبوية لانها كانت من نتائج الرأفة والرحمة الخالقية كما قال {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم} تفسير : [آل عمران: 159] انتهى كلام التأويلات. قال بعض الحكماء ان الله تعالى خلق محمدا اى روحه وجعل له صورة روحانية كهيئته فى الدنيا فجعل رأسه من البركة وعينيه من الحياء واذنيه من العبرة ولسانه من الذكر وشفتيه من التسبيح ووجهه من الرضى وصدره من الاخلاص وقلبه من الرحمة وفؤاده من الشفقة وكفيه من السخاوة وشعره من نبات الجنة وريقه من عسل الجنة ألا ترى انه تفل فى بئر رومة فى المدينة وكان ماؤها زعاقا فصار عذبا ولما اكمله بهذه الصفات ارسله الى هذه الامة -روى- حديث : انه لما مات ابو طالب ونالت قريش من النبى عليه السلام ما لم تكن نالته منه فى حياته خرج الى الطائف وهو مكروب مشوش الخاطر مما لقى من قريش من قرابته وعترته خصوصا من عمه ابى لهب وزوجته ام جميل حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب يقولون له انت الذى جعلت الآلهة الها واحدا فجعل ابو بكر يضرب هذا ويدفع هذا ويقول أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وكان خروجه فى شوال سنة عشرة من النبوة وحده وقيل معه مولاه زيد بن حارثة رضى الله عنه يلتمس من ثقيف الاسلام رجاء ان يسلموا وان يناصروه على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه وكان ثقيف اخواله عليه السلام فلما انتهى الى الطائف عمد الى اشراف ثقيف وكانوا اخوة ثلاثة فجلس اليهم وكلمهم فيما جاءهم به فقال احدهم هو يقطع ثياب الكعبة ولا يسرقها وقال آخر ما وجد الله احدا يرسله غيرك وقال له الثالث والله لا اكلمك ابدا لئن كنت رسولا من عند الله كما تقول لانت اعظم خطرا اى قدرا من ان ارد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى ان اكلمك فقام عليه السلام من عندهم مأيوسا وقال لهم اكتموا على وكره ان يبلغ قومه ذلك فيشتد امرهم عليه وقالوا له عليه السلام اخرج من بلدنا وسلطوا عليه سفهاءهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه فلما مر عليه السلام بين الصفين دقوا رجليه بالحجارة حتى ادموهما وشجوا رأس زيد فلما خلص ورجلاه يسيلان دما عمد الى بستان فاستظل فى شجرة كرم ودعا بقوله "اللهم انى اشكو اليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا ارحم الراحمين انت رب المستضعفين وانت ربى الى من تكلنى ان لم يكن لك غضب على فلا ابالى" ثم انطلق عليه السلام وهو مهموم حتى اتى بقرن الثعالب وهو ميقات اهل نجد او اليمن وبينه وبين مكة يوم وليلة فارسل الله تعالى جبريل ومعه ملك الجبال فقال ان شئت اطبقت على ثقيف هذين الجبلين فقال عليه السلام (بل ارجو ان يخرج الله من اصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئاً) وعند ذلك قال له عليه السلام ملك الجبالة انت كما سماك ربك رؤف رحيمتفسير : : وفى المثنوى شعر : بندكان حق رحيم وبر دبار خوى حق دارنددر اصلاح كار[1] مهربان بى رشوتان يارى كران در مقام سخت ودر روز كران اى سليمان درميان زاغ وباز حلم حق شو باهمه مرغان بساز[2] اى دوصد بلقيس حلمت رازبون كه اهد قومى انهم لا يعلمون صد هزاران كيميا حق آفريد كيميائى همجو صبر آدم نديد[3] تفسير : نسأل الله سبحانه ان يلحقنا باهل الحلم والكرم ويزكينا من سوء الاخلاق والشيم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "عزيز": صفة "الرسول"، و"عنتم": فاعله، و"ما": مصدرية، أي: عزيز عليه عَنَتُكُم، أو عزيز: خبر مقدم، و"ما عنتم" مبتدأ، والعنت: المشقة والتعب. يقول الحق جل جلاله: مخاطباً العرب، أو قريش، أو جميع بني آدم: {لقد جاءكم رسولٌ من أنفسِكم}؛ محمدٌ صلى الله عليه وسلم، أي: من قبيلتكم، بحيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته، وتفهمون خطابه، أو من جنسكم من البشر. وقرأ ابن نشيط: بفتح الفاء، أي: من اشرافكم. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةًَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشاً مَنْ كِنَانَةَ، واصْطَفَى بَنِي هَاشِم مِنْ قُريْشٍ، واصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم، فأنا مُصْطَََفى من مُصْطَفَيْن " تفسير : {عزيزٌ عليه}، أي: شديد شاق عليه {ما عَنِتُّمْ} أي: عنتكم ومشقتكم ولقاؤكم المكروه في دينكم ودنياكم. {حريصٌ عليكم} أي: على إيمانكم وسعادتكم وصلاح شأنكم، {بالمؤمنين} منكم ومن غيركم {رؤوف رحيم} أي: شفيق بهم، قدَّم الأبلغ منهما؛ لأن الرأفة شدة الرحمة؛ للفاصلة. وسمى رسوله هنا باسمين من أسمائه تعالى. {فإن تولَّوا} عن الإيمان بك، بعد هذه الحالة المشهورة، التي منَّ الله عليهم بها، {فقلْ حسبيَ اللهُ} أي: كافيني أمركم؛ فإن قلت ذلك يكفيك شأنهم ويعنيك عليهم، أو فإن أعرضوا فاستعن بالله وتوكل عليه، فإنه كافيك، {لا إله إلا هو}؛ فلا يُتوكل إلا عليه، {عليه توكلتُ}؛ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه، {وهو ربُّ العرش العظيم}، أي: المُلك العظيم، أو الجسم الأعظم المحيط، الذي تنزل منه الأحكام والمقادير. وعن أُبي: آخر ما نزل هاتان الآيتان. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما نَزَل القرآنُ عليَّ إلا آية آيةً، وحرفاً حرفاً، ما خَلاَ سورة براءة،تفسير : و {قل هو الله أحد} فإنهما أُنْزِلَتَا عليَّ ومَعَهُمَا سْبعون ألف صفٍ من الملائكة". قاله البيضاوي وهاتان الآيتان أيضاً مما وجدَتَا عند خزيمة بن ثابت، بعد جمع المصحف، فألحقتا في المصحف، بعد تذكير الصحابة لهما وإجماعهم عليهما. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لورثته ـ عليه الصلاة والسلام ـ الداعين إلى الله، أن يتخلقوا بأخلاقه صلى الله عليه وسلم، فيشق عليهم ما ينزل بالمؤمنين من المشاق والمكاره، وييسرون ولا يعسرون عليهم، ويحرصون على الخير للناس كافة، ويبذلون جهدهم في إيصاله إليهم، ويرحمونهم ويشفقون عليهم، فإن ادبروا عنهم استغنوا بالله وتوكلوا عليه، وفوضوا أمرهم إليه، من غير أسف ولا حزن. وقال الورتجبي: قوله تعالى: {عزيز عليه ما عنتم}، اشتد عليه مخالفتنا مع الحق، ومتابعتنا هوانا واحتجابنا عن الحق. قال بعضهم: شق عليه ركوبكم مراكب الخلاف. قال سهل: شديد عليه غفلتكم عن الله وهو طرفة عين. ثم قال في قوله تعالى: {فإن تولوا فقل حسبي الله...} الآية: سَلى قلبه بإعراضهم عن متابعته، مع كونه حريصاً على هدايتهم، أي: ففي الله كفاية عن كل غير وسِوى. قال القشيري: أمَره أن يَدْعُو الخَلْقَ إلى التوحيد، ثم قال له: فإِنْ أَعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا، بنعت التجريد. ويقال: قال له: {يا أيها النبي حسبك الله}، ثم أمره أن يقول: حسبي الله. قوله تعالى: {حسبك}: عين الجمع، وقوله: {حسبي الله} فَرْق، بل هو الجمع، أي: قُلْ، ولكن بنا تقول، فنحن المتولون عنك وأنت مُستَهْلَكٌ في عين التوحيد؛ فأنت بنا، ومَحْوٌ عن غيرنا. هـ. وبالله التوفيق. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الطوسي

تفسير : أقسم الله تعالى في هذه الآية بأنه قد {جاءكم رسول من أنفسكم} لان لام {لقد} هي اللام التي يتلقى بها القسم. والخطاب متوجه إلى جميع الخلق. ومعنى {من أنفسكم} أي انكم ترجعون إلى نفس واحدة كما قال {أية : قل إنما أنا بشر مثلكم } تفسير : ويحتمل ان يكون المراد به من العرب انكم كذلك. ويكون - على هذا - الخطاب متوجها إلى العرب خاصة، فأنتم تخبرونه قبل مبعثه. وقيل: إنه لم يبق بطن من العرب إلا وولد النبي صلى الله عليه وآله وإنما ذكر ذلك لانه أقرب إلى الالفة، وأبعد من المحك واللجاج، واسرع إلى فهم الحجة، فهو من انفسكم في اشرف نسبه منكم، ومن أنفسكم في القرب منكم، ومن انفسكم بالاختصاص بكم. وقوله {عزيز عليه} أي شديد عليه لأنه لا يقدر على ازالته، والعزيز في صفات الله معناه المنيع القادر الذي لا يتعذر عليه فعل ما يريده. والعزة امتناع الشيء بما يتعذر معه ما يحاول منه، وهو على ثلاثة أوجه: امتناع الشيء بالقدرة أو بالقلة أو بالصعوبة. وقوله {ما عنتم} يعني ما يلحقكم من الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدى للخروج منه. ومنه قيل: فلان يعنت في السؤال، ومنه قوله تعالى {أية : ولو شاء الله لأعنتكم} تفسير : أي ضيق عليكم حتى لا تهتدوا للخروج منه، والعنت إلقاء الشدة. و (ما) في قوله {ما عنتم} بمعنى الذي، وهو في موضع رفع بالابتداء وخبره {عزيز} قدّم عليه. وقال الفراء: هو رفع بـ {عزيز}. وقوله {حريص عليكم} فالحرص شدة الطلب للشيء على الاجتهاد فيه. والمعنى: حريص عليكم ان تؤمنوا - في قول الحسن - ثم استأنف فقال {بالمؤمنين رؤوف رحيم} أي رفيق بهم رحيم عليهم.

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم بشر او عرب او انسان كامل على ان يكون الخطاب للائمّة، وقرئ من انفسكم بفتح الفاء اى من اشرفكم {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} عنتكم {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} على حفظكم وايمانكم {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} التفات من الخطاب الى الغيبة، ووضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم، وعلى تخصيص الخطاب بالائمّة فالتّصريح بالمؤمنين للتّعميم كما ورد عنهم انّ من انفسكم فينا، وعزيز عليه ما عنتّم فينا، وحريص عليكم فينا، وبالمؤمنين رؤف رحيم شركنا المؤمنون فى هذه الرّابعة.

الهواري

تفسير : قوله: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} يعني النبي صلى الله عليه وسلم. [قال السدي: أي: من جنسكم] { عَزِيزٌ عَلَيْهِ} أي شديد عليه { مَا عَنِتُّمْ} أي: ما ضاق بكم. وقال الحسن: ما ضاق بكم في دينكم. { حَرِيصٌ عَلَيْكُم} أي: على أن تؤمنوا. { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: إنما يرأف بالمؤمنين الذين تجب لهم الرأفة، ولا يرأف بغيرهم ممن نزع الله الرأفة عنهم. قوله: { فَإِن تَوَلَّوْا} أي: أعرضوا عن الله وعما بعث به رسوله { فَقُلْ}: يا محمد { حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}. ذكروا عن ابن عباس قال: لا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه. ذكروا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: إن آخر القرآن بالسماء عهاً هاتان الآيتان: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ}.

اطفيش

تفسير : {لَقدْ جَاءكُم رسُولٌ مِنْ أنفُسِكم} أو من جنسكم العربى القريشى، ومن جنسكم العربى، ويعلمون أنهم من ولد إسماعيل، ولا قبيلة من العرب إلا وفيها نسبه صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن عباس، وما أصاب نسبه سفاح، إن هو إلا عقد كعقد الإسلام فانصروه أيها العرب، فشرفه شرف لكم، فحاسده كحاسد نفسه، وليس بأدناكم فتقولوا إنه ليس بأهل لذلك، مع أن الله هو الذى يعلم حيث يجعل الرسالة. وروى أنه لبّ بنى هاشم الذين هم لبّ قريش، الذين هم لبّ كنانة الذين هم لبّ ولد إسماعيل وهكذا إلى آدم، وأن ربيعة ومضر من ولد معد بن عدنان، وإليه تنسب قريش، وآمنة ولو كانت قريشية لكنها لها نسب فى الأنصار، والأنصار من اليمن من ولد قحطان، ومع أنه من نسبكم قد جمع ذلك الشرف، وقد قرأ عبد الله بن فسيط بفتح الفاء: من أشرفكم وأفضلكم، ورويت هذه القراءة عن فاطمة أيضا، ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر أبو عمرو، وفى ذلك كله منة على العرب، وقال الزجاج: لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم، أى جنسكم الآدمى، ولو كان من الملائكة لضعفتم عن الأخذ عنه. {عَزيزٌ} أى شديد نعت لرسول {عَليهِ} متعلق بعزيز {مَا} مصدرية {عَنِتُّم} أى تعبتم، والمصدر فاعل عزيز، أى شديد عليه عنتكم، أى يشق عليه أن تلقوا مكروها كجهنم، وقتل وأسر، أو عزيز خبر مقدم، والمصدر مبتدأ والجملة نعت. {حَريصٌ عليْكُم} على هدايتكم فى أمر الدين والدنيا {بالمؤمِنينَ} متعلق بقوله: {رَءوفٌ} وأسقط الأعمش وأهل الكوفة وأبو عمرو الواو {رَحيمٌ} الرأفة أشد الرحمة، وأبلغ فى الشفعة، وأرق، وقدمها للفاصلة، وإلا فالصفة العامة قبل الخاصة مثل: زيد متكلم فصيح، ولم يجمع الله سبحانه اسمين من أسمائه تعالى لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال: {رءوف رحيم} قاله الحسين ابن الفضل، ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم: الماحى، لأنه يمحو الكفر، والحاشر لأنه يحشر الناس على قدمه، والعاقب لأنه آخر الأنبياء.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ جَاءكُمْ} الخطاب للعرب {رَّسُولٍ} أي رسول عظيم القدر {مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من جنسكم ومن نسبكم عربـي مثلكم، أخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبـي صلى الله عليه وسلم مضريها وربيعتها ويمانيها، وقيل: الخطاب للبشر على الإطلاق ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام من أنفسهم أنه من جنس البشر، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن محيصن والزهري {أَنفُسَكُـمْ} أفعل تفضيل من النفاسة، والمراد الشرف فهو صلى الله عليه وسلم من أشرف العرب، أخرج الترمذي وصححه والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: «من أنا»؟ قالوا: أنت رسول الله قال: «حديث : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً فأنا خيركم بيتاً وخيركم نفساً»تفسير : وأخرج البخاري والبيهقي في «الدلائل» عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه»تفسير : وأخرج مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». وروى البيهقي عن أنس «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله تعالى في خيرهما فأخرجت من بني أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبـي وأمي فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً» تفسير : . {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} أي شديد شاق من عز عليه بمعنى صعب وشق {مَا عَنِتُّمْ} أي عنتكم، وهو بالتحريك ما يكره، أي شديد عليه ما يلحقكم من المكروه كسوء العاقبة والوقوع في العذاب، ورفع {عَزِيزٌ} على أنه صفة سببية لرسول وبه يتعلق {عَلَيْهِ}، وفاعله المصدر وهو الذي يقتضيه ظاهر النظم الجليل، وقيل: إن {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} خبر مقدم و {مَا عَنِتُّمْ} مبتدأ مؤخر والجملة في موضع الصفة، وقيل: إن (عزيز) نعت حقيقي لرسول وعنده تم الكلام و (عليه ما عنتم) ابتداء كلام أي يهمه ويشق عليكم عنتكم {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي على إيمانكم وصلاح شأنكم لأن الحرص لا يتعلق بذواتهم {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} منكم ومن غيركم {رَءوفٌ رَّحِيمٌ} قيل: قدم الأبلغ منهما وهو الرأفة التي هي عبارة عن شدة الرحمة رعاية للفواصل وهو أمر مرعي في القرآن، وهو مبني على ما فسر به الرأفة، وصحح أن الرأفة الشفقة، والرحمة الإحسان، وقد يقال: تقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع والأول أهم من الثاني ولهذا قدمت في قوله سبحانه: {أية : رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا }تفسير : [الحديد: 27] ولا يجري هنا أمر الرعاية كما لا يخفى، وكأن الرأفة على هذا مأخوذة من رفو الثوب لإصلاح شقه، فيكون في وصفه صلى الله عليه وسلم بما ذكر وصف له بدفع الضرر عنهم وجلب المصلحة لهم، ولم يجمع هذان الإسمان لغيره عليه الصلاة والسلام، وزعم بعضهم أن المراد رؤوف بالمطيعين منهم رحيم بالمذنبين، وقيل: رؤوف / بأقربائه رحيم بأوليائه، وقيل: رؤوف بمن يراه رحيم بمن لم يره ولا مستند لشيء من ذلك.

ابن عاشور

تفسير : كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من أهل المدينة ومن الأعراب، وأمْراً للمؤمنين بالجهاد، وإنحاء على المقصرين في شأنه. وتخلل ذلك تنويه بالمتصفين بضد ذلك من المؤمنين الذين هاجروا والذين نصروا واتبعوا الرسول في ساعة العسْرة. فجاءت خاتمة هذه السورة آيتين بتذكيرهم بالمنة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم والتنويه بصفاته الجامعة للكمال. ومن أخصها حرصهُ على هداهم، ورغبته في إيمانهم ودخولِهم في جامعة الإسلام ليكون رؤوفاً رحيماً بهم ليعلموا أن ما لقيه المعرضون عن الإسلام من الإغلاظ عليهم بالقول والفعل ما هو إلا استصلاح لحالهم. وهذا من مظاهر الرحمة التي جعلها الله تعالى مقارنة لبعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107]، بحيث جاء في هاتين الآيتين بما شأنه أن يزيل الحرج من قلوب الفرق التي نزلت فيهم آيات الشدة وعوملوا بالغلظة تعقيباً للشدة بالرفق وللغلظة بالرحمة، وكذلك عادة القرآن. فقد انفتح بهاتين الآيتين باب حظيرة الإيمان والتوبة ليدخلها من وفقه الله إليها. فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً. وفي وقوعها آخر السورة ما يكسبها معنى التذييل والخلاصة. فالخطاب بقوله: {جاءكم} وما تبعه من الخطاب موجه إلى جميع الأمة المدعوة للإسلام. والمقصود بالخطاب بادىء ذي بدء هم المعرضون من المشركين والمنافقين من العرب بقرينة قوله عقب الخطاب {بالمؤمنين رءوف رحيم} وسيجيء أن المقصود العرب. وافتتاحها بحرفَيْ التأكيد وهما اللام و(قد) مع كون مضمونها مما لا يتطرق إليه الإنكار لقصد الاهتمام بهذه الجملة لأهمية الغرض الذي سيقت لأجله وهو الذي سنذكره، ولأن فيما تضمنته ما ينكره المنافقون وهو كونه رسولاً من الله، ولأن في هذا التأكيد ما يجعل المخاطبين به منزَّلين منزلة المنكرين لمجيئه من حيث إنهم لم ينفعوا أنفسهم بهذا المجيء، ولأن في هذا التأكيد تسجيلاً عليهم مراداً به الإيماء إلى اقتراب الرحيل، لأنه لما أعيد الإخبار بمجيئه وهو حاصل منذ أعوام طويلة كان ذلك كناية عن اقتراب انتهائه، وهو تسجيل منه على المؤمنين، وإيداع للمنافقين ومن بقي من المشركين. على أن آيات أخرى خوطب بها أهل الكتاب ونحوهم فأكدت بأقل من هذا التأكيد كقوله تعالى: {أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}تفسير : [المائدة: 15] وكقوله تعالى: {أية : يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً}تفسير : [النساء: 174] فما زيدت الجملة في هذه السورة مؤكدة إلا لغرض أهم من إزالة الإنكار. والمجيء: مستعمل مجازاً في الخطاب بالدعوة إلى الدين. شبه توجهه إليهم بالخطاب الذي لم يكونوا يترقبونه بمجيء الوافد إلى الناس من مكان آخر. وهو استعمال شائع في القرآن. والأنفس: جمع نفْس، وهي الذات. ويضاف النفس إلى الضمير فيدل على قبيلة معاد الضمير، أي هو معدود من ذوي نسبهم وليس عداده فيهم بحلف أو ولاء أو إلصاق. يقال: هو قريشي من أنفسهم، ويقال: القريشي مولاهم أو حليفهم، فمعنى {من أنفسكم} من صميم نسبكم، فتعين أن الخطاب للعرب لأن النازل بينهم القرآن يومئذٍ لا يَعدون العربَ ومن حالفهم وتولاهم مثلَ سلمانَ الفارسي وبلالٍ الحبشي، وفيه امتنان على العرب وتنبيه على فضيلتهم، وفيه أيضاً تعريض بتحريضهم على اتباعه وترك مناواته وأن الأجدر بهم الافتخار به والالتفاف حوله كما قال تعالى في ذكر القرآن{أية : وإنه لذكر لك ولقومك}تفسير : [الزخرف: 44] أي يبقى منه لكم ذكر حسن. والعزيز: الغالب. والعزة: الغلبة. يقال عزّه إذا غلبه. ومنه {أية : وعزني في الخطاب}تفسير : [ص: 23]، فإذا عُدي بعلى دل على معنى الثقل والشدة على النفس. قال بشر بن عوانة في ذكر قتله الأسد ومصارعته إياه:شعر : فقلتُ له يعزُّ عليَّ أني قتلت مناسبي جلداً وقهراً تفسير : و{ما} مصدرية. و{عنتم}: تعبتم. والعنت: التعب، أي شاق عليه حزنكم وشقاؤكم. وهذا كقوله: {أية : لعلّك باخِع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 3] وذكرُ هذا في صفة الرسول عليه السلام يفيد أن هذا خُلق له فيكون أثر ظهوره الرفق بالأمة والحذر مما يلقي بهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة. ومن آثار ذلك شفاعته للناس كلهم في الموقف لتعجيل الحساب. ثم إن ذلك يومىء إلى أن شرعه جاء مناسباً لخُلقه فانتفى عنه الحرج والعسر قال تعالى: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185] وقال: {أية : وما جعل عليكم في الدين من حرج}تفسير : [الحج: 78]. والعدول عن الإتيان بلفظ العنت الذي هو المصدر الصريح إلى الإتيان بالفعل مع (ما) المصدرية السابكة للمصدر نكتة. وهي إفادة أنه قد عز عليه عنتهم الحاصل في الزمن الذي مضى، وذلك بما لقوه من قتْل قومهم، ومن الأسر في الغزوات، ومن قوارع الوعيد والتهديد في القرآن. فلو أتي بالمصدر لم يكن مشيراً إلى عنتٍ معيَّن ولا إلى عنت وقع لأن المصدر لا زمَان له بل كان محتملاً أن يعز عليه بأن يجنبهم إياه، ولكن مجيء المصدر منسبكاً من الفعل الماضي يجعله مصدراً مقيداً بالحصول في الماضي، ألا ترى أنك تقدره هكذا: عزيز عليه عنتكم الحاصل في ما مضى لتكون هذه الآية تنبيهاً على أن ما لقوه من الشدة إنما هو لاستصلاح حالهم لعلهم يخفضون بعدها من غلوائهم ويرعوون عن غيهم ويشعرون بصلاح أمرهم. والحرص: شدة الرغبة في الشيء والجشعُ إليه. ولما تعدى إلى ضمير المخاطبين الدال على الذوات وليست الذوات هي متعلق الحرص هنا تعين تقدير مضاف فُهم من مقام التشريع، فيقدر: على إيمانكم أو هَدْيكم. والرؤوف: الشديد الرأفة. والرحيم: الشديد الرحمة، لأنهما صيغتا مبالغة، وهما يتنازعان المجرور المتعلق بهما وهو {بالمؤمنين}. والرأفة: رقة تنشأ عند حدوث ضر بالمرءُوف به. يقال: رؤوف رحيم. والرحمة: رقة تقتضي الإحسان للمرحوم، بينهما عموم وخصوص مطلق، ولذلك جمع بينهما هنا ولوازمُهما مختلفة. وتقدمت الرأفة عند قوله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم}تفسير : في سورة البقرة (143) والرحمة في سورة الفاتحة (3). وتقديم المتعلِّق على عامليه المتنازِعَيْنه في قوله: {بالمؤمنين رءوف رحيم} للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتيْ رأفته ورحمته بهم. وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107] فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم. والفاء في قوله: {فإن تولوا} للتفريع على إرسال النبي صلى الله عليه وسلم صاحب هذه الصفات إليهم فإن صفاته المذكورة تقتضي من كل ذي عقل سليم من العرب الإيمان به واتباعه لأنه من أنفسهم ومحب لخيرهم رؤوف رحيم بمن يتبعه منهم، فتفرع عليه أنهم محقوقون بالإيمان به فإن آمنوا فذاك وإن لم يؤمنوا فإن الله حسيبه وكافيه. وقد دل الشرط على مقابله لأن {فإن تولوا} يدل على تقدير ضده وهو إن أذعنوا بالإيمان. وبعد التفريع التفت الكلام من خطاب العرب إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بما كان مقتضى الظاهر أن يخاطَبُوا هُم به اعتماداً على قرينة حرف التفريع فقيل له: {فإن تولوا فقل حسبي الله}. والتقدير: فإن توليتم عنه فحسبه الله وقل حسبي الله. فجيء بهذا النظم البديع الإيجاز مع ما فيه من براعة الإيماء إلى عدم تأهلهم لخطاب الله على تقدير حالة توليهم. والتولي: الإعراض والإدبار: وهو مستعار هنا للمكابرة والعناد. والحسْب: الكافي، أي كافيك شر إعراضهم لأنهم إن أعرضوا بعد هذا فقد أعرضوا عن حسد وحنق. وتلك حالة مظنة السعي في الكيد والأذى. ومعنى الأمر بأن يقول: {حسبي الله} أن يقول ذلك قولاً ناشئاً عن عقد القلب عليه، أي فاعلم أن حسبك الله وقُل حسبي الله، لأن القول يؤكد المعلوم ويرسخه في نفس العالم به، ولأن في هذا القول إبلاغاً للمعرضين عنه بأن الله كافيه إياهم. والتوكل: التفويض. وهو مبالغة في وَكَل. وهذه الآية تفيد التنويه بهذه الكلمة المباركة لأنه أمر بأن يقول هذه الكلمة بعيْنِها ولم يؤمَر بمجرد التوكل كما أمر في قوله: {أية : فتوكل على الله إنك على الحق المبين}تفسير : [النمل: 79]. ولا أخبر بأن الله حسبه مجردَ إخبار كما في قوله: {أية : فإن حسبك الله}تفسير : [الأنفال: 62]. وجملة: {لا إله إلا هو} مستأنفة للثناء، أو في موضع الحال وهي ثناء بالوحدانية. وعطفت عليها جملة: {وهو رب العرش العظيم} للثناء بعظيم القدرة لأن من كان رباً للعرش العظيم ثبت أنه قدير، لأنه قد اشتهر أن العرش أعظم المخلوقات، ولذلك وصف بالعظيم، فالعظيم في هذه الآية صفة للعرش، فهو مجرور. وفي هاتين الآيتين إشعار بالإيداع والإعذارِ للناس، وتنبيه إلى المبادرة باغتنام وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ليتشرفوا بالإيمان به وهم يشاهدونه ويقتبسون من أنوار هديه، لأن الاهتداء بمشاهدته والتلقي منه أرجى لحصول كمال الإيمان والانتفاع بقليل من الزمان لتحصيل وافر الخير الذي لا يحصل مثله في أضعاف ذلك الزمان. وفيهما أيضاً إيماء إلى اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم لأن التذكير بقوله: {لقد جاءكم} يؤذن بأن هذا المجيء الذي مضى عليه زمن طويل يوشك أن ينقضي، لأن لكل وارد قفولاً، ولكل طالع أفولاً. وقد روي عن أبَيْ ابن كعب وقتادة أن هاتين الآيتين هما أحدث القرآن عهداً بالله عز وجل، أي آخرُ ما نزل من القرآن. وقيل: إن آخر القرآن نزولاً آية الكلالة خاتمةُ سورة النساء. وقيل آخره نزولاً قوله: {أية : واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفَّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} تفسير : من سورة البقرة (281). في صحيح البخاري من طريق شعيب عن الزهري عن ابن السباق عن زيد ابن ثابت في حديث جمع القرآن في زمن أبي بكر رضي الله عنه قال زيد: «حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم} إلى آخرهما. ومن طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري مع أبي خزيمة الأنصاري. ومعنى ذلك أنه بحث عن هاتين الآيتين في ما هو مكتوب من القرآن فلم يجدهما وهو يعلم أن في آخر سورة التوبة آيتين خاتمتين أو هو يحفظهما (فإن زيداً اعتنى في جمع القرآن بحفظه وبتتبع ما هو مكتوب بإملاء النبي صلى الله عليه وسلم وبقراءة حفاظ القرآن غيره) فوجد خزيمة أو أبا خزيمة يحفظهما. فلما أمْلاهما خزيمة أو أبو خزيمة عليه تذكّر زيد لفظهما وتذكّرهما مَن سمعهما من الصحابة حين قرأوهما، كيف وقد قال أبَيّ بن كعب: إنهما آخر ما أنزل، فلفظهما ثابت بالإجماع، وتواترهما حاصل إذ لم يشك فيهما أحد وليس إثباتهما قاصراً على إخبار خزيمة أو أبي خزيمة.

الشنقيطي

تفسير : هذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية شفقته علينا هو أعظم منن الله تعالى، وأجزل نعمه علينا، وقد بين ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِم}تفسير : [آل عمران: 164] الآية: وقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَار}تفسير : [إبراهيم: 28] وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} من العرب من بني إسماعيل ليفهموا منه {عزيز عليه ما عنتم} شديدٌ عليه مشقَّتكم وكلُّ مضرَّة تُصيبكم {حريص عليكم} أن تؤمنوا. وهذا خطابٌ للكفَّار ومَنْ لم يؤمن به، ثمَّ ذكر أنَّه {بالمؤمنين رؤوف رحيم}. {فإن تولوا} أعرضوا عن الإِيمان. يعني: المشركين والمنافقين {فقل حسبي الله} أَيْ: الذي يكفيني الله {لا إله إلاَّ هو عليه توكلت} وبه وثقت {وهو رب العرش العظيم} خصَّ بالذِّكر لأنه أعظم ما خلق الله عزَّ وجلَّ.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 128- لقد جاءكم - أيها الناس - رسول من البشر مثلكم فى تكوينه، يشق عليه ما يصيبكم من الضرر، وهو حريص على هدايتكم، وبالمؤمنين عظيم العطف والرحمة. 129- فإن أعرضوا عن الإيمان بك - أيها الرسول - فلا تحزن لإعراضهم، واعتز بربك، وقل: يكفينى اللَّه الذى لا إله غيره، عليه - وحده - توكلت، وهو مالك الملك، ورب الكون، وصاحب السلطان العظيم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: رسول من أنفسكم: أي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من جنسكم عربي. عزيز عليه: أي شاق صعب. ما عنتم: أي ما يشق عليكم ويصعب تحمله. حريص عليكم: أي حريص على هدايتكم وما فيه خيركم وسعادتكم. رؤوف: شفيق. رحيم: يرق ويعطف ويرحم. فإن تولوا: أي أعرضوا عن دين الله وما جئت به من الهدى. حسبي الله: أي كافيّ الله. لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا هو. توكلت: أي فوضت أمري إليه واعتمدت عليه. رب العرش العظيم: عرش الله تعالى لا أعظم منه إلا خالقه عز وجل إذ كرسيه تعالى وسع السماوات والأرض ونسبة الكرسي إلى العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة. معنى الآيتين الكريمتين: في ختام سورة التوبة يقول الله تعالى لكافة العرب: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} أي كريم عظيم {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} عدناني قرشي هاشمي مُطَّلِبي تعرفون نسبه وصدقه وأمانته. {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يشق عليه ما يشق عليكم ويؤلمه ما يؤلمكم لأنه منكم ينصح لكم نصح القوميّ لقومه. {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي على هدايتكم وإكمالكم وإسعادكم. {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} منكم ومن غيركم من سائر الناس {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي شفوق عطوف يحب رحمتهم وإيصال الخير لهم. إذاً فآمنوا به واتبعوا النور الذي جاء به تهتدوا وتسعدوا ولا تكفروا فتضلوا وتشقوا. وقوله تعالى {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي أعرضوا عن دعوتك فلا تأْسَ وقل حسبي الله أي يكفيني ربي كل ما يهمني {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا معبود بحق سواه لذا فإني أعبده وأدعو إلى عبادته، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} أي في شأني كله {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان مِنَّةَ الله تعالى على العرب خاصة وعلى البشرية عامة ببعثه خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم. 2- بيان كمال أخلاقه صلى الله عليه وسلم. 3- وجوب التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه في كل شيء يقوم به العبد. 4- عظمة عرش الرحمن عز وجل.

القطان

تفسير : من انفسكم: من جنسكم. عزيز عليه ما عنتم: يشق عليه ما يصيبكم من مكروه. الحرص على الشيء: شدة الرغبة فيه. لقد جاءكم ايها العرب رسول من جنسكم، يشق عليه ما يصيبكم من الضرر. وهو حريص على هدايتكم، ولا يلقي بكم في المهالك، وهو شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين فهو حريص عليكم ان يكون لكم شرف حمل الدعوة، وحظ رضوان الله، والجنة التي وعد بها المتقون. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}. فان أعرضوا عن الإيمان بك، فَلا تحزن لإعراضهم، وقل يكفيني الله الذي لا آله غيره. فتوكَّلْ عليه، فإليه تنتهي القوة والملك والعظمة والجاه، وهو حسب من لاذ به، وحسبُ من والاه، هو مالك الملك ورب الكون وصاحب السلطان العظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : (128) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى المُؤْمِنينَ بِأَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولاً مِنْ جِنْسِهِمْ وَلُغَتِهِمْ وَقَوْمِهِمْ (مِنْ أَنْفُسِهِمْ)، يَعِزُّ عَلَيْهِ وَيَصْعُبُ الشَّيْءُ الذي يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَيَزِيدُهُمْ عَنَتاً، وَشَرِيعَتُهُ كُلُّها يُسْرٌ وَسَمَاحَةٌ وَكَمَالٌ، عَلَى مَنْ أرَادَها يُسْراً وَسَمَاحَةًُ، وَهُوَ حَرِيصٌ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَصَلاحِ حَالِهِمْ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ شَدِيدُ الرَأْفَةِ وَالرَحْمِةِ بالمؤمنينَ. عَزِيزٌ عَلَيهِ - صَعْبٌ عَلَيهِ وَشَاقٌّ. مَا عَنِتُّمْ - عَنَتُكُمْ وَمَشَقَّتُكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ هنا أن الحق قد نسب المجيء هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: جئتكم برسول. وكلنا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت من عند نفسه، ولم يدع هذا الأمر الجليل لنفسه، ولكن الشحنة الإيمانية تفيد أنه خلق بما يؤهله للرسالة، وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعاً ذاتيّاً لأداء الرسالة، ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة؛ لذلك أراد الحق سبحانه أن يثبت للرسول صلى الله عليه وسلم المجيء ذاتيّاً، ولكن هذا المجيء الذاتي ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم في البداية، بل هو رسول من عند الله، فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة "جاء". وكلمة {رَسُولٌ} تدل على أنه ليس من عنده، وكلمة "جاء" تدل على أن الشحنة الإيمانية جعلت لذاته عملاً، فهو صلى الله عليه وسلم يعشق الجهاد من أجل الرسالة، ويعشق الكفاح من أجل تحقيق هذه الرسالة. إذن: لا تنظروا إلى ما جاءكم به الرسول صلى الله عليه وسلم نظرتكم إلى الأمور الشاقة التي تتعبكم، ولكن انظروا ممن جاءت، إن كانت من الأصل الأصيل في إرسال الرسل، فالرب رحيم، خلقكم من عدم وأمدكم من عدم، ويوالي نعمة عليكم حتى وأنتم في معصيته. فأنت تعصاه ويحب الله سبحانه من يستر عليك، فلا تشكك ولا تتشكك. وعليك أن تأخذ التكاليف على أنها من حبيب فلا تقل: إنها مشقة. فأنت - ولله المثل الأعلى - تطلب من ابنك أن يستذكر دروسه، وتراجعها معه قهراً عنه في بعض الأحيان، وأنت قد تمسك بيدي ابنك ليعطيه الطبيب حقنة من الدواء الذي جعله الله سبباً للشفاء. إذن: فلا تأخذ الأحوال بوارداتها عليك، ولكن خذها بوارداتها ممن قدرها وقضاها؛ وهو الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق سبحانه: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: أن الحق سبحانه لم يأت بإنسان غريب عنكم، بل جاء بواحد منكم قادر على التفاهم معكم. ولقوله الحق: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} معان متعددة، فمرة يكون معناها بـ "من جنسكم"، مثلما قال الحق عن حواء: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ...} تفسير : [النساء: 1]. أي: خلق حواء من نفس جنس آدم البشري، فلا يقولن أحد: كيف بعث الله لنا بشراً رسولاً؟ لأن الحق أراد الرسول من البشر رحمة بالناس؛ ولذلك يؤكد صلى الله عليه وسلم على بشريته أكثر من مرة وفي مواقع كثيرة. والقرآن يقول: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. إذن: فبشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤخذ على الله، ولكن تؤخذ لله؛ لأنه أرسل واحداً من نفس الجنس؛ ليكون قادراً على أن يتفاهم مع البشر، وتكون الأسوة به سهلة. ولذلك قال سبحانه: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]. وقوله الحق: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: من جنس العرب، ولم يأت به من الروم أو من فارس، لكن اختار لكم من هو أعلم بطبائعكم. أو أن معنى {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: من نفس القبيلة التي تنتمون إليها معشر قريش. أو أن {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تعني: أنكم تعلمون تاريخه، وتعرفون أنه أهل لتحمل أمانة السماء للأرض، كما تحمل أماناتكم من الأرض للأرض؛ ولأن هذا هو سلوكه، فهو قادر على أن يتحمل أمانة السماء للأرض. ولقد سميتموه الصادق الأمين، والوفي، وكلها مقدمات كانت توحي بضرورة الإيمان به كرسول من عند الله. وإن كانت سلسلة أعماله معكم تثير فخركم، فمجيئة كرسول إنما يرفع من ذكركم، ويعلي من شأنكم. فأنتم أهل قريش ومكة ولكم السيادة في البيت الحرام، وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم؛ ليزيد من رقعة السيادة لكم، فإذا كنتم قبل بعثته صلى الله عليه وسلم سادة البيت، فأنتم بعد بعثته سوف تصيرون سادة العالم. ويقول الحق سبحانه: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} تفسير : [الزخرف: 44]. فهو نبي الله للعالم أجمع ومن العرب ومن قريش، وكان يجب أن يفرحوا برسالته وأن يؤيدوها، لكن الله لم يشأ ذلك؛ لأن قريشاً قبيلة قد ألفت السيادة على العرب، وهذا جعل العرب يعملون لها حساباً، وخافت منها كل قبائل العرب في أنحاء الجزيرة العربية، وكانت لها مهابة هائلة؛ لأن كل العرب مضطرون للحج إلى الكعبة، وأثناء الحج تكون القبائل كلها في أرض قريش؛ لذلك كانت كل القبائل ترعى قوافل قريش، ولا تتعرض أي قبيلة لقريش أبداً، فقوافلها تروح وتغدو، جنوباً وشمالاً، ولا تقدر قبيلة أن تقف في مواجهة قريش، أو أن تتعرض لها. وكل هذه المكانة وتلك المهابة أخذتها قريش من خدمتها لبيت الله الحرام؛ ولذلك شاء الحق ألا يمكن أبرهة من هدم البيت لتظل السيادة لقريش، فلو انهدم البيت الحرام وانصرف الحج إلى اليمن كما كان يريد أبرهة، فمن أين تأتي السيادة لقريش؟ لذلك قال الحق عن أبرهة وقومه: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} تفسير : [الفيل: 5]. وأتبعها بقوله: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ} تفسير : [قريش: 1-2]. وما دام الحق سبحانه قد شاء هذا فيأتي أمره في الآية التالية: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 3-4]. وشاء الحق سبحانه أن يبعث بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً يدعو أولاً الصناديد، والقبيلة ذات المهابة والمكانة، وأن تكون الصيحة الإيمانية في آذان سادة الجزيرة الذين تهابهم كل القبائل، حتى لا يقال: إن محمداً قد استضعف قلة من الناس وأعلن دعوته بينهم، لا، بل جاءت دعوته في آذان الصناديد، والسادة، وسفه أحلامهم، وحين رفضوا دعوته هاجر، ثم جاءه الإذن بقتالهم، ولم تأت نصرة الإسلام من السادة، بل آمن به الضعاف أولاً، ثم هاجر إلى المدينة؛ لتأتي منها النصرة. فلو أن النصرة جاءت من السادة لقالوا: جاءت نصرة الإسلام من قوم ألفوا السيادة، ولما ظهر واحد منهم يقول: إنه رسول؛ أرادوا أن يسودوا به، لا الجزيرة العربية، بل الدنيا كلها، فتكون العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد، والله يريد أن تكون النصرة من الضعيف؛ حتى يفهم الجميع أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو السبب في العصبية لمحمد. هكذا نفهم معنى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} أي: مرسل من الله و {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} بكل ما تعنيه مراحل النفس، وهو مبلغ عن الله، فلم يأت بشيء من عنده، بل كل البلاغ الذي جاء به من ربه، والرب بإقراركم هو الذي خلق لكم ما تنتفعون به من السماوات والأرض. وسبحانه يقول: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ...} تفسير : [الزخرف: 87]. ويقول: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ...} تفسير : [لقمان: 25]. إذن: فالمخلوق هو الخليفة الإنسان، وما خلقه الله في الكون، إنما خلقه لخدمتكم كلكم، وأنتم تقرون ذلك، فإذا كان الرب قد سبق لكم بهذه النعم، وجاء الرسول الذي جاء لكم من عنده بما يسعدكم، وقد استقبلتم خيره قبل أن يأتي لكم بالتكاليف، واستقبلتم نعمته قبل أن تكونوا مخاطبين له، إذن: فالله الذي أرسل رسوله بالتكاليف والمنهج لكم، لا بد أن يكون قد كلف من هو مؤتمن عليكم، وهو صلى الله عليه وسلم لم يأت من جنس الملائكة، بل هو بشر مثلكم، فإذا قال لكم: افعلوا كذا وكذا وأنا أسوة لكم في الفعل، فلا تتعجبوا، لكن غبار الكافرين بالله جعلهم يريدون أن يكون الرسول ملكاً، فقال الحق: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً * قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94-95]. أي: إن كنتم تريدون مَلَكاً، فالملك له صورة لا ترونها، ولا بد أن نجعله ملكاً في صورة بشر؛ ليخاطبكم، إذن: فهل المشكلة مشكلة هيئة وشكل؟ ثم إن الملائكة بحكم الخلق: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. فإذا قال لكم الرسول الملك: أنا أسوة لكم في العمل الصالح، أكانت تصح الأسوة؟ من المؤكد أن بعضنا سيقول: لا، لن تنفع الأسوة؛ لأنك مَلَك مطبوع على الخير، وليس لك شهوة بطن، ولا شهوة فرج، إذن: فأسوتنا بك لا تصلح. إذن: فمن رحمته سبحانه بكم أن جعل لكم رسولاً من أنفسكم، ومن قبيلتكم، ومن العرب، لا من فارس أو الروم، وهو يخاطبكم بلغتكم؛ لأنكم أنتم أول آذان تستقبل الدعوة؛ فلا بد أن يأتي الرسول بلسانكم، وجاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالأنس والألفة؛ لأن من قريش التي لها بطون في كل الجزيرة ولها قرابات، وأنس وألفة بكل العرب، وأنس ثالث أنه من البشر، وجاء به الحق سبحانه فرداً من الأفراد، محكوم له بالصدق والأمانة قبل أن يبلغكم رسالته من الله. إذن: فإذا جاءكم الرسول بتكليف قد يشق عليكم، فاستصحبوا كل هذه الأشياء؛ لتردوا على أنفسكم: هو بشر وليس مَلَكاً. هو من العرب وليس من العجم. هو من قبيلتكم التي نشأ بينكم فيها. هو من تعرفون سلوكه قبل أن يبلغ عن الله، فما كذب على البشر في حق البشر. أفيكذب على البشر بحق الله؟ وقرأ عبد الله بن قسيط المكي هذه الآية: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} أي: أنه صلى الله عليه وسلم بالمقياس البشري هو من أقدركم وأحسنكم. ولذلك حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة عن الله، هل انتظرت سيدتنا خديجة رضي الله عنها أن يأتي لها بمعجزة؟ هل انتظر أبو بكر أن يأتي له بمعجزة؟ لا، لم ينتظر أحدهما لأن كلاّ منهما أخذ المعجزة من ناحية تاريخه الماضي. وحينما قال لخديجة: "يأتيني ويأتيني ويأتيني" وكانت ناضجة التكوين والفكر والعقل، وعلمنا مما قالت لماذا اختار الله له أن يتزوجها وعمره خمسة وعشرون عاماً، وعمرها أربعون سنة، مع أن المألوف أن يحب الإنسان الزواج ممن هي دونه في العمر. لكن المسألة لم تكن زواجاً بالمعنى المعروف، لكنه زواج لمهمة أسمى مما نعرف، ففي فترة هذا الزواج ستكون الفترة الانتقالية بين البشرية العادية إلى البشرية التي تتلقى من السماء، وهذه فترة تحتاج إلى قلب أم، ووعاء أم تحتضنه وتُربِّت عليه. فلو كانت فتاة صغيرة وقال لها مثلما قال صلى الله عليه وسلم لخديجة لشكت في قواه العقلية، لكن خديجة العاقلة استعرضت القضية استعراضاً عقليّاً بحتاً. فحين قال لها: أنا أخاف أن يكون الذي يأتيني رئى من الجن. قالت له: "إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، والله لا يخزيك الله أبداً". إذن: فقد أخذت من مقدمات حياته قبل البعثة ما يدل على صدقه بعد البعثة. وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، حينما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه رسول. قال: أهو قالها؟ قالوا: نعم. قال: إنه رسول من الله لأنه لم يكذب طوال عمره. وبعد ذلك يقول الحق: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}. وكلمة {عَزِيزٌ} أي: لا يُنال ولا يقدر عليه أحد، والشيء العزيز أي نادر الوجود. وقد تقول لإنسان: "قد تكن وزيراً"؛ فيصمت رجاء، لكن إن قلت له: "ستصبح رئيس وزراء" فيقول: هذه مسألة مستعصية وكبيرة عليَّ بعض الشيء. إذن: فالعزة تأتي لامتناع شيء إما لقدرته، أو عزيز بمعنى نادر، أو يستحيل. والعزيز - هو الأمر الذي يعز على الناس أن يتداولوه، فيقال: "عز عليّ أن أصل إلى قمة الجبل". {عَزِيزٌ عَلَيْهِ} أي: شاق عليه أن يعنتكم بحكم؛ فقلبه رحيم بكم، وهو لا يأتي لكم بالأحكام لكي تشق عليكم، بل تنزل الأحكام من الله لمصلحتكم، فهو نفسه يعز عليه أن يشق عليكم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : مثلي كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. قال: فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار. هلم عن النار. فتغلبوني تقحمون فيها. " تفسير : فإذا كان الرسول صفته أنه من أنفُسكم أو من أنفسَكم أو يحبكم حبّاً يعز عليه أن تكونوا في مشقة. إذن: فخذوا توجيهاته بحسن الظن وبحسن الرأي فيها، وذلك هو القانون التربوي الذي يجب أن يسود الدنيا كلها. فقد يقسو والد على ولده بأوامر ونواه: "افعل كذا" و "لا تفعل كذا" لا تذهب إلى المكان الفلاني، ولا تجلس إلى فلان، ولا تسهر خارج المنزل بعد الساعة كذا. كل هذه أوامر قد تشق على الولد فنقول له: مشقة التكليف ممن صدرت؟ لقد صدرت من أبيك الذي تعرف حبه لك، والذي يشقى ليوفر لك بناء المستقبل، ويتعب؛ لترتاح أنت، فكيف تسمح لنفسك أن تصادق صعاليك يخرجونك عن طاعة أبيك إلى اللهو وإلى الشر. وانظر إلى والدك الذي تحمل المشقة حتى لا تتحمل أنت المشقة، ويشق عليه أن تتعب فهو أولى بأن تسمع كلامه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم عزيز عليه مشقتكم، والمشقات أنواع: مشقات في الدنيا تتمثل في التكاليف التي يتطلبها الإيمان، ولكنها تمنع مشقات أخلد في الآخرة؛ لذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم يحزن أن ينالكم في الآخرة تعب، وتعب الدنيا موقوت وينتهي، لكن تعب الآخرة هو الذي يرهق حقّاً ويتعب. ولذلك يقول الحق في تصوير هذه المسألة بقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6]. لماذا؟ لأنك تعرف يا محمد أنهم إن لم ينتهوا فسوف يجدون العنت كله في الآخرة. أو أن مشقة الآخرة هي التي يجب أن نتلافاها، وأن نتحمل المشقات الزائلة العرضية التي تورد ثماراً. فنحن قد نجد الرجل يقول لابنه مثلاً: اخرج إلى الحقل، واحمل السباخ فوق الحمار واحرث وارْو، كل هذه مشقات ستجد لذتها يوم الحصاد، وتعطيك الأرض من خير الله كذا إردب قمحاً أو غير ذلك. ولو ترك الأب ابنه لكسله فهذه هي المشكلة الأكبر، وحث الأب لابنه على العمل هو دفع لمغبة الضياع. وقد يأخذ الأب ابنه للطبيب، ويجد الطبيب مشغولاً، ويرجوه الأب أن يجري للابن جراحة تنجيه وتنقذه من خطر رغم أن الأب يعلم أن الطبيب سيستخدم مع ابنه أدوات جراحية كالمشارط وغيرها، ولكن ليعلم الابن أن هذا المشرط سيمسُّ أباك قبل أن يمسَّك، وعلى ذلك إذا أُمرت بتكليف شاق فانظر مَنْ أمرك؟ أهو ممن تعز عليه ومن تحبه وممن يريد لك الخير؟ إن كان الأمر كذلك؛ فعليك أن تقبل ولا تسيء الظن، ولا تُرهق مَنْ يحبك. واعلم أن والدك حين يصرفك عن أصدقاء السوء - مثلاً - فهو يرد عنك مصارف الشر؛ لأنك إن اجتهدت في عملك؛ فسوف تحصد النتيجة الطيبة، أما إن اتجهت إلى مصارف الشر فسوف تُشَرّد وتجوع، وسوف تدق باب بيت أبيك. وعندئذ ستسمع مثلاً عاميّاً يلخص الحكمة التي تقول "من يأكل لقمتي فليسمع كلمتي". وهنا يقول الحق: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ومعنى الحرص: أن يحوطكم بالرعاية؛ حتى لا تقعوا في المشقة الأكبر. ولذلك قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صوَّر هذه المسألة بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار - أي أمسككم من خلفكم حتى لا تذهبوا إلى النار - وأنتم تفلتون من يدي " تفسير : والحق يُسَرّي عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ ...} تفسير : [الكهف: 6]. ويقول الحق أيضاً لرسوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى إتقان العمل في الدنيا؛ ليصلوا إلى الجنة في الآخرة؛ لأن كل مؤمن عزيز عليه صلى الله عليه وسلم ويخشى أن يُرهَق إنسان واحد في الآخرة، ولذلك قال الحق: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4]. أي: إياك أن تحزن أنك حريص على أن يؤمنوا؛ لأن الحق سبحانه يقدر أن ينزل عليهم آية تجعل رقابهم خاضعة، ولكن الرب لا يريد رقاباً تخضع؛ وإنما يريد قلوباً تخشع. {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} والرأفة والرحمة قد تلتقيان في المعنى العام، ولكن هناك أموراً تسلب مضرّة، وأموراً تجلب منافع. وسلب المضرّات - دائماً - مُقدّم على جلب المنافع، فحين نواجه عملاً يضر وعملاً ينفع؛ نُقدم على العمل لدرء ما يضر، ثم ننجز العمل النافع. وساعة يطرأ عليك أمر يضر، وأمر ينفع، وأنت في حال متساوية ولا بد أن تدرأ عن نفسك الأمر الضار الذي يخرجك عن الاستواء، ثم تقبل على الأمر الذي يزيد من الارتقاء. وحتى نقرب هذه المسألة إلى الذهن، سأضرب هذا المثل الحسّي: هَبْ أن واحداً معه حجر يريد أن يضربك به، وآخر يريد أن يقذفك بتفاحة، فهل تنشغل بالتقاط التفاحة أو تنشغل برد الحجر؟ إنك تنشغل أولاً بدرء الضرر، ثم تقبل على جلب المنفعة. ومثال آخر: هب أنك ترى إنساناً يغرق أمامك في البحر، فهل توبخه؛ لأنه نزل البحر دون أن يتعلم العوم؟ أم تنقذه أولاً وتدفع الأذى عنه، ثم توبّخه وتعاقبه بعد ذلك جزاء إهماله؟ إنك تنقذه أولاً، وبذلك تكون قد قدمت الإحسان بدفع المضرة أولاً، وحتى إن عاقبته فهو يتقبل منك العقاب أو النهر؛ لأن صنيعك أنقذه من الموت. والحق يقول: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ...} تفسير : [آل عمران: 185]. إذن: فمراحل الفوز أن يُزْحزح الإنسان أولاً عن النار، ففي هذا سلب للمضرَّة، وجلب للمنفعة، وإن ظل الإنسان في موقعه لا هو في الجنة ولا هو في النار؛ فهذا هين أيضاً. وإن أدخل الجنة فهذا هو الخير كله. وإذا كانت هذه هي بعض من خصال الرسول صلى الله عليه وسلم: {رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}، و {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}، و {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، و {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، فهذه خصال إن استوعبها الإنسان فهو يندفع إلى اتباع هذا الرسول. وقوله الحق: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} نرى فيه الوصف بـ "الرءوف" والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة، و"رحيم" هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء. وحسبكم من هاتين الصفتين أن الله سبحانه وتعالى وصف رسوله بهذين الوصفين {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وقد ثبت أنه سبحانه قد وصف نفسه بقوله سبحانه: {أية : إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 7]. إذن: فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يسلك بما عنده، بل يسلك برأفة مستمدة من رأفة العلي الأعلى، وكذلك رحمته صلى الله عليه وسلم مستمدة من رحمة العلي الأعلى. وكأن الحق سبحانه يبيّن لنا أنه أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم بعضاً من الصفات التي عنده، فكما يبلغكم المشقات في التكاليف، فهو يبلغكم السلامة من المشقات في الرأفة، وترقية المنعمات بالرحمة؛ ولذلك يقول الحق سبحانه: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الإسراء: 82]. ونعلم أن الشفاء إنما يكون من المرض، أي: أن القرآن يسلب المضرة أولاً، ثم يأتي لنا بالمنفعة بعد ذلك وهي الرحمة. وقوله الحق: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} هذا القول خلاصته: إن استقبلتم مشقات التكليف من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاعلموا ممن جاءت هذه المشقات، واعلموا أن مجيئه بها إنما هو ليرفع عنكم مشقات أكبر وأخلد؛ لأن مشقات التكليف تنتهي بانتهاء زمن التكليف وهو الدنيا، ثم يذهب المؤمن إلى الجنة ليحيا بلا تكليف، وما يخطر على باله من أشياء، يجده فوراً؛ بدءاً من الطعام والشراب وجميع ما خلقه الله لأهل الجنة من نعيم. وإن نظرنا إلى متع الدنيا نجد أن من اجتهدوا في حياتهم، يستأجرون من يقوم لهم بالأعمال التي كانوا يقومون بها لأنفسهم؛ فالثري الذي كان يطهو طعامه قبل الثراء، يستأجر طاهياً؛ ليعد له طعامه، والفلاح الذي كان يبني بيته لنفسه، ثم رزقه الله بالرزق الوفير فاستأجر من يبني له، وكل الأعمال التي تسعد الإنسان وكان يقوم بها بنفسه ولنفسه، صار يستأجر من يقوم له بها، فما بالنا بالآخرة حيث تعيش في رضا الله وبأسرار كلمة {كُن}. وهكذا نجد الحق سبحانه وتعالى قد جاء في هذه السورة بمشقات التكليف، والثواب عليها وطمأن المؤمنين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يتميز بكل المواصفات الموحية: من أنه بشر، وأنه حريص عليهم، وأنه لا يكلفهم إلا بالمشقات التي تنجيهم من المشقات الأبدية، وأنه رءوف بهم ورحيم. فإن استعموا إلى هذه الحيثيات وآمنوا، فأهلاً بهم في معسكر الإيمان، وإن تولوا ولم يسمعوا لهذه الحيثيات ولم يدخل القرآن قلوبهم، فإياك أن تظن - يا رسول الله - أنك منصور بهم؛ لأنك منصور بالله، فإن تولوا عنك وأعرضوا عن الإيمان بالله، وأعرضوا عن الاستماع لك، فاعلم أن ركنك الشديد هو الله، لذلك يختم الحق السورة بقوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} معناهُ شَديدٌ عَليهِ ما شَقَّ عَليكُم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن نعمة بعثة النبي وإعراضهم عن القبول بقوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ} [التوبة: 128] أي: من الله، {رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] في البشرية، وهذا تسكين العوام لئلا ينفروا عنه ويمتنعون عن متابعته ويقولوا: لا طاقة لنا بمتابعته؛ لأنه ليس من جنسنا في البشرية، نظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [الكهف: 110] وفيه إشارة الخواص؛ إذ يقولون: إن أحداً من جنس البشرية أوصل إلى هذه المراتب العلية والمقامات السنية بالاستقلال، فيحتمل أن يصل في متابعته إليها كما قال تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 31] ومقام المحبوبية من أشرف المقامات وأعلاها، فلما تحصل بالمتابعة فأدناها أولى بالحصول، وأما بقراءة من قرأ أنفسكم - بفتح الفاء - فيشير به إلى نفاسة جوهرة في أصل الخلقة؛ لأنه أول جوهراً يدعه الله تعالى كما قال: "حديث : أول ما خلق الله روحي ". تفسير : وأيضاً يشير به إلى نفاسة جوهره في الخلاص عن تعلق الكونين وبلوغه إلى قاب قوسين وعروجه إلى مقام أو أدنى وعلو همته؛ {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}تفسير : [النجم: 16-17] واختصاصه برؤية القدر؛ أي: من آيات ربه الكبرى وتحليته بحليته، {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ}تفسير : [النجم: 10]، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} [التوبة: 128] أي: يشق عليه انقطاعكم عن الله تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة: 128] في إيصالكم إلى الله تعالى وإنزالكم {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] لتربيتهم في الدين المتين بالرفق، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا الدين متين فأوغلوا فيه بالرفق وبالرحمة يعفو عنهم سيئاتهم"،تفسير : كما أمره الله تعالى {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ}تفسير : [المائدة: 13]. تفسير : وفي قوله: {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128] في حق نبيه صلى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى لنفسه عز وجل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [الحج: 65]، وفيه لطيفة شريفة وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا كان مخلوقاً كانت رأفته ورحمته مخلوقة فصارت مخصوصة بالمؤمنين لضعف الخلقة، وأن الله تعالى لمَّا كان خالقاً كانت رأفته ورحمته قديمة، فكانت عامة للناس لقوة الخالقية من الناس كان قابلاً للرأفة والرحمة النبوية؛ لأنها كانت من نتائج الرأفة والرحمة الخالقية، كما قال تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}تفسير : [آل عمران: 159]. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} [التوبة: 129] أي: أعرضوا عن قبول نصحك ورأفتك، ورحمتك ولم يسعوك في طلب الحق، {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} [التوبة: 129]. يشير إلى أن تبليغ الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم كان موجباً لقربته إلى الله تعالى وقبوله، فلمَّا بلغ رسالته فقد تم مقصوده من الله تعالى وقربته إن قبلوا منه أو اعرضوا عنه {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [التوبة: 129] أي: لا مقصود ولا مطلوب في جميع الأحوال، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} [التوبة: 129] أي: هو العظيم الذي يحتاج العرش مع عظمته إلى ربوبيته مع اختصاص العرش باستواء صفة رحمانيته عليه - واللهُ أعلم - إن قبلوا منه أو أعرضوا عنه، {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [التوبة: 129] أي: المقصود ولا مطلوب ولا محبوب ولا معبود لي فيما عملت إلا الله، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} [التوبة: 129] أي: هو كان مقصودي ومطلوبي في جميع الأحوال، {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} [التوبة: 129] أي: هو العظيم الذي يحتاج العرش مع عظمته إلى ربوبيته مع اختصاص العرش باستواء صفة رحمانيته عليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن [تعالى] على عباده المؤمنين بما بعث فيهم النبي الأمي الذي من أنفسهم، يعرفون حاله، ويتمكنون من الأخذ عنه، ولا يأنفون عن الانقياد له، وهو صلى الله عليه وسلم في غاية النصح لهم، والسعي في مصالحهم. { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } أي: يشق عليه الأمر الذي يشق عليكم ويعنتكم. { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } فيحب لكم الخير، ويسعى جهده في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتكم إلى الإيمان، ويكره لكم الشر، ويسعى جهده في تنفيركم عنه. { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } أي: شديد الرأفة والرحمة بهم، أرحم بهم من والديهم. ولهذا كان حقه مقدما على سائر حقوق الخلق، وواجب على الأمة الإيمان به، وتعظيمه، وتعزيره، وتوقيره { فَإِنْ } آمنوا، فذلك حظهم وتوفيقهم، وإن { تَوَلَّوا } عن الإيمان والعمل، فامض على سبيلك، ولا تزل في دعوتك، وقل { حَسْبِيَ اللَّهُ } أي: الله كافيَّ في جميع ما أهمني، { لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا معبود بحق سواه. { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت ووثقت به، في جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، { وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } الذي هو أعظم المخلوقات. وإذا كان رب العرش العظيم، الذي وسع المخلوقات، كان ربا لما دونه من باب أولى وأحرى. تم تفسير سورة التوبة بعون اللّه ومنه فلله الحمد أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

همام الصنعاني

تفسير : 1146- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادَةَ، في قوله تعالى: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}: [الآية: 128]، قال: حريص على من لم يسلم أن يُسْلِم. 1147- عبد الرزاق، عن أبي عُيَيْنَةَ، عن جَعْفَر بن محمد، في قوله تعالى: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: [الآية: 128]، قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. 1148- قال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ".