Verse. 1364 (AR)

٩ - ٱلتَّوْبَة

9 - At-Tawba (AR)

فَاِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اؙ۝۰ۤۡۖ لَاۗ اِلٰہَ اِلَّا ھُوَ۝۰ۭ عَلَيْہِ تَوَكَّلْتُ وَھُوَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيْمِ۝۱۲۹ۧ
Fain tawallaw faqul hasbiya Allahu la ilaha illa huwa AAalayhi tawakkaltu wahuwa rabbu alAAarshi alAAatheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فإن تولَّوا» عن الإيمان بك «فقل حسبي» كافيّ «الله لا إله إلا هو عليه توكلت» به وثقت لا بغيره «وهو ربُّ العرش» الكرسي «العظيم» خصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات، وروى الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت «لقد جاءكم رسول» إلى آخر السورة.

129

Tafseer

الرازي

تفسير : أما قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } يريد المشركين والمنافقين. ثم قيل: {تَوَلَّوْاْ } أي أعرضوا عنك. وقيل: تولوا عن طاعة الله تعالى وتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام. وقيل: تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السورة، وقيل: تولوا عن نصرتك في الجهاد. واعلم أن المقصود من هذه الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف، لم يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف، لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء، وفي إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } وإذا كان لا إله إلا هو وجب أن يكون لا مبدىء لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا هو، وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة، وأمرني بهذا التبليغ كانت النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه. ثم قال: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب العرش العظيم، والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم، كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم، ولما كان أعظم الأجسام هو العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه. فإن قالوا: العرش غير محسوس فلا يعرف وجوده إلا بعد ثبوت الشريعة فكيف يمكن ذكره في معرض شرح عظمة الله تعالى؟ قلنا: وجود العرش أمر مشهور والكفار سمعوه من اليهود و النصارى، ولا يبعد أيضاً أنهم كانوا قد سمعوه من أسلافهم ومن الناس من قرأ قوله: {ٱلْعَظِيمِ } بالرفع ليكون صفة للرب سبحانه. قال أبو بكر: وهذه القراءة أعجب، لأن جعل العظيم صفة لله تعالى أولى من جعله صفة للعرش، وأيضاً فإن جعلناه صفة للعرش، كان المراد من كونه عظيماً كبر جرمه وعظم حجمه واتساع جوانبه على ما هو مذكور في الأخبار، وإن جعلناه صفة لله سبحانه، كان المراد من العظمة وجوب الوجود والتقديس عن الحجمية والأجزاء والأبعاض، وكمال العلم والقدرة، وكونه منزهاً عن أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام. وقال الحسن: هاتان الآيتان آخر ما أنزل الله من القرآن، وما أنزل بعدهما قرآن. وقال أبي بن كعب: أحدث القرآن عهد بالله - عز وجل - هاتان الآيتان، وهو قول سعيد بن جبير، ومنهم من يقول: آخر ما أنزل من القرآن قوله تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 281]. ونقل عن حذيفة أنه قال: أنتم تسمون هذه السورة بالتوبة، وهي سورة العذاب ما تركتم أحداً إلا نالت منه، والله ما تقرؤن ربعها. اعلم أن هذه الرواية يجب تكذيبها، لأنا لو جوزنا ذلك لكان ذلك دليلاً على تطرق الزيادة والنقصان إلى القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا خفاء أن القول به باطل، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراده. وهذا آخر تفسير هذه السورة، ولله الحمد والشكر. فرغ المؤلف رحمه الله من تفسيرها في يوم الجمعة الرابع عشر من رمضان سنة إحدى وستمائة والحمد لله وحده والصلاة على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

البيضاوي

تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الإِيمان بك. {فَقُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ} فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} كالدليل عليه. {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فلا أرجو ولا أخاف إلا منه. {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} الملك العظيم، أو الجسم العظيم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير. وقرىء {ٱلْعَظِيمِ} بالرفع. وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه: أن آخر ما نزل هاتان الآيتان وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما نزل القرآن علي إلا آية آية وحرفاً حرفاً ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد، فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة»تفسير : والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإِيمان بك {فَقُلْ حَسْبِىَ } كافيّ {ٱللَّهُ لآ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } به وثقت لا بغيره {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ } الكرسي {ٱلْعَظِيمِ } خصه بالذكر لأنه أعظم المخلوقات. وروى الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال: آخر آية نزلت «لقد جاءكم رسول» إلى آخر السورة.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عنك، أو معن طاعة الله ـ تعالى ـ.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {فإن تولوا} يعني فإن أعرض هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ورسوله وناصبوك للحرب {فقل حسبي الله} يعني يكفيني الله وينصرني عليكم {لا إله إلا هو عليه توكلت} يعني لا على غيره وبه وثقت {وهو رب العرش العظيم} إنما خص سبحانه وتعالى العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات فيدخل ما دونه في الذكر فيكون المعنى فهو رب العرش العظيم فما دونه أو يكون خصه بالذكر تشريفاً له كما يقال بيت الله، وروي عن أبي بن كعب أنه قال: هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة آخر القرآن نزلا وفي رواية عنه أنه قال: أحدث القرآن عهداً بالله هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فإن تولوا فقل حسبي الله‏} ‏ يعني الكفار، تولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه في المؤمنين‏. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال‏:‏ خرجت سرية إلى أرض الروم، فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه، فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئاً من ماء وزاد، فلما ولوا أتاه آت فقال له‏:‏ ما لك ههنا‏؟‏ قال‏:‏ انكسرت فخذي فتركني أصحابي‏.‏ فقال‏:‏ ضع يدك حيث تجد الألم‏.‏ فقل ‏ {‏فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم‏} ‏ قال‏:‏ فوضع يده فقرأ هذه الآية، فصح مكانه وركب فرسه وأدرك أصحابه‏. وأخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفاً وابن السني عن أبي الدرداء قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "‏حديث : من قال حين يصبح وحين يمسي ‏{‏حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم‏} ‏ سبع مرات كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة‏ . تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن الحسن قال‏:‏ من قال حين يصبح سبع مرات ‏ {‏حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم‏} ‏ لم يصبه ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا سلب ولا غرق‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وهو رب العرش العظيم‏} . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعد الطائي قال‏:‏ العرش ياقوتة حمراء‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال‏:‏ إن الله تعالى خلق العرش والكرسي من نوره، فالعرش ملتصق بالكرسي، والملائكة في جوف الكرسي وحول العرش أربعة أنهار، نهر من نور يتلألأ، ونهر من نار تتلظى، ونهر من ثلج أبيض تلتمع منه الأبصار، ونهر من ماء، والملائكة قيام في تلك الأنهار يسبحون الله تعالى، وللعرش ألسنة بعدد ألسنة الخلق كلهم، فهو يسبح الله تعالى ويذكره بتلك الألسنة‏. وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ‏العرش ياقوتة حمراء، وإن ملكاً من الملائكة نظر إليه وإلى عظمه فأوحى الله إليه‏:‏ إني قد جعلت فيك قوّة سبعين ألف ملك لكل ملك سبعون ألف جناح فطر‏.‏ فطار الملك بما فيه من القوّة والأجنحة ما شاء الله أن يطير، فوقف فنظر فكأنه لم يرم ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن حماد قال‏:‏ خلق الله العرش من زمردة خضراء، وخلق له أربع قوائم من ياقوتة حمراء، وخلق له ألف لسان، وخلق في الأرض ألف أمة كل أمة تسبح الله بلسان من ألسن العرش‏. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال‏:‏ إن العرش مطوّق بحية، والوحي ينزل في السلاسل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال‏:‏ كانوا يرون أن العرش على الحرم‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال‏:‏ ما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه، وإن السموات في خلق العرش مثل قبة في صحراء. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال‏:‏ ما أخذت السموات والأرض من العرش إلا كما تأخذ الحلقة من أرض الفلاة‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال‏:‏ إن السموات في العرش كالقنديل معلقاً بين السماء والأرض‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن يزيد البصري قال‏:‏ في كتاب ما تنبأ عليه هرون النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ إن بحرنا هذا خليج من نبطس، ونبطس وراءه وهو محيط بالأرض، فالأرض وما فوقها من البحار عند نبطس كعين على سيف البحر، وخلف نبطس قينس محيط بالأرض، فنبطس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، وخلف قينس الأصم محيط بالأرض، فقينس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، وخلف الأصم المظلم محيط بالأرض، فالأصم وما دونه عنده كعين على سيف البحر‏:‏ وخلف المظلم جبل من الماس محيط بالأرض، فالمظلم وما دونه عنده كعين على سيف البحر، وخلف الماس الباكي وهو ماء عذب محيط بالأرض أمر الله نصفه أن يكون تحت العرش، فأراد أن يستجمع فزجره فهو باك يستغفر الله، فالماس وما دونه عنده كعين على سيف البحر، والعرش خلف ذلك محيط بالأرض، فالباكي وما دونه عنده كعين على سيف البحر‏. وأخرج أبو الشيخ عن عبد الرحمن بن زيد أسلم عن أبيه ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏: ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة القيت في ترس‏"تفسير : .‏ قال ابن زيد‏:‏ قال أبو ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏ "حديث : ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد القيت بين ظهري فلاة من الأرض، والكرسي موضع القدمين ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال‏:‏ خلق الله العرش، وللعرش سبعون ألف ساق كل ساق كاستدارة السماء والأرض. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ بين الملائكة وبين العرش سبعون حجاباً، حجاب من نور وحجاب من ظلمة، وحجاب من نور وحجاب من ظلمة‏.‏‏.‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب ‏"حديث : ‏لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرضين ورب العرش الكريم‏ "‏‏. تفسير : وأخرج النسائي والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال‏:‏ علمني علي رضي الله عنه كلمات علمهن رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه يقولهن عند الكرب والشيء يصيبه‏ "‏لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين‏"‏‏. وأخرج الحكيم الترمذي من طريق إسحق بن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"حديث : ‏لقنوا موتاكم ‏لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين‏. قالوا‏:‏ يا رسول الله فكيف هي للحي‏؟‏ قال‏: أجود وأجود‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن جعفر، أنه زوّج ابنته فخلا بها فقال‏:‏ إذا نزل بك الموت أو أمر من أمور الدنيا فظيع فاستقبليه بأن تقولي‏ "‏لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه رضي الله عنه‏.‏ أن حزقيل كان في سبا بختنصر مع دانيال من بيت المقدس، فزعم حزقيل أنه كان نائماً على شاطىء الفرات، فأتاه ملك وهو نائم فأخذ برأسه فاحتمله حتى وضعه في خزانة بيت المقدس قال‏:‏ فرفعت رأسي إلى السماء فإذا السموات منفرجات دون العرش قال‏:‏ فبدا لي العرش ومن حوله، فنظرت إليهم من تلك الفرجة فإذا العرش - إذا نظرت إليه - مظل على السموات والأرض، وإذا نظرت إلى السموات والأرض رأيتهن متعلقات ببطن العرش، وإذا الحملة أربعة من الملائكة لكل ملك منهم أربعة وجوه، وجه إنسان، ووجه نسر، ووجه أسد، ووجه ثور، فلما أعجبني ذلك منهم نظرت إلى أقدامهم فإذا هي في الأرض على عجل تدور بها، وإذا ملك قائم بين يدي العرش له ستة أجنحة لها لون كلون فرع، لم يزل ذلك مقامه منذ خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة، فإذا هو جبريل عليه السلام، وإذا ملك أسفل من ذلك أعظم شيء رأيته من الخلق، فإذا هو ميكائيل وهو خليفة على ملائكة السماء، وإذا ملائكة يطوفون بالعرش منذ خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة يقولون‏:‏ قدوس قدوس ربنا الله القوي ملأت عظمته السموات والأرض، وإذا ملائكة أسفل من ذلك، لكل ملك منهم ستة أجنحة، جناحان يستر بهما وجهه من النور، وجناحان يغطي بهما جسده، وجناحان يطير بهما. وإذا هم الملائكة المقربون، وإذا ملائكة أسفل من ذلك سجود مذ خلق الله الخلق إلى أن ينفخ في الصور، فإذا نفخ في الصور رفعوا رؤوسهم، فإذا نظروا إلى العرش قالوا‏:‏ سبحانك ما كنا نقدرك حق قدرتك‏!‏ ثم رأيت العرش تدلى من تلك الفرجة فكان قدرها، ثم أفضى إلى ما بين السماء والأرض فكان يلي ما بينهما، ثم دخل من باب الرحمة فكان قدره، ثم أفضى إلى المسجد فكان قدره، ثم وقع على الصخرة فكان قدرها، ثم قال‏:‏ يا ابن آدم‏.‏ فصعقت وسمعت صوتاً لم أسمع مثله قط، فذهبت أقدر ذلك الصوت فإذا قدره كعسكر اجتمعوا فاجلبوا بصوت واحد أو كفئة اجتمعت فتدافعت وأتى بعضها بعضاً، أو أعظم من ذلك‏. قال حزقيل‏:‏ فلما صعقت قال‏:‏ أنعشوه فإنه ضعيف خلق من طين، ثم قال‏:‏ اذهب إلى قومك فأنت طليعتي عليهم كطليعة الجيش من دعوته منهم، فأجابك واهتدى بهداك فلك مثل أجره، ومن غفلت عنه حتى يموت ضالاً فعليك مثل وزره لا يخفف ذلك من أوزارهم شيئاً، ثم عرج بالعرش واحتملت حتى رددت إلى شاطىء الفرات، فبينما أنا نائم على شاطىء الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى ادخلني جنب بيت المقدس، فإذا أنا بحوض ماء لا يجوز قدمي، ثم افضيت منه إلى الجنة فإذا شجرها على شطوط أنهارها، وإذا هو شجر لا يتناثر ورقه ولا يفنى عمره، فإذا فيه الطلع والقضيب والبيع والقطيف قلت‏:‏ فما لباسها‏؟‏ قال‏:‏ هو ثياب كثياب الحور يتفلق على أي لون شاء صاحبه‏.‏ قلت‏:‏ فما ازواجها‏؟‏ فعرضن عليَّ فذهبت لأقيس حسن وجوههن، فإذا هن لو جمع الشمس والقمر كان وجه احداهن اضوأ منهما، وإذا لحم إحداهن لا يواري عظمها، وإذا عظمها لا يواري مخها، وإذا هي إذا نام عنها صاحبها استيقظ وهي بكر فعجبت من ذلك‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فقيل لي‏:‏ لم تعجب من هذا‏؟‏ فقلت‏:‏ وما لي لا أعجب‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ فإنه من أكل من هذه الثمار التي رأيت خلد، ومن تزوج من هذه الأزواج انقطع عنه الهم والحزن قال‏:‏ ثم أخذ برأسي فردني حيث كنت‏. قال حزقيل‏:‏ فبينا أنا نائم على شاطىء الفرات إذ أتاني ملك فأخذ برأسي فاحتملني حتى وضعني بقاع من الأرض قد كانت معركة، وإذا فيه عشرة آلاف قتيل قد بددت الطيور والسباع لحومهم وفرقت بين اوصالهم، ثم قال لي‏:‏ إن قوماً يزعمون أنه من مات منهم أو قتل فقد انفلت مني وذهبت عنه قدرتي فادعهم‏.‏ قال حزقيل‏:‏ فدعوتهم فإذا كل عظم قد أقبل إلى مفصله الذي منه انقطع، ما رجل بصاحبه باعرف من العظم بمفصله الذي فارق حتى أمَّ بعضها بعضاً، ثم نبت عليها اللحم، ثم نبتت العروق، ثم انبسطت الجلود وأنا أنظر إلى ذلك، ثم قال‏:‏ ادع لي أرواحهم‏.‏ قال حزقيل‏:‏ فدعوتها وإذا كل روح قد أقبل إلى جسده الذي فارق، فلما جلسوا سألتهم فيم كنتم‏؟‏‏!‏ قالوا‏:‏ انَّا لما متنا وفارقنا الحياة لقينا ملك يقال له ميكائيل، قال‏:‏ هلموا أعمالكم وخذوا أجوركم، كذلك سُنَّتنا فيكم وفيمن كان قبلكم وفيمن هو كائن بعدكم‏.‏ فنظر في أعمالنا فوجدنا نعبد الأوثان، فسلط الدود على أجسادنا وجعلت الأرواح تألمه، وسلط الغم على أرواحنا وجعلت أجسادنا تألمه، فلم نزل كذلك نعذب حتى دعوتنا‏.‏ قال‏:‏ احتملني فردني حيث كنت‏.

القشيري

تفسير : أَمَره أَنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى التوحيد، ثم قال: فإنْ أعرضوا عن الإجابة فكُنْ بنا بنعت التجريد. ويقال قال له: يأيها النبي حسبُك الله، ثم أمره بأن يقول حسبي الله... وهذا عين الجمع، وقوله {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} فَرْق... بل هو جمع الجمع أي: قُلْ، ولكنك بنا تقول، ونحن المتولي عنك وأنت مُسْتَهْلَكٌ في عين التوحيد؛ فأنت بنا، ومَحْوٌ عن غيرنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {فان تولوا} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى ان اعرضوا عن الايمان بك وقبول نصحك ولم يتبعوك {فقل حسبى الله} كافينى فانه يكفيك معرتهم اى المساءة اتى تلحقك من قبلهم ويعينك عليهم. وفيه اشارة الى ان تبليغ الرسالة من النبى عليه السلام كان موجبا لقربه الى الله وقبوله اياه فلما بلغ رسالته فقد حصل على القبول من الله وقربته ان قبلوا وان اعرضوا {لا اله الا هو} كالدليل على ما قبله. يقول الفقير اصلحه الله القدير هذه الكلمة الطيبة فى حكم لا اله الا الله لان الضمير عائد الى المذكور من لفظ الجلالة وكون هو ضميرا لا ينافى كونه اسما لان المضمرات من قبيل الاسماء فما اشتهر بين الصوفية السالكين من الذكر به بناء على كونه اسما ولما كان وجود الكون موهوما ووجود الحق محققا معلوما صح ان يشار به الى الله تعالى سيما اطلق لعدم المزاحم فى الحقيقة والذكر به مناسب للمبتدئ لكونه فى حال الغيبة فاذا ترقى الترقى الكلى فلا يشار به الا الى بهو الا الى الهوية المطلقة نسأل الله التوفيق للوصول الى مراتب التحقيق {عليه توكلت} اى وثقت فلا ارجو ولا اخاف الا منه والتوكل اعتماد القلب على الله وسكونه وعدم اضطرابه لتعلقه بالله تعالى وهو رب العرش العظيم} بروردكار عرش بزرك مراد ملك عظيم است يا عرش كه قبله دعا ومطاف ملائكة باشد اشارت بكمال قدرت وحفظ حق تعال راست: يعنى آن خدايى كه عرش رابدان همه عظمت كه هشت هزار ركن دارد وبروايتى سيصد هزار قاعده واز قاعده تاقاعده سيصد هزار سال راه وهمه آن مملو ازخافات وصافات بقدرت كامله نكاه ميدارد قادرست كه مرانيزاز شر منافقان دربناه آردكه حافظ بندكان وناصر سر افكند كان اوست] شعر : ازخواه يارى كه يارى ده اوست بدو التجا كن كه اينها ازوست كسى راكه او آورد در بناه جه غم دارد از فتنه كينه خواه تفسير : قال الحدادى رب العرش العظيم اى خالق السرير العظيم الذى هو اعظم من السموات والارض وانما خص العرش بذلك لانه اذا كان رب العرش العظيم مع عظمته كان رب ما دونه فى العظم. وقيل انما خص العرش تشريفا للعرش وتعظيما لشأنه. واعلم ان العناصر والافلاك مرتبة فالارض ثم الماء ثم الهواء ثم النار ثم فلك القمر ثم فلك عطارد ثم فلك الزهرة ثم فلك الشمس ثم فلك المريخ ثم فلك المشترى ثم فلك زحل ثم فلك الثوابت ثم فلك الافلاك ويسمى الفلك الاعظم وهو محيط لجميع الاجسام من الفلكيات والعناصر ليس وراءه شيء لاخلاء ولاملاء وكل محيط من الافلاك والعناصر يماس المحاط الذى يليه فى الترتيب المذكور لاستحالة الخلاء وجملة هذه الاجرام من الافلاك والعناصر وما فيها يطلق عليها اسم العالم. قال بعض اهل التحقيق خلق الله العرش لاظهار شرف محمد صلى الله عليه وسلم وهو قوله {أية : عسى ان يبعثك ربك مقاما محمودا} تفسير : [الاسراء: 79]. وهو مقام تحت العرش ولان العرش معدن كتاب الابرار لقوله تعالى {أية : ان كتاب الابرار لفى عليين} تفسير : [المطففين: 18]. وايضا العرش مرآة الملائكة يرون الآدميين واحوالهم منه كى يشهدوا عليهم يوم القيامة فان عالم المثال والتمثال فى العرض كالاطلس فى الكرسى. قال حضرة شيخنا قدس سره فى الرسالة العرفانية التى صنفها فى سنة تسع وثمانين بعد الالف العرش العظيم هو الانسان الكبير والعرش الكريم هو الانسان الصغير فظاهر العرش العظيم والانسان الكبير والعرش الكريم هو الانسان الصغير فظاهر العرش العظيم والانسان الكبير على التبدل والتغيروباطنهما على الدوام والثبات وباطن العرش الكريم والانسان الصغير على التبدل والتغير وظاهرهما على الدوام والثبات انتهى اجمالا. يقول الفقير المباهى بالانتساب الى ذلك السيد الخطير لعل مراده رضى الله عنه ان باطن العرش العظيم هو العرش المحيط الذى يقال له الملكوت وظاهره ما تحته من الاجرام ويقال له عالم الكون والفساد فظاهر العرش لكونه عالم الكون والفساد على التبدل والتغير وباطنه وهو العرش نفسه على حاله بخلاف العرش الكريم الذى هو الانسان فان ظاهره من اول عمره الى آخره على الثبات وباطنه على التغير لان قلبه لا يخلو عن الافكار والتقلبات والله تعالى رب العرش العظيم ورب العرش الكريم فى الظاهر والباطن والاول والآخر هذا وقد ذكر فى فضائل هاتين الآيتين اللتين احداهما {أية : لقد جاءكم} تفسير : [التوبة: 128]. الآية والاخرى {فان تولوا} الآية -روى- ان ابا بكر بن مجاهد المقرى رحمه الله اتى اليه ابو بكر الشبلى قدس سره فدخل عليه فى مسجده فقام اليه فتحدث اصحاب ابن مجاهد بحديثهما وقالوا انت لم تقم لعلى بن عيسى الوزير وتقوم للشبلى فقال الا اقوم لمن يعظمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال لى يا ابا بكر اذا كان فى غد فسيدخل عليك رجل من اهل الجنة فاذا دخل فاكرمه قال ابن مجاهد قلما كان بعد ذلك بليلتين رأيت النبى عليه السلام فقال لى يا ابا بكر اكرمك الله كما اكرمت رجلا من اهل الجنة قلت يا رسول الله بم استحق الشبلى هذا منك فقال هذا رجل يصلى خمس صلوات يذكرنى اثر كل صلاة ويقرأ {أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم} تفسير : [التوبة: 128]. الى آخر السورة وذلك منذ ثمانين سنة أفلا اكرم من فعل كذا فى عقد الدرر واللآلئ. وفيه ايضا حكى عن بعض الصالحين انه حصل له ضيق شديد فرأى النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام فقال له يا فلان لا تغتم ولا تحزن اذا كان الغد ادخل على على بن عيسى الوزير فاقرئه منى السلام وقل له بعلامة انك صليت على عند قبرى اربعة آلاف مرة يدفع لك مائة دينار عينا فلما اصبح ذهب اليه وقص عليه الرؤيا فاغر ورقت عينا علىّ بن عيسى بالجموع وقال صدق الله ورسوله وصدقت انت يا رحل هذا شيء ما كان به علم الا الله ورسوله يا غلام هات الكيس فاحضره بين يديه فاخرج منه ثلاثمائة دينار وقال هذه المائة التى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه المائة الاخرى بشارة وهذه المائة الاخرى هدية لك فخرج الرجل من عنده ومعه ثلاثمائة دينار وقد زال همه وغمه ومن الله على الوزير المذكور فترك الوزارة وعلو الرياسة وظلم السلطنة وعظمة الجبابرة وذهب الى مكة وجاور فيها بركة ذكر النبى صلى الله عليه وسلم وتخصيصه بارسال ذلك الرجل لما سبق له فى علم الله تعالى بما يؤول امره اليه من الخير وحسن الخاتمة شعر : خدايا بحق بنى فاطمه كه برقول ايمان كنم خاتمه تفسير : .وعن ابىّ رضى الله عنه "حديث : ان آخر ما نزل هاتان الآيتان " تفسير : .وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ما نزل القرآن علىّ الا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وسورة قل هو الله احد فانهما انزلتا علىّ ومعهما سبعون الف صف من الملائكة " .تفسير : واعلم ان الاحاديث التى ذكرها صاحب الكشاف فى اواخر السورة وتبعه القاضى البيضاوى والمولى ابو السعود رحمهم الله من اجله المفسرين قد اكثر العلماء القول فيها فمن مثبت ومن ناف بناء على زعم وضعها كالامام الصغانى وغيره واللائح لهذا العبد الفقير سامحه الله القدير ان تلك الاحاديث لا تخلو اما ان تكون صحيحة قوية او سقيمة ضعيفة او مكذوبة موضوعة فان كانت صحيحة قوية فلا كلام فيها وان كانت ضعيفة الاسانيد فقد اتفق المحدثون على ان الحديث الضعيف يجوز العمل به فى الترغيب والترهيب فقط كما فى الاذكار للنووى وانسان العيون لعلى بن برهان الدين الحلبى والاسرار المحمدية لابن فخر الدين الرومى وغيرها وان كانت موضوعة فقد ذكر الحاكم وغيره ان رجلا من الزهاد انتدب فى وضع الاحاديث فى فضل القرآن وسوره فقيل له فلم فعلت هذا فقال رأيت الناس زهدوا فى القرآن فاحببت ان ارغبهم فيه فقيل له ان النبى صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من كذب علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" تفسير : اى فليتخذ يقال تبوأ الدار اتخذها مباءة اى مسكنا ومنزلا ولفظه امر ومعناه خبر يعنى فان الله بوأه مقعده اى موضع قعوده منها فقال انا ما كذبت عليه انما كذبت له كما فى شرح الترغيب والترهيب المسمى بفتح القريب اراد ان الكذب عليه يؤدى الى هدم قواعد الاسلام وافساد الشريعة والاحكام وليس كذلك الكذب له فانه للحث على اتباع شريعته واقتفاء اثره فى طريقته. قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام الكلام وسيلة الى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل اليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب حرام فان امكن التوصل اليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح ان كان تحصيل ذلك المقصود مباحا وواجب ان كان ذلك المقصود واجبا فهذا ضابطه انتهى: قال الشيخ سعدى شعر : خردمندان كفته اند دروغ مصلحت آميز به ازراست فتنه انكيز تفسير : وقال اللطيفى شعر : دروغى كه جان ودلت خوش كند به ازراستى كان مشوش كند تفسير : وبالجملة المرء مخير فى هذا الباب فان شاء عمل بتلك الاحاديث بناء على حسن الظن بالاكابر حيث اثبتوها فى كتبهم خصوصا فى صحف التفاسير الجليلة وظاهر انهم لا يصنعون حرفا الا بعد التصفح الكثير وان شاء ترك العمل بها وحرم من منافع جمة ولا محاجة معه وربما يتفق المحدثون على صحة بعض الاحاديث ولا صحة له فى نفس الامر فان الانسان مركب من السهو والنسيان وحقيقة العلم عند الله الملك المنان ولذا قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر قد يظهر من الخليفة الآخذ الحكم من الله ما يخالف حديثا ما فى الحكم فيتحيل انه من الاجتهاد وليس كذلك وانما هذا الامام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبى صلى الله عليه وسلم ولو ثبت الحكم به وان كان طريق الاسناد العدل عن العدل فالعدل ليس بمعصوم من الوهم الذى هو مبدأ السهو والنسيان ولا من النقل على المعنى الذى هو مبدأ التأويلات والتحريفات فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم انتهى فهذ كلام حق بلا مريه وليس وراء عبادان قريه. بقى ههنا شيء وهو ان بعض المتقدمين جعل القرآن اثلاثا فالثلث الاول ينتهى عند قوله فى سورة التوبة {أية : وقعد الذين كذبوا ورسوله} تفسير : [التوبة: 90]. والثلث الثانى عند قوله فى سورة العنكبوت {أية : الا بالتى هى احسن} تفسير : [العنكبوت: 46]. وعند العامة الثلث الاول ينتهى عند قوله تعالى {أية : وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون} تفسير : [التوبة: 93] وهو منتهى الجزء العاشر ولعل الاول قوله تحقيقى والثانى تقريبى والله اعلم بالصواب

الطوسي

تفسير : معنى {فإن تولوا} إن ذهبوا عن الحق واتباع الرسول وما يأمرهم به واعرضوا عن قوله. ونقيض التولي عنه التوجه اليه. ومثل التولي الاعراض. وقال الحسن: المعنى فان تولوا عن طاعة الله. وقيل {فإن تولوا} عنك، ومعناه فان ذهبوا عنك هؤلاء الكفار، ولم يقروا بنبوتك {فقل} يا محمد {حسبي الله} ومعناه كفاني الله وهو من الحساب لأنه تعالى يعطي بحسب الكفاية التي تغني عن غيره، ويزيد من نعمه ما لا يبلغ إلى حد ونهاية؛ اذ نعمه دائمة ومننه متظاهرة. وقوله {لا إله إلا هو} جملة في موضع الحال، وتقديره حسبي الله مستحقاً لإخلاص العبادة والاقرار بأن لا إله إلا هو. وقوله {عليه توكلت} فالتوكل تفويض الأمر إلى الله على الثقة بحسن تدبيره وكفايته، باخلاص النية في كل شيء يحذر منه، ومنه قوله {أية : حسبنا الله ونعم الوكيل} تفسير : أي المتولي للقيام بمصالح عباده وفي هذه الصفة بلطف. وقوله {وهو رب العرش العظيم} قيل في تخصيصه الذكر بأنه {رب العرش العظيم} ثلاثة أقوال: أحدها - انه لما ذكر الاعظم دخل فيه الاصغر. الثاني - أنه خص بالذكر تشريفاً له وتفخيماً لشأنه. الثالث - ليدل به على أنه ملك الملوك لأنه رب السرير الاعظم. وجرّ القراء كلهم {العظيم} على أنه صفة للعرش. وقال الزجاج: يجوز رفعه بجعله صفة لرب العرش. قال ابي بن كعب وسعيد بن جبير والحسن وقتادة: هذه آخر آية نزلت من القرآن ولم ينزل بعدها شيء.

الجنابذي

تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} عنك وعن الايمان بك {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} استظهاراً به وباعانته {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نفياً للغير فضلاً عن الحاجة اليه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} من قبيل عطف العلّة.

اطفيش

تفسير : {فَإِنْ تَوَلَّوْا} أَعرضوا عن الإِيمان بك وبما جئت به. {فَقُلْ حَسْبِىَ} كفانى أَو يكفينى {اللهُ} مكروههم ويعيننى عليهم، أَو مكروهكم ويعيننى عليكم {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} كالدليل على ما قبله لأَن من لا يستحق الأَلوهية إِلا هو يكون كافياً لا محالة {عَلَيْهِ} لا على غيره {تَوَكَّلْتُ} وثقت به لا بغيره فلا أَرجوا ولا أَخاف إِلا إِياه {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} الجسم العظيم، ولأَنه أَعظم المخلوقات خصه بالذكر والكرسى دونه، وقيل الكرسى والعرش شىءٌ أَعظم المخلوقات، أَو العرش الملك والأَرض كحلقة فى السماءِ الدنيا وكل سماءٍ كحلقة فى التى فوقها والعليا كحلقة فى الكرسى، والكرسى كحلقة فى العرش. وعن أَبى هريرة: آخر ما نزل هاتان الآيتان، وروى الحاكم عن أُبى بن كعب: آخر آية نزلت: لقد جاءَكم رسول، إِلى آخر السورة. وأَراد بالآية الآيتين الأُولى من لقد إِلى رحيم، والثانية من فإِن تولوا إِلى العظيم، وروى البخارى ومسلم عن البراءِ بن عازب: آخر آية نزلت: "أية : يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة"تفسير : [النساء: 176] الآية، وآخر سورة نزلت سورة براءَة، وعن ابن عباس آخر آية نزلت: واتقوا يوماً ترجعون فيه إِلى الله، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم عاش بعدها أَحداً وعشرين يوماً وقيل: أحداً وثمانين يوماً، وقيل: سبعة أَيام، وقيل: ثلاث ساعات. وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : المائِدة آخر القرآن نزولا، فأَحلوا حلالها وحرموا حرامهاتفسير : ، وقد مر الجمع بين ذلك، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قال حين يصبح وحين يمسى حسبى الله لا إِله إِلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبعاً كفاه الله ما أَهمه من أَمر الدنيا والآخرة" تفسير : وعن الحسين بن على: لا ينكب ولا يغرق ولا يكرب. وعن محمد بن كعب القرظى سقط رجل من فرسه فى سرية ذهبت إِلى الروم فانكسر فخذه ولم يمكنهم حمله وربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده ماءً وطعاماً وتركوه. وأَتاه آت فقال له: ضع يدك حيث الأَلم واقرأْ: فإِن تولوا... إِلخ فصح، ولحقهم: والله أَعلم، ولا حول ولا قوة إِلا بالله العى العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.

الالوسي

تفسير : {فَإِن تَوَلَّوْاْ} تلوين للخطاب وتوجيه له إليه صلى الله عليه وسلم تسلية له، أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} فإنه يكفيك معرَّتهم ويعينك عليهم {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} استئناف كالدليل لما قبله لأن المتوحد بالألوهية هو الكافي المعين {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فلا أرجو ولا أخاف إلا منه سبحانه {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ} أي الجسم المحيط بسائر الأجسام ويسمى بفلك الأفلاك وهو محدد الجهات {ٱلْعَظِيمِ} الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى. وفي الخبر «أن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وكذا السماء الدنيا بالنسبة إلى السماء التي فوقها وهكذا إلى السماء السابعة وهي بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة وهو بالنسبة إلى العرش كذلك» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا يقدر قدره أحد، وذكر أهل الأرصاد أن بعد مقعر الفلك الأعظم من مركز العالم ثلاثة وثلاثون ألف ألف وخمسمائة وأربعة وعشرون ألفاً وستمائة وتسع فراسخ، وأن بعد محدبه منه قد بلغ مرتبة لا يعلمها إلا الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء عليم، وقد يفسر العرش هنا بالملك وهو أحد معانيه كما في «القاموس»، وقرىء {ٱلْعَظِيمِ} بالرفع على أنه صفة الرب. وختم سبحانه هذه السورة بما ذكر لأنه تعالى ذكر فيها التكاليف الشاقة والزواجر الصعبة فأراد جل شأنه أن يسهل عليهم ذلك ويشجع النبـي صلى الله عليه وسلم على تبليغه، وقد تضمن من أوصافه صلى الله عليه وسلم الكريمة ما تضمن، وقد بدأ سبحانه من ذلك بكونه من أنفسهم لأنه كالأم في هذا الباب، ولا ينافي وصفه صلى الله عليه وسلم بالرأفة والرحمة بالمؤمنين تكليفه إياهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة لأن هذا التكليف أيضاً من كمال ذلك الوصف من حيث أنه سبب للتخلص من العقاب المؤبد والفوز بالثواب المخلد، ومن هذا القبيل معاملته صلى الله عليه وسلم للثلاثة الذين خلفوا كما علمت، وما أحسن ما قيل شعر : فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم تفسير : وهاتان الآيتان على ما روي عن أبـي بن كعب آخر ما نزل من القرآن. لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آخر آية نزلت {أية : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلَـٰلَةِ }تفسير : [النساء: 176] وآخر سورة نزلت براءة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما آخر آية نزلت {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ }تفسير : [البقرة: 281] وكان بين نزولها وموته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوماً، وقيل: تسع ليال، وحاول بعضهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا يخلو عن كدر. ويبعد ما روي عن أبـي ما أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبـي وقاص قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال: ولم سألتم هذا؟ قالوا: نطلب الأمن فأنزل الله تعالى هذه الآية {أية : لَقَدْ جَآءكُمْ } تفسير : [التوبة: 128] الخ والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقد ذكروا لقوله سبحانه: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} الآية ما ذكروا من الخواص، وقد أخرج أبو داود عن أبـي الدرداء موقوفاً وابن السني عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال حين يصبح وحين يمسي (حسبـي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) سبع مرات كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، وأخرج ابن النجار في «تاريخه» عن الحسين رضي الله تعالى عنه قال: «من قال حين يصبح سبع مرات (حسبـي الله لا إله إلا هو) الخ لم / يصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا نكب ولا غرق»، وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: خرجت سرية إلى أرض الروم فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئاً من ماء وزاد فلما ولوا أتاه آت فقال له: مالك هٰهنا؟ قال: انكسرت فخذي فتركني أصحابـي فقال: ضع يدك حيث تجد الألم وقل: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} الآية فوضع يده فقرأها فصح وركب فرسه وأدرك أصحابه، وهذه الآية ورد هذا الفقير ولله الحمد منذ سنين نسأل الله تعالى أن يوفق لنا الخير ببركتها إنه خير الموفقين. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] لما هداهم سبحانه إلى الإيمان العلمي وهم مفتونون بمحبة الأنفس والأموال استنزلهم لغاية عنايته سبحانه بهم عن ذلك بالمعاملة الرابحة بأن أعطاهم بدل ذلك الجنة، ولعل المراد بها جنة النفس ليكون الثمن من جنس المثمن الذي هو مألوفهم ولكن الفرق بين الأمرين، قال ابن عطاء: نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل إثم ومعصية فاشترى مولاك ذلك منك ليزيل ما يضرك ويعوضك عليه ما ينفعك ولهذا اشترى سبحانه النفس ولم يشتر القلب، وقد ذكر بعض الأكابر في ذلك أيضاً أن النفس محل العيب والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره فشراء الله تعالى ذلك مع اطلاعه سبحانه على العيب بالجنة التي لا عيب فيها نهاية الكرم ويرشد إلى ذلك قول القائل:شعر : ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبداً ليست بذات قروح أباها جميع الناس لا يشترونها ومن يشتري ذا علة بصحيح تفسير : وعن الجنيد قدس سره قال: إنه سبحانه اشترى منك ما هو صفتك وتحت تصرفك والقلب تحت صفته وتصرفه لم تقع المبايعة عليه، ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»تفسير : ، وذكر بعض أرباب التأويل أنه تعالى لما اشترى الأنفس منهم فذاقوا بالتجرد عنها حلاوة اليقين ولذة الترك ورجعوا عن مقام لذة النفس وتابوا عن هواها ولم يبق عندهم لجنة النفس التي كانت ثمناً قدر وصفهم بالتائبين فقال سبحانه: {ٱلتَّـٰئِبُونَ} أي الراجعون عن طلب ملاذ النفس وتوقع الأجر إليه تعالى وبلفظ آخر هم قوم رجعوا من غير الله إلى الله واستقاموا بالله تعالى مع الله تعالى. {ٱلْعَـٰبِدُونَ} أي الخاضعون المتذللون لعظمته وكبريائه تعالى تعظيماً وإجلالاً له جل شأنه لا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب وهذه أقصى درجات العبادة ويسميها بعضهم عبودة {ٱلْحَـٰمِدُونَ} بإظهار الكمالات العملية والعلمية حمداً فعلياً حالياً وأقصى مراتب الحمد إظهار العجز عنه. يروى أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أحمدك والحمد من آلائك فأوحى الله تعالى إليه الآن حمدتني يا داود. وما أعلى كلمة نبينا صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» تفسير : {ٱلسَّائِحُونَ} إليه تعالى بالهجرة عن مقام الفطرة ورؤية الكمالات الثابتة لهم في مفاوز الصفات ومنازل السبحات، وقال بعض العارفين: السائحون هم السيارون بقلوبهم في الملكوت الطائرون بأجنحة المحبة في هواء الجبروت، وقد يقال: هم الذين صاموا عن المألوفات حين عاينوا هلال جماله تعالى في هذه النشأة ولا يفطرون حتى يعاينوه مرة أخرى في النشأة الأخرى، وقد امتثلوا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»تفسير : {ٱلركِعُونَ} في مقام محو الصفات {ٱلسَّـٰجِدونَ} بفناء الذات، وقال بعض العارفين: الراكعون هم العاشقون المنحنون من ثقل أوقار المعرفة على باب العظمة ورؤية الهيبة، والساجدون هم الطالبون / لقربه سبحانه. فقد جاء في الخبر «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وقد يقال: الراكعون الساجدون هم المشاهدون للحبيب السامعون منه، وما أحسن ما قيل: شعر : لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا لعزة ركعاً وسجوداًتفسير : { ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ} أي الداعون الخلق إلى الحق والدافعون لهم عما سواه، فإن المعروف على الإطلاق هو الحق سبحانه والكل بالنسبة إليه عز شأنه منكر {وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ} أي المراعون أوامره ونواهيه سبحانه في جوارحهم وأسرارهم وأرواحهم أو الذين حفظوا حدود الله المعلومة فأقاموها على أنفسهم وعلى غيرهم، وقيل: هم القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم فلا يتجاوزون ذلك وإن حصل لهم ما حصل فهم في مقام التمكين والصحو لا يقولون ما يقوله سكارى المحبة ولا يهيمون في أودية الشطحات. وفي الآية نعي على أناس ادعوا الانتظام في سلك حزب الله تعالى وزمرة أوليائه وهم قد ضيعوا الحدود وخرقوا سفينة الشريعة وتكلموا بالكلمات الباطلة عند المسلمين على اختلاف فرقهم حتى عند السادة الصوفية فإنهم أوجبوا حفظ المراتب، وقالوا: إن تضييعها زندقة شعر : وقد خالطتهم فرأيت منهم خبائث بالمهيمن نستجير تفسير : ولعمري إن المؤمن من ينكر على أمثالهم فإياك أن تغتر بهم {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [التوبة: 112] بالإيمان الحقي المقيمين في مقام الاستقامة واتباع الشريعة {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِيّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ الجحيم }تفسير : [التوبة: 113] أي ما صح منهم ذلك ولا استقام فإن الوقوف عند القدر من شأن الكاملين. ومن هنا قيل: لا تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا تيقن وقوع كل شيء بقدره تعالى الموافق للحكمة البالغة وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولم يتهم الله سبحانه في شيء من الفعل والترك سكن تحت كهف الأقدار وسلم لمدعي الإرادة وأنصت لمنادي الحكمة وترك مراده لمراد الحبيب بل لا يريد إلا ما يريده، وهو الذي يقتضيه مقام العبودية المحضة الذي هو أعلى المقامات ودون ذلك مقام الإدلال، ولقد كان حضرة مولانا القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في هذا المقام وله كلمات تشعر بذلك لكن لم يتوف قدس سره حتى انتقل منه إلى مقام العبودية المحضة كما نقل مولانا عبد الوهاب الشعراني في «الدرر واليواقيت»، وقد ذكر أن هذا المقام كان مقام تلميذه حضرة مولانا أبـي السعود الشبلي قدس سره {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} أي ليصفهم بالضلال عن طريق التسليم والانقياد لأمره والرضا بحكمه {بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ} إلى التوحيد العلمي ورؤية وقوع كل شيء بقضائه وقدره {حَتَّىٰ يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} أي ما يجب عليهم اتقاؤه في كل مقام من مقامات سلوكهم وكل مرتبة من مراتب وصولهم فإذا بين لهم ذلك فإن أقدموا في بعض المقامات على ما تبين لهم وجوب اتقائه أضلهم لارتكابهم ما هو ضلال في دينهم وإلا فلا {أية : أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ }تفسير : [التوبة:115] فيعلم دقائق ذنوبهم وإن لم يتفطن لها أحد. {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلاْنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ }تفسير : [التوبة: 117] لا يخفى أن توبة الله سبحانه على كل من النبـي عليه الصلاة والسلام ومن معه بحسب مقامه، وذكر بعضهم أن التوبة إذا نسبت إلى العبد كانت بمعنى الرجوع من الزلات إلى الطاعات وإذا نسبت إلى الله سبحانه كانت بمعنى رجوعه إلى العباد بنعت الوصال وفتح الباب ورفع الحجاب {وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} وذلك لاستشعار سخط المحبوب {وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} أي تحققوا ذلك فانقطعوا إليه سبحانه / ورفعوا الوسائط {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة:118] حيث رأى سبحانه انقطاعهم إليه وتضرعهم بين يديه، وقد جرت عادته تعالى مع أهل محبته إذا صدر منهم ما ينافي مقامهم بأدبهم بنوع من الحجاب حتى إذا ذاقوا طعم الجناية واحتجبوا عن المشاهدة وعراهم ما عراهم مما أنساهم دنياهم وأخراهم أمطر عليهم وابل سحاب الكرم وأشرق على آفاق أسرارهم أنوار القدم فيؤنسهم بعد يأسهم ويمن عليهم بعد قنوطهم {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ }تفسير : [الشورى:28 ]، وما أحلى قوله: شعر : هجروا والهوى وصال وهجر هكذا سنت الغرام الملاح تفسير : . {ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في جميع الرذائل بالاجتناب عنها {أية : وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ }تفسير : [التوبة: 119] نية وقولاً وفعلاً أي اتصفوا بما اتصفوا به من الصدق، وقيل: خالطوهم لتكونوا مثلهم فكل قرين بالمقارن يقتدي. وفسر بعضهم الصادقين بالذين لم يخلفوا الميثاق الأول فإنه أصدق كلمة، وقد يقال: الأصل الصدق في عهد الله كما قال تعالى: {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب: 23] ثم في عقد العزيمة ووعد الخليقة كما قال سبحانه في إسماعيل: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ }تفسير : [مريم: 54] وإذا روعي الصدق في المواطن كلها كالخاطر والفكر والنية والقول والعمل صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات فهو أصل شجرة الكمال وبذر ثمرة الأحوال وملاك كل خير وسعادة؛ وضده الكذب فهو أسوأ الرذائل وأقبحها وهو منافي المروءة كما قالوا: لا مروءة لكذوب {وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ} إشارة إلى أنه يجب على كل مستعد من جماعة سلوك طريق طلب العلم إذ لا يمكن لجميعهم أما ظاهراً فلفوات المصالح وأما باطناً فلعدم الاستعداد للجميع. والفقه من علوم القلب وهي إنما تحصل بالتزكية والتصفية وترك المألوفات واتباع الشريعة، فالمراد من النفر السفر المعنوي وهذا هو العلم النافع، وعلامة حصوله عدم خشية أحد سوى الله تعالى، ألا ترى كيف نفى الله عمن خشي غيره سبحانه الفقه فقال: {أية : لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مّنَ ٱللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }تفسير : [الحشر:13] وعلى هذا فحق لمثلي أن ينوح على نفسه، وقد صرح بعض الأكابر أن الفقه علم راسخ في القلب، ضاربة عروقه في النفس، ظاهر أثره على الجوارح لا يمكن لصاحبه أن يرتكب خلاف ما يقتضيه إلا إذا غلب القضاء والقدر، وقد أنزل الله تعالى كما قيل على بعض أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام: لا تقولوا العلم بالسماء من ينزل به ولا في تخوم الأرض من يصعد به ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به، العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين، أظهر العلم من قلوبكم حتى يغمركم ويغطيكم. وجاء «من اتقى الله أربعين صباحاً تفجرت ينابع الحكمة من قلبه» وإذا تحققت ذلك علمت أن دعوى قوم اليوم الفقه بالمعنى الذي ذكرناه مع تهافتهم على المعاصي تهافت الفراش على النار وعقدهم الحلقات عليها دعوى كاذبة مصادمة للعقل والنقل وهيهات أن يحصل لهم ذلك الفقه ما داموا على تلك الحال ولو ضربوا رؤوسهم بألف صخرة صماء، وعطف سبحانه قوله: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ} على قوله تعالى: {لّيَتَفَقَّهُواْ} إشارة إلى أن الإنذار بعد التفقه والتحلي بالفضائل إذ هو الذي يرجى نفعه: شعر : ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدي بالقول منك وينفع التعليم تفسير : ولذا قال جل وعلا: {أية : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }تفسير : [التوبة: 122] وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ ٱلْكُفَّارِ} / إشارة إلى الجهاد الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها، وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً} أي قهراً وشدة حتى تبلغوا درجة التقوى {أية : وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ }تفسير : [التوبة: 123] بالولاية والنصر {أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} أي يصيبهم بالبلاء ليتوبوا {أية : ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ }تفسير : [التوبة: 126] وفي الأثر «البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه» ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ }تفسير : [لقمان: 32] وقوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَـٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } تفسير : [يونس: 12] وبالجملة إن البلاء يكسر سورة النفس فيلين القلب فيتوجه إلى مولاه إلا أن من غلبت عليه الشقاوة ذهب منه ذلك الحال إذا صرف عنه البلاء كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }تفسير : [العنكبوت: 65] وقوله سبحانه: {أية : فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرّ مَّسَّهُ }تفسير : [يونس:12] {لَقَدْ جَآءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي من جنسكم لتقع الألفة بينكم وبينه فإن الجنس إلى الجنس يميل وحينئذٍ يسهل عليكم الاقتباس من أنواره صلى الله عليه وسلم. وقرىء كما قدمنا {مّنْ أَنفُسِكُمْ} أي أشرفكم في كل شيء ويكفيه شرفاً أنه عليه الصلاة والسلام أول التعينات وأنه كما وصفه الله تعالى على خلق عظيم: شعر : وعلى تفنن واصفيه بوصفه يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف تفسير : {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي يشق عليه عليه الصلاة والسلام مشقتكم فيتألم صلى الله عليه وسلم لما يؤلمكم كما يتألم الشخص إذا عرا بعض أعضائه مكروه، وعن سهل أنه قال: المعنى شديد عليه غفلتكم عن الله تعالى ولو طرفة عين فإن العنت ما يشق ولا شيء أشق في الحقيقة من الغفلة عن المحبوب {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي على صلاح شأنكم أو على حضوركم وعدم غفلتكم عن مولاكم جل شأنه {بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ} يدفع عنهم ما يؤذيهم {أية : رَّحِيمٌ }تفسير : [التوبة: 128] يجلب لهم ما ينفعهم، ومن آثار الرأفة تحذيرهم من الذنوب والمعاصي ومن آثار الرحمة إضافته صلى الله عليه وسلم عليهم العلوم والمعارف والكمالات، قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته فأقام سبحانه بينه وبينهم مخلوقاً من جنسهم في الصورة فقال: {لَقَدْ جَآءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} وألبسه من نعته الرأفة الرحمة وأخرجه إلى الخلق سفيراً صادقاً وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال سبحانه: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء: 80] ثم أفرده لنفسه خاصة وآواه إليه بشهوده عليه في جميع أنفاسه وسلى قلبه عن إعراضهم عن متابعته بقوله جل شأنه: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن قبول ما أنت عليه لعدم الاستعداد وزواله {فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ} لا حاجة لي بكم كما لا حاجة للإنسان إلى العضو المتعفن الذي يجب قطعه عقلاً فالله تعالى كافي {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فلا مؤثر غيره ولا ناصر سواه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} لا على غيره من جميع المخلوقات إذ لا أرى لأحد منهم فعلاً ولا حول ولا قوة إلا بالله {أية : وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [التوبة: 129] المحيط بكل شيء، وقد ألبسه سبحانه أنوار عظمته وقواه على حمل تجلياته ولولا ذلك لذاب بأقل من لمحة عين، وإذا قرىء {ٱلْعَظِيمِ} بالرفع فهو صفة للرب سبحانه، وعظمته جل جلاله مما لا نهاية لها وما قدروا الله حق قدره نسأله بجلاله وعظمته أن يوفقنا لإتمام تفسير كتابه حسبما يحب ويرضى فلا إله غيره ولا يرجى إلا خيره.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ}. أمر تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه صلى الله عليه وسلم، بالتوكل عليه جل وعلا. ولا شك أنه ممتثل ذلك، فهو سيد المتوكلين عليه صلوات الله وسلامه، والتوكل على الله تعالى، هو شأن إخوانه من المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه. كما بين تعالى ذلك في آيات أخر، كقوله عن هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام {أية : قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ} تفسير : [هود: 54-56] الآية: وقوله تعالى عن نوح: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ} تفسير : [يونس: 71] وقوله تعالى عن جملة الرسل: {أية : وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَ} تفسير : [إبراهيم: 12] الآية: تفسير : ومن أوضح الأدلة على عظم توكل نبينا صلى الله عليه وسلم على الله، قوله يوم حنين، وهو على بغلة في ذلك الموقف العظيم. شعر : أنا النَّبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

د. أسعد حومد

تفسير : (129) - فَإِنْ أَعْرَضُوا عَمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الشَّريعَةِ العَظِيمَةِ المُطَهَّرَةِ، وَأَعْرَضُوا عَنِ الإِيمَانِ بِكَ، وَالاهْتِدَاءِ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ، فَلاَ تَحْزَنْ لِذَلِكَ، وَقُلْ: يَكْفِينِي اللهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَهُوَ مَالِكُ كُلِّ شَيءٍ وَخَالِقُهُ، لأَنَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، وَجَمِيعُ الخَلْقِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ تَحْتَ العَرْشِ، مَقْهُورُونَ بِقُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُّلِ شَيءٍ، وَقَدَرُهُ نَافِذُّ فِي كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. حَسْبِيَ اللهُ - اللهُ كَافيَّ وَمُعِينِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ولم يقل الحق لرسوله: "إن تولوا وأعرضوا فاعتقد أن حسبك الله" لا، بل أعلنها للناس كافة؛ حتى يسمعوها، ولعل في إعلانك لها ما يلفتهم إلى الحقيقة؛ لأنك إن قلتها؛ فلن تقولها إلا وعندك رصيد إيماني بها، وإن فعل أحدهم شيئاً ضدك؛ فسوف يعاقبه الله. وحين تعلن: {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} بعد أن كذبوك، فالأحداث التي سوف تأتي بعد إعلانك {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} ستؤكد أن حسبك في مكانه الصحيح، ولله المثل الأعلى - أنت تقول: "حسبي نصرة فلان"؛ لأنك تثق في قدرة فلان هذا، ولكن القوة في الحياة أغيار، وحين تقول: {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} فلا إله غيره سبحانه، ولا إله آخر يعارضه في هذا أو في غيره. وقل: {حَسْبِيَ ٱللَّهُ} برصيد {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} و {لاۤ إِلَـٰهَ} نفي، و {إِلاَّ هُوَ} إثبات، إذن: ففي هذا القول {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نفي منطقي مع سلب، وإثبات منطقي مع الإيجاب، وهنا نفي أيِّ ألوهية لغير الله، والاستثناء من ذلك هو الله، ورحم الله شيخنا عبد الرحمن عزام حين ترجم عن محمد إقبال شاعر باكستان الكبير، فقال: شعر : إنَّما التوحيد إيجابٌ وسلبٌ فيهما للنفسِ عزمٌ ومضاءُ تفسير : إيجاب في {إِلاَّ هُوَ}، وسلب في {لاۤ إِلَـٰهَ}، فيهما للنفس عزم ومضاء، أي: هما للنفس قطبا الكهرباء، فاسلب الألوهية من غير الله وأثبتها لله. والناس - كما نعلم - ثلاثة أقسام: قسم ينكر وجود إله للكون مطلقاً، وهم الملاحدة، وقسم ثان يقول: إن هناك الله الذي يوحده المسلمون؛ لكن له شركاء ينفعوننا عند الله. وقسم ثالث يقول بوحدانية الله. وساعة نقول {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} نكون قد أثبتنا الألوهية لله، وأثبتنا أن لا شريك له، وأثبتنا ألا إله غيره، وسبحانه يقول: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} وهذا أمر طبيعي، ويمكن أن نعرفه بالحساب؛ ولذلك جاء بـ {حَسْبِيَ} من الحساب. واحسبها فلن تجد إلا الله. وما دام حسبك الله ولا إله إلا هو، فسبحانه يبسط عليك حمايته ونصرته لك، فمن العقل أن تضع نفسك بين يدي رسولك، الذي أبلغك البلاغ الكامل عن الله، وأن تتوكل عليه سبحانه. وما دام سبحانه هو حسبك ولا إله إلا هو، والواجب يفرض عليك أن تظل في مَعيَّته سبحانه، ومعيّة الله مرحلتان: الأولى بأخذ الأسباب التي أمدّ بها خلقه، ومعية إيمانك المطلق بأن الأسباب إن عجزت معك، فأنت تلجأ إلى مسبِّب الأسباب الموجود وهو رب الوجود. وترى - مثلاً - الناس وهي تحتاج إلى المياه؛ لأنها ضرورة للحياة؛ فيذهبون إلى البئر فلا يجدون الماء رغم وجود البئر؛ لأن المياه التي تأتي من جوف الأرض لم تعد تتسرب إليه، ولماذا؟ لأن المخزون من ماء المطر الذي كان يأتي من أعالي الجبال ويتسرب تحت الأرض قد نفد، ولهذا نحتاج إلى مدد من أمطار السماء؛ لتجري إلى المسارب تحت الأرض وتعود المياه إلى البئر. وإذا جفَّت الآبار المحيطة بنا، هل نيأس؟ لا؛ لأن ربنا بيَّن لنا: ارفعوا أيديكم لربكم. إذن: فنحن إذا استنفدنا الأسباب نطلب من المسبب، ولذلك أتحدى أن يستنفد واحد أسباب الله الممدودة إليه، ويلجأ إلى الله فيرده. إن يد الله ممدودة لنا بالأسباب ولا يصح أن يهمل إنسان ولا يأخذ بالأسباب، ويقول: أنا متوكل على الله، إن على الإنسان أن يأخذ أولاً بالأسباب وأن يستنفدها، وبعد ذلك يقول: ليس لي ملجأ إلا أنت سبحانك، واقرأ إن شئت قول الله سبحانه: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62]. والمضطّر: هو من استنفد أسبابه، وليس له إلا الله. لكن أن يقول إنسان: أنا أدعو الله ليل نهار وأسبِّحُه سبحانه وأقرأ سورة يس مثلاً، ولا يستجيب الله لدعائي. ونقول لمثل هذا القائل: أنت لا تدعو عن اضطرار ولم تأخذ بالأسباب، خذ بالأسباب التي خلقها الله، أولاً، ثم ادْعُ بعد ذلك. ولا تدْعُ إلا إذا استنفدت الأسباب؛ فيجيبك المسبِّب، وبذلك لا تفتن بالأسباب، فحين تمتنع الأسباب؛ تلجأ إلى الله. ولو كانت الأسباب تعطى كلها لفُتِنَ الإنسان بالأسباب، والحق سبحانه يقول: {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. لذلك نجد الحق يبيّن دائماً أن كل الأسباب بيده، فنرى من يحرث ويبذر ويروي ويرعى، ثم يقترب الزرع من النضج، وبعد ذلك تأتي موجة حارة تميته، أو ينزل سيل يجرفه. إذن: خذ بالأسباب واجعل المسبب دائماً في بالك، وهنا يصح توكلك على الله. وكثير من الناس يخطئ في فهم كلمة "التوكُّل"، وأقول: إن التوكل يعني أن تأخذ، أولاً، أسباب الله التي خلقها سبحانه في كونه، فإن عَزّت الأسباب ولم تصل إلى نتيجة؛ فاتجه إلى الله، مصداقاً لقوله: {أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}. ونحن ندعو أحياناً عن غير اضطرار ونهمل الأسباب، والمثال تجده في حياتنا حين يقول الابن لأمه: "ادعي لي حتى أنجح" وتجيب الأم الأمية قائلة كلمة بسيطة هي: "ساعد الدعاء بقليل من المذاكرة"، وهي بذلك تدل ابنها على ضرورة الأخذ بالأسباب. إذن: فمعنى التوكل، أن تستنفد الأسباب التي مدَّتها يد الله إليك. فإذا استنفدتها؛ إياك أن تيأس؛ لأن لك ربّاً، وهو سبحانه ركن شديد ترجع إليه. ومثال آخر: إذا كنت سائراً في الشارع ومعك جنيه واحد مثلاً ثم وقع منك أو سُرق، ولا تملك في البيت أو في البنك مليماً واحداً، هنا تغضب وتحزن، أما إن كان في البيت عشرة جنيهات؛ فنسبة الغضب والحزن ستكون قليلة، وإذا كان في البيت عشرة جنيهات وفي البنك مائة جنيه؛ فلن تحزن أو تغضب لضياع الجنيه الواحد. وهكذا تثق بالمثل عوضاً عن المثل، أفلا تثق بواهب هذا المثل عن عوض المثل؟ إذن: فالتوكل هو أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب. والكسالى هم من يريدون أن يكون التوكل للجوارح وليس القلوب. وكان من الممكن أن يغيّر الحق الأسلوب في الآية فيقول: توكلت عليه. بدلاً من {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} ولكن إن وفقت الفهم عن قوله الحق، ستجد أن الإنسان إن قال: "أنا اعتمدت عليك" فقد تعطف قائلاً: "وعلى فلان وعلى فلان". لكن قولك: عليك توكلت لا يمكن أن تعطف من بعدها، وفيها تنزيه لله ولا أحد غيره يتوكل عليه الخلق، مثلما تقول في الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} أي: لا نعبد غيرك، فتكون قد قصرت العبادة عليه سبحانه. وتوكلك على الله له رصيد؛ لأن ربك ورب الكون الذي استقبلك، ولا تصل قدرتك إليه، فأنت في الأرض تحرثها، وتبذرها، وترويها، ثم تأخذ من عطاء الله لك؛ فهو ربك، ورب الكون الذي استقبلك، وأصبح هذا الكون مسخراً لك، وأنت لم تكن قادراً على تسخير الكون. صحيح أنك قد تُسخِّر الدابة وتربطها وتمتطيها وتحمل عليها السماد مثلاً وكل ذلك مسخر لك وفي قدرتك، وهذا من فضل الله عليك. ويزيد فضله سبحانه، وترى مخلوقات مُسخَّرة لك، وليست في قدرتك؛ فالشمس مُسخَّرة لك؛ تشرق كل يوم بالدفء وبالحرارة، وكذلك القمر، والغمام، وكل هذه مخلوقات ليس في قدرتك السيطرة عليها، بل سخرها الله لخدمتك. وربك رب الكون الذي استقبلك سخر لك ما ليس في يدك، وهو سبحانه رب الملكوت الذي يدير كل ذلك وأنت لا تراه، وهو الذي يدير كل هذه الأشياء. فلا تنظر إلى ظواهر العطاء فقط، بل انظر إلى مسبِّبات العطاء في ظواهر العطاء، ولا تلتفت إلى ظاهرة إلا لتعرف ما وراء هذه الظاهرة. وما وراء أي ظاهرة كثير. ويقول الحق سبحانه: {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} نعم، هو رب الكون الذي استقبلك وسخر لك ما في يدك وما ليس في يدك، وما وراء المرئيات من عالم الملكوت؛ ليدير بكمال قدرته كل شيء، وكل ما في الكون ملك لله. وله سبحانه العرش العظيم، فما هو العرش؟ نعرف لأول وهلة أن العرش هو السقف، فحين تبني دوراً واحداً تصنع له السقف؛ ليحميك من وهج الشمس والمطر، وإن كانت الأرض رخوة فالمباني تهبط، وبنينا السقوف حتى تحمي الجدران من عوامل التعرية. وقول الله سبحانه: {ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} معناها: استواء الأمر استواءً يدخل فيه كل مقدور؛ ولذلك عبر سبحانه عن الملك مثلاً في ملكة سبأ على لسان الهدهد فقال: {أية : إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23]. العرش، إذن، رمز السيطرة، وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد أن الذي يأخذ الملك من واحد قبله يبدأ في تطهير الجيوب المحيطة به ويبحث عن الأنصار؛ ليعيد ترتيب الملك بما يراه مناسباً له؛ حتى تستقر له الأمور، ثم يجلس بعد ذلك على العرش. إذن: فالجلوس على العرش معناه استتباب الأمر استتباباً نهائياً للمالك الأعلى. وسبحانه يقول: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ...} تفسير : [غافر: 7]. وساعة تسمع كلمة "العرش" خذها على أنها رمز لاستتباب الأمر لله، وأن كل شيء دخل في حيِّز قدرته، وفي حيِّز {كن}، كما يستقر الأمر للملك المحَسِّ، فلا يجلس على العرش، ولا يهدأ، إلا إذا استقرت الأمور. هذا ما نراه في الأمور الدنيوية، فما بالنا باستقرار كل الكون من الأزل لله سبحانه وتعالى؟ يقول الحق سبحانه: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ...} تفسير : [الأعراف: 54]. أي: أن الأمور قد استتبت له. وهكذا نجد أن كلمة "الْعَرْشِ" وردت في عروش الدنيا، وفي عرش الله سبحانه، فعروش الدنيا ترمز إلى استتباب الأمر لمن يجلس عليها، والعرش بالنسبة لله رمز للاستتباب أمر الكون كله له سبحانه لا ينغص عليه شيء ولا يخرج من ملكه شيء. والكون كله، بكل ما فيه مستتب لكلمة "كن" ومخلوق بها وخاضع لسلطان الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق: {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} ولا يوصف العرش بأنه عظيم إلا وفي أذهان الناس عروش الملوك التي نراها في حياتنا، مثلما قال الهدهد عن ملكة سبأ: {أية : وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النمل: 23]. أي: بمقاييس البشر. أما قوله تعالى هنا: {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} [التوبة: 129]. فهو بمقاييس رب البشر، إنه عرش الخالق العظيم سبحانه وهو فوق التصور البشري؛ لذلك نفهمه في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} تفسير : [الشورى: 11].