Verse. 1365 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

الۗرٰ۝۰ۣ تِلْكَ اٰيٰتُ الْكِتٰبِ الْحَكِيْمِ۝۱
Aliflamra tilka ayatu alkitabi alhakeemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الر» الله أعلم بمراده بذلك «تلك» أي هذه الآيات «آيات الكتاب» القرآن والإضافة بمعنى من «الحكيم» المحكم.

1

المنزل الثالث

Tafseer

الرازي

تفسير : قوله جل جلاله {الر } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وعاصم {الر } بفتح الراء على التفخيم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويحيى عن أبي بكر: بكسر الراء على الإمالة. وروي عن نافع وابن عامر وحماد عن عاصم، بين الفتح والكسر، واعلم أن كلها لغات صحيحة. قال الواحدي: الأصل ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو ما ولا، لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصوصة، فقصد بذكر الإمالة التنبيه على أنها أسماء لا حروف. المسألة الثانية: اتفقوا على أن قوله {الر } وحده ليس آية، واتفقوا على أن قوله { أية : طه } تفسير : [طه:1] وحده آية. والفرق أن قوله: {الر } لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله: {طه } فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده. المسألة الثالثة: الكلام المستقصى في تفسير هذا النوع من الكلمات قد تقدم في أول سورة البقرة إلا أنا نذكر ههنا أيضاً بعض ما قيل. قال ابن عباس {الر } معناه أنا الله أرى. وقيل أنا الرب لا رب غيري. وقيل {الر } و { أية : حـم } تفسير : [السجدة:1] و { أية : ن } تفسير : [القلم:1] اسم الرحمن. قوله تعالى: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } فيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {تِلْكَ } يحتمل أن يكون إشارة إلى ما في هذه السورة من الآيات، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن، وأيضاً فالكتاب الحكيم يحتمل أن يكون المراد منه هو القرآن، ويحتمل أن يكون المراد منه غير القرآن، وهو الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى الذي منه نسخ كل كتاب، كما قال تعالى: { أية : إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ } تفسير : [الواقعة: 77، 78] وقال تعالى: { أية : بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 22] وقال: { أية : وَإِنَّهُ فِى أُمّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ } تفسير : [الزخرف: 4] وقال: { أية : يَمْحُوْا ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 39]. وإذا عرفت ما ذكرنا من الاحتمالات تحصل ههنا حينئذ وجوه أربعة من الاحتمالات: الاحتمال الأول: أن يقال: المراد من لفظة {تِلْكَ } الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة، فكان التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم الذي هو القرآن، وذلك لأنه تعالى وعد رسوله عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، ولا يغيره كرور الدهر، فالتقدير أن تلك الآيات الحاصلة في سورة {الر } هي آيات ذلك الكتاب المحكم الذي لا يمحوه الماء. الاحتمال الثاني: أن يقال: المراد أن تلك الآيات الموجودة في هذه السورة هي آيات الكتاب المخزون المكنون عند الله. واعلم أن على هذين القولين تكون الإشارة بقولنا: {تِلْكَ } إلى آيات هذه السورة وفيه إشكال، وهو أن {تِلْكَ } يشار بها إلى الغائب، وآيات هذه السورة حاضرة، فكيف يحسن أن يشار إليه بلفظ {تِلْكَ }. واعلم أن هذا السؤال قد سبق مع جوابه في تفسير قوله تعالى: { أية : الم ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ } تفسير : [البقرة: 1، 2]. الاحتمال الثالث والرابع: أن يقال: لفظ {تِلْكَ } إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن، والمراد بها: هي آيات القرآن الحكيم، والمراد أنها هي آيات ذلك الكتاب المكنون المخزون عند الله تعالى، وفي الآية قولان آخران: أحدهما: أن يكون المراد من {ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ } التوراة والإنجيل، والتقدير: أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل، والمعنى: أن القصص المذكورة في هذه السورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة والإنجيل، مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما كان عالماً بالتوراة والإنجيل، هذه الموافقة لا يمكن إلا إذا خص الله تعالى محمداً بإنزال الوحي عليه. والثاني: وهو قول أبي مسلم: أن قوله: {الر } إشارة إلى حروف التهجي، فقوله: {الر تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت علامات لهذا الكتاب الذي آيات به وقع التحدي. فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام الناس بالوصف المعجز، وإلا لكان اختصاصه بهذا النظم، دون سائر الناس القادرين على التلفظ بهذه الحروف محالاً. المسألة الثانية: في وصف الكتاب بكونه حكيماً وجوه: الأول: أن الحكيم هو ذو الحكمة بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة. الثاني: أن يكون المراد وصف الكلام بصفة من تكلم به. قال الأعشى: شعر : وغريبة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها تفسير : الثالث: قال الأكثرون {ٱلْحَكِيمُ } بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل دليله قوله تعالى: { أية : وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 213] فالقرآن كالحاكم في الاعتقادات لتميز حقها عن باطلها، وفي الأفعال لتميز صوابها عن خطئها، وكالحاكم على أن محمداً صادق في دعوى النبوة، لأن المعجزة الكبرى لرسولنا عليه الصلاة والسلام، ليست إلا القرآن الرابع: أن {ٱلْحَكِيمُ } بمعنى المحكم. والأحكام معناه المنع من الفساد، فيكون المراد منه أنه لا يمحوه الماء، ولا تحرقه النار، ولا تغيره الدهور. أو المراد منه براءته عن الكذب والتناقض. الخامس: قال الحسن: وصف الكتاب بالحكيم، لأنه تعالى حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه، فعلى هذا {ٱلْحَكِيمُ } يكون معناه المحكوم فيه. السادس: أن {ٱلْحَكِيمُ } في أصل اللغة: عبارة عن الذي يفعل الحكمة والصواب، فكان وصف القرآن به مجازاً، ووجه المجاز هو أنه يدل على الحكمة والصواب، فمن حيث إنه يدل على هذه المعاني صار كأنه هو الحكيم في نفسه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {الۤر} قال النحاس: قرىء على أبي جعفر أحمد بن شعيب بن علي بن الحسين بن حريث قال: أخبرنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد أن عكرمة حدّثه عن ٱبن عباس: الۤر، وحمۤ، ونون (حروف) الرحمن مفرّقة؛ فحدّثت به الأعمش فقال: عندك أشباه هذا ولا تخبرني به؟. وعن ٱبن عباس أيضاً قال: معنى «الۤر» أنا الله أرى. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول؛ لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب وأنشد:شعر : بالخير خيراتٍ وإن شَرّاً فَا ولا أُريد الشرّ إلا أنْ تَا تفسير : وقال الحسن وعكرمة: «الۤر» قَسَم. وقال سعيد عن قتادة: «الۤر» اسم السورة؛ قال: وكذلك كل هجاء في القرآن. وقال مجاهد: هي فواتح السُّوَر. وقال محمد بن يزيد: هي تنبيه، وكذا حروف التهجي. وقرىء «الر» من غير إمالة. وقرىء بالإمالة لئلا تُشبه ما ولا من الحروف. قوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} ابتداء وخبر، أي تلك التي جرى ذكرها آيات الكتاب الحكيم. قال مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل والكتب المتقدّمة؛ فإن «تلك» إشارة إلى غائب مؤنّث. وقيل: «تلك» بمعنى هذه؛ أي هذه آيات الكتاب الحكيم. ومنه قول الأعشى:شعر : تلك خَيْلِي منه وتلك رِكابي هنّ صُفْرٌ أولادها كالزَّبيب تفسير : أي هذه خيلي. والمراد القرآن وهو أولى بالصواب؛ لأنه لم يجر للكتب المتقدّمة ذكر، ولأن «الحكيم» من نعت القرآن. دليله قوله تعالى: {أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} تفسير : [هود: 1] وقد تقدّم هذا المعنى في أوّل سورة «البقرة». والحكيم: المُحْكَم بالحلال والحرام والحدود والأحكام؛ قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم؛ أي إنه حاكم بالحلال والحرام، وحاكم بين الناس بالحق؛ فعِيل بمعنى فاعل. دليله قوله: {أية : وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ} تفسير : [البقرة: 213]. وقيل: الحكيم بمعنى المحكوم فيه؛ أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر، وبالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه؛ فهو فعيل بمعنى المفعول؛ قاله الحسن وغيره. وقال مقاتل: الحكيم بمعنى المُحْكَم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف؛ فعيل بمعنى مفعَل، كقول الأعشى يذكر قصيدته التي قالها:شعر : وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةٍ قد قلتها ليقال من ذا قالها

البيضاوي

تفسير : {الر} فخمها ابن كثير ونافع برواية قالون وحفص وقرأ ورش بين اللفظين، وأمالها الباقون إجراء لألف الراء مجرى المنقلبة من الياء. {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ} إشارة إلى ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي والمراد من الكتاب أحدهما، ووصفه بالحكيم لاشتماله على الحكم أو لأنه كلام حكيم، أو محكم آياته لم ينسخ شيء منها. {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} استفهام إنكار للتعجب و {عَجَبًا} خبر كان واسمه: {أَنْ أَوْحَيْنَا} وقرىء بالرفع على أن الأمر بالعكس أو على «أن كان» تامة و {أَنْ أَوْحَيْنَا} بدل من عجب، واللام للدلالة على أنهم جعلوه أعجوبة لهم يوجهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم. {إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ} من أبناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم. قيل كانوا يقولون العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة. هذا وأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلا في المال وخفة الحال أعون شيء في هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك. وقيل تعجبوا من أنه بعث بشراً رسولاً كما سبق ذكره في سورة «الأنعام». {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أن هي المفسرة أو المخففة من الثقيلة فتكون في موقع مفعول أوحينا. {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} عمم الإنذار إذ قلما من أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه، وخصص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة {أَنَّ لَهُمْ} بأن لهم {قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ} سابقة ومنزلة رفيعة وسميت قدما لأن السبق بها كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافتها إلى الصدق لتحققها والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية. {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا} يعنون الكتاب وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. {لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} وقرأ ابن كثير والكوفيون «لساحر» على أن الإِشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أموراً خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة. وقرىء «ما هذا إلا سحر مبين».

ابن كثير

تفسير : أما الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة، وقال أبو الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى: {الۤرَ} أي: أنا الله أرى. وكذلك قال الضحاك وغيره {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ}، أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين. وقال مجاهد: { الۤر تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ}. وقال الحسن: التوراة والزبور، وقال قتادة: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} قال: الكتب التي كانت قبل القرآن، وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه. وقوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} الآية. يقول تعالى منكراً على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم: {أية : أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} تفسير : [التغابن: 6] وقال هود وصالح لقومهما: {أية : أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنْكُمْ} تفسير : [الأعراف: 63] وقال تعالى مخبراً عن كفار قريش أنهم قالوا: {أية : أَجَعَلَ ٱلأَلِهَةَ إِلَـٰهاً وَٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } تفسير : [ص: 5] وقال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً، أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، قال: فأنزل الله عز وجل: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} الآية. وقوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} اختلفوا فيه، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول. وقال العوفي عن ابن عباس: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} يقول: أجراً حسناً بما قدموا. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا كقوله تعالى: {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا}تفسير : [الكهف: 2] الآية، وقال مجاهد: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} قال: الأعمال الصالحة: صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. قال: ومحمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم، وكذا قال زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان. وقال قتادة: سلف صدق عند ربهم. واختار ابن جرير قول مجاهد أنه الأعمال الصالحة التي قدموها؛ كما يقال: له قدم في الإسلام؛ كقول حسان:شعر : لنا القَدَمُ العُليا إليكَ وخَلْفَنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : وقول ذي الرمة:شعر : لكُمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أَنَّها مَعَ الحَسَبِ العاديِّ طَمَّتْ على البَحْرِ تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ} أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولاً منهم رجلاً من جنسهم بشيراً ونذيراً {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ} أي: ظاهر، وهم الكاذبون في ذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {الر } الله اعلم بمراده بذلك {تِلْكَ } أي هذه الآيات {ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَٰبِ } القرآن، والإِضافة بمعنى (مِنْ) {ٱلْحَكِيمِ } المحكم.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {الر } قد تقدّم الكلام مستوفى على هذه الحروف الواقعة في أوائل السور في أوّل سورة البقرة، فلا نعيده. ففيه ما يغني عن الإعادة. وقد قرأ بالإمالة أبو عمرو، وحمزة، وخلف، وغيرهم. وقرأ جماعة من غير إمالة. وقد قيل: إن معنى {الر } أنا الله أرى. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول، لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وأنشد:شعر : بالخير خيرات وإن شرافا تفسير : أي: وإن شرّاً فشرّ. وقال الحسن وعكرمة: {الر} قسم، وقال سعيد عن قتادة: {الر } اسم للسورة. وقيل: غير ذلك مما فيه تكلف لعلم ما استأثر الله بعلمه، وقد اتفق القراء على أن {الر } ليس بآية. وعلى أن {طه} آية، وفي مقنع أبي عمرو الداني، أن العادّين لطه آية هم: الكوفيون فقط، قيل: ولعل الفرق أن {الرا} لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده. والإشارة بقوله: {تِلْكَ } إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده. وقال مجاهد وقتادة: أراد التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة، فإن تلك إشارة إلى غائب مؤنث، وقيل: {تِلْكَ } بمعنى هذه: أي هذه آيات الكتاب الحكيم، وهو القرآن، ويؤيد كون الإشارة إلى القرآن أنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر، وأن الحكيم من صفات القرآن لا من صفات غيره، و {ٱلْحَكِيمُ } المحكم بالحلال والحرام، والحدود والأحكام، قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: الحكيم معناه: الحاكم، فهو فعيل بمعنى: فاعل، كقوله: {أية : وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 213]. وقيل: الحكيم بمعنى المحكوم فيه، فهو فعيل بمعنى مفعول، أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان، قاله الحسن وغيره. وقيل: الحكيم ذو الحكمة، لاشتماله عليها. والاستفهام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ، واسم كان {أَنْ أَوْحَيْنَا } وخبرها {عَجَبًا } أي: أكان إيحاؤنا عجباً للناس. وقرأ ابن مسعود «عجب» على أنه اسم كان، على أن كان تامة، و {أَنْ أَوْحَيْنَا } بدل من عجب. وقرىء بإسكان الجيم من {رجل} في قوله: {إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } أي: من جنسهم، وليس في هذا الإيحاء إلى رجل من جنسهم ما يقتضى العجب، فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن الله سبحانه، إلا من كان من جنسه، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة، أو من الجنّ، ويتعذر المقصود حينئذ من الإرسال؛ لأنهم لا يأنسون إليه، ولا يشاهدونه. ولو فرضنا تشكله لهم وظهوره، فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإنساني، وذلك أوحش لقلوبهم وأبعد من أنسهم، أو في الشكل الإنساني، فلا بدّ من إنكارهم لكونه في الأصل غير إنسان، هذا إن كان العجب منهم لكونه من جنسهم، وإن كان لكونه يتيماً أو فقيراً. فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعاً من خصال الخير والشرف ما لا يجمعه غيره، وبالغاً في كمال الصفات إلى حدّ يقصّر عنه من كان غنياً، أو كان غير يتيم. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصطفيه الله بإرساله من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس، وأظهر من النهار، حتى كانوا يسمونه الأمين. قوله: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ } في موضع نصب بنزع الخافض، أي بأن أنذر الناس. وقيل: هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول، وقيل: هي المخففة من الثقيلة، قوله: {قَدَمَ صِدْقٍ } أي: منزل صدق، وقال الزجاج: درجة عالية، ومنه قول ذي الرمة:شعر : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طمت على البحر تفسير : وقال ابن الأعرابي: القدم المتقدّم في الشرف. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر، فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق، وقدم خير، وقدم شرّ، ومنه قول العجاج:شعر : زلّ بنو العوام عند آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدم تفسير : وقال ثعلب: القدم كل ما قدمت من خير، وقال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير، ولا إبطاء. وقال قتادة: سلف صدق. وقال الربيع: ثواب صدق، وقال الحسن: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحكيم الترمذي: قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود، وقال مقاتل: أعمالاً قدّموها واختاره ابن جرير، ومنه قول الوضاح:شعر : صلِّ لذي العرش واتخذ قوما ينجيـك يوم الخصام والزلـل تفسير : وقيل: غير ما تقدّم مما لا حاجة إلى التطويل بإيراده. قوله: {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ }. قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، والأعمش، وابن محيصن: {لساحر} على أنهم أرادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم الإشارة. وقرأ الباقون «لسحر» على أنهم أرادوا القرآن، وقد تقدّم معنى السحر في البقرة. وجملة: {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } مستأنفة كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب؛ وقال القفال: فيه إضمار. والتقدير: فلما أنذرهم قال الكافرون ذلك. ثم إن الله سبحانه جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم، فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي: من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوّره، كيف يكون إرساله لرسول إلى الناس من جنسهم محلاً للتعجب مع كون الكفار يعترفون بذلك، فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة بهذا الرسول، وقد تقدّم تفسير هذه الآية في الأعراف في قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } تفسير : [الأعراف: 54] فلا نعيده هنا، ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه فقال: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } وترك العاطف، لأن جملة {يدبر} كالتفسير والتفصيل، لما قبلها، وقيل: هي في محل نصب على الحال من ضمير استوى. وقيل: مستأنفة جواب سؤال مقدّر، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها؛ لتقع على الوجه المقبول. وقال مجاهد: يقضيه ويقدّره وحده، وقيل: يبعث الأمر، وقيل: ينزل الأمر، وقيل: يأمر به ويمضيه، والمعنى متقارب، واشتقاقه من الدبر، والأمر الشأن، وهو أحوال ملكوت السموات والأرض، والعرش، وسائر الخلق. قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فردّ الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه، لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب. وقد تقدّم معنى الشفاعة في البقرة، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى، والإشارة بقوله: {ذٰلِكُمْ } إلى فاعل هذه الأشياء من الخلق والتدبير: أي الذي فعل هذه الأشياء العظيمة {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } واسم الإشارة مبتدأ، وخبره: الاسم الشريف، و{ربكم}: بدل منه، أو بيان له، أو خبر ثان، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ثم أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه وعظيم اقتداره. فكيف يعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر؟ والاستفهام في قوله: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } للإنكار، والتوبيخ، والتقريع؛ لأن من له أدنى تذكر، وأقلّ اعتبار، يعلم بهذا ولا يخفى عليه. ثم بيّن لهم ما يكون آخر أمرهم بعد الحياة الدنيا، فقال: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى، وانتصاب: {وَعَدَ ٱللَّهُ } على المصدر؛ لأن في قوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } معنى الوعد أو هو منصوب بفعل مقدر، والمراد بالمرجع الرجوع إليه سبحانه: إما بالموت، أو بالبعث، أو بكل واحد منهما، ثم أكد ذلك الوعد بقوله: {حَقّاً } فهو تأكيد لتأكيد، فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة "وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ" على الاستئناف، ثم علل سبحانه ما تقدّم بقوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي: إن هذا شأنه يبتدىء خلقه من التراب ثم يعيده إلى التراب، أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة. قال مجاهد: ينشئه ثم يميته، ثم يحييه للبعث؛ وقيل ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال. وقرأ يزيد بن القعقاع: أنه يبدأ الخلق بفتح الهمزة، فتكون الجملة في وضع نصب بما نصب به وعد الله: أي وعدكم أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق، وأجاز الفراء أن تكون «أن» في موضع رفع، فتكون اسماً. قال أحمد بن يحيـى بن ثعلب يكون التقدير حقاً إبداؤه الخلق، ثم ذكر غاية ما يترتب على الإعادة فقال: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالعدل الذي لا جور فيه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } يحتمل أن يكون الموصول الآخر معطوفاً على الموصول الأوّل: أي ليجزي الذين آمنوا، ويجزي الذين كفروا، وتكون جملة: {لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } في محل نصب على الحال، هي وما عطف عليها: أي وعذاب أليم، ويكون التقدير هكذا، ويجزي الذين كفروا حال كون لهم هذا الشراب وهذا العذاب، ولكن يشكل على ذلك أن هذا الشراب وهذا العذاب الأليم هما من الجزاء، ويمكن أن يقال: إن الموصول في {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مبتدأ وما بعده خبره، فلا يكون معطوفاً على الموصول الأوّل، والباء في {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } للسببية: أي بسبب كفرهم، والحميم: الماء الحار، وكل مسخن عند العرب، فهو حميم. وقد أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {الر } قال: فواتح [السور] أسماء من أسماء الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن النجار في تاريخه، عنه، قال: في قوله: {الر } أنا الله أرى. وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك، مثله أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك، في قوله: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: يعني هذه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } قال: الكتب التي خلت قبل القرآن. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال: لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فأنزل الله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } الآية {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ }تفسير : الآية [النحل: 43]، فلما كرّر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشراً، فغير محمد كان أحق بالرسالة. {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }تفسير : [الزخرف: 31] يقول: أشرف من محمد، يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله ردّاً عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } تفسير : [الزخرف: 32] الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في قوله: {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ } قال: ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأوّل. وأخرج ابن جرير، عنه، أيضاً قال: أجراً حسناً بما قدّموا من أعمالهم. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن مسعود، قال: القدم هو العمل الذي قدموا. قال الله سبحانه: {أية : وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءاثَارَهُمْ } تفسير : [يۤس: 12]. والآثار: ممشاهم. قال: مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أسطوانتين من مسجدهم ثم قال: هذا أثر مكتوب. وأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، في قوله: {قَدَمَ صِدْقٍ } قال: محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم. وأخرج ابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب مثله. وأخرج الحاكم، وصححه، عن أبيّ بن كعب، قال: سلف صدق. والروايات عن التابعين وغيرهم في هذا كثيرة، وقد قدّمنا أكثرها. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } قال: يقضيه وحده، وفي قوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {الر} فيه أربعة تأويلات: أحدها: معناه أنا الله أرى، قاله ابن عباس والضحاك. والثاني: هي حروف من اسم الله الذي هو الرحمن، قاله سعيد بن جبير والشعبي. وقال سالم بن عبد الله: {الر} و {حمٌ} و {ن} للرحمن مقاطع. الثالث: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. الرابع: أنها فواتح افتتح الله بها القرآن، قاله ابن جريج. {تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ} يعني بقوله {تِلْكَ ءَايَاتُ} أي هذه آيات، كما قال الأعشى: شعر : تلك خَيْلِي مِنْهُ وتلكَ رِكَابِي هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُها كالزَّبِيبِ تفسير : أي هذه خيلي. وفي {الكِتَابِ الْحِكيمِ} ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: التوراة والإنجيل، قاله مجاهد. الثاني: الزبور، قاله مطر. الثالث: القرآن، قاله قتادة. وفي قوله {الحَكِيمِ} تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى محكم، قاله أبو عبيدة. الثاني: أنه كالناطق بالحكمة، ذكره علي بن عيسى. قوله عز وجل: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنآ إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ} قال ابن عباس: سبب نزولها أن الله تعالى لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكر العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد، فنزلت هذه الآية. وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الإنكار والتعجب مَن كفر من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه جاءهم رسول منهم، وقد أرسل الله إلى سائر الأمم رسلاً منهم. ثم قال: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَآمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِهِّم} فيه خمسة تأويلات: أحدها: أن لهم ثواباً حسناً بما قدموا من صالح الأعمال، قاله ابن عباس. الثاني: سابق صدق عند ربهم أي سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس أيضاً. الثالث: أن لهم شفيع صدق يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يشفع لهم، قاله مقاتل بن حيان. الرابع: أن لهم سلف صدق تقدموهم بالإيمان، قاله مجاهد وقتادة. والخامس: أن لهم السابقة بإخلاص الطاعة، قال حسان بن ثابت: شعر : لنا القدم العُلْيَا إليكَ خَلْفَنَا لأَوَّلنا في طَاعَةِ اللَّهِ تابعُ تفسير : ويحتمل سادساً: أن قدم الصدق أن يوافق الطاعة صدق الجزاء، ويكون القدم عبارة عن التقدم، والصدق عبارة عن الحق.

ابن عطية

تفسير : تقدم في أول سورة البقرة ذكر الاختلاف في فواتح السور. وتلك الأقوال كلها تترتب هنا، وفي هذا الموضع قول يختص به، قال ابن عباس وسالم بن عبد الله وابن جبير والشعبي: {الر} {أية : حم} تفسير : [غافر: 1، فصلت:1، الشورى:1، الزخرف:1، الدخان:1، الجاثية:1، الأحقاف:1] و {أية : ن } تفسير : [القلم:1] هو الرحمن قطع اللفظ في أوائل هذه السورة واختلف عن نافع في إمالة الراء والقياس أن لا يمال وكذلك اختلف القرّاء وعلة من أمال الراء أن يدل بذلك على أنها اسم للحرف وليست بحرف في نفسها وإنما الحرف " ر"، وقوله تعالى: {تلك } قيل هو بمعنى هذه وقد يشبه أن يتصل المعنى بـ {تلك } دون أن نقدرها بدل غيرها والنظر في هذه اللفظة إنما يتركب على الخلاف في فواتح السور فتدبره. و {الكتاب } قال مجاهد وقتادة: المراد به التوراة والإنجيل، وقال مجاهد أيضاً وغيره: المراد به القرآن وهو الأظهر، و {الحكيم} فعيل بمعنى محكم كما قال تعالى: {أية : هذا ما لدي عتيد } تفسير : [ ق: 23] أي معتد معد، ويمكن أن يكون " حكيم " بمعنى ذو حكمة فهو على النسب، وقال الطبري فهو مثل أليم بمعنى مؤلم ثم قال: هو الذي أحكمه وبيّنه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: فساق قولين على أنهما واحد، وقوله: {أكان للناس عجباً } الآية، قال ابن عباس وابن جريج وغيرهما نسبت هذه الآية أن قريشاً استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من البشر، وقال الزجاج: إنما عجبوا من إخباره أنهم يبعثون من القبور إذ النذارة والبشارة تتضمنان ذلك، وكثر كلامهم في ذلك حتى قال بعضهم: أما وجد الله من يبعث إلا يتيم أبي طالب، ونحو هذا من الأقاويل التي اختصرتها لشهرتها فنزلت الآية، وقوله: {أكان} تقرير والمراد بـ" الناس" قائلو هذه المقالة، و {عجباً } خبر كان واسمها {أن أوحينا }، وفي مصحف ابن مسعود " أكان للناس عجب" وجعل الخبر في قوله {أن أوحينا} والأول أصوب لأن الاسم معرفة والخبر نكرة وهذا القلب لا يصح ولا يجيء إلا شاذاً ومنه قول حسان: [الوافر ] شعر : يكون مزاجها عسلٌ وماء تفسير : ولفظة العجب هنا ليست بمعنى التعجب فقط بل معناه أوصل إنكارهم وتعجبهم إلى التكذيب؟ وقرأت فرقة "إلى رجل " بسكون الجيم، ثم فسر الوحي وقسمه عل النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين، و" القدم" هنا ما قدم، واختلف في المراد بها ها هنا فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وابن زيد: هي الأعمال الصالحة من العبادات، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال زيد بن أسلم وغيره: هي المصيبة بمحمد صلى الله عليه وسلم في موته، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ، وهذا أليق الأقوال بالآية، ومن هذه اللفظة قول حسان: [ الطويل] شعر : لنا القدم العليا إليك وخلْفَنا لأوّلنا في طاعةِ اللهِ تابعُ تفسير : وقول ذي الرمة: [الطويل] شعر : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر تفسير : ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: "حديث : حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط " تفسير : ، أي ما قدم لها من خلقه، هذا على أن الجبار اسم الله تعالى ومن جعله اسم جنس كأنه أراد الجبارين من بني آدم، فـ" القدم" على التأويل الجارحة والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح، كما تقول رجل صدق ورجل سوء، وقوله {قال الكافرون } يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله أكان وحينا إلى بشر عجباً قال الكافرون عنه كذا وكذا، وذهب الطبري إلى أن في الكلام حذفاً يدل الظاهر عليه تقديره فلما أنذر وبشر قال الكافرون كذا وكذا، وقرأ جمهور الناس وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر " إن هذا لسحر مبين "، وقرأ مسروق بن الأجدع وابن جبير والباقون من السبعة وابن مسعود وأبو رزين ومجاهد وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر بخلاف، وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه " إن هذا لساحر " والمعنى متقارب، وفي مصحف أبي " قال الكافرون ما هذا إلا سحر مبين"، وقولهم في الإنذار والبشارة سحر إنما هو بسبب أنه فرق بذلك كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله الساحر فظنوه من ذلك الباب.

ابن عبد السلام

تفسير : {الۤر} أنا الله أرى "ع" أو حروف من الرحمن، وقيل "الر" و"حم" و"ن" اسم الرحمن مقطع، أو اسم للقرآن، أو فواتح افتتح الله ـ تعالى ـ بها القرآن. {تِلْكَ} هذه {ءَايَاتُ الْكِتَابِ}: شعر : تلك خيلي منه وتلك ركابي هن صفرٌ أولادها كالزبيب تفسير : أي هذه خيلي. {الْكِتَابِ} التوراة والإنجيل، أو الزبور، أو القرآن. {الْحَكيمِ} المحكم، أو لأنه كالناطق بالحكمة.

النسفي

تفسير : مئة وتسعة آيات مكية، وكذا ما بعدها إلى سورة النور {الر} ونحوه ممال: حمزة وعلي وأبو عمرو، وهو تعديد للحروف على طريق التحدي {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ } إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والكتاب السورة {ٱلْحَكِيمُ } ذي الحكمة لاشتماله عليها، أو المحكم عن الكذب والافتراء والهمزة {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } لإنكار التعجب والتعجب منه {أَنْ أَوْحَيْنَا } اسم "كان" و{عجباً} خبره، واللام في {للناس} متعلق بمحذوف هو صفة لـ {عجباً} فلما تقدم صار حالاً {إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ } بأن أنذر أو هي مفسرة إذ الإيحاء فيه معنى القول {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ } بأن لهم. ومعنى اللام في {للناس} أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منه، والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر وأن يكون رجلاً من أفناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم، فقد كانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولاً إلى الناس إلا يتيم أبي طالب: وأن يذكر لهم البعث وينذر بالنيران ويبشر بالجنان، وكل واحد من هذه الأمور ليس بعجب، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم لم يكونوا إلاَّ بشراً مثلهم، وإرسال اليتيم أو الفقير ليس بعجب أيضاً، لأن الله تعالى إنما يختار للنبوة من جمع أسبابها، والغنى والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها. والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى، فكيف يكون عجباً، إنما العجب والمنكر في العقول تعطيل الجزاء {قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ } أي: سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة. ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وباعاً لأن صاحبها يبوع بها، فقيل "لفلان: قدم في الخير" وإضافتها إلى {صدق} دلالة على زيادة فضل وأنه من السوابق العظيمة، أو مقام صدق، أو سبق السعادة {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} {إن هذا} الكتاب {لسحر} مدني وبصري وشامي، ومن قرأ {لساحر} فهذه إشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل عجزهم واعترافهم به وإن كانوا كذابين في تسميته سحراً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {الر} قال ابن عباس والضحاك معناه أنا الله أرى وقال ابن عباس في رواية أخرى: عنه الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وبه قال سعيد بن جبير وسالم بن عبد الله وقال قتادة: الر اسم من أسماء القرآن وقيل هي اسم للسورة وقد تقدم الكلام في معنى الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما فيه كفاية {تلك آيات الكتاب} المراد في لفظ تلك الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة ويكون التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب وهو القرآن الذي أنزله الله إليك يا محمد وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء ولا تغيره الدهور. وقيل: إن لفظة تلك للإشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن. والمعنى: أن تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم، وفيه قول آخر أن المراد بآيات الكتاب الكتب التي قبل القرآن حكاه الطبري عن قتادة. وروي عن مجاهد أنها التوراة والإنجيل فعلى هذا القول يكون التقدير أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة أو الإنجيل والمراد من الآيات القصص المذكورة في هذه السورة وهذا وإن كان له وجه فهو ضعيف لأن التوراة والإنجيل لم يجر لهما ذكر قريب حتى يشار إليهما قيل: إن المراد من الآيات حروف الهجاء التي منها الر سميت آيات لأنها افتتاح السور وسر القرآن {الحكيم} يعني المحكم الحلال والحرام والحدود والأحكام. فعيل: بمعنى مفعول. وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم فعيل بمعنى فاعل لأن القرآن حاكم يميز بين الحق والباطل ويفصل الحلال من الحرام. وقيل: حكيم بمعنى المحكوم فيه فيعمل بمعنى مفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وقيل: إن الحكيم هو الذي يفعل الحكمة والصواب فمن حيث إنه يدل على الأحكام صار كأنه هو الحكيم في نفسه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {الۤر} بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. {لساحر} بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون {لسحر} {حقاً أنه} بالفتح. يزيد. {ضياء} بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل {يفصل} بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي. الباقون بالنون. {واطمأنوا} بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الوقوف: {الۤر} ق كوفي {الحكيم} ه ط {عند ربهم} ط {مبين} ه {يدبر الأمر} ط {إذنه} ط {فاعبدوه} ط {تذكرون} ه {جميعاً} ط، {حقاً} ط، إلا لمن قرأ {أنه} بالفتح. {بالقسط} ط {يكفرون} ه {والحساب} ط {إلا بالحق} ط لمن قرأ {نفصل} بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل {يفصل} حالاً. {يعلمون} ه {يتقون} ه {غافلون} ه لا لأن {أولئك} خبر "إن" {بإيمانهم} ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود {النعيم} ه {سلام} ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله {وآخر دعواهم} معطوف على {دعواهم} الأوّل {العالمين} ه. التفسير: اتفقوا على أن قوله {الر} ليس بآية وعلى أن {طه} آية. ولعل الفرق أن {الر} لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس {الۤر} معناه أنا الله أرى. وقيل: لا رب غيري. وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن {تلك} إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة. وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها. وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور. ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون {تلك} إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن. واعلم أنه سبحانه لما ختم السورة المتقدمة بقوله:{أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم}تفسير : [التوبة: 127] صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه. ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: {أكان للناس عجباً} نصب على أنه خبر كان واسمه {أن أوحينا} وفائدة اللام في قوله: {للناس} مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل{أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9]{أية : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً}تفسير : [الاسراء: 95]. وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين{أية : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى}تفسير : [سبأ: 37] وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين. و "أن" في قوله: {أن أنذر الناس} هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس. وقوله: {وبشر الذين آمنوا أن لهم} أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين. ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء. وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية. ومعنى {قدم صدق} سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير. قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير. وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء. والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً. وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. أما قوله: {قال الكافرون} فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك. ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر. ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين. وقد مر في الأعراف تفسير قوله: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} فلا حاجة إلى الإعادة. ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: {يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه} وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: {إن ربكم الله} الخ. والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش. والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح. ففي قوله: {يدبر الأمر} إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله {ما من شفيع} إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد. ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم. قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل. ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: {ذلكم الله ربكم} الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما {فاعبدوه} وحده {أفلا تذكرون} فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله. ثم شرع في إثبات المعاد فقال: {إليه مرجعكم} أي رجوعكم {جميعاً} مجموعين. وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: {وعد الله حقاً} وفيه تأكيدان كما مر. ثم قال: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله:{أية : وننشئكم فيما لا تعلمون} تفسير : [الواقعة: 61] يعني أنه سبحانه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق. ومن قرأ {أنه} بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق. ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي. وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: {فاعبدوه} ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام. وقوله: {بالقسط} أي بالعدل متعلق بـ {يجزي} أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: {بما كانوا يكفرون} وفي قوله: {والذين كفروا} من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر. والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة. وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟ واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك. هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله تعالى كاذباً في قوله: {ليجزي} الخ. فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟ ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟ سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟ فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات. ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: شعر : كم عالم عالم أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا تفسير : فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت. ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به. فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟ قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة. ومنها أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة. وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى. فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟ قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته. ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله تعالى علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات. ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام. ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات. ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء. ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟ ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟ ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء. وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله تعالى برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة. ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني. وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم. والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد. والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة. ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً. ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟ ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم. فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال. وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية. ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال. وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر. فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله تعالى أعلم بحقائق الأمور. ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: {هو الذي جعل الشمس ضياء} وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء". وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود. والضياء أقوى من النور. ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الأهلة}تفسير : [البقرة: 189] {وقدره منازل} قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل. ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ. وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه. ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: {لتعلموا عدد السنين والحساب} حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي. وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله تعالى:{أية : إن عدة الشهور} تفسير : [التوبة: 36] الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: {ما خلق الله ذلك} المذكور {إلا} ملتبساً {بالحق} والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: {يفصل الآيات لقوم يعلمون} لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل. وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل. ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله:{أية : إن في خلق السموات والأرض}تفسير : [الآية: 164]. ومعنى قوله: {وما خلق الله في السموات والأرض} كقوله: {أية : وما خلق الله من شيء}تفسير : [الآية:185] وقد مر في آخر "الأعراف". وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد. ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: {إن الذين لا يرجون لقاءنا} عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله تعالى: {أية : وهم من الساعة مشفقون}تفسير : [الأنبياء: 49] واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية {ورضوا} مع ذلك {بالحياة الدنيا} الحسية الخسيسة {واطمأنوا بها} سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية {والذين هم عن آياتنا غافلون} فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد {أولئك مأواهم النار} فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: {بما كانوا يكسبون} وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات. وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: {إن الذين آمنوا} استكملوا من جهة القوة النظرية {وعملوا الصالحات} استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله تعالى: {يهديهم ربهم بإيمانهم} قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة. ومعنى قوله: {بإيمانهم} أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله تعالى:{أية : يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم}تفسير : [الحديد: 12] وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة. والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار"تفسير : . وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل {تجري من تحتهم الأنهار} بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها. فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان. قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: {تجري} خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله. والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية. وفي قوله: {يهديهم ربهم بإيمانهم} دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق. ومعنى {تجري من تحتهم الأنهار} أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم. {دعواهم فيها} قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله:{أية : وأعتزلكم وما تدعون من دون الله}تفسير : [مريم: 48] وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله. وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية. قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما. وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى. وقيل: أي تمنيهم كقوله:{أية : ولهم ما يدعون}تفسير : [يس: 57] أي ما يتمنونه. وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله تعالى عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده {وتحيتهم فيها سلام} أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام. وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول {وآخر دعواهم أن الحمد} هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد {لله} على أن الضمير للشأن. قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: {سبحانك اللهم} علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه. قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: {سبحانك اللهم} فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: {الحمد لله رب العالمين} وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد. وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم:{أية : ونحن نسبح بحمدك}تفسير : [البقرة: 30] ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله تعالى قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: {وتحيتهم فيها سلام} ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: {الحمد لله رب العالمين}. وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون". التأويل: {الۤر} فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد. والثانية من الحق لنبيه عليه السلام إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك. وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة{أية : ارجعي إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28] {تلك} أي هذه الآيات المنزلة عليك {آيات الكتاب الحكيم} الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك. والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها {إلى رجل منهم} لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله {قدم صدق} محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "حديث : سبقت رحمتي غضبي" تفسير : {لساحر مبين} صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس. إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية {ثم استوى} على العرش القلب {يدبر} أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء. {إليه مرجعكم جميعاً} فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب{أية : ارجعي إلى ربك}تفسير : [الفجر: 28] وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال. ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس {بالقسط} أي لكل بحسب كماله ونقصانه. جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس. وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات {إن في اختلاف} ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية {وما خلق الله} في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال {لآيات} دالة على التوحيد {لقوم يتقون} الأخلاق الذميمة {والذين هم عن آياتنا غافلون} وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله تعالى أعلم.

الثعالبي

تفسير : قولُه عزَّ وجلَّ: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} المراد بـــ {ٱلْكِتَـٰبِ}: القُرآن، و{ٱلْحَكِيمِ}: بمعنى مُحْكَم، ويمكن أنْ يكون: «حكيم» بمعنى ذِي حِكْمة، فهو على النَّسب. وقوله عز وجل: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا...} الآية: قال ابن عباس وغيره: سبب هذه الآية ٱستبعادُ قُرَيْش أَنْ يبعث اللَّه بشراً رسولاً، والقَدَمُ هنا مَا قُدِّم، وٱختُلف في المراد بها هٰهنا، فقال ابنُ عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيرهم: هي الأعمال الصَّالحات من العبادات. وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شَفَاعة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس أيضاً وغيره: هي السعادةُ السَّابقة لهم في اللَّوْح المحفوظ، وهذا أليق الأقْوَالِ بالآية؛ ومن هذه اللفظة قَوْلُ حَسَّان رضي اللَّه عنه: [الطويل] شعر : لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا لأَوَّلِنَا في طَاعَةِ اللَّهِ تَابعُ تفسير : ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه وسلم: « حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ » أيْ ما قَدَّمَ لها، هذا على أن الجبَّار ٱسْمُ اللَّه تعالى، و«الصِّدْق» هنا بمعنى الصَّلاح، وقال البخاريُّ: قال زَيْدُ بن أسْلَمَ: {قَدَمَ صِدْقٍ} مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم. انتهى. وقولهم: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ}: إِنما هو بسبب أَنَّه فَرَّق بذلك كلمتهم، وحَالَ بين القريب وقريبه؛ فأشبه ذلك ما يفعله السَّاحر في ظَنِّهم القاصِرِ؛ فَسَمَّوْه سحراً.

ابن عادل

تفسير : قوله: بسم الله الرحمن الرحيم "الۤر" تقدم الكلامُ على الحروف المقطعة في أول الكتاب، واختلافُ القُرَّاء في إمالة هذه الحروف إذا كان في آخرها ألفٌ، وهي: را، وطا، وها، ويا، وحا. فأمال "را" من جميع سورها إمالة محضة الكوفيون إلا حفصاً، وأبو عمرو وابن عامر. وأما الأخوان وأبو بكر "طا" من جميع سورها نحو: {أية : طسۤ}تفسير : [النمل:1]، {أية : طسۤمۤ}تفسير : [الشعراء:1]، {أية : طه}تفسير : [طه:1]، و "يا" من "يس"، وافقهم ابنُ عامر، والسوسي على "يا" من {أية : كۤهيعۤصۤ}تفسير : [مريم:1]، بخلاف عن السوسي. وأمال الأخوان وأبو عمر، وورش، وأبو بكر "ها" من "طه"، وكذلك أمالها من "كهيعص" أبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر دون حمزة وورش. وأمال أبو عمرو، وورش، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان "حا" من جميع سورها السبع [غافر:1]. إلاَّ أن أبا عمرو، وورشاً يميلان بين بين، وللقرَّاء في هذا عملٌ كثير مذكورٌ في كتب القراءات، وكلُّها لغات صحيحةٌ. قال الواحدي: "الأصلُ ترك الإمالة في هذه الكلمات نحو "مَا" و "لا"؛ لأن ألفاتها ليست منقلبة عن الياء، وأمَّا من أمال فلأنَّ هذه الألفاظ أسماء للحروف المخصُوصة، فقصد بذكر الإمالة التَّنبيه على أنَّها أسماء لا حروف". فصل اتفقوا على أنَّ قوله "الر" وحده ليس آية، واتفقوا على أنَّ قوله "طه" وحده آية، والفرق أن قوله "الر" لا يشاكل مقاطع الآي التي بعده، بخلاف قوله "طه" فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده. قال ابن عبَّاس والضحاك: "الر" معناه: أنا الله أرى، وقيل: أنا الربُّ لا ربَّ غيري. وقال سعيد بن جبير: "الر" و "حم" و "ن" حروف اسم الرحمن مُفرقة، ورواه أيضاً يزيد عن عكرمة عن ابن عبَّاس. قال الرَّاوي: فحدَّثت به الأعمش فقال: "عندك أشباه هذا ولا تخبرني به". قوله: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} "تلك" يحتمل أن تكون إشارة إلى آيات هذه السورة، وأن تكون إشارة إلى ما تقدَّم هذه السورة من آيات القرآن، لأن "تلك" إشارة إلى غائبٍ مؤنَّث، وقيل: "تلك" بمعنى "هذه" أي: هذه آياتٌ، ومنه قول الأعشى: [الخفيف] شعر : 2862- تِلْكَ خَيْلِي منهُ وتِلْكَ رِكابِي هُنَّ صُفْرٌ أولادُهَا كالزَّبيبِ تفسير : أي: هذه خَيْلِي، وهذه رِكَابِي. "والكتاب": يحتمل أن يكون المراد به القرآن، ويحتمل أن يراد به الكتاب المخزون المكنون عند الله تعالى الذي نسخ منه كل كتاب، لقوله: {أية : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ}تفسير : [الواقعة:77، 78]، وقوله: {أية : وَإِنَّهُ فِيۤ أُمِّ ٱلْكِتَابِ لَدَيْنَا}تفسير : [الزخرف:4]، وقوله: {أية : وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد:39]. وقيل: المراد من "الكتابِ الحكيمِ": التوراة والإنجيل، والتقدير: إنَّ الآيات المذكورة في هذه السُّورة هي الآيات المذكورة في التوراة والإنجيل، والمعنى: إنَّ القصص المذكُورة في هذه السُّورة موافقة للقصص المذكورة في التوراة والإنجيل، فحصول هذه الموافقة في هذه السورة موافقة للقصص لا يمكن إلا إذا خص الله محمداً بإنزال الوحي عليه، وقال أبُو مسلم: قوله "تِلْكَ" إشارة إلى حروف التهجِّي، فقوله: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} يعني: أنَّ هذه الحروف هي الأشياء التي جعلت آيات وعلامات لهذا الكتاب الذي وقع به التَّحدِّي، فلولا امتياز هذا الكتاب عن كلام النَّاسِ بالوصف المعجز، وإلا لكان اختصاصُه بهذا النظم دون سائر النَّاس القادرين على التَّلفُّظ بهذه الحروف محالاً. قوله: "ٱلْحَكِيمِ" قيل: ذُو الحكمة، بمعنى اشتمال الكتاب على الحكمة. وقيل: وصف الكتاب بصفة من تكلم به؛ كقول الأعشى: [الكامل] شعر : 2863- وغريبةٍ تَأتِي المُلُوكَ حَكيمَةٍ قَدْ قُلْتُهَا ليُقالَ: مَنْ ذَا قالهَا؟ تفسير : فيكون "فعيل" بمعنى "مُفْعَلٍ". وقال الأكثرون: "الحَكِيم" بمعنى الحاكم، "فعيل" بمعنى "فاعل"؛ لقوله تعالى {أية : وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:213] وقيل: بمعنى: المُحْكَم، "فَعِيل" بمعنى "مُفْعَل"، أي: محكم، والمحكم معناه: المنع من الفساد، فيكون المعنى: لا تُغَيِّرهُ الدُّهور، والمراد: براءته عن الكذب والتناقض. وقال الحسن "حكم فيه بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القُربى ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنَّة لمنْ أطاعهُ، وبالنَّار لمن عصاه". فعلى هذا "الحَكيم" يكون بمعنى المحكُوم فيه. وقيل: "الحَكِيم" في أصل اللغة: عبارة عن الذي يفعل الحِكْمَة والصواب، فمن حيث إنَّه يدل على هذه المعاني صار كأنَّه هُوَ الحكيم في نفسه.

البقاعي

تفسير : {الر} فخم الراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم، وأمالها ورش عن نافع بين بين، والباقون بالإمالة المحضة، والأصل في ذلك الفتح، وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا، وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفاً - نقل ذلك عن الواحدي. لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب وفرغ مما اقتضاه السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ومصارع الماضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول قي ترجمة هذا النبي الكريم مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخر في سورتي الأنفال وبراءة، وختم ذلك بأن سور الكتاب تزيد كل أحد مما هو ملائم له متهيىء لقبوله وتبعده عما هو منافر له بعيد من قبول ملاءمته. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قد حوى من الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه. والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئاً لأن ربه كافيه لأنه لامثل له وأنه ذو العرش العظيم؛ لما كان ذلك كذلك، أعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح به الأعراف وختم سورة التوبة، وزاده وصف الحكمه وأشار بأداة البعد إلى أن رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال: {تلك} أي الآيات العظيمة جداً التي اشتملت عليها هذه السورة، أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أن القرآن كلام الله وإلا لما أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف {آيات الكتاب} أي الذكر الجامع لكل خير، وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوارة والإنجيل من ذلك، فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً لأنه لم يكن يعرف شيئاً مما في الكاتبين ولا جالس أحداً يعلمه {الحكيم*} فكان فيما مضى - أن كونه من عند الله كاف في وجوب اتباعه - وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ذلك حكيماً والآية: العلامة التي تنبىء عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة، والحكيم: الناطق بالحكمة. وهي المعروف بما يجتمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنقص، استعير له ذلك لأنه دليل كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق الهلاك، وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة، ومحكم لما أتى به، مانع له من الفساد، لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور، وهذا ما ظهر لي في التحامها بما قبلها؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت سورة براءة قوله تعالى{أية : إلا تنصروه فقد نصره الله} تفسير : [براءة: 40] وقوله{أية : عفا الله عنك لما أذنت لهم} تفسير : [براءة: 43] وقوله{أية : ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم}تفسير : [براءة: 61] وقوله:{أية : لقد جاءكم رسول من أنفسكم}تفسير : [براءة: 128] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء آي هذه السورة الكريمة مما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بمزايا السبق والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة، هذا ما انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهوره دينه وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه، وكان ذلك كله مظنة لتعجب المرتاب وتوقف الشاك ومثيراً لتحرك ساكن الحسد من العدو العظيم ما منحه عيه السلام، قال تعالى {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} إلى قوله: {لسحر مبين} ثم قال {إن ربكم الله} الآيات، فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير، فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه، وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد {ذلكم الله ربكم فاعبدوه} {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} ثم توعد سبحانه الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى أدتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في العجب والإنكار حتى قالوا {أية : مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} تفسير : [الفرقان: 7] وقالوا {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} تفسير : [الفرقان: 21] وهذه مقالات الأمم المتقدمة {أية : قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا}تفسير : [يس: 15] {أية : قالوا أنؤمن لبشرين مثلنا}تفسير : [المؤمنون: 47] {أية : ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم}تفسير : [سبأ: 43] فقال تعالى متوعداً للغافلين {إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا}، ثم وعد المعتبرين فقال {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم}، وكل هذا بيّن الالتحام جليل الالتئام، تناسجت آي السور - انتهى. ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيماً - موجباً لقبوله بادىء بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من أنه تعالى الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر، كان ذلك موضع أن يقال: ما كان حال من تلي عليهم؟ فقيل: لم يؤمنوا، فقيل: ماشبهتهم؟ هل قدروا على معارضته والطعن في حكمته؟ فقيل:لا! بل تعجبوا من إنزاله على محمد صلى الله عليه وسلم وليس بأكثرهم مالاً ولا بأقدمهم سناً، فرجع حاصل تعجبهم إلى ما قاله تعالى إنكاراً عليهم. فإنه لو أرسل ذا سن قالوا مثل ذلك، وهل مثل ذلك محل العجب! {أكان} أي بوجه من الوجوه {للناس عجباً} أي الذين فيهم أهلية التحرك إلى المعالي، والعجب: تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن العادة؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم "كان" فقال بعد ما حصل لهم شوق إليه: {أن أوحينا} أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطة رسلنا في خفاء منهين {إلى رجل} أي هو في غاية الرجولية، وهو مع ذلك {منهم} بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم المُلك المالك التام الملك لا اعتراض عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من شاء. ولما كان في الإيحاء معنى القول، فسره بقوله {أن أنذر الناس} أي عامة، وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة، ما أمامهم من البعث وغيره إن لم يؤمنوا أصلاً أو إيماناً خالصاً ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات {وبشر} أي خص {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقاً لدعواهم له الصالحات، أي من الأعمال اللسانية وغيرها، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع الطائع وعتاب العاصي، والإنذار: الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه، والتبشير: التعريف بما فيه السرور، واضاف القدم - الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلاً لفعل البشارة إلى المبشر به دون حرف جر: {أن لهم} أي خاصة {قدم صدق} أي أعمالاً حقة ثابته قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام، وزاد في البشارة بقوله: {عند ربهم} ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة. ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق العادة، انتفى أن يكون عجباً من هذه الجهة، فصار المحل قابلاً لأن يتعجب منهم فيقال: ما قالوا حين أظهروا العجب؟ ومن أيّ وجه رأوه عجباً؟ فقيل: {قال الكافرون } أي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين ما يحق لقولهم من الإنكار {إن هذا} أي القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره {لسحر} أي محمد لساحر - كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي {مبين*} أي ظاهر في نفسه، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك، فجاؤوا بما هو في غاية البعد عن وصفه، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه - مع كونه تمويهاً لا حقيقة له - شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلاَ عن أن يمتطي الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمراً متناقضاً، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر، وأنهم عاجزون عنه، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالماً لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد، فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه - مع ما تضمنه من البعث - سحر، وعلى حقيقة أنه من عنده من غير شبهة، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال: {إن ربكم} أي الموجد لكم والمربي والمحسن {الله} أي من ربى شيئاً ينبغي أن يكون حكيماً وقادراً على أسباب صلاحه، فأيقظوا أنفسكم من سنة غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند الذي له العظمة كلها قطعاً، وأنه قادر على بعثكم لأنه ربكم {الذي} بدأ الخلق بأن {خلق} أي قدر وأوجد {السماوات والأرض} على اتساعهما وكثرة ما فيهما من المنافع {في ستة أيام} لحكمة أرادها على أن ذلك وقت يسير لا يفعل مثل ذلك في مثله إلا من لا يعجزه شيء. ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار الواسع الانتشار المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف التصريف والتقدير، عبر سبحانه عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيراً إلى عظمته بأداة التراخي: {ثم استوى} أي عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك {على العرش} المتقدم وصفه بالعظمة، وليست "ثم" للترتيب بل كناية عن علو الرتبة وبعد منالها؛ ثم بين ذلك الاستواء بقوله: {يدبر} لأن التدبير أعدل أحوال الملك فالاستواء كناية عنه {الأمر} كله فلا يخفي عليه عاقبة أمر من الأمور، فحصل الأمن بهذا من أن يفعل شيء بغير علمه، لأن التدبير تنزيل الأمور في مراتبها على إحكام عواقبها، وهو مع ذلك منزه عما تعرفونه من أحوال الملوك من أنه يكون في ممالكهم من يقضي بعض الأمور بغير إذن منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة بإدامة دفعه، بل هو متصف بأنه {ما من شفيع} أي وإن كان بليغ الاتصاف بذلك. ولما كان تمام قهره وعظيم سلطانه لا يفيد أحداً عند إذنه له إذناً عاماً لجميع الأزمان والأماكن، أتى بالجار فقال: {إلا من بعد إذنه} فإذا لم يقدر شفيع على الكلام في الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشيء من الأشياء بغير إذنه فكيف يأتي بكتاب حكيم ليس من عنده يعجز الخلق عن معارضته، فحصل الأمن أن يكون غيره قاله أو شفع فيمن أبلغه فأبلغه من غير إرادة منه سبحانه، فتحرر أنه ليس إلا من عنده وأنه أمر بإبلاغه، وقد عرف من هذا أن {ما من شفيع} في موضع الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره أمر من الأمور ولا يغلبه شيء اصلاً فبطل ما كانوا يقولون في الأصنام من الشفاعة وغيرها والشفيع: السائل في غيره بتبليغ منزلته من عفو أو زيادة منزلة، وقد وقع ذكر الكتاب والرسول والعرش مرتباً في أول هذه على ما رتب آخر تلك؛ فلما تقرر ما وصف به من العظمة التي لا يشاركه فيها أحد، وجب أن يعبد عبادة لا يشاركه فيها شيء، فنبه على ذلك بقوله: {ذلكم} أي العظيم الشأن العالي المراتب {الله} أي الملك الأعلى {ربكم} الذي تقرر له من العظمة والإحسان بالإيجاد والتربية ما لا يبلغه وصف {فاعبدوه} أي فخصُّوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ليست عبادة، ولولا فضله لم يكن لمن زل أدنى زلة طاعة. ولما سبب سبحانه عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في التوقف عنها والاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها قام على استحقاقه للأفراد بها من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال: {أفلا تذكرون*} أي ولو بأدنى أنواع التذكر بما أشار إليه الإدغام، ما أخبركم سبحانه به ونبهكم عليه بما يعلمه كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن يعمل كل ما يريد، ويعمل كثيراً مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غير ذلك من الأمور ليعلم قطعاً أن الفاعل الحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا الوجود من مؤثر فيه هو في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما يعرف من الأشياء فكيف بجماد لا يضر ولا ينفع!.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏الر‏} ‏ قال‏:‏ فواتح السور، أسماء من أسماء الله‏. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات وابن النجار في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏الر‏}‏ قال‏:‏ أنا الله ارى‏. وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏الر‏} ‏ قال‏:‏ أنا الله أرى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏{‏الر‏} ‏ قال‏:‏ أنا الله أرى‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏الر‏} ‏ و ‏{‏حم‏} و ‏{ن‏} قال‏:‏ اسم مقطع‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:‏ {‏الر‏} ‏ و ‏{حم‏} و ‏{‏ن‏} قال‏:‏ حروف الرحمن مفرقة. وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي وفي قوله ‏ {‏الر‏} ‏ قال‏:‏ ألف ولام وراء من الرحمن‏. أما قوله‏:‏ ‏ {‏تلك آيات الكتاب الحكيم‏} . أخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله تعالى ‏ {‏تلك‏} ‏ يعني هذه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى‏ {‏تلك آيات الكتاب‏}‏ قال‏:‏ الكتب التي خلت قبل القرآن.

ابو السعود

تفسير : (سورة يونس عليه السلام مكية وهى مائة وتسع آيات). {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {الر} بتفخيم الراءِ المفتوحةِ وقرىء بالإمالة إجراءً للأصلية مُجرى المنقلبة عن الياء وقرىء بـينَ بـين وهو إما مسرودٌ على نمط التعديدِ بطريق التحدّي على أحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورة البقرة فلا محلَّ له من الإعراب وإما اسمٌ للسورة كما عليه إطباقُ الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذه السورةُ مسماةٌ بألر، وهو أظهرُ من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلمِ بالتسمية بعدُ، فحقُّها الإخبارُ بها لا جعلُها عنوانَ الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب كما مر. والإشارةُ إليها قبل جَرَيانِ ذكرها لِما أنها باعتبار كونِها على جناح الذكْرِ وبصدده صارت في حكم الحاضِر كما يقال: هذا ما اشترى فلان، أو النصب بتقدير فعل لائقٍ بالمقام نحوُ اذكر أو اقرأ، وكلمةُ {تِلْكَ} إشارةٌ إليها إما على تقدير كونِ الر مسرودةً على نمط التعديدِ فقد نُزّل حضورُ مادتِها التي هي الحروفُ المذكورةُ منزلةَ ذكِرها فأشير إليها كأنه قيل: هذه الكلماتُ المؤلفةُ من جنس هذه الحروفِ المبسوطةِ الخ، وأما تقدير كونِه اسماً للسورة فقد نوّهتُ بالإشارة إليها بعد تنويهِها بتعيـين اسمِها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد للتنبـيه على بُعد منزلِتها في الفخامة ومحلُّه الرفعُ على أنه مبتدأ خبرُه قوله تعالى: {آيَات ٱلْكِتَـٰبِ} وعلى تقدير كون الر مبتدأً فهو مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأول والمعنى هي آياتٌ مخصوصةٌ منه مترجمةٌ باسم مستقلٍ والمقصودُ ببـيانِ بعضيَّتِها منه وصفُها بما اشتهر اتصافُه به من النعوت الفاضلةِ والصفاتِ الكاملةِ، والمرادُ بالكتاب إما جميعُ القرآنِ العظيم وإن لم ينزل الكلُّ حينئذ إما باعتبار تعيّنِه وتحققِه في علم الله عز وعلا أو في اللوح أو باعتبار أنه أُنزل جملةً إلى السماء الدنيا كما هو المشهورُ فإن فاتحةَ الكتاب كانت مسماةً بهذا الاسم وبأم القرآن في عهد النبوة ولمّا يحصُلِ المجموعُ الشخصي إذ ذاك فلا بد من ملاحظة كلَ من الكتاب القرآن بأحد الاعتباراتِ المذكورةِ وما جميعُ القرآنِ النازلِ وقتئذ المتفاهَمِ بـين الناسِ إذ ذاك فإنه كما يُطلق على المجموع الشخصيّ يُطلق على مجموع ما نزل في كل عصرٍ، ألا يُرى إلى ما رُوي عن جابر رضي الله عنه أنه قال: (حديث : كان النبـي صلى الله عليه وسلم يجمع بـين الرجلين من قتلى أحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول: «أيُّهم أكثرُ أخذاً للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد) تفسير : فإن ما يفهمه الناسُ من القرآن في ذلك الوقت ويحافظون على التفاوت في أخذه إنما هو المجموعُ النازلُ حينئذ من غير ملاحظةٍ لتحقق المجموعِ الشخصيِّ في علم الله سبحانه أو في اللوح ولا لنزوله جملةً إلى السماء الدنيا. {ٱلْحَكِيمُ} ذي الحِكمة وصُف به لاشتماله على فنون الحِكَم الباهرةِ ونُطقِه بها، أو هو من باب وصفِ الكلامِ بصفة صاحبِه أو من باب الاستعارة المكنيةِ المبنيةِ على تشبـيه الكتابِ بالحكيم الناطق بالحكمة، هذا وقد جعل الكتابُ عبارةً عن نفس السورةِ، وكلمةُ تلك إشارةٌ إلى ما في ضمنها من الآي فإنها في حكم الحاضرِ لا سيما بعد ذكر ما يتضمنها من السورة عند بـيان اسمِها أو الأمرِ بذكرها أو بقراءتها، وينبغي أن يكون المشارُ إليه حينئذ كلَّ واحدةٍ منها لا جميعَها من حيث هو جميعٌ لأنه عينُ السورةِ فلا يكون للإضافة وجهٌ ولا لتخصيص الوصفِ بالمضاف إليه حكمةٌ فلا يتأتى ما قُصد من مدح المضافِ بما للمضاف إليه من صفات الكمال ولأن في بـيان اتصافِ كلَ منها بالكمال من المبالغة ما ليس في بـيان اتصافِ الكلِّ بذلك، والمتبادرُ من الكتاب عند الإطلاقِ وإن كان كلُّه بأحد الوجهين المذكورين لكنّ صحةَ إطلاقِه على بعضه أيضاً مما لا ريب فيها، والمعهودُ المشهورُ وإن كان اتصافُ الكل بأحد الاعتبارين بما ذُكر من نعوت الكمالِ إلا أن شهرةَ اتصافِ كل سورةٍ منه بما اتصف به الكلُّ مما لا ينكر، وعليه يدور تحققُ مدحِ السورةِ بكونها بعضاً من القرآن الكريم إذ لولا أن بعضَه منعوتٌ بنعت كلِّه داخلٌ تحت حكمهِ لما تسنى ذلك، وفيه ما لا يخفى من التكلف والتعسف.

السلمي

تفسير : قيل: الراء أنا الله أرى وقال أبو الحسين: فى القرآن علم بكل شىء، وعلم القرآن فى الأحرف التى فى أوائل السور. وقيل فى قوله: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} أى فيه علامات قبول الحكماء لهذا الخطاب. وقيل فى قوله: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} أى فيه وآيات الكتاب المحكم عليك بالفرائض والسنن والآداب والأخلاق والأحوال. وقيل: {ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} العهد الناطق عليك بأحكام الظاهر والباطن. وقال محمد بن على الترمذى: الألف واللام لطفه والراء رأفته.

القشيري

تفسير : الألف مفتاح اسم "الله"، واللام مفتاح اسم "اللطيف" والراء مفتاح اسم "الرحيم"، أقسم بهذه الأسماء إن هذا الكتابَ هو الموعودُ لكم يوم الميثاق، والإشارة فيه أنا حققْنَا لكم الميعاد، وأَطْلنا لكم عِنان الوداد... وانقضى زمانُ الميعاد، فالعَصَاةُ مُلْقَاة، والأيامُ بالسرور مُتَلْقَاة، فبادِروا إلى شُرْبِ كاساتِ المحابِّ، واستقيموا على نَهْجِ الأحباب.

البقلي

تفسير : {الۤر} الالف عين الوحدانية واللام عين الازلية والراء عين الربوبية من عين الوحدانية تجلى بالالف لقلوب الموحدين والمنفردين من الحدثان ليفنوا فى سبحات الالوهية وتجلى من عين الازلية باللام لارواح العارفين لتطيره باجنحة انوار القدم فى القدم وتجلى من عين الربوبية بالراء لاحرار المحبين ليستانسوا بحسن الصفات وليشتاقوا الى مشاهدات الذات سقى الموحين رحيق الانانية باقداح الالف من بحار الوحدانية فخرجوا بنعت الاتحاد وسقى العارفين عقار العشق باقداح اللام من انهار الجمال فخرجوا بنعت الاتصاف والهين وسقى المحبين مروق الوداد باقداح الراء من عيون انوا رالربوبية فخرجوا بنعت الحيرة هائمين وايضاً الالف الاؤه للصادقين واللام الطافه للمقربين والراء رحمته على التائبين قال الحسين فى القران علم كل شئ وعلم القرآن فى الاحرف التى فى اوايل السور وقد وقع لى ان ما يكون فى سورة يونس من الغرائب والعجائب والقصص والامثال جمعها فى ثلثة احرف فى الالف واللام والراء ونبه بها قلب نبيه صلى الله عليه وسلم باشارة الاحرف الثلثة فكفى له ذلك لان بينه وبين الله رموز او اشارات لا يطلع عليها جميع الخلائق فلذلك يحتاجون الى نزول سورة ك املة وايضاً خاطبه باحسن الاسماء مواساة وتربية اشار بالالف يا ادم الثانى لان الالف اول الحروف من ادم واشار باللام يا لطيف واشار بالراء يا رحيم كما قال يا طه ويا يس ويا ايها المزمل ويا ايها المدثر اى هذه الابناء ايات صفاتية ازلية التى كنت حكيماً وعالماً بما فى القدم والازل ايضاً اى تلك علامات ما الهمنا روحك فى الازل فتعرفك بها مكان خطاب الاول وبين سبحانه فى القرآن محكم بحكم الازلية وحجج البالغة بامر الربوبية والدعاء الى العبودية من فهمه صار حكيما بحكمته وقيل اى فيه علامات قبول الحكماء لهذا الخطاب وقيل الكتاب الحكيم العهد الناطق عليك باحكام الظاهر والباطن قال الاستادان هذا الكتاب هو الموعود لكم يوم الميثاق والاشارة فيه انا الصفر نسبح الشعر وغيره والعناج الخيط الذى يشد من اسفل الدلو حققنا لكم الميعاد وصفرنا لكم عناج الوداد وانقضى زمان اليعاد فالعصاة ملقاة والايام بالسرور متلقاه فبادروا الى شرب كاسات المحاب واستقيموا على نهج الاحباب خلفه لم يعرفوا موقع عناية الله وفضله واختياركم لبنيه نبوته ورسالته بقوله {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} واخبر ان هذه الخاصية من الله سبحانه له بان ينبه التوابين عن مشاهدة عظمته بعظيم بطنه وجلال قدره بقوله {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} ويبشر الصادقين فى ايمانهم بان وصاله لهم بنعت السرمدية بقوله {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} اخبر عن اوائل كرمه وسوابق فهمه الصافى فى ارادتهم والمخلصين فى مقاصدهم ان لهم وصالا بغير حجاب وكشف جمال بغير عتاب وايضاً اى بشر العارفين ان لارواحهم فى مقام قدس جلالى وتجلى ازلى قدم المحبة وصدق اليقين بمشاهدة حين كشف جمال وجهى لها فى ميثاق الاول وصدق تلك القدام بوصف المحبة انها لا تزول عن محل الاستقامة فى العبودية وعرفان الربوبية وايضاً ما وصفت قدم الربوبية فى ايجاد الكونين الا بصدق محبتى لهم فى الازل وايضاً معنى الاية اولها تخويف بقوله ان الله انذر الناس اى خوف من نسينى طرفة عين بفوت حظ مشاهدتى وفراقى وصالى ثم بشر بلسان نبيه عليه السلام من كان جميع قلبه عملوا من حبه وصفا ذكره وايضاً الى البشر المريدين ايقنوا قربتى لهم وعنايتى لهم انهم وان اخطؤا بمباشرة هوى نفوسهم فى زمان فترتهم ان لا يقنطوا من فضلى ولطفى === فى سابق حكمى فان لهم عندى قدم صدق الارادة فى البداية ولا يحذر من كرمى ان اهدم صدق اقدامهم فى الارادات بل اوويهم بعناياتى الى قربى ووصالى واراعى عواقب امورهم حتى يكون اقدام الاواخر مستويات باقدام الاوايل قال ابو سعيد الخراز تفرق الطالبون عند قوله من طلبنى وجدنى على سبيل شئ اولهم اهل الاشارات طلبوه على ما سبق من قوة الاشارة وهم اهل قدم الصدق عند ربهم فبالقدم اشار اليهم فهم اهل الطوالع والاشارات حظهم منه ذلك وقال سهل سابقة رحمة اودعها فى محمد صلى الله عليه وسلم وقيل فى قوله ان انذر الناس اى ما يذهل قلوب الصادقين المنتبهين وقال النصرابادى فى قوله وبشر الذين آمنوا ان لهم قدم صدق القدم الصدق لم يبق له مقام الا وقد سلكه بحسن الادب لذلك ان قدم الصدق هو موضع الشفاعة للنبى صلى الله عليه وسلم وقال الاستاد قدم صدق ما قدموه لانفسهم من طاعات اخلصوا فيها وفنون عبادات صدقوا فى القيام بنقصها ويقال هو ما قدم الحق سبحانه لهم يوم القيامة من مقتضى عنايته بشأنهم وما حكم لهم من فنون احسانه وصنون ما افردهم به من امتنانه ثم وصف نفسه تعالى بالربوبية والالوهية تنزيهاً تربية لاسرار العارفين وتقديساً لقلوب الموحدين بقوله {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ} ثم بين اعلام الالوهية لترفيه فواد الموقنين بقوله {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} اخبر عن ترضيعه الملكوت بانوار الجبروت لاستبصار العاقلين وجعل ايام بناءها معدودة لاطفاء نيران عجلة الانسان والا هو مقتدر بقوة القدم ان يوجد الف الف سماء والف الف ارض باقل من لمحة ثم جعل العرش مرآة تجلى قدسه ويأوى ارواح احبائه بقوله {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} خامر انوار عظمة العرش وجعله ماوى انفاس الصديقين ومنتهى مسالك المريدين ثم اخبر انه تعالى يسهّل طريقه اليه لطالبته بقوله {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} يقدس الارواح العاشقة الصادقة طرق مشاهدته ووصاله من علة الحدثان ويصطفى قلوب العارفين بكشوف عجائب صفاته وانوار ذاته ثم بين انه مختار لولاية الاولياء بنفسه لانقاص من جهة الخلق وصلة الخليفة بقوله {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} من يعطيه لسان الانبساط يسال ويشفع بعد انبساطه اليه والا كيف يكون للحادث عند القديم وزن ثم عرف نفسه بما وصف به نفسه لفهماء المعرفة والمربين بانوار المحبة بقوله {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} ثم دعاهم الى عبادته بعد معرفته بقوله {فَٱعْبُدُوهُ} اى اعبدوه بالمعرفة لانه خلق الخلق لعرفانه قال كنت كنزا مخفيا واجبت ان اعرف ثم جثهم بالتفكر والتذكر بقوله {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} اى افلا تخوضون فى بحار الافكار ليدركوا حقائق الاذكار وتبصروا بها حقائق الانوار وتنكشف لكم لطائف الاسرار قال بعضهم فى قوله يدبر الامر يختار العبد ما هو خير ان من اختياره لنفسه ثم بين سبحانه ان نفسه تعالى مرجع كل غريق فيه ومنجا كل خائف منه ومأوى كل هائم له ومآب كل اواب اليه ومقصد كل قاصد اليه ومطلب كل طالب له ومنتهى همة كل سيار فى اسفار نواله واباده بقلبه وروحه وسره اليه بقوله {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} كل صفة منه تعالى مراد كل مجذوب بنورها اليه من القدم الى الابد فمرجع العاشقين جماله ومرجع العارفين جلاله ومرجع الموحدين كبرياؤه ومرجع الخائفين عظمته ومرجع المشتاقين وصاله ومرجع المحبين دنوه ومرجع اهل الفناء ذاته انوار ذاته اوطان ارواح القدسية وانوار صفاته مزار قلوب الوالهة وانوار افعاله مقر عقول الهائمة تعالى جلاله عن علة الحدثان والاكوان والحدثان يرجع الى مصرف وجود القدم لانها بدت منه واليه يعود وهو مقدس بعظمته عن ان يكون محلا للحادث وتصديق ذلك بيانه فى اخر الاية {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ابداهم من العدم بتجلى القدم ثم يفينهم بقهر سلطان غيرته ومرجعهم الى معدن الاول ثم يعيدهم رحمة وشفقه ليجاز العارفين بكشف جماله بقوله {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} اى يجزى الذين شاهدوا بقلوبهم مشاهد الملكوت بكشف جمال الجبروت ويجازى الذين اصلحوا سرائرهم لنزول انوار مجازيهم بمداناة وصاله يا اخى من رجع من سفر البعاد الى قرب محبوبه يفرح المحبوب بمقدمه ويعطى نفسه لمريده وزائره فانه سبحانه يكشف نقاب الغيرة عن جمال مشاهدته لكل اواب اليه شعر : ايا قادماً من سفرة الهجو مرحباً ايا ذاك لا انساك ما هبت الصبا تفسير : قال الجنيد فى قوله اليه مرجعكم جميعاً منه الابتداء واليه الانتهاء وما بين ذلك مراتع فضله وتواتر نعمه فمن سبق له فى الابتداء سعادة اظهر عليه فى مراتعه وثقلته فى نصه باظهار لسان الشكر وحال الرضا ومشاهدة المنعم ومن لم يجر له سعادة الابتداء ابطل اسامه فى سياسة نفسه وجمع الحطام الفانية ليرده الى ما سبق له فى الابتداء من الشقاوة قال الله اليه مرجعكم جميعاً فالراجع بالحقيقة اليه هو الراجع مما سواه اليه فيكون متحققا فى الرجوع اليه قال الاستاد الرجوع يقتضى ابتداء الارواح قبل حصولها فى الاشباح كان لها فى مواطن التسبيح والتقديس اقامة والغايب اذا رجع الى وطنه من سفره فلقدومه اثر عند مجيبه وذوية ويقال المطيع اذا رجع الى ربه فله الحسنى والثواب والزلفى والعاصى اذا رجع الى ربه بنعت الاخلاص وخسران الطريق فيلقى لباس الغفران وحلة الصفح والامان ورحمة مولاه خي رله من نسكه وتقواه قال تعالى وعد الله حقا فموعود المطيع الفراديس الاعلى وموعود العاصى الرحمة والرضا والجنة لطف الحق فالرحمة وصف الحق فاللطف فعل لم يكن ثم حصل والوصل نعت لم يزل وقال الاستاد فى قوله انه يبدؤ الخلق ثم يعيده من كان له فى جميع عمره نفس على وصف ما ابتداء الحق به ففى الاشارة يكون له اعادة ولقد انشد قائلهم شعر : كل نهر فيه ماء قد جرى فاليه الماء يوماً سعود تفسير : ثم وصف الله تعالى نفسه بالقدرة الكاملة والارادة القائمة بتنوير العالم بنوره ومن بذلك على عباده بقوله {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ}وجعل شمس الذات ضياء للارواح العارفة فبصرت بها عيون الازال والاباد وجعل قمر الصفات نور القلوب العاشقة فنظرت به شمايل اخلاق الجمال والجلال فالارواح فنيت بصولة الذات فى عين الذات والقلوب بقيت المشاهدة الصفات فى عين الصفات فشمس الذات غير محجوبة فى جميع الاوقات عن بصائر الارواح لذلك عاينتها ولا غابت عنها لانها مقام التوحيد والمعرفة ان شمس النهار تغرب بالليل وشمس القلوب ليست تغيب وقمر الصفات يبدو للقلوب فى اوقات بسطها ويخفى فى اوقات قبضها ولذلك صارت القلوب فى التقلب فى انوار الصفات فكما خفى القمر فى شعاع الشمس ويزيد وينقص كذلك حالات القلوب فى خفايا الصفات وظهورها فلقمر الصفات فى قلوب المحبين منازل من المداناة لظهور المواجيد والحالات ولبيان اعداد الانفاس التى لا ينبغى لها ان تجرى الا باجتماع همم المعرفة وصفا المحبة والاحاطة باوقات الواردات العينية وهذا معنى اشارة قوله ليعلموا عدد السنين والحساب قال بعضهم الشموس مختلفة فشمس المعرفة يظهر ضياؤها على الجوارح فيتزينها === الخدمة واقمار الانس تقدس الاسرار بنور الوحدانية والفردانية فتدخلها فى مقامات التوحيد والتفريد === بعضهم جعل الله شمس التوفيق ضياء الطاعات للعباد وقمر التوحيد نوراً فى اسرارهم فهم يتقلبون فى ضياء === ونور التوحيد الى منازل الصديقين ثم زاد سبحانه ذكر اعلام شواهد ملكوته وانوار جبروته للمؤمنين بقوله {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} جعل الليل فأوى انس العارفين وجعل النهار مواضع نزهة الصديقين اظهر فى لباس الليل انوار العظمة وابرز من مرآة النهار انوار مشاهدة الجمال والجلال وجميع ما خلق من العرش الى الثرى مرائى لطغيانه تبرز منها لاهل الهيبة والوجل انوار صفاته ليله قبض قلوب العارفين ونهاره بسط فواد المحبين وما بينهما بين سماء الارواح وارض القلوب اشكال الاحوال من المكاشفات ولا يراها الا المتقى عما دونه من الحدثان قال الاستاد النهار وقت حضور اهل الغفل فى اوطان كسبهم والليل وقت ارباب الوصلة بانفرادهم شهود ربهم قال قائلهم شعر : هى الشمس الا ان للشمس غيبة وهذا الذى تعنيه ليس يغيب تفسير : وقال الليل لاحد الشخصين اما للمحبين فوقت النجوة واما للعاصين قلبت الشكوة ثم وصف الله من لا نصيب له مما ذكرنا من رؤية شواهد الغيب ولاحظ له من رؤية الايات بقوله {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} اى لا يخافون فراقنا ولا يرجون وصالنا ثم ذكر علة قلة رجائهم وخوفهم بقوله {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} اى لايثارهم حيوة الفانية على حيوة الباقية ثم ذكر سبب ذلك لانهم غفلوا عن رؤية انوار الصفات فى مرات الايات بقوله {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} قيل لا تخافون الموقف الاعظم يوم تبلى السرائر وتظهر الخفايا نرضوا بالحيوة الدنيا ركنوا الى مذموم عيشهم واطمأنوا بها نسوا مفاجات الموت والذين هم عن اياتها غافلون تقليب القلوب وعقوبات الجوارح ثم وصف اهل خالصته من الصادقين الذين سبقت لهم منه الحسنى فى الازل بالعناية الى الابد بقوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} اى الذين عائنوا الحق فى عهد الاول بعيون المخحبة وكنسوا غيار الحوادث من طريق المعرفة يهديهم ربهم بذاته الى صفاته وبانوار صفاته الى جلال ذاته بايمانهم يعنى بما سبق لهم فى الازل من هداية الله فى علم الله ثم بين انهم فى جوار جماله ومعانيه لقائه حيث افاض عنهم بركات شهودهم الى اهل القرابات بقوله {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} هم فى جنات المشاهدات تجرى من تحت عيون ارواحهم انهار المعارف واسرار الكواشف قال ابن عطا تظهر عليهم بركات اقتدارهم عند ايجاد === بقوله بل فمن بركاتها لزوم الفرايض واتباع السنن وتحقيق الايمان وتصحيح الاعمال ثم ان الله سبحانه وصف المشاهدين جماله انهم اذا ارادوه هيجهم نعم المشاهدة وراحة الوصلة اذا ثناء جلاله فاغارهم انوار سطوات العزة وسجلت العظمة ولايهيا لهم فى ثنائه الا العجز عن ثنائه فيؤول حالهم فى الثناء الى انهم جمعوا خصائص صفاته فى نعت التنزيه بقوله {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ} وهذا حال سيد المرسلين صلوات الله عليه حين عاين الحق وقال لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ثم عرفهم مكاره نعمه عليهم من تعريف نفسه فيقولون { ٱللَّهُمَّ} اى انت الهنا وبك عرفناك ونزهناك سبحانك اللهم ثم وصف تحيتهم بانهم يبدون باسم السلامة بقوله {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} بان سلموا من خوف حجابه واليم فراقه يبرئ بعضهم بعضا من وصمات النفسانية والشيطانية يتبرى الحق وتنزيهه عن الحوادث بانه تعالى سمى نفسه بالاسلام والسلام المبر من الحوادث تحيتهم هناك تنزيهه فلما عرفوا حقائق نعمة التى ادركوها بغير علة الاكتساب اثنوا على ربهم ومدحوه به لا بهم بقوله {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} اخر ذكرهم مدحه تعالى حيث مرجوا ان ما نالوا منه نالوا بفضله الامن لى واواصطفائيته القديمة قال ذو النون فى قوله دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام مقام المحققين من العارفين التنزيه والتبرى من جميع ما لهم من انواع الاقوال والافعال وغير ذلك والرجوع الى الحق على حد التنزيه له ان يقصده احد بسبب او يتحبب اليه بطاعة او يعمل كلا الا لظهار سعادة الازل على السعداء وسماة الشقاوت على الاشقياء وقال الشبلى فى قوله واخر دعوائهم ان الحمد لله رب العالمينلو الهموا حمد الحق فى اوايل الانفاس لسقطت عنهم الدعاوى لكنهم لم يزالوا يركضون فى ميادين جهل الى ان فتح لهم طريق الحمد فلما فتح لهم طريق الحمد سقط عنهم الدعاوى فرجوا الى رؤية المنة فكان اخر دعواهم ان قالوا الحمد لله رب العالمين فرضوا الكل اليه ورجعوا بالكلية فانطلقهم لما ان\لقهم به من المنطق المحمود وقد وقع لى بعد قول شاه العارفين رحمة الله عليه وقدس الله روحه ان القوم لما خرجوا من رؤية علل الحوادث وعرفوا فى بحار الذات والصفات ارادوا ان يثنوا عليه بما رأوا منه من عجائب انوار الصفات واسرار الذات فما وجدوا اثنائه عليه الا من تعريفه اليهم فوجدوه المنعم عليهم فى جميع ما وصفوه به فلا يكون لهم موضعا من ثنائه الا الحمد لتائيده لهم فان منتفى قول الوصافين صفاته العجز عن البلوغ الى حقائق ثنائه ولا يتعرض لهم بعد ذلك الا الحمد ثم العجز عن الحمد عن الخجل فى المحمود القديم.

اسماعيل حقي

تفسير : {بسم الله الرحمن الرحيم * الر} الظاهران {الر} اسم للسورة وانه في محل الرفع على انه مبتدأ حذف خبره او خبر مبتدأ محذوف اى الر هذه السورة او هذه السورة او هذه السورة الر اى مسماة بهذا الاسم ولله ان يسمى السور بما اراد. ورجحه المولى رحمه الله حيث قال وهو اظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الاخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه علىعلم المخاطب بالانتساب والاشارة اليها قبل جريان ذكرها لما انها باعتبار كونها على جناح الذكر وبصدده صارت في حكم الحاضر كما يقال هذا من اشترى فلان انتهى. يقول الفقير اعلم ان الحروف اجزاء الكلمات وهي اجزاء الجمل وهي اجزاء الآيات وهي اجزاء السور وهي اجزاء القرآن فالقرآن ينحل الى السور وهى الى الآيات وهى الى الجمل وهى الى الكلمات وهى الى الحروف وهي الى النقاط كما ان البحر يأول الى الانهار والجداول وهى الى القطرات فاصل الكل نقطة واحدة وانما جاء الكثرة من انبساط تلك النقطة وتفصلها. وقول اهل الظاهر في {الر} وامثاله تعديد على طريق التحدي لا يخلو عن ضعف اذ هذه الحروف المقطعة لها مدلولات صحيحة وهى زبدة علوم الصوفية المحققين. وقد ثبت ان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اوتي علوم الاولين والآخرين. فمن علوم آدم وادريس عليهما السلام علم الحروف وانما ذمت الطائفة الحروفية لاخذهم بالاشارة ورفضهم العبارة وهتكهم حرمة الشريعة التي هي لباس الحقيقة كما ان اللفظ لباس المعنى والعبارة ظرف الاشارة والوجود مرآة الشهود وكل منهما منوط بالآخر والمنفرد باحدهما خارج عن دائرة المعرفة الآلهية فعلم هذه الحروف بلوازمها وحقائقها مفوض في الحقيقة الى الله والرسول وكمل الورثة ومنهم من ذهب الى جانب التأويل وقال كل حرف من الحروف المقطعة مأخوذ من اسم من اسمائه تعالى والاكتفاء ببعض الكلمة معهود في العربية كما قال الشاعر شعر : قلت لها قفى فقالت ق تفسير : اى وقفت ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما معنى {الر} انا الله ارى. وعنه انه من حروف الرحمن وذلك انه اذا جمعت الر وحم ون انتظم حروف الرحمن. وقال في التأويلات النجمية ان في قوله {الر} اشارتين. اشارة من الحق للحق والى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى. واشارة من الحق لنبيه واليه عليه السلام فالاولى قسم منه تعالى يقول بآلائي عليك في الازل وانت في العدم وبلطفي معك في الوجود ورحمتي ورأفتي لك من الازل الى الابد والثانية قسم منه يقول بانسك معي حين خلقت روحك أول شيء خلقته فلم يكن معنا ثالث وبلبيك الذي اجبتنى به في العدم حين دعوتك للخروج منه فخاطبتك وقلت ياسين اى ياسيد قلت لبيك وسعديك. والخير كله بيديك. وبرجوعك منك الى حين قلت لنفسك ارجعي الى ربك {تلك} محله الرفع على انه مبتدأ خبره ما بعده وعلى تقدير كون الر مبتدأ فهو مبتدأ ثان وهي اشارة الى ما تضمنته هذه السورة من الآيات {آيات الكتاب الحكيم} اي آيات القرآن المشتمل على الحكم على ان يكون الحكيم بناء النسبة بمعنى ذى الحكم وذلك لان الله تعالى اودع فيه الحكم كلها فلا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين -حكى- ان الامام محمدا رحمه الله غلب عليه الفقر مرة فجاء الى فقاعى يوما فقال ان اعطيتني شربة اعلمك مسألتين من الفقه. فقال الفقاعي لا حاجة الى المسألة شعر : قيمت در كرانمايه جه داندد عوام حافظا كوهر يكد انه مده جز بخواص تفسير : فاتفق انه حلف ان لم يعط بنته جميع ما في الدنيا من الجهاز فامرأته طالق ثلاثا فرجع الى العلماء فافتوا بحنثه لما انه لا يمكن ذلك فجاء الى الامام محمد فقال الامام لما طلبت منك شربة كان في عزيمتى ان علمك هذه المسألة ومسألة اخرى فالآن لا اعلمها الا بعد اخذ الف دينار تعظيما لشان المسألة فدفعه اليه فقال لو دفعت الى البنت مصحفا كنت بارا في يمينك فسأله علماء عصره عن وجهه فاجاب بان الله تعالى قال {ولا رطب ولا يابس الى في كتاب مبين} فوقع هذا الجواب عندهم في حيز القبول شعر : علم دريست نيك باقيمت جهل درديست سخت بى درمان تفسير : وفي التأويلات هذه الآيات المنزلة عليك آيات الكتاب الحكيم الذي وعدتك في الازل واورثته لك ولامتك وقلت {أية : ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} تفسير : فاختص هذا الكتاب بان يكون حكيما من سائر الكتب اى حاكما يحكم على الكتب كلها بتبديل الشرائع والنسخ ولا يحكم عليه كتاب ابدا واختص هذه الامة بالاصطفاء من سائر الامم واورثهم هذا الكتاب ومعنى الوراثة انه يكون باقيا في هذه الامة يرثه بعضهم من بعض ولا ينسخه كتاب كما نسخ هو جميع الكتب.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (عجباً) خبر كان، واسمها: (أن أوحينا)، ومن قرأ بالرفع فالأمر بالعكس، أو كان تامة، واللام متعلقة بعجباً، وهو مصدر للدلالة على أنهم جعلوه أعجوبة لهم، يتوجهون نحوه بإنكارهم واستهزائهم. قال في المغني: المصدر الذي ليس في تقدير حرف الموصول وصلته لا يمنع التقديم عليه، على أن السعد قال في المطوّل: إن معمول المصدر إذا كان ظرفاً أو شبهة، الأظهر أنه جائز التقديم، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ}تفسير : [الصافات: 102]،{أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ}تفسير : [النور: 2] مثل هذا كثير في الكلام، وليس كل ما أول بشيء حكمُه حكم ما أول به، مع أن الظرف مما يكفيه رائحة الفعل؛ لأن له شأناً ليس لغيره؛ لتنزله من الشيء منزلة نفسه؛ لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها. هـ. يقول الحق جل جلاله: أيها الرسول المجتبى المختار {تلك} الآيات التي تنزل عليك هي {آياتُ الكتاب الحكيم}، الذي اشتمل على الحكم الباهرة والعبر الظاهرة، أو المحكم الذي لم ينسخ منه شيء بكتاب آخر بعده، أو كلام حكيم. {أَكَانَ للناس} أي: كفار قريش وغيرهم {عَجَباً أن أوحينا إلى رجل منهم} ولم يكن من عظمائهم؟ والاستفهام للإنكار، والرد على من استبعد النبوة، أو تعجب من أن يبعث الله رجلاً من وسط الناس. قيل: كانوا يقولون: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب. وهذا من فرط حماقتهم، وقصور نظرهم على الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة. هذا.. وأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يكن يقْصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه، إلا في المال، وخفةُ الحال أعون شيء في هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء قبله كذلك ـ أي خفافاً من المال ـ وقيل: تعجبوا من أنه بشراً رسولاً، كما سبق في سورة الأنعام. قاله البيضاوي. ثم فسَّر الوحي المذكور فقال: {أن أنذر الناس} أي: أوحينا إليه بأن أنذر الناس أي: خوفهم من غضب ربهم، {وبشّر الذين آمنوا}، عمم الإنذار، ليس من أحد إلا وفيه ما ينبغي أن ينذر منه، وخصص البشارة إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به، قاله البيضاوي. أي: بشر المؤمنون بأنَّ {لهم قَدَمَ صدْقٍ عند ربهم} أي: سابقة ومنزلة رفيعة، سميت قدَماً لأن السبق يكون بها، كما سميت النعمة يداً لأنها تُعْطى باليد، وأضيفت إلى الصدق لتحققها وللتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية. قال ابن جزي: أي: عمل صالح قدموه، وقال ابن عباس: السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ. هـ. وقال ابن عطية: والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح، كما تقول: رجل صدقٍ ورجل سوْءٍ. هـ. {قال الكافرون إنَّ هذا} الكتاب، أو ما جاء به الرسول، {لسحر مبين} أي: بيَّن ظاهر، وقرأ ابن كثير والكوفيون: {لساحر}، على أن الإشارة إلى الرسول، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول أموراً خارقة للعادة، معجزة لهم عن المعارضة، وكلامهم هذا يحتمل أن يكون تفسيراً لما ذكره قبلُ من تعجبهم، أويكون مستأنفاً. الإشارة: تعجبُ الناس من أهل الخصوصية سُنة ماضية، فكما خفي عن أعين الكفار سر النبوة، خفي عن أعين الخفافيش سر الخصوصية، فلا يطلع عليها إلا من سبق له قدم صدق عند ربه، فسبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية؛ فلم يدل عليها إلا من أراد أن يوصله إلى مشاهدة عظمة الربوبية. قال في لطائف المنن: فأولياء الله أهل كهف الإيواء، فقليل من يعرفهم، وسمعت الشيخ أبا العباس رضي الله عنه يقول: معرفة الولي أصعب من معرفة الله، فإنَّ الله تعالى معروف بكماله وجماله، ومتى تعرف مخلوقاً مثلك يأكل كما تأكل، ويشرب كما تشرب؟، وإذا أراد الله أن يعرفك بولي من أوليائه طوى عنك وجود بشريته، وأشهدك وجود خصوصيته. هـ. ثم فسّر عظمة ربوبيته، فقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}.

الطوسي

تفسير : إنما لم تعدّ {الر} آية كما عدّ {الم} آية في عدد الكوفيين لأن آخره لا يشاكل رؤس الآي التي بعده؛ إذ هي بمنزلة المردف بالياء. و {طه} عدّ؛ لأنه يشاكل رؤس الآي التي بعده. وقرأ {الر} بالتفخيم ابن كثير ونافع وأبو جعفر. وقرأ بالامالة أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة والكسائي. واختلفوا عن عاصم: فروى هبيرة عن حفص بكسر الراء. الباقون عنه بالتفخيم. قال ابو علي الفارسي: من ترك الامالة؛ فلأن كثيراً من العرب لا يميل ما يجوز فيه الامالة كما يمنعها المستعلي. ومن أمال؛ فلانها اسم لما يلفظ به من الاصوات، فجازت الامالة من حيث كانت اسماً ولم تكن كالحروف التي تمنع فيها الامالة. وقال الرماني: انما جاز إمالة حروف الهجاء، لأن ألفه في تقدير الانقلاب عن ياء. وقد بينا في أول سورة البقرة معنى هذه الحروف التي في أول السور، واختلاف المفسرين، وقلنا: إن أقوى الوجوه أنها اسماء السور، فلا وجه لاعادته. وقوله {تلك} قال ابو عبيدة معنا هذه. وقال الزجاج: المعنى الآيات التي تقدم ذكرها، وهو قول الجبائي. وقال قوم: انما قال {تلك} لتقدم الذكر (الرفي) كقولك هند هي كريمة. وانما اضيفت الآيات إلى الكتاب لأنها أبعاض الكتاب، كما أن السورة ابعاضه، وكذلك محكمه ومتشابهه واسماؤه وصفاته ووعده ووعيده وأمره ونهيه وحلاله وحرامه والآية العلامة التى تنبئ عن مقطع الكلام من جهة مخصوصة. والقرآن مفصل بالايات مضمن بالحكم النافية للشبهات وانما وصف الكتاب بأنه حكيم، لأنه دليل على الحق كالناطق بالحكمة، ولأنه يؤدي إلى المعرفة التي يميز بها طريق الهلاك من طريق النجاة. وقال ابو عبيدة: حكيم ها هنا بمعنى محكم وأنشد لأبي ذؤيب: شعر : يواعدني عكاظ لننزلنه ولم يشعر إذن أني خليف تفسير : أي مخلف من اخلفته الوعد. ويؤكد ذلك قوله {الر كتاب أحكمت آياته} والايات العلامات. والكتاب اسم من اسماء القرآن وقد بيناه فيما مضى. وحكي عن مجاهد أنه قال {تلك} اشارة إلى التوراة الانجيل. وهذا بعيد لأنه لم يجر لهما ذكر.

الجنابذي

تفسير : {الۤر} قد مضى فى اوّل البقرة وفى مطاوى ما سبق انّ امثال هذا من الرّموز الّتى يعبّر بها عمّا عاينه المنسلخ عن هذا العالم من مراتب الوجود وآياته العظمى فيلقّيها الملك بالوحى او بالتّحديث مشاراً بها الى تلك المراتب والآيات، واذا اريد التّعبير عن المقصود بها للراقدين فى فراش الطّبع يعبّر بالمناسبات والتّمثيلات كما يظهر الحقائق للنّائم بالمناسبات والتّمثيلات فيحتاج الى تعبير من خبير بصير، فما ورد فى تفسيرها من كون الالف اشارةً الى الله، واللاّم اشارةً الى جبرئيل، والميم والرّاء اشارةً الى محمّد (ص)، وكذا ما ورد من انّ معناه: انا الله الرّؤف، تمثيل محتاجٌ الى التّعبير، وما ورد انّ الحروف المقطّعة فى القرآن حروف اسم الله الاعظم يؤلّفها الرّسول (ص) او الامام فيدعو بها فيجاب فهو اشارة الى خواصّها الّتى تترتّب عليها بحسب اعدادها ونقوشها كما اشير اليه فى الاخبار، او كناية عن اتّصافه بحقائقها {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} اشارة الى المراتب المشهورة المعبّر عنها بتلك الحروف ووجوه الاعراب فى امثاله والفرق بين الكلام والكتاب قد سبق فى اوّل البقرة {ٱلْحَكِيمِ} ذى الحكمة فى العلم والعمل لانّ المراد بالكتاب مراتب الوجود من العقول والنّفوس وهى ذات حكمة فى العلم والعمل يعنى علمها وعملها مشتملان على الدّقائق او المحكم الّذى لا نسخ فيه فانّ المتشابه هو جملة عالم الطّبع بحقائقها وآثارها ومنه الكتاب التّدوينىّ وعالم الطّبع من حيث ذاته متشابه وان كان من حيث انتسابه الى الله محكماً.

الأعقم

تفسير : {الر}، قيل: اسم للقرآن، وقيل: اسم للسورة، وقيل: معناه أنا الرب لا رب غيري، وقيل: إسم الله تعالى، وقيل: هو قسم كأنه قيل: والله {تلك آيات الكتاب الحكيم}، قيل: المراد به القرآن، وقيل: تلك إشارة إلى ما كان وعد الله به أن يعطيه، وقيل: تلك إشارة إلى ما تقدم من الكتب مثل التوراة والانجيل وغيرهما، والوجه الأول قاله الحاكم الحكيم لأنَّه دليل يعرف به الحق عن الباطل فهو كالناطق بالحكمة والحجج المؤدية إلى معرفته، وقيل: أحكم نظمه فصار معجزة {أكان للناس عجباً} قال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) أنكر الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد فأنزل الله أكان للناس عجباً، وقيل: قالوا العجب أن الله لم يجد رسولاً إلاَّ يتيم أبي طالب فنزلت الآية {وبشر الذين آمنوا} أي أخبرهم بما يسرهم وهو أن لهم الجنة وقوله: {قدم صدق} يعني جزاء حسناً ومنزلة رفيعة بما قدموا من أعمالهم {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} يعنون القرآن، وقيل: ساحر يعنون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {إن ربكم الله} يعني منشئكم ومربيكم {الذي خلق السموات والأرض في ستَّة أيَّامٍ} من أيَّام الدنيا أولها الأحد {ثم استوى على العرش}، قيل: استولى على العرش بإنشاء التدبير من جهته، وقيل: العرش الملك أي هو مستولي على ملكه يفعل ما يشاء {يدبر الأمر ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه}، قيل: كان الله وخلق الخلق ودبر الأمر ولم يكن معه غيره ممن يحتاج إلى معونته والشفيع مأخوذ من الشفع وهو الزوج خلاف الوتر، وقيل: ما من مدبر إلا من بعد إذنه أي من بعد أمره، وقيل: لا أحد يشفع لأحد إلاَّ بإذنه.

الهواري

تفسير : تفسير سورة يونس وهي مكية كلها { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. قوله: {الۤر}. ذكروا أن علياً قال: الۤر وحَمَ، ونون: الرَّحمن. وكان الكلبي يقول في هذا وأشباهه: هو من الذي قال الله فيه: (أية : وَاُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) تفسير : [آل عمران:7]. وكان الحسن يقول: ما أدري ما تفسير الۤر وأشباه ذلك، غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور وفواتحها. قوله: {تِلْكَ ءَايَاتُ الكِتَابِ الحَكِيمِ} أي: هذه آيات الكتاب الحكيم. أي المحكم؛ أحكمت آياته بالأمر والنهي. قوله: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} على الاستفهام { أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، أي: إنه ليس بِعَجَبٍ. وقد قال في آية أخرى:(أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى) تفسير : [يوسف:109]؛ ولم يبعث الله رسولاً من أهل البادية، ولا من الجن، ولا من النساء. قوله: { أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ} أي: عذاب الله في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم حين كذبوا رسلهم. وهذا جواب من الله لقول المشركين حيث قالوا: {وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ} أي على عبادتها (أية : إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) تفسير : [سورة ص:6]. وقال في الآية الأخرى: (أية : إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) تفسير : [سورة ص:5]. فقال الله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا} أي بأن أوحينا {إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} يعرفونه ويعرفون نسبه. قوله: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} أي سلف صدق عند ربهم أي إنهم يثابون به الجنة. كقوله: (أية : وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)تفسير : [الروم:44]. { قَالَ الكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} يعنون القرآن. وبعضهم يقرأون: {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} يعنون النبي، وهم مشركو العرب. فأراد الله أن يحتج عليهم وأن يبيّن لهم؛ فقال تبارك وتعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، وفيها إضمار؛ قال في آية أخرى: (أية : اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) تفسير : [السجدة:4] {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} والأيام كل يوم ألف سنة. قال: (أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)تفسير : [الحج:47]. قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ}. ذكروا عن الحسن أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: حديث : ما تسمون هذه أو قال: هذا؟ قالوا: السماء. قال: هذه الرقيع، موج مكفوف، وغلظها مسيرة خمسمائة سنة، وبينها وبين السماء التي فوقها مسيرة خمسمائة عام وغلظها خمسمائة سنة، وبينها وبين السماء الثالثة مثل ذلك، حتى عد سبع سماوات وأرضين هكذا. قال: وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام حتى عدَّ سبع أرضين هكذا تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش. وَبَيْنَ شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول: سبحانك حيث كنت تفسير : قوله: { يُدَبِّرُ الأَمْرَ} قال الحسن: يعني في خلقه، ما يحيي ويميت، وما يرزق ويفعل. وهو كقوله: (أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) تفسير : [الرحمن:29]. وقال مجاهد: يدبّره أي: يقضيه. قوله: { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} يقول: ليس أحد يشفع يوم القيامة إلا أن يؤذن له. كقوله: (أية : مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) تفسير : [البقرة:255] وكقوله: (أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ) تفسير : [الأنبياء:28] وقال: (أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ) تفسير : [غافر:18]. قوله: {ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} يوم القيامة. يقول: إن الذي خلق السماوات والأرض، ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، والذي لا يشفع عنده إلا بإذنه، هو ربكم، أي فإن ذلكم الله ربكم فاعبدوه. أفلا تذكرون. إليه مرجعكم جميعاً، يعني البعث يوم القيامة لأنهم لا يقرون بالبعث. قوله: { وَعْدَ اللهِ حَقّاً} [أي في المرجع إليه] { إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} وهو كقوله: (أية : قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الأَخِرَةَ) تفسير : [العنكبوت:20] أي: يوم القيامة. وقال مجاهد: {إِنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه فيحييه. قال: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالقِسْطِ} أي: بالعدل، أي: يجريهم الجنة. { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} وهو الذي قد انتهى حرّه. { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجع { بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}. أي: إن ذلك جزاؤهم بما كانوا يكفرون.

اطفيش

تفسير : {الر} قال ابن عباس، وعلى، وسالم بن عبد الله، وابن جبير، والشعبى: معناه أنا الرحمن، وعنهم أنه حروف مقطعة، وعن ابن عباس: أنا الله أرى، وعن قتادة: اسم للقرآن، وقيل: اسم للسورة، وتقدم كلام فى ذلك. وأمال نافع الراء، ليدل على أنها اسم للحرف لا حرف بنفسها، فالاسم راء بالمد أو بالقصر، والمسمى وهو الحرف نفسه، والقياس أن لا تمال، وقد روى عدم المد عنه، واختلف القراء أيضا، والمشهور أن ابن كثير، وقالون، وحفصا لا يميلون، والباقون يميلون، قيل: عن ورش بين بين، وقيل: لم يمل نافع وابن كثير وحفص، وأمال الباقون إجراءها مجرى الألف المنقلبة عن الياء. ومن صام الأيام البيض من شعبان، وأفطر على خل وبقل، وخبز شعير وملح جريش، واستقبل القبلة، وذكر الله، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، إلى أن يصلى العشاء، ويسبح ويقدس، ثم يكتب {الر} إلى {أفلا تذكرون} فى قرطاس بماء ورد وزعفران، ويضعه تحت رأسه وينام، وإذا صلى الصبح حمل الكتاب وخرج إلى الناس، ارتفع قدره، وعلا شأنه، وسدد ونطق بالحكمة، وكان مهيبا مقبولا مطاعا. {تِلْكَ} إشارة إلى آيات السورة قبل نزولها، كأنها حاضرة مشاهدة، ولذلك إشارة بإشارة البعيد، وقيل: هو بمعنى هذه، وقيل: إشارة إلى آيات القرآن، وقيل: إلى ما نزل منه قبل ذلك، وعد الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء، ولا تغيره الدهور، فذكر الله أنه هو هذا ما بين ما نزل وما ينزل، أو هذه منه، وقيل: إشارة إلى آيات الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل، ويضعفه أنه لم يتقدم لها ذكر. {آياتُ الكِتابِ} القرآن أو السورة {الحَكيمِ} أى ذى الحكمة، نسب إلى الحكمة لاشتماله عليها، فذلك على النسب، أو شبه الكتاب بالحكيم الناطق بحكمته، على طريق الاستعارة المكنية، والقرينة إثبات الحكمة، أو أسند الحكمة إليه تجوزاً كقولك: نهاره حائم، وليله قائم، أو الحكيم فعيل بمعنى اسم مفعول الرباعى، أى محكم لا ينسخه كتاب، وقيل: بمعنى فاعل، لأنه يميز الحق من الباطل. وعن ابن عباس: استبعد قريش والعرب أن يبعث الله رسولا من البشر، قال الزجاج: حتى قال بعضهم: أما وجد الله من يبعث إلا يتيم أبى طالب، أو عجبوا من إخباره بالبعث الذى تضمنته النذارة والبشارة فنزل.

اطفيش

تفسير : سورة يونس {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الر} قال ابن عباس رضى الله عنهما: معناه أَنا الله أرى، وقيل: أَنا الرب لا رب غيرى. وقيل: الر، وحم، ون اسم الرحمن. وقيل الر اسم للسورة، وعليه الجمهور، وقيل الر، حروف تهج مسرودة، وفى إِمالة الراء دفع توهم أَن را حرف كما ولا ثنائى، لأَن الحروف تمتنع فيها الامالة، وكذا قراءَتها بين بين، وذلك إِجراءُ لأَلفها مجرى الأَلف المنقلب عن الياء {تِلْكَ} ما يأْتى من آيات السورة، أُشير إِليها قبل مجيئها لأَنها فى حكم الحاضر لقرب ذكرها بعد، كما يقول الكاتب: هذا ما اشترى فلان، يشير إِلى ما حضر فى الذهن. ويقال هنا إِشارة إِلى ما حضر فى العلم، أَو الإِشارة إِلى القرآن كله لتعينه فى علم الله تعالى، أَو اللوح المحفوظ أَو باعتبار أَنه نزل جملة إِلى السماءِ الدنيا، أَو إِلى ما نزل منه دون ما لم ينزل أَو إِلى السورة، ولا سيما إِن قلنا الر اسم للسورة أَو لما أُشير إِليها فى ضمن سرد هذه الحروف على التحدى كانت مذكورة ضمنا. {آيَاتُ الْكِتَابِ} أى آيات من الكتاب بمن التبعيضية، وإِذا كانت الإِشارة إِلى القرآن كله فلا تقدر من التبعيضية، فالكتاب إِما السورة وإِما القرآن ومحط الفائدة {الْحَكِيمِ} أَى المشتمل على الحكم ـ بكسر الحاء وفتح الكاف ـ والحكمة هى وضع الأَشياء فى مواضعها اللائقة، أَو علم الأَشياءِ على ما هى عليه، وقال الراغب: إِصابة الحق بالعلم والعمل، وإِسناد ذلك إِلى السورة أَو القرآن مجاز عقلى كما فى نهاره صائِم وليلة قائِم، أَو مجاز بالحذف أَى حكيم قائِله، أَو ذلك نسب كلابن أَو تشبيه بإِنسان ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية، ورمز إِلى ذلك بإِثبات الحكمة، أَو المعنى محكم بفتح الكاف، أَى متقن لا خلل فيه، أَو لا بنسخه كتاب آخر فهو حقيق، أَو بكسر الكاف فمجاز كما مر، لكن فعيل بمعنى مفعل أَو مفعل ضعيف.

الالوسي

تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} {الۤر} بتفخيم الراء المفتوحة وهو الأصل وأمال أبو عمرو وبعض القراء إجراء لألف الراء مجرى الألف المنقلبة عن الياء فإنهم يميلونها تنبيهاً على أصلها، وفي الإمالة هنا دفع توهم أن ـ را ـ حرف كما ولا فقد صرحوا أن الحروف يمتنع فيها الإمالة، وقرأ ورش بين بين. والمراد من {الۤر} على ما روى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا الله أرى، وفي رواية أخرى أنها بعض الرحمن وتمامه حم ون، وعن قتادة أنها بعض الراحم وهو من أسماء القرآن، وقيل: هي أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتى بها مسرودة على نمط التعديد بطريق التحدي وعليه فلا محل لها من الإعراب، والكلام فيها وفي نظائرها شهير. / والأكثرون على أنها اسم للسورة فمحلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بكذا وهو أظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب، والإشارة إليها قبل جريان ذكرها لصيرورتها في حكم الحاضر لاعتبار كونها على جناح الذكر كما يقال في الصكوك: هذا ما اشترى فلان، وجوز النصب بتقدير فعل لائق بالمقام كاذكر واقرأ وكلمة {تِلْكَ} إشارة إليها أما على تقدير كون {الۤر} مسروداً على نمط التعديد فقد نزل حضور مادتها منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل: هذه الكلمات المؤلفة من جنس هذه الحروف المبسوطة الخ، وأما على تقدير كونها اسماً للسورة فقد نوهت بالإشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها. وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة ومحله الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله عز وجل: {آيَٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ} وعلى تقدير كون {الۤر} مبتدأ فهو إما مبتدأ ثان أو بدل من الأول، والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل، والمقصود ببيان بعضيتها منه (وصفيتها بما أشير إلى) اتصافه به من النعوت الفاضلة والصفات الكاملة، والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم وإن لم ينزل بعد إما باعتبار تعينه وتحققه في العلم أو في اللوح أو باعتبار نزوله جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وإما جميع القرآن النازل وقتئذٍ المتفاهم بين الناس إذ ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي يطلق على مجموع ما نزل في كل [عصر] كذا قال شيخ الإسلام. وأنت تعلم أن المشهور عن السلف تفويض معنى {الۤر} وأمثاله إلى الله تعالى وحيث لم يظهر المراد منها لا معنى للتعرض لإعرابها، وقد ذكروا أنه يجوز في الإشارة أن تكون لآيات هذه السورة وأن تكون لآيات القرآن ويجوز في الكتاب أن يراد به السورة وأن يراد القرآن فتكون الصور أربعاً. إحداها: الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى السورة ولا يصح إلا بتخصيص آيات أو تأويل بعيد. وثانيها: عكسه ولا محذور فيه. وثالثها: الإشارة إلى آيات السورة والكتاب بمعنى السورة. ورابعها: الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى القرآن، ومرجع إفادة الكلام عليهما باعتبار صفة الكتاب الآتية، وجوز الإشارة إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وإن لم تذكر كما في المثال المذكور آنفاً. وفي «أمالي ابن الحاجب» أن المشار إليه لا يشترط أن يكون موجوداً حاضراً بل يكفي أن يكون موجوداً ذهناً. وفي «الكشاف» في تفسير قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} تفسير : [الكهف:78] ما يؤيده، وأوثر لفظ {تِلْكَ} لما أشار إليه الشيخ ولكونه في حكم الغائب من وجه ولا يخلو ما ذكروه عن دغدغة، وأما حمل الكتاب على الكتب التي خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما كما أخرجه ابن أبـي حاتم عن قتادة فهو في غاية البعد فتأمل. وقوله تعالى: {ٱلْحَكِيمُ} صفة للكتاب ووصف بذلك لاشتماله على الحكم فيراد بالحكيم ذو الحكمة على أنه للنسبة كلابن وتامر، وقد يعتبر تشبيه الكتاب بإنسان ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الحكمة قرينة لها، وجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام حكيم فالمعنى حكيم قائله فالتجوز في الإسناد كليله قائم ونهاره صائم، وقيل: لأن آياته محكمة لم ينسخ منها شيء أي بكتاب آخر ففعيل بمعنى مفعل وقد تقدم ماله وما عليه.

سيد قطب

تفسير : السورة كلها - كما أسلفنا في تقديمها - لحمة واحدة، يصعب تقسيمها إلى مقاطع: شأنها في هذه الخاصية شأن سورة الأنعام التي سبق الحديث عنها في الجزء السابع - مع تميز كل سورة بشخصيتها وطابعها الخاص - فهي تتدفق في هيئة موجات متوالية؛ تنصب بمؤثراتها الموحية على القلب البشري، وتخاطبه بإيقاعات منوعة.. من التعجيب من أمر المشركين في استقبالهم للوحي والقرآن. إلى عرض المشاهد الكونية التي تتجلى فيها ألوهية الله سبحانه.. إلى عرض مشاهد القيامة. إلى عرض أحوال البشر في مواجهة الأحداث التي تمر بهم. إلى عرض مصارع الغابرين.. إلى آخر ما سبقت الإشارة إليه من الموضوعات والمؤثرات التي تحتويها السورة. وإذا جاز تقسيم السورة إلى مقاطع مميزة. فإن أكثر من نصفها الأول يعد مقطعاً واحداً يتدفق بهذه الموجات المتتابعة. ثم تجيء قصة نوح - ومن بعده في اختصار - وقصة موسى والإشارة إلى قصة يونس؛ فتؤلف مقطعاً آخر. ثم تجيء الإيقاعات الأخيرة في السورة فتؤلف المقطع الأخير. ونظراً لطبيعة السورة هذه فسنحاول عرضها موجة موجة - أو مجموعة من الموجات المتناسقة - كما هي طبيعتها المتميزة.. أما هذا الدرس الأول منها فيبدأ بحروف ثلاثة. {ألف. لام. را} كما بدأت سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة الأعراف بحروف ذكرنا الرأي الذي اخترناه في تفسيرها هناك. يبدأ بهذه الأحرف مبتدأ خبره: {تلك آيات الكتاب الحكيم}.. ثم يأخذ السياق في عرض عدة أمور تبدو فيها الحكمة التي أشير إليها في وصف الكتاب. من الوحي إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لينذر الناس ويبشر المؤمنين، والرد على المعترضين أن يوحي الله إلى بشر.. إلى خلق السماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما.. إلى جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وتقدير منازل القمر ليعلموا عدد السنين والحساب.. إلى اختلاف الليل والنهار وما فيه من حكمة وتدبير.. ويتطرق من عرض هذه الآيات الكونية إلى الغافلين عنها، الذين لا يرتقبون لقاء الله مدبر كل شيء، وما ينتظر هؤلاء الغافلين من سوء المصير؛ وما ينتظر المؤمنين في الجانب الآخر من نعيم مقيم. ويسجل حكمة تأجيل المصير إلى يومه الموعود، وعدم تعجيل الشر للناس كما يستعجلون هم الخير في هذه الدنيا ولو عجل لهم بالشر كما يستعجلون بالخير لانتهى الأجل وأخذوا بذنوبهم دون إمهال. ومن ثم وصف لطبيعة البشر في تلقيهم للشر والخير. وضراعتهم إلى الله عند مس الأذى، ونسيانهم له عند كشف الضر. ولجاجهم فيما كانوا من قبل فيه، دون اعتبار بالقرون الخالية التي سارت في الطريق ذاته، ولقيت مصارعها في ذلك الطريق! ومع أن مصارع الغابرين كانت واضحة للعرب الذين يدعوهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن المكذبين كانوا يطلبون إلى الرسول أن يأتي لهم بقرآن غير هذا القرآن أو يبدل بعضه. غير متدبرين ولا مدركين أن القرآن من عند الله، وأن له حكمة ثابتة فهو لا يقبل التبديل. وهم يعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم دون استناد إلى شيء، ويتركون عبادة الله وحده وهي تستند إلى وحي من الله. ثم يطلبون خارقة من الخوارق غير ناظرين إلى آية الله الواضحة في القرآن، غافلين عن آياته المعجزة في تضاعيف الكون. ثم عودة إلى طبيعة البشر في تلقي الرحمة والضر، وعرض نموذج حي من هذه الطبيعة، في مشهد من المشاهد النابضة المتحركة المؤثرة. في ركوب البحر عندما تسير الفلك في أول الأمر رخاء، ثم تعصف بها الريح ويأتيها الموج من كل مكان. ومشهد آخر يمثل غرور هذه الحياة الدنيا، وبريقها ولألاءها الذي ينطفئ في لحظة، وأهلها مأخوذون بزخرفها غافلون عن المصير الخاطف المرهوب.. ذلك والله يدعو إلى دار السلام. دار الأمن والاطمئنان. الدار التي لا خوف من أخذها على حين غرة.. {كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون}.. ويدركون حكمة الله في الخلق والتدبير. {ألر تلك آيات الكتاب الحكيم}.. من هذه الحروف وأمثالها، تتألف آيات الكتاب الحكيم، الذي ينكرون أن يكون الله قد أوحى به إلى الرسول. وهذه الحروف في متناول أيديهم، ثم لا يبلغون أن يؤلفوا منها آية واحدة من مثل آيات الكتاب - كما يتحداهم في هذه السورة - ولا يقودهم هذا إلى التدبر، وإدراك أن الوحي هو مفرق الطريق بينهم وبين الرسول، وأنه لولا هذا الوحي لوقف وقفتهم عاجزاً عن تأليف آية واحدة، من هذه الحروف المبذولة للجميع. {تلك آيات الكتاب الحكيم}.. الحكيم الذي يخاطب البشر بما يناسب طبائع البشر، ويعرض في هذه السورة جوانب منها صادقة باقية، نجد مصداقها في كل جيل. والحكيم الذي ينبه الغافلين إلى تدبر آيات الله في صفحة الكون وتضاعيفه. في السماء والأرض. وفي الشمس والقمر، وفي الليل والنهار.. وفي مصارع القرون الأولى، وفي قصص الرسل فيهم.. وفي دلائل القدرة الكامنة والظاهرة في هذا الوجود.. {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس، وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟ قال الكافرون. إن هذا لساحر مبين}.. سؤال استنكاري. يستنكر هذا العجب الذي تلقى به الناس حقيقة الوحي منذ كانت الرسل. لقد كان السؤال الدائم الذي قوبل به كل رسول: أبعث الله بشراً رسولاً؟ ومبعث هذا السؤال هو عدم إدراك قيمة "الإنسان". عدم إدراك الناس أنفسهم لقيمة "الإنسان" الذي يتمثل فيهم. فهم يستكثرون على بشر أن يكون رسول الله، وأن يتصل الله به - عن طريق الوحي - فيكلفه هداية الناس. إنهم ينتظرون أن يرسل الله ملكاً أو خلقاً آخر أعلى رتبة من الإنسان عند الله. غير ناظرين إلى تكريم الله لهذا المخلوق؛ ومن تكريمه أن يكون أهلاً لحمل رسالته؛ وأن يختار من بين أفراده من يتصل بالله هذا الاتصال الخاص: هذه كانت شبهة الكفار المكذبين على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشبهة أمثالهم في القرون الأولى. فأما في هذا العصر الحديث فيقيم بعض الناس من أنفسهم لأنفسهم شبهة أخرى لا تقل تهافتاً عن تلك! إنهم يسألون: كيف يتم الاتصال بين بشر ذي طبيعة مادية وبين الله المخالف لطبيعة كل شيء مما خلق. والذي ليس كمثله شيء؟ وهو سؤال لا يحق لأحد أن يسأله إلا أن يكون قد أحاط علماً بحقيقة الله سبحانه وطبيعة ذاته الإلهية، كما أحاط علماً بكل خصائص الإنسان التي أودعها الله إياه. وهو ما لا يدعيه أحد يحترم عقله، ويعرف حدود هذا العقل. بل يعرف أن خصائص الإنسان القابلة للكشف ما يزال يكشف منها جديد بعد جديد، ولم يقف العلم بعد حتى يقال: إنه أدرك كل الخصائص الإنسانية القابلة للإدراك. فضلاً على أنه ستبقى وراء إدراك العلم والعقل دائماً آفاق من المجهول بعد آفاق! ففي الإنسان إذن طاقات مجهولة لا يعلمها إلا الله. والله أعلم حيث يجعل رسالته في الإنسان ذي الطاقة التي تحمل هذه الرسالة. وقد تكون هذه الطاقة مجهولة للناس، ومجهولة لصاحبها نفسه قبل الرسالة. ولكن الله الذي نفخ في هذا الإنسان من روحه عليم بما تنطوي عليه كل خلية، وكل بنية، وكل مخلوق؛ وقادر على أن يطوع لإنسان هذا الاتصال الخاص بكيفية لا يدركها إلا من ذاقها وأوتيها. ولقد جهد ناس من المفسرين المحدثين في إثبات الوحي عن طريق العلم للتقريب. ونحن لا نقر هذا المنهج من أساسه. فللعلم ميدان. هو الميدان الذي يملك أدواته. وللعلم آفاق هي الآفاق التي يملك أدوات كشفها ومراقبتها. والعلم لم يدع أنه يعرف شيئاً حقيقياً عن الروح. فهي ليست داخلة في نطاق عمله، لأنها ليست شيئاً قابلاً للاختبار المادي الذي يملك العلم وسائله. لذلك تجنب العلم الملتزم للأصول العلمية أن يدخل في ميدان الروح. أما ما يسمى "بالعلوم الروحانية" فهي محاولات وراءها الريب والشكوك في حقيقتها وفي أهدافها كذلك! ولا سبيل إلى معرفة شيء يقيني في هذا الميدان إلا ما جاء من مصدر يقيني كالقرآن والحديث وفي الحدود التي جاء فيها بلا زيادة ولا تصرف ولا قياس. إذ أن الزيادة والتصرف والقياس عمليات عقلية. والعقل هنا في غير ميدانه. وليس معه أدواته. لأنه لم يزود بأدوات العمل في هذا الميدان. {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم؟}. فهذه خلاصة الوحي: إنذار الناس بعاقبة المخالفة، وتبشير المؤمنين بعقبى الطاعة. وهذا يتضمن بيان التكاليف الواجبة الاتباع وبيان النواهي الواجبة الاجتناب. فهذا هو الإنذار والتبشير ومقتضياتهما على وجه الإجمال. والإنذار للناس جميعاً. فكل الناس في حاجة إلى التبليغ والبيان والتحذير: والبشرى للذين آمنوا وحدهم. وهو يبشرهم هنا بالطمأنينة والثبات والاستقرار.. تلك المعاني التي توحي بها كلمة (صدق) مضافة إلى القدم. في جو الإنذار والتخويف. {قدم صدق}.. قدم ثاتبة راسخة موقنة لا تتزعزع ولا تضطرب ولا تتزلزل ولا تتردد، في جو الإنذار وفي ظلال الخوف، وفي ساعات الحرج.. {قدم صدق عند ربهم}.. في الحضرة التي تطمئن فيها النفوس المؤمنة. حينما تتزلزل القلوب والأقدام. وحكمة الله واضحة في الإيحاء إلى رجل منهم. رجل يعرفهم ويعرفونه، يطمئنون إليه ويأخذون منه ويعطونه، بلا تكلف ولا جفوة ولا تحرج. أما حكمته في إرسال الرسل فهي أوضح، والإنسان مهيأ بطبعه للخير والشر، وعقله هو أداته للتمييز. ولكن هذا العقل في حاجة إلى ميزان مضبوط يعود إليه دائماً كلما غم عليه الأمر، وأحاطت به الشبهات، وجذبته التيارات والشهوات، وأثرت فيه المؤثرات العارضة التي تصيب البدن والأعصاب والمزاج، فتتغير وتتبدل تقديرات العقل أحياناً من النقيض إلى النقيض. هو في حاجة إلى ميزان مضبوط لا يتأثر بهذه المؤثرات ليعود إليه، وينزل على إرشاده، ويرجع إلى الصواب على هداه. وهذا الميزان الثابت العادل هو هدى الله وشريعة الله. وهذا يقتضي أن تكون لدين الله حقيقة ثابتة يرجع إليها العقل البشري بمفهوماته كلها؛ فيعرضها على هذا الميزان الثابت، وهناك يعرف صحيحها من خاطئها.. والقول بأن دين الله هو دائماً "مفهوم البشر لدين الله" وأنه من ثم "متطور في أصوله" يعرّض هذه القاعدة الأساسية في دين الله - وهي ثبات حقيقته وميزانه - لخطر التميع والتأرجح والدوران المستمر مع المفهومات البشرية. بحيث لا يبقى هنالك ميزان ثابت تعرض عليه المفهومات البشرية.. والمسافة قصيرة بين هذا القول، والقول بأن الدين من صنع البشر.. فالنتيجة النهائية واحدة، والمزلق خطر وخطير للغاية، والمنهج بجملته يستوجب الحذر الشديد.. منه ومن نتائجة القريبة والبعيدة.. ومع وضوح قضية الوحي على هذا النحو، فإن الكافرين يستقبلونها كما لو كانت أمراً عجيباً: {قال الكافرون: إن هذا لساحر مبين}.. ساحر لأن ما ينطق به معجز. وأولى لهم - لو كانوا يتدبرون - أن يقولوا: نبي يوحى إليه لأن ما ينطق به معجز. فالسحر لا يتضمن من الحقائق الكونية الكبرى ومن منهج الحياة والحركة، ومن التوجيه والتشريع ما يقوم به مجتمع راقٍ، وما يرتكز عليه نظام متفرد. ولقد كان يختلط عندهم الوحي بالسحر، لاختلاط الدين بالسحر في الوثنيات كلها؛ ولم يكن قد وضح لهم ما يتضح للمسلم حين يدرك حقيقة دين الله؛ فينجو من هذه الوثنيات وأوهامها وأساطيرها. {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، ما من شفيع إلا من بعد إذنه. ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون؟ إليه مرجعكم جميعاً، وعد الله حقاً، إنه يبدأ الخلق ثم يعيده، ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون. هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون، إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون}.. وهذه هي القضية الأساسية الكبرى في العقيدة. قضية الربوبية.. فقضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين. فهم كانوا يعتقدون بوجود الله - لأن الفطرة البشرية لا تستطيع التخلي عن الاعتقاد بوجود إله لهذا الكون إلا في حالات نادرة منحرفة شديدة الانحراف - ولكنهم كانوا يشركون مع الله أرباباً يتوجهون إليهم بالعبادة. إما ليقربوهم إلى الله زلفى ويكونوا لهم شفعاء عنده كما كانوا يزاولون خصائص الربوبية فيشرعون لأنفسهم ما لم يأذن به الله. والقرآن الكريم لا يدخل في جدل ذهني جاف بصدد قضية الألوهية والربوبية - كالذي جدَّ فيما بعد بتأثير المنطق اليوناني والفلسفة الإغريقية - إنما يلمس المنطق الفطري الواضح البسيط المباشر: إن الله هو الذي خلق السماوات والأرض وما فيهن. وجعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل. وقدر اختلاف الليل والنهار.. هذه الظواهر البارزة التي تلمس الحس، وتوقظ القلب لو تفتح وتدبرها تدبر الواعي المدرك.. إن الله الذي خلق هذا ودبره هو الذي يليق أن يكون رباً يدين له البشر بالعبودية ولا يشركون به شيئاً من خلقه.. أليست قضية منطقية حية واقعية، لا تحتاج إلى كد ذهن، ولا إلى بحث وراء الأقيسة الجدلية التي يعلكها الذهن باردة جافة، ولا تدفئ القلب مرة ولا تستجيش الوجدان؟! إن هذا الكون الهائل. سماواته وأرضه. شمسه وقمره. ليله ونهاره. وما في السماوات والأرض من خلق، ومن أمم ومن سنن، ومن نبات ومن طير ومن حيوان، كلها تجري على تلك السنن.. إن هذا الليل الطامي السادل الشامل، الساكن إلا من دبيب الرؤى والأشباح. وهذا الفجر المتفتح في سدف الليل كابتسامة الوليد الراضي. وهذه الحركة يتنفس بها الصبح فيدب النشاط في الحياة والأحياء. وهذه الظلال الساربة يحسبها الرائي ساكنة وهي تدب في لطف. وهذا الطير الرائح الغادي القافز الواثب الذي لا يستقر على حال. وهذا النبت النامي المتطلع أبداً إلى النمو والحياة. وهذه الخلائق الذاهبة الآيبة في تدافع وانطلاق. وهذه الأرحام التي تدفع والقبور التي تبلع، والحياة ماضية في طريقها كما شاء الله... إن هذا الحشد من الصور والضلال، والأنماط والأشكال، والحركات والأحوال، والرواح والذهاب، والبلى والتجدد، والذبول والنماء، والميلاد والممات، والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل التي لا تني ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار.. إن هذا كله ليستجيش كل خالجة في كيان الإنسان للتأمل والتدبر والتأثر، حين يستيقظ القلب، ويتفتح لمشاهدة الآيات المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه.. والقرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلب والعقل لتدبر هذا الحشد من الصور والآيات. {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام}.. إن ربكم الذي يستحق الربوبية والعبادة هو هذا الخالق، الذي خلق السماوات والأرض. خلقها في تقدير وحكمة وتدبير: {في ستة أيام}.. حسب ما اقتضت حكمته أن يتم تركيبها وتنسيقها وتهيئتها لما أراده الله. ولا ندخل في تحديد هذه الأيام الستة. فهي لم تذكر هنا لنتجه إلى تحديد مداها ونوعها. وإنما ذكرت لبيان حكمة التقدير والتدبير في الخلق حسب مقتضيات الغاية من هذا الخلق، وتهيئته لبلوغ هذه الغاية.. وعلى أية حال فالأيام الستة غيب من غيب الله، الذي لا مصدر لإدراكه إلا هذا المصدر. فعلينا أن نقف عنده ولا نتعداه. والمقصود بذكرها هو الإشارة إلى حكمة التقدير والتدبير والنظام، الذي يسير به الكون من بدئه إلى منتهاه. {ثم استوى على العرش}.. والاستواء على العرش. كناية عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة، باللغة التي يفهمها البشر ويتمثلون بها المعاني، على طريقة القرآن القرآن في التصور (كما فصلنا هذه في فصل التخييل الحسي والتجسيم من كتاب التصوير الفني في القرآن). و {ثم} هنا ليست للتراخي الزماني، إنما هي للبعد المعنوي، فالزمان في هذا المقام لا ظل له. وليست هناك حالة ولا هيئة لم تكن لله - سبحانه - ثم كانت. فهو - سبحانه - منزه عن الحدوث وما يتعلق به من الزمان والمكان. لذلك نجزم بأن {ثم} هنا للبعد المعنوي، ونحن آمنون من أننا لم نتجاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم. لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه الله سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات، وعن مقتضيات الزمان والمكان. {يدبر الأمر}.. ويقدر أوائله وأواخره، وينسق أحواله ومقتضياته، ويرتب مقدماته ونتائجه، ويختار الناموس الذي يحكم خطواته وأطواره ومصائره. {ما من شفيع إلا من بعد إذنه}.. فالأمر كله له، والحكم كله إليه. وما من شفعاء يقربون إلى الله زلفى. وما من شفيع من خلقه إلا حيث يأذن له بالشفاعة، وفقاً لتدبيره وتقديره، واستحقاق الشفاعة بالإيمان والعمل الصالح، لا بمجرد التوسل بالشفعاء.. وهذا يواجه ما كانوا يعتقدونه من أن للملائكة التي يعبدون تماثيلها شفاعة لا ترد عند الله! ذلكم الله الخالق المدبر الحاكم الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.. {ذلكم الله ربكم}.. الخليق بالربوبية {فاعبدوه} فهو الذي يستحق الدينونة له دون سواه.. {أفلا تذكرون}؟.. فالأمر من الثبوت والوضوح بحيث لا يحتاج إلا لمجرد التذكر لهذه الحقيقة المعروفة.. ونقف لحظة أمام قوله تعالى بعد عرض دلائل الألوهية في السماوات والأرض: {ذلكم الله ربكم فاعبدوه}.. وقد قلنا: إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين، فقد كانوا يعترفون بأن الله - سبحانه - هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء.. ولكن هذا الاعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته. فلقد كان من مقتضى هذا الاعتراف بألوهية الله على هذا المستوى أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم.. والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده؛ فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له؛ ولا يحكمون في أمرهم كله غيره.. وهذا معنى قوله تعالى: {ذلكم الله ربكم فاعبدوه}.. فالعبادة هي العبودية، وهي الدينونة، وهي الاتباع والطاعة، مع إفراد الله سبحانه بهذه الخصائص كلها، لأنها من مقتضيات الاعتراف بالألوهية. وفي الجاهليات كلها ينحسر مجال الألوهية. ويظن الناس أن الاعتراف بالألوهية في ذاته هو الإيمان؛ وأنه متى اعترف الناس بأن الله إلههم فقد بلغوا الغاية؛ دون أن يرتبوا على الألوهية مقتضاها وهو الربوبية.. أي الدينونة لله وحده ليكون هو ربهم الذي لا رب غيره، وحاكمهم الذي لا سلطان لأحد إلا بسلطانه.. كذلك ينحسر معنى "العبادة" في الجاهلية، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر. ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده، فقد عبدوا الله وحده.. بينما كلمة العبادة ابتداء مشتقة من عبد. و"عبد" تفيد ابتداء "دان وخضع". وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها. والجاهلية ليست فترة من الزمان، ولا مرحلة من المراحل. إنما هي انحسار معنى الألوهية على هذا النحو، معنى العبادة. هذا الانحسار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك وهم يحسبون أنهم في دين الله! كما هو الحال اليوم في كل بلاد الأرض، بما فيها البلاد التي يتسمى أهلها بأسماء المسلمين، ويؤدون الشعائر لله، بينما أربابهم غير الله، لأن ربهم هو الذي يحكمهم بسلطانه وشريعته، وهو الذي يدينون له ويخضعون لأمره ونهيه، ويتبعون ما يشرعه لهم، وبذلك يعبدونه كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : .. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم"تفسير : . في حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه الترمذي. ولتوكيد معنى العبادة المقصود جاء في السورة ذاتها قوله تعالى: {أية : قل: أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً. قل: آلله أذن لكم أم على الله تفترون؟ }.. تفسير : وما نحن فيه اليوم لا يفترق في شيء عما كان عليه أهل الجاهلية هؤلاء الذين يناديهم الله بقوله: {ذلكم الله ربكم فاعبدوه. أفلا تذكرون!}.. اعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. فإن مرجعكم إليه، وحسابكم عنده، وهو يجزي المؤمنين والكافرين: {إليه مرجعكم جميعاً وعد الله حقاً}.. إليه وحده لا للشركاء والشفعاء. وقد وعد فلا خلف ولا تخلف، فالبعث هو تتمة الخلق: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط، والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.. فالعدل في الجزاء غاية من غايات الخلق والإعادة: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط...}. والنعيم بلا منغصات وبدون عقابيل تعقب اللذة غاية من غايات الخلق والإعادة. إنها قمة الكمال البشري الذي يمكن أن تصل إليه البشرية لا تصل إلى شيء من هذا في هذه الأرض وفي هذه الحياة الدنيا المشوبة بالقلق والكدر، والتي لا تخلو فيها لذة من غصة، أو من عقابيل تعقبها - إلا لذائذ الروح الخاصلة وهذه قلما تخلص لبشر - ولو لم يكن في هذه الحياة الدنيا إلا الشعور بنهاية نعيمها لكان هذا وحده ناقصاً منها وحائلاً دون كمالها. فالبشرية لا تصل في هذه الأرض إلى أعلى الدرجات المقدرة لها، وهي التخلص من النقص والضعف ومعقباتهما، والاستمتاع بلا كدر ولا خوف من الفوت ولا قلق من الانتهاء.. وهذا كله تبلغه في الجنة كما وصف القرآن نعيمها الكامل الشامل. فلا جرم يكون من غاية الخلق والإعادة إبلاغ المهتدين من البشرية، الذين اتبعوا سنة الحياة الصحيحة وناموس الحياة القويم، إلى أعلى مراتب البشرية. فأما الذين كفروا فقد خالفوا عن الناموس، فلم يسيروا في طريق الكمال البشري، بل جانبوه، وهذا يقتضي - حسب السنة التي لا تتخلف - ألا يصلوا إلى مرتبة الكامل، لأنهم جانبوا قانون الكمال؛ وأن يلقوا عاقبة انحرافهم كما يلقى المريض عاقبة انحرافه عن قوانين الصحة الجسدية. هذا يلقاه مرضاً وضعفاً، وأولئك يلقونه تردياً وانتكاساً، وغصصاً بلا لذائذ - في مقابل اللذائذ بلا غصص. {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.. وبعد هذه اللفتة من آيات الله في خلق السماوات والأرض إلى عبادة الله وحده، الذي إليه المرجع وعنده الجزاء.. يعود السياق إلى الآيات الكونية التالية في وجودها وضخامتها للسماوات والأرض: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق. يفصل الآيات لقوم يعلمون}.. فهذان مشهدان بارزان من مشاهد الكون، ننساهما لطول الألفة، ونفقد وقعهما في القلب بطول التكرار، وإلا فكيف وهلة الإنسان وهو يشاهد أول مرة أول شروق شمس وأول غروب، وأول مطلع قمر وأول مغيب؟ هذان مشهدان مألوفان مكروران يردنا القرآن إليهما، ليثير في مشاعرنا وهلة الجدة، وليحيي في قلوبنا إحساس التطلع الحي، والتأمل الذي لم يبلده التكرار، والتيقظ لما في خلقهما وطبيعة تكوينهما من التدبير المحكم: {هو الذي جعل الشمس ضياء}.. فيها اشتعال. {والقمر نوراً}.. فيه إنارة. {وقدره منازل}.. ينزل في كل ليلة منزلاً يكون فيه على هيئة خاصة، كما هو مشهود في القمر، بدون حاجة إلى علوم فلكية لا يدركها إلا المتخصصون. {لتعلموا عدد السنين والحساب}.. وما تزال المواقيت والمواعيد تضبط بالشمس والقمر لكافة الناس. هل هذا كله عبث؟ هل هذا كله باطل؟ هل هذا كله مصادفة؟ كلا ما يكون كل هذا النظام، وكل هذا التناسق، وكل هذه الدقة التي لا تتخلف معها حركة. ما يكون هذا كله عبثاً ولا باطلاً ولا مصادفة عابرة: {ما خلق الله ذلك إلا بالحق}.. الحق قوامه. الحق أداته. والحق غايته. والحق ثابت راجح راسخ. وهذه الدلائل التي تشهد به واضحة قائمة دائمة: {يفصل الآيات لقوم يعلمون}.. فالمشاهد التي تعرض هنا في حاجة إلى العلم لإدراك التدبير الكامن وراء المشاهد والمناظر. ومن خلق السماوات والأرض، ومن جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وتقديره منازل تنشأ ظاهرة الليل والنهار، وهي ظاهرة موحية لمن يفتح قلبه لإيحاء المشاهد والظواهر في هذا الكون العجيب: {إن في اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السماوات والأرض.. لآيات لقوم يتقون}.. واختلاف الليل والنهار تعاقبهما. ويشمل كذلك اختلافهما طولاً وقصراً، وكلتاهما ظاهرتان مشهودتان تذهب ألفة المشاهدة بجدة وقعهما في الحس. إلا في اللحظات التي تستيقظ فيها النفس، وينتفض فيها الوجدان للمطالع والمغارب، فيقف في الشروق وفي الغروب وقفة الإنسان الجديد في هذا الكون، يتطلع إلى كل ظاهرة جديدة فيه بعين مفتوحة وحس مستجيب. وهي هي اللحظات التي يحياها الإنسان حياة كاملة حقيقية، وينفض فيها التيبس الذي خلفته الألفة في أجهزة الأستقبال والاستجابة.. {وما خلق الله في السماوات والأرض}.. ولو وقف الإنسان لحظة واحدة يرقب {وما خلق الله في السماوات والأرض} ويستعرض هذا الحشد الذي لا يحصى من الأنواع والأجناس، والهيئات والأحوال، والأوضاع والأشكال. لو وقف لحظة واحدة لامتلأ وطابه وفاض بما يغنيه حياته كلها، ويشغله بالتدبر والتفكر والتأثر ما عاش.. ودع خلق السماوات والأرض وإنشاءهما وتكوينهما على هذا النحو العجيب، فذلك ما يوجه إليه القلب بالإشارة السريعة، ثم يتركه ليتملاه.. إن في ذلك كله: {لآيات لقوم يتقون}.. تستشعر قلوبهم هذا الوجدان الخاص. وجدان التقوى. الذي يدع هذه القلوب مستجاشة حساسة، سريعة التأثر والاستجابة لمجالي القدرة ومظاهر الإبداع ومعجزات الخلق المعروضة للأنظار والأسماع. هذا هو منهج القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية بآيات الله الكونية، المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون؛ والتي يعلم الله سبحانه أن بينها وبين فطرة الكائن البشري لغة مفهومة، وإيحاءات مسموعة! ولم يلجأ المنهج القرآني إلى الأسلوب الجدلي الذي جد فيما بعد عند المتكلمين والفلاسفة؛ لأن الله يعلم أن هذا الأسلوب لا يصل إلى القلوب ولا يتجاوز منطقة الذهن الباردة التي لا تدفع إلى حركة؛ ولا تؤدي إلى بناء حياة؛ وقصارى ما تنتهي إليه حركة في الذهن البارد تتلاشى في الهواء! ولكن الأدلة التي يقدمها المنهج القرآني - بأسلوبه هذا - هي أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعاً - وهذه ميزتها - فإن وجود هذا الكون ذاته أولاً. ثم حركته المنتظمة المتسقة المضبوطة؛ وما يقع فيه من تحولات وتغيرات تضبطها قوانين واضحة الأثر - حتى قبل أن يعرفها البشر - ثانياً.. إن هذا كله لا يمكن تفسيره بغير تصور قوة مدبرة.. والذين يمارون في هذه الحقيقة لا يقدمون في مكانها دليلاً معقولاً. ولا يزيدون على أن يقولوا: إن الكون وجد هكذا بقوانينه؛ وأن وجوده لا يحتاج إلى تعليل؛ ووجوده يتضمن قوانينه! فإن كان هذا كلاماً مفهوماً - أو معقولاً - فذاك! ولقد كان هذا الكلام يقال للهروب من الله في أوربا؛ لأن الهروب من الكنيسة اقتضاهم هنالك الهروب من الله! ثم أصبح يقال هنا وهناك، لأنه الوسيلة إلى التخلص من مقتضى الاعتراف بألوهية الله. ذلك أن مشركي الجاهليات القديمة كان معظمهم يعترف بوجود الله، ثم يماري في ربوبيته، على نحو ما رأينا في الجاهلية العربية التي واجهها هذا القرآن أول مرة. فلقد كان البرهان القرآني يحاصرهم بمنطقهم هم وعقيدتهم في وجود الله سبحانه وصفاته. ويطالبهم بمقتضى هذا المنطق ذاته أن يجعلوا الله وحده ربهم؛ فيدينوا له وحده بالاتباع والطاعة في الشعائر والشرائع.. فأما جاهلية القرن العشرين فتريد أن تخلص من ثقل هذا المنطق بالهروب من الألوهية ذاتها ابتداء! ومن العجيب أنه في البلاد التي تسمى "إسلامية" يروَّج بكل وسيلة ظاهرة أو خفية لهذا الهروب الفاضح باسم "العلم" و "العلمية"! فيقال: إن "الغيبية" لا مكان لها في الأنظمة "العلمية".. ومن الغيب كل ما يتعلق بالألوهية..! ومن هذا المنفذ الخلفي يحاول الآبقون من الله الهروب. لا يخشون الله إنما يخشون الناس، فيحتالون عليهم هذا الاحتيال! وما تزال دلالة وجود الكون ذاته، ثم حركته المنتظمة المتسقة المضبوطة. تحاصر الهاربين من الله هنا وهناك. والفطرة البشرية بجملتها - قلباً وعقلاً وحساً ووجداناً - تواجه هذه الدلالة، وتستجيب لها. وما يزال المنهج القرآني هذا يخاطب الفطرة بجملتها. يخاطبها من أقصر طريق، ومن أوسع طريق وأعمق طريق!!! والذين يرون كل هذا، ثم لا يتوقعون لقاء الله؛ ولا يدركون أن من مقتضيات هذا النظام المحكم أن تكون هناك آخرة، وأن الدنيا ليست النهاية، لأن البشرية لم تبلغ فيها كمالها المنشود؛ والذين يمرون بهذه الآيات كلها غافلين، لا تحرك فيهم قلباً يتدبر، ولا عقلاً يتفكر.. هؤلاء لن يسلكوا طريق الكمال البشري، ولن يصلوا إلى الجنة التي وعد المتقون. إنما الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات، حيث يفرغون من نصب الدنيا وصغارها إلى تسبيح الله وحمده في رضاء مقيم: {إن الذين لا يرجون لقاءنا، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، والذين هم عن آياتنا غافلون، أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم. دعواهم فيها سبحانك اللهم. وتحيتهم فيها سلام. وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}.. إن الذين لا يتدبرون النظام الكوني الموحي بأن لهذا الكون خالقاً مدبراً، لا يدركون أن الآخرة ضرورة من ضرورات هذا النظام، يتم فيها تحقيق القسط والعدل؛ كما يتم فيها إبلاغ البشرية إلى آفاقها العليا، ومن ثم فهم لا يتوقعون لقاء الله، ونتيجة لهذا القصور يقفون عند الحياة الدنيا، بما فيها من نقص وهبوط، ويرضونها ويستغرقون فيها، فلا ينكرون فيها نقصاً، ولا يدركون أنها لا تصلح أن تكون نهاية للبشر؛ وهم يغادرونها لم يستوفوا كل جزائهم على ما عملوا من خير أو اجترحوا من شر، ولم يبلغوا الكمال الذي تهيئهم له بشريتهم. والوقوف عند حدود الدنيا وارتضاؤها يظل يهبط بأصحابه ثم يهبط، لأنهم لا يرفعون رؤوسهم إلى قمة، ولا يتطلعون بأبصارهم إلى أفق. إنما يخفضون رؤوسهم وأبصارهم دائماً إلى هذه الأرض وما عليها! غافلين عن آيات الله الكونية التي توقظ القلب، وترفع الحس، وتحفز إلى التطلع والكمال.. {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}.. وبئس المأوى وبئس المصير! وفي الضفة الأخرى الذين آمنوا وعملوا الصالحات. الذين آمنوا فأدركوا أن هناك ما هو أعلى من هذه الحياة الدنيا، وعملوا الصالحات بمقتضى هذا الإيمان، تحقيقاً لأمر الله بعمل الصالحات، وانتظاراً للآخرة الطيبة.. وطريقها هو الصالحات.. هؤلاء. {يهديهم ربهم بإيمانهم}.. يهديهم إلى الصالحات بسبب هذا الإيمان الذي يصل ما بينهم وبين الله، ويفتح بصائرهم على استقامة الطريق، ويهديهم إلى الخير بوحي من حساسية الضمير وتقواه.. هؤلاء يدخلون الجنة. {تجري من تحتهم الأنهار}.. وما يزال الماء ولن يزال يوحي بالخصب والري والنماء والحياة.. فما همومهم في هذه الجنة وما هي شواغلهم، وما هي دعواهم التي يحبون تحقيقها؟ إن همومهم ليست مالاً ولا جاهاً، وإن شواغلهم ليست دفع أذى ولا تحصيل مصلحة. لقد كفو شر ذلك كله، ولقد اكتفوا فما لهم من حاجة من تلك الحاجات، ولقد استغنوا بما وهبهم الله، ولقد ارتفعوا عن مثل هذه الشواغل والهموم، إن أقصى ما يشغلهم حتى ليوصف بأنه {دعواهم} هو تسبيح الله أولاً وحمده أخيراً. يتخلل هذا وذاك تحيات بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين ملائكة الرحمن: {دعواهم فيها: سبحانك اللهم. وتحيتهم فيها سلام. وآخر دعواهم: أن الحمد لله رب العالمين}.. إنه الانطلاق من هموم الحياة الدنيا وشواغلها، والارتفاع عن ضروراتها وحاجاتها، والرفرفة في آفاق الرضى والتسبيح والحمد والسلام. تلك الآفاق اللائقة بكمال الإنسان. بعد ذلك يواجه السياق القرآني تحديهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلبهم تعجيل العذاب الذي يتوعدهم به؛ ببيان أن تأجيله إلى أجل مسمى هو حكمة من الله ورحمة. ويرسم لهم مشهدهم حين يصيبهم الضر فعلاً، فتتعرى فطرتهم من الركام وتتجه إلى خالقها. فإذا ارتفع الضر عاد المسرفون إلى ما كانوا فيه من غفلة. ويذكرهم مصارع الغابرين الذين استخلفوا هم من بعدهم؛ ويلوح لهم بمثل هذا المصير؛ ويبين لهم أن الحياة الدنيا إنما هي للابتلاء وبعدها الجزاء.. {ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم، فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون. وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً، فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه، كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون. ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا، وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا، كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}. ولقد كان المشركون العرب يتحدون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل لهم العذاب.. ومما حكاه الله تعالى عنهم في هذه السورة: {أية : ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين}تفسير : وورد في غيرها: {أية : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات} تفسير : كما حكى القرآن الكريم قولهم: {أية : وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم }.. تفسير : وكل هذا يصور حالة العناد التي كانوا يواجهون بها هدى الله.. وقد شاءت حكمته أن يؤجلهم، فلا يوقع بهم عذاب الاستئصال والهلاك كما أوقعه بالمكذبين قبلهم. فقد علم الله أن كثرتهم ستدخل في هذا الدين، فيقوم عليها، وينطلق في الأرض بها. وكان ذلك بعد فتح مكة، مما كانوا يجهلونه وهم يتحدون في جهالة! غير عالمين بما يريده الله بهم من الخير الحقيقي. لا الخير الذي يستعجلونه استعجالهم بالشر! والله سبحانه يقول لهم في الآية الأولى: إنه لو عجل لهم بالشر الذي يتحدون باستعجاله، استعجالهم بالخير الذي يطلبونه.. لو استجاب الله لهم في استعجالهم كله لقضى عليهم، وعجل بأجلهم! ولكنه يستبقيهم لما أجلهم له.. ثم يحذرهم من هذا الإمهال أن يغفلوا عما رواءه. فالذين لا يرجون لقاءه سيظلون في عمايتهم يتخبطون، حتى يأتيهم الأجل المرسوم. وبمناسبة الحديث عن استعجال الشر يعرض صورة بشرية للإنسان عندما يمسه الضر، تكشف عن التناقض في طبيعة هذا الإنسان الذي يستعجل الشر وهو يشفق من مس الضر، فإذا كشف عنه عاد إلى ما كان فيه: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً؛ فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه. كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}.. إنها صورة مبدعة لنموذج بشري مكرور.. وإن الإنسان ليظل مدفوعاً مع تيار الحياة، يخطئ ويذنب ويطغى ويسرف، والصحة موفورة، والظروف مواتية. وليس - إلا من عصم الله ورحم - من يتذكر في إبان قوته وقدرته أن هناك ضعفاً وأن هناك عجزاً. وساعات الرخاء تُنسي. والإحساس بالغنى يُطغي.. ثم يمسه الضر فإذا هو جزوع هلوع، وإذا هو كثير الدعاء، عريض الرجاء، ضيق بالشدة مستعجل للرخاء. فإذا استجيب الدعاء وكشف الضر انطلق لا يعقب ولا يفكر ولا يتدبر. انطلق إلى ما كان فيه من قبل من اندفاع واستهتار. والسياق ينسق خطوات التعبير وإيقاعه مع الحالة النفسية التي يصورها، والنموذج البشري الذي يعرضه. فيصور منظر الضر في بطء وتلبث وتطويل: {دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً}.. يعرض كل حالة وكل وضع وكل منظر، ليصور وقفة هذا الإنسان وقد توقف التيار الدافع في جسمه أو في ماله أو في قوته كما يتوقف التيار أمام السد، فيقف أو يرتد. حتى إذا رفع الحاجز "مر" كلمة واحدة تصور الاندفاع والمروق والانطلاق. "مر" لا يتوقف. ليشكر، ولا يلتفت ليتدبر، ولا يتأمل ليعتبر: {مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه}.. واندفع مع تيار الحياة دون كابح ولا زاجر ولا مبالاة! وبمثل هذه الطبيعة. طبيعة التذكر فقط عند الضر، حتى إذا ارتفع انطلق ومر. بمثل هذه الطبيعة استمر المسرفون في إسرافهم، لا يحسون ما فيه من تجاوز للحدود: {كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون}.. فماذا كانت نهاية الإسراف في القرون الأولى؟ {ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا، وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين}.. لقد انتهى بهم الإسراف وتجاوز الحد والظلم - وهو الشرك - إلى الهلاك. وهذه مصارعهم كانوا يرون بقيتها في الجزيرة العربية في مساكن عاد وثمود وقرى قوم لوط.. وتلك القرون. جاءتهم رسلهم بالبينات كما جاءكم رسولكم: {وما كانوا ليؤمنوا}.. لأنهم لم يسلكوا طريق الإيمان، وسلكوا طريق الطغيان فأبعدوا فيها، فلم يعودوا مهيئين للإيمان. فلقوا جزاء المجرمين.. {كذلك نجزي القوم المجرمين}.. وإذ يعرض عليهم نهاية المجرمين، الذين جاءتهم رسلهم بالبينات فلم يؤمنوا، فحق عليهم العذاب، يذكرهم أنهم مستخلفون في مكان هؤلاء الغابرين، وأنهم مبتلون بهذا الاستخلاف ممتحنون فيما استخلفوا فيه: {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}.. وهي لمسة قوية للقلب البشري؛ إذ يدرك أنه مستخلف في ملك أديل من مالكيه الأوائل، وأجلي عنه أهله الذين سبق لهم أن مكنوا فيه، وأنه هو بدوره زائل عن هذا الملك، وإنما هي أيام يقضيها فيه، ممتحناً بما يكون منه، مبتلى بهذا الملك، محاسباً على ما يكسب، بعد بقاء فيه قليل! إن هذا التصور الذي ينشئه الإسلام في القلب البشري.. فوق أنه يريه الحقيقة فلا تخدعه عنها الخدع.. يظل يثير فيه يقظة وحساسية وتقوى، هي صمام الأمن له، وصمام الأمن للمجتمع الذي يعيش فيه. إن شعور الإنسان بأنه مبتلى وممتحن بأيامه التي يقضيها على الأرض، وبكل شيء يملكه، وبكل متاع يتاح له، يمنحه مناعة ضد الاغترار والانخداع والغفلة؛ ويعطيه وقاية من الاستغراق في متاع الحياة الدنيا، ومن التكالب على هذا المتاع الذي هو مسؤول عنه وممتحن فيه. وإن شعوره بالرقابة التي تحيط به، والتي يصورها قول الله سبحانه: {لننظر كيف تعملون}.. ليجعله شديد التوقي، شديد الحذر، شديد الرغبة في الإحسان، وفي النجاة أيضاً من هذا الامتحان! وهذا مفرق الطريق بين التصور الذي ينشئه الإسلام في القلب البشري بمثل هذه اللمسات القوية؛ والتصورات التي تخرج الرقابة الإلهية والحساب الأخروي من حسابها!.. فإنه لا يمكن أن يلتقي اثنان أحدهما يعيش بالتصور الإسلامي والآخر يعيش بتلك التصورات القاصرة.. لا يمكن أن يلتقيا في تصور للحياة، ولا في خلق، ولا في حركة؛ كما لا يمكن أن يلتقي نظامان إنسانيان يقوم كل منهما على قاعدة من هاتين القاعدتين اللتين لا تلتقيان! والحياة في الإسلام حياة متكاملة القواعد والأركان. ويكفي أن نذكر فقط مثل هذه الحقيقة الأساسية في التصور الإسلامي؛ وما ينشأ عنها من آثار في حركة الفرد والجماعة. وهي من ثم لا يمكن خلطها بحياة تقوم على غير هذه الحقيقة، ولا بمنتجات هذه الحياة أيضاً! والذين يتصورون أنه من الممكن تطعيم الحياة الإسلامية، والنظام الإسلامي، بمنتجات حياة أخرى ونظام آخر، لا يدركون طبيعة الفوارق الجذرية العميقة بين الأسس التي تقوم عليها الحياة في الإسلام والتي تقوم عليها الحياة في كل نظام بشري من صنع الإنسان! وهنا يتحول السياق من خطابهم إلى عرض نماذج من أعمالهم بعد استخلافهم. لقد استخلفوا بعد القوم المجرمين. فماذا فعلوا؟ {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيِّنات قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرآن غير هذا أو بدّله. قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. قل: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت فيكم عمراً من قبله. أفلا تعقلون؟ فمن أظلم من افترى على الله كذباً أو كذب بآياته؟ إنه لا يفلح المجرمون}.. {ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم؛ ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. قل: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض؟ سبحانه وتعالى عما يشركون. وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون. ويقولون: لولا أنزل عليه آية من ربه، فقل: إنما الغيب لله، فانتظروا إني معكم من المنتظرين}.. هكذا كان عملهم بعد الاستخلاف، وهكذا كان سلوكهم مع الرسول!!! {وإذا تتلى عليهم آياتنا بيِّنات قال الذين لا يرجون لقاءنا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله}.. وهو طلب عجيب لا يصدر عن جد، إنما يصدر عن عبث وهزل؛ وعن جهل كذلك بوظيفة هذا القرآن وجدية تنزيله. وهو طلب لا يطلبه إلا الذين لا يظنون أنهم سيلقون الله! إن هذا القرآن دستور حياة شامل، منسق بحيث يفي بمطالب هذه البشرية في حياتها الفردية والجماعية، ويهديها إلى طريق الكمال في حياة الأرض بقدر ما تطيق، ثم إلى الحياة الأخرى في نهاية المطاف. ومن يدرك القرآن على حقيقته لا يخطر له أن يطلب سواه، أو يطلب تبديل بعض أجزائه. وأغلب الظن أن أولئك الذين لا يتوقعون لقاء الله؛ كانوا يحسبون المسألة مسألة مهارة، ويأخذونها مأخذ المباريات في أسواق العرب في الجاهلية. فما على محمد أن يقبل التحدي ويؤلف قرآناً آخر، أو يؤلف جزءاً مكان جزء؟! {قل: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي. إن أتبع إلا ما يوحى إلي. إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}.. إنها ليست لعبة لاعب ولا مهارة شاعر. إنما هو الدستور الشامل الصادر من مدبر الكون كله، وخالق الإنسان وهو أعلم بما يصلحه. فما يكون للرسول أن يبدله من تلقاء نفسه. وإن هو إلا مبلغ متبع للوحي الذي يأتيه. وكل تبديل فيه معصية وراءها عذاب يوم عظيم. {قل: لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به. فقد لبثت فيكم عمراً من قبله. أفلا تعقلون؟}. إنه وحي من الله، وتبليغه لكم أمر من الله كذلك. ولو شاء الله ألا أتلوه عليكم ما تلوته، ولو شاء الله ألا يعلمكم به ما أعلمكم. فالأمر كله لله في نزول هذا القرآن وفي تبليغه للناس. قل لهم هذا. وقل لهم: إنك لبثت فيهم عمراً كاملاً من قبل الرسالة. أربعين سنة. فلم تحدثهم بشيء من هذا القرآن. لأنك لم تكن تملكه. لم يكن قد أوحي إليك. ولو كان في استطاعتك عمل مثله أو أجزاء منه فما الذي أقعدك عمراً كاملاً؟ ألا إنه الوحي الذي لا تملك من أمره شيئاً إلا البلاغ.. وقل لهم: ما كان لي أن أفتري على الله الكذب، وأن أقول: إنه أوحي إلي إلا بالحق. فليس هنالك ما هو أشد ظلماً ممن يفتري على الله أو من يكذب بآيات الله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته؟}.. وأنا أنهاكم عن ثانية الجريمتين، وهي التكذيب بآيات الله، فلا أرتكب أولاهما ولا أكذب على الله: {إنه لا يفلح المجرمون}.. ويستمر السياق يعرض ما فعلوه وما قالوه بعد استخلافهم في الأرض، غير هذا الهزل في طلب قرآن جديد.. {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، قل: اتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات والأرض؟ سبحانه وتعالى عما يشركون}.. والنفس حين تنحرف لا تقف عند حد من السخف. وهذه الأرباب المتعددة التي يعبدونها لا تملك لهم ضرراً ولا نفعاً، ولكنهم يظنونها تشفع لهم عند الله: {ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله}.. {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض؟}.. فالله سبحانه لا يعلم أن هناك من يشفع عنده مما تزعمون! فهل تعلمون أنتم ما لا يعلمه الله وتنبئونه بما لا يعلم له وجوداً في السماوات ولا في الأرض؟! إنه أسلوب ساخر يليق بهذا السخف الذي يلجون فيه. يعقبه التنزيه لله عما لا يليق بجلاله مما يدعون: {سبحانه وتعالى عما يشركون}.. وقبل أن يمضي في عرض ما قالوه وما فعلوه، يعقب على هذا الشرك، بأنه عارض. والفطرة في أصلها كانت على التوحيد، ثم جد الخلاف بعد حين: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا}.. وقد اقتضت مشيئة الله أن يمهلهم جميعاً إلى أجل يستوفونه، وسبقت كلمته بذلك فنفذت لحكمة يريدها: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون}.. وبعد هذا التعقيب يمضي في الاستعراض لما يقول المستخلفون: {ويقولون: لولا أنزل عليه آية من ربهَ فقل: إنما الغيب لله، فانتظروا إني معكم من المنتظرين}.. فكل الآيات التي يحتويها هذا الكتاب العظيم المعجز لا تكفيهم. وكل آيات الله المبثوثة في تضاعيف الكون لا تكفيهم. وهم يقترحون خارقة كخوارق الرسل في الأمم قبلهم. غير مدركين طبيعة الرسالة المحمدية. وطبيعة معجزتها. فهي ليست معجزة وقتية تنتهي بمشاهدة جيل، إنما هي المعجزة الدائمة التي تخاطب القلب والعقل في جيل بعد جيل. ويوجه الله رسوله أن يحيلهم على الله الذي يعلم ما في غيبه، ويقدر إن كان سيبرز لهم خارقة أو لا يبرز: {فقل: إنما الغيب لله. فانتظروا إني معكم من المنتظرين}.. وهو جواب في طيه الإمهال وفي طيه التهديد.. وفي طيه بعد ذلك بيان حدود العبودية في جانب الألوهية. فإن محمداً - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم الأنبياء المرسلين، لا يملك من أمر الغيب شيئاً، فالغيب كله لله. ولا يملك من أمر الناس شيئاً، فأمرهم موكول إلى الله.. وهكذا يتحدد مقام العبودية في جانب مقام الألوهية، ويخط خط بارز فاصل بين الحقيقتين لا شبهة بعده ولا ريبة. وحين ينتهي السياق من عرض ما يقول المستخلفون وما يفعلون، يعود إلى الحديث عن بعض طبائع البشر، حين يذوقون الرحمة بعد الضر. كما تحدث من قبل عنهم حين يصيبهم الضر ثم ينجون منه. ويضرب لهم مثلاً مما يقع في الحياة يصدق ذلك، فيقدمه في صورة مشهد قوي من مشاهد القرآن التصويرية: {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم، إذا لهم مكر في آياتنا. قل: الله أسرع مكراً، إن رسلنا يكتبون ما تمكرون. هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق. يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا، ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون}.. عجيب هذا المخلوق الإنساني لا يذكر الله إلا في ساعة العسرة، ولا يثوب إلى فطرته وينزع عنها ما غشاها من شوائب وانحرافات إلا في ساعة الكربة. فإذا أمن فإما النسيان وإما الطغيان.. ذلك إلا من اهتدى فبقيت فطرته سليمة حية مستجيبة في كل آن، مجلوة دائماً بجلاء الإيمان. {وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم، إذا لهم مكر في آياتنا}.. كذلك صنع قوم فرعون مع موسى. فكلما أخذوا بعذاب استغاثوا به ووعدوا بالعدول عما هم فيه. فإذا ذاقوا الرحمة مكروا في آيات الله وأولوها على غير وجهها، وقالوا: إنما رفع عنا الرجز بسبب كذا وكذا.. وكذلك صنعت قريش وقد أجدبت وخافت الهلاك، فجاءت محمداً تناشده الرحم أن يدعو الله فدعاه فاستجاب له بالسقيا، ثم مكرت قريش بآية الله وظلت فيما هي فيه! وهي ظاهرة مطردة في الإنسان ما لم يعصمه الإيمان. {قل: الله أسرع مكراً. إن رسلنا يكتبون ما تمكرون}.. فالله أقدر على التدبير وإبطال ما يمكرون. ومكرهم مكشوف لديه ومعروف، والمكر المكشوف إبطاله مضمون: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون}.. فلا شيء منه يخفى، ولا شيء منه ينسى. أما من هم هؤلاء الرسل وكيف يكتبون، فذلك غيب من الغيب الذي لا نعرف عنه شيئاً إلا من مثل هذا النص، فعلينا أن ندركه دون ما تأويل ولا إضافة لدلالة اللفظ الصريح. ثم ذلك المشهد الحي، الذي يعرض كأنه يقع، وتشهده العيون، وتتابعه المشاعر، وتخفق معه القلوب، يبدأ بتقرير القدرة المسيطرة المهيمنة على الحركة والسكون: {هو الذي يسيركم في البر والبحر}.. ذلك أن السورة كلها معرض لتقرير هذه القدرة التي تسيطر على أقدار الكون كله بلا شريك. ثم ها نحن أولاء أمام المشهد القريب: {حتى إذا كنتم في الفلك}.. وها هي ذي الفلك تتحرك رخاء.. {وجرين بهم بريح طيبة}.. وهذه مشاعر أهل الفلك ندركها: {وفرحوا بها}.. وفي هذا الرخاء الآمن، وفي هذا السرور الشامل، تقع المفاجأة، فتأخذ الغارين الآمنين الفرحين: {جاءتها ريح عاصف}.. يا للهول! {وجاءهم الموج من كل مكان}.. وتناوحت الفلك واضطربت بمن فيها، ولاطمها الموج وشالها وحطها، ودار بها كالريشة الضائعة في الخضم.. وهؤلاء أهلها في فزع يظنون أن لا مناص: {وظنوا أنهم أحيط بهم}.. فلا مجال للنجاة.. عندئذ فقط، وفي وسط هذا الهول المتلاطم، تتعرى فطرتهم مما ألم بها من أوشاب، وتنفض قلوبهم ما ران عليها من تصورات، وتنبض الفطرة الأصيلة السليمة بالتوحيد وإخلاص الدينونة لله دون سواه: {دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين}! وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج، وتهدأ الأنفاس اللاهثة، وتسكن القلوب الطائرة، وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ، ويوقن الناس بالحياة، وأرجلهم مستقرة على اليابسة. فماذا؟ {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق!}.. هكذا بغتة ومفاجأة! إنه مشهد كامل، لم تفتنا منه حركة ولا خالجة.. مشهد حادث. ولكنه مشهد نفس، ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل. ومن ثم يجيء التعقيب تحذيراً للناس أجمعين: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم}.. سواء كان بغياً على النفس خاصة، بإيرادها موارد التهلكة، والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية؛ أو كان بغياً على الناس فالناس نفس واحدة. على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة. والبغي لا يتمثل في أبشع ولا أشنع من البغي على ألوهية الله سبحانه، واغتصاب الربوبية والقوامة والحاكمية ومزاولتها في عباده. والناس حين يبغون هذا البغي يذوقون عاقبته في حياتهم الدنيا، قبل أن يذوقوا جزاءه في الدار الآخرة. يذوقون هذه العاقبة فساداً في الحياة كلها لا يبقى أحد لا يشقى به، ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا حرية ولا فضيلة لا تضارّ به. إن الناس إما أن يخلصوا دينونتهم لله. وإما أن يتعبدهم الطغاة. والكفاح لتقرير ألوهية الله وحدها في الأرض، وربوبية الله وحدها في حياة البشر، هو كفاح للإنسانية وللحرية وللكرامة وللفضيلة، ولكل معنى كريم يرتفع به الإنسان على ذل القيد. ودنس المستنقع، وامتهان الكرامة، وفساد المجتمع، ودناءة الحياة! {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم.. متاع الحياة الدنيا}.. لا تزيدون عليه! {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون}.. فهو حساب الآخرة وجزاؤها كذلك، بعد شقوة الدنيا وعذابها ابتداء. وما قيمة "متاع الحياة الدنيا" هذا وما حقيقته؟ يصور السياق هذه الحقيقة في مشهد من مشاهد القرآن التصويرية الحافلة بالحركة والحياة، وهي مع ذلك من المشاهدات التي تقع في كل يوم، ويمر عليها الأحياء دون انتباه: {إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام. حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها.. أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس. كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون}.. ذلك مثل الحياة الدنيا التي لا يملك الناس إلا متاعها، حين يرضون بها، ويقفون عندها، ولا يتطلعون منها إلى ما هو أكرم وأبقى.. هذا هو الماء ينزل من السماء، وهذا هو النبات يمتصه ويختلط به فيمرع ويزدهر. وها هي ذي الأرض كأنها عروس مجلوة تتزين لعرس وتتبرج. وأهلها مزهوون بها، يظنون أنها بجهدهم ازدهرت، وبإرادتهم تزينت، وأنهم أصحاب الأمر فيها، لا يغيرها عليهم مغير، ولا ينازعهم فيها منازع. وفي وسط هذا الخصب الممرع، وفي نشوة هذا الفرح الملعلع، وفي غمرة هذا الاطمئنان الواثق.. {أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس}.. في ومضة، وفي جملة، وفي خطفة.. وذلك مقصود في التعبير بعد الإطالة في عرض مشهد الخصب والزينة والاطمئنان. وهذه هي الدنيا التي يستغرق فيها بعض الناس، ويضيعون الآخرة كلها لينالوا بعض المتاع. هذه هي. لا أمن فيها ولا اطمئنان، ولا ثبات فيها ولا استقرار، ولا يملك الناس من أمرها شيئاً إلا بمقدار. هذه هي.. {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.. فيالبعد الشقة بين دار يمكن أن تطمس في لحظة، وقد أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فإذا هي حصيد كأن لم تغن بالأمس.. ودار السلام التي يدعو إليها الله، ويهدي من يشاء إلى الصراط المؤدي لها. حينما تنفتح بصيرته، ويتطلع إلى دار السلام.

ابن عاشور

تفسير : تقدم القول في الحروف الواقعة في فواتح بعض السور في أول سورة البقرة فهي بمنزلة الأعداد المسرودة، لا محل لها من الإعراب، ولا يُنطق بها إلا على حال السكت، وحالُ السكت يعامَل معاملة الوقف، فلذلك لا يُمد اسم رَا في الآية، وإن كان هو في اللغة بهمزة في آخره لأنه بالسكت تحذف الهمزة كما تحذف في الوقف لثقل السكوت على الهمزة في الوقف والسكت، فبذلك تصير الكلمة على حرفين فلا تمد. ولذلك أجمع القراء على عدم مد الحروف: را.ها.يا.طا.حا. التي في أوائل السور وإن كانت تلك الأسماء ممدودة في استعمال اللغة. اسم الإشارة يجوز أن يكون مراداً به جميع آي القرآن التي نزلت قبل هذه السورة باعتبار حضور تلك الآيات في أذهان الناس من المؤمنين وغيرهم، فكأنها منظورة مشاهدة، فصحت الإشارة إليها إذ هي متلوة محفوظة فمن شاء أن يسمعها ويتدبرها أمكنه ذلك ولأن الخوض في شأنها هو حديث الناس في نواديهم وأسمارهم وشغلهم وجدالهم، فكانت بحيث تتبادر إلى الأذهان عند ورود الإشارة إليها. واسمُ الإشارة يُفسر المقصودَ منه خبرُه وهو {آيات الكتاب الحكيم} كما فسره في قوله تعالى: {أية : فهذا يومُ البعث}تفسير : [الروم: 56] وقوله تعالى: {أية : قال هذا فراقُ بيني وبينك}تفسير : [الكهف: 78]. قال في «الكشاف»: تصَوَّر فراقاً بينهما سيقع قريباً فأشار إليه بهذا. وقد تقدم شيء من هذا المعنى عند قوله تعالى: {أية : ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده}تفسير : في سورة [الأنعام: 88]. فالمقصود من الإشارة إما الحث على النظر في آيات القرآن ليتبين لهم أنه من عند الله ويعلموا صدق من جاءهم به. وإما إقناعهم من الآيات الدالة على صدق النبي بآيات الكتاب الحكيم فإنهم يسألون النبي آيةً على صدقه، كما دل عليه قوله في هذه السورة [يونس: 15] {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائتِ بقرآن غير هذا أو بَدله}تفسير : فقيل لهم {تلك آيات الكتاب الحكيم}، أي ما هو آية واحدة بل آيات كثيرة، فإن الإعجاز حاصل بكل سورة منه. ولأنه اشتمل على الحقائق السامية والهدى إلى الحق والحكمة؛ فرجل أمي ينشأ في أمة جاهلة يجيء بمثل هذا الهدى والحكمة لا يكون إلا موحى إليه بوحي إلهي، كما دل عليه قوله تعالى: {أية : وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارْتاب المبطلون}تفسير : [العنكبوت: 48]. وعليه فاسم الإشارة مبتدأ و{آيات} خبره. وإضافة {آيات} إلى {الكتاب} إضافة شبيهة بالبيانية وإن كان الكتاب بمنزلة الظرف للآيات باختلاف الاعتبار، وهو معنى الإضافة البيانية عند التحقيق. ويجوز أن تجعل الإشارة بـ{تلك} إلى حروف {ألر} لأن المختار في الحروف المقطعة في فواتح السور أن المقصود من تعدادها التحدي بالإعجاز، فهي بمنزلة التهجي للمتعلم. فيصح أن يجعل (ألـر) في محل ابتداء ويكون اسم الإشارة خبراً عنه. والمعنى تلك الحروف آيات الكتاب الحكيم، أي من جنسها حروف الكتاب الحكيم، أي جميع تراكيبه من جنس تلك الحروف. والمقصود تسجيل عجزهم عن معارضته بأن آيات الكتاب الحكيم كلها من جنس حروف كلامهم فما لكم لا تستطيعون معارضتها بمثلها إن كنتم تكذّبون بأن الكتاب منزل من عند الله، فلولا أنه من عند الله لكان اختصاصه بهذا النظم المعجز دون كلامهم محالاً إذ هو مركب من حروف كلامهم. والكتاب: القرآن. فالتعريف فيه للعهد. ويجوز جعل التعريف دالاً على معنى الكمال في الجنس، كما تقول: أنتَ الرجل. والحكيم: وصف إما بمعنى فاعل، أي الحاكم على الكتب بتمييز صحيحها من محرفها، مثل قوله: {أية : ومُهيمِناً عليه}تفسير : [المائدة: 48]، وقوله: {أية : وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}تفسير : [البقرة: 213]. وإما بمعنى مُفعَل بفتح العين، أي مُحكَم، مثل عَتِيد، بمعنى مُعَد. وإما بمعنى ذي الحِكمة لاشتماله على الحكمة والحق والحقائق العالية، إذ الحكمة هي إصابة الحق بالقول والعمل فوُصف بوصف ذي الحكمة من الناس على سبيل التوسع الناشىء عن البليغ كقول الأعشى: شعر : وغريبةٍ تأتي الملوك حَكِيمة قد قلتُها ليقال مَن ذَا قالها تفسير : وإما أن يكون وُصِفَ بوصف منزّله المُتكلم به، كما مشَى عليه صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: {أية : يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين}تفسير : [يس: 1، 3] واختيار وصف {الحكيم} من بين أوصاف الكمال الثابتة للقرآن؛ لأن لهذا الوصف مزيد اختصاص بمقام إظهار الإعجاز من جهة المعنى بعد إظهار الإعجاز من جهة اللفظ بقوله: {الر تلك آيات الكتاب الحكيم}، ولِما اشتملت عليه السورة من براهين التوحيد وإبطال الشرك. وإلى هذا المعنى يشير قوله بعد هذا: {أية : قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثتُ فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون}تفسير : [يونس 16].

الواحدي

تفسير : {الر} أنا الله أرى {تلك آيات الكتاب} هذه الآيات التي أنزلتها عليك آيات القرآن {الحكيم} الحاكم بين النَّاس. {أكان للناس} أَهلِ مكَّةَ {عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} وذلك أنَّهم قالوا: ما وجدَ الله مَنْ يُرسله إلينا إلاَّ يتيم أبي طالب؟! {أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا} أَيْ: بعثناه بشيراً ونذيراً {أنَّ لهم قدم صدق عند ربهم} يعني: الأعمال الصَّالحة. {قال الكافرون إنَّ هذا} القرآن {لسحرٌ مبين}. {إنَّ ربكم الله} مفسَّرةٌ في سورة الأعراف، وقوله: {يدبِّر الأمر} يقضيه {ما من شفيع إلاَّ من بعد إذنه} ردٌّ لقولهم: الأصنام شفعاؤنا عند الله.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- هذه حروف بدأ الله تعالى بها السورة، وهو أعلم بمراده منها، وهى مع ذلك تشير إلى أن القرآن مُكَوَّن من مثل هذه الحروف، ومع ذلك عجزتم عن أن تأتوا بمثله، وهذه الحروف الصوتية تثير انتباه المشركين فيستمعون إليه، وإن اتفقوا على عدم استماع هذه الآيات الكريمة ونحوها التى هى آيات القرآن المحكم فى أسلوبه ومعانيه، الذى اشتمل على الحكمة وما ينفع الناس فى أمور دينهم ودنياهم. 2- ما كان للناس أن يَعجبوا ويُنكروا وحْينا إلى رجل منهم (محمد)، ليُحذّر الناس من عذاب الله، ويُبَشّر الذين آمنوا منهم بأن لهم منزلة عالية عند ربهم، لا يتخلف وعد الله، وما كان لهؤلاء المنكرين أن يقولوا عن محمد - رسولنا -: إنه ساحر واضح أمره.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آلر: هذه السورة الرابعة من السور المفتتحة بالحروف المقطعة تكتب آلر وتقرأ أَلفْ لام. را. الكتاب: أي القرآن العظيم. الحكيم: القائل بالحكمة والقرآن مشتمل على الحِكَم فهو حكيم ومحكم أيضاً. عجباً: العجب ما يتعجب منه. رجل منهم: هو محمد صلى الله عليه وسلم. قدم صدق: أي أجراً حسناً بما قدموا في حياتهم من الإِيمان وصالح الأعمال. إن هذا: أي القرآن. لسحر مبين: أي بين ظاهر لا خفاء فيه في كذبهم وادعائهم الباطل. معنى الآيتين: مما تعالجة السور المكية قضايا التوحيد والوحي والبعث الآخر وسورة يونس افتتحت بقضية الوحي أي إثباته وتقريره من الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} أي هذه آيات القرآن الكريم المحكم آياته المشتمل على الحكم الكثيرة حتى لكأنه الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه وقوله تعالى {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} أي أكان إيحاؤنا إلى محمد عبدنا ورسولنا وهو رجل من قريش عجباً لأهل مكة يتعجبون منه؟ والموحى به هو: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ}، أي خوفهم عاقبة الشرك والكفر والعصيان {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أي بأن لهم قدم صدق عند ربهم وهو الجزاء الحسن لما قدموا من الإِيمان وصالح الأعمال يتلقونه يوم يلقون ربهم في الدار الآخرة فلما أنذر وبشر صلى الله عليه وسلم قال الكافرون هذا سحر مبين ومرة قالوا: ساحر مبين وقولهم هذا لمجرد دفع الحق وعدم قبوله لا أن ما أنذر به وبشر هو سحر، ولا المنذر المبشر هو ساحر وإنما هو المجاحدة والعناد والمكابرة من أهل الشرك والكفر والباطل والشر والفساد. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة الوحي بشهادة الكتاب الموحى به. 2- إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتقريرها بالوحي إليه. 3- بيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي النذارة والبشارة. 4- بشرى أهل الإِيمان والعمل الصالح بما أعد لهم عند ربهم. 5- عدم تورع أهل الكفر عن الكذب والتضليل.

القطان

تفسير : الآية: العلامة. الكتاب: القرآن الكريم. الحكيم: المحكم، وذو الحكمة. قدم صدق: سابقةٌ حسنة، والمنزلة الرفيعة. مبين: ظاهر. الر: هذه الحروف تقرأ ساكنةَ غير معربة هكذا "الف. لام. را" وقد بدأ الله تعالى بها السورة لتنبيه السامع الى ما يتلى عليه، وفي ذلك اشارة الى ان القرآن مكون من مثل هذه الحروف، ومع ذلك عجزتم ايها المشركون عن ان تأتوا بمثله. {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}. ما كان للناس ان يعجبوا وينكروا إنزال الوحي على رجل من جنسهم. ولِمَ هذا التعجب والانكار، والله قادر على ان يتصل بأي عبد من عباده ويصطفيه برسالته، {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الانعام:124] وان لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام من الصفات والمكرمات ما يؤهّله لهذه الرسالة الكريمة. وبعد ان بيّن الله عجبَ الكافرين من الوحي الى النبي الكريم بيّن حقيقةَ ما أوحى به إليه، وهو انذارُ الناس وتحذيرهم من عذاب الله، وتبشيرُ المؤمنين بأن لهم منزلةً عالية عند ربهم نالوها بصدق القول وحسن النية. {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ}. فلما أتاهم بوحي الله وتلاه عليهم قالوا: ان هذا الرجلَ ساحرٌ أمره واضح، فما جاءَ به سحرٌ لأنه خارق للعادة في تأثيره على الناس، وحذْبه النفوس الى الايمان به. قراءات: قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: "لساحر مبين" بالف بعد السين. وقرأ الباقون "لسحر مبين" بغير الف".

د. أسعد حومد

تفسير : {ألف. لاَم. رَا} {آيَاتُ} {ٱلْكِتَابِ} (1) - أَلِفْ لاَمْ رَا وَتُقْرَأُ مُقَطَّعَةً. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. هذِهِ هِيَ آيَاتُ القُرْآنِ المُحْكَمِ الذِي أَحْكَمَهُ اللهُ فِي أُسْلُوبِهِ وَمَعَانِيهِ، وَبَيَّنَهُ لِعِبَادِهِ.

الثعلبي

تفسير : {الۤر} قُرِئ بالتفخيم والإمالة وبين اللفظين، وكلها لغات صحيحة فصيحة. ابن عباس والضحاك: أنا الله أرى، وقيل: أنا الرب لا رب غيري. عكرمة والأعمش والشعبي. الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة. فاذا وصلت كان الرحمن. قتادة: اسم من أسماء القرآن. أبو روق: فاتحة السورة، وقيل: عزائم الله، وقيل: هو قسم كأنّه قال: والله إنّ {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ}. قال مجاهد وقتادة: أراد به التوراة والإنجيل والكتب المقدسة، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث. وقال الآخرون: أراد به القرآن وهو أولى بالصواب لأنه لم يخص الكتب المقدمة قبل ذكره ولأن الحكيم من بعث القرآن، دليله قوله: {أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}تفسير : [هود: 1] ونحوها فيكون على هذا التأويل تلك يعني هذه وقد مضى القول في هذه المسألة في أول سورة البقرة {ٱلْحَكِيمِ} المحكوم بالحلال والحرام والحدود والأحكام. وقال مقاتل: المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف وهو فعيل بمعنى فاعل كقول الأعمش في قصيدته: شعر : وعزيمة تأتي الملوك حكيمة قد قلتها ليقال من ذا قالها تفسير : وقيل: هو الحاكم فعيل بمعنى فاعل بأنه قرأ: نزل فيهم الكتاب بالحق {أية : لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ}تفسير : [البقرة: 213] وقيل: بمعنى المحكوم فيه فعيل بمعنى المفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وحكم فيه بالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه. وقال عطاء: حكيم بما حكم فيه من الأرزاق والآجال بما شاء. {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} الآية، قال ابن عباس: لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت الكفار وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد فأنزل الله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ} أهل مكة والألف للتوبيخ {عَجَباً} {أَنْ أَوْحَيْنَآ} أن في محل الرفع وأوحينا صلة له تقديره أكان للناس عجباً لإيحائنا {إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} محمد، وفي حرف عبد الله: عجيبٌ، بالرفع على اسم كان، وأن في محل نصب على خبره {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أن على محل نصب بقصد الخافض وكذلك الثانية. {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}. قال ابن عباس: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم. قال الضحاك: ثواب صدق. مجاهد: الأعمال الصالحة، علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول. سلف صدق، زيد بن أسلم: محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم. يمان: إيمانهم، عطاء: مقام صدق لا زوال فيه ولا بؤس، نعيم مقيم وخلود وخلود لا موت فيه، الحسن: عمل صالح أسلفوه (فأثابهم) عليه، الأعمش: سابقة صدق. أبو حاتم: منزل صدق نظيره {أية : وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}تفسير : [الإسراء: 80] عبد العزيز بن يحيى: قدم صدق. قوله عزّ وجلّ: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 101]. الزجاج: منزلة رفيعة، وقيل: هو بعثهم وتقديم الله تعالى هذه الأمة في البعث يوم القيامة، بيانه قوله صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، وقيل: عِدَة الله تعالى لهم، والقدم: القدم كالنقص والقبض وأُضيف القدم إلى الصدق وهو [علة] كما قيل: مسجد الجامع، وحقّ اليقين. قال ابن الأعرابي: القدم المتقدم في الشرف. قال العجاج: شعر : زل بنو العوام عن آل الحكم وتركوا الملك لملك ذي قدم تفسير : أي متقدم. قال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. يقال: لفلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق، وقدم سوء،وهو مؤنث يقال: قدم حسنة وقدم صالحة. قال حسان بن ثابت: شعر : لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأوّلنا في طاعة الله تابع تفسير : قال ذو الرمّة: شعر : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العاديّ طمت على البحر تفسير : وقال آخر: شعر : قعدت بهم قدم الفجار وذكرت أنسابهم من فضة من مالق تفسير : أي ما يقدّم لهم من الفجّار. {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} قال المفسرون: القرآن، وقرأ أهل الكوفة: لساحر يعني محمد ( صلى الله عليه وسلم ). {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} قال مجاهد: يقضيه وحده {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} أمره {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} الذي فعل هذه الأشياء {رَبُّكُمْ} لا ربّ لكم سواه {فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} معادكم {جَمِيعاً} نصب على الحال {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} صدقاً لا خُلف فيه، وهو نصب على المصدر، أي وعد الله وعداً حقّاً فجاء به حقّاً، وقيل: على القطع، وقرأ ابن أبي عبلة: وعد الله حق على الاستئناف، ثم قال: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي يحميهم ابتداءً ثم يميتهم ثم يحييهم، وقرأ العامة: إنّه، [بكسر الألف على الاستئناف. وقرأ أبو جعفر: أنه، بالفتح على معنى: لأنه وبأنه،كقول الشاعر: شعر : أحقاً عباد الله أن لست زائراً بثينة أو يلقى الثريا رقيبها تفسير : {لِيَجْزِيَ} ليثيب {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} بالعدل ثم قال: مبتدئاً {وٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ} ماء حار قد انتهى حرّه {حَمِيمٍ} وهو بمعنى محموم فعيل بمعنى مفعول، وكل مسخن مُغلي عند العرب فهو حميم. قال المرقش: شعر : وكل يوم لها مقطرة فيها كباء معدّ وحميم تفسير : {وَعَذَابٌ أَلِيمُ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و {الۤر} ثلاثة حروف، وقد سبقتها سورة البقرة بـ {الۤمۤ} و {الۤمۤ} في أول سورة آل عمران، وفي أول سورة الأعراف {الۤمۤصۤ} وهنا {الۤر} في أول سورة يونس. ونلاحظ أن {الۤمۤ} و {الۤمۤصۤ} و {الۤر} كلها أسماء حروف. وكل شيء له اسم وله مسمى، أنا اسمي الشعراوي صحيح، والمسمَّى هو صورتي. فإذا أُطلق الاسم جاءت صورة المسمَّى في الذهن. فساعة نقول: "السماء" يأتي إلى الذهن "ما علاك". وساعة تقول: "المسجد" يأتي إلى الذهن المكان المحيّز للصلاة. إذن: فهناك فرق بين الاسم والمسمّى. وكل إنسان أميّ، أو متعلم، له قدرة على الكلام، لكن لا ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلَّم. وفي الإنجليزية نطلب ممن يتعلمها أن يتهجّى أسماء الحروف. إذن: فالكُلّ - كل متكلم - يعرف النطق بمسمَّيات الحروف ولكن الذي يعرف المسميات ويعرف الأسماء هو من جلس إلى معلِّم. وعرف أنك حين تقول: "أكلت"، فهذه الكلمة مكونة من (همزة، وكاف، ولام، وتاء). فإن كانت بعض سور القرآن قد بَدأت بـ {الۤمۤ} وهذه أسماء حروف، لا مسمَّيات حروف، ومحمد صلى الله عليه وسلم أمّيّ لم يتعلم، فمن الذي علَّمه أسماء الحروف؟ هي، إذن، رمزية على أنه - بإقرار الجميع - أمي ولم يجلس إلى معلم، ولم يقل له أحد شيئاً، ثم نطق بعد ذلك بأسماء الحروف "ألف لام ميم" ولو نظرت إلى المنطوق بالأسماء تجدها أربعة عشر حرفاً تكررت، وهي نصف حروف الهجاء. ومن العجيب أن توصيف حروف الهجاء جاء بعد أن نزل القرآن. وقسمناها نحن إلى حروف مهجورة وحروف مهموسة وحروف رقيقة وحروف رخوة. وقد حدث هذا التقسيم بعد أن نزل القرآن. وبالاستقراء تجد الأربعة عشر حرفاً التي تأتي في فواتح السور تمثل كل أنواع الحروف. من: رقيق، ومفخم، ومجهور، ومهموس، ومستعلٍ، وبدأ الله بها على أشكال مختلفة، فمرة يبدأ بحرف واحد: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1]. ويقول سبحانه: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} تفسير : [ق: 1]. ويقول سبحانه: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} تفسير : [القلم: 1]. إذن: فثلاث سور ابتدأت بحرف واحد. وهناك سور ابتدأت بحرفين اثنين مثل: {طه}. {يسۤ}. {طسۤ}، {حـمۤ}. وهناك سور بدئت بثلاثة حروف: {الۤمۤ} مثلما بدأت سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة العنكبوت، وسورة الروم، وسورة السجدة. وهناك سور قد بدئت بـ {الۤر}. وثلاث سور تتفق في الألف واللام. وتختلف في "الميم والراء", و {الۤر} في أول سورة يونس و {الۤر} في أول سورة يوسف. و {الۤر} في أول سورة إبراهيم، و {الۤر} في أول سورة الحجر. وهناك سورة قد بدئت بأربعة حروف مثل: {الۤمۤصۤ} في أول سورة الأعراف، وكذلك سورة الرعد بدأت بـ {الۤمۤر}. وهناك سور قد بدأت بخمسة حروف مثل سورة مريم {كۤهيعۤصۤ}. وكذلك سورة الشورى بدأت بـ {حـمۤ * عۤسۤقۤ}. ومرة يطلق الحرف أو الحرفان في أول السورة ولا تعتبر آية وحدها؛ بل جزءاً من آية، وهناك سورتان تبدآن بأحرف وتعتبر آية مثل {طه}، و {يسۤ}. أما في سورة النمل فهي تبدأ بـ {طسۤ} ولا تعتبر آية وحدها. إذن: فمرة تنطق الحروف وحدها كآية مكتملة، ومرة تكون الحروف بعضاً من آية، ومرة تأتي خمسة حروف مثل {كۤهيعۤصۤ}، وكل هذا يدلك على أن القرآن توقيفي. ولم تأت آياته على نسق واحد؛ لننتبه إلى أن الحق سبحانه أنزل هذه الحروف هكذا، وكذلك نجد كلمة "اسم" في القرآن في {بسم ٱلله} وتكتب من غير ألف، وهي ألف وصل، أي: تنطقها حين تقرأها لكن الحرف يسقط عند الكتابة، ولكنها لا تسقط عندما نكتب الآية الأولى من سورة العلق: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ} تفسير : [العلق: 1]. ومثال آخر لو استعرضت في القرآن الكريم كلمة "تبارك"، ستجد فيها ألفاً بعد الباء، وتأتي مرة من غير ألف، وكلمة "البنات" نجدها مرة بألف ومرة من غير ألف، كل ذلك؛ لنفهم أن المسألة ليس لها رتابة كتابة؛ لأنها لو كانت رتابة كتابة؛ لجاءت على نظام واحد. وقد شاء الحق هذا الأمر؛ لتكون كتابة القرآن معجزة، كما كانت ألفاظه وتراكيبه معجزة. وقد قال البعض: إن العرب المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا أهل إتقان للكتابة، ونقول: لو كانوا على غير دراية بالكتابة لما كتبوا "بسم" من غير ألف في موقعها، لقد علموا أن القرآن يجب أن يكتب كما نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة توقيفية، أي: كما أمر الحق سبحانه. وعجيبة أخرى أن كل آيات القرآن مبنية على الوصل، فأنت لا تقرأ ختام السورة بالسكون، بل تلتفت لتجد الكلمة التي في ختام أي سورة مشكلة بغير السكون. والمثال هو: {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ} وجاء الحرف الأخير بالكسر لا بالسكون؛ لتقرأ موصولة بما بعدها، فتقرأ كالآتي: {وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}. وهذه الحركة دلت على أن جميع آيات القرآن موصولة ببعضها، وإياك أن تجعل القرآن {عِضِينَ} فلا تأخذ بعضاً من آياته مفصولاً عن غيرها، بل القرآن كله موصول، فليس في القرآن من وقف واجب، بل الآيات كلها مبنية على الوصل، وإن كانت الكلمة الأخيرة تنتهي بالفتحة فأنت تقرأها منصوبة ومن بعدها {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فنحن لا نسكِّن الحرف الأخير في أي سورة؛ لأنها موصولة بما بعدها. وحتى في الحكم التجويدي إن وجد إقلاب ننطقه إقلاباً، وإن وجد إظهاء ننطقه إظهاراً؛ لأن آيات القرآن مبنية على الوصل. ولقائل أن يقول: إذا كان القرآن قد بني على الوصل، فكان المفروض أن آيات القرآن التي بدئت بحروف المعجم تنبني على طريقة المعجم. فلا نقول (ألف لام ميم) بل نقول "ألم". ونقول لمثل هذا القائل: لا، إن حروف القرآن التي بدئت بها السور يجب أن ننطقها كما هي، فننطق "ألف" ثم نقف، ونقرأ "لام" ثم نقف، ونقرأ "ميم" ثم نقف؛ لأن هذه الحروف جاءت هكذا، وعلّمها جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا، حتى لا نقول رتابة كلام، بل إن لذلك حكمة عند الله سواء فهمتها أنت الآن أم لم تفهمها. وقد نزل القرآن على أمة عربية وظل أناس على كفرهم، وكانوا يعاندون رسول الله، ويترصدون لأي هفوة؛ ليدخلوا منها للتشكيك في القرآن، ولكن أسمعتم رغم وجود الكافرين الصناديد أن واحداً قال: ما معنى {الۤمۤ}؟ لم يقل أحد من الكافرين ذلك، رغم حرصهم على أن يأتوا بمطاعن في القرآن، بل اعترفوا بمطلق بلاغة القرآن الكريم، مما يدل على أنهم فهموا شيئاً من {الۤمۤ} بملكتهم العربية، ولو لم يفهموا منها شيئاً؛ لطعنوا في القرآن. لكنهم لم يفعلوا. وأيضاً صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل حرص على الفهم، هل سمعت أن أحداً سأل رسول الله عن معنى {الۤمۤ}؟ لم يحدث، مما يدل على أنهم انفعلوا لقائلها بسرِّ الله فيها، لا بفهم عقولهم لها؛ لأن الوارد من عند الله لا يوجد له معارض من النفس، وإن لم يقبله العقل فهو لا يرفضه مع استراحة النفس له. وضربنا من قبل مثلاً، فقلنا: إن آل فرعون حين استحيوا نساء بني إسرائيل وذبحوا الذكور، فماذا فعلت أم موسى؟ لقد أوحى لها الله ما جاء خبره في القرآن: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ...} تفسير : [القصص: 7]. هاتِ أيَّ أُمٍّ وقُلْ لها: حين تخافين على وليدك فارميه في البحر، طبعاً لن تنفذ أي أم هذا الاقتراح. كان من الممكن أن تحاول أم موسى إخفاء موسى بأي وسيلة. أما أن تلقيه في البحر مظنّة أن تنجيه من الذبح، فهذا أمر غير متخيَّل، ولكن هذا أمر وارد من الرحمن بالإلهام والوحي، فلا يأتي الشيطان؛ ليعارضه أبداً؛ ولذلك طمأنها الحق سبحانه؛ لأن الآيات وردت: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ...} تفسير : [القصص: 7]. وكأن هناك تمهيداً يعلِّمها الاستعداد للأمر قبل أن يقع، وحين جاء الأمر: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ ...} تفسير : [طه: 38-39]. والكلام هنا كلام عَجَلَة؛ لأن هذا وقت التنفيذ، وطمأنها سبحانه بأن أصدر أوامره للبحر أن يقذفه إلى الشاطئ: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ...} تفسير : [طه: 39]. وأصدر الحق أوامره إلى العدوِّ أن يأخذه؛ ليربيه: {أية : فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ...} تفسير : [طه: 39]. إذن: وارد الرحمن لا يأتي له رد أبداً. وكذلك يستقبل المؤمن {الۤمۤ} بسر الله فيها، لا بفهم عقله. وأنا أنصح من يريد أن يقرأ القرآن تعبداً ألا يشغل نفسه بالمعنى، على خلاف من يقول: "اقرأ لتستنبط"؛ لأن من يريد أن يستنبط هو الذي يقف عند اللفظ، ويطلب معناه. فإذا قرأت القرآن للتعبد؛ فلتقرأه بسر الله فيه؛ حتى لا تحدد القرآن بمعلوماتك؛ فتأخذه أخذاً ناقصاً بنقصك البشرى؛ لذلك في قراءة التعبد نأخذ اللفظ بسر الله في اللفظ؛ فليس كل قارئ للقرآن متخصصاً في اللغة؛ ليعرف أصل كل كلمة، والكثير منا أمي، يريد التعبد بالقرآن، إذن - فليأخذ القرآن بسر الله فيه. والمثال من حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد الجيش يضع كلمة اسمها: "كلمة السر"، وهذه الكلمة قد لا يكون لها معنى، ولكن لا أحد يتحرك أو يخرج أو ينضم إلى المعسكر إلا إذا قالها. ولتكن الكلمة "عدس" على سبيل المثال، ومن يعرفها يعرف أنها منجية من الموت، وساعة يعود مقاتل إلى كتيبته وينطق بكلمة "عدس"، هنا يعرف حارس بوابة المعسكر أنه منهم، أما من لا يعرفها فقد يُقتل. ومن يقولها، إنما ينطقها بسر من لقنه إياها. وقد فهم العربي القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء، وللغته فيها نظائر؛ لأنه مثلاً حين يقرأ الشعر، ويلتفت إلى شاعر يقول: شعر : ألا هُبِّي بِصحْنكِ فَاصبحِينا تفسير : ويقول: شعر : ألا لايَجْهَلنْ أحدٌ عليْنا فَنجهَل فوْقَ جَهل الجَاهِلينَا تفسير : ما معنى ألا هنا، ولماذا جاءت؟ فالمعنى واضح بدونها، لكن العربي القديم قد نطق هذا البيت، وعرف أن الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم، أو لا يتكلم، والسامع مفاجأ بالكلام، فإذا ما ألقيت الكلام إلى السامع؛ قد يكون ذهنه مشغولاً، وإلى أن ينتبه لكلماتك، قد تفوته جزئية من جزئيات الكلام؛ فتنبه أنت إلى ما قلت؛ فيتنبه؛ ليستوعب كل ما قلت. إذن: فما المانع أن يكون الحق سبحانه وتعالى يريد أن يهيئ الأذهان بـ {الۤمۤ}؛ حتى نسمع، ثم تأتي الآيات الحاملة للمنهج من بعد ذلك؟ وما المانع في أن نفهم أن النبي الأمي لا يعرف كيف ينطق بأسماء الحروف، فهو إن نطق فإنما يصدر ذلك بعد تعليم الله له؟ ولماذا لا نفهم منها أيضاً أن وسائل الفهم لا تنتهي إلى أن تقوم الساعة؟ وإلا لو انتهت عند البشر؛ لكان كلام الله قد حددت صفته بفهم البشر، وسبحانه قد شاء أن نغترف من معاني كلماته الكثير على مدى الأزمان، والقرآن كلام الله، وكلام الله صفته، وصفته لا تتناهى في الكمال، فإن عرفت كل مدلولاتها، تكون قد حددت الكمال بعلم، لكن القرآن لا نهاية له. ولماذا لا نفهم أن القرآن الذي بيّن الحق سبحانه وتعالى أنه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم هو من جنس ما نبغ فيه قومه؛ فتحداهم من جنس ما برعوا فيه. ويقول لهم: هاتوا مثيلاً له، ولن تستطيعوا، ولو أنه جاء بالقرآن على غير لغتهم في الكلام لقالوا: لا نستطيع؛ لأن حروف هذه اللغة جديدة علينا. وقد شاء الحق أن يكون القرآن من نفس الحروف التي يتحدثون بها، وبالكلمات التي يعرفونها في لغتهم، وشاء سبحانه أن يجعل حروف وكلمات وآيات وأساليب القرآن غير قابلة للتقليد؛ لأن المتكلم مختلف، وبهذا جاءت عظمة القرآن لا من ناحية المادة الخام التي تبنى منها الكلمات وهي الحروف؛ بل بالمعاني والنسق الذي جاءت به الحروف، فالمادة الخام - وهي الحروف - واحدة. وصار القرآن معجزة؛ لأن المتكلم هو الله. وضربنا من قبل المثل لنقرب ذلك إلى الأذهان: هب أننا نريد أن نقيس مهارة من ينسجون الأقمشة، ونضع أمام كل منهم مجموعة من غزل الصوف وغزل القطن، وغزل الحرير، وهذه مواد خام يختلف كل منها عن الآخر، ونقول لهم: كل واحد منكم عليه أن ينسج قطعة من كل صنف لنعرف الأفضل في النسج. وسنسمع من يقول: إن نتيجة نسج الصوف نسيج خشن، وناسج القطن سينسج قطعة تأخذ صفات القطن، وناسج الحرير سينسج لنا نسيجاً ناعماً، أما إن أعطينا كلاّ منهم نوعاً واحداً من الغزل؛ صوفاً أو قطناً أو حريراً، هنا سنعرف من الأقدر على النسج. إذن: لو أن القرآن جاء بغير حروف العرب، وبغير كلمات العرب؛ لقالوا: لو كانت عندنا هذه الحروف وهذه الكلمات؛ لأتينا بأحسن منها. لذلك شاء الحق أن يأتي القرآن من جنس الحروف والكلمات. ولذلك تحوم العقول حول مقدمات آيات السور؛ لتعرف شيئاً من الإيناسات بعد أن تواصلت الثقافات، ولم تعد اللغة العربية متوافرة مثلما كان الحال أيام نزول القرآن، ومن كانوا يملكون هذه الملكة الصافية أيام الرسول صلى الله عليه وسلم سمعوا الحروف التي في أوائل بعض السور وقبلوها، والحق سبحانه يقول: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} [يونس: 1]. و {تِلْكَ}: إشارة، ولا بد أن نفرق بين الإشارة والخطاب؛ لأن البعض يخلط بينهما، فالإشارة هي التي تشير إلى شيء مثل قولنا: هذا وذا، أو تلك، وهذا: إشارة لمذكر، والمثال هو قولنا: هذا القلم جميل، أما قولنا: تلك الدواة جميلة، فهذه إشارة لمؤنثة. أما "الكاف": فهي حرف للخطاب، فالتاء: إشارة للآيات وهي مؤنثة، و"الكاف" في {تِلْكَ}: للمخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. فالله يقول لرسوله: تلك الآيات يا محمد. وعلى ضوء الفوارق بين الإشارة والخطاب تختلف أساليب القرآن، مثل قوله الحق: {أية : فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ...} تفسير : [القصص: 32]. و {فَذَانِكَ}: إشارة لشيئين اثنين: للعصا. و {أية : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ...} تفسير : [النمل: 12]. ويقول الحق أيضاً: {أية : ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ...} تفسير : [يوسف: 37]. وهذا ما قاله سيدنا يوسف عليه السلام للسجينين اللذين كانا معه. وتُظهر لنا العبارة أنه كان يخاطب اثنين، ولكنه يشير إلى التأويل بـ "ذا". وحين دعت امرأة العزيز النسوة؛ ليشاهدن جمال سيدنا يوسف، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً؛ وقالت: اخرج عليهن، ولأنه مفرد مذكر، وهن جماعة إناث، فالعبارة تأتي بخطاب لجماعة الإناث، وإشارة إلى المفرد المذكر فقالت: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ...} تفسير : [يوسف: 32]. و "ذا" إشارة إلى سيدنا يوسف، و "كن" خطاب للنسوة. والقرآن حين يخاطب جماعة يقول: {أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ ...} تفسير : [فصلت: 23]. إذن فهناك فرق بين الإشارة والآيات، فالـ "ت" إشارة للآيات، والآيات مؤنثة، والمخاطب الأول بالتكليف هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. والآيات - كما عرفنا من قبل - جمع آية، والآية هي الأمر العجيب، وكل منا يسمع من يقول: إنها آية في الحسن أو آية في الجمال، أو آية في الفن، أو آية في الروعة. فالآية إذن هي الشيء العجيب، أو الشيء الذي بلغ من الحسن ومن الجمال درجة هائلة. وتطلق الآيات إطلاقات متعددة: فهي إما أن تكون المعجزات التي أمدَّ الله بها رسله؛ ليثبت صدقهم. {أية : مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأعراف: 132]. وإما أن تطلق الآيات على الأشياء العجيبة في الكون مثل قوله الحق: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ ...} تفسير : [يس: 37]. وقوله سبحانه: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ...} تفسير : [الإسراء: 12]. وقوله الحق: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ...} تفسير : [المؤمنون: 50]. إذن: فالآية إما أن تكون شيئاً في الكون، وإما أن تطلق على المعجزة التي جاء بها الرسل؛ لتثبت صدقهم في البلاغ عن الله، وقد يكون المقصود بها آيات القرآن. إذن: فالآيات تطلق على ثلاثة أمور: الآيات الكونية للنظر والاعتبار، وآيات إعجازية لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وآيات قرآنية تحمل الأحكام والتحدي للمشركين أن يأتوا بمثلها. وهنا في قوله الحق: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ} المراد بها: الآيات القرآنية، وما دام الله هو خالق الآيات الكونية الحسية، وخالق المعجزات؛ وهو منزَِّل القرآن؛ فلا تعارض بين الآيات؛ لأن مصدرها واحد. وقوله: {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} [يونس: 1]. وكلمة {ٱلْحَكِيمِ} معناها: الذي يضع الشيء في موضعه الدقيق بحكمة، فلا ينظر إلى ظاهر معطيات الشيء الآن ويغفل ما قد يأتي به من مضرّة. ولله المثل الأعلى أقول: إنك قد تصل إلى الشيء، وتظن أنه يخلصك من متاعب أخرى، لكنه قد يؤدي إلى شيء أضر، وهذا هو السبب في اختلاف ألوان ووظائف العقاقير المختلفة، ولذلك نجد الطبيب الحاذق يكتب عدداً من الأدوية؛ ليستخلص المريض منها ما يشفيه، ويحاول بقدر الإمكان أن يُجنبه الآثار الجانبية لتلك الأدوية. إذن: فهذه حكمة؛ لأن الطبيب لا يكتب الدواء الواحد الذي قد يأتي منه أثر ضار، بل يكتب معه دواء يخفّف من ضرره، وهذه حكمة منه لأنه يعمل احتياطات لما قد ينشأ من ضرر أو أثر جانبي. وفي أوائل الخمسينات، حاول العلماء أن يقللوا من أثر تهديد الحشرات للزروع، واخترعوا مادة اسمها "د. د. ت" لمقاومة الحشرات، وافتخروا بهذا كل الفخر حتى علا كل صوت، وهذا لأن البشرية وصلت إلى مادة تقضي على الحشرات، ولكنهم اكتشفوا أن هذه المادة تضر الكائنات الحية الأخرى، والآن تُوقع العقوبة على من يستخدم تلك المادة؛ لأن ذلك عمل قد تم بغير حكمة. قد نأخذ منه ظاهر النفع، لكن له جوانب متعددة من الضرر، فقد سمّم الحيوانات وسمّم الزروع. إذن: فالحكمة تعني: أن تضع الشيء في موضعه؛ ليعطيك فائدة لا تحدث ضرراً فيما بعد. وقد أنزل الله المنهج في الكتاب ليقود حياتنا إلى كل صلاح. فإن طبقناه؛ فلسوف يأتي منه كل نفع، ولن يأتي لنا أي ضرر، وضربنا المثل في المعطيات التي أعطاها الحق لنا في الكون، فسبحانه خلق لنا الحيوانات؛ لنأخذ من لبنها، ونأخذ من أصوافها، ونأخذ من جلودها، ونأكل من لحومها. وهو القائل: {أية : وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ ...} تفسير : [النحل: 7]. أي: أنها ستعطينا درجة من الراحة، وإذا كان الإنسان قد اخترع أدوات أخرى تحمل عنا هذه المشقات، وتبلغنا غاياتنا بدون تعب؛ فهذه اختراعات تحقق مصلحة البشرية - وقد كانت البشرية تحمل أمتعتها فوق الحمار أو البغل - وقد صنع الإنسان هذه الاختراعات؛ فصارت عندنا السيارات الكبيرة التي تحمل أطناناً من المواد والمتاع، ولكن لم نلتفت إلى ما تحدثه من عوادم تسبب فساد الهواء، وتلوثه على عكس فضلات الحمار أو البغل، التي تفيد في خصوبة الأرض. إذن: فصناعة السيارات إن لم تتخلص من عيوب عوادمها بأسلوب ما، فهي اختراع بلا حكمة، ويجب البحث عن وسائل لإزالة أضرار احتراق الوقود، وبذلك نستفيد من سرعة السيارات، وقدرتها على حمل البضائع، ونتخلص مما تسببه من ضرر. وهكذا نعرف أن الحكمة هي: وضع الشيء في موضعه المفيد فائدة دائمة لا يأتي من بعدها ضرر. ولقائل أن يقول: وما معنى قول الحق: {ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} هل الكتاب بمفرده له حكمة؟ أم أن الحكيم هو من أنزل الكتاب؟ ونقول: إن معنى {ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} أنه الكتاب الذي يمتلئ بالحكمة الصادرة من الله، أو الكتاب الذي أنزله الرب الحكيم. وكلمة "حكيم" على وزن "فعيل"، ومثلها مثل "كريم" و "رحيم" وتأتي مرة بصيغة فاعل، ومرة بصيغة فعيل، وموضعها هو الذي يبين لنا ذلك. ومعنى كلمة "ٱلْحَكِيمِ" يتضح لنا من سياقها: فإن نسبت الأمر إلى الحكم فهو كتاب صادر من الحق سبحانه، وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم؛ والحاكم هو الذي يحكم في قضايا؛ ليبين وجه الحق فيها، والقرآن يحكم في كل قضايا الإيمان. وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي لا إله إلا الله. ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم، وسبحانه القائل: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. والقرآن يحسم هذه القضايا، وهو حاكم فاصل فيها. فإن قلت: "محكم" تكون قد نسبته لله، وإن قلت: "حاكم" فهو الفاعل وهو يحكم في قمة العقيدة "لا إله إلا الله"، وهي شهادة ذات لذات، وشهادة مشهد من الملائكة، وشهادة أدلة من الخلق: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ ...} تفسير : [آل عمران: 18]. وساعة يفصل القرآن في هذه القضية، فهو يحكم فيها حكماً عدلاً يبين وجه الحق في قمة العقائد. وهو حاكم في الأفعال؛ فيبين الحلال من الحرام ويضع حدّاً فاصلاً في الأحكام بين الحلال والحرام. وحاكم في الأخلاق. إذن: "حاكم" تعني ما بين وجه الحق فيما تتعارض فيه الآراء والأفكار والمعسكرات المتضاربة. و"حكيم": إما أن تكون بمعنى "فاعل" وإما أن تكون بمعنى (مفعول) ووقعت الحكمة من قائله عليه، فصار "محكماً"، وإن كانت كلمة الحكيم بمعنى فاعل تكون بمعنى "حاكم" وكلمة حاكم تدل على أن هناك فريقين: فريق يقول قضية، وفريق آخر يناقضه، فيأتي الحاكم؛ ليفصل بين الأمرين، وليعدل وينصف. وقد جاء القرآن هكذا: حاكماً في أمر القمة التي اختلف الخلق فيها؛ فمنهم من أنكر وجود إله وهم الملاحدة. ومنهم من قال: إن الإله هو غير الله، ومنهم من قال: الإله شريك لغيره، فجاء القرآن؛ ليفصل في هذه المسألة، وحكم فيها حكماً واضحاً، وبيَّن: يا من تقولون: لا إله؛ أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله غير الله؛ أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله له شركاء مع الله؛ أنتم كذابون، بل هو إله واحد، وهذا أول حكم في قضية القمة. وما دام الحكم في قضية القمة قد صح؛ إذن: فالاستقبال للمنهج سيكون واحداً، فلا آلهة متعددة يضارب هذا ذاك، أو يناقضه، بل هو إله واحد، يصدر عنه حكم واحد يحقق الوحدة في التكاليف للناس جميعاً، ويُخرج جميع الناس من أهوائهم إلى مراده هو سبحانه، ويكون القرآن حاكماً أيضاً في الأفعال، فقد يختلف الناس في تقييمهم لفعل واحد. فهذا يقول فعل حسن، وآخر يقول: فعل قبيح، ويحسم القرآن الأمر ويحدد الفعل الحسن؛ فيأمر به؛ ويحدد الفعل القبيح؛ فينهى عنه، ويبين القرآن لنا الحلال من الحرام. إذن: فالقرآن حكم في العقائد وفي الأفعال وفي ذوات الأشياء حلاّ وحُرْمة، وهو يحكم أيضاً في قضية هامة تلي قضية الحكم في قمة العقيدة، وهي صدق البلاغ عن الله، فهذا الرسول الذي يحمل البلاغ عن الله لا بد أن يكون صادقاً، وقد جاء القرآن بالحكم في هذه القضية بمعنى أنه قد جاء معجزاً، فإن لم تكونوا قد صدقتم بأن هذا رسول؛ فأتوا بمثل ما جاء به هذا الرسول. فإن عجزتم؛ فالرسول بنفسه يخبركم أن القرآن ليس من عنده، بل من عند خالقه وخالقكم. وسواء أكانت "حكيم" بمعنى "فاعل" أم بمعنى "مفعول" فقد دلتنا على أنها تعني وضع الأشياء في نصابها وضعاً يحقق النفع منها دائماً، ولا ينتج عنها ضارة أبداً. ثم يقول الحق بعد ذلك: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ...}.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {قَدَمَ صِدْقٍ} قال الليث: القدم السابقة قال ذو الرمة: شعر : وأنت امرؤٌ من أهل بيت ذُؤَابةٍ لهم قدمٌ معروفةٌ ومفاخر تفسير : وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو قدم وقال الأخفش: سابقة إِخلاص {يُدَبِّرُ} التدبير القضاء والتقدير على حسب الحكمة {ٱلْقِسْطِ} العدل {حَمِيمٍ} الحميم: الماء الحار الذي سخّن بالنار حتى انتهى حره {يُفَصِّلُ} التفصيل: التبيين والتوضيح {مَأْوَاهُمُ} مثواهم ومقامهم {طُغْيَانِهِمْ} الطغيان العلو والارتفاع {يَعْمَهُونَ} يتحيَّرون {خَلاَئِفَ} جمع خليفة وهو الذي يخلف غيره في شئونه. سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: لما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أنكرت الكفار وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً، أما وجد الله من يرسله إِلا يتيم أبي طالب؟ فأنزل الله {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ..} الآية. التفسِير: {الۤر} إِشارة إِلى أن هذا الكلام البليغ المعجز، مكوّن من جنس الأحرف التي يتكون منها كلامكم، فمن هذه الحروف وأمثالها تتألف آيات الكتاب الحكيم، وهي في متناول أيديهم ثم يعجزون عن الإِتيان بمثل آية واحدة منه {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} أي هذه آيات القرآن المُحْكم المبين الذي لا يدخله شك، ولا يعتريه كذب ولا تناقض {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} أي أكان عجباً لأهل مكة إِيحاؤنا إِلى رجلٍ منهم هو محمد عليه السلام؟ والهمزة للإِنكار أي لا عجب في ذلك فهي عادة الله في الأمم السالفة أوحى إِلى رسلهم ليبلغوهم رسالة الله {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أي أوحينا إِليه بأن خوِّف الكفار عذاب النار {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} أي وأنْ بَشّرِ المؤمنين بأنَّ لهم سابقةً ومنزلة رفيعة عند ربهم بما قدموا من صالح الأعمال {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} أي ومع وضوح صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإِعجاز القرآن، قال المشركون: إٍِنَّ محمداً لساحرٌ ظاهر السحر، مبطلٌ فيما يدَّعيه قال البيضاوي: وفيه اعترافٌ بأنهم صادفوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أموراً خارقة للعادة، معجزة إيّاهم عن المعارضة، وهو اعتراف من حيث لا يشعرون بأن ما جاء به خارجٌ عن طوق البشر {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي إنَّ ربكم ومالك أمركم الذي ينبغي أن تفردوه بالعبادة هو الذي خلق الكائنات في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، ولو شاء لخلقهنَّ في لمحة ولكنه أراد تعليم العباد التأني والتثبت في الأمور {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} استواءً يليق بجلاله من غير تكييفٍ، ولا تشبيه، ولا تعطيل قال ابن كثير: نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، وهو إِمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل، والمتبادر إِلى أذهان المشبِّهين منفيٌ عن الله، فإِن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، فقد سلك سبيل الهدى وقال أبو السعود: استوى على العرش على الوجه الذي عناه، وهو صفة له سبحانه بلا كيف، منزهاً عن التمكن والاستقرار، وهذا بيانٌ لجلالة ملكه وسلطانه، بعد بيان عظمة شأنه {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي يدبّر أمر الخلائق على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة قال ابن عباس: لا يشغله في تدبير خلقه أحد {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} أي لا يشفع عنده شافع يوم القيامة إِلا بعد أن يأذن له في الشفاعة، وفي هذا ردٌّ على المشركين في زعمهم أن الأصنام تشفع لهم {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي ذلكم العظيم الشأن هو ربكم وخالقكم لا ربَّ سواه، فوحّدوه بالعبادة {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تتعظون وتعتبرون؟ تعلمون أنه المتفرد بالخلق ثم تعبدون معه غيره {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} أي إِلى ربكم مرجعكم أيها الناس يوم القيامة جميعاً {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} أي وعداً من الله لا يتبدّل، وفيه ردٌّ على منكري البعث حيث قالوا {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية: 24] {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي كما ابتدأ الخلق كذلك يعيده {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي ليجزي المؤمنين بالعدل، ويوفّيهم أجورهم بالجزاء الأوفى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي والذين جحدوا بالله وكذبوا رسله {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي لهم في جهنم شرابٌ من حيمم، بالغ النهاية في الحرارة {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي ولهم عذاب موجع بسبب كفرهم وإِشراكهم قال البيضاوي: والآية كالتعليل لما سبق فإِنه لما كان المقصود من البدء والإِعادة مجازاة المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إِليه لا محالة {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} الآية للتنبيه على دلائل القدرة والوحدانية أي هو تعالى بقدرته جعل الشمس مضيئة ساطعة بالنهار كالسراج الوهّاج {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} أي وجعل القمر منيراً بالليل وهذا من كمال رحمته بالعباد، ولما كانت الشمس أعظم جرماً خُصَّت بالضياء، لأنه هو الذي له سطوعٌ ولَمعان قال الطبري: المعنى أضاء الشمس وأنار القمر {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي قدَّر سيره في منازل وهي البروج {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} أي لتعلموا أيها الناس حساب الأوقات، فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تُعرف الشهور والأعوام {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي ما خلق تعالى ذلك عبثاً بل لحكمة عظيمة، وفائدة جليلة {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يبيّن الآيات الكونيّة ويوضحها لقوم يعلمون قدرة الله، ويتدبرون حكمته قال أبو السعود: أي يعلمون الحكمة في إِبداع الكائنات، فيستدلون بذلك على شئون مبدعها جل وعلا {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أي في تعاقبهما يأتي الليل فيذهب النهار، ويأتي النهار فيذهب الليل {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي وما أوجد فيهما من أصناف المصنوعات {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} أي لآيات عظيمة وبراهين جليلة، على وجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته، لقومٍ يتقون الله ويخافون عذابه {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي لا يتوقعون لقاء الله أصلاً ولا يخطر ببالهم، فقد أعمتهم الشهوات عن التصديق بما بعد الممات {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} أي رضوا بالدنيا عوضاً من الآخرة، وآثروا الخسيس على النفيس {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} أي فرحوا بها وسكنوا إِليها {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} أي وهم عن الأدلة المنبثّة في صحائف الأكوان غافلون، لا يعتبرون فيها ولا يتفكرون {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} أي مثواهم ومقامهم النار {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي بسبب كفرهم وإِجرامهم، وبعد أن ذكر الله حال الأشقياء أردفه بذكر حال السعداء فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي يهديهم إِلى طريق الجنة بسبب إِيمانهم {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أي تجري من تحت قصورهم الأنهار أو من تحت أسرَّتهم وهم مقيمون في جنات النعيم {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} أي دعاؤهم في الجنة سبحانك اللهم وفي الحديث "حديث : يُلهمون التسبيح والتحميد كما تُلهمون النَّفس" تفسير : أي كلامهم في الجنة تسبيح الله {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أي وتحية بعضهم بعضاً سلامٌ عليكم كما تحيِّيهم بذلك الملائكة {أية : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم} تفسير : [الرعد: 23 - 24] {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي وآخر دعائهم أن يقولوا: الحمد لله ربّ العالمين {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ} قال مجاهد: هو دعاء الرجل على نفسه أو ولده إِذا غضب، اللهم أهلكْه، اللهم لا تبارك فيه قال الطبري: المعنى لو يعجل الله إِجابة دعاء الناس في الشر وفيما عليهم فيه مضرَّة، كاستعجاله لهم في الخير بالإِجابة إِذا دعوه به {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي لهلكوا وعُجِّل لهم الموت {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي فنترك المكذبين بلقائنا الذين لا يؤمنون بالبعث {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي في تمردهم وعتوهم يتردَّدون تحيراً والمعنى: نترك المجرمين ونمهلهم ونفيض عليهم النعم مع طغيانهم لتلزمهم الحجة {وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ} أي وإِذا أصاب الإِنسان الضرُّ من مرضٍ أو فقر أو نحو ذلك {دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} أي دعانا في جميع الحالات: مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً لكشف ذلك الضُر عنه {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} أي فلما أزلنا ما به من ضرّ استمرَّ على عصيانه، ونسي ما كان فيه من الجَهْد والبلاء أو تناساه، وهو عتابٌ لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية {كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي كما زُيّن لذلك الإِنسان الدعاء عند الضرِّ والإِعراضُ عند الرخاءِ، كذلك زُيّن للمسرفين المتجاوزين الحد في الإِجرام، ما كانوا يعملون من الإِعراض عن الذكر، ومتابعة الشهوات {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ} أي ولقد أهلكنا الأمم من قبلكم أيها المشركون لما كفروا وأشركوا وتمادَوا في الغيِّ والضلال {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي جاءوهم بالمعجزات الباهرة التي تدل على صدقهم {وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} أي وما آمنوا بما جاءتهم به الرسل، أي أنهم ظلموا وما آمنوا فكان سبب إِهلاكهم شيئان: ظلمهم، وعدم إِيمانهم {كَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} أي مثل ذلك الجزاء - يعني الإِهلاك - نجزي كل مجرم، وهو وعيدٌ لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} أي ثم استخلفناكم في الأرض يا أهل مكة من بعد إِهلاك أولئك القرون، التي تسمعون أخبارها وتشاهدون آثارها {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} أي لننظر أتعملون خيراً أم شراً فنجازيكم على حسب عملكم قال القرطبي: والمعنى: يعاملكم معاملة المختبر إِظهاراً للعدل وقال في التسهيل: معناه ليظهر في الوجود عملكم فتقوم عليكم به الحجة والغرض أن الله تعالى عالمٌ بأعمالهم من قبل ذلك ولكن يختبرهم ليتبيَّن في الوجود ما علمه تعالى أزلاً {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإِذا قرئت على المشركين آيات القرآن المبين، حال كونها واضحات لا لَبْس فيها ولا إِشكال {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} أي قال الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، ولا يرجون الأجر والثواب {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ} أي ائت يا محمد بكتابٍ آخر غير هذا القرآن، ليس فيه ما نكرهه من عيب آلهتنا، وتسفيه أحلامنا، {أَوْ بَدِّلْهُ} بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، ومكان سب آلهتنا مدحهم، ومكان الحرام حلالا، وإِنما قالوه على سبيل الاستهزاء والسخرية قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين بالقرآن من أهل مكة قالوا يا محمد: ائتنا بقرآن غير هذا فيه ما نسألك {قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} أي قل لهم يا محمد ما ينبغي ولا يصح لي أن أغيّر أو أبدّل شيئاً من قبل نفسي {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} أي لا أتّبع إِلا ما يوحيه إِليَّ ربي، فأنا عبد مأمور، ورسولٌ مبلِّغ، أبلغكم رسالة الله {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} أي إِني أخشى إِن خالفت أمره، وبدَّلتُ وحيه، عذاب يومٍ شديد الهَوْل هو يوم القيامة، وهذا كالتعليل لما سبق {قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} أي قل لهم يا محمد لو شاء الله ما تلوتُ هذا القرآن عليكم، وما تلوته إِلا بمشيئته تعالى، لأنه من عنده وما هو من عندي {وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ} أي ولا أَعلَمكم به على لساني {فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ} أي فقد مكثتُ بين أظهركم زمناً طويلاً، مدة أربعين سنة من قبل القرآن لا أعلمه أنا ولا أتلوه عليكم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر لتعلموا أنَّ مثل هذا الكتاب المعجز ليس إِلا من عند الله؟ قال الإِمام الفخر: إِن الكفار شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أول عمره إِلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله، وأنه ما طالع كتاباً، ولا تتلمذ لأستاذ، ولا تعلَّم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة جاءهم بهذا الكتاب العظيم، المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء، والبلغاء، وكلُّ من له عقل سليم يعلم أن مثل هذا لا يكون إِلا على سبيل الوحي والتنزيل {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} استفهام انكاري بمعنى النفي أي لا أحد أظلم ممن اختلق على الله الكذب والمقصود منه نفي الكذب عن مقامه الشريف صلى الله عليه وسلم حيث زعم المشركون أن هذا القرآن من صنع محمد {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} أي كذّب بالحق الذي جاءت به الرسل {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي لا يفوز بالسعادة من ارتكب الإِجرام وكذّب الرسل الكرام {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} بيانٌ لقبائح المشركين أي ويعبدون الأوثان التي هي جمادات لا تقدر على جلب نفعٍ أو دفع ضر {وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} أي يزعمون أن الأصنام تشفع لهم مع أنها حجارة لا تبصر ولا تسمع {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}؟ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين أتخبرون الله تعالى بشريكٍ أو شفيعٍ كائنٍ في السماوات أو الأرض لا يعلمه جلَّ وعلا، وهو علاّم الغيوب الذي أحاط علمه بجميع الكائنات؟ والاستفهام للتهكم والهزء بهم {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزّه الله وتقدَّس عما يقول الظالمون، وينسبه إِليه المشركون {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ} أي وما كان الناس إِلا على دين واحد هو الإِسلام من لدن آدم إِلى نوح فاختلفوا في دينهم وتفرقوا شيعاً وأحزاباً قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلُّهم على الإِسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس وعُبدت الأوثان والأصنام فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} أي ولولا قضاء الله بتأخير الجزاء إِلى يوم القيامة {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي لعُجِّل عقابهم في الدنيا باختلافهم في الدين {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} أي ويقول هؤلاء الكفرة المعاندون هلاّ أنزل على محمد معجزة من ربه كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد {فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ} أي قل لهم أمر الغيب لله وحده ولا يأتي بالآيات إِلا هو وإِنما أنا مبلّغ {فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ} أي فانتظروا قضاء الله بيننا فأنا ممن ينتظر ذلك. البَلاَغَة: 1- {ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} فعيل بمعنى مفعول أي المُحْكم الذي لا يتطرق إِليه الفساد ولا يعتريه الكذب والتناقض. 2- {أَنذِرِ.. وَبَشِّرِ} بينهما طباقٌ. 3- {قَدَمَ صِدْقٍ} كناية عن المنزلة الرفيعة، والعبارةُ غايةٌ في البلاغة لأن بالقدم يكون السبق والتقدم، كما سميت النعمة يداً لأنها تُعطى بها. 4- {يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بين كلمتي البدء والإِعادة طباقٌ. 5- {لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} فيه التفاتٌ مع الإِضافة إِلى ضمير الجلالة لتعظيم الأمر وتهويله. 6- {ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْر} أي كاستعجالهم أو مثل استعجالهم بالخير ففيه تشبيه مؤكد مجمل، وبين الشر والخير طباقٌ. 7- {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} في الكلام استعارة تمثيلية حيث شبّه حال العباد مع ربهم بحال رعية مع سلطانها في إِمهالهم للنظر في أعمالهم، واستعير الاسم الدال على المشبَّه به للمشبَّه على سبيل التمثيل والتقريب، ولله المثل الأعلى. 8- {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ. فَائِدَة: قال السيوطي في قوله تعالى {جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً} إِن هذه الآية أصلٌ في علم المواقيت، والحساب، والتاريخ، ومنازل القمر. لطيفَة: قال الحافظ ابن كثير: من قال مقالة صادقاً أو كاذباً فلا بدَّ أن يُنْصَب عليه من الأدلة على برِّه أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإِن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين الضحى وحنْدس الظلماء، قال عبد الله بن سلام: حديث : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس (أي تفرق اليهود عنه) فكنت فيمن انجفل، فلما رأيتُه عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" تفسير : فقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى من الدلائل قال حسان: شعر : لو لم تكن فيه آياتٌ مبيِّنةٌ لكان منظرهُ يُنْبيك بالخبر

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} هذه السورة مكية إلا ثلاث آيات فيها نزلت بالمدينة وهي: فإِن كنت في شك إلى آخرهن، قاله ابن عباس. وسبب نزولها أن أهل مكة قالوا: لم يجد الله رسولاً إلا يتيم أبي طالب. فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما أنزل: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ} تفسير : [التوبة: 124، 127]، وذكر تكذيب المنافقين، ثم قال: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ} تفسير : [التوبة: 128]، وهو محمد صلى الله عليه وسلم اتبع ذلك بذكر الكتاب الذي أنزل والنبي الذي أرسل وانّ ديدن الظالمين واحد منافقيهم ومشركيهم في التكذيب بالكتب الإِلهية وبمن جاء بها، ولما كان ذكر القرآن مقدماً على ذكر الرسول في آخر السورة جاء في أول هذه السورة كذلك، فتقدم ذكر الكتاب على ذكر الرسول. والظاهر أن تلك باقية على موضوعها من استعمالها لبعد المشار إليه. وقال مجاهد وقتادة: أشار بتلك إلى الكتب المتقدمة من التوراة والإِنجيل والزبور، فتكون الآيات القصص التي وصفت في تلك الكتب. وقال الزجاج: إشارة إلى آيات القرآن التي جرى ذكرها. والهمزة في: {أَكَانَ لِلنَّاسِ} للاستفهام على سبيل الإِنكار لوقوع العجب من الإيحاء إلى بشر منهم بالإِنذار والتبشير أي لا عجب في ذلك فهي عادة الله في الأمم السالفة أوحى إلى رسلهم الكتب بالتبشير والإِنذار على أيدي من اصطفاه منهم. واسم كان انا أوحينا. وعجباً: الخبر، وللناس قيل: هو في موضع الحال من عجباً لأنه لو تأخر لكان صفة، فلما تقدم كان حالاً. وقيل: يتعلق بقوله: عجباً وليس مصدراً بل هو بمعنى معجب. والمصدر إذا كان بمعنى المفعول جاز تقدم معموله عليه كاسم المفعول. وقيل: هو تبيين أي أعني للناس. وقيل: يتعلق بكان وإن كانت ناقصة وهذا لا يتم إلا إذا قدرت دالة على الحدث فإِنها ان تمحضت للدلالة على الزمان لم يصح تعلق بها. وقرأ عبد الله عجب فقيل: عجب اسم كان، وإن أوحينا هو الخبر، فيكون نظير قوله: شعر : يكون مزاجها عسل وماء تفسير : وهذا محمول على الشذوذ، وهذا تخريج الزمخشري وابن عطية وقيل: كان تامة، وعجب فاعل بها، والمعنى أحدث للناس عجب لأن أوحينا وهذا التوجيه حسن. و {أَنْ أَنذِرِ} إنْ تفسيرية أو مصدرية مخففة من الثقيلة، وأصله انه أنذر الناس على معنى ان الشأن قولنا أنذر الناس، قالهما الزمخشري ويجوز أن تكون ان المصدرية الثنائية الوضع المخففة من الثقيلة لأنها توصل بالماضي والمضارع والأمر، فوصلت هنا بالأمر وينسبك منها معه مصدر تقديره بإِنذار الناس، وهذا الوجه أولى من التفسيرية لأن الكوفيين لا يثبتون لأن أن تكون تفسيرية، ومن المصدرية المخففة من الثقيلة المقدر حذف اسمها وإضمار خبرها وهو القول، فيجتمع فيها حذف الاسم والخبر ولأن التأصيل خير من دعوى الحذف بالتخفيف. و{قَدَمَ صِدْقٍ} قال ابن عباس وغيره: هي الأعمال الصالحة من العبادات. {عِندَ رَبِّهِمْ} سابقة وفضلاً ومنزلة رفيعة، ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدماً كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد. {إِنَّ هَـٰذَا} هذا إشارة إلى الإِيحاء بالإِنذار والتبشير. {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} لشىء يعلل به وهو شىء لا حقيقة له، كما قال: شعر : ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : أي نعلل بهما.

الجيلاني

تفسير : {الۤر} أيها الإنسان اللبيب، الرشيد، اللائق للرسالة العامة، والرئاسة الكلية الكاملة الشاملة على كافة البرايا {تِلْكَ} الآيات المنزلة في هذه السورة {آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} [يونس: 1] أي: بعض آيات الكتاب الإلهي الذي هو حضرة علمه ولوح قضائه، ناطقة بالصدق والصواب على مقتضى الحكمة المتقنة الإلهية، نازلة من عنده، لتصديقك وتأييدك يا أكمل الرسل في تبشيراتك وإنذاراتك، ونبوتك ورسالتك وإرشادك لأهل الغي والضلال. {أَكَانَ لِلنَّاسِ} الناسين بطلان هوياتهم {عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ} ألهمنا من محض فضلنا وجودنا {إِلَىٰ رَجُلٍ} ناشئ {مِّنْهُمْ} وظهر من جنسهم وبني نوعهم {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} المنهمكين في الغي والضلال بمقتضى أهوية هوياتكم الباطلة، وماهياتهم العاطلة، تعجباً ناشئاً عن محض الغفلة والنسيان، والإعراض عن الحق، والانحراف عن طريق التوحيد وجادة الإسلام {وَبَشِّرِ} منهم أهل المحبة والولاء؛ يعني: {ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} وأيقنوا برسالتك وإرشادك بوحدة ذات الحق واستقلاله في الوجود، وما يترفع عليه من الأسماء والصفات، والآثار المترتبة عليها، والشئون المتجددة بها {أَنَّ لَهُمْ} أي: بأن لهم {قَدَمَ صِدْقٍ} أي: إقدام صادق، وقدم راسخ ثابت في جادة التوحيد، وإرادة خالصة. وصاروا {عِندَ رَبِّهِمْ} من السابقين المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثم لمَّا ظهر أمر الرسالة وعلا قدره، وشاع دينه وكثر أتباعه {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ} المصرون على الشرك والفساد من خبث طينتهم، وشدة بغضهم وشكيمتهم بعدما أبصروا منه خوارق عجزوا عنها، سيما القرآن الكامل في الإعجاز البالغ أعلى مراتب البلاغة: {إِنَّ هَـٰذَا} المدعي للنبوة والرسالة {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2] ظاهر متفرد في فن السحر، وحيد في عصره فيه، ومن قرأ السحر أراد به القرآن المعجز لجمهور البلغاء مع توفر دواعيهم في معارضته، وصاروا من عجزهم بحيث لم يقدروا على إتيان أقصر آية منه. وكيف يعارضون مع رسوله والكتاب المنزل من عنده سبحانه؟! {إِنَّ رَبَّكُمُ} أيها المؤمنون {ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ} أي: قدر ببسط عكوس أسمائه، ومد أظلال أوصافه {ٱلسَّمَاوَاتِ} أي: العلويات التي هي الأعيان الثابتات {وَٱلأَرْضَ} أي: عالم الطبيعة القابلة للانعكاس منها {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي: ستة جهات؛ إذ يتوهم الامتداد والأبعاد، والأقطار فيها {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ} بلا توهم التراخي والزمان والمهلة، على ما يقتضيه لفظه "ثم"، "بل" بلا أين وكيف وكم؟. {عَلَى ٱلْعَرْشِ} المعروش المبسوط من انعكاس أسمائه وأوصافه {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي: الحوادث الكائنة بالاستقلال {مَا مِن شَفِيعٍ} من المظاهر والمصنوعات {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} وإمضاء مشيئته، وإنفاذ قضائه {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ} أي: الموصوف المتفرد، المتوحد في ذاته بالألوهية، المستقل في آثاره وتدبيراته بالربوبية {رَبُّكُمْ} أي: مربيكم وموجودكم {فَٱعْبُدُوهُ} حق عبادته حتى تعرفوه حق معرفته {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3] وتتفكرون وحدة ذاته، وعظمة أسمائه وصفاته أيها العقلاء المجبولون على التفكر والتذاكر في آلاء الله ونعمائه؟!. وكيف لا تتفكرون آلاءه؛ إذ {إِلَيْهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا غير معه سبحانه في الوجود {مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} كما وعدكم بقوله: {أية : ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ}تفسير : [يونس: 23]، {أية : إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ}تفسير : [الغاشية: 25]، {أية : وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}تفسير : [الأنبياء: 35] إلى غير ذلك من الآيات. {وَعْدَ ٱللَّهِ} الذي لا يخلف ميعاده أصلاً { حَقّاً} ثابتاً لازماً بلا تغيير وتبديل، وكيف لا يكون وعده حقاً؛ إذ هو قادر على جميع المقدورات والمرادات، ومن كمال قدرته {إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ} ويظهره من العدم إظهاراً إبداعياً بلا سبق مادة ومدة، ثم يعدمه؛ إظهاراً لقدرته أيضاً {ثُمَّ يُعِيدُهُ} في النشأة الأخرى لإظهار أسرار تكليفاته التي كلف بها عباده في النشأة الأولى {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيده، وصدقوا رسله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة من عنده بألسنة كتبه ورسله {بِٱلْقِسْطِ} والعدل القويم، وتفضل على من تفضل عنايته منه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وأشركوا له شيئاً من مظاهر {لَهُمْ} في يوم العرض والجزاء، بعدما يحاسبوا {شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} بدل ما يتلذذون بالأشربة المحرمة في النشأة الأولى {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 4] بالله، ويكذبون رسله؛ عناداً وإصراراً، وكيف يكفرون بالله أولئك الحمقى، العمي، الهالكون في تيه الغفلة الضلال، وظلمة الجهل وسوء الفعال؟!.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} [يونس: 1] إلى قوله: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2] اعلم أن في قوله: {الۤر} إشارتين: إشارة من الحق للحق وإلى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى، وإشارة من الحق لنبيه وإليه صلى الله عليه وسلم، فالأولى قسم منه تعالى يقول: بالآئي عليك في الأزل وأنت في العدم، وبلطفي معك في الوجود ورحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد، والثانية قسم منه يقول: بأنسك معي حين خلقت روحك أول شيء خلقته، فلم يكن معنا ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به في العدم حين دعوتك للخروج منه فخاطبتك، وقلتُ يا سين أي يا سيد قلتَ لبيك وسعديك إشارتين: إشارة من الحق للحق إلى عبده المصطفى وحبيبه المجتبى، وإشارة مني: والخير كله في يديك وبرجوعك منك إلي حين قلت لنفسك: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]. {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْحَكِيمِ} [يونس: 1] إن هذه الآيات المنزلة عليك تلك آيات الكتاب الحكيم الذي وعدتك في الأزل وأورثته لك ولأمتك، وقلت ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عندنا فاختص هذا الكتاب بأن يكون حكيماً من سائر الكتب؛ أي: حاكماً يحكم على الكتب كلها بتبديل الشرائع والنسخ ولا يحكم عليه كتاب أبداً، واختص هذه الأمة بالاصطفاء من بين سائر الأمم وأورثهم هذا الكتاب، ومعنى الوراثة: أن يكون في الباقي هذه الأمة يرثه بعضهم من بعض إلى قيام الساعة، ولا ينسخه كتاب كما نسخ هو جميع الكتب فسماه حكيماً أيضاً؛ لأنه أودع الله الحكم فيها كلها كقوله تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59] أي: ولا رطب من الحِكَم القديمة، ولا يابس من الأحكام المحدثة إلا في القرآن وهو بيان لمن أراد الله براياتها. {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} [يونس: 2] يشير إلى أنهم يتعجبون من إيجائنا إلى محد صلى الله عليه وسلم لأنه كان رجلاً منهم، وفيه رأينا رجوليته قبل الوحي وتبليغ الرسالة من بينهم، ولهذا السر ما أوحي إلى امرأة بالنبوة قط، وفيه إشارة {أَكَانَ لِلنَّاسِ} أي: للناس أيام الله قبل أيام الدنيا عجباً، {أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} [يونس: 2] أي: الناسي الذي نسى عهدي الذي عهدته إليه، {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [يونس: 2] أي: كانوا مقربين ذاكرين بذلك العهد ولم ينقضوا عهدي وما نسوا، {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2] بأن خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم وهو سيد في عالم الأرواح بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ}تفسير : [الأحزاب: 45] أي: من كتم العدم إلى الوجود شاهد؛ أي: كنت أول من خرج من العدم إلى الوجود شاهد كلي يخرج من العدم إلى الوجود، فتعرف المقبولين من المردودين ومبشراً للمقبولين بأنَّ له قدم صدق من العناية الأزلية عند ربهم في الأزل ونذيراً للمردودين، وإن كان {أية : وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}تفسير : [يس: 10] وداعياً إلى الله بإذنه. وهذه الدعوى إلى الله تعالى مخصوص بها إليه صلى الله عليه وسلم وأمته، وهذه من حملة القدم الصادقة لهذه الأمة عند ربهم {أية : وَسِرَاجاً مُّنِيراً}تفسير : [الأحزاب: 46] أي: ليهتدوا بك إلى الله؛ المعنى: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مخاطباً بالنبوة في عالم الأرواح؛ ولهذا قال: "حديث : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين"،تفسير : والتبشير والإنذار والدعوة والأرواح كانت مستمعة بخطاب الحق، كما سمعوا خطاب: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، والآن في عالم الصورة من كامن المؤمنين المقبولين لا يتعجب من تجديد ذلك الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن روحه من الذاكرين المقربين لا من الناسين المنكرين؛ ولكن من كان من الكافرين المردودين، فقد نسى روحه ذلك العهد فلا بدَّ له من التعجب والإنكار. {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2] المسحورون فقد سحرهم سحرة صفات فرعون النفس، فجعلوهم {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 171]. ثم أمر عن الانتفاع بربويته مودعاً في عبوديته بقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} [يونس: 3] الآيتين: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي} أي: مربيكم ومدر أموركم الذي {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} في عالم الصورة وهو العالم الأكبر، {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} من الأنواع ألست وهي: الأفلاك والكواكب والعناصر والحيوان والنبات والجماد. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} [يونس: 3] والعرش جسماني روحاني ذو جهتين: جهة منة تلي العالم الروحاني، وجهة منه تلي العالم الجسماني {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} [يونس: 3] لفيضان فيض الرحمانية على العرش، فإنه أول قابض لفيض الرحمانية، وهذا أحد تفاسير {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5]، ثم من العرش ينقسم الفيض، فإنه مقسم الفيض فيجري في مجاري جعلها الله من العرش إلى ما دونه من المكونات، وأنواع المخلوقات فبذلك الفيض تدور الأفلاك كما تدور الرحى بالماء به تؤثر الكواكب، وبه تولد العناصر وتظهر خواصه، وبه يتولد الحيوان ذا حس وحركة، وبه ينبت النبات ذا حركة بلا حس، وبه تغير المعادن بلا حس ولا حركة، وفيه إشارة أخرى. {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي} يربيكم هو الذي {خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} سماوات أرواحكم {وَٱلأَرْضَ} أرض نفوسكم في عالم المعنى، وهو العالم الأصغر {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي: من ستة أنواع وهي الروح والقلب والعقل والنفس التي هي الروح الحيوانية والنفس النباتية التي هي النامية وخواص المعادن، وهي في الإنسان قوة قابلة لتغير الأحوال والأوصاف والألوان. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} على عرش القلب {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أمر السعادة والشقاوة ويهيئ أسبابهما من الأخلاق والأحوال والأعمال والأفعال والأقوال والحركات والسكنات، وإلى هذا يشير قوله: "حديث : قلوب العباد يبدي الله يقلبها كيف يشاء ". تفسير : {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3] يُشير إلى أن الله تعالى خلق العالمين الأكبر والأصغر على قوانين حكمته البالغة، وهو الذي يعلم صلاح العالمين وفسادهما يدبر فيهما كما قدر في الأزل، فلا مساغ لأحد أن يرى فيهما مصلحة دون ما رآه الله، فيشفع الله تعالى في تبديل شيء مما قدر ودبر، فإنه {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}تفسير : [الروم: 30] وبالأخذ شمول نظر أن يرى ما يرى الله تعالى في مصلحة تدبير العالمين ولا مصلحة نفسه، كما قال الله تعالى: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الكهف: 51] إلا من بعد أن يأذن الله تعالى، يأذن له في الشفاعة فيما اقتضت الحكمة الأزلية تبديله بواسطة شفاعته، {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} [يونس: 3] أي: هو ربكم الذي قال لكم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] يوم الميثاق، قلتم: {بَلَىٰ} وعهد إليكم {أية : أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}تفسير : [يس: 60] {فَٱعْبُدُوهُ} [يونس: 3] أي: فاعبدوه ووحدوه ولا تعبدوا غيره كما عهد إليكم، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3] أي: أفلا تذكرون ذلك العهد والميثاق الذي جرى بيننا، {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [يونس: 4] أي: جرى الميثاق على أن يكون رجوع القبول والمردود إلى حضرته: فأمَّا المقبول: فرجوعه إليه بجذبات العناية التي صورتها خطاب: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]. وحقيقتها: انجذاب القلب إلى الله نقاء. ونتيجتها: غروب النفس عن الدنيا، واستواء الذهب والدر عندها، وانزعاج القب عمَّا سوى الله تعالى، واستغراق الروح في بحر الشوق والمحبة، والبترؤ عمَّا سوى الله، وهيمان السر وحيرته في شهود الحق ورجوعه عن الخلق. وأمَّا المردود: فرجوعه بغير اختياره مغلولاً بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار على وجوههم وهي صورة صفة قهر الله، ومن نتائج قهر الله تعلقاته بالدنيا وما فيها، واستيلاء صفات النفس عليه من الحرص والبخل والأمل والكبر والغضب والشهوة والحسد والحقد والعداوة والشره، فإن كل واحدة منهما حلقة تلك السلاسل وغل من الأغلال يسحبون إلى النار. {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} [يونس: 4] أي: وعده بالرجوع إليه لجميع الخلائق حق وصدق، {إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس: 4] يشير إلى أن الله تعالى إنما خلق الخلق ابتداء، وأجرى عليه الأعمال والأحوال في الدنيا من الخير؛ ليعيدهم في الآخرة بعد إفنائهم، فإن الدنيا مرزعة الآخرة وليحصدوا فيها ما زرعوه في الدنيا، فمن زرع الخير يحصد السلامة، ومن زرع الشر يحصد الندامة. كما قال الله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 7] وهذا معنى قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} [يونس: 4] أي: الميزان والعدل والحساب فجر الإيمان بقسط الإيمان؛ أي: بوزنه وحسب كماله ونقصانه، وجزاء العمل ببسط صدق العبد وإخلاصه وقلة العمل وكثرته: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [يونس: 4] أي: أعرضوا عن الحق وطلبه والإيمان ومتابعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 4] أي: بجزاء ما كانوا يكفرون، وأيضاً بقدر ما كانوا يكفرون بنعم الله، ويصرفون في مخالفته وموافقة النفس والهوى. ثم أخبر عن قدرته الكاملة ونعمه الشاملة بقوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} [يونس: 5] إلى قوله: {أية : رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [يونس: 10]. إشارة فيها أن الله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} أي: جعل الروح ضياء يستنير به قمر القلب، كما قال الله تعالى: {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} [يونس: 5] فاعلم أن الله تعالى خلق الروح نورانياً له ضياء كالشمس، وخلق القلب صافياً كالقمر قابلاً للنور والظلمة، وخلق النفس ظلمانية كالأرض، فيها وقع قمر القلب في مواجهة شمس الروح يتنور بضيائها، ومهما وقع في مقابلة أرض النفس ينعكس فيها ظلمتها، وسمي القلب قلباً لمعنيين: أحدهما: إنه خلق بين الروح والنفس فهو قلبهما. والثاني: كقلب أحواله تارة يكون نورانياً؛ لقبول فيض الروح، وتارة يكون ظلمانياً؛ لقبول ظلمة النفس، وفيه إشارة أخرى وهي: أن الشمس على صفات الربوبية ضياء يتنور به قمر القلب فيكون على نور من ربه. {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} [يونس: 5] أي: لذلك النور في القلب مراتب إن كان من ضياء شمس الروح فله مراتب الأخلاق الرحمانية، وإن كان من ضياء شمس تجلي صفات الربوبية فله منازل العبودية من الزهد والتوكل واليقين والصدق والإخلاص، {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} [يونس: 5] أي: عدد سنين المقامات وحسنات الكشوف والمشاهدات، فإن مراتب أنواع المقامات بحسب الكشوف والمشاهدات للإسلام نور ينشرح به صدر المسلم، وللإيمان نور يتنور به قلب المؤمن، وللإحسان نور يتنور به سر المحسن للكشوف وهو الولي، وللنبوة نور يتجلى به روح النبي صلى الله عليه وسلم، وللرسالة نور يتجوهر به ذات الرسول، وهذه الأنوار كلها من صفات الله تعالى فكل يشاهد بحسب نوره من هذه الأنواع، ويكاشف له الحقائق والأسرار. {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40]، {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}[يونس: 5] أي: ما خلق هذه المراتب والدرجات والمقامات في الظاهر والباطن إلا لتبين الحق وإظهار الحقيقة، كما قال الله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [فصلت: 53]. {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} [يونس: 5] أي: يبينها، {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5] يفهمون إشاراتنا.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } وهو هذا القرآن، المشتمل على الحكمة والأحكام، الدالة آياته على الحقائق الإيمانية والأوامر والنواهي الشرعية، الذي على جميع الأمة تلقيه بالرضا والقبول والانقياد. ومع هذا فأعرض أكثرهم، فهم لا يعلمون، فتعجبوا { أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ } عذاب الله، وخوفهم نقم الله، وذكرهم بآيات الله. { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا } إيمانا صادقا { أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } أي: لهم جزاء موفور وثواب مذخور عند ربهم بما قدموه وأسلفوه من الأعمال الصالحة الصادقة. فتعجب الكافرون من هذا الرجل العظيم تعجبا حملهم على الكفر به، فـ { قَالَ الْكَافِرُونَ } عنه: { إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } أي: بين السحر، لا يخفى بزعمهم على أحد، وهذا من سفههم وعنادهم، فإنهم تعجبوا من أمر ليس مما يتعجب منه ويستغرب، وإنما يتعجب من جهالتهم وعدم معرفتهم بمصالحهم. كيف لم يؤمنوا بهذا الرسول الكريم، الذي بعثه الله من أنفسهم، يعرفونه حق المعرفة، فردوا دعوته، وحرصوا على إبطال دينه، والله متم نوره ولو كره الكافرون.