Verse. 1366 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَــبًا اَنْ اَوْحَيْنَاۗ اِلٰى رَجُلٍ مِّنْھُمْ اَنْ اَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اَنَّ لَھُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّہِمْ۝۰ۭؔ قَالَ الْكٰفِرُوْنَ اِنَّ ھٰذَا لَسٰحِرٌ مُّبِيْنٌ۝۲
Akana lilnnasi AAajaban an awhayna ila rajulin minhum an anthiri alnnasa wabashshiri allatheena amanoo anna lahum qadama sidqin AAinda rabbihim qala alkafiroona inna hatha lasahirun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أكان للناس» أي أهل مكة، استفهام إنكار والجار والمجرور حال من قوله «عَجبا» بالنصب خبر كان، وبالرفع اسمها والخبر وهو اسمها على الأولى «أن أوحينا» أي إيحاؤنا «إلى رجل منهم» محمد «أن» مفسرة «أنذر» خوِّف «الناس» الكافرين بالعذاب «وبشر الذين آمنوا أن» أي بأن «لهم قدم» سلف «صدق عند ربهم» أي أجرا حسناً بما قدموه من الأعمال «قال الكافرون إن هذا» القرآن المشتمل على ذلك «لَسِحْرٌ مبين» بيِّن، وفي قراءة لَساحرٌ، والمشار إليه النبي.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: أن كفار قريش تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً بالرسالة والوحي، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك التعجب. أما بيان كون الكفار تعجبوا من هذا التخصيص فمن وجوه: الأول: قوله تعالى: { أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وٰحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ ءالِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْء يُرَادُ } تفسير : [ص:5، 6] وإذا بلغوا في الجهالة إلى أن تعجبوا من كون الإله تعالى واحداً، لم يبعد أيضاً أن يتعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً بالوحي والرسالة! والثاني: أن أهل مكة كانوا يقولون: إن الله تعالى ما وجد رسولاً إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب! والثالث: أنهم قالوا: { أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] وبالجملة فهذا التعجب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يتعجبوا من أن يجعل الله بشراً رسولاً، كما حكى عن الكفار أنهم قالوا: { أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94] والثاني: أن لا يتعجبوا من ذلك بل يتعجبوا من تخصيص محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي والنبوة مع كونه فقيراً يتيماً، فهذا بيان أن الكفار تعجبوا من ذلك. وأما بيان أن الله تعالى أنكر عليهم هذا التعجب فهو قوله في هذه الآية: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ } فإن قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإنكار، لأن يكون ذلك عجباً. وإنما وجب إنكار هذا التعجب لوجوه: الأول: أنه تعالى مالك الخلق وملك لهم والمالك والملك هو الذي له الأمر والنهي والإذن والمنع. ولا بد من إيصال تلك التكاليف إلى أولئك المكلفين بواسطة بعض العباد. وإذا كان الأمر كذلك كان إرسال الرسول أمراً غير ممتنع، بل كان مجوزاً في العقول. الثاني: أنه تعالى خلق الخلق للاشتغال بالعبودية كما قال: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وقال: { أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ } تفسير : [الإنسان: 2] وقال: { أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبّهِ فَصَلَّىٰ } تفسير : [الأعلى: 14، 15] ثم إنه تعالى أكمل عقولهم ومكنهم من الخير والشر، ثم علم تعالى أن عباده لا يشتغلون بما كلفوا به، إلا إذا أرسل إليهم رسولاً ومنبهاً. فعند هذا يجب وجوب الفضل والكرم والرحمة أن يرسل إليهم ذلك الرسول، وإذا كان ذلك واجباً فكيف يتعجب منه. الثالث: أن إرسال الرسل أمر ما أخلى الله تعالى شيئاً من أزمنة وجود المكلفين منه، كما قال: { أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } تفسير : [يوسف: 109] فكيف يتعجب منه مع أنه قد سبقه النظير، ويؤكده قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [الأعراف: 59] وسائر قصص الأنبياء عليهم السلام. الرابع: أنه تعالى إنما أرسل إليهم رجلاً عرفوا نسبه وعرفوا كونه أميناً بعيداً عن أنواع التهم والأكاذيب ملازماً للصدق والعفاف. ثم إنه كان أمياً لم يخالط أهل الأديان، وما قرأ كتاباً أصلاً ألبتة، ثم إنه مع ذلك يتلو عليهم أقاصيصهم ويخبرهم عن وقائعهم، وذلك يدل على كونه / صادقاً مصدقاً من عند الله، ويزيل التعجب، وهو من قوله: { أية : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلامّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ } تفسير : [الجمعة: 2] وقال: { أية : وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَـٰبٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } تفسير : [العنكبوت: 48] الخامس: أن مثل هذا التعجب كان موجوداً عند بعثة كل رسول، كما في قوله: { أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } تفسير : [لأعراف: 65] { أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا } تفسير : [الأعراف: 73] إلى قوله: { أية : أوعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنْكُمْ } تفسير : [الأعراف: 63] السادس: أن هذا التعجب إما أن يكون من إرسال الله تعالى رسولاً من البشر، أو سلموا أنه لا تعجب في ذلك، وإنما تعجبوا من تخصيص الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام بالوحي والرسالة. أما الأول: فبعيد لأن العقل شاهد بأن مع حصول التكليف لا بد من منبه ورسول يعرفهم تمام ما يحتاجون إليه في أديانهم كالعبادات وغيرها. وإذا ثبت هذا فنقول: الأولى أن يبعث إليهم من كان من جنسهم ليكون سكونهم إليه أكمل والفهم به أقوى، كما قال تعالى: { أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] وقال: { أية : قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 95]. وأما الثاني: فبعيد لأن محمداً عليه الصلاة والسلام كان موصوفاً بصفات الخير والتقوى والأمانة، وما كانوا يعيبونه إلا بكونه يتيماً فقيراً، وهذا في غاية البعد، لأنه تعالى غني عن العالمين فلا ينبغي أن يكون الفقر سبباً لنقصان الحال عنده، ولا أن يكون الغنى سبباً لكمال الحال عنده. كما قال تعالى: { أية : وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ } تفسير : [سبأ: 37] فثبت أن تعجب الكفار من تخصيص الله تعالى محمداً بالوحي والرسالة كلام فاسد. المسألة الثانية: الهمزة في قوله: {أَكَانَ } لإنكار التعجب ولأجل التعجيب من هذا التعجب و {أَنْ أَوْحَيْنَا } اسم كان وعجباً خبره، وقرأ ابن عباس {عجب} فجعله اسماً وهو نكرة و { أَنْ أَوْحَيْنَا } خبره وهو معرفة كقوله: يكون مزاجها عسل وماء. والأجود أن تكون «كان» تامة، وأن أوحينا، بدلاً من عجب. المسألة الثالثة: أنه تعالى قال: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } ولم يقل أكان عند الناس عجباً، والفرق أن قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجبون منها ونصبوه وعينوه لتوجيه الطيرة والاستهزاء والتعجب إليه! وليس في قوله: «أكان عند الناس عجباً» هذا المعنى. المسألة الرابعة: {أن} مع الفعل في قولنا: {أَنْ أَوْحَيْنَا } في تقدير المصدر وهو اسم كان وخبره، هو قوله: {عَجَبًا } وإنما تقدم الخبر على المبتدأ ههنا لأنهم يقدمون الأهم، والمقصود بالإنكار في هذه الآية إنما هو تعجبهم، وأما {أن} في قوله: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ } فمفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، وأصله أنه أنذر الناس على معنى أن الشأن قولنا أنذر الناس. المسألة الخامسة: أنه تعالى لما بين أنه أوحى إلى رسوله، بين بعده تفصيل ما أوحى إليه وهو الإنذار والتبشير. أما الإنذار فللكفار والفساق ليرتدعوا بسبب ذلك الإنذار عن فعل ما لا ينبغي، وأما التبشير فلأهل الطاعة لتقوى رغبتهم فيها. وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية، وإزالة ما لا ينبغي مقدم في الرتبة على فعل ما ينبغي. المسألة السادسة: قوله: {قَدَمَ صِدْقٍ } فيه أقوال لأهل اللغة وأقوال المفسرين. أما أقوال أهل اللغة فقد نقل الواحدي في «البسيط» منها وجوهاً. قال الليث وأبو الهيثم: القدم السابقة، والمعنى: أنهم قد سبق لهم عند الله خير. قال ذو الرمة: شعر : وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة ومفاخر تفسير : وقال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير، وقال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي يتقدم فيه، ولا يقع فيه تأخير ولا إبطاء. واعلم أن السبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني، أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم، فسمى المسبب باسم السبب، كما سميت النعمة يداً، لأنها تعطى باليد. فإن قيل: فما الفائدة في إضافة القدم إلى الصدق في قوله سبحانه: {قَدَمَ صِدْقٍ }. قلنا: الفائدة التنبيه على زيادة الفضل وأنه من السوابق العظيمة، وقال بعضهم: المراد مقام صدق. وأما المفسرون فلهم أقوال فبعضهم حمل {قَدَمَ صِدْقٍ } على الأعمال الصالحة؛ وبعضهم حمله على الثواب، ومنهم من حمله على شفاعة محمد عليه الصلاة والسلام، واختار ابن الأنباري هذا الثاني وأنشد: شعر : صل لذي العرش واتخذ قدما بنجيك يوم العثار والزلل تفسير : المسألة السابعة: أن الكافرين لما جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشرهم وأتاهم من عند الله تعالى بما هو اللائق بحكمته وفضله قالوا متعجبين {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ } أي إن هذا الذي يدعي أنه رسول هو ساحر. والابتداء بقوله: {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ } على تقدير فلما أنذرهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين، قال القفال: وإضمار هذا، غير قليل في القرآن. المسألة الثامنة: قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي {إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ } والمراد منه محمد صلى الله عليه وسلم، والباقون {لسحر} والمراد به القرآن. واعلم أن وصف الكفار القرآن بكونه سحراً يدل على عظم محل القرآن عندهم، وكونه معجزاً. وأنه تعذر عليهم فيه المعارضة، فاحتاجوا إلى هذا الكلام. واعلم أن إقدامهم على وصف القرآن بكونه سحراً، يحتمل أن يكونوا ذكروه في معرض الذم، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح، فلهذا السبب اختلف المفسرون فيه. فقال بعضهم: أرادوا به أنه كلام مزخرف حسن الظاهر، ولكنه باطل في الحقيقة، ولا حاصل له، وقال أخرون: أرادوا به أنه لكمال فصاحته وتعذر مثله، جار مجرى السحر. واعلم أن هذا الكلام لما كان في غاية الفساد لم يذكر جوابه، وإنما قلنا إنه في غاية الفساد، لأنه صلى الله عليه وسلم كان منهم، ونشأ بينهم وما غاب عنهم، وما خالط أحداً سواهم، وما كانت مكة بلدة العلماء والأذكياء، حتى يقال: إنه تعلم السحر أو تعلم العلوم الكثيرة منهم فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن. وإذا كان الأمر كذلك، كان حمل القرآن على السحر كلاماً في غاية الفساد، فلهذا السبب ترك جوابه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} استفهام معناه التقرير والتوبيخ. و «عَجَباً» خبر كان، واسمها {أَنْ أَوْحَيْنَآ} وهو في موضع رفع؛ أي كان إيحاؤنا عجباً للناس. وفي قراءة عبد الله «عجب» على أنه ٱسم كان. والخبر «أَنْ أَوْحَيْنَا». {إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} قرىء «رَجْل» بإسكان الجيم. وسبب النزول فيما رُوي عن ابن عباس أن الكفار قالوا لما بُعث محمد: إن الله أعظمُ من أن يكون رسوله بشراً. وقالوا: ما وجد الله من يرسله إلا يتيمَ أبي طالب؛ فنزلت: {أَكَانَ لِلنَّاسِ} يعني أهل مكة «عَجَباً». وقيل: إنما تعجبوا من ذكر البعث. قوله تعالى: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} في موضع نصب بإسقاط الخافض؛ أي بأن أنذر الناس، وكذا {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ}. وقد تقدّم معنى النّذارة والبشارة وغير ذلك من ألفاظ الآية. واختلف في معنى «قَدَمَ صِدْقٍ» فقال ٱبن عباس: قدم صدق منزلَ صدق؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ}تفسير : [الإسراء: 80]. وعنه أيضاً: أجراً حسناً بما قدّموا من أعمالهم. وعنه أيضاً «قَدَمَ صِدْقٍ» سَبْقَ السعادة في الذكر الأوّل، وقاله مجاهد. الزجاج: درجة عالية. قال ذو الرُّمّة:شعر : لكم قدَمٌ لا ينكر الناس أنها مع الحسب العالي طَمّت على البحر تفسير : قتادة: سلف صدق. الربيع: ثواب صدق. عطاء: مقام صدق. يَمَانٍ: إيمان صدق. وقيل: دعوة الملائكة. وقيل: وَلدٌ صالح قدّموه. الماورديّ: أن يوافق صدق الطاعة صدق الجزاء. وقال الحسن وقتادة أيضاً: هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه شفيع مطاع يتقدّمهم؛ كما قال: «حديث : أنا فَرَطُكم على الحوض»تفسير : . وقد سئل صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : هي شفاعتي توسّلون بي إلى ربكم»تفسير : . وقال الترمذيّ الحكيم: قدّمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود. وعن الحسن أيضاً: مصيبتهم في النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال عبد العزيز بن يحيى: «قَدَمَ صِدْقٍ» قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}. وقال مقاتل: أعمالاً قدّموها؛ واختاره الطبريّ. قال الوضّاح:شعر : صلِّ لذي العرش وٱتَّخذ قَدَماً تُنْجيك يوم العِثار والزّلل تفسير : وقيل: هو تقديم الله هذه الأُمة في الحشر من القبر وفي إدخال الجنة. كما قال: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضيّ لهم قبل الخلائق»تفسير : . وحقيقته أنه كناية عن السعي في العمل الصالح؛ فكنّى عنه بالقَدَم كما يُكنَى عن الإنعام باليد وعن الثناء باللسان. وأنشد حسان:شعر : لنا القَدم العليا إليك وخَلْفُنا لأوّلنا في طاعة الله تابع تفسير : يريد السابقة بإخلاص الطاعة، والله أعلم. وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قَدَم؛ يقال: لفلان قَدَم في الإسلام، له عندي قَدَم صدقٍ وقَدَم شر وقَدَم خير. وهو مؤنث وقد يذكر؛ يقال: قَدَم حَسَن وقدم صالحة. وقال ابن الأعرابي: القدم التقدّم في الشرف؛ قال العَجّاج:شعر : زلّ بنو العَوّام عن آل الحَكَمْ وتركوا المُلْك لملْك ذي قَدَم تفسير : وفي الصحاح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لي خمسة أسماء. أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يُحشر الناسُ على قدمي وأنا العاقب»تفسير : يريد آخر الأنبياء؛ كما قال تعالى: {أية : وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّينَ} تفسير : [الأحزاب: 40]. قوله تعالى: {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} قرأ ٱبن مُحَيْصِن وٱبن كثير والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي وخلف والأعمش «لساحِر» نعتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرأ الباقون «لِسَحْرٌ» نعتاً للقرآن وقد تقدّم معنى السحر في «البقرة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَكَانَ لِلنَّاسِ } أي أهل مكة استفهام إنكار، والجار والمجرور حال من قوله {عَجَبًا } بالنصب خبر «كان» وبالرفع اسمها، والخبر وهو اسمها على الأولى {أَنْ أَوْحَيْنَآ } أي إيحاؤنا {إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ } محمد صلى الله عليه وسلم {أَن} مفسرة {أَنذِرِ} خَوِّف {ٱلنَّاسَ } الكافرين بالعذاب {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أي بـ {أنّ لَهُمْ قَدَمَ } سلف {صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ } أي أجراً حسناً بما قدّموه من الأعمال {قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا } القرآن المشتمل على ذلك {لَسَٰحِرٌ مُّبِينٌ } بيِّن وفي قراءة (لساحر) والمشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَكَانَ لِلنَّاسِ} لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم قالت العرب: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً فنزلت. {قَدَمَ صِدْقٍ} ثواباً حسناً بما قدموه من العمل الصالح "ع"، أو سابق صدق سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، أو شفيع صدق هو محمد صلى الله عليه وسلم أو سلف صدق تقدموهم بالإيمان، أو لهم السابقة بإخلاص الطاعة.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {أكان للناس عجباً} قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن الله عز وجل لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك ومن أنكر منهم قال: الله أعظم من أن يكون له رسول بشر مثل محمد فقال الله سبحانه وتعالى: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} وقال سبحانه وتعالى:{أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً}تفسير : [يوسف: 109] الآية والهمزة في أكان همزة استفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ والمعنى لا يكون ذلك عجباً {أن أوحينا إلى رجل منهم} والعجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة. وقيل: العجب حالة تعتري الإنسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه والمراد بالناس هنا أهل مكة وبالرجل محمد صلى الله عليه وسلم منهم يعني من أهل مكة من قريش يعرفون نسبه وصدقه وأمانته {أن أنذر الناس} يعني خوفهم بعقاب الله تعالى إن أصروا على الكفر والمخالفة والإنذار إخبار مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور وهو قوله سبحانه وتعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} اختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق. فقال ابن عباس: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالم. وقال الضحاك: ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن:عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول يعني في اللوح المحفوظ. وقال زيد ابن اسلم: هو شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول قتادة. وقيل: لهم منزلة رفيعة عند ربهم وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقوله مسجد الجامع وصلاة الأولى وحب الحصيد والفائدة في هذه الإضافة التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ومثله في مقعد صدق، وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. يقال: لفلان قدم في الإسلام وقدم في الخير ولفلان عندي قدم صدق وقدم سوء. قال حسان بن ثابت: شعر : لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : وقال الليث وأبو الهيثم القدم السابق والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير قال ذو الرمة: شعر : وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة ومفاخر تفسير : والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمى المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد. وقال ذو الرمة: شعر : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر تفسير : معناه لكم سابقة عظيمة لا ينكرها الناس وقال آخر. شعر : صل لذي العرش واتخذ قدماً تنجيك يوم العثار والزلل تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} وقرئ: لساحر مبين وفيه حذف تقديره أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون: إن هذا لساحر، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا يقدر أحد من البشر أن يحصل مثلها، ومن قرأ السحر فإنهم عنوا به القرآن المنزل عليه وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور وكانوا ينكرون ذلك. قوله عز وجل: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} تقدم تفسير هذا في سورة الأعراف بما فيه كفاية. وقوله سبحانه وتعالى: {يدبر الأمر} قال مجاهد: يقضيه وحده. وقيل: معنى التدبير، تنزيل الأمور في مراتبها وعلى أحكام عواقبها. وقيل: إنه سبحانه وتعالى يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة وهو النظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. وقيل: معناه إنه سبحانه وتعالى يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض فلا يحدث حدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} يعني: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده وبموضع الصواب والحكمة في تدبيرهم فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم فإذا أذن له في الشفاعة كان له أن يشفع فيمن يأذن له فيه وفيه رد على كفار قريش في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم عند الله يوم القيامة فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لأن له التصرف المطلق في جميع العالم {ذلكم الله ربكم} يعني الذي خلق هذه الأشياء ودبرها هو ربكم وسيدكم لا رب لكم سواه {فاعبدوه} أي فاجعلوا عبادتكم له لا لغيره لأنه المستحق للعبادة بما أنعم عليكم من النعم العظيمة {أفلا تذكرون} يعني أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الدلائل والآيات التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى: {إليه مرجعكم جميعاً} يعني إلى ربكم الذي خلق جميع المخلوقات مصيركم جميعاً أيها الناس يوم القيامة والمرجع بمعنى الرجوع {وعد الله حقاً} يعني وعدكم الله ذلك وعداً حقاً {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} أي يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم وهذا معنى قول مجاهد فإنه قاله يحييه ثم يميته ثم يحييه. وفي هذه الآية دليل على إمكان الحشر والنشر والمعاد وصحة وقوعه ورد على منكري البعث ووقوعه، لأن القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفرقها بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيباً ثانياً ويخلق الإنسان الأول مرة أخرى وكما لم يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى وإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت كان المقصود منها إيصال الثواب للمطيع والعقاب للعاصي وهو قوله سبحانه وتعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} يعني بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئاً {والذين كفروا لهم شراب من حميم} هو ماء حار قد انتهى حره {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.

ابن عادل

تفسير : قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ} الهمزة للإنكار، و "أَنْ أَوْحَيْنَآ" "أن" والفعل في تقدير المصدر وهو اسم "كان"، و "عَجَباً" خبرها، و "للنَّاس" متعلِّق بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من "عَجَباً" لأنه في الأصل صفة له، أو متعلِّقٌ بـ "عَجَباً"، ولا يضُرُّ كونه مصدراً؛ لأنَّه يُتَّسع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسع في غيرهما. وقيل: لأنَّ "عَجَباً" مصدرٌ واقعٌ موقع اسم الفاعل أو اسم المفعول، ومتى كان كذلك جاز تقديمُ معموله. وقيل: هو متعلِّق بـ "كَانَ" النَّاقصة، وهذا على رأي مَنْ يُجيز فيها ذلك. وهذا مرتَّبٌ على الخلاف في دلالة "كان" النَّاقصة على الحدث، فإن قلنا: إنَّها تدلُّ على ذلك فيجُوزُ وإلاَّ فلا. وقيل: هو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على التَّبيين، والتقدير في الآية: أكان إيحاؤنا إلى رجُلٍ منهم عجباً لهم. و "منهم" صفة لـ "رجُل". وقرأ رُؤبة "رَجْل" بسكون الجيم، وهي لغة تميم، يُسَكِّنُون "فَعُلاً" نحو: سبع وعضد. وقرأ عبد الله بن مسعود "عَجَبٌ". وفيه تخريجان، أظهرهما: أنَّها التَّامة، أي: أحدث للنَّاس عجب و "أنْ أوْحَيْنَا" متعلِّق بـ "عجب" على حذف لامِ العلَّة، أي: عجبٌ لـ "أنْ أوْحَيْنَا"، أو يكون على حذف "مِنْ"، أي: مِنْ أنْ أوحينا. والثاني: أن تكون الناقصة، ويكون قد جعل اسمها النَّكرة وخبرها المعرفة، على حدِّ قوله: [الوافر] شعر : 2864-...................... يكُونُ مزاجها عسلٌ ومَاءُ تفسير : وقال الزمخشري: والأجودُ أن تكون التَّامة، و "أنْ أوحَيْنَا": بدلٌ من "عَجَبٌ". يعني به بدل اشتمال أو كل من كل، لأنه جعل هذا نفس العجب مبالغة، والتخريج الثاني لابن عطيَّة. فصل التعجُّب: حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة، وسبب نزول هذه الآية: أنَّ الله - تعالى - لمَّا بعث محمَّداً صلى الله عليه وسلم رسولاً، تعجَّب كفار قريش وقالوا: إنَّ الله أعظم من أن يكون رسُوله بشراً، فأنكر الله عليهم ذلك التعجُّب، أما بيان تعجُّبهم من تخصيص محمَّدٍ بالرسالة فمن وجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ}تفسير : [ص:4] إلى قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}تفسير : [ص:5]. والثاني: أن أهل مكَّة كانوا يقولون: إنَّ الله تعالى ما وجد رسُولاً إلى خلقه إلا يتيم أبي طالب. والثالث: أنهم قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف:31]؛ فأنكر الله عليهم هذا التعجُّب بقوله {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} فلفظه استفهام؛ ومعناه الإنكار لأنْ يكون ذلك عجباً، والمراد بـ "النَّاس": أهل مكة، والألف فيه للتوبيخ. فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: أكان عند الناس عجباً، بل قال: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً}؟. فالجواب: أن قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} معناه أنهم جعلوه لأنفسهم أعجوبة يتعجَّبُون منها، وعيَّبوه ونصَّبُوه للاستهزاء والتعجُّب إليه وليس في قوله:"أكان عند النَّاس عجباً" هذا المعنى. وقوله: {أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم. قوله: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} يجوز أن تكون المصدريَّة، وأن تكون التفسيريَّة، ثم لك في المصدريَّة اعتباران: أحدهما: أن تجعلها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشَّأن محذوف. كذا قال أبو حيَّان، وفيه نظرٌ من حيث إنَّ أخبارَ هذه الحروف لا تكون جملة طلبيَّة، حتى لو ورد ما يوهمُ ذلك يُؤوَّلُ على إضمار القول؛ كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 2865- ولوْ أصَابَتْ لقالتْ وهيَ صَادِقَةٌ إِنَّ الرِّياضَةَ لا تُنْصِبْكَ للشَّيبِ تفسير : وقول الآخر: [البسيط] شعر : 2866- إنَّ الذينَ قَتَلْتُمْ أمسِ سيِّدهُمْ لا تَحْسَبُوا ليْلَهُمْ عنْ ليْلِكُمْ نَامَا تفسير : وأيضاً فإنَّ الخبر في هذا الباب إذا وقع جملة فعلية، فلا بد من الفصل بأشياء تقدَّمت في المائدة. ولكن ذلك الفاصل هنا متعذِّرٌ. والثاني: أنَّها التي بصدد أن تنصب الفعل المضارع، وهي توصل بالفعل المتصرِّف مطلقاً، نحو: "كَتبتُ إليْه بأنْ قُمْ". وقد تقدم البحث في [النساء66]، ولم يذكر المنذرُ به وذكر المُبَشَّرَ به؛ لأنَّ المقام يقتضي ذلك، وقدَّم الإنذار على التَّبشير، لأنَّ إزالة ما لا ينبغي مقدَّم في الرتبة على ما لا ينبغي، والإنذار للكفَّار والفساق ليرتدعوا عن فعل ما لا ينبغي، والتَّبشير لأهلِ الطَّاعةِ؛ لتقوى رغبتهم فيها. قوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} "أنَّ" وما في حيَّزها هي المُبشَّرُ بها، أي: بشِّرهُم باستقرارِ قدمِ صدْق، فحذفت الباءُ، فجرى في محلِّها المذهبان، والمرادُ بـ "قدم صِدْقٍ": السابقةُ والفضلُ والمنزلةُ الرَّفيعة، وإليه ذهب الزجاج والزمخشريُّ؛ ومنه قولُ ذِي الرُّمَّة: [الطويل] شعر : 2867- لَكُم قدمٌ لا يُنْكِرُ النَّاسُ أنَّهَا مَعَ الحسَبِ العَاديِّ طمَّتْ على البَحْرِ تفسير : لمَّا كان السعي والسبقُ بالقدم سُمِّي السَّعي المحمود قدماً، كما سُمِّيت اليدُ نعمةً لمَّا كانت صادرةً عنها، وأضيف إلى الصدق دلالةً على فضله، وهو من باب "رجُلُ صدقٍ، ورجلُ سوءٍ". وقيل: هو سابقةُ الخير التي قدَّمُوها؛ ومنه قول وضَّاح اليمن: [المنسرح]. شعر : 2868- مَالكَ وضَّاحُ دَائِمَ العَزَلِ ألَسْتَ تَخْشَى تقارُبَ الأجَلِ صلِّ لذي العَرْشِ واتَّخِذْ قَدَماً يُنْجِيكَ يَوْمَ العَثَارِ والذَّلَلِ تفسير : وقيل: هو التقدُّم في الشرف؛ ومنه قول العجَّاج: [الرجز] شعر : 2869- ذَلَّ بنُو العوَّامِ عنْ آلِ الحَكَمْ وتَرَكُوا المُلْكَ لملكٍ ذي قَدَمْ تفسير : أي: ذي تقدُّم وشرف. قال ابن عبَّاس: أجراً حسناً بما قدَّمُوا من أعمالهم، وروى عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو السعادة في الذكر الأول. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرَّسُول - عليه الصلاة والسلام -. وقال عطاء: مقام صدق، لا زوال له، ولا بؤس فيه. وأضيف القدمُ إلى الصِّدق وهو نعته، كقولهم: مَسْجِد الجَامِع، {أية : وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ}تفسير : [ق:9]. وقال أبُو عبيد: كل سابق في خير أو شرٍّ فهو عند العرب قدم، يقال لفُلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوءٍ، وهو يؤنثُ. وقد يذكر، فيقال: قدم حسن، وقدم صالحة. و "لَهُمْ" خبر مقدَّم، و "قَدَمَ" اسمها، و "عِندَ ربِّهِمْ" صفة لـ "قَدَمَ"، ومنْ جوَّز أن يتقدَّم معمُولُ خبر "أنَّ" على اسمها إذا كان حرف جرٍّ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2870- فَلاَ تَلْحَنِي فيهَا فإنَّ بحُبِّهَا أخاكَ مُصَابُ القَلْبُ جَمٌّ بلابِلُهْ تفسير : قال: فـ "بِحُبِّهَا" متعلقٌ بـ "مُصَاب"، وقد تقدَّم على الاسم، فكذلك "لَهُمْ" يجوز أن يكون متعلقاً بـ "عِنْدَ ربِّهِمْ" لمَا تضمَّن من الاستقرار، ويكونُ "عندَ ربِّهِمْ" هو الخبر. قوله: {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} لمَّا جاءهم رسول منهم فأنذرهم وبشَّرهُم قالوا مُتعجِّبين: "إنَّ هذا لسَاحِرٌ مُبِينٌ"، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر "لسِحْرٌ" والباقون "لَسَاحر"، فـ "هَذَا" يجوزُ أن يكون إشارةً للقرآن، وأن يكون إشارةً للرسُول على القراءة الأولى، ولكن لا بد من تأويل على قولنا: هو إشارة للرسول، أي: ذو سحر أو جعلوه إيَّاه مبالغةً، وعلى القراءة الثانية فالإشارةُ للرَّسول - عليه الصلاة والسلام - فقط. واعلم أنَّ إقدامهم على وصف القرآن بأنَّه سحرٌ، يحتمل أنَّهم ذكروه في معرض الذَّمِّ، ويحتمل أنهم ذكروه في معرض المدح، فلهذا قال بعضُ المُفَسِّرين: أرَادُوا به أنَّه كلام مزخرف حسن الظَّاهر، لكنه باطِل في الحقيقة، ولا حاصل له، وقال آخرون: أرادُوا به أنَّه لكمال فصاحته، وتعذر مثله، جارٍ مجرى السِّحْر. وهذا كلام فَاسِد، فلهذا لم يذكر جوابه، وبيان فساده: أنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان منهم، ونشأ بينهم، وما غَابَ عنهم، ولم يُخالط أحداً سواهم، ولم تكن مكَّة بلدة العُلماء، حتى يقال: إنَّه تعلَّم السحر منهم، أو تعلم العلوم الكثيرة منهم، فقدر على الإتيان بمثل هذا القرآن. وإذا كان الأمر كذلك، كان حمل القرآن على السِّحْر كلاماً في غايةِ الفسادِ، فلهذا السَّبب ترك جوابه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك، ومن أنكر منهم قالوا‏:‏ الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ ‏{أية : ‏وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنبياء: 7‏]‏ الآية‏.‏ فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا‏:‏ وإذا كان بشراً فغير محمد كان أحق بالرسالة {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ‏تفسير : [‏الزخرف: 31‏]‏ يقولون‏:‏ أشرف من محمد يعني الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف، فأنزل الله رداً عليهم ‏{أية : ‏أهم يقسمون رحمة ربك‏} تفسير : ‏[‏الزخرف: 32‏]‏ الآية‏.‏ والله أعلم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال‏:‏ ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أن لهم قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله {قدم صدق عند ربهم} قال‏:‏ القدم هو العمل الذي قدموا‏.‏ قال الله ‏{أية : ‏ونكتب ما قدموا وآثارهم‏}‏ ‏تفسير : [‏يس: 12‏]‏ والآثار ممشاهم قال‏:‏ مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين اسطوانتين من مسجدهم، ثم قال ‏"‏حديث : هذا أثر مكتوب‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله ‏ {‏قدم صدق‏}‏ قال‏:‏ ثواب صدق‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏قدم صدق‏}‏ قال‏:‏ يقدمون عليه عند ربهم‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {‏قدم صدق‏} ‏ قال‏:‏ خير‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏{‏قدم صدق‏} ‏ قال‏:‏ سلف صدق‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قدم صدق‏} ‏ أي سلف صدق‏. وأخرج أبو الشيخ عن بكار بن مالك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أن لهم قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم يوم القيامة‏. وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أن لهم قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم شفيع لهم يوم القيامة‏. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري في قوله ‏ {‏قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم شفيع صدق لهم يوم القيامة‏. وأخرج الحاكم وصححه عن أبي بن كعب في قوله ‏ {‏لهم قدم صدق‏}‏ قال‏:‏ سلف صدق‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ‏ {‏أن لهم قدم صدق عند ربهم‏} ‏ قال‏:‏ مصيبتهم في نبيهم صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏قدم صدق‏} ‏ قال‏:‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏قال الكافرون إن هذا لسحر مبين} . وأخرج أبو الشيخ عن زائدة قال‏:‏ قرأ سليمان في يونس عند الآيتين ‏ {‏ساحر مبين‏}‏‏ .

ابو السعود

تفسير : {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} الهمزةُ لإنكار تعجّبِهم ولتعجب السامعين منه لكونه في غير محلِّه، والمرادُ بالناس كفارُ مكةَ، وإنما عبِّر عنهم باسم الجِنسِ من غير تعرُّضٍ لكفرهم ـ مع أنه المدارُ لتعجبهم كما تُعُرِّض له في قوله عز وجل: {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} الخ ـ لتحقيق ما فيه الشركةُ بـينهم وبـين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتعيـينِ مدارِ التعجبِ في زعمهم ثم تبـيـينِ خطئِهم وإظهارِ بطلانِ زعمِهم بإيراد الإنكارِ والتعجيب، واللامُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من عجباً وقيل: بعجباً على التوسع المشهورِ في الظروف، وقيل: المصدرُ إذا كان بمعنى اسم الفاعلِ أو اسمِ المفعول جاز تقديمُ معمولِه عليه، وقيل: متعلقةٌ بكان وهو مبنيٌّ على دلالة كان الناقصةِ على الحدث {أَنْ أَوْحَيْنَا} اسمُ كان قُدِّم عليه خبرُها اهتماماً بشأنه لكونه مدارَ الإنكارِ والتعجيبِ وتشويقاً إلى المؤخَّر ولأن في الاسم ضربَ تفصيلٍ ففي مراعاة الأصلِ نوعُ إخلالٍ يتجاوب أطرافِ الكلام، وقرىء برفع عجب على أنه الاسمُ وهو نكرةٌ والخبرُ أن أوحينا وهو معرفةٌ لأن أن مع الفعل في تأويل المصدرِ المضافِ إلى المعرفة البتةَ والمختارُ حينئذ أن تجعل كان تامةٌ وأن أوحينا متعلقاً بعجبٌ على حذف حرف التعليل أي أحدث للناس عجبٌ لأن أوحينا أو من أن أوحينا، أو بدلاً من عجبٌ لكن لا على توجيه الإنكارِ والتعجيب إلى حدوثه بل إلى كونه عجباً، فإن كونَ الإبدال في حكم تنحيةِ المبدَلِ منه ليس معناه إهدارَه بالمرة وإنما قيل: للناس لا عند الناس للدِلالة على أنهم اتخذوه أعجوبةً لهم، وفيه من زيادة تقبـيحِ حالِهم ما لا يخفى {إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ} أي إلى بشر من جنسهم كقولهم: أبعث الله بشراً رسولاً أو من حيث المال لا من عظمائهم كقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } تفسير : [الزخرف: 31] وكلا الوجهين من ظهور البطلانِ بحيث لا مزيد عليه. أما الأولُ فلأن بعثَ الملَكِ إنما يكون عند كون المبعوثِ إليهم ملائكةً كما قال سبحانه: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِى ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 95] وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملكية كيف لا وهي منوطةٌ بالتناسب والتجانس، فبعثُ الملَكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها يدور فلكُ التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمةُ أن يُبعث الملكُ من بـينهم إلى الخواصّ المختصين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القدسيةِ المتعلّقين بكلا العالَمين الروحانيِّ والجُسماني ليتلقَّوْا من جانب ويُلْقوا إلى جانب. وأما الثاني فلما أن مناطَ الاصطفاء للنبوة والرسالةِ هو التقدُم في الاتصاف بما ذكر من النعوت الجميلةِ والصفاتِ الجليلة والسبْقِ في إحراز الفضائلِ العلية وحيازةِ الملَكات السنية جِبِلّةً واكتساباً، ولا ريب لأحد منهم في أنه عليه الصلاة والسلام في ذلك الشأنِ في غاية الغاياتِ القاصيةِ ونهايةِ النهاياتِ النائيةِ، وأما التقدمُ في الرياسات الدنيويةِ والسبْقِ في نيل الحظوظِ الدنية فلا دخلَ له في ذلك قطعاً بل له إخلالٌ به غالباً قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو كانت الدنيا تزنُ عند الله جَناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربةَ ماء"تفسير : . {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أن مصدريةٌ لجواز كونِ صلتِها أمراً كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } تفسير : [يونس: 105] وذلك لأن الخبرَ والإنشاءَ في الدلالة على المصدر سيانِ فساغ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسبَ وقوعِ الفعل فلا يجرد عند ذلك عن معنى الأمرِ والنهي نحوَ تجرُّدِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيِّ والاستقبالِ، ووجوبُ كونِ الصلةِ في الموصول الاسميِّ خبريةً إنما هو للتوصل بها إلى وصف المعارفِ بالجمل لا لقصور في دلالة الإنشاءِ على المصدر، أو مفسرةٌ إذ الإيحاءُ فيه معنى القولِ وقد جوز كونُها مخفّفة من المثقّلة على حذف ضميرِ الشأنِ والقولِ من الخبر والمعنى أن الشأنَ قولُنا: أنذر الناسَ، والمرادُ به جميعُ الناسِ كافةً لا ما أريد بالأول وهو النكتةُ في إيثار الإظهارِ على الإضمار، وكونُ الثاني عينَ الأولِ عند إعادة المعرفةِ ليس على الإطلاق {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بما أوحيناه وصدّقوه {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم {قَدَمَ صِدْقٍ} أي سابقةً ومنزلةً رفيعة {عِندَ رَبّهِمْ} وإنما عبر عنها بها إذ بها يحصُل السبْقُ والوصولُ إلى المنازل الرفيعةِ كما يعبر عن النعمة باليد لأنها تعطىٰ بها، وقيل: مقامَ صدقٍ، والوجهُ أن الوصولَ إلى المقام إنما يحصُل بالقدم وإضافتُها إلى الصدق للدلالة على تحققها وثباتِها، وللتنبـيه على أن مدارَ نيلِ ما نالوه من المراتب العليةِ هو صدقُهم فإن التصديقَ لا ينفك عن الصدق {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} هم المتعجبون، وإيرادُهم هٰهنا بعنوان الكفر مما لا حاجة إلى ذكر سببِه، وتركُ العاطفِ لجرَيانه مَجرى البـيانِ للجملة التي دخلت عليها همزةُ الإنكار أو لكونه استئنافاً مبنياً على السؤال، كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجبِ هل بقُوا على التردد والاستبعادِ أو قطعوا فيه بشيء؟ فقيل: قال: الكافرون على طريقة التأكيدِ: {إِنَّ هَذَا} يعنون به ما أوحيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الحكيم المنطوي على الإنذار والتبشير {لَسِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ظاهرٌ وقرىء لساحْر على أن الإشارةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرىء ما هذا إلا سحرٌ مبـينٌ، وهذا اعترافٌ من حيث لا يشعرون بأن ما عاينوه خارجٌ عن طَوْق البشر نازلٌ من جناب خلاق القُوى والقدَر ولكنهم سمَّوه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو ديدنُ المكابرِ اللَّجوجِ ودأبُ المُفحَمِ المحجوج.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ}[2] قال: يعني سابقة رحمة أودعها في محمد صلى الله عليه وسلم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} [الآية: 2]. علم الله أن قوله {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} مما يذهل عقول الصالحين والمنتبهين فقال على أثره {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}. قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}. قال سهل: سابقة رحمته أودعها فى محمد صلى الله عليه وسلم. قال أبو سعيد الخراز: تفرق الطالبون عند قوله: من طلبنى وجدنى على سبل شتى: أولهم أهل الإشارات طلبوه على ما سبق من قوة الإشارة وهم أهل قدم صدق عند ربهم فبالقدم أشار إليهم، فهل أهل الطوالع والإشارات حظهم منه ذلك. قال محمد بن على الترمذى فى قوله {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} قال: قدم صدقٍ هو إمام الصادقين والصديقين وهو الشفيع المطاع والسائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ}. تعجبوا من ثلاثة أشياء: من جواز البعث بعد الموت، ومن إرسال الرسل إلى الخَلْق، ثم من تخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة مِنْ بين الخلق، ولو عرفوا كمال مُلْكِه لم يُنْكِروا جواز البعث، ولو علموا كمال ملكه لم يجحدوا إرسالَ الرُّسل إلى الخلْق، ولو عرفوا أنَّ له أنْ يفعلَ ما يريد لم يتعجبوا من تخصيص محمد - صلى الله عليه وسلم بالنبوة مِنْ بين الخَلْق، ولكنْ سُدَّتْ بصائرُهم فتاهوا في أودية الحيرة، وعَثَرُوا - من الضلالة - في كل وَهْدَةٍ. وكان الأستاذ أبو علي الدَّقاق - رحمه الله - يقول: جَوَّزُوا أن يكون المنحوتُ من الخشب والمعمولُ من الصخر إلهاً معبوداً، وتعجبوا أن يكون مثلُ محمد - صلى الله عليه وسلم - في جلالةِ قَدْرِه رسولاً...!!هذا هو الضلال البعيد. قوله جلّ ذكره: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}. وهو ما قدَّموه لأنفسهم من طاعاتٍ أخلصوا فيها، وفنونِ عباداتٍ صَدَقُوا في القيام بقضائها. ويقال هو ما قَّدم الحقُّ لهم يومَ القيامة، مع مقتضى العناية بشأنهم، وما حَكَمَ لهم من فنونِ إحسانه بهم، وصنوفِ ما أفردهم به من امتنانهم. ويقال: {قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ}: هو ما رفعوه من أقدامهم في بدايتهم في زمان إرادتهم، فإنّ لأَقْدام المريدين المرفوعِة لأَجْلِ اللَّه حُرْمَةً عند الله، ولأيامِهم الخاليةِ في حالِ تردُّدِهم، وليالَيهم الماضية في طلبه وهم في حُرْقَةِ تحيّرهم... مقاديرَ عند الله. وقيل: شعر : مَنْ يَنْسَ داراً قد تخونها رَيْبُ الزمان فإني لست أنساكا تفسير : وقيل: شعر : تلك العهودُ تشدُّها لتَحُلَّها عندي كما هي عقدها لم يُحْللِ

اسماعيل حقي

تفسير : {أكان للناس عجبا} الهمزة لانكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لكونه في غير محله والمراد بالناس كفار مكة. قال ابو البقاء للناس حال من عجبا لان التقدير أكان عجبا للناس وعجبا خبر كان واسمه قوله {ان اوحينا الى رجل منهم} اي بشر من جنسهم فانهم كانوا يتعجبون من ارسال البشر ولم يتعجبوا من ان يكون الاله صنما من حجر او ذهب او خشب او نحاس او ممن لا يعرف بكونه ذا جاه ومال ورياسة ونحو ذلك مما يعدونه من اسباب العز والعظمة فانهم كانوا يقولون العجب ان الله تعالى لم يجد رسولا يرسله الى الناس الا يتيم ابي طالب وهو من فرط حماقتهم وقصر نظرهم على الامور العاجلة وجهلهم بحقيقة الوحى والنبوة فانه عليه السلام لم يكن يقصر عن عظمائهم في النسب والحسب والشرف وكل ما يعتبر في الرياسة من كرم الخصال الا في المال ولا مدخل له في شرف النفس ونجابة جوهرها الا انهم لعظم الغنى في اعينهم تعجبوا من اصطفائه للرسالة {أية : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } تفسير : قال الحافظ قدس سره شعر : تاج شاهى طلبى كوهر ذاتى بنماى درخود از كوهر جمشيد فريدون باشى تفسير : وقال السعدى قدس سره شعر : هنر بايد وفضل ودين كه كاه ازكوهر جمشيد فريدون باشى تفسير : قال في التأويلات النجمية يشير إلى انهم يتعجبون من ايحائنا الى محمد عليه السلام لانه كان رجلا منهم وفيه راينا رجوليته قبل الوحي وتبليغ الرسالة من بينهم ولهذا السر ما اوحي الى امرأة بالنبوة قط انتهى. والرجولية هي صدق اللسان ودفع الاذى عن الجيران والمواساة مع الاخوان هذا في الظاهر واما في الحقيقة فالتنزه عن جميع ما سوى الله تعالى. وفي حديث المعراج (ان الله تعالى نظر الى قلوب الخلق فلم يجد اعشق من قلب محمد عليه السلام فلذا اكرمه بالرؤية) فالعبرة لحال الباطن لا لحال الظاهر. واعلم ان حال الولاية كحال النبوة ولو رأيت اكثر اهل الولاية في كل قرن وعصر لوجدتهم ممن لا يعرف بجاه ومن عجب من ذلك القى في ورطة الانكار وحجب بذلك الستر عن رؤية الاخيار {ان} مفسرة للمفعول المقدر اي اوحينا اليه شيئا هو {انذر الناس} اي جميع الناس كافة لا ما اريد بالاول عمم الانذار لانه ينفع جميع المكلفين من الكفار وعوام المؤمنين وخواصهم فالبعض ينذر بنار الجحيم والبعض الآخر بانحطاط الدرجات في دار النعيم والبعض الثالث بنار الحجاب عن مطالعة جمال الرب الكريم وقدم الانذار على التبشير لان ازالة ما لا ينبغي متقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي وهو لا يفيد ما دامت النفس ملوثة بالكفر والمعاصى فان تطبيب البيت بالبخور انما يكون بعد الكنس وازالة القاذورات ألا ترى ان الطبيب الذي يباشر معالجة مرض القلب لا بد له ان يبدأ اولا البدن من الاخلاط الرديئة ثم يباشر المعالجة بالمقويات فكذلك الطبيب الذي يباشر معالجة مرض القلب لا بد أن يبدأ اولاً بتنقيته من العقائد الزائغة والاخلاق الردئية والاعمال القبيحة المكدرة للقلب بان يسقيه شربة الانذار بسوء عاقبة تلك الامور بعد تنقيته من المهلكات يعالجه بما يقويه على الطاعات بأن يسقيه شربة التبشير بحسن عاقبة الاعمال الصالحات ولهذا اقتصر على ذكر الانذار في مبدأ امر النبوة حيث قال {أية : يا ايها المدثر قم فانذر} تفسير : {وبشر الذين آمنوا} دون الذين كفروا اذ ليس لهم ما يبشرون به من الجنة والرحمة ما داموا على كفرهم {ان لهم} اى بان لهم {قدم صدق عند ربهم} اي اعمالا صالحة سابقة قدموها ذخرا لآخرتهم ومنزلة رفيعة يقدمون عليها سميت قدما على طريق تسمية الشيء باسم آلته لان السبق والقدوم يكون بالقدم كما سميت النعمة يدا لانها تعطى باليد واضافة قدم الى الصدق من قبيل اضافة الموصوف الى صفته للمبالغة في صدقها وتحقيقها كأنها في صدقها وتحققها مطبوعة منه واذا قصد تبيينها لا تبيين الا به. وعن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال {قدم صدق} شفاعة نبيهم لهم هو امامهم الى الجنة وهو بالاثر. شعر : كفتى كنم شفاعت عاصى عذر خواه دل بر اميد آن كرم افتاد در كناه تفسير : {قال الكافرون} هم المتعجبون اى كفار مكة مشيرين الى رسول الله عليه السلام {ان هذا الساحر مبين} [جادويست آشكارا] وفيه اعتراف بانهم صادفوا من الرسول امورا خارقة للعادة معجزة اياهم عن المعارضة. واعلم ان الكفار سحرهم سحرة صفات فرعون النفس ولذا صاروا صما بكما عميا عن الحق فهم لا يعقلون الحق ولا يتبعون داعى الحق والنفس جبلت على حب الرياسة وطلب التقدم فلا ترضى ان تكون مرؤوسة تحت غيرها فاصلاحها انما هو بالعبودية التى هى ضد الرياسة والانقياد للمرشد: وفى المثنوى شعر : همجو استورى كه بكر يزد زبار او سر خود كيرد اندر كوهسار صاحبش از بي دوران كاى خيره سر هو طرف كركيست اندر قصد خر استخوانت را بخايد جون شكر كه نبينى زندكانى را دكر هي بمكريز از صرف كردنم وزكراني بار جون جانت منم تو ستورى هم كه نفست غالبست حكم غالب را بود اى خود برست مير آخر بود حق را مصطفا بهر استوران نفس بر جفا لا جرم اغلب بلا بر انبيا ست كه رياضت دادن خامان بلاست تفسير : قال عيسى عليه السلام للحواريين اين تنبت الحبة قالوا في الارض فقال كذلك الحكمة لا تنبت الا في القلب مثل الارض يشير الى التواضع والى هذه الاشارة بقول سيد البشر "حديث : من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" تفسير : والينابيع لا تكون الا في الارض وهو موضع نبع الماء فظهر ان الكفار لم ينزلوا انفسهم الى مرتبة التواضع والعبودية. ولم يقبلوا الانذار بحسن النية. حرموا من الورود الى المنهل العذب الذي هو القرآن. فبقوا عطشى الاكباد في زوايا الهجران. واين المتكبرون المتصدعون الى جوَ هواهم. من الشرب من ينبوع الهدى الذي اجراه من لسان حبيبه مولاهم. وكما ان الكفار بالكفر الجلى ادعوا كون القرآن سحرا وانكروا مثل ذلك الخارق لعاداتهم. فكذا المشركون بالشرك الخفي انكروا الكرامات المخالفة لمعاملاتهم. قال الام اليافعي رحمه الله ثم ان كثيرا من المنكرين لو رأوا الاولياء والصالحين يطيرون في الهواء لقالوا هذا سحر وهؤلاء شياطين ولا شك ان من حرم التوفيق وكذب بالحق غيبا وحدسا كذب به عيانا وحسا فواعجبا كيف نسب السحر وفعل الشياطين الى الانبياء العظام والاولياء الكرام نسأل الله العفو والعافية سرا وجهارا. وان يحفظنا من العقائد الزائغة والاعمال الموجبة بوارا

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي {لساحر مبين} بألف. الباقون بغير ألف. قال أبو علي الفارسي: يدل على ساحر قوله {وقال الكافرون هذا ساحر كذاب} ويدل على "سحر" قوله {أية : ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون} تفسير : والقول في الوجهين أنه قد تقدم قوله {أن أوحينا إلى رجل منهم} فمن قال "ساحر" أراد به الرجل ومن قال "سحر" أراد الذي أوحي "سحر" أي الذي يقول أنه وحي "سحر" وليس بوحي. ومعنى قوله {أكان للناس عجباً} أكان أيحاؤنا القرآن إلى رجل منهم عجباً؟ وإنذارهم عقاب الله على معاصيه كأنهم لم يعلموا أن الله قد أوحى من قبله إلى مثله من البشر، فعجبوا من وحينا اليه الآن؟ فالألف ألف استفهام والمراد به الانكار. وقال ابن عباس ومجاهد وابن جريح: عجبت العرب وقريش أن يبعث الله منهم نبياً فأنزل الله الآية. وقال الحسن: معنا ليس بعجب ما فعلنا في ذلك. والمعنى ألم يبعث الله رسولا من أهل البادية ولا من الجن ولا من الانس. والعجب تغير النفس بما لا يعرف سببه مما خرج عن العادة إلى ما يجوز كونه. والانذار هو الاخبار على وجه التخويف، فمن حذر من معاصي الله فهو منذر. وهذه صفة النبي صلى الله عليه وآله. وقوله {أن أوحينا} في موضع رفع وتقديره أكان للناس عجباً وحينا و {أن أنذر} في موضع نصب، وتقديره وحينا بأن أنذر، فحذف الجار فصار موضعه نصباً، و {أن لهم} نصب بقوله {وبشر الذين آمنوا} ولو قرئ بالكسر كان جائزاً لأن البشارة هي القول إلا أنه لم يقرأ به. وقوله {وبشر الذين آمنوا} أمر للنبي صلى الله عليه وآله أن يبشر المؤمنين، وهو أن يعرّفهم ما فيه السرور بالخلود في نعيم الجنة على وجه الاكرام والاجلال بالأعمال الصالحة. وقوله {أن لهم قدم صدق عند ربهم} معناه ان لهم سابقة إخلاص الطاعة كاخلاص الصدق من شائب الكذب. وقالوا: له قدم في الاسلام، والجاهلية. وهو كالقدم في سبيل الله، قال حسان: شعر : لنا القدم العليا اليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : وقال ذو الرمة: شعر : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمّت على البحر تفسير : وقال أبو سعيد الخدري وأبو عبد الله عليه السلام: معناه إن محمّداً صلى الله عليه وآله لهم شفيع يوم القيامة، وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام. وقال مجاهد: معناه لهم قدم خير بأعمالهم الصالحة. وقال قتادة: معناه لهم سلف صدق. وقال الضحاك: لهم ثواب صدق. وقال ابن عباس: لهم ما قدموه من الطاعات. وقوله {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} حكاية عن الكفار أنهم يقولون إن النبي ساحر مظهر، أو ما إتى به سحر مبين على اختلاف القراءات. والسحر فعل يخفى وجه الحيلة فيه حتى يتوهم أنه معجز. والعمل بالسحر كفر لادعاء المعجزة به، ولا يمكن مع ذلك معرفة النبوة. وقال الزجاج: المراد بـ {الناس} في الآية أهل مكة. وقيل إنهم قالوا: لم يجد الله من يبعثه رسولا إلا يتيم أبي طالب؟!

الجنابذي

تفسير : {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ} لمّا اعتقدوا انّ الرّسول لا بدّ وان يكون مناسباً للمرسل والمناسب لله هو الملك تعجّبوا من ادّعاء البشر لرسالةٍ من الله واعتقدوا انّه فرية عظيمة وهذا حمق وسفاهة منهم، فانّ الرّسول كما يكون مناسباً للمرسل ينبغى ان يكون مناسباً للمرسل اليهم ولا يكون الاّ من كان ذا شأنين؛ شأن آلهىّ وشأن خلقىّ حتّى يناسب بشأنيّة الطّرفين فأنكر سبحانه تعجّبهم ووبّخهم على ذلك {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} وضع المظهر موضع المضمر لئلاّ يتوهّم ارادة المتعجّبين منهم {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} خصّ البشارة بالمؤمنين لانّ الانذار عامّ لهم ولغيرهم والبشارة بنعم الآخرة لا تكون الاّ للمؤمنين وقد يخصّ الانذار بالكفّار لانّ انذار المؤمنين لا يكون الاّ من جهة غفلتهم وكفرهم الخفىّ {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} كما يكون سلوك البدن بالمركب او الرّجلين كذلك سلوك النّفس ومركبها ورجلاها الصّدق، فالصّدق بحسب الظّاهر استعارة تخييليّة واثبات القدم له ترشيح وتنكير الصّدق وافراد القدم اشارة الى كفاية ثبات قدمٍ واحدةٍ لشيءٍ من الصّدق {عِندَ رَبِّهِمْ} لانّه يجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون فاذا ثبت لهم قدم واحدة من صدقٍ ما فازوا بكلّما وعد الله المقرّبين، وقد فسّر فى الاخبار بالشّفاعة وبمحمّد (ص) وبالولاية والكلّ صحيح كما عرفت {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ} بيان لانكارهم الوحى المستفاد من تعجّبهم ولذا لم يأت بالعاطف وجعله جواباً للسّؤال عنهم {إِنَّ هَـٰذَا} القرآن او الادّعاء من محمّدٍ (ص) او تصرّفه فى النّاس وصرفهم الى نفسه او المجموع {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} كلّ فعلٍ او قولٍ دقيق يؤثّر فى النّفوس ولا يعلم سبب تأثيره يسمّى سحراً سواء كان بالتّصرّفات الملكوتيّة السّفليّة او العلويّة او امتزاجات القوى الرّوحانيّة مع القوى الطّبيعيّة او بالتّصرّفات الطّبيعيّة المحضة.

اطفيش

تفسير : {أكَانَ} استفهام إنكار وتوبيخ {للنَّاسِ} قريش والعرب، أو أهل مكة، اللام للبيان، تبين أن العجب لهم علقها بعضهم بقوله: {عَجباً} لأنه لا ينحل هنا إلى فعل وحرف مصدر، فلم يضر تقديم معمول المصدر على المصدر، ولأن المعمول ظرف وعلقها بعض بمحذوف حال من {عَجباً} ولو كان نكرة لتقدم، والمسوغ بالاستفهام، وعلقه بعض بكان وهو أولى، والصحيح جواز التعليق بالفعل الناقص، وعجباً خبر كان مقدم، والعجب حالة تعترى الإِنسان عند الجهل بسبب الشىء {أنْ أَوْحَيْنا} اسم كان فى التأويل، ويجوز كونه اسمها، وللناس خبرها، وعجباً حال من ضمير الاستقرار فى قوله: {للناس}، ويفيد الخبر الفائدة الكاملة بهذه الحال، وقرأ ابن مسعود برفع عجب، وكذا فى مصحفه على الأخبار بالمعروفة عن النكرة، إذ عجب اسم كان، وإن أوحينا فى التأويل خبرها، والتقدير فى جاءنا وهو معرفة، وهم حكموا بأن حرف المصدر ومدخوله فى حكم الضمير، أو على أنه بدل من عجب بالرفع، وكان تامة، وعجب فاعلها، أو ناقصة فخبرها للناس، وإنما قال: {للناس} ولم يقل: عند الناس، والله أعلم، ليدل على أنهم جعلوه أعجوبة لهم فيوجهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم. {إلى رَجُلٍ} وقرئ بإسكان الجيم مع فتح الراء {مِنْهم} من العرب أو من قريش، أو أهل مكة، أو الناس من سائرهم لا ممن له شرف بمال وجاه، وذلك من عظم جهلهم، إذ كونه بشراً أليق من كونه ملكاً، وكونه لا مال له ولا جاه هو أعون شىء فى أداء الرسالة، بحيث لا يشغله مال عن أدائها، ولا يمنعه تعلق جاء به، ولا عجب فى ذلك، وإنما العجب فى تعطيل العقاب والثواب. {أنْ} مفسرة أو مصدرية، وعليها فالمصدر مفعول لأوحينا {أنْذِرِ النَّاسَ} خوفهم بالعقاب إن أصروا على الكفر أو المعصية مطلقاً، ولذلك عمم، إذ ما من أحد إلا وفيه ما ينبغى أن ينذر عنه. {وبَشِّر الَّذينَ آمنُوا} أخبرهم إختاراً ساراً {أنَّ} أى بأن {لَهم قَدمَ صِدْقٍ} أى عملا صالحاً مقبولاً لصدقهم فيه، وإخلاصهم إياه، وسمى قدماً لأن به وصولهم إلى الدرجات العلى، كما أن الإِنسان يتوصل بقدمه إلى المكان الذى ليس فيه، وسميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وبإعلان صاحبها يبوء بها، أى يمد، وأضيف للصدق لصدقهم فيه، وإخلاصهم، أو أراد بالقدم الثواب على أعمالهم تشبيهاً لغويا بالشىء ناله الإنسان بالسعى إليه بقدمه، فسمى باسم آلته، أو سابقة سعادة ومنزلة رفيعة، أو موته صلى الله عليه وسلم كما ورد: "حديث : أنا فرطكم على الحوض" تفسير : أو الشفاعة، فيجوز أن تكون التسمية بالقدم لقدومهم على ذلك بالموت، وأن تكون الإضافة أو الصدق لتحقق ذلك لهم، أو لمجرد المدح. {عِندَ ربِّهم} ناهيك بما هو عند الله محفوظاً {قالَ الكَافِرُونَ} وقال الطبرى جواب للما محذوفاً، أى لما أنذر وبشر قال الكافرون ا هـ، ويجوز أن يقدر: قال الكافرون عند إنذاره وتبشيره، قيل: وأن يكون تفسيرا لقوله: {أكان للناس عجباً} على معنى أنهم مالوا عن ذلك العجب، ويجوز أن يكون مستأنف كلام. {إنَّ هذا} أى القُرآن أو الوحى مطلقا {لسَحرٌ مُبينٌ} بين، قالوا ذلك لأنهم رأوا منه ما فرق كلمتهم، وحال بين القريب وقريبه، خوارق عادة تعجزهم عن المعارضة، فقولهم ذلك متضمن لاعترافهم بالعجز، أو لأنهم يرون نحو البعث مما يخبرهم مضمحلا لا يثبت كالسحر، وقرأ ابن كثير، والكوفيون، ومسروق، وابن جبير، وابن مسعود، ومجاهد وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، وعيسى بن عمرو، وابن كثير: بخلاف عنهما، وابن محيصن: لساحر بالألف على أن الإشارة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما على القراءة الأولى فلا تصح الإِشارة إليه إلا على المبالغة، أو بالتأويل بالوصف، أو بتقدير مضاف، وعن الأعمش: ما هذا إلا ساحر مبين، وفى مصحف أبىّ: ما هذا إلا سحر مبين.

اطفيش

تفسير : {أَكَانَ} استفهام تعجيب أَو إِنكار للياقة تعجبهم منه تعجب إِنكار فإِنهم تعجبوا منه منكرين له {لِلنَّاسِ} متعلق بكان لأَن التحقيق أَن كان وأَخواتها دوال على الحدث، أَو حال من قوله {عَجَباً} وهو خبر كان واسمها {أَنْ أَوْحَيْنَا} أَى أَكان للناس إِيحاؤُنا عجبا، والعجب استعظام أَمر خفى سببه، أَو حالة تعترى الإِنسان من رؤية شىءٍ على خلاف العادة، أَو حالة تعترى الإِنسان عند الجهل بسبب شىءٍ {إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم، يقولون: العجب أَن الله سبحانه وتعالى لم يجد رسولا لا يرسله إِلا يتيم أَبى طالب لا مال له ولا جاه؛ لجهلهم أَو لعنادهم، فإِن خفة المال أَليق بالاشتغال بأَداءِ الرسالة ولم يثبت عندهم أَن كل نبى له مال واسع، ولا أَن كل نبى له جاه، وإِن وقع لبعضهم مال كإِبراهيم وسليمان وأَيوب، أَو يحتمل أَن يكون المعنى إِلى رجل لا ملك، أَبعث الله بشرا رسولا، لو شاءَ لأَنزل ملائِكة، وهذا أَكثر فى القرآن، ويناسبه قوله منهم فإِنه ليس لو كان من سائِر العرب لرضوا، وأَما عزة نسبه وبلاغته وعفته وأَمانته فلا ينكرونها {أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ} تفسير لأَوحينا إِذ فيه معنى القول دون حروفه فأن تفسيرية أَو مفعول به أَى أَوحينا إِليك إِنذار الناس، فأَن مخففة والذى عندى أَن حرف المصدر لا يدخل على الطلب أَو الإِنشاء اللهم على تقدير القول، أَى أَنه قيل له: أَنذر الناس، ثم رأَيت للجمهور والإِمام أَبى حيان أَنه لا يدخل على الإِنشاء لأَن المصدر لا يدل عليه، واعترض بأَنه يفوت معنى المضى والاستقبال أَيضاً إِنما دخلت على الأَخبار. قلت: اعتراض باطل لأَن المصدر صالح فى المعنى للمضى والاستقبال استعمالا، وأَيضاً يدل على الحدث والزمان لازم للحدث {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} أَى بأَن لهم قدم صدق، وإِنما عمم الإِنذار وخص التبشير بالذين آمنوا لأَنه لا يخلوا مكلف عن شىءٍ ينذر فيه، وليس فى الكفار ما يبشرون به فخص التبشير بهم. ويجوز أَن يراد بالناس الكفار المعهودون فى قوله: أَكان للناس، وعلى الأَول يدخلون بالأولى، وقدم الصدق المنزلة الرفيعة سميت باسم قدم المشىلأَن السبق بها فهو سبق إِليها كما يسمى النعمة يداً لأَنها تكسب بها وتعطى بها، وذلك من باب التسمية بالآلة والسبب، والمراد الأَعمال الصالحة، وأَضافها للصدق تنبيها على تحقيقها وإِخلاصها لله عز وجل، ويجوز أَن يراد الثواب، وقيل: السعادة فى علم الله أَو فى اللوح. وقيل: شفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقدم فى هذه الأَقوال بمعنى أَنه يقدم على تلك الأَشياء، وحذف المنذر به للتهويل وشمول كل من يصلح، وذكر المبشر به ترغيباً فى الطاعة وثوابها، وقدم الإِنذار لأَن التخلى قبل التحلى، وفسر قدم بسابقة سبق لهم خير عند الله وهو عملهم المخزون عنده، أَو ثوابهم أَو الأَصل القدم الصادقة، وأُضيف المنعوت للنعت، وجعل المصدر وهو الصدق موضع اسم الفاعل فيؤول لقدم هى الصدق، أَو قدم الأَمر الصادق، ويقال: القدم مجاز مرسل عن السبق لكونه سبباً وآلة، والسبق مجاز عن الفضل والتقدم المعنوى إِلى المنازل الرفيعة، فهو مجاز بمرتبتين وإِن جعلنا السبق عاماً للمعنوى والحسى فالمجاز بمرتبة، وقيل: المراد تقدمهم فى دخول الجنة. قال صلى الله عليه وسلم: حديث : نحن السابقون الآخرون يوم القيامةتفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : الجنة محرمة على الأَنبياء حتى أَدخلها وعلى الأُمم حتى تدخلها أُمتىتفسير : ، وقيل: القدم محمد صلى الله عليه وسلم {قَالَ الْكَافِرُونَ} هؤلاءِ المتعجبون عبر عنهم باسم الكفر إِيذانا بأَن تعجبهم صور عن كفرهم أَو مطلق الكافرين {إِنَّ هَذَا} أَى القرآن المشتمل على رسالة محمد أَو ما جاءَ به محمد قرآناً أَو غيره، والأَول أَولى لأَن السياق جاءَ بالكتاب وهو القرآن لا بعموم الوحى، إِلا أَن يتكلف أَنه ذكر إِشارتهم العامة فى غير المحل {لَسِحْرٌ مُبِينٌ} ظاهر. وفى وصفهم القرآن بالسحر إِقرار بأَنهم رأَوا من القرآن أَمراً خارقاً للعادة من البلاغة والإِخبار بالغيوب مع عجزهم عن معارضته، ولو لم يخرق العادة لم يسموه سحراً، والمراد بالسحر ما حصل من معالجة السحر للأَنفس، المعنى المصدرى. وقيل هذا إِشارة إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسحر مبالغة أَو بمعنى ذو سحر أَو ساحر.

الالوسي

تفسير : {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لوقوعه في غير محله، والمراد بالناس كفار العرب، والتعبير عنهم باسم / الجنس من غير تعرض لكفرهم الذي هو المدار لتعجبهم كما تعرض له فيما بعد لتحقيق ما فيه من الشركة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم وتعيين مدار التعجيب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد الإنكار، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالاً من {عَجَباً} كما هو القاعدة في نعت النكرة إذا تقدم عليها، وقيل: متعلقة بعجباً بناء على التوسع المشهور في الظروف، وبعضهم جعلها متعلقة به لا على طريق المفعولية كما قي قوله: شعر : عجبت لسعي الدهر بيني وبينها تفسير : بل على طريق التبيين كما في {أية : هَيْتَ لَكَ}تفسير : [يوسف: 23] وسقياً لك ومثل ذلك يجوز تقديمه على المصدر. وأنت تعلم أن هذا قول بالتعلق بمقدر في التحقيق، وقيل: إنها متعلقة به لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معمولة عليه، وجوز أيضاً تعلقه بكان وإن كانت ناقصة بناءً على جوازه، و{عَجَباً} خبر {كَانَ} قدم على اسمها وهو قوله سبحانه: {أَنْ أَوْحَيْنَا} لكونه مصب الإنكار والتعجيب وتشويقاً إلى المؤخر ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي تقديمه رعاية للأصل نوع إخلال بتجاوب أطراف النظم الكريم. وقرأ ابن مسعود {عجب} بالرفع على أنه اسم {كَانَ} وهو نكرة والخبر {أَنْ أَوْحَيْنَا} وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر المضاف إلى المعرفة فهو كقول حسان: شعر : كأن سبيئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل وماء تفسير : وحمله بعضهم على القلب، وفي قبوله مطلقاً أو إذا تضمن لطيفة خلاف والمعول عليه اشتراط التضمن وهو غير ظاهر هنا، وحكي عن ابن جني أنه قال: إنما جاز ذلك في البيت من حيث كان عسل وماء جنسين فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء، ونكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب أي فإذا الأسد بالباب لا فرق بينهما لأنك في الموضعين لا تريد أسداً معيناً، ولهذا لم يجز هذا في قولك: كان قائم أخاك وكان جالس أباك لأنه ليس في جالس وقائم معنى الجنسية التي تتلاقى معنى نكرتها ومعرفتها. ومعنى الآية على هذا كان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل وهو التعجب، ولا يخفى أن المصدر المتحصل هو المصدر المضاف إلى المعرفة كما سمعت فاعتباره محلى بأل الجنسية خلاف الظاهر. وأجاز بعضهم الإخبار عن المعرفة بالنكرة في باب النواسخ خاصة سواء كان هناك نفي أو ما في حكمه أم لا. وابن جني يجوز ذلك إذا كان نفي أو ما في حكمه ولا يجوز إذا لم يكن، وفي الآية قد تقدم الاستفهام الإنكاري على الناسخ وهو في حكم النفي. واختار غير واحد كون {كَانَ} تامة. و {عَجَب} فاعل لها و {أَنْ أَوْحَيْنَا} بتقدير حرف جر متعلق بعجب أي لأن أوحينا أو من أن أوحينا أو هو بدل منه بدل كل من كل أو بدل اشتمال، والإنكار متوجه إلى كونه عجباً لا إلى حدوثه وكون الإبدال في حكم تنحية المبدل منه ليس معناه إهداره بالمرة كما تقرر في موضعه، واقتصر في «اللوامح» على أن {لِلنَّاسِ} خبر {كَان}، وتعقب بأنه ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره من الناس لا مطلقاً وفيه ركاكة ظاهرة فافهم. وإنما قيل: للناس لا عند الناس للدلالة على أنهم اتخذوه أعجوبة لهم وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا يخفى. {إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ} أي إلى بشر من جنسهم كقوله تعالى حكاية: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94] وقوله سبحانه: {أية : لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلَـٰئِكَةً}تفسير : [فصلت: 14] أو إلى رجل من أفناء رجالهم من حيث المال لا من حيث النسب لأنه صلى الله عليه وسلم كان من مشاهيرهم فيه وكان منه بمكان لا يدفع فهو كقولهم: / {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}تفسير : [الزخرف: 31] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يقولون: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبـي طالب والعجب من فرط جهلهم أما في قولهم الأول فحيث لم يعلموا أن بعث الملك إنما يكون عند كون المبعوث إليهم ملائكة كما قال تعالى: {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلَـٰئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولاً }تفسير : [الإسراء: 95] وأما عامة البشر فبمعزل عن استحقاق مفاوضة الملائكة لأنها منوطة بالتناسب فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة بعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ليتأتى لهم الاستفاضة والإفاضة وهذا تابع للاستعداد الأزلي كما لا يخفى، وأما في قولهم الثاني فلأن مناط الاصطفاء للإيحاء إلى شخص هو التقدم في الاتصاف بما علمت والسبق في إحراز الفضائل وحيازة الملكات السنية جبلة واكتساباً، ولا ريب لأحد في أن للنبـي صلى الله عليه وسلم القدح المعلى من ذلك بل له عليه الصلاة والسلام فيه غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية يقول رائيه: شعر : وأحسن منك لم تر قط عيني ومثلك قط لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء تفسير : وكذا يقول: شعر : ولو صورت نفسك لم تزدها على ما فيك من كرم الطباع تفسير : وأما التقدم في الرياسة الدنيوية والسبق في نيل الحظوظ الدنية فلا دخل له في ذلك قطعاً بل له إخلال به غالباً، وما أحسن قول الشافعي رضي الله تعالى عنه من أبيات: شعر : لكن من رزق الحجا حرم الغنى ضدان مفترقان أي تفرق تفسير : وما ذكروه من اليتم أن رجع إلى ما في الآية على التوجيه الثاني فبطلانه بطلانه وإن أرادوا أن أصل اليتم مانع من الإيحاء إليه صلى الله عليه وسلم فهو أظهر بطلاناً وأوضح هذياناً وما ألطف ما قيل إن أنفس الدر يتيمه، وقيل للحسن: لم جعل الله تعالى النبـي صلى الله عليه وسلم يتيماً؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإن الله سبحانه هو الذي آواه وأدبه ورباه صلى الله عليه وسلم هذا والوجه الثاني من الوجهين السابقين في قوله سبحانه: {إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ} على الوجه الذي ذكرناه هو الذي أراده صاحب «الكشاف» ولم يرتضه الجلال السيوطي وزعم أن التحامي عنه أولى، ثم قال: والذي عندي في تفسير ذلك أن المراد إلى مشهور بينهم يعرفون نسبه وجلالته وأمانته وعفته كما قال سبحانه في آخر السورة التي قبل {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] فإن هذا هو محل إنكار العجب ويكون هذا وجه مناسبة وضع هذه السورة بعد تلك واعتلاق أول هذه بآخر تلك، ونظيره {أية : وَلَقَدْ جَآءهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ}تفسير : [النحل: 113] {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 129] إلى آخر ما قال، وتعقب بأنه غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم وتذليلهم وتحقير من أعزه الله تعالى وعظمه والذي يقتضيه سبب النزول تعين الوجه الأول هنا. فقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله تعالى أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد عليه الصلاة والسلام فأنزل سبحانه {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ} الآية، وقوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً}تفسير : [النحل: 43] الآية. / فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشراً فغير محمد صلى الله عليه وسلم كان أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأنزل الله تعالى رداً عليهم {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } تفسير : [الزخرف: 32] الآية ومنه يعلم أن ما حكى في الوجه الثاني سبب لنزول آية أخرى. {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ} أي أخبرهم بما فيه تخويف لهم مما يترتب على فعل ما لا ينبغي، والمراد به جميع الناس الذين يمكنه عليه الصلاة والسلام تبليغهم ذلك لا ما أريد بالناس أولاً وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار، وكون الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق، و {أنْ} هي المفسرة لمفعول الإيحاء المقدر وقد تقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء أو هي المخففة من المثقلة على أن اسمها ضمير الشأن، والجملة الأمرية خبرها وفي وقوعها خبر ضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف، فذهب صاحب «الكشف» إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن المقصود منها التفسير وخالفه غير واحد في ذلك وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره. وقال بعضهم: هي المصدرية الخفيفة في الوضع بناءً على أنها توصل بالأمر والنهي والكثير على المنع، وذكر أبو حيان هذا الاحتمال هنا مع أنه نقل عنه في «المغني» أن مذهبه المنع لما أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر. واعترض بأنه يفوت معنى المضي والحالية والاستقبال المقصود أيضاً مع الاتفاق على جواز وصلها بما يدل على ذلك، وأجيب بأنه قد يقال: بأن بينهما فرقاً فإن المصدر يدل على الزمان التزاماً فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر والنهي فإنه لا دلالة للمصدر عليهما أصلاً. وقال بعض المدققين: إن المصدر كما يجوز أخذه من جوهر الكلمة يجوز أخذه من الهيئة وما يتبعها فيقدر في هذا ونحوه أوحينا إليه الأمر بالإنذار كما قدر في ـ أن لا تزني خير ـ عدم الزنا خير، ولا يخفى أن هذا البحث يجري في أن المخففة من الثقيلة لأنها مصدرية أيضاً وأن أقل الاحتمالات مؤنة احتمال التفسير. {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بما أوحيناه إليك وصدقوه {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم {قَدَمَ صِدْقٍ} أي سابقة ومنزلة رفيعة {عِندَ رَبِّهِمْ} وأصل القدم العضو المخصوص، وأطلقت على السبق مجازاً مرسلاً لكونها سببه وآلته وأريد من السبق الفضل والشرف والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة مجازاً أيضاً فالمجاز هنا بمرتبتين، وقيل: المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نحن الآخرون السابقون يوم القيامة»تفسير : وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي»تفسير : ، وقيل: تقدمهم في البعث وأصل الصدق ما يكون في الأقوال ويستعمل كما قال الراغب في الأفعال فيقال: صدق في القتال إذا وفاه حقه وكذا في ضده يقال: كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهراً وباطناً ويضاف إليه كمقعد صدق ومدخل صدق ومخرج صدق إلى غير ذلك، وصرحوا هنا بأن الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل قدم صدق أي محققة مقررة، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ثم جعل الصدق كأنه صاحبها، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب وفي ذلك تنبيه على أن ما نالوه من المنازل الرفيعة كان بسبب صدق القول والنية. وقال بعضهم: إن هذا التنبيه قد يحصل على الاعتبار الأول لأن الصدق قد تجوز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه وهذا كما قالوا: أن أبا لهب / يشير إلى أنه جهنمي وفيه خفاء كما لا يخفى. ويجوز إلى يراد بالقدم المقام بإطلاق الحال وإرادة المحل، وعن الأزهري أن القدم الشيء الذي تقدمه قدامك ليكون عدة لك حين تقدم عليه ويشعر بأنه اسم مفعول وبه صرح بعضهم وقال إنه كالنقض، وقيل: إنه اسم للحسنى من العبد كما أن اليد اسم للحسنى من السيد وفعلوا ذلك للفرق بين العبد والسيد وهو من الغرابة بمكان، ولا يكاد يصح في قول ذي الرمة: شعر : لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر تفسير : وقوله:شعر : وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة لهم قدم معروفة في المفاخر تفسير : والسبق هو الأسبق إلى الذهن في ذلك وكذا في قول حسان: شعر : لنا القدم العليا إليك وخلفنا لأولنا في طاعة الله تابع تفسير : وقول الآخر: شعر : صل لذي العرش واتخذ قدما تنجيك يوم العثار والزلل تفسير : محتمل لسائر المعاني وهل يطلق على سابقة السوء أو لا؟ الظاهر الأول وقد نص على ذلك أبو عبيدة. والكسائي. وقال صاحب «الانتصاف» ((لم يسموا سابقة السوء قدماً إما لكون المجاز لا يطرد وإما لأنه غلب في العرف على سابقة الخير)) وفيه نظر، وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما له بالأجر وابن مسعود بالعمل لا يخرج عما ذكرنا من معانيه، وكذا تفسير علي كرم الله تعالى وجهه وأبـي سعيد الخدري والحسن وزيد بن أسلم له برأس الموجودات محمد صلى الله عليه وسلم يرجع إلى تفسيره بالخير والسعادة كما قاله جمع، وكونه صلى الله عليه وسلم خيراً وسعادة للمؤمنين ما لا يمتري فيه مؤمن، أو يقال: إن المراد شفاعته صلى الله عليه وسلم والأمر في ذلك حينئذٍ في غاية الظهور وخص التبشير بالمؤمنين لأنه لا يتعلق بالكفار وتبشيرهم أن آمنوا راجع إلى تبشير المؤمنين وهذا بخلاف الإنذار فإنه يتعلق بالمؤمن والكافر ولذلك ذكره سبحانه ولم يذكر جل وعلا المنذر به للتعميم والتهويل، وذكر المبشر به على الوجه الذي ذكره لتقوى رغبة المؤمنين فيما يؤديهم إليه، وقدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التحلية وإزالة ما لا ينبغي مقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي. {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ} هم المتعجبون وإيرادهم بهذا العنوان على بابه، وترك العاطف لجريانه مجرى البيان للجملة التي دخل عليها همزة الإنكار أو لكونه استئنافاً مبنياً على السؤال كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب هل بقوا على التردد والاستبعاد أو قطعوا فيه بشيء؟ فقيل: قال الكافرون على طريقة التأكيد {إِنَّ هَذَا} أي ما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم من الكتاب المنطوي على الإنذار والتبشير، وزعم الخازن أن في الكلام حذفاً أي أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر وبشر فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون إن هذا {لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} أي ظاهر. وقرأ ابن كثير والكوفيون {لساحر} على أن الإشارة إلى رجل وعنوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي قراءة أبـي {ما هذا إلا سحر مبين} وأرادوا بالسحر الحاصل بالمصدر، وفي هذا اعتراف بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ولكنهم / يسمونه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو شنشنة المكابر اللجوج ونشنشة المفحم المحجوج.

ابن عاشور

تفسير : {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن جملة {تلك آيات الكتاب الحكيم} [يونس: 1] بما فيها من إبهام الداعي إلى التوقف على آيات الكتاب الحكيم تثير سؤالاً عن ذلك الداعي فجاءت هذه الجملة تبيّن أن وجه ذلك هو استبعاد الناس الوحي إلى رجل من الناس استبعادَ إحالة. وجاءت على هذا النظم الجامع بين بيان الداعي وبين إنكار السبب الذي دَعا إليه وتجهيل المتسببين فيه، ولك أن تجعله استئنافاً ابتدائياً، لأنه مبدأ الغرض الذي جاءت له السورة، وهو الاستدلال على صدق الرسول وإثبات البعث. فالهمزة للاستفهام المستعمل في الإنكار، أي كيف يتعجبون من ذلك تعجب إحالة. وفائدة إدخال الاستفهام الإنكاري على (كان) دون أن يقال: أعجِبَ الناسُ، هي الدلالة على التعجيب من تَعَجُّبهم المراد به إحالة الوحي إلى بَشر. والمعنى: أحدث وتقرر فيهم التعجب من وحينا، لأن فعل الكون يشعر بالاستقرار والتمكن فإذا عبر به أشعَرَ بأن هذا غير متوقَّع حصوله. و{للناس} متعلق بـ{كَان} لزيادة الدلالة على استقرار هذا التعجب فيهم، لأن أصل اللام أن تفيد الملك، ويستعار ذلك للتمكن، أي لتمكن الكون عجباً من نفوسهم. و{عَجباً} خبر {كان} مقدم على اسمها للاهتمام به لأنه محل الإنكار. و{أنْ وأحينا} اسم كان، وجيء فيه بـ(أنْ) والفعل دون المصدر الصريح وهو وَحْينا ليتوسل إلى ما يفيده الفعل من التجدد وصيغة المضي من الاستقرار تحقيقاً لوقوع الوحي المتعجب منه وتجدده وذلك ما يزيدهم كمداً. والعجب: مصدر عَجِب، إذا عَدَّ الشيءَ خارجاً عن المألوف نادر الحصول. ولما كان التعجب مبدأ للتكذيب وهم قد كذبوا بالوحي إليه ولم يقتصروا على كونه عجيباً جاء الإنكار عليهم بإنكار تعجبهم من الإيحاء إلى رجل من البشر لأن إنكار التعجب من ذلك يؤول إلى إنكار التكذيب بالأوْلى ويَقلع التكذيب من عروقه. ويجوز أن يكون العجب كناية عن إحالة الوقوع، كما في قوله تعالى: {أية : قالت يا ويْلتي أألِدُ وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله}تفسير : في سورة [هود: 72، 73] وقوله: {أية : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم}تفسير : في سورة [الأعراف: 63]. وكانت حكاية تعجبهم بإدماج ما يفيد الرد عليهم بأن الوحي كانَ إلى رجل من الناس وذلك شأن الرسالات كلها كما قال تعالى: {أية : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يُوحى إليهم}تفسير : [النحل: 43] وقال: {أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9] وقال: {أية : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً}تفسير : [الإسراء: 95]. وأطلق {الناس} على طائفة من البشر، والمراد المشركون من أهل مكة لأنهم المقصود من هذا الكلام. وهذا الإطلاق مثل ما في قوله: {أية : إن الناس قد جمعوا لكم}تفسير : [آل عمران: 173]. وعن ابن عباس أنكرت طائفة من العرب رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: الله أعظم من أن يكون له رسول بشراً، فأنزل الله تعالى: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس}. و{أن} في قوله: {أن أنذر الناس} تفسيرية لفعل {أوحينا} لأن الوحي فيه معنى القول. و{الناس} الثاني يعم جميع البشر الذين يمكن إنذارهم، فهو عموم عرفي. ولكون المراد بــ{الناس} ثانياً غير المراد به أولَ ذُكر بلفظه الظاهر دون أن يقال: أن أنذرهم. ولما عطف على الأمر بالإنذار الأمرُ بالتبشير للذين آمنوا بقي {الناس} المتعلق بهم الإنذار مخصوصاً بغير المؤمنين. وحذف المنذر به للتهويل، ولأنه يُعلم حاصله من مقابلته بقوله: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قَدَم صدق}، وفعل التبشير يتعدى بالباء، فالتقدير: وبشر الذين آمنوا بأن لهم قدم صدق، فحذف حرف الجر مع (أنَّ) جرياً على الغالب. والقَدم: اسم لما تَقدم وسلَف، فيكون في الخير والفضل وفي ضده. قال ذو الرمة:شعر : لكم قَدم لا ينكِر الناس ألها مع الحَسَب العادِيّ طَمَّت على البحر تفسير : وذكر المازري في «المُعْلم» عن ابن الأعرابي: أن القدم لا يعبر به إلا عن معنى المقدم لكن في الشرف والجلالة. وهو فَعَل بمعنى فاعل مثل سلَف وثَقَل. قال ابن عطية: ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: «حديث : حتى يضع رب العزة فيها قَدَمه فتقول قط قط»تفسير : ـ يشير إلى حديث أنس بن مالك قال نبيء الله صلى الله عليه وسلم ما تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة (وفي رواية الجبار) فيها قدمه فتقول قط قط، وعزتك. ويُزوَى بعضُها إلى بعض. وهذا أحد تأويلين لمعنى «قَدمه». وأصل ذلك في «المُعلم على صحيح مسلم» للمازري وعزاه إلى النضر بن شميل. والمراد بـ {قدم صدق} في الآية قدم خَير، وإضافة {قدم} إلى {صِدق} من إضافة الموصوف إلى الصفة. وأصله قدمٌ صِدقٌ، أي صادق وهو وصف بالمصدر: فعلى قول الجمهور يكون وصف {صدق} لـ{قدم} وصفاً مقيِّداً. وعلى قول ابن الأعرابي يكون وصفاً كاشفاً. والصدق: موافقة الشيء لاعتقاد المعتقد، واشتهر في مطابقة الخَبر. ويضاف شيء إلى (صدق) بمعنى مصادفته للمأمول منه المرضي وأنه لا يخيب ظن آمل كقوله: {أية : ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق}تفسير : [ يونس: 93] وقوله: {أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر}تفسير : [القمر: 55]. وقوله: {أن أنذر الناس} تفسير لفعل {أوحينا}. وإنما اقتصر على ذكر هذا الموحى به لأن ذلك هو الذي حملهم على التكذيب إذ صادف صرفهم عن ضلاله دينهم وسمعوا منه تفضيل المؤمنين عليهم. وإيضاً في ذكر المفسِّر إدماج لبشارة المؤمنين بهذه المزية. {قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ} هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: {أكان للناس عجباً} الخ. ووجه هذا الإبدال أن قولهم هذا ينبىء عن بلوغ التعجب من دعوى الوحي والرسالة من نفوسهم مزيد الإحالة والتكذيب حتى صاروا إلى القول: {أية : إن هذا لسحر مبين}تفسير : [يونس: 76] أو {إن هذا لساحِر مبين} فاسم الإشارة راجع إلى ما تضمنته جملة {أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا}. وقرأه الجمهور «لسِحْر» ـ بكسر السين وسكون الحاء على أن المراد به الحاصل بالمصدر، أي أن هذا الكلام كلام السحرِ، أي أنه كلام يُسحر به. فقد كان من طرق السحر في أوهامهم أن يقول الساحر كلاماً غير مفهوم للناس يوهمهم أن فيه خصائص وأسماء غير معروفة لغير السحرة، فالإشارة إلى الوحي. وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي {لسَاحر} فالإشارة إلى رجل من قوله: {إلى رجل منهم} وهو النبي صلى الله عليه وسلم وإن وصفهم إياه بالسحر ينبىء بأنهم كذبوا بكونه من عند الله ولم يستطيعوا أن يدعوه هذياناً وباطلاً فهرعوا إلى ادعائه سِحراً، وقد كان من عقائدهم الضالة أن من طرائق السحر أن يقول الساحر أقوالاً تستنزل عقول المسحورين. وهذا من عجزهم من الطعن في القرآن بمطاعن في لفظه ومعانيه. والسحر: تخييل ما ليس بكائن كائناً. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : يعلمون الناس السحر}تفسير : في سورة [البقرة: 102]. والمبين: اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان، أي ظهر، أي سحر واضح ظاهر. وهذا الوصف تلفيق منهم وبهتان لأنه ليس بواضح في ذلك بل هو الحق المبين.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُوۤاْ} {ٱلْكَافِرُونَ} {لَسَاحِرٌ} (2) - يَسْتَنْكِرُ اللهُ تَعَالَى تَعَجُّبَ الكُفَّارِ مِنْ إِرْسَالِ المُرْسَلِينَ مِنَ البَشَرِ، فَيَقُولُ: عَجِيبٌ أَمْرُ هؤلاءِ الكُفَّارِ أَنْ يُنْكِرُوا إِنْزَالَ الوَحْيِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ جِنْسِهِمْ، وَأَنْ يَعُدُّوا ذَلِكَ أَمْراً عَجِيباً يَتَفَكَّهُونَ بِهِ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم رَسُولاً أَنْكَرَتِ العَرَبُ ذَلِكَ، أَوْ مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اللهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَسُولُهُ بَشَراً مِثْلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً ....). وَمَهَمَّةِ الرَّسُولِ هِيَ أَنْ يُنْذِرَ الكَافِرِينَ بِعَذَابِ جَهَنَّمَ، إِذا اسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَأَنْ يُبَشِّرَ المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُمْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ بِمَا قَدَّمُوهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ: مِنْ صَوْمٍ وَصَلاَةٍ وَتَسْبِيحِ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، وَجِهَادٍ لِلْكَافِرِينَ ... أَمَّا الكَافِرُونَ فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ هذا الرَّسُولَ لَسَاحِرٌ ظَاهِرُ السِّحْرِ (مُبِينٌ)، يُؤَثِّرُ فِي النُّفُوسِ، وَيَجْذِبُها إِلى الإِيمَانِ بِاللهِ، وَاحْتِقَارِ الحَيَاةِ وَلَذَّاتِهَا فِي سَبيلِ اللهِ، وَهُمُ الكَاذِبُونَ فِي ذَلِكَ. مُبِينٌ - ظَاهِرٌ وَاضِحٌ. قَدَمَ صِدْقٍ - سَابِقَةَ فَضْلٍ وَمَنْزِلَةً رَفِيعَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما هو العجيب - إذن - في أن الله أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار الله وبشارته؟ ما الذي تعجبتم منه؟ وما موضع العجب فيه؟ وجاء تحديد العجب فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة السابقة من أنه: {أية : رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ...} تفسير : [التوبة: 128]. أي: من البشر، ومن العرب، ومن قبائلكم، ومن أنفسكم ممن تعرفون كل خُلُقه، فما العجيب في أن يرسله الله رسولاً إليكم؟ إنكم قد ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل عليه الوحي من الله، فكأنكم احترمتم طبعه الكريم، وأنكم في كثير من الأشياء قبلتم منه ما يصل إليه من أحكام. ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة، وقالت كل قبيلة: نحن أولى بأن نضع بأيدينا أقدس شيء في الكعبة، وهو الحجر، حين ذلك اختلفت القبائل؛ فما كان إلا أن حَكَّموا أول داخل؛ فشاء الله أن يكون أول داخل هو محمد بن عبد الله، فكيف يحل محمد بن عبد الله هذه المشكلة، ولم يكن قد نزل عليه وحي بعد؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلاً لاستقبال وحي الله فيما بعد، فماذا صنع؛ لينهي هذا الخلاف؟ جاء برداء، ووضع الحجر على الرداء، ثم قال لكل قبيلة: أمسكوا بطرف من الرداء، واحملوا الحجر إلى مكانه. وتلك هي الفطرة السليمة. ورأينا أيضاً سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع من الرحلة التي كان يقوم بها: لقد ادعى صاحبك النبوة، قال: "إن كان قد قالها فقد صدق". من أي أحداث جاء حكم أبي بكر. أهو سمع من رسول الله كلاماً معجزاً؟ أسمع منه قرآناً؟ لا، بل صدّقه بمجرد أن أعلن أنه رسول. فقد جربه في كل شيء ووجده صادقاً، وجربه في كل شيء ووجد أنه أمين، فما كان محمد لِيصْدُقَ فيما بين البشر، ليكذب على الله. وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتيني كذا وأخاف أن يكون كذا، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ويفضحه ويسلط عليه الجن: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ وتنصف المظلوم، ولن يخزيك الله أبداً" وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في الإسلام. وقوله سبحانه: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً} يعني: التعجب من أن يصدر منهم العجب، والقرآن يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا؛ لأنك حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه؛ لأنه بلغ من الحسن مبلغاً فوق مستوى ما تعرف من البشر، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول: ما أحسن هذه الصنعة، وتتساءل: ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟ وأنت تقول ذلك؛ لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغاً لا تصدق به أن أحداً من الموجودين في إمكانه أن يصنعها. والمثال على ذلك: نجد من يقول: ما أحسن السماء؛ وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره. وقد يتعجب من شيء قبيح، ما كان يجب أن يرد على الخاطر، ولذلك يقول القرآن: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ ...} تفسير : [البقرة: 28]. أي: قولوا لنا: كيف قبلتم لأنفسكم الكفر؟ لأن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة. وهنا يقول الحق: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ ...} [يونس: 2]. وهنا نتساءل: كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم، {أية : عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]. أليس هذا هو المطلوب في الرائد، فكيف تعجبون؟. إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء، وما كان يصح أن يُستقبل الرسول بالعجب، ونحن نتعجب من عجبكم هذا. وحين تتعجب من العجب؛ فأنت تبطل التعجب. {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ ...} [يونس: 2]. أي: أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيباً عندكم، وما كان يصح أن يكون أمراً عجيباً؛ لأنه أمر منطقي وطبيعي. ثم ما هو الوحي؟ لقد سبق أن أوضحنا أن الوحي هو الإعلام بخفاء. وهناك إعلام واضح مثل قولك لابنك: يا بني اسمع كذا، وافعل كذا. هذا إعلام واضح. وهناك إعلام بخفاء، كأن يدخل عندك ضيف؛ ثم يسهو خادمك - مثلاً - عن تحيته، فتشير للخادم إشارة؛ تعني بها أن يُسرع بتقديم التحية للضيف؛ من مرطبات، أو حلوى، وهكذا تكون قد أعلمت خادمك بخفاء. والحق سبحانه وتعالى يوحي إلى الجماد، فسبحانه يقول: {أية : إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا} تفسير : [الزلزلة: 1-5]. أي: أنه سبحانه وتعالى قد أعلمها إعلاماً خفيّاً؛ وهي قد فهمت بطريقة لا نعرفها. وسبحانه يوحي للحيوانات، فهو القائل: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ ...} تفسير : [النحل: 68]. وأنت لا يمكنك أن تقول: أنا سمعت الله وهو يوحي للنحل؛ لأن الوحي إعلام بخفاء، وهو سبحانه أعلم بالطريقة التي تم بها هذا الوحي، والنحل قد فهم عنه سبحانه، ولا شأن لك بذلك، فلا تسأل عن كيفية هذا الوحي. {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} تفسير : [النحل: 68]. أي: أنها فهمت عن الله بما أودع فيها من الغرائز. وسبحانه يوحي للملائكة وهو القائل: {أية : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ ...} تفسير : [الأنفال: 12]. ويوحي الحق سبحانه إلى غير الرسل؛ كما أوحى إلى أم موسى {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ...} تفسير : [القصص: 7]. وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعاً. إذن: فسبحانه يوحي للجماد، ويوحي للحيوان، ويوحي للملائكة ويوحي للصالحين من غير الأنبياء، ويوحي للأنبياء وللرسل. والوحي - كإعلام بخفاء - يقتضي مُعْلِماً، وهو الحق سبحانه وتعالى، ومُعْلَماً؛ وهو إما: الأرض، وإما النحل، وإما الملائكة، وإما إلى بعض الصالحين من غير الأنبياء، وإما إلى الرسل والأنبياء. وقد يأتي الوحي من غير الله، فسبحانه يقول: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ...} تفسير : [الأنعام: 112]. إذن: فالشياطين يُعلمون بعضهم البعض إعلاماً خفياً. ويقول الحق: {أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ...} تفسير : [النساء: 163]. والموحى إليه هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وحي خاص بالرسول، فلا تقل: أنا لم أسمع ماذا أوحي إلى محمد، ولا أعرف كيف نزل الوحي، فقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه أن يعلن ما أوحي إليه، ولو كنت أنت قادراً على سماع الوحي من جبريل، فما ضرورة إرسال الرسول إذن؟ إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه تحتاج إلى قوة تحمل، وضربنا المثل من قبل بأن الإنسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوي إلى مصدر ضعيف فهو لا يُسرب الطاقة من القويّ إلى الضعيف دفعةً واحدة، وإلا لما تحمَّل الضعيف تلك الطاقة القادمة إليه من القوي، ولذلك نحن نأتي بمحوِّل يتحمل طاقة القوي، ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد؛ مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلاً لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء، وهو ما نسميه بالعامية "ونّاسة". إذن: فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة القوي؛ ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي يوحي للرسول، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن الله؛ لذلك لا بد من واسطة تبلغ في الارتقاء بما يمسح لها بالتلقي عن الله، وتستطيع أن تلتقي بالبشر؛ وهذه خاصية المَلَك. ورغم هذا أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول صلى الله عليه وسلم في أول تلقيه للوحي، وكان صلى الله عليه وسلم يعرق حتى يتفصد العرق من جبينه، وإذا انصرف عنه الوحي قال: "زمّلوني .. زملوني" ويرتعد. وكان الصحابة يقولون: كان إذا نزل الوحي على رسول الله، وهو قاعد؛ وقد تكون ركبته على فخذ أحد الصحابة، فيجد الصحابي ثقلاً على رجله من شدة وطأة ركبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا نزل الوحي، والرسول يركب مطيه فهي تئط منه. إذن: كان الوحي يُتعب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يُسرَّى عنه التعب؛ تبقى له حلاوة ما أوحي إليه؛ فيتشوّق ثانية للوحي. وقد شاء الحق أن يشوّق النبي صلى الله عليه وسلم، للوحي ففتر الوحي لمدة من الزمن. وحين اشتاق النبي للوحي؛ كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة متقبلة لاستقبال هذا الوحي؛ بما فيه من تعب. ولله المثل الأعلى دائماً، قسْ أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب، أثناء المطر، والأرض موحلة ومليئة بالشوك، ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق وتعب. وشاء سبحانه أن يُرغِّب رسوله شوقاً إلى الوحي، رغم ما فيه من جهد؛ لأنه التقاء مَلَك ببشر، وهذا اللقاء يكون على صورتين: إما أن ينقلب الملَك إلى مرتبة بشرية؛ وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو،مثلاً حديث : دخل جبريل على رسول الله، وكان معه بعض من الصحابة، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟ ثم اختفى السائل، فسأل الصحابة رسول الله عن هذا السائل؛ فقال: "هذا جبريل جاءكم يُعلِّمكم أمور دينكم" ". تفسير : هذه هي الصورة الأولى في الوحي، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا مشقة فيها على النبي صلى الله عليه وسلم. أما الصورة الثانية، فقد كان فيها مشقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الملك يظل على طبيعته، والتحول إنما يحدث لمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان التحول يقتضي عملية كيمياوية تصيبه بالجهد؛ فيقول بعد أن يُسرى عنه: "زمّلوني". وشاء الحق أن يتلطف برسوله، ففتر الوحي فترة من الزمن. وقال الكافرون من العرب: إن رب محمد قد قلاه وهذا غباء منهم؛ لأنهم اعترفوا أن لمحمد ربّا. وما داموا قد اعترفوا، فعدم إيمانهم صلف وغباء، وأرادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله قد قلى محمداً. وقد شاء الحق أن ينقطع الوحي عن محمد صلى الله عليه وسلم هذه المدة؛ ليكشفهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم، لتنكشف نواياهم، وتثبت قلّة بصيرتهم، وافتقادهم للمنطق السليم، فهم حين اعترفوا أن لمحمد ربَّا، كان عليهم أن يحتكموا إلى عقولهم؛ ليعرفوا أنهم قد أقروا بالألوهية، لكنهم أرادوا بهذا الاعتراف أن ينسبوا النقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو قاضيناهم إلى عقولهم، وإلى الكون الذي عاشوا فيه، وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم، لعرفوا أن الأحداث لا بد لها من زمان ومكان؛ لأن كل حديث يتطلب زماناً ومكاناً، وإذا لم يوجد حدث؛ لا يوجد زمان أو مكان. ولذلك أقول دائماً لمن يسأل: أين كان الله؟ أقول له: أنت جئت بالأينية من الزمان، والمكانية من المكان، وهذا لا يتأتى إلا بوجود حدث. وما دام الله غير حدث، فلا زمان يحدده، ولا مكان يُحيّزه؛ لأن الزمان كان به، والمكان كان به. والأحداث هي عند البشر، فهم من يستقرون في المكان، ويتوالى عليهم الزمان. والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه "ظرف زمان"، والمكان الذي يحدث فيه الحدث اسمه "ظرف مكان"؛ وظرف المكان ظرف قارّ ثابت، بينما ظرف الزمان غير قارٍّ، بل هو حال، وبعد قليل يصبح الحال زمناً ماضياً؛ ويأتي المستقبل ليكون حاضراً، ثم يصبح ماضياً. وهكذا نعلم أن زمناً يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي، والليل والنهار هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف، فالليل يأتي والنهار خلفه؛ لأن النهار جعله الله ضياء؛ للحركة والكدح والعمل، وجعل سبحانه الليل ظلاماً؛ للسكون والراحة، فإن لم ترتحْ بالليل؛ لا تقوى على العمل في الصباح، وهكذا يكون الليل مكملاً للنهار لا مناقضاً له. وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فتر الوحي ليستريح صلى الله عليه وسلم؛ وتتجدد قدرته على استقبال الوحي من بعد ذلك. وحين قال الكافرون: إن ربَّ محمد قد قلاه، ردّ عليهم الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ} تفسير : [الضحى: 1-3] والضحى ضحوة النهار وهي - كما قلنا - للعمل والحركة، فإذا جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار، لكنه غير ذلك، بل هو مكمل له ويساعده. إذن: ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجديد الحيوية. وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل، وهو قسم بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها كل إنسان، مؤمنهم، وكافرهم! أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله، بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة تزيد من حركته، وتزيد من جهده ليشتاق صلى الله عليه وسلم لأمر الوحي. وبذلك أعانه الحق على مهمته، وفي هذا أبلغ ردٍّ على من قالوا: إن رب محمد قد قلاه، وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن تكون كالليل سكوناً، ليهدأ صلى الله عليه وسلم بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي. وبعد أن تتجدد حيويته صلى الله عليه وسلم يأتي الوحي من جديد؛ لذلك قال الحق: {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 4-5]. وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1-4]. وهكذا بيَّن لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي عملية متكاملة، لكن الأغبياء فقط هم من يظنون أنها متناقضة ويقولون: (ظلمة - وضوء)، و(ليلٌ - ونهارٌ) والحق أنها متكاملة. ومثل هذا الأمر تجده أيضاً فيمن يحاولون خَلْق عداوة بين الرجل والمرأة، ولم يتفهَّموا أن الذكر متمّم للأنثى، وأن الأنثى متمّمة للذكر. وهنا يقول الحق: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ...} [يونس: 2]. والإنذار - كما نعلم - هو الإخبار بشيء يمكن أن تتلافاه. أما البشارة فهي الإخبار بخير يحثُّك من يبشرك على أن تقتنيه. وأنت تنذر من يهمل في دراسته بأنه قد يرسب، وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد، وفي المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح وبالمستقبل الطيب. إذن: فالإنذار يعني أن تحث الإنسان على ألا يقبل أو يُقْدِمَ على ما يضره. والتبشير يعني أن تحث الإنسان على أن يجتهد؛ لينال ما يحبه. والأمور في الأحداث كلها تدور بين سَلْب وإيجاب. ولسائل أن يقول: ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل البشارة؟ فنقول: إن كلمة "الإنذار" كلمة عامة لكل الناس، حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط. أو أن الإنذار والبشارة للمؤمنين، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة دائماً، وأن يكون الإنذار لوناً من ضرورة التخلية من العيوب، قبل التحلية بالكمال. فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضُرّ أولاً، ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدّم على جلب المصلحة. ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس، والناس: هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة. وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة "الناس"، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له. وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة "الناس" حيث يقول الحق: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ * مَلِكِ ٱلنَّاسِ * إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ * مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ * ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ * مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 1-6]. وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة "الناس" في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد. ولأنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة "الناس" في كل موقع هو معنى مختلف وضروري؛ لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جاذبة لمعناها، وأن يكون كل معنى جاذباً للكلمة المناسبة له. والمثال أيضاً في كلمة "الناس"؛ هو قول الحق سبحانه: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ...} تفسير : [النساء: 54]. فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان الأمر كذلك فمن الحاسد؟ إذن: فقوله الحق: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ ...} تفسير : [النساء: 54]. إنما يعني أن هناك أناساً حاسدين، وآخرين محسودين. ولا تكون كلمة "الناس" عامة شاملة لكل الأفراد إلا في حالة الحكم العام. والمثال هو قوله الحق: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ...} تفسير : [آل عمران: 96]. وهذا القول الحق يحل لنا إشكالاً عاماً، فالبيت الحرام موضوع لكل الناس، من لَدُن آدم، وآدم هو أبو الناس. ولا بد - إذن - أن يكون البيت موضوعاً قبل أن يكون آدم، وأن الذي وضعه هو من غير الناس، فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه، فلا يقولن أحد: إن إبراهيم - عليه السلام - هو الذي وضع البيت الحرام؛ لأن مهمة إبراهيم - عليه السلام - كانت هي رفع القواعد من البيت؛ لأننا لو قلنا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو الذي بنى البيت؛ فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق: {أية : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ...} تفسير : [البقرة: 127]. وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكاً لوالده في الرفع والبناء، ولا بد أن يكون قد امتلك درجة من القوة تجعله قادراً على مساعدة الأب في العمل. وهذا القول أيضاً نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعاً؛ لأن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم عليه السلام: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ...} تفسير : [إبراهيم: 37]. وهذا يعني أن البيت كان موجوداً قبل ذلك. وقولنا هذا يرد على بعض العلماء الذين قالوا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من بنى الكعبة فنقول لهم: وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى لَدُنْ آدم، أليسوا ناساً؛ فلماذا لم يكن لهؤلاء الناس من قبل إبراهيم بيتٌ محرّمٌ؟ وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم، وأنه موضوع من قِبَلِ الله. وكلمة الناس - إذن - عامة حين يتعلق الأمر بحكم عام، وتكون خاصة في مواقع أخرى، مثل قوله: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ...} تفسير : [النساء: 54]. وأما سورة "الناس" التي قال بعض المستشرقين: إن فيها تكراراً. فالأمر ليس كذلك، بل هيأ لهم ذلك عجزهم عن امتلاك ملكة فهم اللغة. وحين نتناول كلمة "الناس" بالاستقراء الدقيق في هذه السورة، نجد الحق سبحانه يقول: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 1]. وهذا إعلان للربوبية لكل الخلق، فهو الرب الذي أوجد وأعطى الصفات لكل مخلوق. ولا تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه؛ فهو سبحانه يقول: {أية : مَلِكِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 2]. أي: أنه يملك كل الخلق، وجعل لهم الاختيار في أشياء؛ ومنع عنهم الاختيار في أشياء، ولم يقل سبحانه: "مليك النَّاس"؛ لأن هذا القول يعني أنهم مجبورون على الإيمان، ولا يسعهم غير هذا، ولكن الله جعلهم مختارين في الأمور التي هي مَنَاط للتكليف، وغير مختارين في أمور هي ليست محلاّ لهذا. وأقول لأي واحد ممن تمرّدوا على الإيمان؛ فكفروا بالله؛ أقول: أنت متمرّد على الله، وتكفر به، وتنكر الألوهية، فلماذا لا تكون منطقيّاً مع نفسك، وتتمرّد على كل الأحداث التي تصيبك، فإن أصابك مرض؛ قل له: لا، لن أمرض. فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدراً شاءه الله؛ لأن الأحداث ستنال من كل إنسان ما قدره الله له. إذن: فكل إنسان هو مملوك لله. وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 1]. وان يقول: {أية : مَلِكِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 2]. و "الناس" في الآية الأولى هم المربوبون، والناس في الآية الثانية هم "المملوكون لله" فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية. وتأتي "الناس" في الآية الثالثة: {أية : إِلَـٰهِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 3]. لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة: {أية : مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ} تفسير : [الناس: 4]. والآية الخامسة: {أية : ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الناس: 5]. والوسواس الخناس: هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك، وهو خَنّاس؛ لأنه يخنس ساعة يسمع قولك: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وهو يوسوس في صدور الناس المُوَسْوَسِ إليهم. وهكذا نجد أن كلمة "الناس" قد جاءت؛ لتعبر عن المربوبين، والمملوكين، والمألوهين، والموسوس إليهم، وأن من يوسوِس قد يكون من الجن، وقد يكون من الناس. إذن: فليس هناك تكرار بل جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه. والمثال في حياتنا - ولله المثل الأعلى - قد أكون معلِّماً متميزاً واختارتني الكلية التي أقوم بالتدريس فيها لأكون رائداً للطلاب، ورئيساً لجمعيتهم الصحفية، ومشرفاً عليهم في الرحلات، ومراجعاً لتصحيح أوراق إجاباتهم، وهكذا تكون كلمة "الطلاب" لها معنى مختلف في كل موقع. والحق يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ...} [يونس: 2]. والحديث موجه لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم. إذن: فالمراد بإنذار الناس هنا؛ هم جميع الناس. وما المقصود بقوله: {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2]. إن القدم كما نعرفه: هو آلة السعي إلى الحركة، كما أن اليد آلة الإعطاء؛ فتقول: فلان له يد عندي، أو تقول: أنا لا أنسى أياديك عليّ حين يقدم لك صديق هدية ما، وهو قد سار على قدميه؛ ليحضر لك الهدية، ولكنه يناولك لها بيديه. إذن: فكل جارحة لها ظاهر في الحركة؛ وفي الأعمال. فالقدم تسعى إلى الأشياء، واليد تتحرك في العطاء، والأذن في السمع، والعين في الرؤية. وهكذا يكون معنى {قَدَمَ صِدْقٍ} هو سابقة فضل؛ لأنهم حين استمعوا إلى منهج الله، وأدَّوْا مطلوبات هذا المنهج كما يحب الله؛ فعليك يا محمد ان تبشرهم بالجنة. ذلك أن لهم سابق قدم، سعي إلى الخير، وهو قدم صدق. لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه "قدم كذب"؟ نعم، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس، فيصفونهم بما لم يكن فيهم، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب. قدم الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهّلتهم لأن يكونوا موضع البشارة، فهم قد صدقوا المنهج، وأعطوا من واعد حق. والصدق - كما نعلم - هو الخصلة التي لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها؛ لأنه لو تنّحى عنها، فهذا يعني التنحّي عن الإيمان. وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: لا. إذن: فالصدق هو جماع الخير. وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون. وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء؛ ويصدق العامل في إخلاصه للعمل؛ ويصدق الصحفي في نقل الخبر، ويصدق كل فرد في المجتمع، هنا يتكامل المجتمع وينسجم؛ لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب، والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة. لذلك أتى الله بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع، فهو القائل: {أية : وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ...} تفسير : [يونس: 93]. فحين قالوا: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ ...} تفسير : [البقرة: 61]. أنزلهم الله بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام، فلم يخدعهم سبحانه، ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة الصدق فيقول: {أية : وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} تفسير : [الشعراء: 84]. أي: اجعل لي ذكْراً حسناً فيمن يأتون من بعدي، فلا يقال في تاريخي كلام كذب، وألا يخلع عليَّ الناس ما ليس فيّ. وقد قال الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن الإنسان: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 15]. ثم يقول الحق سبحانه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِيۤ أَصْحَابِ ٱلْجَنَّةِ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ} تفسير : [الأحقاف: 16]. ولماذا يصف الحق الوعد هنا بأنه وعد صدق؟ لأن هناك من يعد الوعد الكاذب، حين يعد أحدهم بما لا يملك، أو أن تعد بما لا تقدر عليه، أو أن تعد بما لا تمهلك الحياة لإنفاذه. ولذلك قال الحق لنا: {أية : وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ...} تفسير : [الكهف: 23-24]. إذن: لا بد لك أن تسبق أي وعد بمشيئة الله؛ لأنك حين تَعد؛ قد لا تملك إنفاذ ما وعدت به، فقد تعد إنساناً بأن تلقاه في الغد في مكانٍ ما لتتحدثا في أمرٍ ما. ونقول: أضمنت أن تستمر حياتك إلى الغد؟ هذا هو أول عنصر قد يُفقد؛ ثم أضمنت أن تستمر حياته؟ هذا هو العنصر الثاني الذي قد يُفقد، ثم أضمنت ألا يتغير السبب الذي من أجله تلقاه؟ ثم أضمنت إن اجتمعت كل هذه العناصر ألا تُغير أنت رأيك في هذه المسألة؟ إذن: لا تجازف بأن تعد بشيء ليس عندك عنصر من عناصر الوفاء له، وأسند كل عمل إلى من يملك كل العناصر، وقل: {أية : إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ...} تفسير : [الكهف: 24]. إذن: فوعد الصدق معناه أن يكون الوعد ممن هو قادر على أن يحققه قطعاً؛ ولا تخرج الأشياء مهما كانت عن قدرته، ولم يترك الأشياء؛ لأنه باقٍ. ولن يتغير رأيه؛ لأنه ليس حدثاً يتغير. بل بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير. وسبحانه وتعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 54-55]. هكذا وعد الحق عباده المتقين بأنهم سوف يقعدون في حضرته مقعد صدق وهو المليك المقتدر. وسبحانه يقول: {أية : أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ...} تفسير : [الإسراء: 80]. أي: أدخلني في هذه البلدة مدخل صدق للغاية التي لا أستحي من أن أقولها، لا أن أدخل بغرض أمام الناس وأنا أخفي غرضاً آخر، وكذلك أخرجني منها مخرج صدق. إذن: فكلمة الصدق دائرة {قَدَمَ صِدْقٍ} و {مُبَوَّأَ صِدْقٍ} و {مَقْعَدِ صِدْقٍ} و {مُدْخَلَ صِدْقٍ} و {مُخْرَجَ صِدْقٍ} وكل هذا يُحببنا في الصدق؛ لأن كل أمور الحياة؛ وفضائلها؛ وخيراتها، وما ينتظر الناس من سعادة؛ كل ذلك قائم على كلمة الصدق. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ} [يونس: 2]. أي: أن لهم سابقة فَضْلٍ عند ربهم يجازيهم بها؛ لأنهم عملوا بمقتضى منهجه، أما موقف الكافرين فهو مختلف؛ لذلك يقول فيه الحق سبحانه: {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]. ولماذا جاء سبحانه بخبر الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة؟ ونقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حين أبلغ المنهج عن الله، استقبله أهل الإيمان بالتصديق، أما الكافرون فقد اختلف موقفهم، فَاتَّهمَ بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر. وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالآية؛ لأن القرآن يحذف أشياء أحياناً، لأن لباقة السامع ستنتهي إليها، فلا يريد أن يكرر القول. وانظر إلى قصة بلقيس، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ...} تفسير : [النمل: 22]. هذا هو الهدهد وهو المخلوق الأقل من سليمان عليه السلام يقول له: لقد عرفت ما لم تعرفه أنت، وكأن هذا القول قد جاء؛ ليعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا، فهو يهب لمن دوننا ما يُعَلِّمُه لنا، ألم يُعلِّمنا الغراب كيف نواري سوأة الميت؟ {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ ...} تفسير : [المائدة: 31]. ويقول قابيل: {أية : يَاوَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} تفسير : [المائدة: 31]. وهكذا يتعلم الإنسان ممن هو دونه، وممن سخره الله له. وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى خبراً، لا بد أن يبلغه للأعلى، فتتحقق سيولة المعلومات، التي يتخذ الأعلى على ضوئها القرار المناسب؛ فالهدهد يقول لسيدنا سليمان: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} تفسير : [النمل: 22]. ويتخذ سليمان قراراً ينفذه الهدهد: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} تفسير : [النمل: 28]. وتتتابع الحكاية من بعد ذلك فيقول الحق: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29]. فكأن الهدهد أخذ الكتاب وألقاه إلى بلقيس فلما قرأته؛ جمعت قومها؛ لتخبرهم. وهكذا حذف القرآن بعضاً من التفاصيل التي إن رُويت تكون تكراراً؛ ولكن جاءت المسألة بهذه الصورة؛ ليدلنا الحق على أن أوامر التلقي كانت سريعة بحيث لا يوجد فاصل بين الأمر وتنفيذ الأمر، فالتحم الأمران معاً. إذن: فقوله الحق: {قَالَ ٱلْكَافِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]. جاء منسجماً مع ما يُفهم من النص، فهم لم يقولوا ذلك الاتهام إلا بعد أن بلغهم صلى الله عليه وسلم أن الله قال له: بَشِّر وأنذر، فلما بشَّر وأنذر، جاء قولهم بأن الرسول ساحر، وهكذا نفهم كيف تكوَّن موقفهم هذا من سياق الآية؛ لأنهم لم يقولوا ذلك إلا بعد بلاغ الإنذار، أو بلاغ البشارة. وهكذا نجد أن القرآن قد لا يذكر الأشياء التي إذا سمع السامع الأسلوب أخذها من نفسه دون أن يتطلبها كلام منطوق، ومثل هذا الأمر جاء في لقطة أخرى في قصة سبأ، فبعد أن ائتمر الهدهد بأمر سليمان وذهب بالكتاب فألقاه إلى ملكة سبأ، وقرأته، وجمعت القوم؛ لتأخذ رأيهم فيما تفعله مع سليمان، فكان من أمرها معهم ما ذكره القرآن ثم علم سيدنا سليمان بأمر مقدمها مع قومها، فنجد سيدنا سليمان عليه السلام يسأل من حوله: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 38]. إذن: فهو قد عَلِم أنهم مُقبلون عليه بالإسلام، فأراد أن ينقل العرش من مملكتها إلى مملكته؛ قبل أن يجيئوا، وما داموا قادمين في الطريق، فعلى من يذهب ليفك العرش وينقله، لا بد أن تكون له طاقة تفوق قدرة الإنسان العادي، ولذلك لم يتكلم الإنس العادي، لكن الذي تكلم جني غير عادي، ذكي، فمن الجن من يتميز بالذكاء، ومنهم غير ذلك. وجاء قول الحق سبحانه: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} تفسير : [النمل: 39]. ومقام سليمان مع قومه قد يستمر ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات. وسيدنا سليمان يريد التعجيل بنقل عرش بلقيس، لذلك تجده يستمع إلى من عنده علم من الكتاب: {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ...} تفسير : [النمل: 40]. ألم يكن مثل هذا القول يحتاج إلى إذن من سيدنا سليمان، وأن يقول سليمان اذهب فيذهب ويحل العرش ويعود به؟ نعم، الأمر يحتاج كل ذلك، ولكن القرآن جاء بالقصة في تصوير متتابع للسرعة، وجاء القرآن بخبر العرش، وقد جاء إلى حيث يجلس سليمان عليه السلام: {أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ...} تفسير : [النمل: 40]. وهكذا حذف التفاصيل التي يسهل معرفتها، والتي وقعت بين قول مَنْ عنده علم من الكتاب، وبين تنفيذ نقل عرش بلقيس. وكذلك حذف القرآن قدراً من الأحداث في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فعندما بلَّغهم رسول الله الإنذار، هنا قال الكافرون: {إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ} [يونس: 2]. وقد قال الكافرون هذا الاتهام أكثر من مرة، فمرة يقولون عن القرآن: إنه سحر، ومرة يقولون عن محمد: إنه ساحر. ولنسأل: ما معنى كلمة ساحر؟ إن الساحر هو الذي يصنع أشياء، ويوهمك أنها حقيقة؛ وهي ليست بحقيقة. ولذلك يجب أن نفرق بين السحر وبين معجزة موسى، حتى لا يقال: إن معجزة موسى عليه السلام وهي العصا كانت من جنس ما برع فيه سحرة فرعون، صحيح أنها من جنس ما برع فيه قوم فرعون، ولكنها ليست سحراً؛ لأن الحق شاء أن يُغير من حقيقة العصا فجعلها أفعى، أما سحر قوم فرعون فهو لا يغير حقيقة الأشياء، بل يوهم مَنْ يراها بأنها تغيرت. والسحر يقتضي ساحراً، ويقتضي مسحوراً، ويقتضي عملية السحر ذاتها. أما عن الساحر فهو الذات التي تقوم بعملية السحر. ويقول الحق عن السحرة: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ...} تفسير : [الأعراف: 116]. أي: سحروا الأعين التي ترى الأمر المسحور على غير حقيقته، رغم بقاء الشيء المسحور على حقيقته. إذن: فهم قد أوهموا المسحورين بغير واقع، لكن المعجزة - معجزة موسى - ليست كذلك؛ لأنها لا تُغير من الرائي، بل تغير من حقيقة المرئي فعلاً. وقد دَلَّنَا القرآن على حقيقة هذه المسألة بالتجربة العملية حين اختار الله موسى وقال له: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 17-18]. وحين أمر الحق سبحانه موسى بإلقاء العصا، رآها موسى عليه السلام حيّةً تسعى: {أية : قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 19-20]. فعندما رأى موسى عصاه، قد تحوَّلتْ إلى حية تسعى على الأرض، فرَّ هارباً خائفاً، ولكن الله أراد أن يثبّت قلبه ويؤمنه إعداداً له للموقف الذي سيقفه فيما بعد أمام سحرة فرعون فقال له رب العزة: {أية : خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 21]. إذن: فلم يكن هناك سحر في عيني موسى، ولكن كان هناك تغيُّر فعليّ في حقيقة العصا. فلما خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا؛ لأنها ستعود - بإذن الله - إلى سيرتها الأولى. والدليل على أن التغير قد حدث في حقيقة العصا، أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان، ووقفوا في منافسة مع سيدنا موسى، وقالوا له: {أية : إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ} تفسير : [طه: 65]. وقبل موسى عليه السلام التحدي، وتجد القرآن يصور المسألة فيقول: {أية : قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66]. وقوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} يعني: أن الحبال والعصي لم تتغير حقيقتها ولم تسعَ. وما إن رمى موسى عصاه حتى تحولت إلى حية فعْليّة تلقف ما صنعوا، وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون الإيمان؛ لأنهم رأوا حقيقة واضحة، وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية. إذن: فالساحر يرى الشيء على حقيقته، والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشيء، فيُخيَّل إليه أنه شيء آخر؛ ولذلك لم يقل أحد: إن موسى تعلّم السحر، وإن من علّمه غلبهم، لا، بل عرفوا أنها مسألة أكبر من طاقة البشر؛ لأن حقيقة العصا نفسها قد تغيرت، فقالوا: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 70]. ولم يقولوا: آمنا بموسى. إذن: فالتخييل إنما يحدث في عيني المسحور. أقول ذلك حتى نفهم غباء كفار قريش حين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر، يسحر الناس، فيخرج الولد على أبيه، وأهله. ويجعل العبيد يتمردون على سادتهم. ولو كان رسول الله ساحراً، فلماذا لم يُسحَر من قالوا هذا الاتهام. وبقاء من يقول بمثل هذا الاتهام دليل على أن مسألة الإيمان بالمنهج وبالرسول لا علاقة لها بالسحر.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل، {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} [الآية: 2]. يعني: أَن لهم خيراً عند ربهم. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الآية: 4]. يقول: يخلقه ثم يميته ثم يعيده، يعني ثم يحييه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} [الآية: 7]. قال هو مثل قوله: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا}تفسير : . سورة هود [الآية: 15]. أًَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} [الآية: 3]. قال: يقضي الأَمر وحده. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [الآية: 9]. قال يكون لهم إِيمانهم نوراً يمشون به. أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ} [الآية: 11]. قال: هو قول الرجل: لولده وأَهله وماله، إِذا غضب عليهم: اللهُمَّ لا تبارك فيه اللهم العنه. يقول: لو عجل له ذلك {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أَي لهلك من دعا عليه فأَماته. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ} [الآية: 19]. يعني بالناس، آدم وحده، {فَٱخْتَلَفُواْ}: يعني حين قتل ابن آدم أخاه.

زيد بن علي

تفسير : حَدثنا أَبو جعفر، قالَ: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليه السلام في قولِه تعالى: {لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ} معناهُ سَابقةٌ. ويقالُ: ثَوابُ صِدقٍ.