١٠ - يُونُس
10 - Yunus (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عن الكفار أنهم تعجبوا من الوحي والبعثة والرسالة، ثم إنه تعالى أزال ذلك التعجب بأنه لا يبعد ألبتة في أن يبعث خالق الخلق إليهم رسولاً يبشرهم على الأعمال الصالحة بالثواب، وعلى الأعمال الباطلة الفاسدة بالعقاب، كان هذا الجواب إنما يتم ويكمل بإثبات أمرين: أحدهما: إثبات أن لهذا العالم إلهاً قاهراً قادراً نافذاً الحكم بالأمر والنهي والتكليف. والثاني: إثبات الحشر والنشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياء عن حصولهما، فلا جرم أنه سبحانه ذكر في هذا الموضع ما يدل على تحقيق هذين المطلوبين. أما الأول: وهو إثبات الإلهية، فبقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }. وأما الثاني: وهو إثبات المعاد والحشر والنشر. فبقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } [يونس: 4] فثبت أن هذا الترتيب في غاية الحسن، ونهاية الكمال. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب، وفي الكتب العقلية أن الدليل الدال على وجود الصانع تعالى، إما الامكان وإما الحدوث وكلاهما إما في الذوات وإما في الصفات، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجود الصانع أربعة، وهي إمكان الذوات، وإمكان الصفات، وحدوث الذوات، وحدوث الصفات. وهذه الأربعة معتبرة تارة في العالم العلوي وهو عالم السموات والكواكب، وتارة في العالم السفلي، والأغلب من الدلائل المذكورة في الكتب الإلهية التمسك بإمكان الصفات وحدوثها تارة في أحوال العالم العلوي، وتارة في أحوال العالم السفلي، والمذكور في هذا الموضع هو التمسك بإمكان الأجرام العلوية في مقاديرها وصفاتها، وتقريره من وجوه: الأول: أن أجرام الأفلاك لا شك أنها مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى، ومتى كان الأمر كذلك كانت لا محالة محتاجة إلى الخالق والمقدر. أما بيان المقام الأول: فهو أن أجرام الأفلاك لا شك أنها قابلة للقسمة الوهمية، وقد دللنا في الكتب العقلية على أن كل ما كان قابلاً للقسمة الوهمية، فإنه يكون مركباً من الأجزاء والأبعاض. ودللنا على أن الذي تقوله الفلاسفة من أن الجسم قابل للقسمة، ولكنه يكون في نفسه شيئاً واحداً كلام فاسد باطل. فثبت بما ذكرنا أن أجرام الأفلاك مركبة من الأجزاء التي لا تتجزى، وإذا ثبت هذا وجب افتقارها إلى خالق ومقدر، وذلك لأنها لما تركبت فقد وقع بعض تلك الأجزاء في داخل ذلك الجرم، وبعضها حصلت على سطحها، وتلك الأجزاء متساوية في الطبع والماهية والحقيقة، والفلاسفة أقروا لنا بصحة هذه المقدمة حيث قالوا إنها بسائط، ويمتنع كونها مركبة من أجزاء مختلفة الطبائع. وإذا ثبت هذا فنقول: حصول بعضها في الداخل، وحصول بعضها في الخارج، أمر ممكن الحصول جائز الثبوت، يجوز أن ينقلب الظاهر باطناً، والباطن ظاهراً. وإذا كان الأمر كذلك وجب افتقار هذه الأجزاء حال تركيبها إلى مدبر وقاهر، يخصص بعضها بالداخل وبعضها بالخارج فدل هذا على أن الأفلاك مفتقرة في تركيبها وأشكالها وصفاتها إلى مدبر قدير عليم حكيم. الوجه الثاني: في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله القادر أن نقول: حركات هذه الأفلاك لها بداية، ومتى كان الأمر كذلك افتقرت هذه الأفلاك في حركاتها إلى محرك ومدبر قاهر. أما المقام الأول: فالدليل على صحته أن الحركة عبارة عن التغير من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها، والأزل ينافي المسبوقية بالغير، فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالاً، فثبت أن لحركات الأفلاك أولاً، وإذا ثبت هذا وجب أن يقال: هذه الأجرام الفلكية كانت معدومة في الأزل وإن كانت موجودة، لكنها كانت واقفة وساكنة. وما كانت متحركة، وعلى التقديرين: فلحركاتها أول وبداية. وأما المقام الثاني: وهو أنه لما كان الأمر كذلك وجب افتقارها إلى مدبر قاهر، فالدليل عليه أن ابتداء هذه الأجرام بالحركة ذلك الوقت المعين دون ما قبله ودون ما بعده، لا بد وأن يكون لتخصيص مخصص، وترجيح مرجح. وذلك المرجح يمتنع أن يكون موجباً بالذات، وإلا لحصلت تلك الحركة قبل ذلك الوقت لأجل أن موجب تلك الحركة كان حاصلاً قبل ذلك الوقت، ولما بطل هذا، ثبت أن ذلك المرجح قادر مختار وهو المطلوب. الوجه الثالث: في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله المختار، وهو أن أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر، وأجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأول. فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن، ولا بد له من مرجح، ويعود التقرير الأول فيه. فهذا تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أن كلمة {ٱلَّذِى } كلمة وضعت للإشارة إلى شيء مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، كما إذا قيل لك من زيد؟ فتقول: الذي أبوه منطلق، فهذا التعريف إنما يحسن لو كان كون أبيه منطلقاً، أمراً معلوماً عند السامع، فهنا لما قال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } فهذا إنما يحسن لو كان كونه سبحانه وتعالى خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام، أمراً معلوماً عند السامع، والعرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا التعريف؟ وجوابه أن يقال: هذا الكلام مشهور عند اليهود والنصارى، لأنه مذكور في أول ما يزعمون أنه هو التوراة. ولما كان ذلك مشهوراً عندهم والعرب كانوا يخالطونهم، فالظاهر أنهم أيضاً سمعوه منهم، فلهذا السبب حسن هذا التعريف. السؤال الثاني: ما الفائدة في بيان الأيام التي خلقها الله فيها؟ والجواب: أنه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقل من لمح البصر. والدليل عليه أن العالم مركب من الأجزاء التي لا تتجزى، والجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إيجاده إلا دفعة، لأنا لو فرضنا أن إيجاده إنما يحصل في زمان، فذلك الزمان منقسم لا محالة من آنات متعاقبة، فهل حصل شيء من ذلك الإيجاد في الآن الأول أو لم يحصل، فإن لم يحصل منه شيء في الآن الأول فهو خارج عن مدة الإيجاد، وإن حصل في ذلك الآن إيجاد شيء وحصل في الآن الثاني إيجاد شيء آخر، فهما إن كانا جزأين من ذلك الجزء الذي لا يتجزى، فحينئذ يكون الجزء الذي لا يتجزى متجزئاً. وهو محال. وإن كان شيئاً آخر، فحينئذ يكون إيجاد الجزء الذي لا يتجزى لا يمكن إلا في آن واحد دفعة واحدة، وكذا القول في إيجاد جميع الأجزاء. فثبت أنه تعالى قادر على إيجاد جميع العالم دفعة واحدة، ولا شك أيضاً أنه تعالى قادر على إيجاده وتكوينه على التدريج. وإذا ثبت هذا فنقول ههنا مذهبان: الأول: قول أصحابنا وهو أنه يحسن منه كلما أراد، ولا يعلل شيء من أفعاله بشيء من الحكمة والمصالح، وعلى هذا القول يسقط قول من يقول: لم خلق العالم في ستة أيام وما خلقه في لحظة واحدة؟ لأنا نقول كل شيء صنعه ولا علة لصنعه فلا يعلل شيء من أحكامه ولا شيء من أفعاله بعلة، فسقط هذا السؤال. الثاني: قول المعتزلة وهو أنهم يقولون يجب أن تكون أفعاله تعالى مشتملة على المصلحة والحكمة. فعند هذا قال القاضي: لا يبعد أن يكون خلق الله تعالى السموات والأرض في هذه المدة المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حق بعض المكلفين. ثم قال القاضي: فإن قيل: فمن المعتبر وما وجه الاعتبار؟ ثم أجاب وقال: أما المعتبر فهو أنه لا بد من مكلف أو غير مكلف من الحيوان خلقه الله تعالى قبل خلقه للسموات والأرضين، أو معهما، وإلا لكان خلقهما عبثاً. فإن قيل: فهلا جاز أن يخلقهما لأجل حيوان يخلقه من بعد؟! قلنا: إنه تعالى لا يخاف الفوت، فلا يجوز أن يقدم خلق ما لا ينتفع به أحد، لأجل حيوان سيحدث بعد ذلك، وإنما يصح منا ذلك في مقدمات الأمور لأنا نخشى الفوت، ونخاف العجز والقصور. قال: وإذا ثبت هذا فقد صح ما روي في الخبر أن خلق الملائكة كان سابقاً على خلق السموات والأرض. فإن قيل: أولئك الملائكة لا بد لهم من مكان، فقبل خلق السموات والأرض لا مكان، فكيف يمكن وجودهم بلا مكان؟ قلنا: الذي يقدر على تسكين العرش والسموات والأرض في أمكنتها كيف يعجز عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته؟ وأما وجه الاعتبار في ذلك فهو أنه لما حصل هناك معتبر، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما يشاهده حالاً بعد حال أقوى. والدليل عليه: أن ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدل على أنه صادر من فاعل حكيم. وأما المخلوق دفعة واحدة فإنه لا يدل على ذلك. والسؤال الثالث: فهل هذه الأيام كأيام الدنيا أو كما روي عن ابن عباس أنه قال: إنها ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مما تعدون؟ والجواب: قال القاضي: الظاهر في ذلك أنه تعريف لعباده مدة خلقه لهما، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً، إلا والمدة هذه الأيام المعلومة. ولقائل أن يقول: لما وقع التعريف بالأيام المذكورة في التوراة والإنجيل، وكان المذكور هناك أيام الآخرة لا أيام الدنيا، لم يكن ذلك قادحاً في صحة التعريف. السؤال الرابع: هذه الأيام إنما تتقدر بحسب طلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقود قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف؟ والجواب التعريف يحصل بما أنه لو وقع حدوث السموات والأرض في مدة، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمس وقمر، لكانت تلك المدة مساوية لستة أيام: ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي حصول مدة قبل خلق العالم، يحصل فيها حدوث العالم، وذلك يوجب قدم المدة. وجوابه: أن تلك المدة غير موجودة بل هي مفروضة موهومة، والدليل عليه أن تلك المدة المعينة حادثة، وحدوثها لا يحتاج إلى مدة أخرى، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محال، فكل ما يقولون في حدوث المدة فنحن نقوله في حدوث العالم. السؤال الخامس: أن اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته، وقد يراد به النهار وحده. فالمراد بهذه الآية أيهما. والجواب: الغالب في اللغة أنه يراد باليوم. اليوم بليلته. المسألة الثانية: أما قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } ففيه مباحث: الأول: أن هذا يوهم كونه تعالى مستقراً على العرش والكلام المستقصى فيه مذكور في أول سورة طه، ولكنا نكتفي ههنا بعبارة وجيزة. فنقول: هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الاستواء على العرش معناه كونه معتمداً عليه مستقراً عليه، بحيث لولا العرش لسقط ونزل، كما أنا إذا قلنا إن فلاناً مستو على سريره. فإنه يفهم منه هذا هذا المعنى. إلا أن إثبات هذا المعنى يقتضي كونه محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محال، لأن المسلمين أطبقوا على أن الله تعالى هو الممسك للعرش والحافظ له، ولا يقول أحد أن العرش هو الممسك لله تعالى والحافظ له. والثاني: أن قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } يدل على أنه قبل ذلك ما كان مستوياً عليه، وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال، وكل من كان متغيراً كان محدثاً، وذلك بالاتفاق باطل. الثالث: أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطرباً متحركاً، وكل ذلك من صفات المحدثات. الرابع: أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض لأن كلمة (ثُمَّ) تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنياً عن العرش، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة. فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقراً على العرش. فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى. المسألة الثالثة: اتفق المسلمون على أن فوق السموات جسماً عظيماً هو العرش. إذا ثبت هذا فنقول: العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره؟ فيه قولان: القول الأول: وهو الذي اختاره أبو مسلم الإصفهاني، أنه ليس المراد منه ذلك، بل المراد من قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أنه لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشاً، وبانيه يسمى عارشاً، قال تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } تفسير : [النحل: 68] أي يبنون، وقال في صفة القرية { أية : فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } تفسير : [الحج: 45] والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها، وقال: { أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } تفسير : [هود: 7] أي بناؤه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة، فالباني يبني البناء متباعداً عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر، والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } تفسير : [الزخرف: 12، 13] قال أبو مسلم: فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه. فنقول: وجب حمل اللفظ عليه، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزاً صواباً حسناً. ثم قال: ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى: {خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } إشارة إلى تخليق ذواتها، وقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله سبحانه وتعالى: { أية : أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } تفسير : [النازعات: 27، 28] فذكر أولاً أنه بناها، ثم ذكر ثانياً أنه رفع سمكها فسواها. وكذلك ههنا. ذكر بقوله: {خَلَقَ * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أنه خلق ذواتها ثم ذكر بقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أنه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها. والقول الثاني: وهو القول المشهور لجمهور المفسرين: أن المراد من العرش المذكور في هذه الآية: الجسم العظيم الذي في السماء، وهؤلاء قالوا إن قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } لا يمكن أن يكون معناه أنه تعالى خلق العرش بعد خلق السموات والأرضين بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى { أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَاء } تفسير : [هود: 7] وذلك يدل على أن تكوين العرش سابق على تخليق السموات والأرضين. بل يجب تفسير هذه الآية بوجوه أخر. وهو أن يكون المراد: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش. والقول الثالث: أن المراد من العرش الملك، يقال فلان ولي عرشه أي ملكه فقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } المراد أنه تعالى لما خلق السموات والأرض واستدارت الأفلاك والكواكب، وجعل بسبب دورانها الفصول الأربعة والأحوال المختلفة من المعادن والنبات والحيوانات، ففي هذا الوقت قد حصل وجود هذه المخلوقات والكائنات. والحاصل أن العرش عبارة عن الملك، وملك الله تعالى عبارة عن وجود مخلوقاته، ووجود مخلوقاته إنما حصل بعد تخليق السموات والأرض، لا جرم صح إدخال حرف {ثُمَّ } الذي يفيد التراخي على الاستواء على العرش والله أعلم بمراده. المسألة الرابعة: أما قوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } معناه أنه يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله، الناظر في أدبار الأمور وعواقبها، كي لا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. والمراد من {ٱلأَمْرُ } الشأن يعني يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض. فإن قيل: ما موقع هذه الجملة؟ قلنا: قد دل بكونه خالقاً للسموات والأرض في ستة أيام وبكونه مستوياً على العرش، على نهاية العظمة وغاية الجلالة. ثم أتبعها بهذه الجملة ليدل على أنه لا يحدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي أمر من الأمور ولاحادث من الحوادث، إلا بتقديره وتدبيره وقضائه وحكمه، فيصير ذلك دليلاً على نهاية القدرة والحكمة والعلم والإحاطة التدبير، وأنه سبحانه مبدع جميع الممكنات، وإليه تنتهي الحاجات. وأما قوله تعالى: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } ففيه قولان: القول الأول: وهو المشهور أن المراد منه أن تدبيره للأشياء وصنعه لها، لا يكون بشفاعة شفيع وتدبير مدبر. ولا يستجرىء أحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه، لأنه تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب، فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح. فإن قيل: كيف يليق ذكر الشفيع بصفة مبدئية الخلق، وإنما يليق ذكره بأحوال القيامة؟ والجواب من وجوه: الوجه الأول: ما ذكره الزجاج: وهو أن الكفار الذين كانوا مخاطبين بهذه الآية كانوا يقولون: إن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فالمراد منه الرد عليهم في هذا القول وهو كقوله تعالى: { أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [النبأ: 38]. والوجه الثاني: وهو يمكن أن يقال إنه تعالى لما بين كونه إلهاً للعالم مستقلاً بالتصرف فيه من غير شريك ولا منازع، بين أمر المبدأ بقوله: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ } وبين حال المعاد بقوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ }. والوجه الثالث: يمكن أيضاً أن يقال إنه تعالى وضع تدبير الأمور في أول خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من رعاية المصالح، مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في طلب تحصيل المصالح، فدل هذا على أن إله العالم ناظر لعباده محسن إليهم مريد للخير والرأفة بهم، ولا حاجة في كونه سبحانه كذلك إلى حضور شفيع يشفع فيه. والقول الثاني: في تفسير هذا الشفيع ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، فقال: الشفيع ههنا هو الثاني، وهو مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر، كما يقال الزوج والفرد، فمعنى الآية خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه، ثم خلق الملائكة والجن والبشر، وهو المراد من قوله: {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } أي لم يحدث أحد ولم يدخل في الوجود، إلا من بعد أن قال له: كن، حتى كان وحصل. واعلم أنه تعالى لما بين هذه الدلائل وشرح هذه الأحوال، ختمها بعد ذلك بقوله: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } مبيناً بذلك أن العبادة لا تصلح إلا له، ومنبهاً على أنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات لأجل أنه هو المنعم بجميع النعم التي ذكرها ووصفها. ثم قال بعده: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } دالاً بذلك على وجوب التفكر في تلك الدلائل القاهرة الباهرة، وذلك يدل على أن التفكر في مخلوقات الله تعالى والاستدلال بها على جلالته وعزته وعظمته، أعلى المراتب وأكمل الدرجات.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تقدّم في الأعراف. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} قال مجاهد: يقضيه ويقدّره وحْدَه. ابن عباس: لا يَشركه في تدبير خلقه أحد. وقيل: يبعث بالأمر. وقيل: ينزل به. وقيل: يأمر به ويمضيه؛ والمعنى متقارب. فجبريل للوحي، وميكائيل للقَطْر، وإسرافيل للصُّور، وعزرائيل للقبض. وحقيقته تنزيل الأُمور في مراتبها على أحكام عواقبها، واشتقاقه من الدُّبْر. والأمر اسم لجنس الأُمور. {مَا مِن شَفِيعٍ} في موضع رفع، والمعنى ما شفيع {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} وقد تقدم في «البقرة» معنى الشفاعة. فلا يشفع أحدٌ نبيٌّ ولا غيره إلا بإذنه سبحانه، وهذا ردّ على الكفار في قولهم فيما عبدوه من دون الله: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 18] فأعلمهم الله أن أحداً لا يشفع لأحد إلا بإذنه، فكيف بشفاعة أصنام لا تعقل. قوله تعالى: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي ذلكم الذي فعل هذه الأشياء من خلق السموات والأرض هو ربكم لا رب لكم غيره. {فَٱعْبُدُوهُ} أي وحدوه وأخلصوا له العبادة. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أنها مخلوقاته فتستدلوا بها عليه.
البيضاوي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} التي هي أصول الممكنات. {فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} يقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيىء بتحريكه أسبابها وينزلها منه، والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة. {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} تقرير لعظمته وعز جلاله، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ } أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية. {رَبُّكُـمْ} لا غير إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك. {فَٱعْبُدُوهُ } وحدوه بالعبادة. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تتفكرون أدنى تفكر فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} بالموت أو النشور لا إلى غيره فاستعدوا للقائه. {وَعَدَ ٱللَّهُ} مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} وعد من الله. {حَقّاً} مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه {وَعَدَ ٱللَّهُ} {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد بدئه وإهلاكه. {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم أو بإيمانهم لأنه العدل القويم كما أن الشرك ظلم عظيم وهو الأوجه لمقابلة قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} فإن معناه ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإِبداء والإعادة هو الإثابة والعقاب واقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم. والآية كالتعليل لقوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً }تفسير : [يونس: 4] فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة، ويؤيده قراءة من قرأ "أَِنَّهُ يَبْدَأُ" بالفتح أي لأنه ويجوز أن يكون منصوباً أو مرفوعاً بما نصب {وَعَدَ ٱللَّهُ} أو بما نصب {حَقّاً}.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدون؛ كما سيأتي بيانه. ثم على استوى العرش، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعداً الطائي يقول: العرش ياقوتة حمراء، وقال وهب بن منبه: خلقه الله من نوره، وهذا غريب. وقوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي: يدبر أمر الخلائق {أية : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 3] ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} تفسير : [هود: 6] الآية {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب ابن عجرة أنه قال حين نزلت هذه الآية: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} الآية، لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} كقوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 55] وكقوله تعالى: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} تفسير : [النجم: 26] وقوله: {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} تفسير : [سبأ: 23] وقوله: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي: أيها المشركون في أمركم؟ تعبدون مع الله إلهاً غيره، وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87] وقوله: { أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ }تفسير : [المؤمنون:86-87] وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } من أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثَمَّ شمسٌ ولا قمر، ولو شاء لخلقهن في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } استواء يليق به {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } بين الخلائق {مَّا مِن } زائدة {شَفِيعٍ } يشفع لأحد {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } ردّاً لقولهم: إن الأصنام تشفع لهم {ذٰلِكُمْ } الخالق المدبِّر {ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } وَحِّدُوهُ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بإدغام التاء في الأصل في الذال.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {يُدَبِّرُ الأمْرَ} فيه وجهان: أحدهما: يقضيه وحده، قاله مجاهد. الثاني: يأمر به ويمضيه. {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما من شفيع يشفع إلا من بعد أن يأذن الله تعالى له في الشفاعة. الثاني: ما من أحد يتكلم عنده إلا بإذنه، قاله سعيد بن جبير. الثالث: لا ثاني معه، مأخوذ من الشفع الذي هو الزوج لأنه خلق السموات والأرض وهو واحد فرد لا حي معه، ثم خلق الملائكة والبشر. وقوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} يعني من بعد أمره أن يكون الخلق فكان،قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {... إِنَّهُ يَبْدَؤُأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يَعِيدُهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه ينشئه ثم يفنيه. الثاني: ما قاله مجاهد: يحييه ثم يميته ثم يبيده ثم يحييه.
ابن عطية
تفسير : هذا ابتداء دعاء إلى عبادة الله عز وجل وإعلام بصفاته، والخطاب بها لجميع الناس، و {خلق السماوات والأرض } هو على ما تقرر أن الله عز وجل خلق الأرض {ثم استوى } إلى السماء وهي دخان فخلقها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقوله {في ستة أيام } قيل هي من أيام الآخرة، وقال الجمهور، وهو الصواب: بل من أيام الدنيا. قال القاضي أبو محمد: وذلك في التقدير لأن الشمس وجريها لم يتقدم حينئذ وقول النبي صلى الله عليه وسلم في خلق الله المخلوقات إن الله ابتدأ يوم الأحد كذا ويوم كذا كذا إنما هو على أن نقدر ذلك الزمان ونعكس إليه التجربة من حين ابتدأ ترتيب اليوم والليلة والمشهور أن الله ابتدأ بالخلق يوم الأحد، ووقع في بعض الأحاديث في كتاب مسلم وفي الدلائل أن البداءة وقعت يوم السبت وذكر بعض الناس أن الحكمة في خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة محدودة ممتدة وفي القدرة أن يقول كن فيكون إنما هو ليعلم عباده التؤدة والتماهل في الأمور. قال القاضي أبو محمد : وهذا مما لا يوصل تعليله وعلى هذا هي الأجنة في البطون وخلق الثمار وغير ذلك والله عز وجل قد جعل لكل شيء قدراً وهو أعلم بوجه الحكمة في ذلك وقوله {ثم استوى على العرش } قد تقدم القول فيه في {أية : المص} تفسير : [الأعراف:1] وقوله {يدبر الأمر} يصح أن يريد بـ {الأمر } اسم الجنس من الأمور ويحتمل أن يريد {الأمر } الذي هو مصدر أمر يأمر، وتدبيره لا إله إلا هو إنما هو الإنفاذ لأنه قد أحاط بكل شيء علماً. وقال مجاهد: {يدبر الأمر} معناه يقضيه وحده، وقوله {ما من شفيع الا من بعد إذنه } رد على العرب في اعتقادها أن الأصنام تشفع لها، وقوله {ذلكم} إشارة الى الله تعالى أي هذا الذي هذه صفاته فاعبدوه، ثم قررهم على هذه الآيات والعبر فقال {أفلا تذكرون } أي فيكون التذكر سبباً للاهتداء، واختصار القول في قوله {ثم استوى على العرش} [إما] أن يكون {استوى} بقهره وغلبته وإما أن يكون {استوى} بمعنى استولى إن صحت اللفظة في اللسان، فقد قيل في قول الشاعر: شعر : قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : إنه بيت مصنوع. وإما أن يكون فعل فعلاً في العرش سماه {استوى } واستعياب القول قد تقدم، وقوله {إليه مرجعكم جميعاً } الآية، آية إنباء بالبعث من القبور وهي من الأمور التي جوزها العقل وأثبت وقوعها الشرع، وقوله {جميعاً }، حال من الضمير في {مرجعكم } ، {وعد الله} نصب على المصدر، وكذلك قوله {حقاً } وقال أبو الفتح {حقاً} نعت، وقرأ الجمهور " إنه" بكسر الألف على القطع والاستئناف، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب وعبد الله " أنه " بفتح الألف، وموضعها النصب على تقدير أحق أنه، وقال الفراء: موضعها رفع على تقدير يحق أنه. قال القاضي أبو محمد : يجوز عندي أن يكون {أنه} بدلاً من قوله {وعد الله} ، قال أبو الفتح: إن شئت قدرت لأنه يبدأ الخلق أي فمن في قدرته هذا فهو غني عن إخلاف الوعد. وإن شئت قدرته " وعد الله حقاً أنه" ولا يعمل فيه المصدر الذي هو {وعد الله } لأنه قد وصف فإذن ذلك بتمامه وقطع عمله، وقرأ ابن أبي عبلة "حقٌّ" بالرفع فهو ابتداء وخبره " أنه " وقوله {يبدأ الخلق} يريد النشأة الأولى، والإعادة هي البعث من القبور، وقرأ طلحة " يُبدِىء الخلق " بضم الياء وكسر الدال، وقوله {ليجزي} هي لام كي والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال، وقوله {بالقسط } أي بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم، وقوله {والذين كفروا } ابتداء و" الحميم " الحار المسخن وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه الحمام والحمة ومنه قول المرقش: شعر : في كل يوم لها مقطرة وكباء معدة وحميم تفسير : وحميم النار فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه سلم إذا أدناه الكافر من فيه تساقطت فروة رأسه، وهو كما وصفه تعالى {أية : يشوي الوجوه} تفسير : [الكهف: 29].
ابن عبد السلام
تفسير : {يُدَبِّرُ الأَمْرَ} يقضيه وحده، أو يأمر به ويمضيه. {مَا مِن شَفِيعٍ} يشفع إلا أن يأذن له، أو لا يتكلم عنده إلا بإذن، أو ثانٍ له من الشفع، لأنه خلق السموات والأرض وهو فرد لا حي معه، ثم خلق الملائكة والبشر. {مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} أمره كن فكان.
النسفي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } أي استولى فقد يقدس الديان عن المكان والمعبود عن الحدود {يُدَبّرُ } يقضي ويقدر على مقتضى المحكمة {ٱلأَمْرُ } أي أمر الخلق كله وأمر ملكوت السماوات والأرض والعرش. ولما ذكر ما يدل على عظمته وملكه من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش، أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة عل العظمة وأنه لا يخرج أمر من الأمور عن قضائه وتقديره وكذلك قوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } دليل على عزته وكبريائه {ذٰلِكُمْ } العظيم الموصوف بما وصف به {ٱللَّهُ رَبُّكُمُ } وهو الذي يستحق العبادة {فَٱعْبُدُوهُ } وحدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من إنسان أو ملك فضلاً عن جماد لا يضر ولا ينفع {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أفلا تتدبرون فتستدلون بوجوب المصالح والمنافع على وجود المصلح النافع {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } حال أي لا ترجعون لي العاقبة إلا إليه فاستعدوا للقائه والمرجع الرجوع أو مكان الرجوع {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدر مؤكد لقوله إليه مرجعكم {حَقّاً } مصدر مؤكد لقوله: {وعد الله} {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه {ليجزي الذين ءامنوا وعملوا الصالحات} أي الحكمة بإبداء الخلق وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل وهو متعلق بـ {يجزي} أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم أو بقسطهم أي بما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا حين آمنوا إذ الشرك ظلم {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وهذا أوجه لمقابلة قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } ولوجه كلامي
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...} الآية: هذا ٱبتداءُ دعاءٍ إِلَى عبادة اللَّه عزَّ وجلَّ وتوحيدِهِ، وذَكَرَ بعضُ الناس أَنَّ الحكمة في خَلْقِ اللَّه تعالَى هذه الأشياءَ في مُدَّة محدودةٍ ممتدَّة، وفي القُدْرة أنْ يقول لها: كُنْ؛ فَتَكُون، إِنما هي لِيُعَلِّمَ عباده التُّؤَدة والتماهُلَ في الأمور، قال * ع *: وهذا مما لا يُوصَلُ إِلى تعليله، وعلى هذا هي الأجْنَةُ في البُطُون، وخَلْقُ الثمار، وغير ذلك، واللَّه عزَّ وجلَّ قد جَعَلَ لكلِّ شيء قَدْراً، وهو أعلم بوجْهِ الحكْمَةِ في ذلك. وقوله سبحانه: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ } يصحُّ أن يريد بالأمر ٱسْمَ الجنْس من الأمور، ويصحُّ أن يريد الأمر الذي هو مصْدَر أَمر يأْمُرُ، وتدبيره لا إلٰه إلا هو إِنما هو الإِنفاذ؛ لأنه قد أحاط بكلِّ شيء عِلْماً، قال مجاهدٌ: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ }: معناه: يَقْضيه وحْده. وقوله سبحانه: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}؛ ردٌّ على العرب في ٱعتقادها؛ أن الأصنام تشفع لها عند اللَّه. {ذَٰلِكُـمُ ٱللَّهُ } أي: الذي هذه صفاتُهُ فٱعبدوه، ثم قَرَّرهم على هذه الآيات والعبر، فقال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }. وقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً...} الاية إِنباءٌ بالبعث. وقوله: {يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} يريد: النشأة الأولى، والإِعادةُ: هي البَعْثُ من القبور. {لِيَجْزِيَ}: هي لام كَيْ، والمعنى: أنَّ الإِعادة إِنما هي ليقع الجزاءُ على الأعمال. وقوله: {بِٱلْقِسْطِ }: أي: بالعدل. وقوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}: ٱبتداء، والحَمِيمُ الحارُّ المسخَّن، وحميمُ النار فيما ذُكِرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « إِذَا أَدْنَاهُ الكَافِرُ مِنْ فِيهِ، تَسَاقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ» وهو كما وصفه سبحانه: { أية : يَشْوِي ٱلْوُجُوهَ } تفسير : [الكهف:29].
ابن عادل
تفسير : لمَّا حكى عن الكُفَّار تعجُّبهم من الوَحْي والبَعْثَة والرِّسالة، أزال ذلك التعجُّب بأنه لا يبعد أن يبعث خالق الخلْقِ إليْهِم رسولاً يُبشِّرهم على الأعمال الصَّالحة بالثَّواب، وعلى الأعمال الباطلة بالعقاب، وهذا الجوابُ إنَّما بإثبات أمرين آخرين: أحدهما: إثبات أنَّ لهذا العالم إلهاً قادراً قاهراً، نافِذَ الحُكم بالأمْر والنَّهي والتَّكليف. والثاني: إثبات الحَشْر والنَّشر والبعث والقيامة، حتى يحصل الثَّواب والعقاب اللذان أخبر الأنبياءُ - عليهم الصلاة والسلام - عن حصولهما، فلذلك ذكر ما يدلُّ على تحقيق هذين الأمرين. فإمَّا إثبات الإله، فبقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}، وأمَّا إثبات المعاد، فبقوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} [يونس:4] فهذا ترتيبٌ في غاية الحسن، فإن قيل: كلمة "الَّذي" وضعت للإشارة إلى شيء معروف عند السَّامع، كما إذا قيل لك: مَنْ زَيْدٌ؟ فتقول: الذي أبوه مُنْطلق، فهذا التعريف إنَّما يحسنُ لو كان أبوهُ منطلقاً أمراً معلوماً عند السَّامع، فهاهنا لما قال: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} يوجب أن يكون ذلك أمراً معلوماً عند السَّامع، والعرب ما كانوا عالمين بذلك، فكيف يحسن هذا التعريف؟. فالجواب: أنَّ هذا كان مشهُوراً عند اليهود والنصارى؛ لأنَّه مذكور عندهم في التَّوراة والإنجيل، والعرب كانوا يُخالطُونَهُم، فالظَّاهر أنَّهم كانوا سمعُوه منهُم، فلهذا حَسُنَ هذا التعريف. فإن قيل: ما الفائدةُ في بيان الأيَّام التي خلق الله فيها السموات والأرض، مع أنَّه تعالى قادر على خلق جميع العالم في أقلِّ من لمْح البصرِ؟ فالجواب على قول أهل السُّنَّة: أنَّه تعالى يحْسُن منه كلّ ما أراد، ولا يُعَلَّلُ شيء من أفعاله بشيء من الحِكْمَة والمصالح، وأمَّا على قول المعتزلة: وهو أنَّ أفعالهُ تعالى مشتملةٌ على المصالحِ والحكمة، فقال القاضي: "لايبْعُد أنْ يكون خلق الله السموات والأرض في هذه المُدَّة المخصوصة، أدخل في الاعتبار في حقِّ بعض المُكَلِّفين" ثم قال: فإن قيل: فمن المُعْتَبر؟ ثم أجاب فقال: أما المعتبر فهو أنَّه لا بد من مُكلَّفٍ أو غير مكلَّف خلقه الله تعالى قبل خلقه السموات والأرض وإلاَّ لكان خلقُهُمَا عبثاً. فإن قيل: فَهَلاَّ جَازَ أن يَخْلقهمَا لأجل حيوان يَخْلقُهُ من بعد؟. قلنا: إنَّه تعالى لا يخاف الفوْت، فلا يجُوزُ أن يقدم على خلق لأجل حيوان سيحدُث بعد ذلك، وإنَّما يصحُّ ذلك منَّا في مُقدِّمَات الأمُور، لأنَّا نخشى الفَوْت، ونخافُ العَجْز. قال: وإذا ثَبَتَ هذا، فقد صحَّ ما روي في الخبر أنَّ خلق الملائكة والجنِّ، كان سابقاً على خلقِ السموات والأرض. فإن قيل: أولئك الملائكةَ لا بدَّ لهم من مكانٍ، وقبل خلق السموات والأرض لا مكان، فكيف يمكن وُجُودهُم بلا مكان؟ قلنا: الذي يقدر على تَسْكِين العَرْش والسموات والأرض في أمكنتها، كيف يعجزُ عن تسكين أولئك الملائكة في أحيازها بقدرته وحكمته؟ وأمَّا وجه الاعتبار في ذلك فهُو أنَّه لمَّا حصل هناك مُعْتَبر، لم يمتنع أن يكون اعتباره بما شاهده حالاً بعد حال أقوى. لأنَّ ما يحدث على هذا الوجه، فإنه يدلُّ على أنه صادر من فاعل حكيمٍ. وأمَّا المخلُوق دفعةً واحدةً فإنَّه لا يدلُّ على ذلك. فإن قيل: هذه الأيام كأيَّام الدُّنيا، أو كما قال ابن عباس: إنَّها ستَّة أيَّام من أيَّام الآخرة كل يوم منها ألف سنة مِمَّا تعُدُّون فالجواب: قال القاضي: الظَّاهرُ في ذلك أنَّهُ تعريف لعباده مدَّة خلقه لهما، ولا يجوز أن يكون ذلك تعريفاً إلاَّ والمدَّة هذه الأيَّام المعلومة، ويمكن أن يقال: لمَّا وقع التعريف في الأيَّام المذكورة في التوراة والإنجيل، وكان المذكُورُ هناك أيَّام الآخرة لا أيَّام الدنيا، لم يكن ذلك قادحاً في صحَّة التعريف بها. فإن قيل: هذه الأيام إنما تعد بطُلوع الشمس وغروبها، وهذا المعنى مفقودٌ قبل خلقها، فكيف يعقل هذا التعريف؟ فالجواب: التعريف يحصل بما أنَّه لَوْ وقع حدوثُ السموات والأرض في مدَّة، لو حصل هناك أفلاك دائرة وشمسٌ وقمر، لكانت تلك المُدَّة مساوية لستَّة أيَّام. فإن قيل: هذا يقتضي حصول مدَّة قبل خلقِ العالم، يحصل فيها حدوث العالم، وذلك يوجبُ قدم المُدَّة. فالجواب: أن تلك المُدَّة غير موجودة، بل هي مفروضة موهُومة، لأنَّ تلك المُدَّة المعينة حادثةٌ، وحدوثها لا يحتاج إلى مدَّة أخرى، وإلا لزم إثبات أزمنة لا نهاية لها وذلك محالٌ، فكلُّ ما يقولونه في حدوث المدَّة، فنحن نقوله في حدوث العالم. فإن قيل: اليومُ قد يُراد به اليوم مع ليلتِهِ، وقد يُرَاد به النَّهَار وحده، فما المرادُ بهذه الآية؟ فالجواب: أنَّ الغالبَ في اللُّغة هو اليوم بليلته. قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} قال ابنُ الخطيب: لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لأنَّ الاستواء على العرش معناه كونه مستقرًّا عليه، بحيث إنَّه لولا العرش لسقط ونزل، وإثبات هذا المعنى يقتضي كونه تعالى محتاجاً إلى العرش، وإنه لولا العرش لسقط ونزل، وذلك محالٌ، لإجماع المسلمين على أنَّه تعالى هو المُمْسِكُ له والحافظُ له، وأيضاً فإن قوله: "ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ" يدل على أنه قبل ذلك ما كان مُسْتَوياً عليه، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى يتغيَّر من حالٍ إلى حالٍ، وكل متغير محدث، وذلك باطلٌ بالاتِّفاق. وأيضاً: لمَّا حدث الاستواء في هذا الوقت دلَّ على أنَّه تعالى كان قبل هذا الوقت مُضْطَرباً متحرِّكاً، وذلك من صفاتِ المُحدثات. وأيضاً ظاهرُ الآية يدلُّ على أنه تعالى إنَّما استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض؛ لأنَّ كلمة "ثُمَّ" للتَّراخي، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى كان قبل العرش غنيّاً عن العرش، فلمَّا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقتُه وذاته من الاستغناء إلى الحاجة، فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنيّاً عن العرش، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقرّاً على العرش، فثبت بهذه الوجوه أنَّهُ لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، وإذا كان كذلك امتنع بالاستدلال بها في إثبات المكان والجهة، وإذا تقرَّر هذا، فقال جمهور المفسِّرين: المراد بالعرش هنا: هو الجسم العظيم الذي في السَّماء، وهو مخلوق قبل خَلْق السموات والأرض، بدليل قوله: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود:7]. وقيل: المراد من العرش: الملك، يقال: فلان على عرشه أي: ملكه. وقال أبُو مسلم الأصفهاني. "المراد بالعَرْش: أنَّه تعالى لمَّا خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها، فإنَّ كلَّ بناء يسمَّى عَرْشاً، وبانيه يسمَّى عارشاً، قال تعالى {أية : وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}تفسير : [النحل:68] أي: يبنون، وقال: {أية : وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا}تفسير : [البقرة:259]، والمراد: أنَّ القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقفها، وقال: {أية : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ}تفسير : [هود:7] أي: بناؤه على الماءِ، وإنَّما ذكر الله تعالى ذلك، لأنه أعجب في القدرة، لأنَّ الباني يتباعد عن الماء إلى الأرض الصلبة، لئلاَّ ينهَدِم بناؤُه، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء، ليعرف العُقلاء كمال قُدْرتِهِ، فالمُرَاد بالاستواء على العرش: هو الاستعلاء عليه بالقَهْر، لقوله {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ}تفسير : [الزخرف:12، 13]، فوجب حَمْلُ اللفظ على ذلك، ولا يجوزُ حمله على العرش الذي في السَّماء، لأنَّ الاستدلال على وجود الصَّانع، يجب أن يكون بشيء معلُوم ومشاهد، والعرش الذي في السماء ليس كذلك، وأمَّا أجرام السموات والأرض فهي مشاهدة مَحْسُوسة، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصَّانع صواباً حسناً". وبهذا الوجه تصير هذه الآية موافقةٌ لقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا}تفسير : [النازعات:27] الآية. قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لـ "إنَّ". الثاني: أنَّه حالٌ. الثالث: أنه مستأنفٌ لا محلَّ له من الإعراب. ومعنى "يدبِّر الأمر": يقضيه وحده على حسب مقتضى الحكمة، أي: يُدبِّر أحْوَال الخَلْقِ، وأحوال ملكوت السموات والأرض. قوله {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} أي: يدبر الأشياء، لا بشفاعة شفيعٍ، ولا تدبير مدبر، فمعناه: أن الشفعاء لا يشفعون إلا من بعد إذنِهِ. فإن قيل: كيف يليق ذكر الشَّفيع مع ذكر مَبْدَأ الخَلْقِ، وإنَّما يليق ذكره بأحْوال القيامة؟ فالجواب: قال الزَّجَّاج: إنَّ الكفَّار الذين كانوا مخاطبينَ بهذه الآية كانوا يقولون: إنَّ الأصنام شفعاؤنا عند الله. وهذا ردٌّ على النضر بن الحارث، كان يقول: إذا كان يوم القيامة تشفعني اللاَّت والعُزَّى. وقال أبو مسلم: "الشَّفيعُ هاهنا هو الثاني، مأخوذ من الشفع الذي يخالف الوتر، كما يقال: الزوْج والفرد". فمعنى الآية: خلق الله السموات والأرض وحدهُ لا شريكَ يعينه، ثم خلق الملائكة والجنَّ والبشر، وهو المراد من قوله {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} أي: لم يحدُث أحدٌ ولم يدخل في الوجود، إلاَّ من بعد أن قال له: كُنْ حتَّى كان. ثم قال {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} مُبَيِّناً بذلك أنَّ العبادة لا تصلح إلا له، وأنه هو المستحقُّ لجميع العبادات، لأنه هو المنعمُ بجميع النِّعم التي ذكرها. ثم قال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} دالاًّ بذلك على وُجُوب التَّفكُّر في تلك الدَّلائل القاهرة الباهرة. قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} الآية. لمَّا ذكر الدَّلائل الدَّالة على إثبات المبدأ، أردفه بما يدلُّ على صحَّة القول بالمعاد فقوله "إليه مرجعكم" الرجع بمعنى الرجوع و "جميعها" نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع وهذا يدل على أن المراد بالرجوع القيامة لا الموت. وقوله: "وعْدَ اللهِ" منصوبٌ على المصدر المؤكَّدِ؛ لأنَّ معنى "إلَيْهِ مرْجِعكُمْ": وعدكم بذلك. وقوله: "حَقّاً" مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبه مضمر، أي: أحَق ذلك حقّاً. وقيل: انتصب "حَقّاً" بـ "وَعْدَ" على تقدير "في"، أي: وَعْدَ الله في حق، يعني على التَّشْبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير: التقدير: وقت حق؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 2871- أحَقّاً عِبَادَ الله أنْ لَسْتُ ذَاهِباً وَلاَ وَالِجاً إِلاَّ عليَّ رَقيبُ تفسير : "إنَّهُ يَبْدَؤا" الجمهور على كسر الهمزة للاستئناف، وقرأ عبد الله، وابن القعقاع، والأعمش، وسهيل بن شعيب بفتحها، وفيها تأويلاتٌ: أحدها: أن تكون فاعلاً بما نصب "حَقّاً" أي: حقَّ حقًّا بدءُ الخَلْقِ، ثُمَّ إعادته؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2872- أَحَقّاً عبادَ اللهِ أنْ لَسْتُ جَائِياً ......................... تفسير : البيت. وهو مذهبُ الفرَّاء، فإنَّه قال "والتقدير: يحقُّ أنَّه يبدأ الخَلْق". والثاني: أنه منصوبٌ بالفعل الذي نصب "وَعْدَ اللهِ"، أي: وعد الله تعالى بدء الخلق ثم إعادته، والمعنى: إعادةُ الخلْقِ بعد بدئه. الثالث: أنه على حذفِ لام الجرِّ، أي: لأنَّهُ ذكر هذه الأوجه الثلاثة الزمخشري وغيره. الرابع: أنَّهُ بدلٌ من "وَعْدَ اللهِ" قالهُ ابن عطية. الخامس: أنه مرفوعٌ بنفس "حَقّاً" أي: بالمصدر المنون، وهذا إنَّما يتأتَّى على جَعْل "حَقّاً" غير مؤكدٍ، لأنَّ المؤكَّدَ لا عمل له إلاَّ إذا نَابَ عن فعله، وفيه بحث. السادس: أن يكون "حَقّاً" مشبهاً بالظَّرف خبراً مقدماً، و "إنَّه" في محلِّ رفع مبتدأ مؤخراً، كقولهم: أحقاً أنَّك ذاهبُ، قالوا: تقديره: أفي حقٍّ ذهابك. وقرأ ابن أبي عبلة "حَقٌّ أنَّه" برفع حق وفتح "أنّ" على الابتداء والخبر، قال أبو حيَّان: وكون "حق" خبر مبتدأ، و "أنه" هو المبتدأ هو الوجه في الإعراب، كما تقول: صحيحٌ أنك مخرج؛ لأنَّ اسم "أن" معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة، فظاهرُ هذه العبارة يُشْعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب "إنَّ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2873- وإنَّ حراماً أنْ أسُبَّ مُجَاشِعاً بآبَائِيَ الشُّمِّ الكِرَامِ الخَضَارِمِ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2874- وإنَّ شفَاءً عبْرَةٌ أنْ سَفَحْتُهَا وهَلْ عندَ رسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلِ تفسير : على جَعْلِ "أنْ سَفَحْتُهَا" بدلاً من "عَبْرَة"، وقد أخبر في "كان" عن نكرةٍ بمعرفةٍ، كقوله: [الوافر] شعر : 2875-.............................. ولا يَكُ موقِفٌ مِنْكِ الوَدَاعَا تفسير : وقوله: [الوافر] شعر : 2876-.............................. يكُونُ مِزاجَهَا عَسَلٌ ومَاءُ تفسير : قال مكِّي: "وأجاز الفرَّاء رفع "وَعْد"، بجعله خبراً لـ "مَرْجِعُكُمْ". وأجاز رفعَ "وَعْد" و "حَقّ" على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد". قال شهابُ الدِّين: نعم لم يرفع "وَعْد"، و "حَقّ" معاً أحد، وأمَّا رفعُ "حَقٌّ" وحده فقط تقدَّم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهه، ولا يجوز أن يكون "وعْد الله" عاملاً في "أنَّه" لأنه قد وُصِفَ بقوله "حَقّاً" قاله أبو الفتح، وقرىء "وعَدَ اللهُ" بلفظ الفعل الماضي ورفع الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون "إنَّه يَبْدأ" معمولاً له إنْ كان هذا القَارِىءُ يفتح "أنه"، والجمهُور على يَبْدَأ بفتح الياء من بَدَأ، وابنُ أبي طلحة "يُبْدِىء" مِنْ أبْدَأ، وبَدَأ وأبْدَأ بمعنى واحد. فصل في هذه الآية إضمار، تقديره: إنَّه يبدأ الخلق؛ ليأمرهم بالعبادة، ثم يُميتُهُم ثم يعيدهم، كقوله في البقرة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [البقرة:28]. إلاَّ أنَّه - تعالى - حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا؛ لأنَّه - تعالى - قال من قبله {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو فاعبدوه} وحذف ذكر الإماتة، لأنَّ ذكر الإعادة يدلُّ عليها. وهذه الآية تدلُّ على أنَّه تعالى يعيد جميع المخلوقات، وإعادتها لا يمكن إلاَّ بعد إعدامها، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محالٌ، ونظيره قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}تفسير : [الأنبياء:104] فحكم بأنَّ الإعادة تكون مثل الابتداء. قوله: "ليَجْزِي" متعلِّق بقوله "ثُمَّ يُعِيدُهُ"، و "بالقِسْطِ" متعلقٌ بـ "يَجْزِيَ" ويجوز أن يكون حالاً: إمَّا من الفاعل أو المفعول، أي: يَجْزيهُم مُلْتَبِساً بالقِسْطِ أو ملتبسين به، والقِسْطُ: العدل. فصل قال الكعبيُّ: "اللاَّم في قوله "ليَجْزِيَ الذينَ آمَنُوا" تدل على أنَّه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة، وأيضاً فإنَّه أدخل "لام" التعليل على الثواب، ولم يدخلها على العقاب، بل قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} فدل على أنَّه خلق الخلق للرَّحمةِ لا للعقاب، وذلك يدلُّ على أنَّه - تعالى - ما أراد منهم الكفر، ولم يخلق الكفر فيهم". والجواب: أنَّ لامَ التعليل في أفعال الله - تعالى - محالٌ؛ لأنه - تعالى - لو فعل فعلاً لعلَّةٍ لكانت تلك العِلَّة، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة فيلزم التسلسل، وهو محال. فصل في تفسير "القِسْط" وجهان: الأول: أنَّه العدل، كما تقدم؛ والعدلُ هو الذي يكون لا زائداً ولا ناقصاً، وذلك يدلُّ على أنَّه تعالى لا يزيدهُم على ما يستحقونه بأعمالهم، ولا يتفضَّل عليهم بشيء. فالجواب: أنَّ الثواب أيضاً محضُ التَّفضُّل، وأيضاً فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق إلا أنَّ لفظ "القِسْطِ" يدلُّ على توفية الأجْرِ، فأمَّا المنع من الزِّيادة فلفظ "القِسْط" لا يدلُّ عليه، فإن قيل: لِمَ خصَّ المؤمنين بالقسطِ مع أنَّه - تعالى - يجازي الكافرين أيضاً بالقسطِ؟ فالجواب: أنَّ تخصيصَ المؤمنين يدلُّ على مزيد العناية في حقِّهم، وعلى كونهم مخصوصين بمزيد الإحسان. الوجه الثاني - في تفسير القِسْطِ -: أن المعنى: ليجزي الذين آمنُوا بقسطهم، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حين آمنُوا وعملو الصَّالحات، لأنَّ الشِّركَ ظلمٌ، قال تعالى {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان:13]، والعصاة أيضاً قد ظلموا أنفسهم، قال تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}تفسير : [فاطر:32] وهذا أقوى؛ لأنه في مقابلة قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}. قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداءِ، والجملة بعده خبره. والثاني: أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبله، وتكونُ الجملةُ بعده مُبَيِّنَة لجزائهم. و "شَرابٌ" يجُوزُ أن يكون فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، والأولُ أولَى. قوله: "بِمَا كَانُوا" الظَّاهرُ تعلُّقه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير: استقرَّ لهم شرابٌ من حميم وعذاب أليمٌ بما كانُوا. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما: الأول: أن يكون صفة أخرى لـ "عَذاب". والثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له، ولا حاجة إلى العدول عن الأوَّل. قال الواحدي: الحَميمُ: الذي أسخنَ بالنَّار حتى انتهى حرُّه، يقال: حَمَمْتُ الماءَ، أي: أسْخَنْتُهُ، أحْمِيهِ، فهو حميمٌ، ومنه الحَمَّام. فصل دلَّت الآية على أنَّه لا واسطة بين أن يكون المكلَّف مُؤمناً، وبين أن يكون كافراً، لأنَّه اقتصر في الآية على ذكر هذين القسمين. وأجاب القاضي: بأنَّ ذكر هذين القسمين لا ينفي القسم الثالث؛ لأنَّ قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ}تفسير : [النور:45] ولم يدلَّ على نفي القسم الرابع، بل ربما ذكر المقصود أو الأكثر، وترك ما عداه، إذا كان قد بيِّن في موضع آخر، وقد بيَّن الله حال القسم الثالث في سائر الآيات. وجوابه: إنَّما يترك القسمُ الذي يجري مجرى النَّادر، ومعلوم أنَّ الفسَّاق أكثر من أهل الطَّاعةِ، فكيف يجُوز ترك ذكرهم في هذا الباب؟ وأما قوله تعالى {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ}تفسير : [النور:45] فإنَّما ترك ذكر القسم الرابع، لأنَّ أقسام دواب الأرض كثيرة، فكان ذكرها بأسرها يوجبُ الإطناب، بخلاف مسألتنا، فإنه ليس هنا إلاَّ القسم الثَّالث، وهو الفاسقُ الذي يزعم الخصمُ أنَّه لا مؤمنٌ ولا كافرٌ، فظهر الفرق.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {يدبر الأمر} قال: يقضيه وحده. وفي قوله {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} قال: يحييه ثم يميته ثم يحييه.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لإظهار بطلانِ تعجُّبهم المذكورِ وما بنَوا عليه من المقالة الباطلةِ غِبَّ الإشارةِ إليه بالإنكار والتعجيبِ وحُقّق فيه حقيةُ ما تعجبوا منه وصِحّةُ ما أنكروه بالتنبـيه الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلقِ والتقديرِ وأحوالِ التكوينِ والتدبـيرِ، ويُرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكيرٍ لاعترافهم به من غير نكيرٍ لقوله تعالى: {أية : قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} تفسير : [المؤمنون: 86 - 87] وقوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ }تفسير : [يونس: 31] إلى قوله تعالى: {أية : وَمَن يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ }تفسير : أي إن ربكم ومالكَ أمرِكم الذي تتعجبون من أن يرسِل إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشيرِ وتُعدّون ما أوحيَ إليه من الكتاب الحكيم سحراً هو {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وما فيهما من أصول الكائنات {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي في ستة أوقاتٍ أو في مقدار ستةِ أيام معهودةٍ فإن نفسَ اليوم الذي هو عبارةٌ عن زمان كونِ الشمس فوق الأرض مما لا يتصور تحققُه حين لا أرضَ ولا سماء، وفي خلقها مدرّجاً ـ مع القدرة التامةِ على إبداعها دفعةً ـ دليلٌ على الاختيار واعتبارٌ للنظّار وحثٌّ لهم على التأنيّ في الأحوال والأطوار، وأما تخصيصُ ذلك بالعدد المعينِ فأمرٌ قد استأثر بعلم ما يستدعيه علامُ الغيوب جلت قدرتُه ودقتْ حكمتُه وإيثارُ صيغةِ الجمعِ في السموات لما هو المشهورُ من الإيذان بأنها أجرامٌ مختلفةُ الطباعِ متباينةُ الآثارِ والأحكام {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} العرشُ هو الجسمُ المحيطُ بسائر الأجسامِ سمِّي به لارتفاعه أو للتشبـيه بسرير الملِك فإن الأوامرَ والتدابـير منه تنزل، وقيل: هو المُلك ومعنى استوائِه سبحانه عليه استيلاؤُه عليه أو استواءُ أمرِه. وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ له سبحانه بلا كيف. والمعنى أنه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزَّهاً عن التمكن والاستقرار، وهذا بـيانٌ لجلالة مُلكه وسلطانِه بعد زمان عظمةِ شأنِه وسَعة قدرتِه بما مر من خلق هاتيك الأجرامِ العظام. {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} التدبـيرُ النظرُ في أدبار الأمورِ وعواقبِها لتقعَ على الوجه المحمودِ والمرادُ هٰهنا التقديرُ على الوجه الأتمِّ الأكملِ والمرادُ بالأمر أمرُ ملكوتِ السمواتِ والأرضِ والعرشِ وغيرُ ذلك من الجزيئات الحادثةِ شيئاً فشيئاً على أطوار شتى وأنحاء لا تكاد تحصى من المناسبات والمبايناتِ في الذوات والصفاتِ والأزمنةِ والأوقاتِ أي يقدّر ما ذُكر من أمر الكائناتِ الذي ما تعجبوا منه من أمر البعث والوحي فردٌ من جملته وشُعبةٌ من دوحته، ويهيـيء أسبابَ كل منها حدوثاً وبقاءً في أوقاتها المعينةِ ويرتب مصالحَها على الوجه الفائقِ والنمطِ اللائقِ حسبما تقتضيه الحكمةُ وتستدعيه المصلحةُ، والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير استوىٰ وقد جوز كونُها خبراً ثانياً لإن أو مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب مبنيةٌ على سؤال نشأ من ذكر الاستواءِ على العرش المنبىءِ عن إجراء أحكامِ المُلك. وعلى كل حال فإيثارُ صيغةِ المضارعِ للدلالة على تجدد التدبـيرِ واستمرارِه وقوله عز وجل: {مَا مِن شَفِيعٍ} بـيانٌ لاستبداده سبحانه في التقدير والتدبـيرِ ونفيٌ للشفاعة على أبلغ الوجوهِ فإن نفيَ جميعِ أفرادِ الشفيعِ بمن الاستغراقية يستلزم نفيَ الشفاعةِ على أتم الوجوه كما في قوله تعالى: {أية : لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [هود: 43] وهذا بعد قوله تعالى: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} جارٍ مجرى قوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ }تفسير : عقيب قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء }تفسير : وقوله تعالى {إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأوقاتِ أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنِه المبنيِّ على الحكمة الباهرةِ، وذلك عند كون الشفيع من المصطَفين الأخيارِ والمشفوعُ له ممن يليق بالشفاعة كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تفسير : [النبأ: 38] وفيه من الدِلالة على عظمة جلالِه سبحانه ما لا يخفى {ذٰلِكُمْ} إشارةٌ إلى المعلوم بتلك العظمةِ أي ذلكم العظيمُ الشأنِ المنعوتُ بما ذكر من نعوت الكمالِ التي عليها يدور استحقاقُ الأُلوهية {ٱللَّهُ} وقوله تعالى: {رَبُّكُـمْ} بـيانٌ له أو بدلٌ منه أو خبرٌ ثانٍ لاسم الإشارةِ، وهذا بعد بـيانِ أن ربَّهم الله الذي خلق السمواتِ والأرضَ الخ، لزيادة التقريرِ والمبالغةِ في التذكير ولتفريع الأمرِ بالعبادة عليه بقوله تعالى: {فَٱعْبُدُوهُ} أي وحّدوه من غير أن تشركوا به شيئاً من ملَك أو نبـيَ فضلاً عن جماد لا يُبصر ولا يَسمع ولا يضر ولا ينفع وآمِنوا بما أنزله إليكم {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي تعلمون أن الأمرَ كما فُصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقِفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدوا عنه.
التستري
تفسير : قوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}[3] قال: يقضي القضاء وحده، فيختار للعبد ما هو خير له، فخيرة الله خير له من خيرته لنفسه. وقيل لسهل حين احتُضر: فيما تكفن، وأين تقبر، ومن يصلي عليك بعد موتك؟ فقال: أدبر أمري حياً وميتاً، وقد كفيت عنه بسابق تدبير الله تعالى لعبده.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} [الآية: 3]. قال بعضهم: يُختار للعبد ما هو خير له من اختياره لنفسه. وقال أبو عثمان فى رسالته إلى شاه: قد دبر الله لك يا أخى كل تدبير، وأسقط قدم صدق السنة والمتابعة سوء تدبيرك، وارض بتدبير الله لك كى تنجو من هواجس النفس، لأن الله يقول: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} تفسير : [الرعد: 2]. وقيل لسهل بن عبد الله حين حضرته الوفاة: فبماذا تُلَقّن وأين تُقبر ومن يُصَلِّى عليك. قال: أدبر أمرى حيًا وميتًا. وقد كفنت بسابق تدبير الله لى.
القشيري
تفسير : لا يحتاج فِعْله إلى مُدّةٍ، وكيف ذلك ومن جملة أفعاله الزمان والمدة؟ فَخَلَقَ السماوات والأرضَ في ستة أيام، وتلك الأيام أيضاً من جملة ما خَلَق الله سبحانه وتعالى. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} أي تَوَحَّدَ بجلال الكبرياء بوصف الملكوت. وملوكنا إذا أرادوا التجلّي والظهورَ للحَشَم والرعية برزوا لهم على سرير مُلْكِهم في ألوان مشاهدهم. فأخبر الحقُّ - سبحانَه - بما يَقْرُب من فَهْم الخلْقِ ما ألقى إليهم من هذه الجملة: استوى على العرش، ومعناه اتصافه بعز الصمدية وجلال الأحدية، وانفراده بنعت الجبروت وعلاء الربوبية، تقدَّس الجبَّارُ عن الأقطار، والمعبودُ عن الحدود. {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}: أي الحادثاتُ صادرةٌ عن تقديره، وحاصلةٌ بتدبيره، فلا شريكَ يعضده، وما قضى فلا أحد يردُّه. {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}: هو الذي يُنْطِقُ مَنْ يخاطبه، وهو الذي يخلق ما يشاء على من يشاء إذا التمس يُطالِبهُ. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ}: تعريف وقوله: {فَٱعْبُدُوهُ}: تكليف؛ فحصولُ التعريف بتحقيقه، والوصولُ إلى ما وَرَدَ به التكليف بتوفيقه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ربكم الله الذي} خطاب لكفار مكة اى مربيكم ومدبر اموركم {خلق السموات والارض} التي هي اصول الممكنات وجسام الاجسام فان قيل الموصولات موضوعة لان يشار بها الى ما يعرفه المخاطب باتصافه بمضمون الصلة والعرب لا يعلمون كونه تعالى خالق السموات والارض. اجيب بان ذلك امر معلوم مشهور عند اهل الكتاب والعرب كانوا يتخالطون معهم فالظاهر انهم سمعوه منهم فحسن هذا التعريف لذلك. قال في ربيع الابرار تفكروا ان الله خلق السموات سبعا والارضين وثخانة كل ارض خمسمائة عام وثخانة كل سماء خمسمائة عام وما بين كل سماء خمسمائة عام وفي السماء السابعة بحر عمقه مثل ذلك كله فيه ملك لم يتجاوز الماء كعبه {في ستة ايام} اي في ستة اوقات فان اصل الايام هو يوم الآن المشار اليه بقوله تعالى {أية : كل يوم هو في شأن} تفسير : وهو الزمن الفرد الغير المنقسم وسمى يوما لان الشان يحدث فيه فبالآن تتقدر الدقائق وبالدقائق تتقدر الدرج وبالدرج تتقدر الساعات وبالساعات يتقدر اليوم فاذا انبسط الآن سمى اليوم واذا انبسط اليوم سمى اسابيع وشهورا وسنين ادوارا فيوم كالآن وهو ادنى ما يطلق عليه الزمان ومنه يمتد الكل ويوم كالف سنة وهو يوم الآخرة ويوم كخمسين الف سنة وهو يوم القيامة اي ادنى مقدار ستة ايام لان اليوم عبارة عن زمان مقدر مبدأه طلوع الشمس ومنتهاه غروبها فكيف تكون حين لا شمس ولا نهار لخلقها في اقل من لحظة لكنه اشار الى التأني في الامور فلا يحسن التعجيل الا في التوبة وقضاء الدين وقرى الضيف وتزويج البكر ودفن الميت والغسل من الجنابة: وفي المثنوى شعر : مكر شيطانست تعجيل وشتاب خوى رحمانست صبر واحتساب با تأنى كشت موجود از خدا تابشش روز اين زمين وجرخها ورنه قادر بود كز كن فيكون صد زمين وجرخ آوردى برون اين تأنى از بى تعليم تست طلب آهسته بايد بى شكست تفسير : وقد جاء في الصحيح (ان الله خلق التربة) يعني الارض (يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الاحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الاربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر الى الليل) فان قيل القرآن يدل على ان خلق الاشياء في ستة ايام والحديث الصحيح المذكور على انها سبعة. فالجواب ان السموات والارض وما بينهما خلق في ستة ايام وخلق آدم من الارض فالارض خلقت في ستة ايام وآدم كالفرع من بعضها كما في فتح القريب. والحكمة في تأخير خلق آدم ليكون خليفة في الارض لان الاشياء قبله بمنزلة الرعية في مملكة الكون ولا يكون خليفة الا بالجنود والرعية فتقدم الرعية على الخليفة تشريف وتكريم للخلافة. واعلم ان اول فلك دار بالزمان قلب الميزان وفيه حدثت الايام دون الليل والنهار فكان اول حركته بالزمان واما حدوث الليل والنهار فبحدوث الشمس في السماء الرابعة ودورانها على طريقة واحدة من الشرق الى الغرب كذا في عقله المتوفز واول المخلوقات من الايام هو يوم الاحد فالأحد فيه بمعنى الاول فلما اوجد الله الثاني سمى الاثنين لانه ثاني يوم الاحد واول الايام التي خلق فيها الخلق السبت وآخر الايام الستة اذا الخميس فالجمعة سابع والسبت بمعنى الراحة زعم اليهود انه اليوم السابع الذي استراح فيه الحق من خلق السموات والارض وما فيهن وكذبوا لقوله تعالى {أية : وما مسنا من لغوب} تفسير : اي اعياء فيكون اول الاسبوع عندهم يوم الاحد وكذا عند النصارى ولذا اختاروه. وقد حديث : سئل عليه السلام عن يوم السبت فقال "يوم مكر وخديعة" تفسير : لان قريشا مكرت فيه في دار الندوة ولا يقطع فيه اللباس يوم السبت والاحد والثلاثاء. قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى قدس سره الملابس اذا فصلت وخيطت في وقت رديئ اتصل بها خواص رديئ وكذا الامر في باب المآكل والمشارب وكذلك ما ورد التنبيه عليه في الشريعة من شؤم المرأة والفرس والدار وشهدت بصحته التجارب المكررة فان لجميع هذه في بواطن اكثر الناس بل وفي ظواهرهم ايضا خواص مضرة تتغذى من بدن المغتذى والمباشر والمصاحب الى نفسه واخلاقه وصفاته فيحدث بسببها للقلوب والارواح تلويثات هي من اقسام النجاسات وقد نبهت الشريعة على كراهتها دون الحكم عليها بالحرمة. وسئل حضرة مولانا قدس سره عما ورد (بارك الله في السبت والخميس) فقال بركتهما لوقوعهما جارين ليوم الجمعة حديث : وسئل عليه السلام عن يوم الاحد فقال "يوم غرس وعمارة" تفسير : لان الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا وعمارتها وفي رواية (بنيت الجنة فيه وغرست) حديث : وسئل عن يوم الاثنين فقال "يوم سفر وتجارة " تفسير : لان فيه سافر شعيب فربح في تجارته حديث : وسئل عن يوم الثلاثاء فقال "يوم دم " تفسير : لان فيه خاضت حواء وقتل ابن آدم اخاه وقتل فيه جرجيس وزكريا ويحيى ولده وسحرة فرعون وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وبقرة بني اسرائيل حديث : ونهى النبي عليه السلام عن الحجامة يوم الثلاثاء اشد النهى وقال "فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم" تفسير : اي لا ينقطع اذا احتجم او فصد وربما يهلك الانسان بعد انقطاع الدم (وفيه نزل ابليس الى الارض وفيه خلقت جهنم وفيه سلط الله ملك الموت علىارواح بني آدم وفيه ابتلى ايوب). وقال بعضهم ابتلى يوم الاربعاء. قيل كان الرسم في زمن ابي حنيفة رحمه الله ان يوم البطالة يوم السبت في القراءة لا يقرا في يوم السبت ثم في زمن الخصاف كان مترددا بين الاثنين والثلاثاء ومات الخصاف ببغداد سنة احدى وستين ومائتين. يقول الفقير ثم صار يوم البطالة يوم الثلاثاء والجمعة واستمر الى يومنا هذا في اكثر البلاد. وكان شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة يعد الدرس فيهما افراطا ويقول يعرض للانسان من الاشتغال فتور وانقباض فلا بد من يوم البطالة ليصل نشاط وانبساط لئلا ينقطع الطالب عن تحصيل المطلوب ومن هنا ابيح ورخص التفرج والتبسط احيانا ولو للسالك. وسئل عن يوم الاربعاء قال (يوم نحس) لان فيه اغرق فرعون وقومه واهلك فيه عاد وثمود وقوم صالح ونهى فيه عن قص الاظفار لانه يورث البرص وكره بعضهم عيادة المريض يوم الاربعاء. وفي منهاج الحليمي ان الدعاء مستجاب يوم الاربعاء بعد الزوال قبل وقت العصر لانه عليه السلام استجيب له الدعاء على الاحزاب في ذلك اليوم في ذلك الوقت قيل يحمد فيه الاستحمام. وذكر انه ما بدئ شيء يوم الاربعاء الا وقد تم فينبغي البداءة بنحو التدريس فيه وكان صاحب الهداية يتوقف في ابتداء الامور على الاربعاء ويروي هذا الحديث ويقول هكذا كان يفعل ابي ويرويه عن شيخه احمد بن عبد الرشيد. وسئل عليه السلام عن يوم الخميس (فقال يوم قضاء الحوائج والدخول على السلطان) لان فيه دخل ابراهيم عليه السلام على ملك صر فقضى حاجته واهدى اليه هاجر. وسئل عن يوم الجمعة فقال (يوم نكاح) نكح فيه آدم وحواء ويوسف زليخا وموسى بنت شعيب وسليمان بلقيس ونكح عليه السلام خديجة وعائشة رضي الله عنهما وعن ابن مسعود رضي الله عنه من قلم اظفاره يوم الجمعة اخرج الله من داء وادخل فيه الشفاء {ثم استوى على العرش} قال في التبيان ثم في كتاب الله تعالى على خمسة اوجه. الوجه الاول اتت عاطفة مرتبة وهو قوله {أية : ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا}. تفسير : والوجه الثاني بمعنى قبل وهو قوله {أية : ثم استوى على العرش} تفسير : معناه قبل ذلك استوى على العرش لان قوله تعالى وكان عرشه على الماء يدل على ان وجود العرش سابق على تخليق السموات والارض ومثله (ثم ان مرجعهم لالى الجحيم) معناه قبل ذلك مرجعهم ومثله قول الشاعر شعر : قل لمن ساد ثم ساد ابوه ثم قد ساد قبل ذلك جده تفسير : والوجه الثالث بمعنى الواو وهو قوله {أية : ثم كان من الذين آمنوا} تفسير : معناه ومع ذلك كان من الذين آمنوا. والرابع بمعنى الابتداء وهو قوله {أية : الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} تفسير : معناه تعجبوا منهم كيف يفكرون بربهم انتهى بزيادة. يقول الفقير ثم ههنا لتفخيم شان منزلة العرش وتفضيله على السموات والارض لا التراخى في الوقت كما ذهبوا اليه عند قوله تعالى {أية : ثم استوى الى السماء} تفسير : في اوائل سورة البقرة فلا حاجة الى التأويل. واعلم ان الافلاك تسع طبقات بعضها فوق بعض والفلك المحيط وهو العرش محيط بها كلها وكذلك جسم الانسان خلق من تسعة جواهر بعضها فوق بعض ليكون جسم الانسان مشاكلا للافلاك بالكمية والكيفية وهي اي الجواهر المخ والعظام والعصب والعروق وفيها الدم واللحم والجلد والشعر والظفر وهو اي العرش اول الموجود الجسماني كما ان روح نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم اول الموجود الروحاني وهو من ياقوتة حمراء وله الف شرفة وفي كل شرفة الف عام مثل ما في الدنيا باسرها. قال ابن الشيخ ومعنى الاستواء عليه الاستيلاء عليه بالقهر ونفاذ التصرف فيه وخص العرش بالاخبار عن الاستواء عليه لكونه اعظم المخلوقات فيفيد انه استولى على ما دونه. قال الحدادى ودخلت ثم على الاستواء وهي في المعنى داخلة على التدبير كأنه قال ثم {يدبر الامر} وهو مستو على العرش فان تدبير الامور كلها ينزل من عند العرش ولذا ترفع الايدي في دعاء الحوائج نحو العرش. قال القاضي يدبر الامر اي يقدر امر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيئ بتحريكه اسبابها وينزلها منه والتدبير والنظر في ادبار الامور لتجيئ محمود العاقبة. وعن عمرو بن مرة يدبر امر الدنيا بامر الله اربعة. جبرائيل وميكائيل وملك الموت واسرافيل. اما جبرائيل فعلى الرياح والجنود. واما ميكائيل فعلى القطر والنبات. واما ملك الموت فعلى الانفس. واما اسرافيل فينزل عليهم ما يؤمرون بهم. قال في التأويلات النجمية {خلق السموات والارض} في عالم الصورة وهو العالم الاكبر {في ستة ايام} من انواع ستة وهي الافلاك والكواكب والعناصر والحيوان والنبات والجماد {ثم استوى على العرش} والعرش جسماني روحاني ذو جهتين جهة منه تلى العالم الروحاني وجهة منه تلى العالم الجسماني {يدبر الامر} لفيضان فيض رحمانية على العرش فانه اول قابض لفيض الرحمانية وهذا احد تفاسير الرحمن على العرش استوى ثم من العرش ينقسم الفيض فانه مقسم الفيض فيجري في مجاري جعلها الله من العرش الى ما دونه من المكونات وانواع المخلوقات فبذلك الفيض تدور الافلاك كما تدور الرحى بالماء به تؤثر الكواكب وبه تولد العناصر وتظهر خواصه وبه يتولد الحيوان ذا حس وحركة وبه ينبت النبات ذا حركة بلا حس وبه تغير المعادن بلا حس ولا حركة. وفيه اشارة اخرى {ان ربكم الله الذي} يربيكم هو الذي {خلق السموات} سموات ارواحكم {والارض} ارض نفوسكم في عالم المعنى وهو العالم الاصغر {في ستة ايام} اي من ستة انواع وهي الروح والقلب والعقل والنفس التي هي الروح الحيواني والنفس النباتية التي هي النامية وخواص المعادن وهي في الانسان قوة قابلة لتغير الاحوال والاوصاف والالوان {ثم استوى على العرش} على عرش القلب {يدبر الامر} امر السعادة والشقاوة ويهيء اسبابهما من الاخلاق والاحوال والاعمال والافعال والاقوال والحركات والسكنات والى هذا يشير قوله (قلوب العباد بيدى الله يقلبها كيف يشاء) {ما من شفيع} يشفع لاحد في وقت من الاوقات {الا من بعد اذنه} المبنى على الحكمة الباهرة وهو جواب قول الكفار ان الاصنام شفعاؤنا عند الله فبين الله تعالى انه ما من ملك مقرب ولا نبى مرسل يشفع لاحد الا من بعد ان يأذن الله لمن يشاء ويرضى فكيف تشفع الاصنام التي ليس لها عقل ولا تمييز وفيه اثبات الشفاعة لمن اذن له {ذلكم} اى ذلك التعظيم الشان المنعوت بما ذكر من نعوت الكمال والاشارة محمولة على التجوز لاستحالة تعلق الاحساس بالله تعالى. قال في البهجة واما نحو تلك الجنة فذلك لصيرورتها كالمشاهد بمعرفة اوصافها {الله} خبر ذلكم ويجوز ان يكون صفة على ان الخبر ما بعده كما قال الكاشفي [آن خداوئدى كه موصوف است بصفات خلق وتدبير واستيلاء {ربكم} [بروردكار شماست نه غيراو] اذ لا يشاركه احد في شيء من ذلك. قال المولى ابو السعود رحمه الله ربكم بيان له او بدل منه او خبر ثان لاسم الاشارة {فاعبدوه} وحده ولا تشركوا بعض خلقه من ملك او انسان فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع {افلا تذكرون} تتفكرون فان ادنى التفكر والنظر ينبهكم علىانه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إن ربكم} الذي يستحق العبادة وحده هو {اللهُ} الذي أظهر الكائنات من العدم إلى الوجود، وبه رد على من أنكر النبوة، كأنه يقول: إنما أدعوكم إلى عبادة الله الذي خلق الأشياء، فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين؟ ثم فصَّل ذلك فقال: {الذي خلق السماوات والأرض} التي هي أصول الكائنات، {في} مقدار {ستةِ أيام} من أيام الدنيا، ولم يكن حينئذٍ ليل ولا نهار، والجمهور: أن ابتداء الخلق يوم الأحد، وفي حديث مسلم: يوم السبت، وأنه خلق الأرض، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك. {ثم استوى على العرش} استواء يليق به، كاستواء الملك على سريره ليُدير أمر مملكته، ولذلك رتب عليه: {يُدَبِّر الأمرَ}، وقد تقدم الكلام عليه في الأعراف. قال البيضاوي: يُدبر أمر الكائنات على ما تقتضيه حكمته، وسبقت به كلمته، بتحريك أفلاكها، وتهيئ أسبابها، والتدبير: النظر في عواقب الأمور لتجيء محمودة العاقبة. هـ. {ما من شفيع} تُقبل شفاعته {إلا من بعد إِذْنِه} له في الشفاعة، وهو تقرير لعظمته وعزة جلاله، ورد على من يزعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له، كالأنبياء والعلماء الأتقياء. {ذلكم الله} أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية هو {الله ربكم} لا غير؛ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك، {فاعبدوه}: أفردوه بالعبادة {أفلا تذكرون} أي: تتفكرون أدنى تفكر، فتعرفون أنه المستحق للربوبية والعبادة، لا ما تعبدون من الأصنام. {إليه مرجعكم} بالبعث {جميعاً} فيجازيكم على أعمالكم، ويعاقبكم على شرككم، {وعد الله حقاً}. مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله: {إليه مرجعكم} وعدٌ من الله. {إنه يبدأ الخلق} بإظهاره في الدنيا {ثم يُعيده} بعد إهلاكه في الآخرة. {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، تعليل للعودة؛ وهي البعثة، وقوله: {بالقسط} أي: بالعدل؛ بأن يعدل في جزائهم، فلا يظلم مثقال ذرة، أو بعدلهم وقيامهم على العمل في أمورهم، أو بإيمانهم؛ لأنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلم عظيم. وهو الأوجه لمقابلة قوله: {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم} بسبب كفرهم وشركهم ـ الذي هو الظلم العظيم ـ لكنه غيَّر النظم للمبالغة في استحقاقهم العذاب والتنْبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة، وأما العقاب فإنما هو الواقع بالعرض، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة، فإنه إنما ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشوم أفعالهم. والآية كالدليل لقوله: {إليه مرجعكم جميعاً}، فإنَّه لمَّا كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم، كان مرجع الجميع إليه لا محالة، ويؤيده قراءة من قرأ: "أنه يبدأ" بالفتح، أي: لأنه، ويجوز أن يكون منصوباً بما نصب "وعد الله". قاله البيضاوي. الإشارة: تقدم بعض إشارة هذه الآية في الأعراف، وقال الورتجبي هنا: جعل العرش مرآة تجلي قدسه ومأوى أرواح أحبابه لقوله: {ثم استوى...} الآية، ثم قال: ثم دعاهم إلى عبادته بعد معرفته بقوله: {فاعبدوه}. وقال القشيري: {ذلكم الله ربكم} تعريف، وقوله: {فاعبدوه} تكليف، فحصولُ التعريف بتحقيقه، والوصولُ إلى ما وَرَدَ به التكليف بتوفيقه. هـ. وقال في قوله: {إليه مرجعكم جميعاً}: الرجوع يقتضي ابتداء، والأرواح قبل حصولها في الأشباح كان لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند مُحبيِّه وذويه، وأنشدوا: شعر : أَيا قَادماً من سَفرةِ الهَجرِ مَرْحَباً أَنَا ذاك لا أَنساكَ مَا هَبَّت الصَّبا. هـ. تفسير : وفي الإحياء: كل من نسي الله أنساه ـ لا محالة ـ نفسه، ونزل إلى رتبة البهائم، وترك الترقي إلى أُفق الملأ الأعلى، وخان في الأمانة التي أودعها له تعالى، وأنعم بها عليه، وكان كافراً لنعمته، ومتعرضاً لنقمته؛ فإن البهيمة تتخلص بالموت، وأما هذا فعنده أمانة سترجعُ ـ لا محالة ـ إلى مُودعها، فإليه مرجع الأمانة ومصيرها، وتلك الأمانة كالشمس الزاهرة، وإنما هبطت إلى هذا القالب الفاني وغربت فيه، وستطلع هذه الشمس عند خراب هذا القالب من مغربها، وتعود إلى بارئها وخالقها، إما مظلمة مُنكسة، وإما زاهرة مشرقة، والزاهرة المشرقة غير محجوبة عن حضرة الربوبية، والمظلمة أيضاً راجعة إلى الحضرة؛ إذ المرجع ومصير الكل إليه، إلا أنها ناكسة رؤوسها عن جهة أعلى عليين، إلى جهة أسفل سافلين، ولذلك قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ}تفسير : [السجدة: 12] فبيَّن أنهم عند ربهم منكسون منحوسون، قد انقلبت وجوههم إلى اقفيتهم، وانتكست رؤوسهم عن جهة فوق إلى جهة أسفل، وذلك حكم الله تعالى فيمن حَرمَهُ توفيقه، ولم يهده طريقه فنعوذ بالله من الضلال والنزول في منازل الجُهال. هـ. قلت: ظاهر كلامه: أن الروح لا ترجع إلى وطنها وتتصل بحضرة ربها إلا بعد خراب هذا البدن، والحق إنها ترجع لأصلها، وتتصل بحضرة ربها مع قيام هذا البدن؛ إذا كمل تطهيرها وتمت تصفيتها من بقايا الحس، وانقطع عنها علائق هذا العالم الجسماني، فتتصل حينئذٍ بالعالم الروحاني، مع قيام العالم الجسماني، كما هو مقرر عند أهل التحقيق، والله تعالى أعلم. ثم ذكر حكمة إيجاد النيريْن، فقال: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً}.
الطوسي
تفسير : خاطب الله تعالى بهذه الاية جميع الخلق وأخبرهم بأن الله الذي يملك تدبيركم وتصريفكم بين أمره ونهيه ويجب عليكم عبادته {الله الذي خلق السماوات والأرض} فاخترعهما وأنشأهما على ما فيهما من عجائب الصنعة ومتقن الفعل. وإطلاق الربّ لا يقال إلا فيه تعالى، فاما غيره فانه يقيد له، فيقال: رب الدار، ورب الضيعة بمعنى أنه مالكها. وكذلك معنى قوله {رب العرش} والربوبية ملك التدبير الذي يستحق به العبادة. وقيل في الوجه {الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام} بلا زيادة ولا نقصان مع قدرته على إنشائهما دفعة واحدة قولان: أحدهما - أن في اظهارهما كذلك مصلحة للملائكة وعبرة لهم. والثاني - لما فيه من الاعتبار إذا أخبر عنه بتصرف الحال كما صرّف الله الانسان من حال إلى حال، لأن ذلك أبعد من توهم الاتفاق فيه. وقوله {ثم استوى على العرش} معناه استولى عليه بانشاء التدبير من جهته كما يستوي الملك على سرير ملكه بالاستيلاء على تدبيره، قال الشاعر: شعر : ثم استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق تفسير : يعني بشر بن مروان. ودخلت {ثم} لأن التدبير من جهة العرش بعد استوائه. وقوله {يدبر الأمر} فالتدبير تنزيل الامور في مراتبها على إحكام عواقبها، وهو مأخوذ من الدبور، فتجري على أحكام الدابر في الباري. وقوله {وما من شفيع إلا من بعد إذنه} فالشفيع هو السائل في غيره لاسقاط الضرر عنه. وعند قوم أنه متى سأله في زيادة منفعة توصل اليه كان شفيعاً. والذي اقتضى ذكره - ها هنا - صفات التعظيم مع اليأس من الاتكال في دفع الحق على الشفيع. والمعنى - ها هنا - ان تدبيره للأشياء وصنعته لها ليس يكون منه بشفاعة شفيع ولا بتدبير مدبر لها سواه، وأنه لا يجسر أحد أن يشفع اليه إلا بعد ان يأذن له فيه، من حيث كان تعالى أعلم بموضع الحكمة والصواب من خلقه بمصالحهم. وقوله {ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} معناه إنّ الموصوف بهذه الصفات هو ربكم وإلهكم فاعبدوه وحده، لأنه لا إله لكم سواه، ولا يستحق هذه الصفات غيره. وحثهم على التذكر والتفكر في ذلك وعلى تعرّف صحة ما أخبرهم به وقيل: ان العرش المذكور - ها هنا - هو السماوات والأرض، لأنهن من بنائه. والعرش البناء. ومنه قوله {أية : يعرشون} تفسير : أي يبنون. وأما العرش المعظم الذي تعبد الله الملائكة بالحفوف به والاعظام له وعناه بقوله {أية : الذين يحملون العرش ومن حوله} تفسير : فهو غير هذا. وانما ذكر الشفيع في الآية ولم يجر له ذكر، لأن المخاطبين بذلك كانوا يقولون الاصنام شفعاؤهم عند الله. وذكر بعدها {أية : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : واذا كانت الأصنام لا تعقل فكيف تكون شافعة؟! مع أنه لا يشفع عنده الا من ارتضاه الله. واختار البلخي أن يكون خلق السموات والأرض في ستة أيام إنما كان لان خلقه لهما دفعة واحدة لم يكن ممكناً كما لا يمكن الجمع بين الضدين، ولا يمكن الحركة إلا في المتحرك. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأن خلق السموات والأرض خلق الجواهر واختراعها، والجواهر لا تختص بوقت دون وقت، فلا حال إلا ويصح اختراعها فيه ما لم يكن فيما لم يزل. وانما يصح ما ذكره في الاعراض التي لا يصح عليها البقاء او ما يستحيل جمعه للتضاد، فأما غيره فلا يصح ذلك فيه.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} صرف الخطاب اليهم بعد ما أنكر عليهم ووبّخهم مزجاً للوعد والوعيد والرّحم والغضب كما هو عادته تعالى وعادة خلفائه فى الوعظ والنّصح من الشّروع فى الانذار والوعيد والختم بالبشارة والوعد، ولذلك ختم بوعد المؤمنين بأبسط وجهٍ وللتّباين بينهما لم يأت باداة الوصل، وقد سبق تفسير الآية بتمام اجزائها فى سورة الاعراف {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ او حال عن فاعل خلق او استوى منفرداً او على التّنازع ولمّا كان خلقة السّماوات والارض وكذا استواؤه على العرش امراً قضى بحسب ظاهر الحسّ والتّدبير امراً يحتاج اليه المخلوق ما بقى ادّاه بالمضارع الدّالّ على التّجدّد، والامر يقال على كلّ فعل كما يقال: باىّ امرٍ اشتغلت؟ وعلى حال الشّخص، وعلى طلب الشّيء بحكومة، وعلى فعل ذلك الطّلب، وعلى المجرّدات الاله الخلق والامر اشارة اليه، وعلى المشيّة الّتى بها خلق الاشياء الّتى يعبّر عنها بوجهٍ بالعرش وبوجهٍ بالكرسىّ وهى الولاية المطلقة والحقيقة المحمّدية (ص)، والتّدبير عبارة عن النّظر فى ادبار الافعال والاحوال واختيار الاحسن غاية منها، والمقصود انّ الّذى هو خالقكم غير غافلٍ عنكم ينظر فى اموركم واحوالكم ويختار ما هو خير لكم بحسب دنياكم وآخرتكم، ومنه ارسال رسولٍ من جنسكم، او ينظر فى الامر الّذى هو عالم المجرّدات وكيفيّة تنزيله الى المادّيّات فينزّله على وفق حكمته وما ننزّله الاّ بقدر معلوم اقتضته قابليّاتكم اشارة اليه، ومنه ارسال الملك فانّه لا يرسل الملك اليكم بلا واسطة بشرٍ استعدّ لمشاهدته لانّه لو ارسل الى غير المستعدّ لاهلكه وهو خلاف التّدبير والنّظر فى عاقبة الامور وهكذا القول فى بيانه ان فسّر الامر بالمشيّة. تحقيق تعلّق الشّفاعة ومنها الافتاء للنّاس على الاجازة من الله {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ كأنّه قيل: اليس لاحدٍ دخل فى امر النّاس وحالهم؟ او فى تعلّق فعل الله وامره بعالم الطّبع؟ ولا شفاعة اصلاً؟ - فقال: لا شفاعة الاّ باذنه ودخل الشّفيع باذنه تدبيره تعالى لا غير، او حال متداخلة او مترادفة، والشّفاعة ههنا بمعنى مسئلة العفو عن ذى سلطنةٍ لغيره او مسئلة الاحسان اليه وشاع استعماله فى سؤال العفو للغير والشّفاعة عند الله غير مختصّة بالآخرة كا يظنّ، بل هى ثابتة فى الدّنيا للانبياء (ع) واوصياءهم اذ استغفارهم للتّائبين البائعين على ايديهم شفاعة، واستغفارهم بعد ذلك لهم شفاعة، وامرهم بالخير ونهيهم عن الشّرّ ونصحهم ووعظهم كلّها نحو شفاعة، فمن اجترأ على امر الخلق ونهيهم وبيان حلال الله وحرامه بالفتيا والوعظ الّذى جعلوه صنعة كسائر الصّنائع المعاشيّة والقضاء بين النّاس من غير اذنٍ من الله بلا واسطةٍ او بواسطةٍ فقد اجترأ على الله، والاجتراء على الله نهاية الشّقاوة وهذا كسر عظيم على من دخل واجترأ على اخذ البيعة من النّاس من غير اذنٍ من الله، كما كان ديدن الخلفاء من بنى امّيةً وبنى العبّاس، وكما اجترأ المتشبّهة المبطلة بالصّوفيّة فدخلوا فى ذلك من غير اذنٍ من مشايخ المعصومين (ع)، ولذلك كانت السّلف لم ينقلوا الحديث فضلاً عن بيان احكام الله بالرّأى والظّنّ ما لم يجازوا من المعصوم (ع) او ممّن نصبوه، ومشايخ الاجازة واجازة الرّواية مشهورة مسطورة وسلسلة اجازتهم مضبوطة، وكذا الصّوفيّة المحقّة كانوا لا يدخلون فى الامر والنّهى وبيان الاحكام والاستغفار للخلق واخذ البيعة منهم الاّ اذا اجيزوا وسلاسل اجازاتهم مضبوطة عندهم، وذمّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر والاقدام على الفتيا والوعظ ممّن ليس له باهل خصوصاً ممّن جعله وسيلة الى اغراضه الفاسدة، من جمع المال والتّبسّط فى البلاد والتّسلّط على العباد والصّيت وصرف وجوه النّاس اليه وادخال محبّته فى قلوبهم قد كثر وروده فى الاخبار، اعاذنا الله من هذا العار وحفظنا من شرّ امثال هؤلاء الاشرار، وقد ورد فى وصف مجلس القضاء: هذا مجلس لا يجلس فيه الاّ نبيٌّ او وصىّ او شقىّ، ومعلوم انّ الوصاية اذن من النّبىّ (ص) فى التّصرّف فيما له التّصرّف فيه من حيث نبوّته وماله التّصرّف فيه من حيث نبوّته هو الاحكام الآلهيّة الّتى يبلّغها الى عباده وحديث: العلماء ورثة الانبياء، يشعر بما ذكرنا، لانّ الوارثة ليست الاّ بالولادة الجسمانيّة او بالولادة الرّوحانيّة وليست الولادة الجمسانيّة مقصودة، والولادة الرّوحانيّة لا تحصل بمحض الادّعاء بل هى نسبة خاصّة واتّصال مخصوص ووراثة المتّصل بالنّبىّ (ص) بقدر اتّصاله وقربه وبعده عن النّبىّ الّذى هو مورّثه، ولا يحصل اصل اتّصال النّسبة الرّوحانيّة الاّ بالعمل الصّورىّ والتّفاضل فى الاتّصال بحسب التّفاضل فى القرب الحاصل بمتابعته وقدر الارث يختلف بحسب التّفاضل فمن كان له شأن الانوثة كان له قسط من الارث، ومن كان له شأن الذّكورة كان له قسطان، والعارف لذلك التّفاضل لا يكون الاّ النّبىّ (ص) او خليفته فوراثته لا تكون الاّ بايراثه وهو الاذن المذكور {ذٰلِكُمُ} الموصوف بالخالقيّة والاستواء على العرش الّذى هو جملة الاشياء وبتدبير امركم فى البقاء وعدم مداخلة احدٍ فى امركم الاّ باذنه {ٱللَّهُ} خبر او بدل او صفة على تقدير اعتبار معنى الوصفيّة فيه {رَبُّكُمْ} خبر لذلكم او صفة لله او خبر بعد خبر {فَٱعْبُدُوهُ} يعنى اذا كان الله الموصوف بتلك الصّفات ربّكم فافعلوا له فعل العبيد او صيروا له عبيداً، ولمّا كان المقصود ترغيبهم فى عبادته لم يصرّح بحصر العبادة فى نفسه ونفى استحقاق الغير {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} الا تفكّرون فيه وفى اوصافه وفى آلهتكم الظّاهرة من الاصنام والكواكب وغير المستحقّين للنّيابة الآلهيّة وفى آلهتكم الباطنة من اهويتكم الفاسدة واغراضكم الكاسدة فلا تذكّرون انّ الحقيق بالعبادة والاطاعة هو الله ومظاهره البشريّة النّائبة عنه لا آلهتكم الّتى لا جهة استقحاق عبادة فيهم.
اطفيش
تفسير : {إنَّ ربَّكُم اللهُ الذِى خَلقَ السَّماواتِ والأرْضَ فى ستَّةِ أيَّامٍ} أى فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، لا فى الستة حقيقة، لأنه لا نهار، ولا ليل، ولا شمس، ولا قمر حينئذ، ومعنى ما ورد أن الله خلق يوم الأحد كذا، ويوم الاثنين كذا، أنه خلق ذلك فى أوقات تجئ الأيام إذا خلقت على مقدارها وترتيبها، واشتهر أن بدء الخلق يوم الأحد، وروى يوم السبت، وعلة ذلك التراخى تعليم التأنى فى الأمور، وقيل: لا يوصل إلى علة ذلك كخلق الأجنة فى البطون، وخلق الثمار، وقيل: المراد ستة أيام من أيام الآخرة. {ثمَّ اسْتَوى عَلى العَرْش} أى استولى عليه، بأن أوجده بعد إيجاد السماوات والأرض، وإن قلنا قبله، فالترتيب ذكرى، والتراخى باعتبار عظمة العرش عليهن أو بُعْده عنهن. {يُدبِّر الأمْرَ} أى يقدره فى الوجود على ما اقتضت حكمته، وسبق به قضاؤه، وينزله من العرش كمن ينظر فى أدبار الأمور لتجىء عاقبتها محمودة، ويجوز أن يكون استواؤه على العرش كناية عن أنه مالك للأشياء، متصرف بها بحكمة، فيكون قوله: {يدبر الأمر} بياناً له، وأجاز بعض أن يكون الأمر بمعنى مقابل النهى، وتدبيره إنفاذه. {مَا مِنْ} صلة للتأكيد {شَفيعٍ إلا مِنْ بَعْد إذْنه} رد على من أثبت شفاعة الأصنام، كيف تشفع الأصنام التى هى لا فضيلة فيها من عقل أو عبادة أو غيرها، عند من هو الحكيم بالحقيقة، الذى من عظم شأنه خلق السماوات والأرض والعرش مع اتساعها، وعدم خروج أمر من الأمور عن تدبيره. {ذَلكمُ} الموصوف بالخلق والاستواء والتدبير، وقص الشفاعة على أهلها، وهن صفات ألوهية وربوبية {الله ربكُم} بدل أو خبر ثان {فاعْبدُوه} أطيعوه، أو وحدوه، فإنه المستحق لذلك، إذ لا يشاركه أحد فى صفة أو فعل أو ذات، فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع {أفلا تَذَكَّرونَ} ولو أدنى تذكُّر، فتعرفوا أنه المستحق للألوهية دون خلقه من ملك وإنسان وجماد.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَّاوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّام} أَوقات، أَو مقدار ستة أَيام من أَيام الدنيا بلياليها، واليوم فى اللغة يطلق على الوجهين وعلى النهار لا حقيقتها لأَنه لا شمس قبل خلقهن، يروى عن ابن عباس أَن كل يوم من الستة ألف سنة، فالستة من أَيام الآخرة وهو قادر أَن يخلقهن وأَضعافهن فى أَقل من لحظة، ولكن تعليم لخلقه أَن يتمهلوا للتثبت، والله يختص بعلم حكمة الستة الخاصة مع أَن التثبت يمكن بأَقل وبأَكثر أَيضاً، ويقال السماوات والأَرض هن أَصول الحوادث اليومية لأَن السماءَ والأَرض كالقابل ولا يحتاج إِلى هذا مع إِيهامه أَن للنجوم تأْثيراً فى الحوادث، وهو قول الكفرة {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} خلقه، وكان الاستواءُ على ظاهره مع القول بلا كيف فإِنه دخول فى الظلمة بعد وجود النور، ومن كان غنياً عن الأَمكنة والأَزمنة فهو غنى عنها لا يحل فيها، تعالى عن صفات الخلق، والعرش قبل السموات لقوله تعالى: وكان عرشه على الماءِ، فثم بمعنى الواو أَو للترتيب الذكرى بلا مهلة، ومر كلام فى الأَعراف، ويجوز أَن يراد بالعرش واستوائه عليه تصرفه فيه بالإِحداث والإِعدام والتحريك والإِسكان وجميع الأَحوال. وقيل الاستواءُ على العرش بسط السماوات والأَرض وتشكيلها بالأَشكال الموافقة لمصالحها وما خلقن لأَجله وغير ذلك {يُدَبِّرُ} يقدر وحده بحسب الحكمة والمراتب، وفسره مجاهد بالقضاءِ ولا يحتاج إِلى فكر، ولاعتبار الحكمة ناسب لفظ يدبر فهو مجازى باللزوم والتسبب، ومعنى يدبر دبر فهو بمعنى الماضى وليس للتجدد إِلا على معنى متعلق تدبيره الأَزلى، فإِنه يتعلق بالحادث إِذا حدث {الأَمْرَ} أَو حال من ضمير استوى أَو مستأْنف {مَا مِنْ شَفِيعٍ} لأَحد فى وقت من الأَوقات {إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذنِهِ} دفع لأَن يساوى أَو يفاق، ورد على من زعم أن الأَصنام تشفع فإِنها ليست أَهلا أَن تشفع بدليل ضعفها وعدم تكليفها، وإِثبات للشفاعة لمن أَذن له فيها لفضله بالعمل بالتكليف، والأَصنام لا تنطق ولا تدرك فكيف تشفع فليس من شأْنها أَن يؤذن لها، وإِنما الإِذن لطالبه المدرك، فالآية تتضمن نفى إِدراكها ونطقها، ونفى شفاعتها، والجملة خبر آخر أَو حال من ضمير يدبر أَو مستأْنف {ذَلِكُمُ} أَى الخالق المستوى على العرش المدبر للأَمر الذى لا يخرج شىءٌ عن إِذنه {اللهُ} خبر أَو بيان {رَبَّكُمْ} خبر ثان أَو خبر وهذا تأْكيد لقوله {إِن ربكم الله الذى خلق} إِلخ {فَاعْبُدُوهُ} وحدوه أَو اعبدوه وحده، عطف إِنشاء على إِخبار، وإِن شئْت فذالكم إِلخ بمعنى وحدوه، فهو فى معنى الأَمر، واعبدوه أَطيعوه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أَتعلمون أَن الأَمر ذلك فلا تذكرون أَنه لا شريك له فى الأُلوهية ولا فى العبادة كما أَنه لا يشاركه شىء فى الخلق والتدبير ولا يستقل بهما غيره، وأَنه لا يعبث ولا يترك الخلق سدى فلا بد أَن يكون للعالم خالق مخالف لها قادر، كما قال إِن ربكم إِلخ، وأَن يتحقق البعث للجزاءِ المرتب على الإِنذار والتبشير كما قال: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} إِلخ فلا بد من بعث الرسول لإِقامة الحجة ومن الرجوع إِلى الله إِلى غيره ولا مع غيره بالبعث للجزاءِ فاستعدوا لذلك. {وَعْدَ اللهِ حَقّاً} مثل ما تقدم {إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ} بالإِنشاءِ {ثُمَّ يُعِيدُهُ} بعد موته، تعليل جملى أَو مستأَنف كأَنه قيل كيف يكون المرجع إِلى الوعد، فقال إِنه يبدأُ الخلق فإِذا قدر على بدئه فكيف لا يقدر على إِعادته فى بادىءِ الرأَى، وأَما عند الله فسواءٌ، والمضارع للتجدد والتكرير أَولى من كونه بمعنى الماضى والخلق بمعنى المخلوق {لِيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وترك المحرمات. وترك المحرمات عمل صالح. أَو يقدر واتقوا {بِالْقِسْطِ} بعدله سبحانه وتعالى أَو بعدلهم فى الاعتقاد والقول والعمل، أَو جزاء التوحيد التام المستتبع للعمل كما أَنه سمى الشرك بضد العدل إِن الشرك لظلم عظيم، متعلق بيجزى حال من الذين أَو ضمير يجزى كما رأَيت، والوجهان الآخران أَولى لمناسبتهما قوله تعالى {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} إِذا جزى الكفار بكفرهم فيكون جزى المؤمنين بكسبهم، وجزى الكفار بكسبهم، والباء عليهما بدلية أَو سببية، والحميم بالغ النهاية فى الحرارة، والأَنسب بقوله ليجزى إِلخ أَن يقال وليجزى الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أَليم، أَو ويجزى الذين كفروا إِلخ، أَو الذين كفروا بشراب إِلخ لكن لم يذكر الجزاءَ وعبر بالجملة الاسمية مبالغة فى استحقاقهم العذاب، والتنبيه على أَن المقصود من البدءِ والإِعادة بالذات هو الثواب وأَن العقاب واقع بالعرض إِذ لم يجعل العقاب علة للبدءِ والإِعادة كالإِثابة، ولو كان أَيضاً علة لكن ترك ذكره لذلك، والتنبيه على أَنه يتولى إِثابة المؤمنين بما يليق بلطفه، ولذلك لم يعينه فهو لا يدخل تحت ضبط، ولذلك أَضاف الجزاءَ لنفسه وأَما عقاب الكفرة فكأَنه داءٌ سافه إِليهم اعتقادهم، فكان سوءُ الاعتقاد فاعل العقاب، ولم يسند إِليه تعالى ولو كان مقصودا، وقوله "أية : إِنه يبدأُ الخلق ثم يعيده"تفسير : [يونس: 4] إِلخ تعليل لقوله إِليه مرجعكم جميعاً، فإِنه لما كان المقصود بالذات وهو الإِثابة وبالعرض وهو العقاب من البدءِ والبعث مجازاة المكلفين على اعتقادهم وأَفعالهم كان مرجع الجميع إِليه خاصة، وللتأْكيد قال: والذين كفروا إِلخ بإِسنادين، ولم يقل للذين كفروا شراب بإِسناد واحد.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ} استئناف سيق لإظهار بطلان تعجبهم المذكور وما تبعه من تلك المقالة الباطلة غب الإشارة إليه بالإنكار والتعجيب وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير وأحوال التكوين والتدبير ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير لاعترافهم به من غير نكير كما يعرب عنه غير ما آية في الكتاب الكريم، والتأكيد لمزيد الاعتناء بمضمون الجملة على ما هو الظاهر أي أن ربكم ومالك أمركم الذي تعجبون من أن يرسل إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشير وتعدون ما أوحي إليه من الكتاب سحراً هو {ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} أي أوقات فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يوم منها كألف سنة مما تعدون، وقيل: هي مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدة اليسيرة ولأنه تعريف لنا بما نعرفه، ولا يمكن أن يراد باليوم اليوم المعروف لأنه كما قيل عبارة عن كون الشمس فوق الأرض وهو مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء، واليوم بهذا المعنى يسمى النهار المفرد، ويطلق اليوم أيضاً على مجموع ذلك النهار وليلته ومقدار ذلك حينئذٍ ممكن الإرادة هنا أيضاً. وقد صرح بعض الأكابر بأن المراد بالسماوات ما عدا المحدد وأن اليوم هنا عبارة عن مدة دورة تامة له، ولا يخفى أن اليوم اللغوي يتناول هذا أيضاً إلا أن إرادته كإرادة مقدار مجموع النهار وليلته يحتاج إلى نقل وليس ذلك أمراً معروفاً عند المخاطبين ليستغني عن النقل على أن القول به يدور على كون المحدد متحركاً بالحركة الوضعية ويحتاج ذلك إلى النقل أيضاً، وكذا يدور على كون المحدد خارجاً عن السماوات المخلوقة في الأيام الست لكن ذلك لا يضر إذ الآيات والأخبار شاهدة بالخروج كما لا يخفى، وفي خلقها مدرجاً مع القدرة التامة على إبداعها في طرفة عين اعتبار للنظار وحث لهم على التأني في الأحوال والأطوار، وفيه أيضاً على ما صرح به بعض المحققين دليل على الاختيار، وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فقد قيل: إنه أمر قد استأثر بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت حكمته. وقيل: إنه سبحانه جعل لكل من خلق مواد السماوات وصورها وربط بعضها ببعض وخلق مادة الأرض وصورتها وربط إحداهما بالأخرى وقتاً فلذا صارت الأوقات ستاً وفيه تأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الدخان تحقيق هذا المطلب على وجه ينكشف به الغبار عن بصائر الناظرين. وإيثار جمع السماوات لما هو المشهور من الإيذان بأنها اجرام مختلفة الطباع متباينة الآثار والأحكام، وتقديمها على الأرض إما لأنها أعظم منها خلقاً أو لأنها جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل على ما بين في موضعه، وتقديم الأرض عليها في آية طه [4] لكونها أقرب إلى الحس وأظهر عنده وسيأتي أيضاً تحقيقه هناك إن شاء الله تعالى. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} على المعنى الذي أراده سبحانه وكف الكيف مشلولة، وقيل: الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان متفرع عن الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير يقال: استوى فلان على سرير الملك ويراد منه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلاً؛ وقيل: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء وأرجعوه إلى صفة القدرة. وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من المتشابه وللناس فيه مذاهب / وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي إلا من هي له والعجز عن درك الإدراك إدارك، واختار كثير من الخلف أن المراد بذلك الملك والسلطان وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه سبحانه بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الإجرام العظيمة. وقوله تعالى: {يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ} استئناف لبيان حكمة استوائه جل وعلا على العرش وتقرير عظمته، والتدبير في اللغة النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود والمراد به هنا التقدير الجاري على وفق الحكمة والوجه الأتم الأكمل. وأخرج أبو الشيخ وغيره عن مجاهد أن المعنى يقضي الأمر والمراد بالأمر أمر الكائنات علويها وسفليها حتى العرش فأل فيه للعهد أي يقدر أمر ذلك كله على الوجه الفائق، والنمط اللائق حسبما تقتضيه المصلحة وتستدعيه الحكمة ويدخل فيما ذكر ما تعجبوا منه دخولاً ظاهراً، وزعم بعضهم أن المعنى يدبر ذلك على ما اقتضته حكمته ويهيء أسبابه بسبب تحريك العرش وهو فلك الأفلاك عندهم وبحركته يحرك غيره من الأفلاك الممثلة وغيرها لقوة نفسه، وقيل: لأن الكل في جوفه فيلزم من حركته حركته لزوم حركة المظروف لحركة الظرف وهو مبني على أن الظرف مكان طبيعي للمظروف وإلا ففيه نظر. وأنت تعلم أن مثل هذا الزعم على ما فيه مما لا يقبله المحدثون وسلف الأمة إذ لا يشهد له الكتاب ولا السنة وحينئذ فلا يفتى به وإن حكم القاضي، وجوز في الجملة أن تكون في محل النصب على أنها حال من ضمير {ٱسْتَوَىٰ} وأن تكون في محل الرفع على أنها خبر ثان لإن، وعلى كل حال فإيثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره منه تعالى. وقوله سبحانه: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه فإن نفي جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه، فلا حاجة إلى أن يقال: التقدير ما من شفاعة لشفيع، وفي ذلك أيضاً تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير. والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة. وذهب القاضي إلى أن فيه رداً على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى. وتعقب بأنه غير تام لأنهم لما ادعوا شفاعتها فقد يدعون الإذن لها فكيف يتم هذا الرد ولا دلالة في الآية على أنهم لا يؤذن لهم، وما قيل: إنها دعوى غير مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال: مراده أن الأصنام لا تدرك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديهي. وقوله عز شأنه: {ذَلِكُـمُ ٱللَّهُ رَبُّـكُمْ} استئناف لزيادة التقرير والمبالغة في التذكير ولتفريع الأمر بالعبادة بقوله سبحانه: {فَٱعْبُدُوهُ} والإشارة إلى الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية لاستحقاق ما أخبر به عنه وهو الله و {رَبُّـكُمْ} فانهما خبران لذلكم، وحيث كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه وأفاد أن لا رب غيره ولا معبود سواه، ويجوز أن يكون الاسم الجليل نعتاً لاسم الإشارة و {رَبُّكُـمْ} خبره وان يكون هو الخبر و {رَبُّكُـمْ} بيان له أو بدل منه ولا يخلو الكلام من إفادة الانحصار، وإذا فرع الأمر المذكور على ذلك أفاد الأمر بعبادته / سبحانه وحده، أي فاعبدوه سبحانه من غير أن تشركوا به شيئاً من ملك أو نبـي فضلاً عن جماد لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وليس الداعي لهذا الحمل أن أصل العبادة ثابت لهم فيحمل الأمر بها على ذلك ليفيد لما قيل: من أن الخطاب للمشركين ولا عبادة مع الشرك. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أتعلمون أن الأمر كل فصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه وتعبدوا الله تعالى وحده، وإيثار {تَذَكَّرُونَ} على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى فكر تام ونظر كامل بل إلى مجرد التفات وإخطار بالبال.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للاستدلال على تفرد الله تعالى بالإلهية. وإنما أوقع هنا لأن أقوى شيء بَعثَ المشركين على ادعاء أن ما جاء به النبي سحر هو أنه أبطل الشركاء لله في الإلهية ونفاها عن آلهتهم التي أشركوا بها فقالوا: {أية : أجعل الآلهةَ إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب}تفسير : [ص: 5] فلا جرم أن أعقب إنكار إحالتهم ذلك بإقامة الدليل على ثبوته. والخطاب للمشركين، ولذلك أكد الخبر بحرف التوكيد، وأوقع عقبه {أية : أفلا تذكرون}تفسير : [يونس: 2]، فهو التفات من الغيبة في قوله: {أكَانَ للناس عجباً} وقوله {قال الكافرون}. وقد مضى القول في نظير صدر هذه الآية في سورة الأعراف إلى قوله: {ثم استوى على العرش}. وقوله: {الله} خبر {إن}، كما دل عليه قوله بعده: {ذالكم الله ربكم فاعبدوه}. وجملة {يُدبر الأمر} في موضع الحال من اسم الجلالة، أو خبر ثان عن {ربكم}. والتدبير: النظر في عواقب المقدرات وعوائقها لقصد إيقاعها تامة فيما تقصد له محمودةَ العاقبة. والغاية من التدبير الإيجاد والعملُ على وفق ما دُبر. وتدبير الله الأمور عبارة عن تمام العلم بما يخلقها عليه، لأن لفظ التدبير هو أوفى الألفاظ اللغوية بتقريب إتقان الخلق. والأمر: جنس يعم جميع الشؤون والأحوال في العالم. وتقدم في قوله {أية : وقلَّبوا لك الأمور}تفسير : في سورة [براءة: 48]. وفي إجراء هذه الصفات على الله تعالى تعريض بالرد على المشركين إذ جعلوا لأنفسهم آلهة لا تخلق ولا تعلم؛ كما قال تعالى: {أية : لا يخلُقون شيئاً وهم يخلقون}تفسير : [النحل: 20]. ولذلك حسن وقع جملة {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} عقب جملة: {الذي خلق} بتمامها، لأن المشركين جعلوا آلهتهم شفعاء فإذا أنذروا بغضب الله يقولون: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]، أي حُماتنا من غضبه. فبعد أن وُصف الإله الحق بما هو منتف عن آلهتهم نُفِي عن آلهتهم وصْف الشفاعة عند الله وحماية المغضوب عليهم منه. وأكد النفي بـ{من} التي تقع بعد حرف النفي لتأكيد النفي وانتفاء الوصف عن جميع أفراد الجنس الذي دخلت (من) على اسمه بحيث لم تبق لآلهتهم خصوصية. وزيادة {إلاّ مِنْ بعد إذنه} احتراس لإثبات شفاعة محمَّد صلى الله عليه وسلم بإذن الله، قال تعالى: {أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}تفسير : [الأنبياء: 28]. والمقصود من ذلك نفي الشفاعة لآلهتهم من حيث إنهم شركاء لله في الإلهية، فشفاعتهم عنده نافذة كشفاعة الند عند نده. والشفاعة تقدمت عند قوله تعالى: {أية : ولا يقبل منها شفاعة}تفسير : في سورة [البقرة: 48]. وكذلك الشفيع تقدم عند قوله: {أية : فهل لنا من شفعاء}تفسير : في سورة [الأعراف: 53]. وموقع جملة: {ما من شفيع} مثل موقع جمله: {يدبر الأمر}. وجملة: {ذلكم الله ربكم} ابتدائية فذلكةٌ للجمل التي قبلها ونتيجة لها، وهي معترضة بين تلك الجمل وبين الجملة المفرعَة عليها، وهي جملة: {فاعبدوه}، وتأكيد لمضمون الجملة الأصلية وهي جملة: {إن ربكم الله}. والإتيان في صدرها باسم الإشارة لتمييزه أكمل تمييز، لأنهم امتروا في صفة الإلهية وضلوا فيها ضلالاً مبيناً، فكانوا أحرياء بالإيقاظ بطريق اسم الإشارة، وللتنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيذكر بعد اسم الإشارة من حيث إنه اتصف بتلك الأوصاف التي أشير إليه من أجلها، فإن خالق العوالم بغاية الإتقان والمقدرة ومالك أمرها ومدبر شؤونها والمتصرفَ المطلق مستحقٌ للعبادة نظير الإشارة في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] بعد قوله: {أية : للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} تفسير : [البقرة: 2] إلى قوله: {أية : هم يوقنون}تفسير : [البقرة: 4]. وفُرّع على كونه ربهم أن أمروا بعبادته، والمفرَّعُ هو المقصود من الجملة وما قبله مؤكد لجملة: {إن ربكم الله} تأكيداً بفذلكة وتحصيل. والتقديرُ: إن ربكم الله إلى قوله: {فاعبدوه}، كقوله: {أية : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحُوا}تفسير : [يونس: 58] إذ وقع قوله (فبذلك) تأكيداً لجملة بفضل الله وبرحمته. وأوقع بعده الفرع وهو (فليفرحوا). والتقدير: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا بذلك. والمقصود من العبادة العبادة الحق التي لا يشرك معه فيها غيره، بقرينة تفريع الأمر بها على الصفات المنفرد بها الله دون معبوداتهم. وجملة: {أفلا تذَّكَّرون} ابتدائية للتقريع. وهو غرض جديد، فلذلك لم تعطف، فالاستفهام إنكار لانتفاء تذكرهم إذْ أشركوا معه غيره ولم يتذكروا في أنه المنفرد بخلق العوالم وبملكها وبتدبير أحوالها. والتذكُّر: التأمل. وهو بهذه الصيغة لا يطلق إلا على ذكر العقل لمعقولاته، أي حركته في معلوماته، فهو قريب من التفكر؛ إلا أن التذكر لما كان مشتقاً من مادة الذكر التي هي في الأصل جريَان اللفظ على اللسان، والتي يعبر بها أيضاً عن خطور المعلوم في الذهن بعد سهوه وغيبته عنه كان مشعراً بأنه حركة الذهن في معلومات متقررة فيه من قبل. فلذلك أوثر هنا دون {أية : لعلكم تتفكرون}تفسير : [البقرة: 219] للإشارة إلى أن الاستدلال على وحدانية الله تعالى قد تقررَ في النفوس بالفطرة، وبما تقدم لهم من الدعوة والأدلة فيكفي في الاستدلال مجرد إخطار هذه الأدلة في البال.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 3- إن ربكم - أيها الناس - هو الله الذى خلق السموات والأرض وما فيهما فى ستة أيام لا يعلم إلا الله مداها. ثم هيْمن - بعظيم سلطانه - وحده، ودبَّر أمور مخلوقاته، فليس لأحد سلطان مع الله فى شئ، ولا يستطيع أحد من خلقه أن يشفع لأحد إلا بإذنه. ذلكم الله الخالق، هو ربكم وولى نعمتكم فاعبدوه - وحده - وصدقوا رسوله، وآمنوا بكتابه. فعليكم أن تذكروا نعمة الله وتتدبروا آياته الدالة على وحدانيته. 4- وكما بدأ الله الخلق فإليه - وحده - مرجعكم، ومرجع المخلوقات كلها، وقد وعد الله بذلك وعداً صادقاً لا يتخلف. وإنه سبحانه بدأ الخلق بقدرته، وبعد فنائه سيعيده بقدرته، ليثيب المؤمنين المطيعين بعدله التام، وأما الكافرون فلهم شراب فى جهنم شديد الغليان، ولهم عذاب موجع جزاء كفرهم. 5- وربكم الذى خلق السموات والأرض، والذى جعل الشمس تشع الضياء، والقمر يرسل النور، وجعل للقمر منازل ينتقل فيها، فيختلف نوره تبعاً لهذه المنازل، لتستعينوا بهذا فى تقدير مواقيتكم، وتعلموا عدد السنين والحساب، وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة، وهو سبحانه يبسط فى كتابه الآيات الدالة على ألوهيته وكمال قدرته، لكى تتدبروها بعقولكم وتستجيبوا لما يقتضيه العلم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن ربكم الله: أي معبودكم الحق الذي يجب أن تعبدوه وحده هو الله. خلق السماوات والأرض: أي أوجدها من العدم حيث كانت عدماً فأصبحت عوالم. في ستة أيام: هي الأحد والأثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. ثم استوى على العرش: أي استوى استواء يليق به عز وجل فلا يقال كيف؟ ما من شفيع إلا من بعد إذنه: أي لا يشفع أحد يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له. أفلا تذكرون: أي أتستمرون في جحودكم وعنادكم فلا تذكرون. ثم يعيده: أي بعد بعد الفناء والبلى وذلك يوم القيامة. شراب من حميم: أي من ماء أُحمي عليه وغلى حتى أصبح حميماً يشوي الوجوه. جعل الشمس ضياء: أي جعلها تضيء على الأرض. والقمر نوراً: أي جعل القمر بنور الأرض وهو الذي خلق ضوء الشمس ونور القمر. وقدره منازل: أي قدر القمر منازل والشمس كذلك. لتعلموا: أي قدرهما منازل ليعلم الناس عدد السنين والحساب. يتقون: أي مساخط الله وعذابه وذلك بطاعته وطاعة رسوله. معنى الآيات: هذه الآيات في تقرير الألوهية بعد تقرير الوحي واثباته في الآيتين السابقتين فقوله تعالى {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} إخبار منه تعالى أنه عزوجل هو رب أي معبود أولئك المشركين به ألهة أصناماً. يعبدونها معه وهي لم تخلق شيئاً أما الله فإنه الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام بمقدار أيامنا هذه إذ لم تكن يومئذ أياماً كأيام الدنيا هذه، ثم استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله يدبر أمر السماء والأرض. هذا هو الإِله الحق الذي يجب أن يعبد ويتقرب إليه. وقوله: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} أي وأنه لعظمته وعزة سلطانه لا يقدر أحد أن يشفع لآخر إلا بعد إذنه له فكيف إذاً تعبد هذه الأصنام رجاء شفاعتها لعابديها، والله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؟ وقوله تعالى {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} أي هذا الموصوف بهذه الصفات المُعرَّف بهذه النعوت من الجلال والكمال هو ربكم الحق فاعبدوه بما شرع لكم من أنواع العبادات تكملوا وتسعدوا وقوله {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} هو توبيخ للمشركين لهم لِمَ لا تتعظون بعد سماع الحق. وقوله تعالى {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} تقرر لمبدأ البعث الآخر أي الله تعالى ربكم الحق مُرجعكم بعد موتكم جميعاً إذ وعدكم وعد الحق بالرجوع إليه والوقوف بين يديه وقوله {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل: بيان لعلة الحياة بعد الموت إذ هذه الدار دار عمل والآخرة دار جزاء على هذا العمل فلذا كان البعث واجباً حتماً لا بد منه ولا معنى لإِنكاره لأن القادر على البدء قادر على الإِعادة من باب أولى وأحرى وقوله تعالى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي ماء حار قد بلغ المنتهى في حرارته وعذاب أليم أي موجع إخبار منه تعالى بجزاء أهل الكفر يوم القيامة وهو علة أيضاً للحياة بعد الموت والبعث بعد الفناء وبهذا تقرر مبدأ البعث كما تقرر قبله مبدأ التوحيد ومن قبل مبدأ الوحي إذ على هذه القضايا تدور السور المكية وقوله تعالى {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} أي ذات ضياء والقمر نوراً ذا نور وقدر القمر منازل وهي ثمانية وعشرون منزلة يتنقل فيها القمر، فعل ذلك {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} فتعرفون عدد السنوات والشهور والأيام والساعات إذ حياتكم تحتاج إلى ذلك فهذا الرب القادر على هذا الخلق والتدبير هو المعبود الحق الذي يجب أن تعبدوه ولا تعبدوا سواه فهذا تقرير للتوحيد وتأكيد له. وقوله {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي لم يخلق هذه الحياة الدنيا وهذه العوالم فيها عبثاً فتفنى وتبلى بعد حين ولا شيء وراء ذلك بل ما خلق ذلك إلا بالحق أي من أجل أن يأمر وينهى ثم يجزي المطيع بطاعته والعاصي بعصيانه وفي هذا تأكيد لقضية البعث والجزاء أيضاً وقوله {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي هذا التفصيل المشاهد في هذا السياق {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} إذ هم الذين ينتفعون به أما الجهلة فلا ينتفعون بهذا التفصيل والبيان وقوله تعالى في الآية الأخيرة {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أي بالطول والقصر والضياء والظلام {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} من أفلاك وكواكب ورياح وأمطار وما خلق في الأرض من إنسان وحيوان وبر وبحر وأنهار وأشجار وجبال وَوِهاد {لآيَاتٍ} أي علامات واضحة دالة على الخالق المعبود بحق وعلى جلاله وجماله وكماله وعظيم قدرته وقوة سلطانه فيُعبد لذلك بحبه غاية الحب وبتعظيمه غاية التعظيم وبرهبته الخشية منه غاية الرهبة والخشية ويذكر فلا يُنسى ويشكر فلا يُكفر ويطاع فلا يُعصى وقوله تعالى {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} خص أهل التقوى بالآيات فيما ذكر من مظاهر خلقه وقدرته لأنهم هم الذين حقاً يبصرون ذلك ويشاهدونه لصفاء أرواحهم وطهارة قلوبهم ونفوسهم أما أهل الشرك والمعاصي فهم في ظلمة لا يشاهدون معها شيئاً والعياذ بالله. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير ألوهية الله تعالى وأنه الإِله الحق. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء في الدار الآخرة. 3- بيان الحكمة في خلق الشمس والقمر وتقدير منازلهما. 4- مشروعية تعلم الحساب وعلم الفلك لما هو نافع للمسلمين. 5- فضل العلم والتقوى وأهلهما من المؤمنين.
القطان
تفسير : خلق السماوات والارض: صنعها وابدعها. في ستة ايام: في ست مراحل فقد يكون اليوم الاف السنين من ايامنا، العرش: مركز التدبير ولا نعلم كنهه وصنعته. استوى: استولى. القسط: العدل. حميم: حار شديد الحرارة. بعد ان افتتح السورة بذِكر آيات الكتاب، وأنكر على الناس تعجُّبَهم من أن يوحى الى رجل منهم يُنذر ويبشّر، جاء بذكر أمرين. 1- إثبات ان لهذا الكون إلهاً قادراً يفعل ما يشاء. 2- اثبات البعث بعد الموت والجزاء على الأعمال من ثواب وعقاب. {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}. إن ربكم أيّها الناس هو الذي خلقَ هذا الكونَ بأسرِه في ستّ مراحل تتضمن المرحلةُ منها أحقاباً وأزمنة ليست كأيّامنا هذه، قد تم في كّلٍ منها طور من اطوار الخلق، ثم استوى على عرشه وهيمَنَ بعظيم سلطانه ودبّر أمورَ مخلوقاته. {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ}. فليس لأحدٍ سلطانٌ من الله في شيء، ولا يستطيع أحد من خلقه ان يشفع لأحدٍ الا بإذنه. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ }. ذلكم الموصوفُ بالخلق والتقدير والحكمة والتدبير هو الله ربكم وولي نعمتكم، فاعبُدوه، وصدِّقوا رسوله، وآمنوا بكتابه. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}. اتجهلون هذا الحق الواضح فلا تتذكرون نعمة الله، وتتدبرون آياته الدالة على وحدانيته. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}. كما بدأت الله الخلقَ فإليه مرجعُكم، ومرجع المخلوقات كلها. لقد وعد الله بذلك وعداً صادقاً لا يتخلّف.. إنه بدأ الخلق بقدرته، وسيعيده بقدرته بعد فنائه. {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ}. سوف يعيدهم الله من أجل ان يثيب المطيعين بعدْله التام. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ}. واما الكافرون فلهم شراب في جهنم شديد الحرارة يقطّع أمعاءَهم، وعذابٌ شديد جزاء أعمال الكفر والعناد.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (3) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا فِيهِما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَلَمَّا أَتَمَّ خَلْقَ الوُجُودِ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلاَلِهِ، يُدَبِّرُ أَمْرَ الكَوْنِ وَالخَلاَئِقِ وَلاَ يَشْغَلُهُ شَأْنٌ مِنْ شَأْنٍ، وَلاَ يَتَبَرَّمُ بِإِلْحَاحِ المُلِحِّين، وَلاَ يُلْهِيهِ الكَبِيرُ عَنِ الصَّغِيرِ، وَلاَ يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ رَبُّكُمْ فَأَفْرِدُوهُ بِالعِبَادَةِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَلاَ يُسْتَنْكَرُ مِنْ رَبِّ هذا الخَلْقِ، وَمُدَبِّرِهِ أَنْ يُفِيضَ مَا شَاءَ مِنْ عِلْمِهِ عَلَى مَنِ اصْطَفَى مِنْ خَلْقِهِ، يَهْدِيهِمْ بِهِ لِمَا فِيهِ صَلاَحُهُمْ وَكَمَالُهُمْ، أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ يَا أَيُّها المُشْرِكُونَ فِي أَمْرِكُمْ؟ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَ اللهِ آلِهَةً غَيْرَهُ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ؟ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ - اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومن بعد ذلك يرد الحق على حكاية العجب من أن الله أوحى لرسوله، وكذلك مسألة اتهام الرسول بالسحر، فيلفتهم إلى قضية فوق هذه القضية، وأنهم كان عليهم أن يروا العجب في غير مسألة الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. أي: كان عليكم أن تروا هذه المسألة العجيبة، وهي خلق السماوات والأرض وتتأملوا صنعها، وكيف حدثت؟ وإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وجعلك أيها الإنسان تطرأ على عالم، وعلى كون معدّ لك إعداداً دقيقاً، فكان يجب أن تلتفت إلى هذه المسألة قبل أي شيء آخر. وضربنا من قبل المثل، وقلنا: هَبْ أن إنساناً ركب طائرة، ثم نفد وقودها وسقطت في الصحراء، وكُتبت له النجاة وتلفَّت حوله فلم يجد ماء أو طعاماً أو أي دليل من أدلة الحياة، ثم غلبه النوم، فلما استيقظ من نومه، وجد مائدة عليها من أطايب الطعام، وأطايب الشراب، أما كان يسأل نفسه قبل أن يأكل ويشرب: من الذي صنع وأحضر كل هذا الطعام، وكل هذا الشراب؟ وهذا الكون قد أعدَّ لك أيها الإنسان، أما كان يصح أن تفكر فيمن أعدَّ لك هذا الكون، وخلق لك كل ما ليس في متناول قدرتك، وسخّر كل ذلك لك؟ وقد أبلغك الحق: أنا خلقت السماء، وخلقت الأرض، والشمس، والنجوم، وحين وصلك هذا البلاغ، فإما أن يكون صدقاً، فلتنفذ ما أمر به الخالق. وإن لم يكن هذا الكلام صدقاً، فمن الذي خلق إذن؟ إن كان هناك إله غيره قد خلق الكون، وسمع مثل هذا البلاغ، ولم يتحرك لبيان صدق المسألة، لما كان هذا الآخر يستحق أن يكون إلها. وما دام لم يظهر معارض له سبحانه، فهو الخالق؛ لأن الدعوى إذا ما صدرت من واحد، ولم يظهر لها معارض، فصاحبها هو من أصدرها إلى أن يوجد له معارض. وقد ضربنا مثلاً؛ فقلنا: هَبْ أن جماعة من أصدقائك جاءوا لزيارتك، ثم خرجوا من عندك، ووجدت أنت حافظة نقود، ولم تعرف لمن هي، ثم بعثت بخادمك؛ ليسأل من كانوا في زيارتك، وقال كل واحد منهم: إن حافظة نقوده لم تضع منه، إلا واحداً قال: نعم، هي حافظة نقودي. وهكذا تثبت ملكية هذا القائل لحافظة النقود، إلى أن يثبت العكس. والحال هنا هكذا، فحين أبلغنا الحق أنه خلق السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وجعل في الأرض رزق البشر، ولم يعارضه أحد، إذن: يجب أن نصدق أنه الخالق. وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد خلق لكم كل هذا الكون مُسخَّراً أفلا تتركون له حرية أن يختار رسولاً منكم إليكم؟ فما وجه الاعتراض إذن؟ يكشف الحق منطقهم حين قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: هم قد اعترفوا أن القرآن لا غبار عليه، لكنهم ساخطون ويعيشون في ضيق؛ لأن هذا القرآن قد جاء على يد يتيم أبي طالب. ويكشفهم الحق أيضاً فيأتي بما جاء على ألسنتهم: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ...} تفسير : [الأنفال: 32]. ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا. فالعداوة هي لرسول الله، وهي عداوة حاقدة غير منطقية؛ لأن كل واحد منكم كان إذا ملك شيئاً نفيساً عزيزاً عليه، فهو لا يجد أميناً عليه إلا محمداً. إذن: فلماذا لا تغشون أنفسكم في مسألة استئمان محمد على الأشياء النفيسة، ولو كنتم غير مؤمنين بصدقه. فلماذا استأمنتموه على نفائسكم؟ أليس هو محمد بن عبد الله الذي هاجر وترك عليَّ بن أبي طالب؛ ليرد الأمانات لأصحابها؟ إذن: فلا محمد دون مستوى الرسالة والأمانة، ولا القرآن دون المستوى، بشهادتكم أنتم؛ بشهادتي القول والفعل. وهنا يقول الحق: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...} [يونس: 3]. وفي موقع آخر بالقرآن يقول سبحانه: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. وما دام هذا الخلق العجيب قد صدر منه، فالتصرفات التي دون ذلك لا بد أن تكون مقبولة منه سبحانه وتعالى، وأن تكون لحكمة ما. وتعالوا نتحاكم إلى أنفسكم، أنتم تقولون: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: لا شك عندكم في أن القرآن لا طَعْنَ فيه، بل تطعنون في مسألة أنه جاء على يد محمد صلى الله عليه وسلم، وتمنيتم لو أن القرآن قد جاء على يد واحد آخر تقبلونه. وأنتم في هذه المسألة غير منطقيين؛ لأنكم تريدون أن تتدخلوا في قسمة الله ورحمته في أن يُنزِل الوحي على من تشاءون، لا من يشاء هو سبحانه. وأنتم بذلك تريدون أن تتحكموا في الرحمة العليا من الله في أن يختار رسولاً؛ ليبلغكم عنه. وتتناسون أنكم في هذه الدنيا لا تقسمون الأرزاق؛ لذلك يقول الحق: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ...} تفسير : [الزخرف: 32]. فإذا كنتم تريدون أن تقسموا رحمة الله، فاعلموا هذا القول من الله: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ...} تفسير : [الزخرف: 32]. وهذا الأمر السهل؛ تقسيم المعيشة في الحياة الدنيا تصرف فيه الحق سبحانه، فكيف لكم - إذن - أن تطمعوا في تقسيم الأمر العلوي وهو رحمة الله العليا في أن يرسل رسولاً. والحق سبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ}. وساعة تسمع كلمة "رب" ينصرف الذهن إلى الخلق وإلى التربية، ولذلك نحن نستعمل هذه الكلمة ونقول: "فلان رب هذه الأسرة" أي: أنه المتولي تربيتها، وكلمة "الرب" بمعناها المطلق تنصرف إلى الله، فهو الخالق الذي خلق من عَدَم وأمدَّ من عُدْمٍ، وهو بهذا الوصف ربّ لكل خلقه: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وما دام الله سبحانه ربّاً لكل الخلق، فهو الرازق لكل خلقه، فهو الذي استدعى خلقه إلى هذه الدنيا، وهو الذي يعطي كل مخلوق الرزق الذي كتبه الله له، وهو سبحانه يأمر نواميس الكون وأسبابه أن تعطى له أو لا تعطى، فإن زرع الأرض وأحسن زراعتها؛ أعطى سبحانه الأمر للأرض أن تعطي هذا المخلوق الرزق. وكل مخلوق يأخذ بالأسباب، يوفر له الحق النجاح في الأسباب. وأقول دائماً لمن يرون تقدم الكفار في أمور الدنيا، ويتساءلون: لماذا يتقدم الكفار في أمور الدنيا ونتأخر نحن؟ أقول لهم: لقد أخذوا من عطاء الربوبية في الأسباب، وأنتم لم تأخذوا من عطاء الربوبية. وعليكم أيها المسلمون أن تأخذوا بالأسباب، وهي عطاء الربوبية؛ حتى لا يسبقكم الكافرون إليها، ولا تجلسوا في موقع المتفرج، بل المفروض فيكم أن تسبقوا الكفار إلى عطاء الربوبية. أما عطاء الألوهية، وهو أن يُقِرَّ الإنسان بأن الله هو المعبود بحق، وهو المطاع في "افعل" و "لا تفعل"، فهذا العطاء لا يناله إلا مَنْ آمن به. إذن: فالله رب الجميع، ولكنه إله مَنْ آمن به. إذن: هناك فارق بين عطاء الإله، وهو المنهج المتمثل في "افعل" و"لا تفعل"، وعطاء الربوبية المتمثل في الأمور المادية وهي شركة بين كل الناس: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وحين يُحسن الكافرُ الأخذ بالأسباب؛ فهو يأخذ نتائجها. والحق سبحانه هو القائل: {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]. إذن: فواجب على المؤمنين أن يستقبلوا عطاء الربوبية بحسن الأخذ بالأسباب؛ ليأخذوا النتيجة، ولا يتقدم أهل الكفر عليهم؛ لأن الكافر حين يسبقك في الأخذ بالأسباب، ربما استغل هذه المسألة في أن يفرض عليك ما يخالف دينك. وهنا يقول سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ...} [يونس: 3]. أي: أن الذي ربَّى، هو الذي كلَّف، ويجب أن تستمعواإلى منهجه. ثم يقول سبحانه: {ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...} [يونس: 3]. وكلمة {سِتَّةِ أَيَّامٍ} هذه وردت في كل آيات القرآن التي تحدثت عن زمن مدة الخلق للأرض والسماوات، لكن هناك آية جاءت بتفصيل ويظهر من أسلوبها أن الخلق قد استغرق ثمانية أيام، وهي في سورة فصلت: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10]. وهذه ستة أيام. ثم يقول سبحانه: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ} تفسير : [فصلت: 11-12]. وهكذا يكون المجموع ثمانية أيام، وهذا هو الفهم السطحي؛ لأن آيات الإجمال جاءت كلها بخبر الخلق في ستة أيام. وتعلم أن كل مُجمل يفسره مُفصَّله إلا العدد؛ فإن مفصَّله محمول على مجمله، فالأرض خلقها الله في يومين، وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وكل مخلوق ثان هو تَتمَّة للأول، فاليومان الأولان إنما يدخلان في الأربعة الأيام، وأخذت بقية الخلق اليومين الأخيرين، فصار المجموع ستة أيام. إذن: فالزمن تتمة الزمن، ولذلك تجد أن اليوم على كوكب الزهرة أطول من عامها؛ لأن عامها بتوقيت الأرض هو مائتان وخمسة وعشرون يوماً، أما طول اليوم فيها فهو بتوقيت الأرض مائتان وأربعة وأربعون يوماً. إذن: فاليوم على كوكب الزهرة أطول من العام فيها. والسر في ذلك أن كوكب الزهرة يخضع لدورة تختلف في سرعتها عن سرعة الدورة التي تخضع لها الأرض، فدورة كوكب الزهرة حول نفسه بطيئة، ودورته حول الشمس سريعة. إذن: فكل كائن له نظام. وما هو اليوم إذن؟ اليوم في اعتبارنا هو دورة الأرض حول نفسها دورة يتحقق فيها الليل والنهار. ولكننا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة اليوم ويفصلها عن الليل، فيقول سبحانه: {أية : سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ...} تفسير : [سبأ: 18]. وهنا جعل الحق اليوم للضوء والكدح، والليل للظُّلمة والراحة. والحساب الفلكي يسمى الليل والنهار يوماً. ويبين القرآن لنا أن هناك يوماً للدنيا، ويوماً للآخرة، ويوم الدنيا هو ما نحسبه نحن من شروق إلى شروق آخر، وكذلك هناك يوم عند الله هو بحساب الدنيا يقدر بألف سنة مما يحسبه البشر: {أية : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [الحج: 47]. ويقول الحق في موضع آخر: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4]. إذن: فالأزمنة متعددة، ومنوعة، وتختلف من قياس إلى آخر، ومن كوكب إلى آخر. وما أظهره الله لنا في القرآن من الأزمنة إنما يدل على اختلافها، لا على التعارض والتناقض. ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} ووقف العلماء عند كلمة "اسْتَوَى" طويلاً، واستعرضوا القرآن كله؛ ليحصروها في كتاب الله؛ فوجدوها قد جاءت في اثنتي عشرة سورة: البقرة والأعراف ويونس والرعد وطه والفرقان والقصص والسجدة وفصلت والفتح والنجم والحديد. وأول سورة جاء فيها ذكر استواء الله على العرش هي "الأعراف" يقول الحق: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِي ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54]. وما دام الله سبحانه هو الذي خلق فلا تعترض أن يكون الأمر له، وأن يبعث سبحانه من شاء؛ ليكون رسولاً؛ لذلك فلا عجب أن أرسل لكم رجلاً منكم؛ لأنه لو كان هناك غيره سبحانه هو الذي خلق، ثم جاء ليفتئت فيأمر فيما خلق، لكان للخلق شأن آخر، لكن الله هو الذي خلق، وهو سبحانه الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم. والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول فيها الحق: {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ}، أي: استتب له الأمر. ثم تأتي آية سورة الرعد: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} تفسير : [الرعد: 2]. أما الصفات التي توجد في البشر، ووصف الله نفسه بها، هذه الصفات لا تؤخذ على مقتضى ما هي في البشر، فكل إنسان هو ممكن الوجود. ولكن الحق سبحانه وتعالى هو واجب الوجود؛ لذلك تؤخذ تلك الصفات في إطار {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} تفسير : [الشورى: 11]. ومثال هذا: أن الحق سبحانه وتعالى له عِلْم بأنك تقرأ الآن في التفسير، وفي أي مكان تقرأه، والذين من حولك يعلمون ذلك، ولكنْ أعلْمُ الله يساوي علمَك وعلمَ مَنْ حولك؟ لا، فعلمه سبحانه وتعالى هو عِلْم أزليّ، عِلْم قبل أن توجد أنت أو يوجد غيرك؛ لذلك فأنت إذا عَلمت شيئاً، وعَلمَ الله شيئاً، فعِلْم الله يناسبه، وعلْم البشر يناسبك. وأيُّ صفة من صفات الله مطلقة، وأيُّ صفة من صفاتك نسبية؛ لأن الحق سبحانه هو واجب الوجود الأزلي، وأنت في هذه الحياة مجرد حدثٍ محدود العمر بين قوى الميلاد والموت. فالله غني، وقد تكون أنت غنيّاً، لكن غناك لا يمكن أن يتساوى مع غنى الله. وأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك لا يمكن أن يُقَاس بوجود الله. فذاتُ الله ليست كذواتنا، وكذلك صفات الله ليست كصفاتنا، وفعْله ليس كفعْلنا، واستواؤه سبحانه ليس كاستوائنا، بل في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} لأن الذي يُفْسِد الفهم أن يقال: "استوى" بمعنى: قعد. أو فلنأخذ الاستواء كتمثيل للسيطرة، وسبحانه مسيطر على كل شيء، والاستواء: يعني التمكن. وسبحانه القائل: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ...} تفسير : [القصص: 14]. إذن: فاستوى: تعني بلوغ تكوين الكمال في الذات. والإنسان منا وهو صغير - قبل البلوغ - إنما تنقصه بعض من درجات النضج في الجهاز العصبي، وكذلك في الجهاز التناسلي، فإذا ما بلغ اكتمل النضج، ويقال: (اَسْتَوَى) أي: صار قادراً على إنجاب مثله، وتمت له رجولته. ويقال عن الثمرة: إنها استوت {أية : فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ} تفسير : [الفتح: 29]. أي: نضجت نُضْجاً يبلغها أن تعطي من ثمرتها مثل ذاتها، وبذلك تضمن بقاء نوعها. وحين بلغ الطوفان تمامه استوت مركب سيدنا نوح ومعه المؤمنون من قومه، وقال الحق: {أية : وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ...} تفسير : [هود: 44]. أي: استقرت على الجبل واستتب الأمر. إذن: فكل استواء لله يجب أن يؤخذ على أنه استواء يليق بذاته، وصفاته، التي قد يوجد في البشر مثلها، لكنها صفات مطلقة في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} تفسير : [الشورى: 11]. وفِعْل الله لا يمكن أن يتساوى مع فعل البشر؛ ولذلك قلنا في حديث الإسراء: إن الكفار المعاصرين للإسراء حينما كذَّبوا النبي صلى الله عليه وسلم في أنه قد أسري به، قالوا: أتدَّعي أنك أتيتَ بيت المقدس في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وهذا القول المستنكر يؤكد أنهم قد فهموا أن الإسراء قد حدث حقيقة. ورغم ذلك تجد بعض المعاصرين - الذين يدعون المعاصرة والفهم - يتساءلون: ولماذا لا تقولون: إن الإسراء قد تَمَّ بالروح؟ ونقول لهم: إن كفار قريش أنفسهم الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقولوا ذلك، وفهموا أن الإسراء قد تمَّ بالجسد؛ لذلك قالوا: "أنضرب إليها أكباد الإبل شهراً، وتدَّعي أنك أتيتها في ليلة؟" بل، ولم يقولوا له: إنه رأى بيت المقدس في رؤيا أو حُلْم؛ لأنه لا أحد يُكذِّب رؤيا أو حُلْماً، وهكذا كان تكذيبهم دليلاً على التصديق للإسراء إلى أن تقوم الساعة. ونقول لمن يدَّعي أن الإسراء إنما تَمَّ بالروح: افهم جيّداً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أسري بي". إذن: فعْل الإسراء منسوب لله، فلا تأخذ الإسراء بالقانون البشري، ولكن بالقانون الإلهي. والزمن في مسألة الإسراء منسوب لله، لا لمحمد صلى الله عليه وسلم. والقرآن يقول: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً ...} تفسير : [الإسراء: 1]. وما دام الحق قد قال: (سُبْحَانَ) أي: أن الله مُنَزَّهٌ عَمَّا في بال البشر من المسافات والقوة وغيرها. ولقد ضربنا مثلاً لهذا - ولله المثل الأعلى - برجل يصعد بابنه الرضيع قمة جبل "إفرست"، فلا يقال: وهل يصعد الرضيع قمة الجبل؟ فالصعود منسوب هنا للرجل، ولقدرة الرجل وقوته، لا إلى الطفل. وهكذا - ولله المثل الأعلى - فالزمن والقدرة على الإسراء منسوبان لله سبحانه، لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن في مجالنا البشرى تختلف قدراتنا في قطع المسافات وأزمانها، فمن يركب عربة يجرُّها حصان فقد يصل من القاهرة إلى الإسكندرية في أيام، ومَنْ يركب سيارة فقد يصلها في ساعتين. ومَنْ يركب طائرة فقد يصلها في نصف ساعة. إذن: فكلما زادت القوة تجد الزمن يقل، فما بالنا بقوة القويِّ؛ أيكون معها زمن؟ طبعاً لا. وقال الحق سبحانه لسيدنا نوح: {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ ...} تفسير : [المؤمنون: 28]. أي: بعد أن ركب معك يا نوح مَنْ آمن من قومك، واطمأننت على نجاتهم، ستسير السفينة بإذن ربها. إذن: فقول الحق عن ذاته: {ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ...} [يونس: 3]. يعني: أن الأمور قد استتبت وتمت. وهكذا نفهم أن كل شيء يتعلق بالحق سبحانه وتعالى نأخذه في إطار: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ...} تفسير : [الشورى: 11]. وأن كل صفة من صفاته يأتي تمثيلها ليقرب المعنى فقط ولا يعطى حقيقة المعنى؛ لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. وهكذا فسبحانه له استواء يليق بذاته، لا كاستواء البشر. والشاعر أبو تمام حين جاء ليمدح الخليفة المعتصم، نظر إلى الصفات التي اشتهر بها بعض القوم، "فحاتم" على سبيل المثال كان قمة الكرم. و"عنترة" هو قمة الشجاعة، "والأحنف بن قيس" قمة الحكمة، فقال الشاعر أبو تمام عن الخليفة: شعر : إقْدَامُ عَمْروٍ في سَمَاحةِ حاتمٍ في حِلْمِ أحْنَفَ في ذكاء إيَاسِ تفسير : وهكذا صار الخليفة مَجْمع فضائل؛ لأنه أخذ إقدام عمرو، وكرم حاتم، وحلم الأحنف، وذكاء إياس. ولكن حاسد الشاعر قال: إن الأمير فوق كل من وَصَفْتَ، فهؤلاء جميعاً بالنسبة للخليفة صغار. وقال أحد الشعراء: شعر : وشبهه المدَّاح في البأس والنَّدى بمَنْ لو رَآهُ كان أصغَر خادِمِ ففي جَيْشِه خَمسُون ألْفاً كَعنْترٍ وَفي خَزَائِنه ألفُ ألفِ حاتمِ تفسير : وحين سمع الشاعر الأول ذلك، وكانت قصيدته الأولى "سينية"، أي: أن آخر حرف في كل أبياتها هو حرف السين، فجاء بأبيات أخرى من نفس بحر القصيدة الأولى: وقال: شعر : لا تُنْكِروا ضَرْبي له مَنْ دُونهُ مَثلاً شَروداً في النَّدَى والباسِ فالله قَدْ ضَرَبَ الأقَلَّ لنورهِ مثلاً من المِشْكَاةِ والنِّبراسِ تفسير : إذن: فهناك فَرْق بين تمثيل الشيء، وبين حقيقة الشيء، فحين قال الحق: {أية : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ...} تفسير : [النور: 35]. فهذا مثل توضيحي للبشر. وشاء الحق ذلك ليعطينا مجرد صورة؛ لأنه يتكلم عن أشياء لا وجود لها عندك. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن الجنة: "حديث : فيها ما لا عَينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعتْ، ولا خَطَر على قلبِ بَشَر ". تفسير : وأنت حين ترى؛ فللرؤية حدود. وحين تسمع فأنت تسمع مرائي غيرك، وما لا يخطر على البال هو القمة، فقد ارتقى الرسول في وصفه للجنة من حدود ما تراه العين إلى آفاق ما تسمعه الأذن، ثم ارتقى من حدود السمع إلى ما لا يخطر على البال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن اللغة هي ألفاظ تعبر عن معان، والمعاني توجد أولاً ثم نأتي لها بالألفاظ؛ ولذلك فالأمثال لمجرد التوضيح باللغة. وهكذا نكون قد استوفينا فهم قوله الحق: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} بما يليق بذات الله، فلا نأخذ الاستواء على المعنى الذي يدل على مكان محيّز؛ لأنه سبحانه مُنَزَّه عن أن يكون متحيزاً في مكان؛ فذاته سبحانه ليست كالذوات، وفعله ليس كالأفعال، وصفاته ليست كالصفات. ثم يقول بعد ذلك: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} أي: أنه يرتب الوجود ترتيباً يجعل كل شيء موضوعاً في مكانه بحكمة. والحق سبحانه وتعالى له صفة علم، وصفة إرادة، وصفة قدرة، وصفة العلم هي التي تضع كل شيء في مكانه بحكمة. وصفة الإرادة هي التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. وصفة القدرة تبرز المراد لله. إذن: فهناك علم، وهناك إرادة، وهناك قدرة تبرز المراد على وفق العلم. ومن المنطقي أن يدبر الله كل أمر؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق السماوات وخلق الأرض. واستوت له الأمور بحيث لم يعد هناك خلق جديد إلا ما يبرزه بـ "كن". وهو سبحانه بعد أن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وسخَّر له السماوات والأرض؛ لذلك لا بد أن يدبر سبحانه للإنسان أمور مادياته، وأمور قيمه. أما أمور الماديات فقد ظهرت في خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والماء والهواء. وما في الأرض من عناصر تنبت للإنسان ما يحتاج إليه في قوام حياته، وهو سبحانه الذي خلق كل ذلك قبل أن يخلق الإنسان، ثم جاء بالإنسان ليكون الخليفة والسيد. إذن: فالإنسان هو الذي طرأ على هذه الأمور المادية، وكان لا بد أن يُنزِلَ الحق سبحانه قيماً يحيا بها الإنسان كخليفة في هذه الأمور المادية. وهكذا خلق الله القيم المعنوية، فلا تقولوا: لماذا أرسل رسولاً لا يُحسب في نظر بعض الناس من عظماء أقوامهم، ولا تقولوا لماذا أرسل محمداً بالتحديد؛ لأن هذا الإرسال هو من ضمن تدبير الأمور، و {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ...} تفسير : [الأنعام: 124]. إذن: فقوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ} جاء ليؤكد نَفْي التعجب من أن يكون الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ ...} تفسير : [يونس: 2]. وعلتها أن الله هو ربكم وهو الذي خلق، ولا يجادل أحدٌ الله فيما خلق، وفيمن خلق. وإذا كان هو سبحانه الذي خلق الإنسان والكون، فلا بد أن ينظم حركة الوجود بين الإنسان والكون؛ لذلك اختار الرسول المناسب؛ ليحمل منهج القيم للإنسان في "افعل كذا" و"لا تفعل كذا". ثم ترك الحق للإنسان أموراً لا يقول له فيها: افعلها أو لا تفعلها، فهي من المباحات. وإذا استقرأت الأفعال والأحداث، ستجد أن الذي قال الله فيه "افعل" قليل، والذي قال الله فيه "لا تفعل" قليل. وبذلك تجد المباحات أكثر من "افعل" وأكثر من "لا تفعل". وما دام سبحانه هو الذي شاء ذلك، وترك لك أيها الإنسانُ الكثير من الأمور المباحة، فاترك القيم لله؛ لأن الكون المادي المخلوق لله في غاية الدقة وفي غاية النظام، ولم تمتنع الشمس أن تشرق أو تعطي ضوءها وحرارتها للناس، وما امتنع القمر أن يعطي نوره، وما امتنع السحاب أن يسقط مطراً مدراراً، وما امتنعت الأرض أن تتفاعل مع أي غَرْس تغرسه فتعطيك الغذاء، وكل شيء داخل في نطاق القدرة في النواميس العليا؛ مُحكم؛ ولا خلل فيه. وإذا نظرتم إلى غير ذلك وجدتم الخلل قد حدث؛ لأن الشيء الذي لا تدخل فيه قدرة الإنسان وإرادته هو على أتم ما يكون من النظام، ولا يفسد إلا الشيء الذي للإنسان فيه عمل واختيار، ولا يعني ذلك أن كل أعمال الإنسان تعاني من الخلل، لكن الأعمال التي تعاني من الخلل هي الأعمال التي يُقبل عليها الإنسان دون منهج الله. ولو اخترنا البدائل على ضوء منهج الله، لاستقامت القيم كلها، كما استقامت لنا نواميس الكون العليا. فإذا رأيتم فساداً فلوموا أنفسكم؛ لأن الأمر الذي لا تتناولونه بأيديكم ولا دخل لكم فيه، يعمل غاية في الدقة، فإن أردتم أن تعمل أموركم الاختيارية بغاية الدقة؛ فخذوا منهج الله في الأفعال، ولا تفسدوها أنتم بأن تختاروا البدائل على غير مرادات الله. ولذلك أقول دائماً: إنك إذا ما رأيت عورةً في الوجود، يتعب منها المجتمع، فاعلم أن حدّاً من حدود الله قد عُطِّل. وإن وجدت أمة متخلفة، فاعلم أنها عطلت حدود الله، وإن وجدت أمة تعاني من أمراض اجتماعية جسيمة، فاعلم أنها لا تطبق منهج الله. ويخطئ مَنْ يقصر فَهْمَ عبادة الله على أنها الانقطاع في المسجد، أو الصوم، أو إخراج الزكاة في ميعادها، أو الذهاب إلى الحج، فكل هذه هي رؤوس الإسلام تشحن العبد ليعمل وَفْق منهج الله، فالصلاة هي إعلان الولاء لله خمس مرات في اليوم، ومدة الصيام شهر كل عام، والزكاة إنما هي من فائض المال، والحج هو تَرْكٌ للمال والأهل والولد. كل ذلك من أجل شحن الطاقة، فإذا ما شحنت الطاقة، فوجِّه الطاقة إلى عمل آخر. ولنأخذ الصلاة مثلاً: فأنت تحتاج إلى طاقة تُقيمك وتُقعدك وتستبقي حياتك؛ وقوة حركتك تحتاج كل ذلك لتصلي! إذن: فأنت تحتاج إلى طعام، ولن تُطْعم ما لم يَكُنْ لك عمل يتيح لك شراء الطعام، وحتى يبيع لك التاجر الخضر واللحم، والفاكهة والخبز، هو يحتاج إلى مَنْ ينتج ذلك، ومَنْ ينتج الأطعمة يحتاج إلى مَنْ يدرس طبيعة الأرض والبذور ومعرفة الأوقات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى أجهزة منظمة لإنتاج الطعام. فمن يزرع يحتاج إلى محاريث تحرث، وهذا يستلزم وجود الحديد وآخرين ليصهروه ويستخرجوا منه ما يصلح لصناعة المحاريث. إذن: فقيامك إلى الصلاة يحتاج إلى كل هذه الأعمال. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا تجد أن كل الأعمال التي تُسهِّل لك العبادة هي أعمال واجبة. والمثال: أنك حين تصلي تحتاج إلى سَتْر عورتك؛ لذلك تشتري القماش ليُفصِّل لك الخائط ما ترتديه من ملابس، وكل هذه الأعمال التي تنتج القماش وتصنع الثياب هي أعمال واجبة، بدءاً من زراعة القطن أو الكتان أو التيل وغيرها إلى المغازل ومصانع النسيج، وغير ذلك. وهكذا تجد أن كل الأعمال التي يتم الواجب بها هي أعمال واجبة، فَسَتْر العورة أمر شرعي، وهكذا يتسع مفهوم العبادة ليكون معناها: كل حركة تؤدي إلى إبقاء الصالح على صلاحه وزيادة الصالح إلى ما هو أصلح. والمثال الذي أضربه دائماً: هو حاجة الإنسان إلى الماء للشرب، والغُسْل من الجنابة وطهو الطعام وغير ذلك، وكان الإنسان قديماً يشرب من الآبار، ثم تطور التفكير إلى إقامة شبكات لتوزيع المياه بعد تنقيتها، كل هذه أعمال تُزِيد الأمر الصالح صلاحاً؛ لأنك أخذت الماء من المطر الذي ملأ النهر، وأعليْتَ الماء في خزانات لتنقيته، ثم اكتشفت قوانين الاستطراق ومضخات المياه؛ ليصل الماء الطاهر إلى كل من يحتاجه. وهكذا تزيد الصالح صلاحاً بالتفكير واستخدام العلم بما يفيد الإنسان، إذن: فهذا عمل عبادي ما دامت النية فيه لله. وانظر إلى يوم السوق في أي قرية، تجد من يدخله ومعه الماشية والأنعام التي يرغب في بيعها، وتجد مَنْ يدخل بالفواكه والأطعمة، ومَنْ يدخل ومعه الثياب أو أدوات المنزل، وتجد من يدخل ليس معه شيء، وبعد انتهاء السوق تجد كل إنسان قد خرج بما يحتاج، لا بما دخل لبيعه. وهكذا ألقى الله الخواطر في قلب وتفكير إنسان ما ليبيع ما لا يحتاجه، وآخر ليشتري ما يحتاجه من إنتاج غيره. وأنت إذا نظرت إلى قرية ما، ستجد واحداً من أعيانها يرغب في بيع أرضه وقصره، ويرغب في الرحيل إلى بلدة أخرى، وهكذا ترى الميزان الاقتصادي الإلهي، الذي يوزع العباد في الأماكن التي تليق بكل واحد منهم، فإذا ما زاد واحد عن الحاجة في مكان، فهو يرحل إلى مكان آخر يحتاجه. وهذا هو التدبير الإلهي على أحسن ما يكون. وقد تجد - مثلاً - الطفل يكتب بيده اليسرى، على عكس أقرانه، وقد تضربه على ذلك، فيعجز عن الكتابة باليمنى وباليسرى، وحين يقول لك الطبيب: لقد شاء الله أن يجعل ابنك موهوباً في الخط الجميل، وهو يكتب بيده اليسرى، فأنت تتعجب، وتكتشف بالفعل أن خط الطفل باليد اليسرى جميل. وأقول دائماً لمن يشكون أن بعضاً من أولادهم يكتبون باليد اليسرى أو يأكلون باليد اليسرى، أقول لهم: إن هذه مسألة تتعلق بالجهاز العصبي للإنسان، فهناك من خلقه الله ليَعْملَ باليد اليمنى، وهناك من خلقه الله ليعمل باليد اليسرى، وهناك من خلقه الله ليعمل بيديه الاثنتين، مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان "أضبط" أي: يعمل بيديه الاثنتين. وعلينا أن نحترم أقدار الله فيما خلق ومَنْ خلق. فسبحانه يخلق ما يريد، لا وَفْق قوالب، بل يخلق ما يشاء، ومع كل خَلْق مراد معين. وكما أحسن الحق تدبير ما ليس لكم دَخْلٌ فيه، فاعلموا أنه قد أنزل المنهج لِيُحسِّن مما لكم فيه دَخْلٌ، ويجعل أموركم منتظمة، وكل ذلك يدخل ضِمْنَ تدبير الأمر. وأنت إذا نظرت إلى معنى كلمة "أمر" تجد أنها كل شيء ينشأ، ولماذا عدل سبحانه عن قول: "شيء" إلى قول: "أمر"؛ لأن كل شيء لا يوجد في الوجود إلا بـ "كن" وهي أمر. وسبحانه القائل: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. وسبحانه يدبر الأمر في السنن المادية التي لا تتناولها يد الإنسان، فإن أراد الإنسان أن يضبط أمور حياته، فليأخذ بالمنهج الذي أنزله الله بـ "افعل" و"لا تفعل"، وأما المباحات فهي كثيرة، والإنسان حرٌّ فيها. وإذا ما سأل سائل: ولماذا اتَّبِع المنهج؟ أقول: إن الحق شاء أن يخلق الإنسان على هيئتين: هيئة إرغامية قهرية، وهيئة اختيارية، فأنت أيها الإنسان مقهور في أشياء، ومُختار في أشياء أخرى؛ أنت مقهور في التنفس، وتتنفس آلياً دون تدخُّل منك، تتنفس مستيقظاً أو نائماً، ولو كان التنفس باختيارك، لاحتجْتَ إلى مَنْ يدير حركة تنفسك وأنت نائم؟ إذن: فمن رحمته سبحانه أن جعلك مقهوراً في مثل هذه المسألة وكذلك نبضات قلبك، أنت مقهور فيها، وكذلك أنت مقهور في الحركة الدودية للأمعاء، وللحركة الانبساطية والانقباضية في المعدة، وإفراز العصارات الهضمية، كل ذلك أنت مقهور فيه، وأنت مُختار في أشياء أخرى، كأن تشتري من البائع الفلاني، أو بائعٍ غيره، وأنت مُخَيِّر في أن تختار أصناف الطعام التي تهواها. والمباحات في الوجود كثيرة، وما أكثر ميادين الحرية في الحياة، وما حدده لك الحق سبحانه وتعالى بـ "افعل" و "لا تفعل"، لا يخرج عن أمور محصورة تصونك وتصون مجتمعك، وكذلك الكون الذي تحيا فيه. وإنْ مارسْتَ أيها الإنسان حريتك في الأمور المباحة على أي لون شئت، فذلك لا يفسد الكون. وقد شاء الحق سبحانه - أيضاً - أن تكون مقهوراً في بعض الأمور حتى لا يفسد الكون، فإن أكلت ما شئت من المأكولات غير المحرمة؛ فأنت حرٌّ، وإن سلك كل إنسان كما يهوى في الأمور المباحة؛ فلا مانع لذلك. وكل البشر يختلفون. وأراد سبحانه أن يحمي الإنسان والكون؛ لأنه علم أزلاً أن أهواء البشر تتضارب، وهو القائل: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ ...} تفسير : [المؤمنون: 71]. ولهذا نرى أن تدبير الله فيما لا دخل لنا فيه، تدبير مُحْكَم، وما يسير بدون تَدَخُّل من البشر إنما يتبع نظاماً مستقيماً، وشاء الحق أن يجعل نواميس الكون تعمل بدقة يندهش لها المؤمنون بالله والكافرون به، فسبحانه يحكم في مُلْكه بدقة متناهية؛ حتى إن بعض العلماء ممن لا يؤمنون بمنهج الله قد حددوا مواعيد الكسوف الكلي أو الجزئي للشمس أو القمر بدقة متناهية وذلك باستقرائهم لمعطيات الكون. وما دُمْتم أنتم تتميزون على الكافرين بالإيمان بالله، فخذوا منهج الله في حياتكم؛ لتستقيم أموركم بمثل استقامة الكون. ولذلك قال سبحانه: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ...} [يونس: 3]. ويضيف: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} وجاء الحق بمسألة الشفاعة بعد مسألة تدبير الأمر؛ لأن هؤلاء الكافرين الذين تعجبوا من إرسال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، كانوا يعبدون ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: إن تلك الأصنام تشفع لهم عند الله، مصداقاً لقوله الحق: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ...} تفسير : [يونس: 18]. ولذلك يُفصِّل الحق سبحانه مسألة الشفاعة. فالإنسان لا يحتاج إلى شفاعة عند مَنْ يملك الأمر إلا إذا ارتكب جُرْماً أو حدث منه تقصير في أمر ما. والآية أوضحت أنهم يعبدون ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، وما لا ينفعهم إن عبدوه. وأقروا أن مثل هذه الأصنام إنما تشفع لهم، والشفاعة من الشفع، والشفع ضد الوتر. والوتر هو ما لا يقبل القسمة على اثنين، فيكون الوتر رقماً فرديّاً. والعبد من هؤلاء له موقف من الإله الذي يعبده، وهو غير قادر على مواجهته؛ لأنه مقصر، فبدلاً من أن يقابله فرداً يأتي بآخر معه؛ ليشفع له، وهكذا يكون معنى الشفع هو تعضيد الفرد بواحد آخر؛ فينتقل من كونه وتراً إلى كونه شفعاً. وكان الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون عن تلك الأصنام: إنهم شفعاء لهم عند الله، فيقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ...} [يونس: 3]. لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً عنده، ومشفوعاً له، ومشفوعاً فيه، هذه هي الأربعة العناصر في الشفاعة. والذي يستشفع هو المقصِّر، وهؤلاء الكفار قالوا عن الأصنام: إنها شفعاء لهم عند الله، وهذا إقرار منهم بالتقصير، وأقروا بأن المشفوع عنده هو الله، وأما المشفوع فيه؛ فهو تخفيف العذاب أو إنهاء العذاب. إذن: فالمشفوع فيه أمر مشترك، والمشفوع عنده أمر مشترك، أما الأمر في الشافع، والأمر في المشفوع له، فهما مختلفان. وأنت - على سبيل المثال، لا تأتي بإنسان يسير في الطريق وترسله ليشفع لك (مثلاً) عند المحافظ أو عند الوزير؛ إن كانت لك حاجة عند أي منهما، بل تأتي بإنسان تعلم رضا المحافظ عنه أو رضا الوزير عنه، وله منزلة ومكانة، وهذه المنزلة والمكانة تسمحان له بالإذن في أن يكلِّم المحافظ أو الوزير في أمور الناس. وإذا كان هذا هو الحال في الشفاعة من البشر لدى البشر، فما بالنا بالشفاعة للإنسان لدى الله؟ لذلك بيَّن الحق هنا أن الشفيع لا بد أن يكون بإذن منه سبحانه {مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3]. وفي سورة البقرة يقول سبحانه: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ...} تفسير : [البقرة: 255]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} تفسير : [طه: 109]. إذن: فالشفيع لا بد له من إذن ورضاً من الله. أما المشفوع له فقد قال الحق: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ...} تفسير : [الأنبياء: 28]. هكذا بيَّن لنا الحق عناصر الشفاعة: الشافع، والمشفوع له، والمشفوع عنده وهو الله سبحانه، والمشفوع فيه هو الذنوب وهي معروفة. ولقائل أن يتساءل: ما دام الحق سبحانه قد رضي عن عبد، فلماذا يحتاج العبد إلى الشفاعة؟ وأقول: لننتبه إلى أن الإنسان يتعرض لأعمال كثيرة، وله نقاط ضعف في حياته؛ قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، فإذا جاء في نقطة الضعف وأذنب ذنباً، فعليه أن يزيد من فعل النقاط القوية التي تُكتب له بها الحسنات؛ لأن المعيار هو: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ } تفسير : [هود: 114]. فالعبد حين يزيد من الحسنات فالحق سبحانه قد يمحو السيئات، وليعلم كل إنسان أنه إن اختلس من الله حكماً فهو لن يستطيع أن يهرب من العقاب، وعليه أن يزيد من الحسنات، ويرجو المغفرة من الله؛ وقبول التكفير بالحسنات عن السيئات، ولن يُفلت أحد من ملكوت الله. وهَبْ أن إنساناً فيه نقطة ضعف، وأذنب ذنباً، وعنده نقطة قوة يطيع فيها الله بسهولة ويُسْر، هذا الإنسان له أن يعلم أن الله يحبه لأجل نقطة قوته هذه، وقد يرحمه الله سبحانه فيما أذنب من الذنوب، ويجعل المأذون له في الشفاعة يشفع له عنده سبحانه. فلماذا أراد الحق ذلك؟ شاء الحق ذلك حتى لا يُحرَمُ العالم من الحسنات التي يجيدها ذلك الإنسان. ويحكي لنا الحديث النبوي الشريف عن الرجل الذي لقي كلباً يلهث من العطش، ولم يجد الرجل إناء يملأه ماء من البئر ليسقي الكلب، فنزل البئر وملأ خفه، وعاد إلى الكلب ليسقيه. وبطبيعة الحال لم يكن هذا الرجل لينافق الكلب، بل منتهى الرحمة بهذا الحيوان، كذات خلقها الله؛ لذلك غفر الحق سبحانه لهذا الرجل. وهكذا نفهم أن الحق يغفر ويمحو السيئات. وقد جعل الحق سبحانه الشفاعة لرسول الله تكريماً له صلى الله عليه وسلم، وكذلك في المأذون له في الشفاعة، حتى يعلم المسلم أن الرسول قد يشفع له، وأن المؤمن قد يشفع لأخيه، وأن الأب قد يشفع لابنه، وحين يعلم المسلم ذلك، فهو يحسن إلى كل هؤلاء؛ لعله يحصل على الشفاعة منهم، ويحسن اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحسن معاملة المؤمنين، ويحسن الابن معاملة والديه، وهكذا يعيش المجتمع في كرامة الشفاعة بعمل الخير وإخلاص النية. وإذا رأيت إنساناً محسناً في دينه، فلا بد لك أن تحترمه؛ لأن إحسانه في دينه قد ينفعك أنت؛ ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة يقول: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]. وكان الحق سبحانه قادراً أن ينزلها "إياك أعبد وإياك أستعين" ولكنه شاء أن تنزل على صورتها تلك؛ حتى يأذن سبحانه بقبول الصفقة من كل قائليها، فيتقبل من عباده أعمالهم بما يغفر لبعضهم الأشياء المعيبة. ولذلك أقول: إن رأيت إنساناً مستغرقاً في العبادة فلا تسخر منه ولا تهزأ به؛ لأن حرصه على الطاعة وانشغاله بالعبادة قد تنفعك أنت. وساعة تتلقى أمراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجده شاقّاً، فعليك أن تتذكر أنه المرجع الذي قد يشفع لك في الأمور التي لم تقدر عليها. ولا بد أن يرضى الحق عن المشفوع له؛ لأنه قد أجاد فعل حسنات. وإن كانت له سيئات، وقد رأى رجل سيدنا عمر في رؤيا، فسأل الرائي سيدنا عمر بن الخطاب: ماذا فعل الله بك يا ابن الخطاب؟ فقال سيدنا عمر: غفر الله لي. فسأل الرائي: بماذا؟ أجاب سيدنا عمر: لأني رأيت غلاماً يعبث بعصفور فاشتريته حتى لا أفجعه في عصفور يملكه، وأخذت العصفور وأطلقته. واعترض أحد السامعين للرؤيا متسائلاً: ألم يفعل ابن الخطاب أعمالاً تؤهله لمغفرة الله إلا مسألة العصفور هذه؟ فقال له قائل: أحسن الفهم يا رجل؛ فمسألة إطلاق العصفور إنما تخص غفر الخطايا، وأما أعمال عمر بن الخطاب الجليلة فهي لرفع الدرجات. وفي القرآن آيتان جاءتا بنص متقارب، فالحق يقول: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ...} تفسير : [البقرة: 48]. والآية الثانية تقول: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ...} تفسير : [البقرة: 123]. ومن حاولوا المقارنة بين الآيتين بغرض الطعن في القرآن، هم من الغرباء عن اللغة ولا يملكون ملكة البيان التي يمكن أن يستقبلوا الأساليب بها، ولو امتلكوا هذه الملكة لعلموا أن الصدر في الآيتين محتمل لوجهين، فهناك نفس جازية هي التي تتشفع ونفس مجزيٌّ عنها هي التي يُتشفع لها. والضمير الذي يأتي في قوله الحق: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا} و {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا} و {وَلاَ تَنفَعُهَا}، هذا الضمير يصح أن يرجع إلى النفس الشافعة، ويصح أن يرجع إلى النفس المشفوع لها. والإنسان منا إذا ما كان عليه شيء لإنسان آخر، وغير قادر على أن يستبرئ ذمته منه، فهو يلجأ إلى صديق لهذا الآخر، له مكانة عنده ليستشفع له. وفور أن يذهب صاحب المكانة إلى هذا الآخر فهو يقول له: هل تقبل شفاعتي لفلان؟ فإن قال صاحب الأمر: لن أقبل الشفاعة، فالمستشفع عنده يقول له: إذن: سأدفع العدل، أي: ما يساوي قيمة ما كنت سأتشفع له فيه. وهكذا نجد أنفسنا أمام نفسين: شافعة، ومشفوع لها. والضمير يعود على أي من النفسين. وهكذا نجد أن صدر كل آية من الآيتين اللتين يقال عنهما: إنهما متشابهتان، صدر كل منهما منسجم مع عجزها. وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بعد أن أوجزت الآية فكرة عن خلق الله تعالى للكون، وأنه يشفع لمن شاء ويختار من يقدم له الشفاعة، فيقول: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3]. فسبحانه خلق الكون، واستتبَّت بيده مقاليد الأمور، وخلق الإنسان ليعمر هذا الكون، ونعلم أنه سبحانه قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، وحين يشهد الحق لنفسه، فسبحانه على ثقة تامة بأن أوامره في كونه نافذة. وقوله سبحانه: {ذٰلِكُمُ} أي: إشارة إلى ما تقدم من خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش، وتدبير الأمر كله، ولا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، هذا هو الله ربكم، وما دام هو ربكم فاعبدوه؛ لأنه هو الذي خلق من عدم، وأمد من عُدْم، وله كل صفات الكمال المطلق. وهذه العبادة لا تعود عليه سبحانه بأي فائدة، فسبحانه منزَّه عن فائدة تعود عليه؛ لأنكم إن عبدتموه فلن تزيدوا في ملكه شيئاً، وإن لم تعبدوه فلن تنقصوا من ملكه شيئاً. والعبادة يعود نفعها عليكم؛ لأنكم ستأخذون بها منهجاً يخرج كل الخلق عن أهوائهم، ويصير هوى الموجِّه واحداً، فلا تصطدم إرادة بإرادة، بل تتساند الإرادات؛ فيتكامل العالم. إذن: فالعبادة توحِّد أهواء الخلق إلى مراد واحد، لا يأنف الإنسان منا أن يخضع له؛ لأن هذا ليس خضوعاً من بشر لبشر، بل خضوعاً من مخلوق لخالق، وبذلك تستقيم أموركم الاختيارية، كما استقامت أموركم غير الاختيارية. وهكذا لا تنحصر العبادة في أركان الإسلام الخمسة فقط، بل تكون هذه الأركان الخمسة هي الدعائم التي تقوم عليها عمارة الإسلام، وكل الإسلام هو كل أمر لله وكل نهي له سبحانه؛ ولذلك حين نتابع تسلسل الأمور، سنجد أن أركان الإسلام الواجبة تعتمد على حركة الحياة كلها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويقول الحق في آخر الآية: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} والذهن أو المخ - كما نسميه - فيه ملكات متعددة مثل: ملكة التخيُّل، وملكة الحفْظ والاختزان، وكثير من الملكات الأخرى منها مَلكَةُ التذكُّر. ومعنى التذكُّر أن شيئاً سبق لك إلْفٌ به، فطرأ عليك ما أنساك، وحين تنسى أمراً يخصُّ أحد أقرانك، فهو يقول لك: تذكر يا أخي الأمر الفلاني، وهو لا يأتي لك بأمرٍ مجهول لم تعرفه أولاً، بل يأتي لك بأمر كان معلوماً لك، ولكنك نسيته. والإنسان حين ينظر إلى الكون نظرة غير متحيزة لا بد أن يؤمن بأن لهذا الكون إلهاً، وهذا الأمر لا نأخذه من الفلاسفة، بل من رجل الشارع، وراعى الشاة؛ فقد جاء في الأثر أن راعياً كان يسير في الصحراء فرأى بَعْراً في الطريق، فقال: إذا كان البعر يدل على البعير، والسير يدل على المسير، أفلا يدل كل هذا الكون على وجود اللطيف الخبير؟! والمثال من حياتنا اليومية: أن غسَّالة الملابس الكهربية - وهي لا تدل على شيء ضروري في الحياة، بدليل أن السابقين علينا كانوا يغسلون ملابسهم بدونها، فهي تمثل ترفاً، لا ضرورة - نجد الناس يعرفون من الذي ابتكرها، ومن أوصلها بالكهرباء ومَنْ صنع لها توقيتات دورات الغسيل، ومثلها مثل المصباح الكهربي الذي يفسد بعد عدد معيّن من الساعات، ونجد التلاميذ يدرسون تاريخ من صنعه، فهل يمكن أن ننسى من خلق الشمس التي تضيء الكون؟ بل ونجد في زماننا العالم والكافر وهو يمدُّنا بأدلة الإيمان، فكل اختراع نجد مَنْ يسجله؛ حتى لا يسرقه غيره، فما بالنا بالشمس التي تضيء وتُدْفئ، والقمر الذي يحدد الشهور، والنجوم التي تدل الناس على الاتجاهات ولا شيء في كون الله يحتاج إلى قطع غيار، ألا نعترف بمن خلق كل ذلك، ها هو ذا سبحانه يدلنا على مَنْ خلق ويبلغنا ما يسجل له ملكية ما خلق، فأنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم ليدلنا على أنه سبحانه الذي خلق، وأبقى الله الكافرين ليتحدى مَنْ يناقض قضية الخلق. وسجل الحق سبحانه ما خلقه لنفسه، ولم يقدر أحد من الكافرين على إنكار ذلك. ولن نأخذ الأدلة على وجود الله من الفلاسفة الذين يرتبون النتائج على المقدمات، ومطابقة قياس الشكل على الموضوع، بل سوف نأخذ الدليل من كلمة "الكفر" نفسها، هذه الكلمة (كفر) تعني: (ستر)، فهل يُسْتَرُ إلا موجودٌ؟ إذن: فالكفر بالله دليل على وجود الله، وما دام الكفر سَتْراً، فالكفر أمر طارئ، نتيجة للغفلة، والغفلة إنما تأتي لأن مقتضيات الإيمان تقيد النفس في حركتها؛ لذلك قد يغفل الإنسان متناسياً أن قيود المنهج لا تطبق عليه وحده، بل تطبق على كل الناس. فحين يُحرِّم الله السرقة، فهو لم يحرمها على إنسان واحد، بل حرمها على كل إنسان، فقيَّد الآخرين ومنعهم من أن يسرقوا منك. وحين يأمرك بغضِّ بصرك عن محارم جارك، فهو يحمي محارمك أن ينظر إليها غيرك. إذن: فالإيمان جاء بالنفعية لكل إنسان. وما دام الأمر كذلك، نجد الحق سبحانه يقول: {أية : ٱذْكُرُواْ ...} تفسير : [فاطر: 3]. وحين يجلس الإنسان بمفرده ولا تُحركه شهواته فهو يهتدي إلى الإيمان بأن هذا الكون لم يَأتِ صدفة. واسم الخالق للكون لا يمكن أن يعرفه الإنسان بعقله؛ لأن التصورات تختلف من إنسان لآخر. وتجد أن الفلاسفة حين أقروا بأن هذا الكون لا بُدَّ له من خالق لم يتعرفوا على الاسم، بل أخطأ بعضهم التصور وظنوا أن من خلق الكون ترك النواميس لتعمل، وتناسوا أن الخالق لا يباشر سلطانه في الكون مرة واحدة. لذلك جاء الرسل بالمعجزات التي تخرق النواميس؛ ليدلنا سبحانه على أنه هو الذي خلق، وله قيومية على ما خلق، فليست المسألة مسألة نواميس تعمل بذاتها، بل شاء سبحانه أن يدلنا على عدم الآلية في الكون. ونحن نعلم أن الآلية التي يصممها البشر في بعض المعدات تتسبب في إحداث جمود، فالعقل الإلكتروني ليست له قيومية على المعلومات المختزنة فيه، فلا يستطيع أن يخفي منها شيئاً إذا طلبت منه. أما عقل الإنسان فله سيطرة على معلوماته ويستطيع أن يخفي ما شاء منها، ولذلك قال الحق سبحانه: {أية : وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 42]. فما دام قيل للإنسان: لا تكتم الحق. إذن: فله قدرة على الإخفاء. والوردة الطبيعية - على سبيل المثال - حيويتها في ذبولها على عكس الوردة الصناعية التي تظل على جمودها ليس فيها حياة. والحق حين يقول: {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ...} تفسير : [المؤمنون: 80]. أو {أية : أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ...} تفسير : [السجدة: 4]. فهو يحرّض الإنسان على أن يتذكر، ويتفكر، ويعتبر. ولو كان القرآن يريد أن يخدع الإنسان، لما أثار انتباهه إلى ضرورة التذكر والتفكر والتدبر والاعتبار. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى: هب أنك ذهبت إلى محل للصوف لتشتري قماشاً متميزاً، فتجد البائع يفرد أمامك القماش، ويشده بيديه ليبين لك متانته، ثم يأخذ منه خيطاً ويحرقه ليبين لك أنه صوف خالص نقي، إن هذا البائع يحاول أن يشرح لك خبايا صناعة الصوف؛ لأنه واثق من جودة ما يبيع. هذا ما يحدث فيما بين البشر، فما بالنا حين يعرض خالق الكون على مخلوقاته أسرار الكون ويدعوهم عبر منهجه إلى التذكُّر والتعقُّل والتفكُّر والتدبُّر والاعتبار. والحق سبحانه يطلب منا ذلك ثقة منه في أن الإنسان منا، إن فعل ذلك؛ فسيصل إلى مراد الحق من الخلق. وإياكم أن تظنوا أن الله خَلَق لكم، ثم خَلَق لكم، ثم أنزل لكم المنهج ليسعد حياتكم في الدنيا والآخرة، ثم اعتزلكم. لا، بل هو قيُّوم حياتكم ولا تأخذه سنةٌ ولا نوم، ولا يفلت منه شيء، ولا أحد بقادر على أن يختلس منه شيئا. وفي الحديث القدسي: "حديث : يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم. وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فَلِم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ". تفسير : وأنت في الحياة اليومية تعرف أن أحداً لا يقترب من إنسان قوي منتبه. ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ} الآية، تقدم تفسيرها في الأعراف. {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ} أي المتصف بالإِيجاد والتدبير والكبرياء، وهو ربكم الناظر في مصالحكم فهو المستحق للعبادة إذ لا يصلح للعبادة إلا هو تعالى فلا تشركوا به بعض خلقه. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} حض على التدبير والتفكر في الدلائل الدالة على ربوبيته وإمحاض العبادة له تعالى. {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} الآية، ذكر ما يقتضي التذكر وهو كون مرجع الجميع إليه، وأكد هذا الاخبار بأنه وعد الله الذي لا شك في صدقه، ثم استأنف الاخبار، وفيه معنى التعليل بابتداء الخلق. وإعادته وان مقتضى الحكمة بذلك هو جزاء المكلفين على أعمالهم وانتصب وعد الله حقاً على أنهما مصدر أن مؤكد أن لمضمون الجملة والتقدير وَعَدَ الله وعْداً فلما حذف الناصب أضاف المصدر إلى الفاعل وذلك كقوله تعالى: {أية : صِبْغَةَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 138]. والتقدير في حقاً حق ذلك حقاً. وقيل: انتصب حقاً بوعد على تقدير في أيْ وعد الله في حق. وقال علي بن سليمان: التقرير وقت حق وأنشد: شعر : أحقاً عباد الله ان لست والجا ولا خارجاً إلا على رتيب تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} الآية، لما ذكر تعالى الدلائل على ربوبيته من إيجاد هذا العالم العلوي والسفلي ذكر ما أودع في العالم العلوي من هذه الجوهرين النيرين المشرقين، فجعل الشمس ضياء أي ذات ضياء أو مضيئة أو نفس الضياء مبالغة، وجعل يحتمل أن تكون بمعنى صيّر فيكون ضياء مفعولاً ثانياً، ويحتمل أن تكون بمعنى خلق فتكون حالاً. {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} أي ذا نور أو منوراً أو نفس النور مبالغة، إذ هما مصدران ولما كانت الشمس أعظم جرماً خصت بالضياء لأنه هو الذي له سطوع ولمعان، وهو أعظم من النور. والظاهر عود الضمير على القمر أي مسيره منازل أو قدره ذا منازل. وعاد الضمير عليه وحده لأنه هو المراعي في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب. والمنازل: هي البروج. وكانت العرب تنسب إليها الانواء وهي ثمانية وعشرون منزلة: الشرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزبانان، والاكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، والفرع المقدم، والفرع المؤخر، والرشا وهو الحوت. واللام متعلقة بقوله: وقدره منازل. {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} اختلافهما تعاقبهما وكون أحدهما يخلف الآخر. {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الاجرام النيرة التي فيها، والملائكة المقيمن بها، وغير ذلك مما يعلمه الله تعالى والأرض في الجوامد والمعادن والنبات والحيوان، وخص المتقين لأنهم الذين يخافون العواقب فيحملهم الخوف على تدبرهم ونظرهم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} الظاهر أن الرجاء هو التأميل والطمع أي لا يؤملون لقاء ثوابنا وعقابنا، أو معنى لا يخافون. والظاهر أن قوله: والذين هم هو قسم من الكفار غير قسم الأول وذلك لتكرير الموصول فيدل على المغايرة ويكون معطوفاً على اسم ان ويكون أولئك إشارة إلى صنفي الكفار ذي الدنيا المتوسع فيها الناظر في الآيات، فلم يؤثر عنده رجاء لقاء الله بل رضي بالحياة الدنيا لتكذيبه بالعبث والجزاء، والعادم التوسع الغافل عن آيات الله الدالة على الهداية. ويحتمل أن يكون من عطف الصفات فيكون الذين هم عن آياتنا غافلون هم الذين لا يرجون لقاء الله. والظاهر ان واطمأنوا بها عطف على الصلة. ويحتمل أن تكون واو الحال أي وقد اطمأنوا بها. والآيات قيل: آيات القرآن أو العلامات الدالة على الوحدانية والقدرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مبينا لربوبيته وإلهيته وعظمته: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة، ولكن لما له في ذلك من الحكمة الإلهية، ولأنه رفيق في أفعاله. ومن جملة حكمته فيها، أنه خلقها بالحق وللحق، ليعرف بأسمائه وصفاته ويفرد بالعبادة. { ثُمَّ } بعد خلق السماوات والأرض { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } استواء يليق بعظمته. { يُدَبِّرُ الأمْرَ } في العالم العلوي والسفلي من الإماتة والإحياء، وإنزال الأرزاق، ومداولة الأيام بين الناس، وكشف الضر عن المضرورين، وإجابة سؤال السائلين. فأنواع التدابير نازلة منه وصاعدة إليه، وجميع الخلق مذعنون لعزه خاضعون لعظمته وسلطانه. { مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } فلا يقدم أحد منهم على الشفاعة، ولو كان أفضل الخلق، حتى يأذن الله ولا يأذن، إلا لمن ارتضى، ولا يرتضي إلا أهل الإخلاص والتوحيد له. { ذَلِكُمْ } الذي هذا شأنه { اللَّهُ رَبُّكُمْ } أي: هو الله الذي له وصف الإلهية الجامعة لصفات الكمال، ووصف الربوبية الجامع لصفات الأفعال. { فَاعْبُدُوهُ } أي: أفردوه بجميع ما تقدرون عليه من أنواع العبودية، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } الأدلة الدالة على أنه وحده المعبود المحمود، ذو الجلال والإكرام. فلما ذكر حكمه القدري وهو التدبير العام، وحكمه الديني وهو شرعه، الذي مضمونه ومقصوده عبادته وحده لا شريك له، ذكر الحكم الجزائي، وهو مجازاته على الأعمال بعد الموت، فقال: { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } أي: سيجمعكم بعد موتكم، لميقات يوم معلوم. { إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُّمَ يُعِيدُهُ } فالقادر على ابتداء الخلق قادر على إعادته، والذي يرى ابتداءه بالخلق، ثم ينكر إعادته للخلق، فهو فاقد العقل منكر لأحد المثلين مع إثبات ما هو أولى منه، فهذا دليل عقلي واضح على المعاد. وقد ذكر الدليل النقلي فقال: { وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا } أي: وعده صادق لا بد من إتمامه { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم بما أمرهم الله بالإيمان به. { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم، من واجبات، ومستحبات، { بِالْقِسْطِ } أي: بإيمانهم وأعمالهم، جزاء قد بينه لعباده، وأخبر أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } بآيات الله وكذبوا رسل الله. { لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ } أي: ماء حار، يشوي الوجوه، ويقطع الأمعاء. { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } من سائر أصناف العذاب { بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } أي: بسبب كفرهم وظلمهم، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):