Verse. 1368 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اِلَيْہِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيْعًا۝۰ۭ وَعْدَ اللہِ حَقًّا۝۰ۭ اِنَّہٗ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيْدُہٗ لِيَجْزِيَ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ بِالْقِسْطِ۝۰ۭ وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَھُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيْمٍ وَّعَذَابٌ اَلِيْمٌۢ بِمَا كَانُوْا يَكْفُرُوْنَ۝۴
Ilayhi marjiAAukum jameeAAan waAAda Allahi haqqan innahu yabdao alkhalqa thumma yuAAeeduhu liyajziya allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati bialqisti waallatheena kafaroo lahum sharabun min hameemin waAAathabun aleemun bima kanoo yakfuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إليه» تعالى «مرجعكم وعد الله حقا» مصدران منصوبان بفعلهما المقدر «إنه» بالكسر استئنافاً والفتح على تقدير اللام «يبدأ الخلق» أي بدأه بالإنشاء «ثم يعيده» بالبعث «ليجزي» يثيب «الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم» ماء بالغ نهاية الحرارة «وعذاب أليم» مؤلم «بما كانوا يكفرون» أي بسبب كفرهم.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الدلائل الدالة على إثبات المبدأ، أردفه بما يدل على صحة القول بالمعاد. وفيه مسائل: المسألة الأولى: في بيان أن إنكار الحشر والنشر ليس من العلوم البديهية، ويدل عليه وجوه: الأول: أن العقلاء اختلفوا في وقوعه وعدم وقوعه. وقال بإمكانه عالم من الناس، وهم جمهور أرباب الملل والأديان. وما كان معلوم الامتناع بالبديهة امتنع وقوع الاختلاف فيه. الثاني: أنا إذا رجعنا إلى عقولنا السليمة، وعرضنا عليها أن الواحد ضعف الاثنين، وعرضنا عليها أيضاً هذه القضية، لم نجد هذه القضية في قوة الامتناع مثل القضية الأولى. الثالث: أنا إما أن نقول بثبوت النفس الناطقة أولا نقول به. فإن قلنا به فقد زال الإشكال بالكلية، فإنه كما لا يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى، لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى. وإن أنكرنا القول بالنفس فالاحتمال أيضاً قائم، لأنه لا يبعد أن يقال إنه سبحانه يركب تلك الأجزاء المفرقة تركيباً ثانياً، ويخلق الأنسان الأول مرة أخرى. والرابع: أنه سبحانه ذكر أمثلة كثيرة دالة على إمكان الحشر والنشر ونحن نجمعها ههنا. فالمثال الأول: أنا نرى الأرض خاشعة وقت الخريف، ونرى اليبس مستولياً عليها بسبب شدة الحر في الصيف. ثم إنه تعالى ينزل المطر عليها وقت الشتاء والربيع، فتصير بعد ذلك متحلية بالأزهار العجيبة والأنوار الغريبة كما قال تعالى: { أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } تفسير : [فاطر: 9] وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسير : [الحج: 5] إلى قوله: { أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [الحج: 6] وثالثها: قوله تعالى: { أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يهيج فتراه مصفراً ثم يجعله حطاماً إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب } تفسير : [الزمر: 21] والمراد كونه منبهاً على أمر المعاد. ورابعها: قوله: { أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ } تفسير : [عبس: 21 ـ 24] وقال عليه السلام: « حديث : إذا رأيتم الربيع فأكثروا ذكر النشور » تفسير : ولم تحصل المشابهة بين الربيع وبين النشور إلا من الوجه الذي ذكرناه. المثال الثاني: ما يجده كل واحد منا من نفسه من الزيادة والنمو بسبب السمن، ومن النقصان والذبول بسبب الهزال، ثم إنه قد يعود إلى حالته الأولى بالسمن. وإذا ثبت هذا فنقول: ما جاز تكون بعضه لم يمتنع أيضاً تكون كله، ولما ثبت ذلك ظهر أن الإعادة غير ممتنعة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : وَنُنشِئَكُمْ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [الواقعة: 61] يعني أنه سبحانه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أولاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نقصانه. فوجب القطع أيضاً بأنه لا يمتنع عليه سبحانه إعادتكم بعد البلى في القبور لحشر يوم القيامة. المثال الثالث: أنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلقنا ابتداء من غير مثال سبق، فلأن يكون قادراً على إيجادنا مرة أخرى مع سبق الإيجاد الأول كان أولى، وهذا الكلام قرره تعالى في آيات كثيرة، منها في هذه الآية وهو قوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } وثانيها: قوله تعالى في سورة يس: { أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يس: 79] وثالثها: قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 62] ورابعها: قوله تعالى: { أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [ق: 15] وخامسها: قوله تعالى: { أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يُمْنَىٰ } تفسير : [القيامة: 36، 37] إلى قوله: { أية : أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِىَ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [القيامة: 40] وسادسها: قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ } تفسير : [الحج: 5] إلى قوله: { أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ } تفسير : [الحج: 6، 7] فاستشهد تعالى في هذه الآية على صحة الحشر بأمور: الأول: أنه استدل بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني وهو قوله: {إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ } كأنه تعالى يقول: لما حصل الخلق الأول بانتقال هذه الأجسام من أحوال إلى أحوال أخرى فلم لا يجوز أن يحصل الخلق الثاني بعد تغيرات كثيرة، واختلافات متعاقبة؟ والثاني: أنه تعالى شبهها بإحياء الأرض الميتة. والثالث: أنه تعالى هو الحق وإنما يكون كذلك لو كان كامل القدرة تام العلم والحكمة. فهذه هي الوجوه المستنبطة من هذه الآية على إمكان صحة الحشر والنشر. والآية السابعة: في هذا الباب قوله تعالى: { أية : قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الإسراء: 50، 51]. المثال الرابع: أنه تعالى لما قدر على تخليق ما هو أعظم من أبدان الناس فكيف يقال: إنه لا يقدر على إعادتها؟ فإن من كان الفعل الأصعب عليه سهلاً، فلأن يكون الفعل السهل الحقير عليه سهلاً كان أولى وهذا المعنى مذكور في آيات كثيرة: منها: قوله تعالى: { أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يس: 81] وثانيها: قوله تعالى: { أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [الأحقاف: 33] وثالثها: { أية : أَأَنتُم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 27]. المثال الخامس: الاستدلال بحصول اليقظة شبيهة بالحياة بعد النوم على جواز الحشر والنشر، فإن النوم أخو الموت، واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت. قال تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنعام: 60] ثم ذكر عقيبه أمر الموت والبعث، فقال: { أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } تفسير : [الأنعام: 61، 62] وقال في آية أخرى {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِـهَا } تفسير : إلى قوله: { أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [الزمر: 42] والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر. المثال السادس: أن الإحياء بعد الموت لا يستنكر إلا من حيث إنه يحصل الضد بعد حصول الضد، إلا أن ذلك غير مستنكر في قدرة الله تعالى، لأنه لما جاز حصول الموت عقيب الحياة فكيف يستبعد حصول الحياة مرة أخرى بعد الموت؟ فإن حكم الضدين واحد. قال تعالى مقرراً لهذا المعنى: { أية : نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } تفسير : [الواقعة: 60] وأيضاً نجد النار مع حرها ويبسها تتولد من الشجر الأخضر مع برده ورطوبته فقال: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ } تفسير : [يس: 80] فكذا ههنا، فهذا جملة الكلام في بيان أن القول بالمعاد، وحصول الحشر والنشر غير مستبعد في العقول. المسألة الثانية: في إقامة الدلالة على أن المعاد حق واجب. اعلم أن الأمة فريقان منهم من يقول: يجب عقلاً أن يكون إله العالم رحيماً عادلاً منزهاً عن الإيلام والإضرار، إلا لمنافع أجل وأعظم منها، ومنهم من ينكر هذه القاعدة ويقول: لا يجب على الله تعالى شيء أصلاً، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. أما الفريق الأول: فقد احتجوا على وجود المعاد من وجوه. الحجة الأولى: أنه تعالى خلق الخلق وأعطاهم عقولاً بها يميزون بين الحسن والقبيح، وأعطاهم قدراً بها يقدرون على الخير والشر. وإذا ثبت هذا فمن الواجب في حكمة الله تعالى وعدله أن يمنع الخلق عن شتم الله وذكره بالسوء، وأن يمنعهم عن الجهل والكذب وإيذاء أنبيائه وأوليائه، والصالحين من خلقه. ومن الواجب في حكمته أن يرغبهم في الطاعات والخيرات والحسنات، فإنه لو لم يمنع عن تلك القبائح، ولم يرغب في هذه الخيرات، قدح ذلك في كونه محسناً عادلاً ناظراً لعباده. ومن المعلوم أن الترغيب في الطاعات لا يمكن إلا بربط الثواب بفعلها، والزجر عن القبائح لا يمكن إلا بربط العقاب بفعلها، وذلك الثواب المرغب فيه، والعقاب المهدد به غير حاصل في دار الدنيا. فلا بد من دار أخرى يحصل فيها هذا الثواب، وهذا العقاب، وهو المطلوب، وإلا لزم كونه كاذباً، وأنه باطل. وهذا هو المراد من الآية التي نحن فيها وهي قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط}. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه يكفي في الترغيب في فعل الخيرات، وفي الردع عن المنكرات ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات ولا حاجة مع ذلك إلى الوعد والوعيد؟ سلمنا أنه لا بد من الوعد والوعيد، فلم لا يجوز أن يقال: الغرض منه مجرد الترغيب والترهيب ليحصل به نظام العالم كما قال تعالى: { أية : ذٰلِكَ يُخَوّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ } تفسير : [الزمر: 16] فإما أن يفعل تعالى ذلك فما الدليل عليه؟ قوله لو لم يفعل ما أخبر عنه من الوعد والوعيد لصار كلامه كذباً فنقول: ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن لقيام الدلالة على وجوب ذلك التخصيص فإن كان هذا كذباً وجب فيما تحكمون به من تلك التخصيصات أن يكون كذباً؟ سلمنا أنه لا بد وأن يفعل الله تعالى ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال: إن ذلك الثواب والعقاب عبارة عما يصل إلى الإنسان من أنواع الراحات واللذات ومن أنواع الآلام والأسقام، وأقسام الهموم والغموم؟ والجواب عن السؤال الأول: أن العقل وإن كان يدعوه إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوانه إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية واللذات الجسدانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح قوي ومعاضد كامل، وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد والثواب والعقاب على الفعل والترك. والجواب عن السؤال الثاني: أنه إذا جوز الإنسان حصول الكذب على الله تعالى فحينئذ لا يحصل من الوعد رغبة، ولا من الوعيد رهبة، لأن السامع يجوز كونه كذباً. والجواب عن السؤال الثالث: أن العبد ما دامت حياته في الدنيا فهو كالأجير المشتغل بالعمل. والأجير حال اشتغاله بالعمل لا يجوز دفع الأجرة بكمالها إليه، لأنه إذا أخذها فإنه لا يجتهد في العمل. وأما إذا كان محل أخذ الأجرة هو الدار الآخرة كان الاجتهاد في العمل أشد وأكمل، وأيضاً نرى في هذه الدنيا أن أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بأنواع الغموم والهموم والأحزان، وأجهلهم وأفسقهم في اللذات والمسرات، فعلمنا أن دار الجزاء يمتنع أن تكون هذه الدار فلا بد من دار أخرى، ومن حياة أخرى، ليحصل فيها الجزاء. الحجة الثانية: أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن وبين المسيء، وأن لا يجعل من كفر به، أو جحده بمنزلة من أطاعه، ولما وجب إظهار هذه التفرقة فحصول هذه التفرقة إما أن يكون في دار الدنيا، أو في دار الآخرة، والأول باطل. لأنا نرى الكفار والفساق في الدنيا في أعظم الراحات، ونرى العلماء والزهاد بالضد منه، ولهذا المعنى قال تعالى: { أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف: 33] فثبت أنه لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، وهو المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} وهو المراد أيضاً بقوله تعالى في سورة طه: { أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 15] وبقوله تعالى في سورة ص: { أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص: 28]. فإن قيل: أما أنكرتم أن يقال إنه تعالى لا يفصل بين المحسن وبين المسيء في الثواب والعقاب كما لم يفصل بينهما في حسن الصورة وفي كثرة المال؟ والجواب: أن هذا الذي ذكرته مما يقوي دليلنا، فإنه ثبت في صريح العقل وجوب التفرقة، ودل الحس على أنه لم تحصل هذه التفرقة في الدنيا، بل كان الأمر على الضد منه، فإنا نرى العالم والزاهد في أشد البلاء، ونرى الكافر والفاسق في أعظم النعم. فعلمنا أنه لا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا التفاوت، وأيضاً لا يبعد أن يقال إنه تعالى علم أن هذا الزاهد العابد لو أعطاه ما دفع إلى الكافر الفاسق لطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا، وأن ذلك الكافر الفاسق لو زاد عليه في التضييق لزاد في الشر وإليه الإشارة بقوله تعالى: { أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى ٱلاْرْضِ } تفسير : [الشورى: 27]. الحجة الثالثة: أنه تعالى كلف عبيده بالعبودية فقال: { أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] والحكيم إذا أمر عبده بشيء، فلا بد وأن يجعله فارغ الباب منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تلك التكاليف، والناس جبلوا على طلب اللذات وتحصيل الراحات لأنفسهم، فلو لم يكن لهم زاجر من خوف المعاد لكثر الهرج والمرج ولعظمت الفتن، وحينئذ لا يتفرغ المكلف للاشتغال بأداء العبادات. فوجب القطع بحصول دار الثواب والعقاب لتنتظم أحوال العالم حتى يقدر المكلف على الاشتغال بأداء العبودية. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال إنه يكفي في بقاء نظام العالم مهابة الملوك وسياساتهم؟ وأيضاً فالأوباش يعلمون أنهم لو حكموا بحسن الهرج والمرج. لانقلب الأمر عليهم ولقدر غيرهم على قتلهم، وأخذ أموالهم، فلهذا المعنى يحترزون عن إثارة الفتن. والجواب: أن مجرد مهابة السلاطين لا تكفي في ذلك، وذلك لأن السلطان إما أن يكون قد بلغ في القدرة والقوة إلى حيث لا يخاف من الرعية، وإما أن يكون خائفاً منهم، فإن كان لا يخاف الرعية مع أنه لا خوف له من المعاد، فحينئذ يقدم على الظلم والإيذاء على أقبح الوجوه، لأن الداعية النفسانية قائمة، ولا رادع له في الدنيا ولا في الآخرة، وأما إن كان يخاف الرعية فحينئذ الرعية لا يخافون منه خوفاً شديداً، فلا يصير ذلك رادعاً لهم عن القبائح والظلم. فثبت أن نظام العالم لا يتم ولا يكمل إلا بالرغبة في المعاد والرهبة عنه. الحجة الرابعة: أن السلطان القاهر إذا كان له جمع من العبيد، وكان بعضهم أقوياء وبعضهم ضعفاء، وجب على ذلك السلطان إن كان رحيماً ناظراً مشفقاً عليهم أن ينتصف للمظلوم الضعيف من الظالم القادر القوي، فإن لم يفعل ذلك كان راضياً بذلك الظلم، والرضا بالظلم لا يليق بالرحيم الناظر المحسن. إذا ثبت هذا فنقول: إنه سبحانه سلطان قاهر قادر حكيم منزه عن الظلم والعبث. فوجب أن ينتصف لعبيده المظلومين من عبيده الظالمين، وهذا الانتصاف لم يحصل في هذه الدار، لأن المظلوم قد يبقى في غاية الذلة والمهانة، والظالم يبقى في غاية العزة والقدرة، فلا بد من دار أخرى يظهر فيها هذا العدل وهذا الإنصاف، وهذه الحجة يصلح جعلها تفسيراً لهذه الآية التي نحن في تفسيرها. فإن قالوا: إنه تعالى لما أقدر الظالم على الظلم في هذه الدار، وما أعجزه عنه، دل على كونه راضياً بذلك الظلم. قلنا: الإقدار على الظلم عين الإقدار على العدل والطاعة، فلو لم يقدره تعالى على الظلم لكان قد أعجزه عن فعل الخيرات والطاعات، وذلك لا يليق بالحكيم، فوجب في العقل إقداره على الظلم والعدل، ثم إنه تعالى ينتقم للمظلوم من الظالم. الحجة الخامسة: أنه تعالى خلق هذا العالم وخلق كل من فيه من الناس فإما أن يقال: إنه تعالى خلقهم لا لمنفعة ولا لمصلحة، أو يقال: إنه تعالى خلقهم لمصلحة ومنفعة.والأول: يليق بالرحيم الكريم. والثاني: وهو أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير، فذلك الخير والمصلحة إما أن يحصل في هذه الدنيا أو في دار أخرى، والأول باطل من وجهين: الأول: أن لذات هذا العالم جسمانية، واللذات الجسمانية لا حقيقية لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي، وهذا العدم كان حاصلاً حال كون كل واحد من الخلائق معدوماً، وحينئذ لا يبقى للتخليق فائدة. والثاني: أن لذات هذا العالم ممزوجة بالآلام والمحن، بل الدنيا طافحة بالشرور والآفات والمحن والبليات، واللذة فيها كالقطرة في البحر. فعلمنا أن الدار التي يصل فيها الخلق إلى تلك الراحات المقصودة دار أخرى سوى دار الدنيا. فإن قالوا: أليس أنه تعالى يؤلم أهل النار بأشد العذاب لا لأجل مصلحة وحكمة؟ فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يخلق الخلق في هذا العالم لا لمصلحة ولا لحكمة. قلنا: الفرق أن ذلك الضرر ضرر مستحق على أعمالهم الخبيثة. وأما الضرر الحاصل في الدنيا فغير مستحق، فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة ومنافع جابرة لتلك المضار السالفة، وإلا لزم أن يكون الفاعل شريراً مؤذياً، وذلك ينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. الحجة السادسة: لو لم يحصل للإنسان معاد لكان الإنسان أخس من جميع الحيوانات في المنزلة والشرف. واللازم باطل، فالملزوم مثله. بيان الملازمة أن مضار الإنسان في الدنيا أكثر من مضار جميع الحيوانات، فإن سائر الحيوانات قبل وقوعها في الآلام والأسقام تكون فارغة البال طيبة النفس، لأنه ليس لها فكر وتأمل. أما الإنسان فإنه بسبب ما يحصل له من العقل يتفكر أبداً في الأحوال الماضية والأحوال المستقبلة، فيحصل له بسبب أكثر الأحوال الماضية أنواع من الحزن والأسف، ويحصل له بسبب أكثر الأحوال الآتية أنواع من الخوف، لأنه لا يدري أنه كيف تحدث الأحوال. فثبت أن حصول العقل للإنسان سبب لحصول المضار العظيمة في الدنيا والآلام النفسانية الشديدة القوية. وأما اللذات الجسمانية فهي مشتركة بين الناس وبين سائر الحيوانات، لأن السرقين في مذاق الجعل طيب، كما أن اللوزينج في مذاق الإنسان طيب. إذا ثبت هذا فنقول: لو لم يحصل للإنسان معاد به تكمل حالته وتظهر سعادته، لوجب أن يكون كمال العقل، سبباً لمزيد الهموم والغموم والأحزان من غير جابر يجبر، ومعلوم أن كل ما كان كذلك فإنه يكون سبباً لمزيد الخسة والدناءة والشقاء والتعب الخالية عن المنفعة. فثبت أنه لولا حصول السعادة الأخروية لكان الأنسان أخس الحيوانات حتى الخنافس والديدان، ولما كان ذلك باطلاً قطعاً، علمنا أنه لا بد من الدار الآخرة، وأن الإنسان خلق للآخرة لا للدنيا، وأنه بعقله يكتسب موجبات السعادات الأخروية. فلهذا السبب كان العقل شريفاً. الحجة السابعة: أنه تعالى قادر على إيصال النعم إلى عبيده على وجهين: أحدهما: أن تكون النعم مشوبة بالآفات والأحزان. والثاني: أن تكون خالصة عنها، فلما أنعم الله تعالى في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علينا بالمرتبة الثانية في دار أخرى، إظهاراً لكمال القدرة والرحمة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين، ويزيل الغموم والهموم والشهوات والشبهات. والذي يقوي ذلك، ويقرر هذا الكلام أن الإنسان حين كان جنيناً في بطن أمه، كان في أضيق المواضع وأشدها عفونة وفساداً، ثم إذا خرج من بطن أمه كانت الحالة الثانية أطيب وأشرف من الحالة الأولى، ثم إنه عند ذلك يوضع في المهد ويشد شداً وثيقاً، ثم بعد حين يخرج من المهد ويعدو يميناً وشمالاً، وينتقل من تناول اللبن إلى تناول الأطعمة الطيبة، وهذه الحالة الثالثة لا شك أنها أطيب من الحالة الثانية، ثم إنه بعد حين يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق، أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، ولا شك أن هذه الحالة الرابعة أطيب وأشرف من الحالة الثالثة. وإذا ثبت هذا وجب بحكم هذا الاستقراء أن يقال: الحالة الحاصلة بعد الموت تكون أشرف وأعلى وأبهج من اللذات الجسدانية والخيرات الجسمانية. الحجة الثامنة: طريقة الاحتياط، فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له، فإن كان هذا المذهب حقاً، فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً، لم يضرنا هذا الاعتقاد. غاية ما في الباب أن يقال إنه تفوتنا هذه اللذات الجسمانية إلا أنا نقول يجب على العاقل أن لا يبالي بفوتها لأمرين أحدهما: أنها في غاية الخساسة لأنها مشترك فيها بين الخنافس والديدان والكلاب. والثاني: أنها منقطعة سريعة الزوال. فثبت أن الاحتياط ليس إلا في الإيمان بالمعاد، ولهذا قال الشاعر: شعر : قال المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأموات قلت إليكما إن صح لكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما تفسير : الحجة التاسعة: اعلم أن الحيوان ما دام يكون حيواناً، فإنه إن قطع منه شيء مثل ظفر أو ظلف أو شعر، فإنه يعود ذلك الشيء، وإن جرح اندمل، ويكون الدم جارياً في عروقه وأعضائه جريان الماء في عروق الشجر وأغصانه، ثم إذا مات انقلبت هذه الأحوال، فإن قطع منه شيء من شعره أو ظفره لم ينبت، وإن جرح لم يندمل ولم يلتحم، ورأيت الدم يتجمد في عروقه، ثم بالآخرة يؤول حاله إلى الفساد والانحلال. ثم إنا لما نظرنا إلى الأرض وجدناها شبيهة بهذه الصفة، فإنا نراها في زمان الربيع تفور عيونها وتربو تلالها وينجذب الماء إلى أغصان الأشجار وعروقها، والماء في الأرض بمنزلة الدم الجاري في بدن الحيوان، ثم تخرج أزهارها وأنوارها وثمارها كما قال تعالى: { أية : فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } تفسير : [الحج: 5] وإن جذ من نباتها شيء أخلف ونبت مكانه آخر مثله، وإن قطع غصن من أغصان الأشجار أخلف، وإن جرح التأم، وهذه الأحوال شبيهة بالأحوال التي ذكرناها للحيوان. ثم إذا جاء الشتاء واشتد البرد غارت عيونها وجفت رطوبتها وفسدت بقولها، ولو قطعنا غصناً من شجرة ما أخلف، فكانت هذه الأحوال شبيهة بالموت بعد الحياة. ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة، فإذا عقلنا هذه المعاني في إحدى الصورتين، فلم لا نعقل مثله في الصورة الثانية، بل نقول لا شك أن الإنسان أشرف من سائر الحيوانات، والحيوان أشرف من النبات، وهو أشرف من الجمادات. فإذا حصلت هذه الأحوال في الأرض، فلم لا يجوز حصولها في الإنسان؟ فإن قالوا: إن أجساد الحيوان تتفرق وتتمزق بالموت، وأما الأرض فليست كذلك. فالجواب: أن الإنسان عبارة عن النفس الناطقة، وهو جوهر باق، أو إن لم نقل بهذا المذهب فهو عبارة عن أجزاء أصلية باقية من أول وقت تكون الجنين إلى آخر العمر، وهي جارية في البدن، وتلك الأجزاء باقية، فزال هذا السؤال. الحجة العاشرة: لا شك أن بدن الحيوان إنما تولد من النطفة، وهذه النطفة إنما اجتمعت من جميع البدن، بدليل أن عند انفصال النطفة يحصل الضعف والفتور في جميع البدن، ثم إن مادة تلك النطفة إنما تولدت من الأغذية المأكولة، وتلك الأغذية إنما تولدت من الأجزاء العنصرية وتلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، واتفق لها أن اجتمعت، فتولد منها حيوان أو نبات فأكله إنسان، فتولد منه دم فتوزع ذلك الدم على أعضائه، فتولد منها أجزاء لطيفة. ثم عند استيلاء الشهوة سال من تلك الرطوبات مقدار معين، وهو النطفة، فانصب إلى فم الرحم، فتولد منه هذا الإنسان، فثبت أن الأجزاء التي منها تولد بدن الأنسان كانت متفرقة في البحار والجبال وأوج الهواء، ثم إنها اجتمعت بالطريق المذكور، فتولد منها هذا البدن، فإذا مات تفرقت تلك الأجزاء على مثال التفرق الأول. وإذا ثبت هذا فنقول وجب القطع أيضاً بأنه لا يمتنع أن يجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول، وأيضاً، فذلك المني لما وقع في رحم الأم، فقد كان قطرة صغيرة ثم تولد منه بدن الإنسان وتعلقت الروح به حال ما كان ذلك البدن في غاية الصغر، ثم إن ذلك البدن لا شك أنه في غاية الرطوبة، ولا شك أنه يتحلل منه أجزاء كثيرة بسبب عمل الحرارة الغريزية فيها، وأيضاً فتلك الأجزاء البدنية الباقية أبداً في طول العمر تكون في التحلل، ولولا ذلك لما حصل الجوع، ولما حصلت الحاجة إلى الغذاء، مع أنا نقطع بأن هذا الإنسان الشيخ، هو عين ذلك الإنسان الذي كان في بطن أمه. ثم انفصل، وكان طفلاً ثم شاباً، فثبت أن الأجزاء البدنية دائمة التحلل، وأن الإنسان هو هو بعينه. فوجب القطع بأن الإنسان، إما أن يكون جوهراً مفارقاً مجرداً، وإما أن يكون جسماً نورانياً لطيفاً باقياً مع تحلل هذا البدن، فإذا كان الأمر كذلك فعلى التقديرين لا يمتنع عوده إلى الجثة مرة أخرى، ويكون هذا الإنسان العائد عين الإنسان الأول، فثبت أن القول بالمعاد صدق. الحجة الحادية عشر: ما ذكره الله تعالى في قوله: { أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ } تفسير : [يس: 77] واعلم أن قوله سبحانه: { أية : خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍ } تفسير : [يس: 77] إشارة إلى ما ذكرناه في الحجة العاشرة من أن تلك الأجزاء كانت متفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فجمعها الله تعالى وخلق من تركيبها هذا الحيوان، والذي يقويه قوله سبحانه: { أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 12، 13] فإن تفسيره هذه الآية إنما يصح بالوجه الذي ذكرناه، وهو أن السلالة من الطين يتكون منها نبات، ثم إن ذلك النبات يأكله الإنسان فيتولد منه الدم، ثم الدم ينقلب نطفة، فبهذا الطريق ينتظم ظاهر هذه الآية. ثم إنه سبحانه بعد أن ذكر هذا المعنى حكى كلام المنكر، وهو قوله تعالى: { أية : قَالَ مَن يُحىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌ } تفسير : [يس: 78] ثم إنه تعالى بين إمكان هذا المذهب. واعلم أن إثبات إمكان الشيء لا يعقل إلا بطريقين: أحدهما: أن يقال: إن مثله ممكن، فوجب أن يكون هذا أيضاً ممكناً. والثاني: أن يقال: إن ما هو أعظم منه وأعلى حالاً منه، فهو أيضاً ممكن. ثم إنه تعالى ذكر الطريق الأول أولاً فقال: { أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } تفسير : [يس: 79] ثم فيه دقيقة وهي أن قوله: { قُلْ يُحْيِيهَا } إشارة إلى كمال القدرة، وقوله: { وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } إشارة إلى كمال العلم. ومنكرو الحشر والنشر لا ينكرونه إلا لجهلهم بهذين الأصلين، لأنهم تارة يقولون: إنه تعالى موجب بالذات، والموجب بالذات لا يصح منه القصد إلى التكوين، وتارة يقولون إنه يمتنع كونه عالماً بالجزئيات، فيمتنع منه تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، ولما كانت شبه الفلاسفة مستخرجة من هذين الأصلين، لا جرم كلما ذكر الله تعالى مسألة المعاد أردفه بتقرير هذين الأصلين ثم إنه تعالى ذكر بعده الطريق الثاني، وهو الاستدلال بالأعلى على الأدنى، وتقريره من وجهين: الأول: أن الحياة لا تحصل إلا بالحرارة والرطوبة، والتراب بارد يابس، فحصلت المضادة بينهما. إلا أنا نقول: الحرارة النارية أقوى في صفة الحرارة من الحرارة الغريزية، فلما لم يمتنع تولد الحرارة النارية عن الشجر الأخضر مع كمال ما بينهما من المضادة، فكيف يمتنع حدوث الحرارة الغريزية في جرم التراب؟ الثاني: قوله تعالى: { أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يس: 81] بمعنى أنه لما سلمتم أنه تعالى هو الخالق لأجرام الأفلاك والكواكب، فكيف يمكنكم الامتناع عن كونه قادراً على الحشر والنشر؟ ثم إنه تعالى حسم مادة الشبهات بقوله: { أية : إِنَّمَا أَمْرُه إذا أراد شيئاً أن يقول لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [يس:82] والمراد أن تخليقه وتكوينه لا يتوقف على حصول الآلات والأدوات ونطفة الأب ورحم الأم، والدليل عليه أنه خلق الأب الأول، لا عن أب سابق عليه، فدل ذلك على كونه سبحانه غنياً في الخلق والإيجاد والتكوين عن الوسائط والآلات. ثم قال سبحانه: { أية : فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [يس: 83] أي سبحانه من أن لا يعيدهم ويهمل أمر المظلومين، ولا ينتصف للعاجزين من الظالمين، وهو المعنى المذكور في هذه الآية التي نحن في تفسيرها، وهي قوله سبحانه: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط }. الحجة الثانية عشر: دلت الدلائل على أن العالم محدث ولا بد له من محدث قادر، ويجب أن يكون عالماً، لأن الفعل المحكم المتقن لا يصدر إلا من العالم، ويجب أن يكون غنياً عنها وإلا لكان قد خلقها في الأزل وهو محال، فثبت أن لهذا العالم إلهاً قادراً عالماً غنياً، ثم لما تأملنا فقلنا: هل يجوز في حق هذا الحكيم الغني عن الكل أن يهمل عبيده ويتركهم سدى، ويجوز لهم أن يكذبوا عليه ويبيح لهم أن يشتموه ويجحدوا ربوبيته، ويأكلوا نعمته، ويعبدوا الجبت والطاغوت، ويجعلوا له أنداداً وينكروا أمره ونهيه ووعده ووعيده؟ فههنا حكمت بديهة العقل بأن هذه المعاني لا تليق إلا بالسفيه الجاهل البعيد من الحكمة. القريب من العبث، فحكمنا لأجل هذه المقدمة أن له أمراً ونهياً، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له أمر ونهي مع أنه لا يكون له وعد ووعيد؟ فحكم صريح العقل بأن ذلك غير جائز لأنه إن لم يقرن الأمر بالوعد بالثواب، ولم يقرن النهي بالوعيد بالعقاب لم يتأكد الأمر والنهي، ولم يحصل المقصود. فثبت أنه لا بد من وعد ووعيد، ثم تأملنا فقلنا: هل يجوز أن يكون له وعد ووعيد ثم إنه لا يفي بوعده لأهل الثواب، ولا بوعيده لأهل العقاب: فقلنا: إن ذلك لا يجوز، لأنه لو جاز ذلك لما حصل الوثوق بوعده ولا بوعيده، وهذا يوجب أن لا يبقى فائدة في الوعد والوعيد، فعلمنا أنه لا بد من تحقيق الثواب والعقاب، ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالحشر والبعث، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فهذه مقدمات يتعلق بعضها ببعض كالسلسلة متى صح بعضها صح كلها، ومتى فسد بعضها فسد كلها، فدل مشاهدة أبصارنا لهذه التغيرات على حدوث العالم، ودل حدوث العالم على وجود الصانع الحكيم الغني، ودل ذلك على وجود الأمر والنهي، ودل ذلك على وجود الثواب والعقاب، ودل ذلك على وجوب الحشر. فإن لم يثبت الحشر أدى ذلك إلى بطلان جميع المقدمات المذكورة ولزم إنكار العلوم البديهية وإنكار العلوم النظرية القطعية. فثبت أنه لا بد لهذه الأجساد البالية والعظام النخرة والأجزاء المتفرقة المتمزقة من البعث بعد الموت، ليصل المحسن إلى ثوابه والمسيء إلى عقابه، فإن لم تحصل هذه الحالة لم يحصل الوعد والوعيد، وإن لم يحصلا لم يحصل الأمر والنهي، وإن لم يحصلا لم تحصل الإلهية، وإن لم تحصل الإلهية لم تحصل هذه التغيرات في العالم. وهذه الحجة هي المراد من الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} هذا كله تقرير إثبات المعاد بناء على أن لهذا العالم إلهاً رحيماً ناظراً محسناً إلى العباد. أما الفريق الثاني: وهم الذين لا يعللون أفعال الله تعالى برعاية المصالح، فطريقهم إلى إثبات المعاد أن قالوا: المعاد أمر جائز الوجود، والأنبياء عليهم السلام أخبروا عنه، فوجب القطع بصحته، أما إثبات الإمكان فهو مبني على مقدمات ثلاثة: المقدمة الأولى: البحث عن حال القابل فنقول: الإنسان إما أن يكون عبارة عن النفس أو عن البدن، فإن كان عبارة عن النفس وهو القول الحق، فنقول: لما كان تعلق النفس بالبدن في المرة الأولى، جائزاً كان تعلقها بالبدن في المرة الثانية يجب أن يكون جائزاً. وهذا الكلام لا يختلف، سواء قلنا النفس عبارة عن جوهر مجرد، أو قلنا: إنه جسم لطيف مشاكل لهذا البدن باق في جميع أحوال البدن مصون عن التحلل والتبدل، وأما إن كان الأنسان عبارة عن البدن، وهذا القول أبعد الأقاويل فنقول: إن تألف تلك الأجزاء على الوجه المخصوص في المرة الأولى كان ممكناً، فوجب أيضاً أن يكون في المرة الثانية ممكناً، فثبت أن عود الحياة إلى هذا البدن مرة أخرى أمره ممكن في نفسه. وأما المقدمة الثانية: فهي في بيان أن إله العالم قادر مختار. لا علة موجبة، وأن هذا القادر قادر على كل الممكنات. وأما المقدمة الثالثة: فهي في بيان أن إله العالم عالم بجميع الجزئيات، فلا جرم أجزاء بدن زيد وإن اختطلت بأجزاء التراب، والبحار إلا أنه تعالى لما كان عالماً بالجزئيات أمكنه تمييز بعضها عن بعض. ومتى ثبتت هذه المقدمات الثلاثة، لزم القطع بأن الحشر والنشر أمر ممكن في نفسه. وإذا ثبت هذا الإمكان فنقول: دل الدليل على صدق الأنبياء وهم قطعوا بوقوع هذا الممكن، فوجب القطع بوقوعه، وإلا لزمنا تكذيبهم، وذلك باطل بالدلائل الدالة على صدقهم، فهذا خلاصة ما وصل إليه عقلنا في تقرير أمر المعاد. المسألة الثالثة: في الجواب عن شبهات المنكرين للحشر والنشر. الشبهة الأولى: قالوا: لو بدلت هذه الدار بدار أخرى لكانت تلك الدار إما أن تكون مثل هذه الدار أو شراً منها أو خيراً منها، فإن كان الأول كان التبديل عبثاً، وإن كان شراً منها كان هذا التبديل سفهاً، وإن كان خيراً منها ففي أول الأمر هل كان قادراً على خلق ذلك الأجود أو ما كان قادراً عليه؟ فإن قدر عليه ثم تركه وفعل الأردأ كان ذلك سفهاً، وإن قلنا: إنه ما كان قادراً ثم صار قادراً عليه فقد انتقل من العجز إلى القدرة، أو من الجهل إلى الحكمة، وأن ذلك على خالق العالم محال. والجواب: لم لا يجوز أن يقال تقديم هذه الدار على تلك الدار هو المصلحة، لأن الكمالات النفسانية الموجبة للسعادة الأخروية لا يمكن تحصيلها إلا في هذه الدار، ثم عند حصول هذه الكمالات كان البقاء في هذه الدار سبباً للفساد والحرمان عن الخيرات. الشبهة الثانية: قالوا: حركات الأفلاك مستديرة، والمستدير لا ضد له، وما لا ضد له لا يقبل الفساد. والجواب: أنا أبطلنا هذه الشبهة في الكتب الفلسفية، فلا حاجة إلى الإعادة. والأصل في إبطال أمثال هذه الشبهات أن نقيم الدليل على أن أجرام الأفلاك مخلوقة، ومتى ثبت ذلك ثبت كونها قابلة للعدم والتفرق والتمزق. ولهذا السر، فإنه تعالى في هذه السورة بدأ بالدلائل الدالة على حدوث الأفلاك، ثم أردفها بما يدل على صحة القول بالمعاد. الشبهة الثالثة: الإنسان عبارة عن هذا البدن، وهو ليس عبارة عن هذه الأجزاء كيف كانت، لأن هذه الأجزاء كانت موجودة قبل حدوث هذا الإنسان، مع أنا نعلم بالضرورة أن هذا الإنسان ما كان موجوداً، وأيضاً أنه إذا أحرق هذا الجسد، فإنه تبقى تلك الأجزاء البسيطة، ومعلوم أن مجموع تلك الأجزاء البسيطة من الأرض والماء والهواء والنار، ما كان عبارة عن هذا الإنسان العاقل الناطق، فثبت أن تلك الأجزاء إنما تكون هذا الإنسان بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، ومزاج مخصوص، وصورة مخصوصة، فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصور والأعراض، وعود المعدوم محال. وعلى هذا التقدير فإنه يمتنع عود بعض الأجزاء المعتبرة في حصول هذا الأنسان فوجب أن يمتنع عوده بعينه مرة أخرى. والجواب: لا نسلم أن هذا الأنسان المعين عبارة عن هذا الجسد المشاهد، بل هو عبارة عن النفس. سواء فسرنا النفس بأنه جوهر مفارق مجرد، أو قلنا إنه جسم لطيف مخصوص مشاكل لهذا الجسد مصون عن التغير، والله أعلم به. الشبهة الرابعة: إذا قتل إنسان واغتذى به إنسان آخر. فيلزم أن يقال تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال. والجواب: هذه الشبهة أيضاً مبنية على أن الإنسان المعين عبارة عن مجموع هذا البدن، وقد بينا أنه باطل. بل الحق أنه عبارة عن النفس سواء. قلنا: النفس جوهر مجرد وأجسام لطيفة باقية مشاكلة للجسد، وهي التي سمتها المتكلمون بالأجزاء الأصلية. وهذا آخر البحث العقلي عن مسألة المعاد. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } فيه أبحاث: البحث الأول: أن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية، وظاهره يقتضي أن يكون الله سبحانه مختصاً بحيز وجهة، حتى يصح أن يقال: إليه مرجع الخلق. والجواب عنه من وجوه: الأول: أنا إذا قلنا. النفس جوهر مجرد، فالسؤال زائل. الثاني: أن يكون المراد منه: أن مرجعهم إلى حيث لا حاكم سواه. الثالث: أن يكون المراد: أن مرجعهم إلى حيث حصل الوعد فيه بالمجازاة. البحث الثاني: ظاهر الآيات الكثيرة يدل على أن الإنسان عبارة عن النفس، لا عن البدن، ويدل أيضاً على أن النفس كانت موجودة قبل البدن. أما أن الإنسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء } تفسير : [آل عمران:169] فالعلم الضروري حاصل بأن بدن المقتول ميت، والنص دال على أنه حي، فوجب أن تكون حقيقته شيئاً مغايراً لهذا البدن الميت، وأيضاً قال الله تعالى في صفة نزع روح الكفار { أية : أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } تفسير : [الأنعام: 93] وأما إن النفس كانت موجودة قبل البدن، فلأن قوله تعالى في هذه الآية: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } يدل على ما قلنا، لأن الرجوع إلى الموضع إنما يحصل لو كان ذلك الشيء قد كان هناك قبل ذلك، ونظيره قوله تعالى: { أية : يٱأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً } تفسير : [الفجر: 27، 28] وقوله: { أية : ثُمَّ رُدُّواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلَـٰهُمُ ٱلْحَقّ } تفسير : [الأنعام: 62]. البحث الثالث؛ المرجع بمعنى الرجوع و {جَمِيعاً } نصب على الحال أي ذلك الرجوع يحصل حال الاجتماع، وهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا المرجع الموت، وإنما المراد منه القيامة. البحث الرابع: قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } يفيد الحصر، وأنه لا رجوع إلا إلى الله تعالى، ولا حكم إلا حكمه ولا نافذ إلا أمره، وأما قوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ } منصوب على معنى: وعدكم الله وعداً، لأن قوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } معناه: الوعد بالرجوع، فعلى هذا التقدير يكون قوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ } مصدراً مؤكداً لقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } وقوله: {حَقّاً } مصدراً مؤكداً لقوله: {وَعَدَ ٱللَّهُ } فهذه التأكيدات قد اجتمعت في هذا الحكم. المسألة الثانية: قرىء {وَعَدَ ٱللَّهُ } على لفظ الفعل. واعلم أنه تعالى لما أخبر عن وقوع الحشر والنشر، ذكر بعده ما يدل على كونه في نفسه ممكن الوجود. ثم ذكر بعده ما يدل على وقوعه. أما ما يدل على إمكانه في نفسه فهو قوله سبحانه: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقرير هذا الدليل أنه تعالى بين بالدليل كونه خالقاً للأفلاك والأرضين، ويدخل فيه أيضاً كونه خالقاً لكل ما في هذا العالم من الجمادات والمعادن والنبات والحيوان والإنسان، وقد ثبت في العقل أن كل من كان قادراً على شيء، وكانت قدرته باقية ممتنعة الزوال، وكان عالماً بجميع المعلومات فإنه يمكنه إعادته بعينه، فدل هذا الدليل على أنه تعالى قادر على إعادة الإنسان بعد موته. المسألة الثانية: اتفق المسلمون على أنه تعالى قادر على إعدام أجسام العالم، واختلفوا في أنه تعالى هل يعدمها أم لا؟ فقال قوم إنه تعالى يعدمها، واحتجوا بهذه الآية وذلك لأنه تعالى حكم على جميع المخلوقات بأنه يعيدها، فوجب أن يعيد الأجسام أيضاً، وإعادتها لا تمكن إلا بعد إعدامها، وإلا لزم إيجاد الموجود وهو محال. ونظيره قوله تعالى: { أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء كَطَىّ ٱلسّجِلّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } تفسير : [الأنبياء: 104] فحكم بأن الإعادة تكون مثل الابتداء، ثم ثبت بالدليل أنه تعالى إنما يخلقها في الابتداء من العدم، فوجب أن يقال إنه تعالى يعيدها أيضاً من العدم. المسألة الثالثة: في هذه الآية إضمار، كأنه قيل: إنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة، ثم يميتهم ثم يعيدهم، كما قال في سورة البقرة: { أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يحييكم } تفسير : [البقرة: 28] إلا أنه تعالى حذف ذكر الأمر بالعبادة ههنا، لأجل أنه تعالى قال قبل هذه الآية: { أية : ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ } تفسير : [يونس: 3] وحذف ذكر الإماتة لأن ذكر الأعادة يدل عليها. المسألة الرابعة: قرأ بعضهم {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } بالكسر وبعضهم بالفتح. قال الزجاج: من كسر الهمزة من «أن» فعلى الاستئناف، وفي الفتح وجهان: الأول: أن يكون التقدير: إليه مرجعكم جميعاً لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده. والثاني: أن يكون التقدير: وعد الله وعداً بدأ الخلق ثم إعادته، وقرىء {يُبْدِىء } من أبدأ وقرىء {حَقّ إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ } كقولك: حق إن زيداً منطلق. أما قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} فاعلم أن المقصود منه إقامة الدلالة على أنه لا بد من حصول الحشر والنشر، حتى يحصل الفرق بين المحسن والمسيء، وحتى يصل الثواب إلى المطيع والعقاب إلى العاصي، وقد سبق الاستقصاء في تقرير هذا الدليل، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الكعبي: اللام في قوله تعالى: {ليجزي الذين آمنوا} يدل على أنه تعالى خلق العباد للثواب والرحمة. وأيضاً فإنه أدخل لام التعليل على الثواب. وأما العقاب فما أدخل فيه لام التعليل، بل قال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ } وذلك يدل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وذلك يدل على أنه ما أراد منهم الكفر، وما خلق فيهم الكفر ألبتة. والجواب: أن لام التعليل في أفعال الله تعالى محال، لأنه تعالى لو فعل فعلاً لعلة لكانت تلك العلة، إن كانت قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة لزم التسلسل وهو محال. المسألة الثانية: قال الكعبي أيضاً: هذه الآية تدل على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يبدأ خلقهم في الجنة، لأنه لو حسن إيصال تلك النعم إليهم من غير واسطة خلقهم في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم، لما كان خلقهم وتكليفهم معللاً بإيصال تلك النعم إليهم، وظاهر الآية يدل على ذلك. والجواب: هذا بناء على صحة تعليل أحكام الله تعالى وهو باطل، سلمنا صحته. إلا أن كلامه إنما يصح لو عللنا بدء الخلق وإعادته بهذا المعنى وذلك ممنوع. فلم لا يجوز أن يقال: إنه يبدأ الخلق لمحض التفضل، ثم إنه تعالى يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنة إليهم؟ وعلى هذا التقدير: سقط كلامه. أما قوله تعالى: {بِٱلْقِسْطِ } ففيه وجهان: الوجه الأول: {بِٱلْقِسْطِ } بالعدل، وهو يتعلق بقوله: {لِيَجْزِىَ } والمعنى: ليجزيهم بقسطه، وفيه سؤالان. السؤال الأول: أن القسط إذا كان مفسراً بالعدل، فالعدل هو الذي يكون لا زائداً ولا ناقصاً، وذلك يقتضي أنه تعالى لا يزيدهم على ما يستحقونه بأعمالهم، ولا يعطيهم شيئاً على سبيل التفضل ابتداء. والجواب: عندنا أن الثواب أيضاً محض التفضل. وأيضاً فبتقدير أن يساعد على حصول الاستحقاق، إلا أن لفظ (ٱلْقِسْطَ) يدل على توفية الأجر، فأما المنع من الزيادة فلفظ (ٱلْقِسْطَ) لا يدل عليه. السؤال الثاني: لم خص المؤمنين بالقسط مع أنه تعالى يجازي الكافرين أيضاً بالقسط؟ والجواب: أن تخصيص المؤمنين بذلك يدل على مزيد العناية في حقهم، وعلى كونهم مخصوصين بمزيد هذا الاحتياط. الوجه الثاني: في تفسير الآية أن يكون المعنى: ليجزي الذين آمنوا بقسطهم، وبما أقسطوا وعدلوا ولم يظلموا أنفسهم حيث آمنوا وعملوا الصالحات، لأن الشرك ظلم. قال الله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] والعصاة أيضاً قد ظلموا أنفسهم. قال الله تعالى: { أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } تفسير : [فاطر: 32] وهذا الوجه أقوى، لأنه في مقابلة قوله: {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ }. وأما قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: الحميم: الذي سخن بالنار حتى انتهى حره. يقال: حممت الماء أي سخنته، فهو حميم. ومنه الحمام. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه لا واسطة بين أن يكون المكلف مؤمناً وبين أن يكون كافراً، لأنه تعالى اقتصر في هذه الآية على ذكر هذين القسمين. وأجاب القاضي عنه: بأن ذكر هذين القسمين لا يدل على نفي القسم الثالث. والدليل عليه قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى أربع } تفسير : [النور: 45] ولم يدل ذلك على نفي القسم الرابع، بل نقول: إن في مثل ذلك ربما يذكر المقصود أو الأكثر، ويترك ذكر ما عداه، إذا كان قد بين في موضع آخر. وقد بين الله تعالى القسم الثالث في سائر الآيات. والجواب أن نقول: إنما يترك القسم الثالث الذي يجري مجرى النادر، ومعلوم أن الفساق أكثر من أهل الطاعات، وكيف يجوز ترك ذكرهم في هذا الباب؟ وأما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } فإنما ترك ذكر القسم الرابع والخامس، لأن أقسام ذوات الأرجل كثيرة. فكان ذكرها بأسرها يوجب الإطناب بخلاف هذه المسألة. فإنه ليس ههنا إلا القسم الثالث، وهو الفاسق الذي يزعم الخصم أنه لا مؤمن ولا كافر. فظهر الفرق.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} رفع بالابتداء. {جَمِيعاً} نصب على الحال. ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى جزائه. {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} مصدران؛ أي وعد الله ذلك وعداً وحققه «حقاً» صدقاً لا خلف فيه. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَة «وَعْدُ اللَّه حَقّ» على الاستئناف. قوله تعالى: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} أي من التراب. {ثُمَّ يُعِيدُهُ} إليه. مجاهد: ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث؛ أو ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال. وقرأ يزيد بن القَعْقَاع «أَنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ» تكون «أن» في موضع نصب؛ أي وعدكم أنه يبدأ الخلق. ويجوز أن يكون التقدير لأنه يبدأ الخلق؛ كما يقال: لَبَّيْكَ أنّ الحمد والنعمة لك؛ والكسر أجود. وأجاز الفرّاء أن تكون «أن» في موضع رفع فتكون ٱسماً. قال أحمد بن يحيى: يكون التقدير حقاً إبداؤه الخلق. قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} أي ماء حار قد انتهى حرّه، والحمِيمة مثله. يقال: حَمَمْت الماء أحُمّه فهو حميم، أي محموم؛ فعيل بمعنى مفعول. وكلُّ مُسَخَّن عند العرب فهو حميم. {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ} أي موجِع، يخلص وجعه إلى قلوبهم. {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي بكفرهم، وكان معظم قريش يعترفون بأن الله خالقهم؛ فاحتج عليهم بهذا فقال: من قدر على الابتداء قدر على الإعادة بعد الإفناء أو بعد تفريق الأجزاء.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحداً حتى يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]، {لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي: بالعدل والجزاء الأوفى {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب؛ من سموم وحميم، وظل من يحموم { أية : هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَءَاخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَٰجٌ} تفسير : [ص:57-58] {أية : هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ} تفسير : [الرحمن:43-44].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِلَيْهِ } تعالى {مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً } مصدران منصوبان بفعلهما المقدَّر {إِنَّهُ } بالكسر استئنافاً، والفتح على تقدير اللام {يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ } أي بدأه بالإِنشاء {ثُمَّ يُعِيدُهُ } بالبعث {لِيَجْزِىَ } يثيب {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحـٰتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ } ماء بالغ نهاية الحرارة {وَعَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم {بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } أي بسبب كفرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ} ينشئه ثم يفنيه أو يحييه ثم يميته ثم يبدؤه ثم يحييه.

البقاعي

تفسير : فلما تقرر أنه هو الذي بدأ الخلق، تقرر بذلك أنه قادر على إعادته فقال: {إليه} أي خاصة {مرجعكم} أي رجوعكم وموضع رجوعكم ووقته حال كونكم {جميعاً} لا يتخلف منكم أحد، تقدم وعده لكم بذلك {وعد الله} أي الذي له الكمال كله {حقاً} فهو تعليل لعبادته لوحدانيته، فيحيون بعد الموت ويحشرون إلى موضع جزاء الله تعالى لهم زمانه الذي قدره له، ويرفع ما كان لهم من المكنة في الدنيا، فعلم قطعاً أنه لا بد من الرسول، فاستعدوا للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ثم أوضح التنبيه على قدرته مضمناً له بيان حكمته فقال معللاً لوجوب المرجع إليه مؤكداً عداً لهم في عداد المنكر للابتداء لأجل إنكارهم ما يلزم عنه من تمام القدرة على البعث وغيره: {إنه يبدأ الخلق} أي ينشئه النشأة الأولى، له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل الاستمرار {ثم يعيده} ليقيم العدل في خلقه بأن ينجز لمن عبده، وعده بأن يعزه ويذل عدوه وذلك معنى قوله: {ليجزي}. ولما كان في سياق البعث، قدم أهل الجزاء وبدأ بأشرافهم فقال: {الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن لكل عمل صالح {وعملوا} أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا {الصالحات} جزاء كائناً {بالقسط}، واقتصر على العدل دون الفضل ليفهم أن ترك الحشو مخل بالعمل الذي هو محط الحكمة التي هي أعظم مصالح السورة، والجزاء: الإعطاء بالعمل ما يقتضيه من خير أو شر، فلو كان الإعطاء ابتداء لم يكن جزاء، ولو كان ما لا يقتضيه العمل لم يكن جزاء مطلقاً والقسط: العدل {والذين كفروا} أي أوجدوا هذا الوصف {لهم} أي في الجزاء على جهة الاستحقاق {شراب من حميم } أي مسخن بالنار أشد الإسخان {وعذاب أليم} أي بالغ الإيلام {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يكفرون*} فإن عذابهم من أعظم نعيم المؤمنين الذين عادوهم فيه سبحانه {أية : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون}تفسير : [سورة المطففين: 34-36] وكأنه قال: {يبدأ} مضارعاً لا كما قال في آية أخرى {أية : كما بدأكم تعودون} تفسير : [الأنفال: 29] حكاية للحال وتصويراً لها تنبيهاً على تأمل ما يتجدد إنشاءه ليكون أدعى لهم إلى تصور القدرة على الإعادة؛ قال الرماني: وقد تضمنت الآية البيان عما يوجبه التمكين في الدنيا من تجديد النشأة للجزاء لأنه لا بد - مع التمكين من الحسن والقبيح - من ترغيب وترهيب لا يؤمن معه العذاب على الخلود ليخرج المكلف بالزجر عن القبيح عن حال الإباحة له يرفع التبعة عليه - انتهى. فقد لاح بما ذكر ما تعين في أثناء السورة بتكريره لتوضيحه وتقريره - أن مقصودها وصف الكتاب بما يدل قطعاً على أنه من عنده سبحانه وبإذنه، لأنه لا غائب عن علمه ولا مداني لقدرته ولا مجترىء على عظمته، وأنه تام القدرة متفرد بالخلق والأمر فهو قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وأن المراد بالكتاب البشارة والنذارة للفوز عند البعث والنجاة من غوائل يوم الحشر مع أنه سبحانه نافذ القضاء، فلا تغني الآيات والدلالات البينات عمن حكم بشقاوته وقضى بغوايته، وأن ذلك من حكمته وعدله فيجب التسليم لأمره وقطع الهمم عن سواه؛ ثم شرع سبحانه يقرر أمر بدئه للخلق وإعادته في سياق مذكر بالنعم التي يجب شكرها، ويسمى المعرض عن شكره كافراً فقال: {هو} أي غيره {الذي جعل} أي بما هيأ من الأسباب {الشمس}. ولما كان النور كيفية قابلة للشدة والضعف، خالف سبحانه في الأسماء مما يدل على ذلك فقال نور الشمس: {ضياء} أي ذات نور قوي ساطع وقدرها منازل، هكذا التقدير، لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره دونها فقال: {والقمر} أي وجعل القمر {نوراً} أي ذا نور من نورها {وقدره} أي وزاده عليها بأن قدره مسيرة {منازل} سريعاً يقلبه فيها، وباختلاف حاله في زيادة نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات التي دبر الله بها هذا الوجود - إلى غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود الليل والنهار {لتعلموا} بذلك علماً سهلاً {عدد السنين} أي المنقسمة إلى الفصول الأربعة وما يتصل بذلك من الشهور وغيرها ليمكن لكم تدبير المعاش في أحوال الفصول وغيرها {والحساب} أي غير ذلك مما يدل على بعض تدبيره سبحانه. ولما كان ذلك مشاهداً لا مرية فيه، وصل به قوله: {ما خلق الله} أي الذي له الكمال كله {ذلك} أي الأمر العظيم جداً {إلا بالحق} أي خلقاً ملتبساً بالحق الكامل في الحقية لا مرية فيه، فعلم أنه قادر على إيجاد الساعة كذلك إذ لا فرق، وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشىء عنه الخلق غير الخلق بأن يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي هو عين الباطل، أو ما خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد بإعزاز الطائع وإذلال العاصي، فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي والانتقام من المشانىء، والجعل: وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها، والشمس: جسم عظيم النور فإنه يكون ضياء النهار؛ والقمر: جسم نير يبسط نوره على جميع الظاهر من الأرض ويكسفه نور الشمس؛ والنور: شعاع فيه ما ينافي الظلام؛ والحساب: عدد يحصل به مقدار الشيء من غيره. ولما كان النظر في هذه الآيات من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من الاتصاف بقابلية العلم، ختم الآية بقوله: {يفصل} أي الله في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالياء التحتية، وبالالتفات إلى أسلوب العظمة تعظيماً للبيان في قراءة الباقين بالنون {الآيات} أي يبين الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بياناً شافياً. ولما كان البيان لمن لا علم له كالعدم، قال: {لقوم} أي لهم قوة المحاولة لما يريدون {يعلمون} أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار؛ ولما كانت لهم المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر عدت من الجلي.

ابو السعود

تفسير : {إِلَيْهِ} لا إلى أحد سواه استقلالاً أو اشتراكاً {مَرْجِعُكُمْ} أي بالبعث كما ينبىء عنه قوله تعالى: {جَمِيعاً} فإنه خالٍ من الضمير المجرورِ لكونه فاعلاً في المعنى أي إليه رجوعُكم مجتمعين والجملةُ كالتعليل لوجوب العبادة {وَعَدَ ٱللَّهِ} مصدرٌ مؤكدٌ لنفسه لأن قوله عز وجل: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} وعد منه سبحانه بالبعث أو لفعل مقدر أي وعَدَ الله وعداً، وأياً ما كان فهو دليلٌ على أن المرادَ بالمرجِع هو الرجوعُ بالبعث لأن ما بالموت بمعزل من الوعد كما أنه بمعزل من الاجتماع وقرىء بصيغة الفعل {حَقّاً} مصدرٌ آخرُ مؤكدٌ لما دل عليه الأول {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ} وقرىء يُبدِىء {ثُمَّ يُعِيدُهُ} وهو استئنافٌ عُلّل به وجوبُ المرجعِ إليه سبحانه وتعالى فإن غايةَ البدءِ والإعادةِ وهو جزاءُ المكلّفين بأعمالهم حسنةً أو سيئةً، وقرىء بالفتح أي لأنه، ويجوز كونُه منصوباً بما نصب وعدَ الله أي وعَد الله وعداً بدءَ الخلقِ الخلق ثم إعادتَه، ومرفوعاً بما نصب حقاً أي حق بدءُ الخلقِ الخ {ليجزى الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} أي بالعدل وهو حالٌ من فاعل يجزي أي ملتبساً بالعدل أو متعلق بـيجزي أي ليجزيَهم بقسطه ويوفيَهم أجورَهم، وإنما أُجمل ذلك إيذاناً بأنه لا يفي به الحصرُ أو بقسطهم وعدلِهم عند إيمانِهم ومباشرتِهم للأعمال الصالحة وهو الأنسبُ بقوله عز وجل: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} فإن معناه ويجزي الذين كفروا بسبب كفرِهم، وتكريرُ الإسناد بجعل الجملةِ الظرفية خبراً للموصول لتقوية الحكمِ والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدلالة على مواظبتهم على الكفر، وتغيـيرُ النظمِ للإيذان بكمال استحقاقِهم للعقاب وأن التعذيبَ بمعزل عن الانتظام في سلك العلةِ الغائيّة للخلق بدءاً وإعادةً وإنما يحيقُ ذلك بالكفرة على موجَبِ سوءِ اختيارِهم، وأما المقصودُ الأصليُّ من ذلك فهو الإثابة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [الآية: 4]. قال الجنيد رحمة الله عليه: فى هذه الأمة منه الابتداء وإليه الانتهاء، وما بين ذلك مراتع فضله وتواتر نعمه، فمن سبقت له فى الابتداء سعادة أظهرت عليه فى مراتعه وتقلبه فى نعمته بإظهار لسان الشكر وحال الرضا ومشاهدة المنعم، ومن لم تحركه سعادة الابتداء أبطل أيامه فى سياسة نفسه وجمع الحطام الفانى ليؤده إلى ما سبق له فى الابتداء من الشقاوة. قال الله {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} والراجع بالحقيقة إليه هو الراجع مما سواه إليه، فيكون متحققًا فى الرجوع إليه.

القشيري

تفسير : الرجوع يقتضي ابتداء الأرواح قبل حصولها في الأشباح، فإن لها في مواطن التسبيح والتقديس إقامة، والغائب إذا رجع إلى وطنه من سفره فلقدومه أثر عند مُحبِّيه وذويه، كما قيل: شعر : أيا قداماً من سَفْرةِ الهجر مرحباً أناديك لا أنساك ما هبَّت الصَّبا تفسير : ويقال المطيع إذا رجع إلى الله فله الزُّلفى، والثواب والحسنى، والعاصي إذا رجع إلى ربِّه فَبَنَعْتِ الإفلاس وخسران الطريق؛ فيتلقى لِباس الغفران، وحُلَةَ الصفح والأمان، فرحمةُ مولاه خيرٌ له من نُسْكِه وتقواه. قوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً}: موعودُ المطيع الفرادِيسُ العُلَى، وموعودُ العاصي الرحمة والرِّضى. والجنَّةُ لُطْفُ الحقِّ والرَّحمةُ وصفُ الحق؛ فاللُّطفُ فِعْلٌ لم يكن ثم حصل، والنَّعْتُ لم يزل. قوله: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}: مَنْ كان له في جميع عمره نَفَسٌ على وصفِ ما ابتدأَ الحقُّ سبحانه به ففي الإشارة: تكون لذلك إعادة، وأنشدوا: شعر : كلُّ نَهْرٍ فيه ماءٌ قد جَرَى فإِليه الماءُ يوماً سيعودُ

اسماعيل حقي

تفسير : {اليه مرجعكم جميعا} بالموت والنشور لا الى غيره فاستعدوا للقائه. وانتصب جميعا على انه حال من الضمير المجرور لكونه فاعلا في المعنى اى اليه رجوعكم مجتمعين. وفي التأويلات النجمية رجوع المقبول والمردود الى حضرته. فما المقبول فرجوعه اليه بجذبات العناية التي صورتها خطاب {أية : ارجعي الى ربك} تفسير : وحقيقتها انجذاب القلب الى الله تعالى نتيجتها غروب النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها وانزعاج القلب مما سوى الله واستغراق الروح في بحر الشوق والمحبة والتبرى مما سوى الله وهيمان السر وحيرته في شهود الحق ورجوعه من الخلق. واما المردود فرجوعه بغير اختياره مغلولا بالسلاسل والاغلال يسحبون في النار على وجوههم وهي صورة صفة قهر الله ومن نتائج قهر الله تعلقاته بالدنيا وما فيها واستيلاء صفات النفس عليه من الحرص والبخل والامل والكبر والغضب والشهوة والحسد والحقد والعداوة والشره فان كل واحدة منها حلقة فمن تلك السلاسل وغل من تلك الاغلال بها يسحبون الى النار {وعد الله} البعث بعد الموت وعدا {حقا} كائنا لا شك فيه فوعد الله مصدر مؤكد لنفسه لان قوله اليه مرجعكم وعد من الله بالبعث والاعادة لا محتمل له غير كونه وعدا وقوله حقا مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه وعد الله لان لهذه الجملة محتملا غير الحقية نظرا الى نفس مفهومها اى حق ذلك حقا {انه} اى الله تعالى {يبدأ الخلق} يقال بدأ الله الخلق اي خلقهم كما في القاموس {ثم يعيده} اي يبدأ الخلق اولا في الدنيا ليكلفهم ويأمرهم بالعبادة ثم يميتهم عند انقضاء آجالهم ثم يبعثهم بعد الموت وهذا استئناف بمعنى التعليل لوجوب الرجوع اليه {ليجزي الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} متعلق بيعيده اى يثبتهم بما يليق بلطفه وكرمه مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {بالقسط} متعلق بيجزى اى بالعدل فلا ينقص من ثواب محسن ولا يزيد على عقاب مسيئ بل يجازي كلا على قدر عمله كما قال تعالى {أية : جزاء وفاقا} تفسير : {والذين كفروا لهم شراب من حميم} اى من ماء حار قد انتهت حرارته [جون بخورنداحشا وامعاى ايشان باره باره كردد] {وعذاب اليم} وجيع يخلص وجعه الى قلوبهم {بما كانوا يكفرون} وهو في موضع رفع صفة اخرى لعذاب ويجوز ان يكون خبر مبتدأ محذوف اى ذلك المذكور من الشراب والعذاب حاصل لهم بسبب كفرهم بالله ورسوله وغير النظم ولم يقل وليجزي الكافرين بشراب الخ تنبيها على ان المقصود بالذات من الابداء والاعادة هو الاثابة والعقاب واقع بالعرض. واعلم ان الدنيا مزرعة الآخرة فالله تعالى بقدرته يعيد الخلق بعد الموت ليحصدوا فيها ما زرعوه في الدنيا فمن زرع الخير يحصد السلامة ومن زرع الشر يحصد الندامة شعر : جمله داندد اين اكر تونكروى هرجه مى كاريش روزي بدروى تفسير : وانما آخر الجزاء الى دار الآخرة لان الدنيا لا تسعه ولله تعالى في كل شيء حكمة فاذا عرفت الحال فخف من الله المتعال فانه غيور لا يرضى اقامة عبده على مخالفته وخروجه من دائرة طاعته. وعن وهب بن منبه كان يسرج في بيت المقدس الف قنديل فكان يخرج من طور سيناء زيت مثل عنق البعير صاف يجري حتى ينصب في القناديل من غير ان تمسه الايدي وكانت تنحدر نار من السماء بيضاء تسرج بها القناديل وكان القربان والسرج في ابنى هارون شبر وشبير فامرا ان لا يسرجا بنار الدنيا فاستعجلا يوما فاسرجا بنار الدنيا فوقعت النار فاكلت ابنى هارون فصرخ الصارخ الى موسى عليه السلام فجاء يدعو ويقول يا رب ان ابنى هارون اخى قد عرفت مكانهما منى فاوحى الل اليه يا ابن عمران هكذا افعل باوليائى اذا عصوني فكيف باعدائي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما لو ان قطرة من الزقوم قطرات في الارض لامرت على اهل الارض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه من زقوم وشرابه من حميم. ومن تذكر المبدأ والمعاد وتفكر ان الرجوع الى رب العباد تاب من الخطايا والسيات وصار من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وفي الحديث "حديث : اذا بلغ العبد اربعين سنة ولم يغلب خيره شره قبل الشيطان بين عينيه وقال فديت وجها لا يفلح ابدا" تفسير : فان من الله عليه وتاب واستخرجه من غمرات الجهالة واستنقذه من ورطات الضلالة يقول الشيطان واويلاه قطع عمره في الضلالة واقر عينى في المعاصى ثم اخرجه الله بالتوبة من ظلمة المعصية الة نور الطاعة: وفي المثنوى شعر : مرداول بستة خواب وخورست آخر الامر ازملائك بر ترست دربناه ينبه وكريتها شعلة نورش برآيد برسها تفسير : يعني ان الشرارة تصير نارا عظيمة بمعونة القطن والكبريت فكذا الانسان في اول حاله كالشرارة فاذا قارن المربى اورباه الله من غير وساطة احد من الناس يرقى الى حيث يعظم قدره عند الله ويصير بين اقرانه كالمسك بين الدماء نسأل الله العناية التوفيق

الطوسي

تفسير : قرأ أبو جعفر {حقا أنه} بفتح الهمزة. الباقون بكسرها. من فتح، فمعناه اليه مرجعكم، لأنه يبدأ. ومن كسر استأنف. قال الفراء: من فتح جعله مفعول حقاً كأنه قال حقاً أنه. قال الشاعر: شعر : أحقاً عباد الله ان لست زائراً بثينة او يلقى الثريا رقيبها تفسير : اخبر الله تعالى أن الذي خلق السموات والأرض هو الله تعالى، وهو الذي يستحق العبادة لا غيره وان اليه مرجع الخلق كلهم. والمرجع يحتمل معنيين: احدهما أن يكون في معنى الرجوع فيكون مصدراً. والاخر - موضع الرجوع فيكون ظرفاً، كأنه قال: اليه موضع رجوعكم يكوّنه اذا شاء. ومعنى الرجوع اليه يحتمل أمرين: احدهما - ان يعود الأمر إلى ان لا يملك أحد التصرف في ذلك الوقت غيره تعالى بخلاف الدنيا، لأنه تعالى قد ملك كثيراً من خلقه التصرف في دار الدنيا ومكنهم من ذلك. والثاني - ان يكون معناه انكم ترجعون اليه احياء بعد الموت أي إلى موضع جزائه. وقوله {وعد الله حقاً} نصب على المصدر وتقديره احقه حقاً او وعد الله وعداً حقاً، لأن في قوله {مرجعكم} انه وعد بذلك الا انه لما لم يذكر الفعل اضيف المصدر إلى الفاعل، كما قال كعب بن زهير: شعر : يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم انك يا ابن أبي سلمى لمقتول تفسير : اي ويقولون قيلهم. وقوله {انه يبدأ الخلق ثم يعيده} اخبار منه تعالى انه الذي أنشأ الخلق ابتداء، وهو الذي يعيدهم بعد موتهم النشأة الاخرى ليدل بذلك خلقه على أنه اذا كان قادراً على الابتداء فهو قادر على الاعادة. وقوله {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فيه بيان أنه انما يعيد الخلق ليعطيهم جزاء اعمالهم من طاعة ومعصية، والعطاء اذا كان ابتداء لا يسمى جزاء. وقوله {بالقسط} معناه بالعدل، لأنه لو زاد الجزاء او نقص لخرج عن العدل، ولكن يجزيهم وفق اعمالهم حتى لا يكون الجزاء على النبوة كالجزاء على الايمان بل كل طاعة يستحق الجزاء على قدرها. وقوله {والذين كفروا لهم شراب من حميم} معناه ان الذين يجحدون نعم الله ويكفرون بوحدانيته ويجحدون رسله {لهم شراب من حميم} وهو الذي اسخن بالنار اشدّ اسخان. قال المرقش الاصغر: شعر : وكل يوم لها مقطرة فيها كباء معدّ وحميم تفسير : الكباء العود الذي يتبخر به. وقوله {وعذاب أليم} معناه مؤلم { بما كانوا يكفرون} اي جزاء على كفرهم.

الجنابذي

تفسير : {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} استينافٌ جوابٌ لسؤالٍ عن العلّة او عن حالة مع خلقه وعلى الثّانى ايضاً يستلزم التّعليل {وَعْدَ ٱللَّهِ} وعد الله وعداً {حَقّاً} مفعول مطلق تأكيد لنفسه ان جعل من قبيل له علىّ درهم حقّاً، او تأكيد لغيره ان جعل من قبيل: ابنى انت حقّاً، او حال من وعد الله، والموعود امّا ارجاع الكلّ اليه او بدء الخلق واعادتهم للجزاء {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} بيان للموعود ولذا لم يأت باداة الوصل، او تعليل لرجوع الكلّ اليه ان جعل الموعود ارجاع الكلّ اليه {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} بالعدل الّذى هو لائق من جزاء كلّ اعمالهم بجزاء احسنها، او ذكر القسط هنا تمهيدٌ لوعيد الكفّار للاشارة الى انّه لا ظلم معهم وهو لا ينافى المعاملة معهم بالفضل بعد مراعاة القسط، والحقّ انّ حقيقة القسط هو الولاية المطلقة المتحقّق بها علىّ (ع)، وانّ كلّ قسط يوجد فى العالم انّما هو من فروع تلك الولاية، لكن لا يسمّى القسط قسطاً شرعاً الاّ اذا اتّصل الولاية التّكوينيّة بالولاية التّكليفيّة بالبيعة العامّة النّبويّة او بالبيعة الخاصّة الولويّة، فالقسط شرعاً يستلزم الاسلام او الايمان والمنظور ههنا هو ذلك الّلازم كأنّه قال ليجزى الّذين آمنوا بالبيعة العامّة او بالبيعة الخاصّة وعملوا الصّالحات بالبيعة الخاصّة وما يشترط فيها، او بامتثال شرائط البيعة الخاصّة بالاسلام او بالايمان ويؤيّد هذا المعنى موافقته لقرينته فى قوله تعالى: بما كانوا يكفرون، ولم يعيّن الجزاء تفيخماً له بابهامه اشارة الى انّه جزاء لائق باعطاءه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} عطف على الّذين آمنوا، وعلى هذا فقوله {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} جملة مستأنفة بيان للجزاء او عطف على انّه يبدؤ الخلق او على مقدّرٍ مستفاد من قوله ليجزى الّذين آمنوا (الى الآخر) كأنّه قال: فالّذين آمنوا (الى آخر الآية) والّذين كفروا (الى آخر الآية) وعلى هذا فتغيير الاسلوب للاشارة الى انّ جزاء الكفّار من الغايات بالعرض وانّه ينسب الى انفسهم لانّهم اولى بسيّئاتهم من الله.

الأعقم

تفسير : {انه يبدؤ الخلق} في الدنيا أي يخلقهم أحياء ولم يكونوا شيئاً {ثم يعيده} يوم القيامة {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئاً، ثم بين تعالى أنه القادر على النشأة الثانية فقال تعالى: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً} أي خلق القمر نوراً للخلق وفيهما من الدلالة وجوه كثيرة: فمنها خلقهم وخلق النور والضياء فيهما ورفعهما وامساكهما ومنازلهما ومشارقهما ومغاربهما وزيادة القمر ونقصانه، فالقمر يقطع المنازل في شهر، والشمس في سنة {وقدره منازل} يعني وقدر مسير القمر منازل وقدره ذا منازل كقوله تعالى: {أية : والقمر قدّرناه منازل} تفسير : [يس: 39] {لتعلموا عدد السنين والحساب} وحساب الأوقات من الأشهر والليالي والسنين والآجال والزرع والشتاء والصيف {ما خلق الله ذلك} إشارة إلى المذكور {إلا بالحق} أي خلقه بالحكمة منفعة لعباده في دينهم ودنياهم كأوقات الصلاة والصوم والحج وغير ذلك من منافع الدنيا والدين، ومع ذلك يدل على وحدانيته وقدرته وكونه عالماً لم يزل ولا يزال {يفصّل الآيات} يبينّها فصلاً فصلاً {إن في اختلاف الليل والنهار} يعني إتيان أحدهما خلف الآخر، وقيل: اختلافهما ضياء أحدهما وظلمة الآخر {وما خلق الله في السموات} من الكواكب والأفلاك ورفعها بغير عمد ودوران النجوم {والأرض} من أنواع الحيوانات وأنواع الأرزاق والنعم من المأكول والملبوس والمشموم {لآيات} لحجج وعلامات {لقوم يتقون} معاصي الله {إن الذين لا يرجون لقاءنا} لا يخافون عقابنا {ورضوا بالحياة الدنيا} فعملوا لها واختاروها على الآخرة ولم يعملوا للآخرة {واطمأنوا بها} سكنوا إليها {والذين هم عن آياتنا غافلون} فلم يتفكروا {إن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات} أقاموا الصلوات المفروضة {يهديهم ربهم}، قيل: إلى الجنة، وقيل: بالنور على الصراط، وقيل: يرشدهم في الدنيا إلى الطاعات {تجري من تحتهم الأنهار} يعني من تحت بساتينهم وأسرتهم وقصورهم {دعواهم فيها سبحانك اللهم} أي تنزيهاً لك عن كل سوء، روي ذلك مرفوعاً، وقيل: إنهم يتلذذون بقول التسبيح {وتحيتهم فيها سلام} أي بعضهم يحي بعضاً بالسلام، وقيل: هي تحية الملائكة إياهم، وقيل: تحيَّة الله لهم {وآخر دعواهم} وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح {أَنِ الحمد لله ربِّ العالمين}.

اطفيش

تفسير : {إليْهِ} لا إلى غيره {مَرجِعُكم} أى رجوعكم بالبعث بعد الموت، فاستعدوا له {جَميعاً} حال من المضاف إليه، لأن المضاف صالح للعمل، وهو مرجع لأنه مصدر، ولو كان لا ينصب المفعول به لأنه ميمى. {وَعْدَ الله} مفعول مطلق لفعله المحذوف وجوبا، مؤكدا للوعد الذى أفادته الجملة قبله، نحو: له على ألف اعترافاً {حَقاً} مفعول مطلق لفعله المحذوف، مؤكد لما دل عليه وعد الله من الحقيقة، ويقال الأول إنه مؤكد لنفسه، لأن قوله: {إليه مرجعكم} فهو نفس الوعد، والثانى مؤكد لغيره، فإن قوله: {وعد الله} ليس نفس قوله: {حقا} بل مستلزم له، أو حقا حال من وعد الله، وقال أبو الفتح: نعت، ووجهه عندى أن المنعوت ولو كان معرفة لفظا لكنه فى الحقيقة نكرة، لأن الأصل وعد الله ذلك وعداً، ولما حذف العامل أضيف المصدر إلى ما هو فاعله. {إنَّهُ} كالتعليل الجملى لقوله: {إليه مرجعكم} فإنه إنما كان مرجع الجميع إليه، لأنه المقصود من البدء، والإعادة الجزاء، أو ذلك قطع واستئناف، ويدل للتعليل قراءة أبى جعفر، والأعمش، وابن مسعود: بفتح الهمزة على التعليل اللفظى، إلا من أدى، أى لأنه يجوز أن يكون الفتح على أن المصدر من خبر إن مفعول لعاقل، وعد الله المحذوف، أى وعد الله وعد البدء، والعامل حقا، أى حق الله حقا البدء من حق المتعدى، أو أحق الله بتعديته بالهمزة، أو عن البدلية من وعد الله، أو الفاعلية لناصب حقا، أى حق حقا البدء من حق اللازم، قيل: أو الخبرية لمبتدأ ناصب لوعد الله، أى وعد الله وعداً بإسكان العين البدء، ويجوز نصبه بوعد الله إذا لم يوصف بحقا. وقرىء: وعد الله بالفعل والفاعل، فحقاً مفعول وعد، والمصدر من خبر إن مفعول، وقرأ ابن أبى عبلة برفع حق على الابتداء، وفتح همزة إن عن الإخبار، وكذا قيل، والحق عندى العكس. {يَبْدأ} من البداءة، وقرأ طلحة يُبدى بضم الباء وكسر الدال، من أبدأ بهمزة أولا وآخراً {الخَلْق ثم يُعيدُه} أى يبعثه بعد بلاء {ليجْزىَ الَّذين آمنُوُا وعَملُوا الصَّالحات بالقِسْطِ} أى بعدله لا ينقص من أجورهم شيئاً، أو بعدلهم فى أمورهم أو بإيمانهم، فإنه العدل القويم، كما أن الشرك ظلمٌ عظيم، هو الأنسب لذكر الجزاء بالكفر فى قوله: {والذين كَفرُوا} أى أشركوا {لَهم شَرابٌ} عظيم فى الشدة كما يدل عليه التنكير {مِنْ حَميمٍ} أى من ماء بلغ النهاية فى الحرارة، إذ أدناه الكافرين من فيه سقطت فروة رأسه، فعيل بمعنى فاعل، وقيل: بمعنى مفعول، وأنه يقال: حمه يحمه بمعنى سخنه. {وعَذابٌ أليمٌ بما كانُوا} أى بكونهم {يكْفرُونَ} أو بكفرهم الذى كانوا يكفرونه، فإن المراد جزاؤهم بشركهم، والأصل بما كانوا يظلمون، وهو لظم الشرك، ولكن عبر بيكفرون، لأن الكلام قبل ذلك وبعده فى الاستدلال على التوحيد، وإنكار الشرك، بل الأصل أيضا ليجزى الذين كفروا بشراب من حميم، وعذاب أليم، بسبب كفرهم، ليناسب قوله: {ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} ولكن عدل عن ذلك مبالغة فى استحقاق العقاب، وتنبيها على أن المقصود بالذات من البدء والإعادة هو الإثابة، وأما العقاب فعارض عن عدم الاتئمار والانتهاء، وأنه يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلفظه وكرمه، ولذا لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقوه بكفرهم إلى أنفسهم فعينه.

الالوسي

تفسير : {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} كالتعليل لوجوب العبادة، والجار والمجرور خبر مقدم و {مَرْجِعُكُمْ} مبتدأ مؤخر وهو مصدر ميمي لا اسم مكان خلافاً لمن وهم فيه، و {جَمِيعاً} حال من الضمير المجرور لكونه فاعلاً في المعنى أي إليه تعالى رجوعكم مجتمعين لا إلى غيره سبحانه بالبعث {وَعَدَ ٱللَّهُ} مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنها وعد منه تعالى بالبعث وحيث كانت لا تحتمل غير الوعد كان ذلك من أفراد المصدر المؤكد لنفسه عندهم كما في قولك: له علي ألف عرفاً، ويجوز أن يكون نصباً على المصدرية لفعل محذوف أي وعد الله وعداً، وأيا ما كان فهو دليل على أن المراد بالمرجوع الرجوع بالبعث لأن ما بالموت بمعزل عن الوعد كما أنه بمعزل عن الاجتماع فما وقع في بعض نسخ القاضي بالموت أو النشور ليس على ما ينبغي. وقرىء {وعد الله} بصيغة الفعل ورفع الاسم الجليل على الفاعلية {حَقّاً} مصدر مؤكد لما دل عليه الأول وهو من قسم المؤكد لغيره لأن الأول ليس نصاً فيه فإن الوعد يحتمل الحقية والتخلف. وقيل: إنه منصوب بوعد على تقدير ـ في ـ وتشبيه بالظرف كقوله: شعر : أفي الحق أني هائم بك مغرم تفسير : والأول أظهر. وقوله سبحانه: {أَنَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} كالتعليل لما أفاده {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} فإن غاية البدء والإعادة هو الجزاء بما يليق. وقرأ أبو جعفر. والأعمش {أنه} بفتح الهمزة على تقدير لأنه، وجوز أن يكون منصوباً بمثل ما نصب {وعد} أي وعد الله سبحانه بدء الخلق ثم إعادته أي إعادته بعد بدئه، ويكون الوعد واقعاً على المجموع لكن باعتبار الجزء الأخير لأن البدء ليس موعوداً، وأن يكوم مرفوعاً بمثل ما نصب {حقاً} أي حق بدء الخلق ثم إعادته ويكون نظير قول الحماسي: شعر : أحقا عباد الله أن لست رائيا رفاعة طول الدهر إلا توهما تفسير : وعن المرزوقي أنه خرجه على النصب على الظرفية وهو إما خبر مقدم أو ظرف معتمد وزعم أن ذلك مذهب سيبويه، وجوز أن يكون النصب بوعد الله على أنه مفعول له، والرفع بحقاً على أنه فاعل له، وظاهر كلام الكشاف يدل على أن الفعلين العاملين في المصدرين المذكورين هما اللذان يعملان فيما ذكر لا فعلان آخران مثلهما وحينئذ يفوت أمر التأكيد الذي ذكرناه لأن فاعل العامل بالمصدر المؤكد لا بد أن يكون عائداً على ما تقدمه مما أكده، وقرىء {حق أنه يبدأ الخلق} وهو كقولك: حق أن زيداً منطلق. وقرىء {يبدئ} من أبدأ، ولعل المراد من الخلق نحو المكلفين لا ما يعم ذلك والجمادات، ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحد عن مجاهد أن معنى الآية يحيـى الخلق ثم يميته ثم يحييه. {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل وهو حال من فاعل {يَجْزِي} أي ملتبساً بالعدل أو متعلق بيجزي أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم / أجورهم، وإنما أجمل ذلك إيذاناً بأنه لا يفي به الحصر، ويرشح ذلك جعل ذاته الكريمة هي المجازية أو بقسطهم وعدلهم في أمورهم أو بإيمانهم؛ ورجح هذا بأنه أوفق بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} فإن معناه ويجزي الذين كفروا بشراب من ماء حار وقد انتهى حره وعذاب أليم بسبب كفرهم فيظهر التقابل بين سببـي جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، مع أنه لا وجه لتخصيص العدل بجزاء المؤمنين بل جزاء الآخرين أولى به كما لا يخفى. وتكرير الإسناد بجعل الجملة الطرفية خبراً للموصول لتقوية الحكم، والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على مواظبتهم على الكفر، وتغيير النظم الكريم للمبالغة في استحقاقهم العقاب بجعله حقاً مقرراً لهم والإيذان بأن التعذيب بمعزل عن الانتظام في سلك العلة الغائية للإعادة بناء على تعلق ليجزي بها أولها وللبدى بناء على تعلقه بهما على التنازع، وإنما المنتظم في ذلك السلك هو الإثابة فهي المقصودة بالذات والعقاب واقع بالعرض.

ابن عاشور

تفسير : وقع أمرهم بعبادته عقب ذكر الجزاء إنذاراً وتبشيراً، فالجملة كالدليل على وجوب عبادته، وهي بمنزلة النتيجة الناشئة عن إثبات خلقه السماوات والأرض لأن الذي خلق مثل تلك العوالم من غير سابق وجود لا يعجزه أن يعيد بعض الموجودات الكائنة في تلك العوالم خلقاً ثانياً. ومما يشير إلى هذا قوله: {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده}، فبَدء الخلق هو ما سبق ذكره، وإعادتُه هي ما أفاده قوله: {إليه مرجعكم جميعاً} ولذلك فصلت عن التي قبلها لما بينهما من شبه كمال الاتصال، على أنها يجوز كونها خبراً آخر عن قوله: {أية : إن ربكم}تفسير : [يونس: 3]، أو عن قوله: {أية : ذلكم الله ربكم}تفسير : [يونس: 3]. وقد تضمنت هذه الجملة إثبات الحشر الذي أنكروه وكذبوا النبيءَ صلى الله عليه وسلم لأجله. وفي تقديم المجرور في قوله: {إليه مرجعكم} إفادة القصر، أي لا إلى غيره، قطعاً لمطامع بعضهم القائلين في آلهتهم {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18] يريدون أنهم شفعاء على تسليم وقوع البعث للجزاء، فإذا كان الرجوع إليه لا إلى غيره كان حقيقاً بالعبادة وكانت عبادة غيره باطلاً. والمرجع: مصدر ميمي بمعنى الرجوع. وقد تقدم في قوله: {أية : إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون}تفسير : في سورة [العقود: 105]. و{جميعاً} حال من ضمير المخاطبين المضاف إليه المصدر العامل فيه. وانتصب {وعدَ الله} على المفعولية المطلقة توكيداً لمضمون الجملة المساوية له، ويسمى موكِّداً لنفسه في اصطلاح النحاة، لأن مضمون {إليه مرجعكم} الوعد بإرجاعهم إليه وهو مفاد وعد الله، ويقدر له عامل محذوف لأن الجملة المؤكدة لا تصلح للعمل فيه. والتقدير: وعدَكم اللّهُ وعداً حقاً. وانتصب {حقاً} على المفعولية المطلقة المؤكدة لمضمون جملة {وعد الله} باعتبار الفعل المحذوف. ويسمى في اصطلاح النحاة مؤكداً لغيره، أي موكداً لأحد معنيين تحتملهما الجملة المؤكدة. وجملة: {إنه يبدأ الخلق} واقعة موقع الدليل على وقوع البعث وإمكانه بأنه قد ابتدأ خلق الناس، وابتداء خلقهم يدل على إمكان إعادة خلقهم بعد العدم، وثبوت إمكانه يدفع تكذيب المشركين به، فكان إمكانه دليلاً لقوله: {إليه مرجعكم جميعاً}، وكان الاستدلال على إمكانه حاصلاً من تقديم التذكير ببدء خلق السماوات والأرض كقوله تعالى: {أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}تفسير : [الروم: 27]. وموقع (إن) تأكيد الخبر نظراً لإنكارهم البعث، فحصل التأكيد من قوله: {ثم يعيده} أما كونه بدأ الخلق فلا ينكرونه. وقرأ الجمهور {إنه يبدأ الخلق} بكسر همزة (إنه). وقرأه أبو جعفر بفتح الهمزة على تقدير لام التعليل محذوفة، أي حق وعده بالبعث لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده فلا تعجزه الإعادة بعد الخلق الأول، أو المصدر مفعول مطلق منصوب بما نصب به {وعْدَ الله} أي وَعَدَ الله وعداً بَدْءَ الخلق ثم إعادته فيكون بدلاً من {وعْد الله} بدلاً مطابقاً أو عطف بيان. ويجوز أن يكون المصدر المنسبك من (أنَّ) وما بعدها مرفوعاً بالفعل المقدر الذي انتصب (حقاً) بإضماره. فالتقدير: حَقَّ حقاً أنه يبدأ الخلق، أي حق بدؤه الخلق ثم إعادته. والتعليل بقوله: {ليجزى الذين آمنوا} الخ إبداءٌ لحكمة البعث وهي الجزاء على الأعمال المقترفة في الحياة الدنيا، إذ لو أرسل الناس على أعمالهم بغير جزاء على الحسن والقبيح لاستوى المُحسن والمسيء، وربما كان بعضُ المسيئين في هذه الدنيا أحسن فيها حالاً من المحسنين. فكان من الحكمة أن يلقَى كل عامل جزاء عمله. ولم يكن هذا العالم صالحاً لإظهار ذلك لأنه وُضع نظامه على قاعدة الكون والفساد، قابلاً لوقوع ما يخالف الحق ولصرف الخيرات عن الصالحين وانهيالِها على المفسدين والعكس لأسباب وآثار هي أوفق بالحياة المقررة في هذا العالم، فكانت الحكمة قاضية بوجود عالم آخر متمحض للكون والبقاء وموضوعاً فيه كل صنف فيما يليق به لا يعدوه إلى غيره إذ لا قبل فيه لتصرفات وتسببات تخالف الحق والاستحقاق. وقدم جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لشرفه ولياقته بذلك العالم، ولأنهم قد سلكوا في عالم الحياة الدنيا ما خلق الله الناس لأجله ولم يتصرفوا فيه بتغليب الفساد على الصلاح. والباء في {بالقسط} صالحة لإفادة معنى التعدية لفعل الجزاء ومعنى العِوض. والقسط: العدل. وهو التسوية بين شيئين في صفة والجزاء بما يساوي المجْزي عليه. وتقدم في قوله: {أية : قائماً بالقسط}تفسير : في أول [آل عمران: 18]. فتفيد الباء أنهم يُجزون بما يعادل أعمالهم الصالحة فيكون جزاؤهم صلاحاً هنالك وهو غاية النعيم، وأن ذلك الجزاء مكافاة على قسطهم في أعمالهم في عَدلهم فيها بأن عملوا ما يساوي الصلاح المقصود من نظام هذا العالم. والإجمال هنا بين معنيي الباء مفيد لتعظيم شأن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع الإشارة إلى أنه جزاء مماثل لصلاح أعمالهم. وإنما خص بذلك جزاء المؤمنين مع أن الجزاء كله عدل، بل ربما كانت الزيادة في ثواب المؤمنين فضلاً زائداً على العدل لأمرين: أحدهما: تأنيس المؤمنين وإكرامهم بأن جزاءهم قداستحقوه بما عملوا، كقوله: {أية : ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}تفسير : [النحل: 32]. ومن أعظم الكرم أن يُوهم الكريم أن ما تفضل به على المكرَم هو حقه وأن لا فضل له فيه. الأمر الثاني: الإشارة إلى أن جزاء الكافرين دون ما يقتضيه العدل، ففيه تفضل بضرب من التخفيف لأنهم لو جُوزوا على قدر جُرمهم لكان عذابهم أشد، ولأجل هذا خولف الأسلوب في ذكر جزاء الذين كفروا فجاء صريحاً بما يعم أحوال العذاب بقوله: {أية : لهم شراب من حميم وعذاب أليم}تفسير : [الأنعام: 70]. وخص الشراب من الحميم بالذكر من بين أنواع العذاب الأليم لأنه أكره أنواع العذاب في مألوف النفوس. {أية : أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} تفسير : في سورة [الأنعام: 70]. والباء في قوله: وشراب الحميم تقدم في قوله تعالى:{أية : بما كانوا يكفرون}تفسير : للعِوض. وجملة: {والذين كفروا} إلى آخرها استئناف بياني لأنه لما ورد ذكر جزاء المؤمنين على أنه العلة لرجوع الجميع إليه ولم يذكر في العلة ما هو جزاء الجميع لا جرم يتشوف السامع إلى معرفة جزاء الكافرين فجاء الاستئناف للإعلام بذلك. ونكتة تغيير الأسلوب حيث لم يعطف جزاء الكافرين على جزاء المؤمنين فيقال: ويَجزي الذين كفروا بعذاب الخ كما في قوله: {أية : لينذر بأساً شديداً من لدنه ويُبشر المؤمنين}تفسير : [الكهف: 2] هو الإشارة إلى الاهتمام بجزاء المؤمنين الصالحين وأنه الذي يبادر بالإعلام به وأن جزاء الكافرين جدير بالإعراض عن ذكره لولا سؤال السامعين.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} الآية: ذكر في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار، وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر، كقوله: {أية : يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} تفسير : [الرحمن: 44]، وقوله: {أية : وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُم}تفسير : [محمد: 15]، وقوله: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ} تفسير : [الحج: 19-20]. وقوله: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ} تفسير : [الكهف: 29] الآية، وقوله: {أية : فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ}تفسير : [الواقعة: 54-55]. وذكر في موضع آخر أن الماء الذي يسقون صديد - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك بفضله ورحمته - وذلك في قوله تعالى: {أية : مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} تفسير : [إبراهيم: 16-17] الآية: وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق، كقوله: {أية : هَـٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} تفسير : [ص: 57-58]، وقوله: {أية : لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً} تفسير : [النبأ: 24-25] : والغساق: صديد أهل النار - أعاذنا الله والمسلمين منها - وأصله من غسقت العين سال دمعها. وقيل: هو لغة، البارد المنتن، والحميم الآتي: الماء البالغ غاية الحرارة: والمهل دردي الزيت أو المذاب من النحاس والرصاص: ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَبْدَأُ} {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (4) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ الخَلاَّقُ العَظِيمُ، وَأَنَّ الخَلاَئِقَ تَرْجِعُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يَتْرُكُ مِنْهُمْ أَحَداً حَتَّى يُعِيدَهُ كَمَا كَانَ بَدَأَهُ، وَهذا وَعْدٌ مِنْهُ حَقٌّ لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَلاَ شَكَّ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ كَمَا بَدَأَ الْخَلْقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ يُعِيدُهُ. وَفِي يَوْمِ القِيَامَةِ يَجْزِي الذِينَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، مِنَ المُؤْمِنِينَ، بِالعَدْلِ (بِالقِسْطِ) وَيُوَفِّيهِمْ جَزَاءَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، كَمَا يَجْزِي الذِينَ كَفَرُوا عَلَى كُفْرِهِمْ بِعَدْلِهِ التَّامِّ، وَسَيَكُونُ شَرَابُهُمْ مِنْ مَاءٍ شَدِيدِ الحَرَارَةِ، وَسَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. حَمِيمٍ - مَاءٍ بَالِغِ الغَايَةِ فِي شِدَّةِ الحَرَارَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين يقول سبحانه: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فهذا إعلام لكل الخلق أن كل الأمور معلومة له سبحانه، فقد أنزل التكليف الذي قد يُطاع؛ وقد يُعصى. فمن أطاع يفرح بقوله سبحانه: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً}، ومن عصى يحزن؛ لأنه سيلقى عقاب العصاة حين يرجع إلى الله. ونجد القرآن يقول مرة: "يُرْجَعُون" ومرة يقول: "يَرْجِعون"، فمن عمل صالحاً؛ فهو يفرح بالرجوع إلى الله، ومن عصى وكفر؛ فهو يحزن ويخاف ويتردد ويحاول ألا يرجع، لكنه يُرجَع رغم أنفه، والحق سبحانه يقول: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} تفسير : [الطور: 13]. وقوله سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ...} [يونس: 4]. وسُمِّي هذا المرجع في نفس الآية: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً ...} [يونس: 4]. ولقائل أن يقول: ولكن الوعد يطلق على الأمر الذي سيأتي بخير، فإن كان المرجع للطائع فهذا هو الخير، ولكن العاصي لن يرى في الرجوع خيراً، فلماذا لم يقل الله: إن المرجع للعاصي وعيد؟ وأقول: إن الحق سبحانه إنما ينبه الإنسان لما ينتظره في المستقبل، ويعظه، وترك له الاختيار، وهذا تقديم للخير، وهكذا تصبح المسألة كلها وعْداً. والصيغة التي يتقدم فيها المجرور رغم أن من حقه التأخير، فهي تعني تفرُّد المرجع، فكلنا نرجع إليه سبحانه، مثل قوله سبحانه: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ...} تفسير : [الفاتحة: 5] إذن: فالطائع يفرح بجزاء الله له، وعلى العاصي أن يراجع نفسه قبل أن يرجع إلى الله. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت تنبه التلاميذ إلى أن يذاكروا طوال العام، فالذي يذاكر فعلاً، يفرح بالامتحان؛ لأنه سوف ينجح فيه، والذي لا يذاكر قد يراجع نفسه ويقبل على المذاكرة خوفاً من الرسوب، والتذكير لون من ألوان الإنذار؛ ليتهيب الموقف ويرتدع، وهكذا يصير التذكير وعداً لا وعيداً. ويضيف الحق سبحانه لوصف وعده بأنه حق، فيقول: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} ولقائل أن يقول: أليس كل وعد من الله حقّاً؟ ونقول: نعم. كل وعد من الله هو حق، وشاء الحق سبحانه هنا أن يَصِفَ وعده بأنه حق ليذكرنا بأن الحق هو الشيء الثابت؛ فإن خُيِّل إليك في بعض الأوقات أن الباطل هو السائد والسيد، فلتعلم أن الباطل لا ثبات له ولا سيادة. وسبحانه يقول: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. فحين ينزل المطر نجد كل وادٍ يأخذ من الماء على قَدْر حاجته، وساعة ينزل المطر ويتجمع، نجد القش يطفو ومعه الحشائش والأشياء التي لا فائدة منها؛ لأن الماء في لحظة النزول إنما يُنظف المكان الذي ينزل عليه؛ لذلك تطفو الأشياء الخفيفة وغير المفيدة. كذلك الباطل إنما يطفو على السطح لكنه لا يفيد ولا يزعزع الحق الذي يستقر وينفع الأرض والناس، وطفو الباطل إنما هو تنبيه لجنود الحق، والباطل مَثَلُه مَثَلُ الألم الذي ينبه للمرض، وأخطر الأمراض هو الذي لا ألم فيه، فيستفحل إلى الدرجة التي يصبح علاجه صعباً ومستحيلاً. إذن: فالألم كالباطل ينبه جنود الحق؛ ولذلك أنت تلحظ أنه إذا ما أهيج الإسلام من أي عدو، تجد الحماسة وقد دبَّتْ في الناس جميعاً، حركة وتعاوناً، ونسياناً للأحقاد؛ للدفاع عن الإسلام. وفي الأمراض التي تنتقل ببعض الفيروسات، نجد الأطباء وهم يُطَعِّمون الناس من نفس ميكروبات أو فيروسات المرض بجرعات ضعيفة لتستثير مقاومة الجسم، إذن: فالباطل جندي من جنود الحق، كما أن الألم جندي من جنود العافية. وإذا كان الحق هو القائل: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فلا بد أنه الوعد الحق؛ لأنه سبحانه يملك ما يعد به، وسبحانه منزه عن الكذب وعن الخديعة؛ لأنه القائل: {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً} تفسير : [النساء: 122]. ولأنه أقوى مما خلق؛ وممَّنْ خلق. ولا تخونه إمكاناته؛ لأنه يملك الكون كله. وكلمة "الرجوع" في قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} تفيد أن تكون على شيء ثم تفارق هذا الشيء وبعد ذلك ترجع له، فهي وجود أولاً، ثم خروج عن الوجود، ثم عودة إلى الوجود الأول. فإذا كنت في مكان، ثم ذهبت إلى مكان آخر، وترجع إلى المكان الأول، فهذا هو الرجوع. والقول هنا يفيد أننا سنموت جميعاً، مصداقاً لقوله الحق: {أية : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ} تفسير : [الرحمن: 26-27]. وقد قال الكافرون ما ذكره القرآن: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}تفسير : [ق: 3]. كأنهم قد استبعدوا فكرة البعث، وقالوا أيضاً: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ...} تفسير : [السجدة: 10]. أي: أنهم تساءلوا: هل بعد الموت والدفن وتحلُّل الجثمان إلى عناصر تمتزج بعناصر الأرض، أبعد كل ذلك بعث ونشور؟ وجاء هنا قوله سبحانه: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} ليفيد أن الخروج إلى الوجود بالميلاد إلى الحياة، ثم بعد ذلك خروج على الحياة إلى مقابلها وهو الموت، ومن بعد ذلك البعث. وقد وقف الكافرون عند هذه النقطة واستبعدوها، فأراد الله أن يبيّن لنا هذه المسألة؛ لأنها تتمة التمسك بالمنهج، وكأنه يقول لنا: إياكم أن تظنوا أنكم أخذتم الحياة، وأفلتم بها وتمتعتم، ثم ينتهي الأمر؟ لا، إن هناك بعثاً وحساباً. لذلك قال: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} [يونس: 4]. فإن قال قائل: كيف يكون ذلك. يأتي القول الحق: {إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} فالذي قدر على أن يخلق من عدم؛ أيعجز أن يعيد من موجود؟ إنه الحق القائل: {أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 9]. فإذا شاء أن يعيدكم فلا تتساءلوا كيف؟ لأن ذراتكم موجودة، والحق سبحانه يقول: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق: 15]. هكذا يستدل الحق سبحانه بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني، فإن كنتم تتعجبون من أنكم تعودون بعد أن أوجد الحق أجزاءكم وذراتكم ومواصفاتكم؛ فانظروا إلى الخلق الأول؛ فقد خلقكم من لا شيء؛ أفيعجز أن يعيدكم من شيء؟ {أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ}. وجاء الفلاسفة وأقاموا ضجة، فجاء الحق سبحانه وتعالى من الكون بالأدلة، وقال: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً ...} تفسير : [الحج: 5]. أي: أرضاً ميتة وليس فيها أي حياة. {أية : فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [الحج: 5]. إذن: فلا عجب أن تصدر حياة عن موت، وأنتم ترون ذلك كل ساعة. والحياة التي تراها أمامك ليست إلا دورة؛ لأن الله حين خلق الكون، خلق عناصره، ولا زيادة على هذه العناصر. وخذ مادة واحدة وهي المياه، فمنذ أن خلق الحق سبحانه المياه لم تزد ولم تنقص، ويشرب منها الإنسان والحيوان، ولو أخذ كل واحد في حياته أيّ قدر من المياه، تظل المياه كما هي؛ لأن هذا الإنسان يفرز ما شربه على هيئة عرق وإفرازات مختلفة، وكل ذلك يخرج منه، ويبقى ما يمثل وزنه. إذن: فما أخذته من المياه إنما يخرج منك مختلطاً بأشياء نتيجة التفاعل الذي يعطيك طاقة الحياة، وبعد ذلك يتبخر الماء، وعملية التبخير هي تقطير للماء، فأنت إذا أردت تقطير المياه تسخنها إلى درجة الغليان فتتحول بعد ذلك إلى بخار، ثم تكثفها لتعود مياهاً من جديد. إذن: فالماء له دورة، نروي منه الزرع؛ فيأخذ المائية ويصير أخضر اللون، ويخرج منه الماء الزائد عن حاجته في عملية النتح، ثم يجف، بعد أن تخرج منه المياه بالتبخر، وكل ذلك دون أن يشعر أحد بحكاية التبخير هذه. وأنت حين تُحضِّر كوباً من الماء المقطر في الصيدلية، تتكلف كثيراً، وتحتاج موقداً وإناءً وأنابيب، ثم إلى مياه أخرى باردة لتكثف البخار، ولكن هذه مسألة تحدث في الكون ملايين المرات، ولا يدري بها أحد. وبعد أن تتبخر المياه تصير سحاباً، ثم ينهمر المطر وهو مياه مقطّرة. ولذلك تجد أن مساحة رقعة الماء ثلاثة أرباع الأرض لتخدم الربع الباقي (اليابسة)؛ لأن الله يريد اتساع سطح الأرض، وهذا الاتساع هو الذي يساعد على التقطير والتبخير والتكثيف. مثلما تجيء أنت بكوب ماء، وتضعه في حجرة، ثم تغيب شهراً عن الحجرة، فعند عودتك إليها قد تجد الكوب نقص ما مقداره نصف سنتيمتر تقريباً، لكنك إن أخذت كوب الماء نفسه وألقيت ما فيه من ماء ليسيح على أرض الغرفة، فستجد أن الأرض جفت خلال ساعات قليلة، وهكذا نجد أن اتساع الرقعة إنما يساعد على سرعة البخر. إذن: الكمية التي خلقها الله من المياه كما هي، لم تَزدْ ولم تنقص، تدور الدورة التي شاءها الحق، وهكذا نرى أن الشيء يعود إلى أصله مرة أخرى، ويمكن أن نرى ذلك في كل أوجه الحياة، والحق سبحانه يقول: {أية : وَٱلذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَٱلْحَامِلاَتِ وِقْراً * فَٱلْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَٱلْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} تفسير : [الذاريات: 1-5]. يقسم الحق سبحانه هنا بالرياح التي تحمل السحاب، وتمطر كل سحابة على الموقع المحدَّد لها بأمر من الله، ويلفتنا الحق سبحانه هنا إلى دورة الماء، الذي هو قوام الحياة، بأن الوعد منه سبحانه يتحقق حتماً. تأمّل الوردة، تجد لها نعومة ونضارة؛ لأن فيها شيئاً كثيراً من المائية، ولها لون جميل ورائحة ذكية تفوح، فإذا قطفتها تتساقط أوراقها وتجف؛ لأن ما فيها من المائية يتبخر؛ فما أخذته الوردة من الماء عاد إلى مخزنه مرة أخرى، وكذلك الرائحة تظل في أرواقها الذابلة إلى أن تنتهي، وكذلك اللون، ثم تخرج وردة جديدة. إذن: حياة كل كائن في الوجود والعالم في حركته ناشئة عن هذه الدورة، فإذا كانت مائية حياتكم تدور؛ أتستبعد أن تدور أنت بمكوناتك؟ هَبْ أن إنساناً وُجد ومات؛ بخروج الروح من الجسد ويُوارى الجثمان ويتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل مواد الجثمان مع عناصر الأرض لتصير تراباً، فهل يعجز الحق أن يعيد إلى الوجود أبعاض هذا الإنسان؟ طبعاً لا يمكن أن يعجز. الحياة - إذن - احتكاك هذه الدورات لتلك العناصر، فلم يزد شيء عليها، ولم ينقص منها شيء. واقرأ القرآن بتبصر تجد قوله الحق: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4]. وهكذا يبيِّن لنا الحق أن العناصر كلها موجودة في الكون، قد تزيد في مخلوق عن الآخر، لكن المجموع الكلي لكل العناصر ثابت، وإذا كان العلم قد توصل إلى أن هناك ستة عشر عنصراً تكوِّن الكائنات، فهذه العناصر ثابتة الكمية، وإن اكتشفوا زيادة في عددها، فالزيادة في عدد العناصر ستكون أيضاً ثابتة الكَمِّ لكل عنصر. وقال العلماء: إن الستة عشر عنصراً هي: الأوكسوجين، والكربون، والهيدروجين، والنتروجين، والمغنسيوم، والبوتاسيوم، والصوديوم، وغيرها. كل هذه العناصر تعود إلى أصلها بعد أن تموت الكائنات وتتحلل. هكذا يصدق قول الحق: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4]. وقد حاول بعض الفلاسفة أن يعترضوا اعتراضاً ثانياً وقالوا: هب أن إنساناً مات، ثم تحللت عناصره في الأرض. ألا تذهب عناصره إلى كائنات أخرى، مثل شجرة أنتجت ثمرة أو غير ذلك، ثم أكلها إنسان آخر، فدخلت في أجزائه، إذن: فمن مات ونشأت على أنقاضه ثمرة، أو غير ذلك، ودخلت المكونات في إنسان آخر، فكيف يبعث الله كلَّ إنسان من جديد؟ ونقول: أنت عرفت شيئاً، وغابت عنك أشياء. انظر مثلاً إلى السِّمنة والنحافة كظاهرة موجودة في الناس وتراها كل يوم، ومعنى السمنة أن كمية من مادة معينة تزيد في الإنسان السمين أكثر من مادة الإنسان الآخر النحيف. وقد يطرأ على السمين ما يجعله نحيفاً أو العكس. فهل هذا يغيِّر من شخصيته؟ طبعاً لا، وهكذا نجد فارقاً بين المشخصات وبين تكوين المشخصات من العناصر. وما دام الحق سبحانه قد أعلمنا أنه لا شيء ينقص من الأرض إلا بمقدار مكونات الكائنات الموجودة عليها، فالعناصر التي في الأرض تكفي كل الكائنات، ويوزعها سبحانه بالنسب اللازمة، وأنت إن جمعت هذه العناصر فستجدها ثابتة الكم وإن اختلفت في كيفية تكوين الكائنات. مثال ذلك: أنك تجد إنساناً وزنه مائة كيلو جرام، ويمرض؛ فيهزل وينقص وزنه إلى سبعين كيلو جراما، ومعنى ذلك أن الثلاثين كيلو جراما الأخرى ذهبت إلى الأرض، فلكل جسم قاعدة يقف عندها الوزن إلى سن معينة، وتُعتبر هذه هي القاعدة التي يزيد فوقها الوزن، أو يقل عنها حسب ظروف التغذية والصحة. وأنت ترى الطفل يفرز أقل مما يتناول من الغذاء؛ حتى ينمو، ولو كان يُخرج إفرازات تساوي - في الكمية - ما يأكل ويشرب لَمَا كبر. ومن بعد ذلك يكبر إلى أن يصل إلى وزن ثابت تقريباً، فتخرج منه إفرازات تساوي ما يدخل إليه، ثم تأتي الشيخوخة فيخف الوزن، وهذا يعني أن ما يخرج منه أكثر مما يدخل إليه؛ فتنشأ النحافة. وهَبْ أن طبيباً حاذقاً استطاع أن يعلم الداء الذي يسبب إصابة مريض ما بالهزال، وأعطاه من الدواء ما جعله يسترد عافيته، ومعها ما فُقد من الوزن، وتتحسن تغذية هذا المريض أثناء فترة العلاج، فهل تتغير شخصية هذا المريض؟ طبعاً لا؛ لأن ما خرج منه أثناء الهزال ذهب إلى الأرض، ثم استرد مثله من الأغذية أثناء الشفاء. إذن: فلا تقل: إن هناك شيئاً نقص، فعند الله كتاب حفيظ فيه مكونات كل الكون، ويأتي بعناصر معينة، ويأمرها بـ"كن" فتكون إنساناً، أو تكون كائناً آخر حسب مشيئة الله سبحانه. وإذا كنا نتحدث الآن كيميائياً فنحن نتكلم بذلك؛ ليثبت عقديّاً وعقليّاً؛ لأننا آمنا بأن هناك منهجاً من المكلِّف، والمنهج عُرْضة لأن يطاع أو يعصى، ومَنْ يُطع الله في المنهج، فهو يحدد حريته، والذي لم يُطع الله واستسلم للضياع فهو الخاسر؛ لأن منطق العقل يؤكد أن من يأخذ المنهج ويلتزم به ويكبح شهواته؛ لا يمكن أن يستوي مع من عبث، ولا بد أن يفترض منطق العقل أن يوجد بعث يجازي بالطيبات مَنْ سار على المنهج، ويعاقب مَنْ خرج على المنهج. وما دام قد وجد إله، ووجد بلاغ عن الله بواسطة الرسل، ووجد تكليف بـ "افعل" و "لا تفعل"، ووجدت طاعة للتكليف، ومعصية للتكليف، إذن: لا بد بعد هذه الحياة من بعث، ويأخذ من أحسَنَ جزاءه، وينال مَنْ أساء عقابه؛ ولذلك قال الحق: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ...} [يونس: 4]. جاء هذا القول مطمئناً الملتزمين بالمنهج بأن هناك بعثاً وحساباً؛ لأن المؤمن المطيع لا بد أن ينال حسن الثواب، وأن ينال العاصي الشرير الذي شقيت الدنيا كلها بعصيانه العقاب، ولذلك لا بد من الإعادة؛ ليجزي الله كل واحد بعمله بالقسط. والقسط - كما أوضحنا من قبل - معناه العدل، والمادة هي القاف والسين والطاء. ننطقها مرة "القسط" بكسر القاف. وننطقها مرة أخرى "القسط" بفتح القاف والقسط "بالكسر" هو العدل؛ والقسط "بالفتح" هو الظلم، ولذلك نجد قوله الحق: {أية : وَأَمَّا ٱلْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً} تفسير : [الجن: 15]. والمقصود بالقاسطين: الجائرون على حقوق غيرهم. ونجد قوله الحق: {أية : وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ} تفسير : [المائدة: 42]. والمقْسِطون: هم العادلون بين الناس. إذن: فهناك "قِسْط" و "قَسْط"، وهناك شيء اسمه "قَسَط" بالفتحتين وهو الانحراف في الرِّجلين. إلا أن المستعمل في كلمة "قِسْط" هنا مقصود به العدل، واسم الفاعل منها "قاسط" واستعملت في الجوْر. وهي مأخوذة من القَسْط لا من القِسْط، وتجد من أسماء الله "المُقْسِط"، ولم يصف نفسه بالقاسط بمعنى العادل، أي: ابتدأ بالعدل أولاً، وشاء سبحانه فوصف نفسه بالمُقْسِط، لأنه هو الذي يرفع الجور فيحقق العدل. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} أي: جزاء منه بالعدل، وأيضاً يمكن أن نقول: إنه سبحانه يجزيهم؛ لأنهم عدلوا في العقيدة؛ لأن القرآن الحكيم - كما نعلم - جاء حاكماً وفيصلاً بين قضايا العقائد وقضايا الاختيار في الأفعال وقضايا الأخلاق، وهؤلاء قد أخذوا المنهج بدون ظلم لله فلم يشركوا به أحداً، والحق سبحانه هو القائل: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. إذن: فهم بعدلهم وبقسطهم في أمر العقيدة وأنهم لم يرتكبوا إثم الشرك الذي هو ظلم عظيم؛ وبذلك لم يظلموا أنفسهم أيضاً، ولم يأخذ واحد منهم لنفسه متعة عاجلة؛ لذلك أنقذهم الله من الشقاء الأبدي الطويل، وهم لم يظلموا الناس. ولكل ما تقدم لا بد أن يجزيهم الله على العمل الصالح بسبب عدلهم وقسطهم. وقد يقال: إن الجزاء بالقسط لا زيادة فيه ولا نقصان، فإذا كان الجزاء من الله، فالعدل على مقتضى التشريع أن تكون الحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف سبحانه لمن شاء، هذا هو عدل الله بالتشريع. أو أن الجزاء يُعطى بلا زيادة ولا نقصان جزاء العدل، ولكن ذلك لم يحدد الفضل في هذه الآية. ولذلك حدث إشكال بين علماء الكلام في قول الله سبحانه: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم: 39]. فقال بعضهم: إذا كان الإنسان لا يأخذ إلا جزاء ما سعى، فكيف يُجزى جزاء على الحسنة بعشر أمثالها؟ وكذلك ماذا عن صلاة الجنازة؟ وهل ينتفع بها الميت حين ندعو له بالمغفرة؟ وإن كان الإنسان لا يأخذ إلا ما سعى فلن ينتفع بها الميت، فلماذا كلفنا الحق سبحانه بصلاة الجنازة كفرض كفاية، لا فرض عين؟ ونقول: إن وجود اللام في قوله: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ} يفيد الملْك، أي: الحق، والآية تعطي الحق ولكنها لم تمنع الفضل، أو نقول: هل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المؤمن، والإيمان من عمله، وهو يُجَازي بصلاتنا عليه، أي: جزاء عمله. ويقول سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} وهكذا نعرف أن العذاب الأليم قد جاء لهم بسبب الكفر، مثلما يجيء الجزاء على الأعمال الصالحة للمقابل لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح. إذن: فالقسط هنا تعود على قسط الله، وهو العدل، وكذلك قسطهم هم؛ لأنهم حكموا في الربوبية بالعدل. أما الكافرون، فالعدل معهم أن يذيقهم الله شراباً من حميم بما كانوا يكفرون، وهذا ما يرجح أن القسط هنا هو قسطهم هم. وكلمة {حَمِيمٍ} مأخوذة من مادة "الحاء" و"الميم" و"الميم" وهي مادة كل موارد معانيها فيها الحرارة والسخونة. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ ...} تفسير : [الكهف: 29]. و{كَٱلْمُهْلِ} أي: أنه يغلي، وحين تكون المادة من غير الماء، فدرجة حرارتها أثناء الغليان تكون أعلى من درجة حرارة غليان الماء؛ فالنحاس مثلاً حين يغلي تكون درجته أعلى من درجة غليان الماء، وكذلك الحديد والذهب وغيرها، وسبحانه يقول: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ * كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} تفسير : [الدخان: 43-46]. إذن: فدرجة غليان المهل أعلى من درجة غليان الماء، والمادة كلها تفيد الحرارة. وإن نظرنا إلى كلمة "حمّام" و"استحم"، فهي تعني أن الماء حين ينزل على البدن يكون له ثلاث صور: الصورة الأولى مسح، والصورة الثانية غسل، والصورة الثالثة استحمام. والمسح أن تبل الشيء بالماء بدون أن يقطر منه شيء، والغسل أن تُسَيِّل الماء من الجسد المغسول، والاستحمام أيضاً فيه سيولة للماء. والغسل للتطهير، لكن الاستحمام للتنظيف، فإن أحدثت فأنت تقوم لتتوضأ. {أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ...} تفسير : [المائدة: 6]. تنفيذاً لأمر الله وهو غسل التطهير، ويقوم مقامه التراب في حالة عدم وجود الماء وهو التيمم. أما إذا كانت المسألة تنظيفاً فهي تحتاج إلى الاستحمام؛ لأن مسام الإنسان لها إفرازات قد تكون دهنية، وبعد ذلك تطرأ عليها أتربة تسدها، وهذه المسام أبعاض من الإنسان وأبعاض من تراب طاهر جاء على الجسم، وهي لا تنجسه، فإن اغتسلت فيكفي أن تصب الماء على الجسم، ولو بقي بعض من ذرات التراب على البدن فهذا لا يمنع الطهارة، لكن حين يستحم الإنسان فهو يأتي بماء حار؛ ليذيب القذارة وينقّي المسام، وتخرج بعض الأتربة ومعها الخلايا الجلدية الميتة وكأنها خيوط رفيعة. إذن: هناك فرق بين الغَسْل وهو للتطهير؛ وبين الاستحمام الذي هو للنظافة. ونأخذ منه الحمام، إذن: مادة الحاء والميم والميم فيها الحرارة وفيها السخونة. ويقول الحق هنا: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ}، وكلمة {شَرَابٌ} تفيد الارتواء، فلماذا جاء بها الله هنا؟ إنها تصعيد للعذاب؛ لأن الإنسان يرغب في الشراب ليرطِّب جوفه، فإذا ألهبه ما يشرب، فهذا أكثر إيلاماً مثل قوله تعالى: {أية : وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ ...} تفسير : [الكهف: 29]. وحين تسمع هذه الآية تجد انبساط الأمل في صدر الآية {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ} وهم يستشرفون للنجاة، ثم يأتيهم غوث من لون يناسب ما اقترفوه من ذنوب {يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ}. إذن: فـ {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} أي: بسبب كفرهم. وعرفنا أنهم كفروا بالقضايا العقدية. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ} فالحَميمُ: الحَارُ.