Verse. 1369 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

ھُوَالَّذِيْ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاۗءً وَّالْقَمَرَ نُوْرًا وَّقَدَّرَہٗ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوْا عَدَدَ السِّـنِيْنَ وَالْحِسَابَ۝۰ۭ مَا خَلَقَ اللہُ ذٰلِكَ اِلَّا بِالْحَقِّ۝۰ۚ يُفَصِّلُ الْاٰيٰتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمُوْنَ۝۵
Huwa allathee jaAAala alshshamsa diyaan waalqamara nooran waqaddarahu manazila litaAAlamoo AAadada alssineena waalhisaba ma khalaqa Allahu thalika illa bialhaqqi yufassilu alayati liqawmin yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«هو الذي جعل الشمس ضياءً» ذات ضياء، أي نور «والقمر نورا وقدره» من حيث سيره «منازل» ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما «لتعلموا» بذلك «عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك» المذكور «إلا بالحق» لا عبثا تعالى عن ذلك «يفصل» بالياء والنون يبين «الآيات لقوم يعلمون» يتدبرون.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر الدلائل الدالة على الإلهية، ثم فرع عليها صحة القول بالحشر والنشر، عاد مرة أخرى إلى ذكر الدلائل الدالة على الإلهية. واعلم أن الدلائل المتقدمة في إثبات التوحيد والإلهية هي التمسك بخلق السموات والأرض، وهذا النوع إشارة إلى التمسك بأحوال الشمس والقمر، وهذا النوع الأخير إشارة إلى ما يؤكد الدليل الدال على صحة الحشر والنشر، وذلك لأنه تعالى أثبت القول بصحة الحشر والنشر، بناء على أنه لا بد من إيصال الثواب إلى أهل الطاعة، وإيصال العقاب إلى أهل الكفر، وأنه يجب في الحكمة تمييز المحسن عن المسيء، ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أنه جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وقدره منازل ليتوصل المكلف بذلك إلى معرفة السنين والحساب، فيمكنه ترتيب مهمات معاشه من الزراعة والحراثة، وإعداد مهمات الشتاء والصيف، فكأنه تعالى يقول: تمييز المحسن عن المسيء والمطيع عن العاصي، أوجب في الحكمة من تعليم أحوال السنين والشهور. فلما اقتضت الحكمة والرحمة خلق الشمس والقمر لهذا المهم الذي لا نفع له إلا في الدنيا. فبأن تقتضي الحكمة والرحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت، مع أنه يقتضي النفع الأبدي والسعادة السرمدية، كان ذلك أولى. فلما كان الاستدلال بأحوال الشمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية مما يدل على التوحيد من وجه، وعلى صحة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر الله هذا الدليل بعد ذكر الدليل على صحة المعاد. المسألة الثانية: الاستدلال بأحوال الشمس والقمر على وجود الصانع المقدر هو أن يقال: الأجسام في ذواتها متماثلة، وفي ماهياتها متساوية، ومتى كان الأمر كذلك كان اختصاص جسم الشمس بضوئه الباهر وشعاعه القاهر، واختصاص جسم القمر بنوره المخصوص لأجل الفاعل الحكيم المختار، أما بيان أن الأجسام متماثلة في ذواتها وماهياتها، فالدليل عليه أن الأجسام لا شك أنها متساوية في الحجمية والتحيز والجرمية، فلو خالف بعضها بعضاً لكانت تلك المخالفة في أمر وراء الحجمية والجرمية ضرورة أن ما به المخالفة غير ما به المشاركة، وإذا كان كذلك فنقول أن ما به حصلت المخالفة من الأجسام إما أن يكون صفة لها أو موصوفاً بها أو لا صفة لها ولا موصوفاً بها والكل باطل. أما القسم الأول: فلأن ما به حصلت المخالفة لو كانت صفات قائمة بتلك الذوات، فتكون الذوات في أنفسها، مع قطع النظر عن تلك الصفات، متساوية في تمام الماهية، وإذا كان الأمر كذلك، فكل ما يصح على جسم، وجب أن يصح على كل جسم، وذلك هو المطلوب. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن الذي به خالف بعض الأجسام بعضاً، أمور موصوفة بالجسمية والتحيز والمقدار. فنقول: هذا أيضاً باطل. لأن ذلك الموصوف، إما أن يكون حجماً ومتحيزاً أو لا يكون، والأول باطل، وإلا لزم افتقاره إلى محل آخر، ويستمر ذلك إلى غير النهاية. وأيضاً فعلى هذا التقدير يكون المحل مثلاً للحال، ولم يكن كون أحدهما محلاً والآخر حالاً، أولى من العكس، فيلزم كون كل واحد منهما محلاً للآخر وحالاً فيه، وذلك محال، وأما إن كان ذلك المحل غير متحيز، وله حجم. فنقول: مثل هذا الشيء لا يكون له اختصاص بحيز ولا تعلق بجهة والجسم مختص بالحيز، وحاصل في الجهة، والشيء الذي يكون واجب الحصول في الحيز والجهة، يمتنع أن يكون حالاً في الشيء الذي يمتنع حصوله في الحيز والجهة. وأما القسم الثالث: وهو أن يقال: ما به خالف جسم جسماً، لا حال في الجسم ولا محل له، فهذا أيضاً باطل، لأن على هذا التقدير يكون ذلك الشيء شيئاً مبايناً عن الجسم لا تعلق له به، فحينئذ تكون ذوات الأجسام من حيث ذواتها متساوية في تمام الماهية، وذلك هو المطلوب، فثبت أن الأجسام بأسرها متساوية في تمام الماهية. وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المتساوية في تمام الماهية تكون متساوية في جميع لوازم الماهية، فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على الباقي، فلما صح على جرم الشمس اختصاصه بالضوء القاهر الباهر، وجب أن يصح مثل ذلك الضوء القاهر على جرم القمر أيضاً، وبالعكس. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون اختصاص جرم الشمس بضوئه القاهر، واختصاص القمر بنوره الضعيف بتخصيص مخصص وإيجاد موجد. وتقدير مقدر وذلك هو المطلوب، فثبت أن اختصاص الشمس بذلك الضوء بجعل جاعل، وأن اختصاص القمر بذلك النوع من النور بجعل جاعل، فثبت بالدليل القاطع صحة قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } وهو المطلوب. المسألة الثالثة: قال أبو علي الفارسي: الضياء لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط وحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء ضياء كقولك قام قياماً، وصام صياماً، وعلى أي الوجهين حملته، فالمضاف محذوف، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، ويجوز أن يكون من غير ذلك لأنه لما عظم الضوء والنور فيهما جعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم أنه كرم وجود. المسألة الرابعة: قال الواحدي: روي عن ابن كثير من طريق قنبل {ضئاء} بهمزتين وأكثر الناس على تغليطه فيه، لأن ياء ضياء منقلبة من واو مثل ياء قيام وصيام، فلا وجه للهمزة فيها. ثم قال: وعلى البعد يجوز أن يقال قدم اللام التي هي الهمزة إلى موضع العين، وأخر العين التي هي واو، إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفاً بعد ألف زائدة انقلبت همزة، كما انقلبت في سقاء وبابه. والله أعلم. المسألة الخامسة: اعلم أن النور كيفية قابلة للأشد والأضعف، فإن نور الصباح أضعف من النور الحاصل في أول النهار قبل طلوع الشمس،وهو أضعف من النور الحاصل في أفنية الجدران عند طلوع الشمس، وهو أضعف من النور الساطع من الشمس على الجدران، وهو أضعف من الضوء القائم بجرم الشمس، فكمال هذه الكيفية المسماة بالضوء على ما يحس به في جرم الشمس، وهو في الإمكان وجود مرتبة في الضوء أقوى من الكيفية القائمة بالشمس، فهو من مواقف العقول. واختلف الناس في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض؟ والحق أنه عرض، وهو كيفية مخصوصة، وإذا ثبت أنه عرض فهل حدوثه في هذا العالم بتأثير قرص الشمس أو لأجل أن الله تعالى أجرى عادته بخلق هذه الكيفية في الأجرام المقابلة لقرص الشمس على سبيل العادة، فهي مباحث عميقة، وإنما يليق الاستقصاء فيها بعلوم المعقولات. وإذا عرفت هذا فنقول: النور اسم لأصل هذه الكيفية، وأما الضوء، فهو اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية، والدليل عليه أنه تعالى سمى الكيفية القائمة بالشمس {ٱلشَّمْسَ ضِيَاء } والكيفية القائمة بالقمر {نُوراً } ولا شك أن الكيفية القائمة بالشمس أقوى وأكمل من الكيفية القائمة بالقمر، وقال في موضع آخر: { أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً } تفسير : [الفرقان:61] وقال في آية أخرى: { أية : وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } تفسير : [نوح:16] وفي آية أخرى { أية : وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } تفسير : [النبأ:13] المسألة السادسة: قوله: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } نظيره. قوله تعالى في سورة يس: { أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ } تفسير : [يس: 39] وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى وقدر مسيره منازل. والثاني: أن يكون المعنى وقدره ذا منازل. المسألة السابعة: الضمير في قوله: {وَقَدَّرَهُ } فيه وجهان: الأول: أنه لهما، وإنما وحد الضمير للإيجاز، وإلا فهو في معنى التثنية اكتفاء بالمعلوم، لأن عدد السنين والحساب إنما يعرف بسير الشمس والقمر، ونظيره قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62] والثاني: أن يكون هذا الضمير راجعاً إلى القمر وحده، لأن بسير القمر تعرف الشهور، وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: { أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَـٰبِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 36]. المسألة الثامنة: اعلم أن انتفاع الخلق بضوء الشمس وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل. وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم. وبحركة القمر تحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة الضوء ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم. وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، فالنهار يكون زماناً للتكسب والطلب، والليل يكون زماناً للراحة، وقد استقصينا في منافع الشمس والقمر في تفسير الآيات اللائقة بها فيما سلف، وكل ذلك يدل على كثرة رحمة الله على الخلق وعظم عنايته بهم، فإنا قد دللنا على أن الأجسام متساوية. ومتى كان كذلك كان اختصاص كل جسم بشكله المعين ووضعه المعين، وحيزه المعين، وصفته المعينة، ليس إلا بتدبير مدبر حكيم رحيم قادر قاهر. وذلك يدل على أن جميع المنافع الحاصلة في هذا العالم بسبب حركات الأفلاك ومسير الشمس والقمر والكواكب، ما حصل إلا بتدبير المدبر المقدر الرحيم الحكيم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ثم إنه تعالى لما قرر هذه الدلائل ختمها بقوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } ومعناه أنه تعالى خلقه على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة، ونظيره قوله تعالى في آل عمران: { أية : وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ } تفسير : [آل عمران: 191] وقال في سورة آخرى: { أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [ص: 27] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنه تعالى لو كان مريداً لكل ظلم، وخالقاً لكل قبيح، ومريداً لإضلال من ضل، لما صح أن يصف نفسه بأنه ما خلق ذلك إلا بالحق. المسألة الثانية: قال حكماء الإسلام: هذا يدل على أنه سبحانه أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواص معينة وقوى مخصوصة، باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السفلي. إذ لو لم يكن لها آثار وفوائد في هذا العالم، لكان خلقها عبثاً وباطلاً وغير مفيد، وهذه النصوص تنافي ذلك، والله أعلم. ثم بين تعالى أنه يفصل الآيات، ومعنى التفصيل هو ذكر هذه الدلائل الباهرة، واحداً عقيب الآخر، فصلاً فصلاً مع الشرع والبيان. وفي قوله: {نُفَصّلُ } قراءتان: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم {يُفَصّلُ } بالياء، وقرأ الباقون بالنون. ثم قال: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وفيه قولان: الأول: أن المراد منه العقل الذي يعم الكل. والثاني: أن المراد منه من تفكر وعلم فوائد مخلوقاته وآثار إحسانه، وحجة القول الأول: عموم اللفظ، وحجة القول الثاني: أنه لا يمتنع أن يخص الله سبحانه وتعالى العلماء بهذا الذكر، لأنهم هم الذين انتفعوا بهذه الدلائل، فجاء كما في قوله: { أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 45] مع أنه عليه السلام كان منذراً للكل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} مفعولان، أي مضيئة، ولم يؤنّث لأنه مصدر؛ أو ذات ضياء {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} عطف، أي منيراً، أو ذا نور، فالضياء ما يضيء الأشياء، والنور ما يبين فيخفى، لأنه من النار من أصل واحد. والضياء جمع ضوء؛ كالسياط والحياض جمع سَوط وحَوض. وقرأ قُنْبُل عن ابن كثير «ضئَاءً» بهمز الياء ولا وجه له؛ لأن ياءه كانت واواً مفتوحة وهي عين الفعل، أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام. قال المهدويّ: ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب، قدّمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف فصار ضئايا، ثم قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة. وكذلك إن قدّرت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضاً فوزنه فلاع مقلوب من فعال. ويقال: إن الشمس والقمر تضيء وجوههما لأهل السموات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع. قوله تعالى: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي ذا منازل، أو قدر له منازل. ثم قيل: المعنى وقدّرهما، فوحّد إيجازاً واختصاراً؛ كما قال: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11]. وكما قال:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلِفُ تفسير : وقيل: إن الإخبار عن القمر وحده؛ إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها، كما تقدّم في «البقرة». وفي سورة يسۤ. {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ}تفسير : [يسۤ: 39] أي على عدد الشهر، وهو ثمانية وعشرون منزلاً. ويومان للنقصان والمحاق، وهناك يأتي بيانه. قوله تعالى: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} قال ٱبن عباس: لو جعل شمسين، شمساً بالنهار وشمساً بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يُعلم عدد السنين وحسابُ الشهور. وواحد «السِّنين» سنة، ومن العرب من يقول: سنوات في الجمع. ومنهم من يقول: سنهات. والتصغير سُنَيّة وسُنَيْهة. قوله تعالى: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا الحكمةَ والصواب، وإظهاراً لصنعته وحكمته، ودلالةً على قدرته وعلمه، ولتجزى كل نفس بما كسبت؛ فهذا هو الحق. قوله تعالى: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} تفصيل الآيات تبيينها ليُستدلّ بها على قدرته تعالى، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا إيجاب؛ فيكون هذا لهم دليلاً على أن ذلك بإرادة مريد. وقرأ ٱبن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب «يفصل» بالياء، وٱختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله من قبله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} وبعده «وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» فيكون متبعاً له. وقرأ ٱبن السَّمَيْقع «تفصل» بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، و «الآيات» رفعاً. الباقون «نفصل» بالنون على التعظيم.

البيضاوي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاءً} أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط والياء فيه منقلبة عن الواو. وقرأ ابن كثير برواية قنبل هنا وفي «الأنبياء» وفي «القصص» «ضئاء» بهمزتين على القلب بتقديم اللام على العين. {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} أي ذا نور أو سمي نوراً للمبالغة وهو أعم من الضوء كما عرفت، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور، وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيراً بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها. {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدره ذا منازل أو للقمر وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به ولذلك علله بقوله: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم. {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ} إلا ملتبساً بالحق مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة. {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها وقرأ ابن كثير والبصريان وحفص «يفصل» بالياء. {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} من أنواع الكائنات. {لأَيَاتٍ} على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته. {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} العواقب فإنه يحملهم على التفكر والتدبر. {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} لا يتوقعونه لإنكارهم البعث وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها. {وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} من الآخرة لغفلتهم عنها. {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} وسكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ} لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً والانهماك في الشهوات بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلاً، وإما لتغاير الفريقين والمراد بالأولين من أنكر البعث ولم ير إلاَّ الحياة الدنيا وبالآخرين من أَلهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والاعداد له. {أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لإدراك الحقائق كما قال عليه الصلاة والسلام «حديث : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم»تفسير : أو لما يريدونه في الجنة، ومفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهداية هو الإِيمان والعمل الصالح لكن دل منطوق قوله: {بِإِيمَانِهِمْ} على استقلال الإِيمان بالسببية وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له. {تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ} استئناف أو خبر ثان أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير، وقوله: {فِي جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ} خبر أو حال أخرى منه، أو من {ٱلأَنْهَـٰرَ} أو متعلق بـ {تَجْرِى} أو بيهدي. {دَعْوٰهُمْ فِيهَا} أي دعاؤهم. {سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ} اللهم إنا نسبحك تسبيحاً. {وَتَحِيَّتُهُمْ} ما يحيي به بعضهم بعضاً، أو تحية الملائكة إياهم. { فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ} وآخر دعائهم. {أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي أن يقولوا ذلك، ولعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإِكرام، و {أن} هي المخففة من الثقيلة وقد قرىء بها وبنصب {ٱلْحَمْدُ}.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نوراً، هذا فن، وهذا فن آخر، ففاوت بينهما؛ لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيراً ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس:39-40] وقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً} تفسير : [الأنعام: 96] الآية، وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَقَدَّرَهُ} أي: القمر {مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: لم يخلقه عبثاً، بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة؛ كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلاَْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [ص: 27] وقال تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [المؤمنون:115-116] وقوله: {يُفَصِّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي: يبين الحجج والأدلة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وقوله: {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: تعاقبهما، إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئاً؛ كقوله تعالى: {أية : يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} تفسير : [الأعراف: 54] وقال: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ} تفسير : [يس: 40] الآية. وقال تعالى: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً} تفسير : [الأنعام: 96] الآية، وقوله: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى؛ كما قال: {أية : وَكَأَيِّن مِّن ءَايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [يوسف: 105] الآية، وقوله: {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِى ٱلآيَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس: 101] وقال: {أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 9] وقال: {أية : إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لأَيَـٰتٍ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} تفسير : [آل عمران: 190] أي: العقول، وقال ههنا: {لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} أي: عقاب الله وسخطَه وعذابه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيآءً } ذات ضياء: أي نور {وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ } من حيث سيره {مَنَازِلَ } ثمانية وعشرين منزلاً في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوماً {لِّتَعْلَمُواْ } بذلك {عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ } المذكور {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } لا عبثاً تعالى عن ذلك {يُفَصِّلُ } بالياء والنون: يبين {ٱلأَيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يتدبرون.

الشوكاني

.تفسير : ذكر ها هنا بعض نعمه على المكلفين، وهي مما يستدل به على وجوده ووحدته، وقدرته وعلمه، وحكمته بإتقان صنعه في هذين النيرين المتعاقبين على الدوام، بعدما ذكر قبل هذا إبداعه للسموات والأرض، واستواءه على العرش، وغير ذلك. والضياء قيل: جمع ضوء، كالسياط والحياض. وقرأ قنبل عن ابن كثير «ضئاء» بجعل الياء همزة مع الهمزة. ولا وجه له، لأن ياءه كانت واواً مفتوحة، وأصله: «ضواء» فقلبت ياء لكسر ما قبلها. قال المهدوي: ومن قرأ "ضئاء" بالهمزة فهو مقلوب قدّمت الهمزة التي بعد الألف، فصارت قبل الألف، ثم قلبت الياء همزة، والأولى: أن يكون {ضياء} مصدراً لا جمعاً، مثل قام يقوم قياماً، وصام يصوم صياماً، ولا بدّ من تقدير مضاف: أي: جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة، وكأنهما جعلا نفس الضياء والنور. قيل: الضياء أقوى من النور، وقيل الضياء هو ما كان بالذات، والنور ما كان بالعرض، ومن هنا قال الحكماء: إن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس. قوله: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } أي: قدر مسيره في منازل، أو قدره ذا منازل، والضمير راجع إلى القمر، ومنازل القمر: هي المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به، وجملتها ثمانية وعشرون وهي معروفة، ينزل القمر في كل ليلة منها منزلاً لا يتخطاه، فيبدو صغيراً في أول منازله، ثم يكبر قليلاً قليلاً حتى يبدو كاملاً، وإذا كان في آخر منازله رقّ واستقوس، ثم يستتر ليلتين إذا كان الشهر كاملاً، أو ليلة إذا كان ناقصاً، والكلام في هذا يطول، وقد جمعنا فيه رسالة مستقلة جواباً عن سؤال أورده علينا بعض الأعلام. وقيل: إن الضمير راجع إلى كل واحد من الشمس والقمر، كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11]. وفي قول الشاعر:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وقد قدّمنا تحقيق هذا فيما سبق من هذا التفسير، والأولى رجوع الضمير إلى القمر وحده، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ }تفسير : [يۤس: 39]، ثم ذكر بعض المنافع المتعلقة بهذا التقدير، فقال: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } فإن في العلم بعدد السنين من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى، وفي العلم بحساب الأشهر والأيام والليالي من ذلك ما لا يخفى، ولولا هذا التقدير الذي قدّره الله سبحانه، لم يعلم الناس بذلك ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم. والسنة تتحصل من اثني عشر شهراً، والشهر يتحصل من ثلاثين يوماً إن كان كاملاً، واليوم يتحصل من ساعات معلومة هي: أربع وعشرون ساعة لليل والنهار، قد يكون لكل واحد منهما اثنتا عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد أحدهما على الآخر في أيام الزيادة وأيام النقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية والقمرية معروف؛ ثم بيّن سبحانه أنه ما خلق الشمس والقمر، واختلاف تلك الأحوال إلا بالحق والصواب، دون الباطل والعبث، فالإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى المذكور قبله، واستثناء مفرّغ من أعم الأحوال، ومعنى تفصيل الآيات تبينها، والمراد بالآيات التكوينية أو التنزيلية أو مجموعهما، وتدخل هذه الآيات التكوينية المذكورة هنا دخولاً أوّلياً في ذلك. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب: {يفصل} بالتحتية. وقرأ ابن السميفع «تفصل» بالفوقية على البناء للمفعول. وقرأ الباقون بالنون. واختار أبو عبيد، وأبو حاتم، القراءة الأولى، ولعل وجه هذا الاختيار أن قبل هذا الفعل {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } وبعده {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ }. ثم ذكر سبحانه المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وما خلق في السموات والأرض من تلك المخلوقات، فقال: {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } أي: الذين يتقون الله سبحانه، ويجتنبون معاصيه، وخصهم بهذه الآيات لأنهم الذين يمعنون النظر والتفكر في مخلوقات الله سبحانه حذراً منهم عن الوقوع في شيء مما يخالف مراد الله سبحانه، ونظراً لعاقبة أمرهم، وما يصلحهم في معادهم. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لبقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بدّ من أمر ونهي. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، في قوله تعالى: {جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً } قال: لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي يعرف الليل من النهار، وهو قوله: {أية : فَمَحَوْنَا ءايَةَ ٱلَّيْلِ } تفسير : [الإسراء: 12]. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال: وجوههما إلى السموات، وأقفيتهما إلى الأرض. وأخرج ابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن خليفة العبدي، قال: لو أن الله تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد، ولكن المؤمنون تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فملأ كل شيء وغطى كل شيء، وفي مجيء سلطان النهار إذا جاء فمحا سلطان الليل، وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض، وفي النجوم، وفي الشتاء والصيف، فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم تبارك وتعالى حتى أيقنت قلوبهم بربهم.

ابن عطية

تفسير : هذا استمرار على وصف آيات الله والتنبيه على صنعته الدالة على الصانع، وهذه الآية تقتضي أن " الضياء" أعظم من " النور" وأبهى بحسب {الشمس} و {القمر} ، ويلحق ها هنا اعتراض وهو أنّا وجدنا الله تعالى شبه هداه ولطفه بخلقه بالنور فقال {أية : الله نور السماوات والأرض} تفسير : [ النور: 35]، وهذا يقتضي أن النور أعظم هذه الأشياء وأبلغها في الشروق وإلا فلم ترك التشبيه إلا على الذي هو " الضياء" وعدل إلى الأقل الذي هو "النور " فالجواب عن هذا والانفصال: أن تقول إن لفظة النور أحكم وأبلغ في قوله {أية : الله نور السماوات والارض} تفسير : [النور: 35]، وذلك أنه تعالى شبه هداه ولطفه الذي نصبه لقوم يهتدون وآخرين يضلون مع النور الذي هو أبداً موجود في الليل وأثناء الظلام، ولو شبهه بالضياء لوجب أن لا يضل أحد إذ كان الهدى يكون مثل الشمس التي لا تبقى معها ظلمة، فمعنى الآية أن الله تعالى قد جعل هداه في الكفر كالنور في الظلام فيهتدي قوم ويضل آخرون، ولو جعله كالضياء لوجب أن لا يضل أحد وبقي الضياء على هذا الانفصال أبلغ في الشروق كما اقتضت آيتنا هذه والله عز وجل هو ضياء السماوات والأرض ونورها وقيومها، ويحتمل أن يعترض هذا الانفصال والله المستعان، وقوله: {وقدره منازل} يريد البروج المذكورة في غير هذه الآية، وأما الضمير الذي رده على {القمر } وقد تقدم ذكر {الشمس} معه فيحتمل أن يريد بالضمير " القمر " وحده لأنه هو المراعى في معرفة {عدد السنين والحساب } عند العرب ويحتمل أن يريدهما معاً بحسب أنهما يتصرفان في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب. لكنه اجتزأ بذكر الواحد كما قال {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه } تفسير : [التوبة: 62] وكما قال الشاعر [أبو حيان ]: [الطويل] شعر : رماني بذنب كنت منه ووالدي بريّاً ومن أجل الطويّ رماني تفسير : قال الزجّاج وكما قال الآخر: [المنسرح] شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عنـ دك راضٍ والرأي مختلفُ تفسير : وقوله {لتعلموا} المعنى قدر هذين النيرين، {منازل} لكي {تعلموا} بها، {عدد السنين والحساب } رفقاً بكم ورفعاً للالتباس في معاشكم وتجركم وإجاراتكم وغير ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة التواريخ، وقوله {ما خلق الله ذلك إلا بالحق } أي للفائدة لا للعب والإهمال فهي إذاً يحق أن تكون كما هي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص " يفصل الآيات "، وقرأ ابن كثير أيضاً وعاصم والباقون والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل مكة والحسن والأعمش " نفصل " بنون العظمة، وقوله {لقوم يعلمون } إنما خصهم لأن نفع التفصيل فيهم ظهر وعليهم أضاء وإن كان التفصيل إنما وقع مجملاً للكل معداً ليحصله الجميع، وقرأ جمهور السبعة وقد رويت عن ابن كثير " ضياء"، وقرأ ابن كثير وحده فيما روي أيضاً عنه " ضئاء" بهمزتين، وأصله ضياء فقلبت فجاءت ضئائاً، فقلبت الياء همزة لوقوعها بين ألفين، وقال أبو علي: وهي غلط، وقوله تعالى {إن في اختلاف الليل والنهار} الآية، آية اعتبار وتنبيه، ولفظة الاختلاف تعم تعاقب الليل والنهار وكونهما خلفه وما يتعاورانه من الزيادة والنقص وغير ذلك من لواحق سير الشمس وبحسب أقطار الأرض، قوله {وما خلق الله في السماوات والأرض} لفظ عام لجميع المخلوقات، و" الآيات " العلامات والدلائل، وخصص " القوم المتقين " تشريفاً لهم إذ الاعتبار فيهم يقع ونسبتهم إلى هذه الأشياء المنظور فيها أفضل من نسبة من لم يهتد ولا اتقى.

النسفي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء } الياء فيه منقلبة عن واو «ضواء» لكثرة ما قبلها وقلبها قنبل همزة لأنها للحركة أجمل {وَٱلْقَمَرَ نُوراً } والضياء أقوى من النور فلذا جعله للشمس {وَقَدَّرَهُ } وقدر القمر أي وقدر مسيره {مَنَازِلَ } أو وقدره ذا منازل كقوله {أية : والقمر قدرناه منازل } تفسير : [يٰس:39] {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ } أي عدد السنين والشهور فاكتفى بالسنين لاشتمالها على الشهور {وَٱلْحِسَابَ } وحساب الآجال والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ } المذكور {إِلاّ} ملتبساً { بِٱلْحَقّ } الذي هو الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثاً {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } مكي وبصري وحفص وبالنون غيرهم {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فينتفعون بالتأمل فيها. {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } في مجيء كل واحد منهما خلف الآخر أو في اختلاف لونيهما { وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } من الخلائق {لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } خصهم بالذكر لأنهم يحذرون الآخر فيدعوهم الحذر إلى النظر.

الخازن

تفسير : {هو الذي جعل الشمس ضياء} يعني ذات ضياء {والقمر نوراً} يعني ذا نور. واختلف العلماء أصحاب الكلام في أن الشعاع الفائض من الشمس هل هو جسم أو عرض، والحق أنه عرض وهو كيفية مخصوصة فالنور اسم لأصل هذه الكيفية والضوء اسم لهذه الكيفية إذا كانت كاملة تامة قوية فلهذا خص الشمس بالضياء لأنها أقوى وأكمل من النور وخص القمر بالنور لأنه أضعف من الضياء ولأنهما لو تساويا لم يعرف الليل من النهار فدل ذلك على أن الضياء المختص بالشمس أكمل وأقوى من النور المختص بالقمر {وقدَّره منازل} قيل: الضمير في وقدَّره يرجع إلى الشمس والقمر والمعنى قدر لهما منازل أو قدر لسيرهما منازل لا يجاوزانهما في السير ولا يقصران عنهما وإنما وحد الضمير في وقدره للإيجاز أو اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر فهو كقوله سبحانه وتعالى: {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه}تفسير : [التوبة: 62] وقيل: الضمير في وقدره يرجع إلى القمر وحده لأن سير القمر في المنازل أسرع وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين وذلك لأن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة والسنة المعتبرة في الشرع هي السنة القمرية لا الشمسية. ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة: وهي الشرطين، والبطين، والثرايا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف والجبهة، والزبرة، والصفرة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت، فهذه منازل القمر وهي مقسومة على اثني عشر برجاً وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، لكل برج منزلان وثلث منزل وينزل القمر كل ليلة منزلاً منهما إلى انقضاء ثمانية وعشرين ليلة ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين وإن كان تسعاً وعشرين اختفى ليلة واحدة {لتعلموا عدد السنين} يعني قدر هذه المنازل لتعلموا بها عدد السنين ووقت دخولها وانقضائها {والحساب} يعني: ولتعلموا حساب الشهور والأيام والساعات ونقصانها وزيادتها {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} يعني للحق وإظهار قدرته ودلائل وحدانيته ولم يخلق ذلك باطلاً ولا عبثاً {يفصل الآيات لقوم يعلمون} يعني يبين دلائل التوحيد بالبراهين القاطعة لقوم يستدلون بها على قدرة الله ووحدانيته {إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون} تقدم تفسير هذه الآية في نظائرها {إن الذين لا يرجون لقاءنا} يعني لا يخافون لقاءنا يوم القيامة فهم مكذبون بالثواب والعقاب والرجاء يكون بمعنى الخوف تقول العرب: فلان لا يرجو فلاناً بمعنى: لا يخافه، ومنه قوله سبحانه وتعالى ما لكم لا ترجون الله وقاراً ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها تفسير : أي لم يخفه. والرجاء يكون بمعنى الطمع، فيكون المعنى: لا يطمعون في ثوابنا {ورضوا بالحياة الدنيا} يعني: اختاروها وعملوا في طلبها فهم راضون بزينة الدنيا وزخرفها {واطمأنوا بها} يعني وسكنوا إليها مطمئنين فيها وهذه الطمأنينة التي حصلت في قلوب الكفار من الميل إلى الدنيا ولذاتها أزالت عن قلوبهم الوجل والخوف فإذا سمعوا الإنذار والتخويف لم يصل ذلك إلى قلوبهم {والذين هم عن آياتنا غافلون} قيل المراد بالآيات أدلة التوحيد. وقال ابن عباس: عن آياتنا يعني عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؛ غافلون: أي معرضون.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً...} الآية: هذا استمرارٌ على وَصْف آياته سبحانه، والتنْبيه على صنعته الدَّالة علَى وحدانيته، وعظيم قُدْرته. وقوله: {قَدَّرَهُ مَنَازِلَ}: يحتمل أنْ يعود الضمير على «القمر» وحده؛ لأنه المراعَى في معرفة عَدَدِ السِّنينَ والحِسَابِ عنْد العرب، ويحتمل أنْ يريدَ الشَّمْسَ والقَمَرَ معاً، لكنه ٱجتزأ بذكْر أَحدهما؛ كما قال: { أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة:62]. وقوله: {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } أيْ: رفقاً بكم، ورَفعاً للالتباس في معايشِكُم وغير ذلك مما يُضْطَرُّ فيه إلى معرفة التواريخ. وقوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }: إِنما خصهم، لأن نَفْعَ هذا فيهم ظَهَرَ. وقوله سبحانه: {إِنَّ فِي ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية: آية ٱعتبارٍ وتنبيهٍ، والآياتُ: العلامات، وخصَّص القوم المتَّقين؛ تشريفاً لهم؛ إِذ ٱلاعتبارُ فيهم يقع، ونسبتهم إِلَى هذه الأشياء المَنْظُور فيها أَفْضَلُ مِنْ نسبة مَنْ لم يَهْتَدِ ولا ٱتَّقى. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا...} الآية: قال أبو عُبَيْدة وغيره: {يَرْجُونَ }، في هذه الآية: بمعنى يخافُون؛ وٱحتجُّوا ببَيْتِ أَبي ذُؤَيْبٍ: [الطويل] شعر : إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ تفسير : وقال ابن سِيدَه والفرّاء: لفظة الرَّجاءِ، إِذا جاءَتْ منفيَّةً، فإِنها تكونُ بمعنى الخَوْفِ، فعَلَى هذا التأويل معنى الآية: إِنَّ الذين لا يخافون لقاءنا، وقال بعض أهل العلم: الرجاءُ، في هذه الآية: على بابه؛ وذلك أن الكافر المكذِّب بالبعث لا يُحْسِنُ ظَنًّا بأنه يَلْقَى اللَّه، ولا له في الآخرة أمَلٌ؛ إِذ لو كان له فيها أَمَلٌ؛ لقارنه لا محالة خَوْفٌ، وهذه الحالُ من الخَوْفِ المقارِنِ هي القائِدَةُ إِلى النجاة. قال * ع *: والذي أقُولُ به: إنَّ الرجاء في كلِّ موضع هو علَى بابه، وأنَّ بيت الهُذَلِيِّ معناه: لَمْ يَرْجُ فَقَدْ لَسْعِهَا، قال ابن زَيْد: هذه الآية في الكُفَّار. وقوله سبحانه: {وَرَضُواْ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}: يريد: كَانَتْ مُنتَهى غرضهم، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: إِذا شئْتَ رأَيْت هذا الموصُوفَ صاحِبَ دنيا، لها يغضبُ، ولها يرضَى، ولها يفرح، ولها يهتَمُّ ويحزن، فكأَنَّ قتادةَ صَوَّرها في العصاةِ، ولا يترتب ذلك إِلا مع تأوُّل الرَّجَاءِ على بابه؛ لأن المؤمِنَ العاصِيَ مستَوْحِشٌ من آخرته، فأما على التأويلِ الأول، فمن لا يخافُ اللَّه، فهو كَافِرٌ. وقوله: {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا}: تكميلٌ في معنى القناعةِ بها، والرفْضِ لغيرها. وقوله: {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ }: يحتمل أنْ يكون ٱبتداءَ إِشارةٍ إِلى فرقةٍ أُخرَى، ثم عقَّب سبحانه بذكْر الفرقة الناجيَةِ، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم...} الآية، الهدايةُ في هذه الآية تحتملُ وجْهين: أحدهما: أن يريد أنَّه يديمهم ويثبِّتهم. الثَّانِي: أنْ يريد أنه يرشدُهم إِلى طريق الجِنانِ في الآخرة. وقوله: {إِيمَـٰنِهِمْ } يحتملُ أَنْ يريد: بسبب إِيمانهم، ويحتمل أن يكونَ الإِيمانُ هو نَفْس الهُدَى، أيْ، يهديهم إِلى طريق الجنة بنور إِيمانهم. قال مجاهد: يكون لهم إِيمانُهم نوراً يمشُونَ به، ويتركَّب هذا التأويل، على ما رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « حديث : أَنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ، إِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُودُهُ إِلَى الجَنَّةِ، وبعَكْسِ هذا في الكَافِرِ )تفسير : ، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} الآية. لمَّا ذكر الدلائل الدَّالة على الإلهيَّة، وهي التَّمسُّك بخلق السموات والأرض، ثم فرع عليها صحَّة القول بالحشر والنشر، عاد إلى ذكر الدَّلائل الدَّالة على الإلهيَّة، وهي التمسُّك بأحوال الشمس والقمر، وهو إشارةٌ إلى توكيد الدَّليل على الحشر والنشر؛ لأنَّه - تعالى - أثبت القول بالحشر والنشر بناءً على أنَّه لا بد من إيصالِ الثَّواب إلى أهل الطَّاعة، والعقاب إلى الكُفَّار، وأنَّه يجب تمييزُ المُحْسن عن المُسِيء. ثم ذكر في هذه الآية أنَّه جعل الشمس ضياءً والقمر نُوراً وقدَّرَهُ منازل، ليتوصَّل المُكلَّف بذلك إلى معرفة السنين والحساب، فيُرتِّب مهمات معاشه وزراعته وحراثته، ويُعدَّ مهمات الشِّتاء والصَّيف، فكأنَّه تعالى يقول: تمييز المحسن على المسيء، أوجب وأوْلَى من تعليم أحوال السِّنين والشُّهُور، فلمَّا اقتضت الحكمة بخلق الشمس والقمر لهذا المهمِّ الذي لا نفع له فبأن تقتضي الحكمة والرَّحمة تمييز المحسن عن المسيء بعد الموت، مع أنَّه يقتضي النفع الأبَدِيّ والسعادة السَّرمديَّة كان أولى، فلمَّا كان الاستدلال بأحوال الشَّمس والقمر من الوجه المذكور في هذه الآية ممَّا يدلُّ على التَّوحيد من وجهٍ، وعلى صحَّة القول بالمعاد من الوجه الذي ذكرناه، لا جرم ذكر الله تعالى هذا الدَّليل بعد ذكر الدَّليل على صحَّة المعاد. قوله: "ضِيَاءً": إمَّا مفعولٌ ثانٍ على أنَّ الجعل للتصيير، وإمَّا حالٌ على أنَّه بمعنى الإنشاءِ، والجمهُور على "ضِيَاءً" بصريح اليَاءِ قبل الألف، وأصلها واو؛ لأنَّه من الضَّوْء. وقرأ قُنْبُل عن ابن كثيرٍ هنا وفي الأنبياء والقصص "ضِئَاء" بقلب الياء همزة، فتصير ألفٌ بين همزتين. وأوِّلت على أنه مقلوبٌ قدِّمت لامُه وأخِّرت عينه، فوقعت الياءُ طرفاً بعد ألف زائدة فقلبت همزة على حدِّ "رِدَاء" وأرْدِية، وإن شئت قلت: لمَّا قلبت الكلمة صارت "ضِيَاواً" بالواو، عادت العين إلى أصلها من الواو لعدم موجب قلبها ياء وهو الكسر لسابقها، ثم أبدلت الواو همزة على حدِّ "كِسَاء". وقال أبو البقاء: "إنَّها قُلبتْ ألفاً، ثُمَّ قُلِبت الألفُ همزة، لئلاَّ تجتمع ألفان"، واستُبْعِدت هذه القراءة من حيث إنَّ اللغة مَبْنِيَّة على تسهيل الهمزِ فكيف يتخيَّلُون في قلب الحرفِ الخفيف إلى أثقل منه؟ لا غرو في ذلك، فقد قلبُوا حروف العلَّة الألف والواو والياء همزةً في مواضع لا تُحْصرُ إلا بعُسْرٍ، إلاَّ أنه هنا ثقيلٌ؛ لاجتماع همزتين. وأكثر النَّاس على تغليط هذه القراءة؛ لأنَّ ياء "ضِيَاء" منقلبة عن واو، مثل: ياء قيام، وصيام، فلا وجه للهمزة فيها، قال أبو شامة: "وهذه قراءةٌ ضعيفةٌ، فإنَّ قياس اللُّغةِ الفرارُ من اجتماع همزتين إلى تخفيفِ إحداهُمَا، فكيف يُتَخيَّل بتقديمٍ وتأخيرٍ يُؤدِّي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل؟ هذا خلافُ حكم اللُّغة". وقال أبو بكر بن مُجاهد - وهو ممَّنْ قرأ على قنبل -: "قرأ ابن كثير وحده "ضِئَاء" بهمزتين في كل القرآن الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية بعدها، كذلك قرأتُ على قنبل وهو غلط، وكان أصحاب البزّي، وابن فليح يُنكرُونَ هذا ويقْرؤُون "ضِيَاء" مثل الناس". قال شهابُ الدِّين: "كثيراً ما يَتَجَرَّأ أبو بكر على شيخه ويُغَلِّطه، وسيمرُّ بكَ مواضع من ذلك، وهذا لا ينبغي أن يكون، فإنَّ قُنْبُلاً بالمكان الذي يمنع أن يتكلَّم فيه أحد". وقوله في جانب الشمس: "ضِيَاءً"؛ لأنَّ الضوءَ أقوى من النُّور، وقد تقدم ذلك أوَّل البقرة و "ضِيَاء ونُوراً" يحتمل أن يكونا مصدرين، وجُعِلا نفسَ الكوكبين مبالغة، كما يقال للكريم: إنه كرم وجود، أو على حذف مضافٍ أي: ذاتِ ضياء وذا نُورٍ، و "ضِيَاء" يحتمل أن يكون جمع "ضَوْء" كسَوْط وسِيَاط، وحَوْض وحِيَاض. قوله: "مَنَازِلَ" نُصب على ظرف المكان، وجعله الزمخشريُّ على حذفِ مضافٍ: إمَّا من الأول أي: قدَّر مسيره، وإمَّا من الثاني أي: قدَّرهُ ذا منازل، فعلى التقدير الأول يكون "مَنازِلَ" ظرفاً كما مَرّ، وعلى الثاني يكون مفعولاً ثانياً على تضمين "قدَّرَ" معنى صيَّره ذا منازل بالتقدير، وقال أبو حيَّان - بعد أن ذكر التقديرين، ولم يعزُهما للزمخشري: أو قَدَّر له منازل، فحذف وأوصل الفعل إليه، فانتصب بحسب هذه التَّقادير على الظَّرف أو الحال أو المفعول، كقوله: {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ}تفسير : [يس:39] وقد سبقهُ إلى ذلك أبُو البقاء. والضمير في "قدَّرهُ" يعود على القمر وحده، لأنَّه هو عُمدةُ العرب في تواريخهم. وقال ابنُ عطيَّة: "ويحتمل أن يريدهما معاً بحسبِ أنهم يتصرَّفان في معرفة عدد السِّنين والحساب لكنَّه اجتزىء بذكر أحدهما، كقوله تعالى {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة:62]؛ وكما قال الشاعر: [الطويل] شعر : 2877- رَمَانِي بأمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ ووَالدِي بَرِيئاً ومنْ أجْلِ الطَّوِيِّ رمَانِي تفسير : قوله: "لِتَعْلَمُواْ": متعلِّق بـ "قدَّرَهُ"، وسُئل أبو عمرو عن الحساب: أتَنْصبُه أم تَجُرُّه؟ فقال: ومن يدري ما عدد الحساب؟ يعني أنه سئل: هل تعطفه على "عَدَدَ" فتنصبه أم على "السِّنين" فتجرَّه؟ فكأنَّه قال: لا يمكن جرُّه، إذ يقتضي ذلك أن يعلم عدد الحسابِ ولا يقدر أحدٌ أن يعلم عدده. فصل معنى الآية: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} بالنهار، {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نُورٍ، {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي: قدَّر له، يعنى: هَيَّأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصُر دونها، ولم يقل قدرهما. قيل تقدير المنازل منصرفٌ اليهما، واكتفى بذكر أحدهما لما قدَّمنا. وقيل: ينصرف إلى القمر خاصة، لأن بالقمر خاصة يعرف انقضاء الشُّهور والسِّنين، لا بالشمس. ومنازل القمر هي: المنازل المشهورة، وهي الثمانية والعشرون منزلاً، وهذه المنازل مقسومة على البُروجِ الاثني عشر، لكل برج منزلتان واحدة إن كان الشهر تسعاً وعشرين، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل، ويكون مقام الشهر في كل منزلة ثلاثة عشر يوماً، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها. واعلم: أنَّ الشمس سلطان النهار وأنَّ القمر سلطان الليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظمُ مصالحُ هذا العالم، وبحركة القمر تحصُل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة ضوئه ونقصانه تختلف أحوال رطوبات هذا العالم، وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، فالنهار زمان التَّكسُّبِ والطلب، والليل زمان للرَّاحة، وهذا يدلُّ على كثرة رحمة الله - تعالى - للخلق وعظم عنايته لهم. قال حكماء الإسلام: هذا يدلُّ على أنه - تعالى - أودع في أجرام الأفلاك والكواكب خواصَّ معينة، وقوى مخصوصة باعتبارها تنتظم مصالح هذا العالم السُّفلي، إذ لَوْ لَمْ يكُنْ لها آثارٌ وفوائد في هذا العالم، لكان خلقها عبثاً وباطلاً بغير فائدة، وهذه النُّصوص تُنافي ذلك. قوله: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} "ذلك" إشارةٌ إلى الخلق، والتقدير: ما خلق الله ذلك المذكور إلا ملتبساً بالحقِّ، فيكون حالاً: إمَّا من الفاعل وإمَّا من المفعول. وقيل: الباء بمعنى اللاَّم أي: للحقِّ، ولا حاجة إليه، والمعنى: لم يخلقه باطلاً، بل إظهاراً لصنعته، ودلالة على قدرته. قوله: "يُفَصِّلُ" قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب "يُفصِّل" بياء الغيبة جرياً على اسم الله - تعالى -، والباقون: بنون العظمة، التفاتاً من الغيبة إلى التَّكلُّم للتَّعظيم. ومعنى التَّفصيل: هو ذكر هذه الدلائل الباهرة، واحدة عقب الأخرى مع الشَّرح والبيان، ثم قال "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" قيل: المراد منه: العقل الذي يعمُّ الكل. وقيل: المراد منه تفكر وعلم فوائد مخلوقاته، وآثار إحسانه، لأنَّ العلماء هم المنتفعون بهذه الدلائل، كقوله {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا}تفسير : [النازعات:45] مع أنه - عليه الصلاة والسلام - كان منذراً للكُلِّ. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} الآية. اعلم أنَّه تعالى استدلَّ على التوحيد والإلهية. أولاً: بتخليق السموات والأرض. وثانياً: بأحوال الشمس والقمر. وثالثاً: في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة عند قوله: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة:164]. واعلم أنَّ الحوادث الحادثة في هذا العالم أربعة أقسام: أحدها: الأحوالُ الحادثة في العناصر الأربعة، ويدخل فيها أحوال الرَّعد والبَرْق والسَّحاب والأمطار والثُّلُوج، ويدخل فيها أحوال البحار، وأحوال المَدِّ والجزْرِ، وأحوال الصَّواعق والزَّلازل والخَسْفِ. وثانيها: أحوال المعادن وهي عجيبةٌ كثيرةٌ. وثالثها: اختلاف أحوال النَّبات. ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، وكلُّها داخلةٌ في قوله: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. ثم قال: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} خصَّها بالمتَّقين؛ لأنَّهم يحذرون العاقبة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه حديث : عن ابن مسعود قال ‏"‏سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏: ‏تكلم ربنا بكلمتين فصارت إحداهما شمساً والأخرى قمراً وكانا من النور جميعاً، ويعودان إلى الجنة يوم القيامة‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏جعل الشمس ضياء والقمر نورا‏ً} ‏ قال‏:‏ لم يجعل الشمس كهيئة القمر كي يعرف الليل من النهار، وهو قوله ‏{أية : ‏فمحونا آية الليل‏}‏ ‏تفسير : [‏الاسراء: 12‏]‏ الآية‏. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏هو الذي جعل لكم الشمس ضياء والقمر نورا‏ً} ‏ قال‏:‏ وجوههما إلى السموات وأقفيتهما إلى الأرض‏. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ الشمس والقمر وجوههما إلى العرش وأقفيتهما إلى الأرض. وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر‏.‏ أنه كان بين يديه نار إذ شهقت فقال‏:‏ والذي نفسي بيده إنها لتعوذ بالله من النار الكبرى، ورأى القمر حين جنح للغروب فقال، والله إنه ليبكي الآن. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال‏:‏ لا تطلع الشمس حتى يصبحها ثلاثمائة ملك وسبعون ملكاً، أما سمعت أمية بن أبي الصلت يقول‏: شعر : ليست بطالعة لنا في رسلنا إلا معذبة وإلا تجلد

ابو السعود

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء} تنبـيهٌ على الاستدلال على وجوده تعالى ووحدتِه وعلمِه وقدرتِه وحكمتِه بآثار صُنعِه في النّيِّريْن بعد التنبـيه على الاستدلال بما مر من إبداع السمواتِ والأرضِ والاستواءِ على العرش وغيرِ ذلك وبـيانٌ لبعض أفرادِ التدبـيرِ الذي أشير إليه إشارةً إجماليةً وإرشادٌ إلى أنه حيث دبّرت أمورُهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبـيَر البديعَ فلأن يدبّرَ مصالحَهم المتعلقةَ بالمعاد بإرسال الرسولِ وإنزالِ الكتابِ وتبـيـينِ طرائقِ الهدىٰ وتعيـينِ مهاوي الردىٰ أولى وأحرى، والجعلُ إن جُعل بمعنى الإنشاءِ والإبداعِ فضياءً حالٌ من مفعوله أي خلقها حالَ كونِها ذاتَ ضياءٍ على حذف المضافِ أو ضياءً محضاً للمبالغة، وإن جُعل بمعنى التصيـيرِ فهو مفعولُه الثاني أي جعلها ضياءً على أحد الوجهين المذكورين لكن لا بعد أن كانت خاليةً عن تلك الحالةِ بل أبدعها كذلك كما في قولهم: ضيِّقْ فم الركية ووسِّعْ أسفلها، والضياءُ مصدرٌ كقيام أو جمعُ ضوءٍ كسياط وسَوْط وياؤه منقلبة من الواو لانكسار ما قبلها وقرىء ضِئاء بهمزتين بـينهما ألفٌ بتقديم اللام على العين. {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} الكلامُ فيه كالكلام في الشمس والضياءُ أقوى من النور وقيل: ما بالذات ضوءٌ وما بالعرَض نور، ففيه إشعارٌ بأن نورَه مستفادٌ من الشمس {وَقَدَّرَهُ} أي قدّر له وهيأ {مَنَازِلَ} أو قدّر مسيرَه في منازلَ أو قدره ذا منازلَ على تضمين التقديرِ معنى التصيـيرِ، وتخصيصُ القمر بهذا التقديرِ لسرعة سيرِه ومعاينةِ منازِله وتعلقِ أحكامِ الشريعة به وكونِه عمدةً في تواريخ العرب، وقد جُعل الضميرُ لكل منهما وهي ثمانيةٌ وعشرون منزلاً، ينزل القمرُ كل ليلةٍ في واحد منها لا يتخطّاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ لا يتفاوت، يسير فيها من ليلة المستهلِّ إلى الثامنة والعشرين فإذا كان في آخر منازلِه دقّ واستقوس ثم يستسرّ ليلتين أو ليلةً إذا نقص الشهرُ ويكون مقامُ الشمس في كل منزلةٍ منها ثلاثةَ عشرَ يوماً، وهذه المنازلُ هي مواقعُ النجومِ التي نسَبت إليها العربُ الأنواءَ المستمطَرةَ وهي السرطانُ والبطينُ والثريا الدبَرانُ الهقعةُ الهنعةُ الذراعُ النثرةُ الطرفُ الجبهةُ الزبرةُ الصّرفةُ العواءُ السّماك الغفرُ الزبانىٰ الإكليلُ القلبُ الشوْلةُ النعائمُ البلدةُ سعدُ الذابحُ سعدُ بلَع سعدُ السعودِ سعدُ الأخبـيةِ فرغُ الدلوِ المقدّم فرغُ الدلو المؤخّرُ الرّشا وهو بطن الحوت {لّتَعْلَمُواْ} إما بتعاقب الليلِ والنهارِ المنوطَين بطلوع الشمسِ وغروبِها أو باعتبار نزولِ كلَ منهما في تلك المنازل {عَدَدَ ٱلسّنِينَ} التي يتعلق بها غرضٌ علميٌّ لإقامة مصالحِكم الدينية والدنيوية {وَٱلْحِسَابَ} أي حسابَ الأوقاتِ من الأشهر والأيام والليالي وغيرِ ذلك مما نيط به شيءٌ من المصالح المذكورةِ، وتخصيصُ العدد بالسنين والحسابِ بالأوقات لما أنه لم يُعتبرْ في السنينَ المعدودةِ معنى مغايرٌ لمراتب الأعداد كما اعتُبر في الأوقات المحسوبةِ، وتحقيقُه أن الحسابَ إحصاءُ ما له كميةٌ انفصاليةٌ بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معيّنةٍ منها حدٌّ معيَّنٌ له اسمٌ خاصٌّ وحكمٌ مستقلٌّ كالسنة المتحصِّلةِ من اثنى عشرَ شهراً قد تحصل كلٌّ من ذلك من ثلاثين يوماً قد تحصّل كلٌ من ذلك من أربع وعشرين ساعةً مثلاً، والعدُّ مجردُ إحصائِه بتكرير أمثالِه من غير اعتبارِ أن يتحصل بذلك شيءٌ كذلك، ولما لم يُعتبر في السنين المعدودةِ تحصُّلُ حدَ معيَّنٍ له اسمٌ خاصٌّ غيرُ أسامي مراتبِ الأعدادِ وحكم مستقلٌّ أضيف إليها العدد وتحصّلُ مراتبِ الأعدادِ من العشرات والمئاتِ والألوفِ اعتباريٌّ لا يُجدي في تحصل المعدودِ نفعاً وحيث اعتُبر في الأوقات المحسوبةِ وتحصلَ ما ذُكر من المراتب التي لها أسامٍ خاصةٌ وأحكامٌ مستقلةٌ علّق بها الحسابُ المنبىءُ عن ذلك والسنةُ من حيث تحقّقُها في نفسها مما يتعلق به الحسابُ وإنما الذي يتعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدةٍ من تلك الطائفةِ ليس من الحيثية المذكورةِ أعني حيثيةَ تحصّلِها من عدة أشهرٍ قد تحصل كلُّ واحدٍ منها من عدة أيامٍ قد حصل كلٌ منها بطائفة من الساعات فإن ذلك وظيفةُ الحسابِ بل من حيث إنها فردٌ من تلك الطائفةِ المعدودةِ من غير أن يُعتبرَ معها شيءٌ غيرُ ذلك، وتقديمُ العددِ على الحساب مع أن الترتيبَ بـين متعلّقيهما وجوداً وعلماً على العكس لأن العلمَ المتعلّقَ بعدد السنين علمٌ إجماليٌّ بما تعلق به الحسابُ تفصيلاً وإن لم تتّحِد الجهةُ، أو لأن العددَ من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصُّلُ أمرٍ آخرَ حسبما حُقق آنفاً نازلٍ من الحساب الذي اعتُبر فيه ذلك منزلةَ البسيطِ من المركب {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ} أي ما ذكر من الشمس والقمر على ما حُكي من الأحوال وفيه إيذانٌ بأن معنى جعلِهما على تلك الأحوالِ والهيئاتِ ليس إلا خلقَهما كذلك كما أشير إليه، ولا يقدح في ذلك أن استفادةَ القمرِ النورَ من الشمس أمرٌ حادثٌ فإن المرادَ بجعله نوراً إنما هو جعلُه بحيث يتصف بالنور عند وجودِ شرائطِ الاتصافِ به بالفعل {إِلاَّ بِٱلْحَقّ} استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم أحوالِ الفاعل أو المفعول أي ما خلق ذلك ملتبساً بشيء من الأشياء إلا ملتبساً بالحق مراعياً لمقتضىٰ الحِكمة البالغةِ أو مراعىً فيه ذلك، وهو ما أشير إليه إجمالاً من العلم بأحوال السنينَ والأوقاتِ المنوطِ به أمورُ معاملاتِهم وعباداتِهم {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي الآياتِ التكوينيةَ المذكورةَ أو جميعَ الآياتِ فيدخلُ فيها الآياتُ المذكورةُ دخولاً أولياً أو يفصل الآياتِ التنزيليةَ المنبِّهة على ذلك، وقرىء بنون العظمة {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الحكمةَ في إبداع الكائناتِ فيستدلون بذلك على شؤون مُبدعِها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيف الآياتِ المنزلةِ فتؤمنون بها، وتخصيصُ التفصيلِ بهم لأنهم المنتفِعون به.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً} [الآية: 5]. قال بعضهم: الشموس مختلفة فشمس المعرفة يظهر ضياؤها على الجوارح فيزينها بآداب الخدمة وأقمار الأنس تقدس الأسرار بنور الوحدانية والفردانية فيدخلها فى مقامات التوحيد والتفريد. قال بعضهم: جعل الله شمس التوفيق طلبًا لطاعات العباد وقمر التوحيد نور فى أسرارهم فهم يتقلبون فى ضياء التوفيق ونور التوحيد إلى المنازل الصديقية.

القشيري

تفسير : أنوار العقول نجومٌ وهي للشياطين رجوم، وللعلوم أقمار وهي أنوار واستبصار، وللمعارف شموس ولها على أسرار العارفين طلوع، كما قيل: شعر : إنَّ شمسَ النهار تغْرُبُ بالليل وشمسُ القلوب ليست تَغِيبُ تفسير : وكما أَنَ في السماء كوكبين شمساً وقمراً؛ الشمسُ أبداً بضيائها، والقمرُ في الزيادة والنقصان؛ يُسْتَرُ بمحاقه ثم يكمل حتى يصير بدراً بنعت إشراقه، ثم يأخذ في النقص إلا أَنْ لا يبقى شيءٌ منه لتمام امتحاقه، ثم يعود جديداً، وكل ليلة يجد مزيداً، فإذا صار بدراً تماماً، لم يَجِدْ أكثر من ليلةٍ لكَمَالِه مقاماً، ثم يأخذ في النقصان إلى أن يَخْفَى شَخْصُه ويتِمَّ نَقْصُه. كذلك مِنَ النَّاسِ مَنْ هو مُتَرَدِّدٌ بين قَبْضِه وبَسْطِه، وصَحْوِه ومَحْوِه، وذهابه وإيابه؛ لا فَنَاءَ فيستريح، ولا بقاءَ له دوامٌ صحيحٌ، وقيل: شعر : كلَّما قُلْتُ قد دنا حَلُّ قيدي كَبَّلوني فأوثقوا المِسْمَارا

اسماعيل حقي

تفسير : {هو الذي} [اوست آن خداونديكه بقدرت] {جعل الشمس ضياء} اى صيرها ذات ضياء للعالمين بالنهار لان المعنى لا يحمل على العين او خلقها وانشأها حال كونها ذات ضياء واصله ضواء قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها والشمس مأخوذ من شمسة القلادة وهي اعظم جواهرها جرما وانفسها قيمة وهي التي يقال لها بالفارسية [ميكانكين] وانما سميت بذلك لتوسطها بين الكواكب كذا في شرح التقويم {والقمر} سمي بذلك لكونه بياضا في صفرة يقال حمار اقمر اذا كان ابيض في صفرة {نورا} اى ذا نور بالليل والضياء اقوى بحكم الوضع والاستعمال ولذا نسب الضياء الى الشمس والنور الى القمر. وعند الحكماء الضياء ما يكون بالذات كما للشمس في نفسه جرم مظلم صقيل يقبل النور فعند المقابلة يمتلئ نورا من الشمس بطريق الانعكاس فيقع ذلك الشعاع على وجه الارض شعر : نورهستى جملة ذرات عالم تا ابد ميكنند از مغربي جون ماه از مهر اقتباس تفسير : قال في اسئلة الحكم هذا مدفوع بالخبر الوارد ان الله تعالى خلق شمسين نيرين قبل خلق الافلاك فالشمس والقمر خلقهما من نور عرشه وكان في سابق علمه ان يطمس نور القمر كما روى ان الله خلق نور القمر سبعين جزأ وكذا نور الشمس ثم امر جبريل فمسحه بجناحيه فمحا من القمر تسعة وستين جزأ فحولها الى الشمس فاذهب عنه الضوء وابقى فيه النور والشمس مثل الارض مائة وستا وستين مرة وربعا ثم جرم الارض والقمر حزء من تسعة وثلاثين وربع على ما في الواقع وفي الخبر ان وجوههما الى العرش وظهورهما الى الارض تضيئ وجوههما لاهل السموات السبع وظهورهما لاهل الارضين السبع والمشهور انه اذا كان على وجه الارض نهار يكون فيما تحت الارض ليل وبالعكس كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ان في الارض الثانية خلقا وجوههم وابدانهم وايديهم كوجوه بني آدم وابدانهم وايديهم وافواههم كافواه الكلاب وارجلهم وآذانهم كارجل البقر واذانها وشعورهم كصوف الضأن لا يعصون الله طرفة عين ليلنا نهارهم ونهارنا ليلهم كما في ربيع الابرار. وبعضهم فضل القمر على الشمس لان القمر مذكر والشمس مؤنث والتذكير اصل والتانيث فرع فالفضل للاصل على الفرع وهو الاصح الاشهر وتقدم الشمس في الذكر لا يوجب الافضلية اذ قد يتأخر الاشرف في القرآن كقوله تعالى {أية : فمنكم كافر ومنكم مؤمن} {أية : وجعل الظلمات والنور} تفسير : كما في اسئلة الحكم. يقول الفقير الكلام في التذكير والتأنيث الحقيقى دون اللفظي وكون القمر مذكرا لفظا لا يوجب الفضل على ما هو مؤنث لفظا وقد يسمى الرجل بطلحة وهو مؤنث لفظي مع ان الرجل افضل من المرأة: ونعم ما قيل شعر : ولا التانيث عار لاسم شمس ولا التذكير فخر للهلال تفسير : وجعل الله للشمس سلطانا على جميع الطبائع النباتية والمعدنية والحيوانية ما نبت زرع ولا خرجت فاكهة ولا يكون في العالم طعم ولذة الا والشمس تربيها بامر الواحد القهار ويقال الثمرة ينضجها الشمس ويلونها القمر ويعطي طعمها الكواكب قيل اوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام ان كن للناس في الحلم كالارض تحتهم وفي السخاء كالماء الجاري وفي الرحمة كالشمس والقمر فانهما يطلعان على البر والفاجر: قال الحافظ قدس سره شعر : نظر كردن بدويشان منافئ بزركى نيست سليمان با جنان حشمت نظرها بودبامورش تفسير : قال في التأويلات النجمية ان الله تعالى خلق الروح نورانيا له ضياء كالشمس وخلق القلب صافيا كالقمر قابلا للنور والظلمة وخلق النفس ظلمانية كالارض فمهما وقع قمر القلب في مواجهة شمس الروح يتنور بضيائها ومهما وقع في مقابلة ارض النفس تنعكس فيه ظلمتها ويسمى لقلب قلبا لمعنيين. احدهما انه خلق بين الروح والنفس فهو قلبهما. والثاني لتقلب احواله تارة يكون نورانيا لقبول فيض الروح وتارة يكون ظلمانيا لقبول النفس انتهى. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة في بعض تحريراته نحن بين النورين نور شمس الحقيقة ونور قمر الشريعة فاذا جاء نهار الحقيقة نستضيء بنور شمسها واذا جاء ليل الشريعة نستضيء بنور قمرها ونحن ارباب النورين من النور الى النور نسير وبالنور الى النور نطير وحالنا بين التجلى والاستتار فعند تجلي النور الالهي لقلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا هذا النور ولا حاجة الى غيره وعند استتاره عن قلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا هذا النور ولا حاجة الى غيره وعند استتاره عن قلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا هذا النور ولا حاجة الى غيره وعند استتاره عن قلوبنا وارواحنا واسرارنا يكفي لنا بدله وهو نور قمر الشريعة ولا حاجة الى غيره انتهى يا جمال {وقدره منازل} اي وهيا لكل من الشمس والقمر منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها فحذف حرف الجر ومنازل الشمس هي البروج الاثنا عشر. ثلاثة بروج منها بروج الربيع. وهي الجمل والثور والجوزاء. فهذه الثلاثة ربيعية شمالية والشمال يسار القبلة وانما سميت بهذه الاسامي لان الكواكب المركوزة في الفلك مشكلة في كل برج بشكل مسماه وقت التسمية وثلاثة منها بروج الصيف. وهي السرطان والاسد والسنبلة. وابتداء السرطان من نقطة الانقلاب الصيفي فهذه الثلاثة صيفية شمالية وثلاثة منها بروج الخريف. وهي الميزان والعقرب والقوس. وابتداء الميزان من نقطة الاعتدال الخريفي فهذه الثلاثة خريفية جنوبية وثلاثة منها بروج الشتاء. وهي الجدى والدلو والحوت. وابتداء الجدى من الانقلاب الشتوي فهذه الثلاثة شتوية جنوبية والجنوب يمين القبلة ويجمعها هذان البيتان في نصاب الصبيان شعر : برجها دائم كه ازمشرق بر آورند سر جملة در تسبيح ودر تهليل حي لا يموت جون حمل جون ثور جون جوزا وسرطان واسد سنبلة ميزان وعقرب قوس وجدى ودلو وحوت تفسير : تسير الشمس في كل واحد من هذه البروج شهرا وتنقضى السنة بانقضائها ويعلم مدة سكون الشمس في كل برج حتما: قال في النصاب ايضا شعر : خور بجوزاست سى ودر ويكبيست حمل وثور وشير يابس وبيش دلو وميزان وحوت وعقرب سى بيست نه قوس وجدى بى كم وبيش تفسير : فتكون السنة الشمسية وهي مدة وصول الشمس الى النقطة التي فارقتها من ذلك البرج ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع على ما في صدر الشريعة. ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر لكل برج منزلتان وثلث فينزل القمر كل ليلة منهما منزلة فاذا كان في آخر منازله دق واستوقس ويستتر ليلتين ان كان الشهر ثلاثين وليلة واحدة ان كان الشهر تسعة وعشرين ويكون مقام الشمس في كل منزلة منها ثلاثة عشر يوما وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت اليها العرب الانواء المستمطرة وستاتي عند قوله {أية : واذا اذقنا الناس } تفسير : الآية واول هذه المنازل السرطان. والثاني البطين كزبير وهي ثلاثة كواكب صغار كأنها اثافى وهو بطن الحمل. والثالث الثريا بالضم وفتح الراء والياء المشددة وهي ستة كواكب وقع كل اثنين منها في مقابلة الآخر. والرابع الدبران محرّكة. والخامس الهقعة وهي ثلاثة كواكب بين منكبي الجوزاء كالاثافي اذا طلعت مع الفجر اشتد حر الصيف. والسادس الهنعة منكب الجوزاء الايسر وهي خمسة انجم مصطفة ينزلها القمر. والسابع الذراع وهي ذراع الاسد المبسوطة وللاسد ذراعان مبسوطة ومقبوضة وهي تلي الشام والقمر ينزل بها والمبسوطة تلي اليمن وهي ارفع من السماك وامدّ من الاخرى وربما عدل القمر فنزل بها تطلع لاربع يخلون من تموز وتسقط لاربع يخلون من كانون الاول. والثامن النثرة وهي كوكبان بينهما مقدار شبر وفوقهما شيء من بياض كأنه قطعة سحاب ويقال لهما ايضا عند اهل النجوم انف الاسد والتاسع الطرف من القوس ما بين السية والانهران او قريب من عظم الذراع من كبدها والانهران العواء والسماك لكثرة مائهما والعاشر الجبهة وهي اربعة كواكب ثلاثة منها مثلثة كالاثافي وواحد منفرد. والحادي عشر الزبرة بالضم كوكبان نيران بكاهل الاسد ينزلهما القمر. والثاني عشر العواء وهي خمسة كواكب او اربعة كأنها كتابة الف. والرابع عشر السماك ككتاب نجمان نيران والخامس عشر الغفر وهي ثلاثة انجم صغار. والسادس عشر الزباني بالضم كوكبان نيران في قرني العقرب والسابع عشر الاكليل بالكسر اربعة انجم مصطفة. والثامن عشر القلب وهو نجم من المنازل والتاسع عشر الشولة وهي كوكيان نيران ينزلهما القمر يقال لها ذنب العقرب والعشرون النعائم بالفتح اربعة كواكب نيرة. والحادى والعشرون البلدة بالضم ستة كواكب صغار تكون في برج القوس وتنزلها الشمس في اقصر ايام السنة. قال في القاموس البلدة رقعة من السماء لا كواكب بها بين النعائم وبين سعد الذابح ينزلها القمر وربما عدل عنها فنزل بالقلادة وهي ستة كواكب مستديرة تشبه القوس اهـ. والثاني والعشرون سعد الذابح كوكبان نيران بينهما قيد ذراع وفي نحر احدهما كوكب صغير لقربه منه كأنه يذبحه. والثالث والعشرون سعد بلع كزفر معرفة منزل للقمر طلع لما قال الله تعالى {أية : يا ارض ابلعي ماءك} تفسير : وهو كوكبان مستويان في المجرى احدهما خفى والآخر مضيئ يسمى بلع كأنه بلع الآخر وطلوعه لليلة تمضى من آب والرابع والعشرون سعد السعود. والخامس والعشرون سعد الاخبية وهي كواكب مستديرة. قال في القاموس سعود النجوم عشرة سعد بلع وسعد الاخبية وسعد الذبائح وسعد السعود وهذه الاربعة من منازل القمر وسعد ناشرة وسعد الملك وسعد البهام وسعد الهمام وسعد البارع وسعد مطر وهذه الستة ليست من المنازل كل منها كوكبان بينها في المنظر نحو ذراع والسادس والعشرون فرغ الدلو المقدم. والسابع والعشرون فرغ الدلو المؤخر. قال في القاموس في الغين المعجمة فرغ الدلو المقدم والمؤخر منزلان للقمر كل واحد كوكبان كل كوكبين في المرأى قدر رمح. والثامن والعشرون الرشاء ويقال له ايضا بطن الحوت وهي كواكب صغار مجتمعة في صورة الحوت وفي سرتها نجم نير. والسنة القمرية عبارة عن اجتماع القمر من الشمس اثنتى عشر مرة وزمان هذه يتم في ثلاثمائة واربعة وخمسين يوما وكسر وهو ثمان ساعات وثمان واربعون دقيقة. قال في شرح التقويم ارباب هذه الصناعة ما وجدوا زمان شهر واحد اقل من تسعة وعشرين يوما او اكثر من ثلاثين وكذا ما وجدوا زمان سنة واحدة اقل من ثلاثمائة واربعة وخمسين يوما او اكثر من ثلاثمائة وخمسة وخمسين فعدد ايام كل سنة اما ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما او ثلاثمائة وخمسة وخمسون. واعلم ان الله تعالى جعل الدورة المحمدية دورة قمرية كما قال (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) تنبيها منه تعالى للعارفين من عباده ان آية القمر ممحوّة عن العالم الظاهر لمن اعتبر وتدبر في قوله {أية : لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر} تفسير : اي في علو المرتبة والشرف فكان ذلك تقوية لكتم آياتهم التي اعطاها للمحدثين العربيين واجراها واخفاها فيهم كذا في عقله المستوفز لحضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر. قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة في كتاب اللائحات البرقيات له مرتبة الالوهية وفي المراتب الكونية الآفاقية مرتبة القمر اشارة الى مرتبة الكرسى واللوح ومرتبة الشمس اشارة الى مرتبة العرش والقلم وفي المراتب الكونية الانفسية مرتبة القمر اشارة الى مرتبة الروح ومرتبة الشمس اشارة الى مرتبة السر انتهى باجمال. ثم لحروف ظاهر النفس الرحمانى منازل عدد منازل القمر ويقال لها التعينات وهي العقل الاول ثم النفس الكلية ثم الطبيعية الكلية ثم الهباء ثم الشكل الكلى ثم العرش ثم الكرسي ثم الفلك الاطلس ثم المنازل ثم سماء كيوان ثم سماء المشتري ثم سماء المريخ ثم سماء الشمس ثم سماء الزهرة ثم سماء عطارد ثم سماء القمر ثم عنصر النار ثم عنصر الهواء ثم عنصر الماء ثم عنصر التراب ثم المعدن ثم النبات ثم الحيوان ثم الملك ثم الجن ثم الانسان ثم المرتبة وفي مقابلتها على الترتيب حروف باطن النفس الرحماني وهي الاسم البديع ثم الباعث ثم الباطن ثم الآخر ثم الظاهر ثم الحكيم ثم المحيط ثم الشكور ثم الغنى ثم المقتدر ثم الرب ثم العليم ثم القاهر ثم النور ثم المصور ثم المحصى ثم المبين ثم القابض ثم المحيى ثم المميت ثم العزيز ثم الرزاق ثم المذل ثم القوي ثم اللطيف ثم الجامع ثم الرفيع ولو تفطنت حروف التهجى وجدتها على هذا الترتيب كما رتب اهل الاراء وهي الهمزة ثم الهاء ثم العين ثم الحاء المهملة ثم الغين المعجمة ثم القاف ثم الكاف ثم الجيم ثم الشين المنقوطة ثم الياء المثناة ثم الضاد المعجمة ثم اللام ثم النون ثم الراء المغفلة ثم الطاء المهملة ثم الدال المهملة ثم التاء المثناة من فوق ثم الزاى ثم السين المهملة ثم الصاد المهملة ثم الظاء المعجمة ثم الثاء المثلثة ثم الذال المنقوطة ثم الفاء ثم الباء الموحدة ثم الميم ثم الواو فسبحان من اظهر بالنفس الرحمانى هذه المنازل في الانفس والآفاق ارادة كمال الوفاق {لتعلموا عدد السنين والحساب} اي حساب الاوقات من الاشهر والايام والليالى والساعات لصلاح معاشكم ودينكم من فرض الحج والصوم والفطر والصلاة وغيرها من الفروض {ما خلق الله ذلك} المذكور من الشمس والقمر على ما حكى بحال ما من الاحوال {الا} ملتبسا {بالحق} مراعيا لمقتضى الحكمة البالغة وهو ما اشير اليه اجمالا من العلم باحوال السنين والاوقات المنوط به امور معاملاتهم وعباداتهم فليس في خلقه عبث باطل اصلا -حكى- ان رجلا رأى خنفساء فقال ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه أحسن شكلها ام طيب ريحها فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الاطباء حتى ترك علاجها فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادى في الدرب فقال هاتوه، حتى ينظر فى امرى فقالوا ما تصنع بطرقى وقد عجز عنك حذاق الاطباء فقال لا بدّ لي منه فلما احضروه ورأى القرحة استدعى بخفساء فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال احضروا ما طلب فان الرجل على بصيرة فاحرقها ووضع رمادها على قرحته فبرئت باذن الله تعالى فقال للحاضرين ان الله تعالى اراد ان يعرفنى ان اخس المخلوقات اعز الادوية وان في خلقه حكمة {يفصل الآيات} التكوينية المذكورة الدالة على وحدانيته وقدرته ويذكر بعضها عقيب بعض مع مزيد الشرح والبيان {لقوم يعلمون} الحكمة في ابداع الكائنات فيستدلون بذلك على شئون مبدعها وخص العلماء بالذكر لانهم المنتفعون بالتأمل فيها

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "ضياء": مفعول ثان، أي: ذات ضياء، وهو مصدر كقيام، أو جمع ضوء كسياط، والياء منقلبة عن الواو، وفي رواية عن ابن كثير بهمزتين في كل القرآن على القلب، بتقديم اللام على العين، والضمير في "قدره" للشمس والقمر، كقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 26]، أو للقمر فقط. يقول الحق جل جلاله: {هو الذي جعل الشمس ضياء} أي: ذات ضوء وإشراق أصلي، {والقمرَ نوراً} أي: ذا نور عارض، مقتبس من نور الشمس عند مقابلته إياها، ولذلك يزيد نوره وينقص، فقد نبه سبحانه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها، والقمر نوراً بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها، فالنور أعم من الضياء، والضياء أعظم من النور. {وقدَّره منازلَ} أي: قدر سير كل واحد منهما منازل، أو القمر فقط، وخصصه بالذكر لسرعة سيره، ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به. ولذلك علله بقوله: {لتعلموا عددَ السنينَ والحسابَ} أي: حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي في معاملتكم وتصرفاتكم: {ما خلق اللَّهُ ذلك} الذي تقدم من أنواع المخلوقات {إلا بالحق} أي: ملتبساً بالحق، مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة، لا عبثاً عارياً عن الحكمة، أو ما خلق ذلك إلا ليُعرف فيها، فما نُصب الكائنات لتراها، بل لترى فيها مولاها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: الحق الذي خلق الله به كل شيء كلمة "كن". قال سبحانه:{أية : وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ} تفسير : [الأنعام: 73] . هـ. وهو بعيد هنا. {نُفَصِّلُ الآياتِ لقوم يعلمون} فإنهم المنتفعون بالنظر فيها والاعتبار بها. ثم بيَّن وجه الاعتبار فقال: {إن في اختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما بالذهاب والمجيء، أو بالزيادة والنقصان، {وما خلق اللهُ في السموات والأرض} من أنواع الكائنات وضروب المخلوقات، {لآياتٍ} دالة على وجود الصانع ووحدته، وكمال علمه وقدرته، {لقوم يتقون} الله، ويخشون العواقب، فإن ذلك يحملهم على التفكر والتدبر، بخلاف المنهمكين في الغفلة والمعاصي، الذين أشار إليهم بقوله: {إن الذين لا يرجون لقاءَنا} أي: لا يتوقعونه، أو: لا يخافون بأسه لإنكارهم البعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها، {ورَضُوا بالحياة الدنيا}: قنعوا بها بدلاً من الآخرة لغفلتهم عنها، {واطمأنوا بها} أي: سكنوا إليها مقْصرين هممهم على لذائذها وزخارفها، وسكنوا فيها سكون من يظن أنه لا ينزعج عنها. {والذين هم عن آياتنا} المتقدمة الدالة على كمال قدرتنا، {غافلون}: لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون؛ لانهماكهم في الغفلة والذنوب. قال البيضاوي: والعطف إما لتغاير الوصفين، والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً، والانهماك في الشهوات، بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلاً، وإما لتغاير الفريقين، والمراد بالأولين: من أنكر البعث ولم يُرد إلاّ الحياة الدنيا، وبالآخرين من ألهاه حبُ العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له. هـ. {أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون} أي: بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي. قال ابن عطية: وفي هذه اللفظة رد على الجبرية، ونص على تعلق العقاب بالتكسب. هـ. الإشارة: هو الذي جعل شمس العِيَان مشرقة في قلوب أهل العرفان، لا غروب لها مدى الأزمان، وجعل قمر توحيد الدليل والبرهان نوراً يهتدي به إلى طريق الوصول إلى العيان، وقدَّر السير به منازل ـ وهي مقامات اليقين ومنازل السائرين ـ ينزلون فيها مقاماً مقاماً إلى صريح المعرفة، وهي التوبة والخوف، والرجاء والورع، والزهد والصبر، والشكر والرضى والتسليم والمحبة، والمراقبة والمشاهدة. ما خلق الله ذلك إلا بالحق، ليتوصل به إلى الحق. إن في اختلاف ليل القبض ونهار البسط على قلب المريد لآيات دالة له على السير، لقوم يتّقون السوى، أو شواغل الحس. إن الذين لا يرجون الوصول إلينا لقصر همتهم، ورضوا بالحياة الدنيا وشهواتها، واطمأنوا بها لم يرحلوا عنها، إذ لا يتحقق سير السائرين إلا بمجاهدة تركها والرحيل بالقلب عنها، والذين هم عن آياتنا غافلون؛ لانهماكهم في الهوى والحظوظ، أولئك مأواهم نار القطيعة وغم الحجاب، بما كانوا يكسبون من الاشتغال بالحظوظ والشهوات. وبالله التوفيق. ثم ذكر أضدادهم، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}.

الطوسي

تفسير : روى ابن مجاهد عن قنبل. والمولى عن الربيبي (ضئاء) بهمزة بعد الضاد مكان الياء حيث وقع. الباقون بياء بعد الضاد ومدة بعدها. قال ابوعلي الفارسي: لا يخلو {ضياء} من أن يكون جمع ضوء كسوط وسياط، وحوض وحياض، او مصدر (ضاء) يضوء ضياء مثل عاذ يعوذ عياذاً أو قام يقوم قياماً، وعلى أي الوجهين حملته فالمضاف محذوف، والمعنى جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور. أو يكون جعل النور والضياء لكثرة ذلك فيهما، فأما الهمزة في موضع العين من {ضياء} فيكون على القلب كأنه قدم اللام التي هي همزة إلى موضع العين وأخر العين التي هي واو إلى موضع اللام، فلما وقعت طرفاً بعد الف زائدة قلبت همزة. كما فعلوا ذلك في (سقاء وعلاء) وهذا اذا قدّر جمعاً كان أسوغ. كما قالوا قوس وقسي. فصححوا الواحد وقلبوا في الجمع، واذا قدّرته مصداً كان أبعد، لأن المصدر يجري على فعله في الصحة والاعتلال، والقلب ضرب من الاعتلال فاذا لم يكن في الفعل يمتنع أن يكون أيضاً في المصدر ألا ترى انهم قالوا: لاذ لواذاً وباع بياعاً، فصححوها في المصدر كصحتها في الفعل، وقالوا: قام قياماً فأعلوه ونحوه، لاعتلاله في الفعل. وقرأ ابن كثير واهل البصرة وحفص (يفصل) بالياء. الباقون بالنون. من قرأ بالياء فلأنه قد تقدم ذكر الله تعالى فأضمر الاسم في الفعل. ومن قرأ بالنون فهذا المعنى يريد. ويقويه بقوله {تلك آيات الله نتلوها} وقد تقدم {أوحينا} فيكون نفصل محمولا على {أوحينا} والياء أقوى، لأن الاسم الذي يعود اليه أقرب اليه من {أوحينا}. اخبر الله تعالى ان الذي يرجع اليه الخلق هو الله {الذي جعل الشمس ضياء} والجعل وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها، فتارة يكون باحداثه وأخرى باحداث غيره. والشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لما فيهما من عظم النور، ومسيرهما بغير علاقة ولا دعامة، وفيهما أعظم الدلالة على وحدانية الله تعالى. والنور شعاع فيه ما ينافي الظلام. ونور الشمس لما كان أعظم الأنوار سماه الله ضياء، كما قيل للنار ناراً؛ لما فيها من الضياء، ولما كان نور القمر دون ذلك سماه نوراً، لأن نور الشمس وضياءها يغلب عليه، ولذلك يقال أضاء النهار، ولا يقال اضاء الليل بل يقال انار الليل، وليلة منيرة. ويقولون: في قلبه نور، ولا يقال فيه ضياء، لأن الضوء يقال لما يحس بكثرته. وقوله {وقدره منازل} انما وحد في قوله {وقدره} ولم يقل وقدرهما، لأحد أمرين: احدهما - أنه أراد به القمر، لأن بالقمر تحصى شهور الأهلة التي يعمل الناس عليها في معاملتهم. والاخر - ان معناه التثنية غير أنه وحده للايجاز اكتفاء بالمعلوم، كقوله {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه }تفسير : وقال الشاعر: شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً ومن جول الطوي رماني تفسير : وقوله {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} معناه لم يخلق ما ذكره من السموات والارض والشمس والقمر وقدرهما منازل إلا حقاً. وقوله {يفصل الآيات} اي يميز بعضها من بعض {لقوم يعلمون} ذلك ويتبينونه. وقال قوم: معناه لقوم لهم عقول يتناولهم التكليف ويصح منهم الاستدلال دون البهائم ومن لا عقل له.

الجنابذي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} استيناف فى معرض التّعليل للبدءة والاعادة للجزاء او للتّدبير او فى معرض البيان لتدبيره تعالى، ولم يذكر منازل الشّمس ولا غاية ايجاد ومنافع سيرها لانّها كثيرة لا يحيط بها البيان ولانّ اكثرها مشهودة للعوامّ ولعدم شهرة منازل للشّمس بخلاف القمر {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} الفرق بين النّور والضّياء بالعموم والخصوص وحمل الضّياء والنّور للمبالغة او باعتبار ما يرى منهما من انّهما نوران متجوهران {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} قدّر له منازل او قدّره ذا منازل او سيّره منازل {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} فانّ الاعوام والشّهور فى نظر العوامّ منوطة بدورات القمر دون الشّمس {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} بسبب الحقّ او بالغاية الحقّة {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} قرئ بالغيبة والتّكلّم {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} اى نفصّلها بالبيان وفى الوجود لقوم لهم صفة العلم. اعلم، ان الانسان من اوّل استقرار نطفته فى الرّحم بل من اوّل تولّد مادّته من العناصر الى زمان بلوغه سالكٌ على الطّريقة القويمة الانسانيّة بتسبيبات آلهيّة، ومدرك لخيراته بادراك جمادىٍّ او نباتىٍّ او حيوانىٍّ لا بادراكٍ انسانىٍّ، ولا يسمّى ادراكه ذلك علماً كما لا يسمّى ارداك غير الانسان من المواليد علماً، فاذا بلغ بهذا السّلوك او ان بلوغه واستغلظ فى بدنه ونفسه وحصل له العقل الّذى هو مدرك خيراته وشروره الانسانيّة، فان كان ادراكه للاشياء بقدر مرتبته الدّانية وقوّته الضّعيفة من حيث انّها دوالّ قدرته تعالى وآيات حكمته واسباب توجّهه وسلوكه الى الحقّ القديم سمّى اداركه ذلك علماً، وان لم يكن ادراكه كذلك بل يدرك الاشياء مستقلاّت فى الوجود ولم يدركها من حيث انّها متعلّقات دالاّت على صانعها لم يسمّ علماً، بل يسمّى جهلاً مشابهاً للعلم، مثل ان يرى احد من بعيد ظلاًّ لشاخصٍ ويظنّ انّ الظّل شاخص مستقل فى الوجود، وهذا كما يجرى فى الآيات الجزئيّة الآفاقيّة والانفسيّة يجرى فى الآيات القرآنية والاخبار المعصوميّة والاحكام الشّرعيّة خصوصاً فى حقّ من جعلها وسائل للاغراض الدّنيويّة، والحاصل انّ كلّ ادراك يكون سبباً لسلوكه الفطرىّ على الطّريق الانسانىّ ولاشتداد مداركه الانسانيّة وازدياد ادراكاته الاخرويّة يسمّى علماً، وكلّ ادراك يكون سبباً لوقوفه عن السّلوك او لرجوعه عن الطّريق الى الطرق السّفلية الحيوانيّة يكون جهلاً بل الجهل السّاذج يكون افضل منه بمراتب؛ اذا تقرّر هذا فتفصيل الآيات تكويناً وتدويناً لا يكون الغرض منه الاّ ادراك من له صفة العلم لعدم انتفاع الغير به.

الهواري

تفسير : ثم احتجّ عليهم أيضاً فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} يعني القمر {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ} بالليل والنهار. {مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أي: إن ذلك يصير إلى الحق والمعاد. ثم قال: {يُفَصِّلُ الأَيَاتِ} أي: نبِيّها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} وهم المؤمنون. ثم قال: {إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ} من شمسها وقمرها ونجومها {وَ} ما خلق في {الأَرْضِ} من جبالها وأشجارها وثمارها وأنهارها {لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} وهم المؤمنون. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [أي لا يخافون البعث، وهم المشركون، لأنهم لا يقرون بالبعث] {وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا} أي: لا يقرون بثواب الآخرة {وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي يعملون. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. ذكروا عن الحسن أن نبي الله قال: إن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة فيقول له: ما أنت، فوالله إني لأراك أمرأَ صِدقٍ. فيقول: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة. وأما الكافر فإذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة وشارة سيئة، فيقول له: ما أنت، فوالله إني لأراك أمرأ سوء، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخل النار. وقال مجاهد: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ} أي يكون لهم نوراً يمشون به.

اطفيش

تفسير : {هُو الَّذى جَعَل الشَّمسَ ضِياءً} أى ذات ضياء، أو سماها ضياء مبالغة وهو مصدر ضاء يضىء، كقام يقوم قياما، أو جمع ضوء كسوط وسياط، قلبت الواو ياء لتقدم الكسرة عليها، وقرأ ابن كثير فى رواية قنبل هنا، وفى الأنبياء والقصص: ضئاء بهمزة قبل الألف وأخرى بعدها، ووجهه أنه قلب الكلمة قلبا مكانياً فكانت الهمزة هى التى لام الكلمة قبل الألف فى موضع العين، والباء التى هى بدل من عين الكلمة التى هى الواو بعد الألف، فلما تطرفت بعد ألف زائد قلبت همزة، كذا يظهر لى فى توجيه هذه القراءة، ثم رأيت بعضه لبعض والحمد لله. وقيل: أخر الواو عن الألف وقلبها همزة، وقيل: قلبت همزة لوقوعها بين ألفين، ألف الضياء، والألف المبدل عن التنوين فى الوقف وهو ضعيف، وقال الفارسى: هذه القراءة غلط. {والقَمَر نُوراً} أى ذا نور، أو سماه نوراً مبالغة، والضياء أقوى من النور، ولذلك نسب الضياء للشمس، والنور للقمر، وإنما وصف الله نفسه بالنور فى قوله: {أية : الله نور السماوات والأرض} تفسير : لأنه شبه هداه الذى يهتدى به قوم، ويضل عنه آخرون بالنور فى الليل، ولو شبهه بالضياء لكان مقتضاه أن لا يضل عنه أحد، إذ كان كالشمس، وقيل: النور أعم، وقيل: الضياء نفس الشىء الذى له شعاع، كجرم الشمس، وجرم النار، والنور الشعاع الواقع بالعَرَض على نحو الأرض والجبل، وعلى جرم القمر، فإن جرمه لا شعاع له، وإنما شعاعه واقع عليه من الشمس، فالآية كالدليل على أن نوره بالعرض لا بالذات، والحق عندى أن الشعاع عَرَض لا جسم. {وقَدَّرهُ} أى قدر القمر {مَنازلَ} أى ذا منازل، فمنازل حال، أو مفعول ثان على تضمين قدر معنى صبراً أو قدر له منازل، فحذف الجار، أو قدر مسير منازل، على أن المسير اسم مكان السير لا مصدر، والمنازل ظرف كذا قيل، ويرده أن المنازل لا ينصب على الظرفية إلا بعامل من لفظه ومعناه، كرميت مرمى زيد، وقعدت مقعده، لأنه ظرف ميمى، وأما أن يجعل المنازل مصدراً ميميا فلا يزول الإشكال به، لأنه كما لم يكن القمر نفس المنازل، لم يكن السير نفسها. وخص القمر بذكر تقدير المنازل، مع أن الشمس مقدرة كذلك، ومنازلهما واحدة، لسرعة مسيره ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين، فإن الشهور المعتبرة فى الشرع مبنية على رؤية الأهلَّة، والمعتبر فيه السنة القمرية، وهى التى تعرفها العرب، ويجرى حسابهم على ذلك، ولذلك علله بقوله: {لتعْلَموا عَددَ السِّنينَ و} تعلموا {الحِسابَ} حساب الشهور والأيام، والليالى والساعات، ونقصها وزيدها أو الهاء للكل، أى وقدر كلا من الشمس والقمر منازل، أو للمذكور وهو الشمس والقمر، قيل: أو أريدا معاً، لكن اجتزئ بذكر واحد، والمنازل ثمانية وعشرون منزلاً، فى ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر القمر ليلتين إن كان الشهر من ثلاثين، وليلة إن كان من تسعة وعشرين، وتأتى فى سورة يس إن شاء الله تعالى. {ما خَلَق الله ذَلِك} المذكور {إلا بالحقِّ} إلا ملتبساً بالحق، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة، كإظهار الدلائل على قدرته ووحدانيته، والرفق بكم فى معاملتكم وتصرفاتكم {نُفصِّلُ} وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم فى رواية حفص بالمثناة من تحت، وروى بالنون عن ابن كثير وعاصم أيضاً {الآياتِ} نبينها {لقَومٍ يعْلمُونَ} خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها.

اطفيش

تفسير : {هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ} أَنشأَها، وإِن فسرناه بصيَّرنا فهو على معنى قوله وسع الدار بمعنى ابنها من أَول الأَمر واسعة، الأَول مستغن عن هذا التأُويل {ضِيَاءً} نفس الضوءِ مبالغة، أَو بمعنى ذات ضياء أَو مضيئَة، وهو مفرد أَو جمع ضوءٍ كسوطٍ وسياط، والأَول أَنسب بالإِفراد فى قوله {وَالْقَمَرَ نُوراً} نفس النور مبالغة أَو ذا نور، وسميت شمساً، قبل من شمسة القلادة للخرزة الكبيرة وسطها فإِنها أَعظم الكواكب كما يشهد به الحسن، وجاءَ به الأَثر. قلت: لا دليل فى ذلك لاحتمال أَن الخرزة الكبيرة سميت بشمس السماءِ لكبرها على الكواكب وكبر الخرزة على سائِر الخرز، ولعلها سميت لنفور العين عن النظر إِليها لقوة ضوئِها أَو نفورها عن العين مجازا فى هذا، أَو سمى القمر لبياضه لكن إِلى صفرة وهو قمر بعد ثلاث وفيها هلال، والضياءُ والنور عرضان. والضياءُ اسم لكيفية الشعاع الفائِض من الشمس مثلا إِذا كانت الكيفية تامة قوية والنور اسم لأَصل هذه الكيفية، إِذا كانت تامة قوية ولذلك خص الشمس بالضياءِ، إِذا كان أَقوى، وخص القمر بالنور لأَنه ضعيف بالنسبة إِلى الضياءِ، ولو تساويا لم يعرف فكانت الزيادة الباقية فى الشمس، والضوء ما بالذات كالكيفية التى على الشمس، والنور ما بالعرض كالكيفية لغيرها، والضياءُ اسم لهذه الكيفية، ولا يخفى أَنه شاع نور الشمس ونور النهار، وياءُ ضياءً، عن واو لكسر ما قبلها، وضياءُ الشمس ذاتى لها، وقيل من نور العرش، وعلى كل حال لا يزول عنها ما دامت الدنيا، ونور القمر عرضى له من مقابلة الشمس يزول ويتجدد، يزداد ببعده عنها وينقص بقربه يضىءُ ما قابلها منه دون ما لم يقابلها، ولا مانع من أَن نوره ذاتى، له وجه مضىءٌ ووجه غير مضىءٍ فيتحرك منه المضىءُ شيئاً فشيئاً، ويتحرك وينقص شيئاً فشيئاً {وَقَدَّرَهُ} أَى قدر كل واحد من الشمس والقمر أَو قدر ما ذكر منهما، أَو قدر القمر وهو أَولى لصورة إِفراد الضمير، ولأَن العرب تعرف الشهور والسنين به لا بالشمس لمعاينة منازله ولتعلق أَحكام الشرع به، قيل ولسرعة سيره لأَنه يقطع المنازل شهراً والشمس سنة ومنازلها منازله تبطىءُ فيها {مَنَازِلَ} ظرف لسير مقدر مضاف للهاءِ فى قدره، أَى وقدر سيره فى منازل، أَو مفعول ثان لقدر على معنى صيره منازل، وسواءٌ فى إِعراب منازل بالوجهين رددنا الهاءَ للقمر، ويستتر القمر ليلتين إِن كان الشهر ثلاثين، وليلة إِن كان تسعة وعشرين، هذا غالب، وتحققت مرتين أَنه رؤِى بعد الفجر، وكان من تسعة وعشرين، والمنازل ثمانية وعشرون: الشرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والمنعة والذراع والنثرة والطرفة والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك الأَعزل والغفر والزبانى والإِكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأَخبية وفرغ الدلو المقدم والفرغ المؤخر وبطن الحوت. مقسومة على البروج الاثنى عشر لكل برج منزلان وثلث، والبرج ثلاثون درجة من قسمة ثلاثمائة وستين أَجزاءُ دائرة البروج على اثنى عشر، والدرجة ستون دقيقة والدقيقة منقسمة بستين ثانية والثانية بستين ثالثة وهكذا، ويقطع القمر كل يوم وليلة ثلاث عشرة درجة وثلاث دقائق وثلاثا وخمسين ثانية وستا وخمسين ثالثة، وتسمية ما ذكر منازل مجاز لأَنها عبارة عن كواكب ثوابت قريبة من منطقة البروج، والبروج شبيهة بما يربط الإِنسان على وسطه، والمنزل الحقيق للقمر الجو الذى يشغله جرم القمر، والشرطان هو النطح، وكذلك يعتبر نحو الحمل والثور والجوزاء بالمسامتة للمؤخر والرشا ولثلث الشرطين برج الحمل ولثلثى الشرطين والبطين وثلثى الثريا برج الثور ولثلث الثريا والدبران والهقعة برج الجوزاء وللهقعة والذراع وثلث النثرة برج السرطان ولثلث النثرة والطرفاءِ وثلثى الجبهة برج الأَسد ولثلث الجبهة والحرثان والصرفة برج السنبلة ولثلث الغفر والزبنان برج الميزان وللزبنان والإِكليل برج العقرب ولثلث الإِكاليل والقلب والشولة برج القوس وللنعائِم والبلدة وثلث الذراع برج الجدى ولثلث الذابح وبلع وثلث السعد برج الدلو ولثلث السعد والأَخبية والفرغ المقدم برج الحوت. {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} حساب الأَوقات من الأَشهر بسير القمر والأَيام بسير الشمس فى عبادتكم ومعاملتكم وسائِر تصرفاتكم، والمعتبر فى التاريخ العربى الإِسلامى السنة القمرية والتفاوت بعشرة أَيام وإِحدى عشرة ساعة ودقيقة واحدة فى سنة الشمس وهى ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وخمس ساعات وتسع وأَربعون دقيقة، وسنة القمر ثلاثمائة وأَربعة وخمسون يوماً وثمانى ساعات وثمان وأَربعون دقيقة {مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ} أَى ما ذكر من الشمس والقمر وجعلهما ضياءً ونوراً، وتقديرهما منازل، وذكر خلق هنا يرجح أَن الجعل فى قوله جعل الشمس بمعنى الخلق، وضياء الحال وإِلا فمفعول ثان{إِلا بالحق} لم تخلقه عبثاً بل مراعاة لمقتضى الحكمة البالغة {يُفَصِّلُ الآيَاتِ} المتلوة أَوردنا الدلائل واحداً بعد آخر مع البيان، أَو الآيات التكوينية أَو كل ذلك، وفى الآية التفات من الغيبة إِلى التكلم {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يتدبرون ما الحكمة فى إِيجاد المصنوعات فيدركونها، ولا سيما الشمس والقمر، أَو يعلمون معانى الآيات فيعملون بها أَو من شأْنهم الاتصاف بالعلم بخلاف هؤُلاءِ فإِنها ولو فصلت لهم فإِنهم لم ينتفعوا بها كأَنهم بهائِم وكأَنها لم تنزل عليهم.

الالوسي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء} تنبيه على الاستدلال على وجوده تعالى ووحدته وعلمه وقدرته وحكمته بآثار صنيعه في النيرين بعد التنبيه على الاستدلال بما مر وبيان لبعض أفراد التدبير الذي أشير إليه إشارة إجمالية وإرشاد إلى أنه سبحانه حين دبر أمورهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبر البديع فلأن يدبر مصالحهم المتعلقة بمعادهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب أولى وأحرى. و (جعل) إما بمعنى أنشأ وأبدع فضياء حال من مفعوله وإما بمعنى صير فهو مفعوله الثاني، والكلام على حد ـ ضيق فم القربة ـ إذ لم تكن الشمس خالية عن تلك الحالة وهي على ما قيل مأخوذة من شمسة القلادة للخرزة الكبيرة وسطها وسميت بذلك لأنها أعظم الكواكب كما تدل عليه الآثار ويشهد له الحس وإليه ذهب جمهور أهل الهيئة، ومنهم من قال: سميت بذلك لأنها في الفلك الأوسط بين أفلاك العلوية وبين أفلاك الثلاثة الأخر وهو أمر ظني لم تشهد له الأخبار النبوية كما ستعلمه قريباً إن شاء الله تعالى. والضياء مصدر كقيام، وقال أبو علي في «الحجة»: كونه جمعاً كحوض وحياض وسوط وسياط أقيس من كونه مصدراً. وتعقب بأن إفراد النور فيما بعد يرجح الأول، وياؤه منقلبة عن واو لإنكسار ما قبلها. وأصل الكلام جعل الشمس ذات ضياء. ويجوز أن يجعل المصدر بمعنى اسم الفاعل أي مضيئة وأن يبقى على ظاهره من غير مضاف فيفيد المبالغة بجعلها نفس الضياء. وقرأ ابن كثير {ضئاء} بهمزتين بينهما ألف. والوجه فيه كما قال أبو البقاء: أن يكون أخر الياء وقدم الهمزة فلما وقعت الياء طرفاً بعد ألف زائدة قلبت همزة عند قوم وعند آخرين قلبت ألفا ثم قلبت الألف همزة لئلا يجتمع ألفان. {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} أي ذا نور أو منيراً أو نفس النور على حد ما تقدم آنفاً والنور قيل أعم من الضوء بناء على أنه ما قوي من النور والنور شامل للقوي والضعيف، والمقصود من قوله سبحانه: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [النور: 35] تشبيه هداه الذي نصبه للناس بالنور الموجود في الليل أثناء الظلام والمعنى أنه تعالى جعل هداه كالنور في الظلام فيهدي قوم ويضل آخرون ولو جعله كالضياء الذي لا يبقى معه ظلام لم يضل أحد وهو مناف للحكمة وفيه نظر، وقيل: هما متباينان فما كان بالذات فهو ضياء وما كان بالعرض فهو نور، ولكون الشمس نيرة بنفسها نسب إليها الضياء ولكون نور القمر مستفاداً منها نسب إليه النور. وتعقبه العلامة الثاني بأن ذلك قول الحكماء وليس من اللغة في شيء فإنه شاع نور الشمس ونور النار / ونحن قد بسطنا الكلام على ذلك فيما تقدم وفي كتابنا «الطراز المذهب» وأتينا بما فيه هدى للناطرين. بقي أن حديث الاستفادة المذكورة سواء كانت على سبيل الانعكاس من غير أن يصير جوهر القمر مستنيراً كما في المرآة أو بأن يستنير جوهره على ما هو الأشبه عند الإمام قد ذكرها كثير من الناس حتى القاضي في «تفسيره» وهو مما لم يجىء من حديث من عرج إلى السماء صلى الله عليه وسلم وإنما جاء عن الفلاسفة. وقد زعموا أن الأفلاك الكلية تسعة أعلاها فلك الأفلاك ثم فلك الثوابت ثم فلك كيوان ثم فلك برجيس ثم فلك بهرام ثم فلك الشمس ثم فلك الزهرة ثم فلك الكاتب ثم فلك القمر، وزعم صاحب «التحفة» أن فلك الشمس تحت فلك الزهرة وما عليه الجمهور هو الأول، واستدل كثير منهم على هذا الترتيب بما يبقى معه الاشتباه بين الشمس وبين الزهرة والكاتب كالكسف والانكساف واختلاف المنظر الذي يتوصل إلى معرفته بذات الشعبتين لأن الأول لا يتصور هناك لأن الزهرة والكاتب يحترقان عند الاقتران في معظم المعمورة والثاني أيضاً مما لا يستطاع علمه بتلك الآلة لأنها تنصب في سطح نصف النهار وهذان الكوكبان لا يظهران هناك لكونهما حوالي الشمس بأقل من برجين فإذا بلغا نصف النهار كانت الشمس فوق الأرض شرقية أو غربية فلا يريان أصلاً، وجعل الشمس في الفلك الأوسط لما في ذلك من حسن الترتيب كأنها شمسة القلادة أو لأنها بمنزلة الملك في العالم فكما ينبغي للملك أن يكون في وسط العسكر ينبغي لها أن تكون في وسط كرات العالم أمر إقناعي بل هو من قبيل التمسك بجبال القمر، ومثل ذلك تمسكهم في عدم الزيادة على هذه الأفلاك بأنه لا فضل في الفلكيات مع أنه لزم عليه أن يكون ثخن الفلك الأعظم أقل ما يمكن أن يكون للأجسام من الثخانة إذ لا كوكب فيه حتى يكون ثخنه مساوياً لقطره فالزائد على أقل ما يمكن فضل. وقد بين في «رسالة الأبعاد والأجرام» أنه بلغ الغاية في الثخن. وقد قدمنا لك ذلك وحينئذ يمكن أن يكون لكل من الثوابت فلك على حدة وأن تكون تلك الأفلاك متوافقة في حركاتها جهة وقطباً ومنطقة وسرعة بل لو قيل بتخالف بعضها لم يكن هناك دليل ينفيه لأن المرصود منها أقل قليل فيمكن أن يكون بعض ما لم يرصد متخالفاً على أن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الئوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل على ذلك بما استدل، ومن علم أن أرباب الارصاد منذ زمان يسير وجدوا كوكباً سياراً أبطأ سيراً من زحل وسموه هرشلا وقد رصده لالنت فوجده يقطع البرج في ست سنين شمسية وأحد عشر شهراً وسبعة وعشرين يوماً وهو ويوم تحريرنا هذا المبحث وهو اليوم الرابع والعشرون من جمادى الآخرة سنة الألف والمائتين والست والخمسين حيث الشمس في السنبلة قد قطع من الحوت درجة واحدة وثلاث عشرة دقيقة راجعاً لا يبقى له اعتماد على ما قاله المتقدمون، ويجوز أمثال ما ظفر به هؤلاء المتأخرون، وأيضاً من الجائز أن تكون الأفلاك ثمانية لإمكان كون جميع الثوابت مركوزة في محدب ممثل زحل أي في متممه الحاوي على أنه يتحرك بالحركة البطيئة والفلك الثامن يتحرك بالحركة السريعة وحينئذ تكون دائرة البروج المارة بأوائل البروج منتقلة بحركة الثامن غير منتقلة بحركة الممثل ليحصل انتقال الثوابت بحركة الممثل من برج إلى برج كما هو الواقع. وقد صرح البرجندي أن القدماء لم يثبتوا الفلك الأعظم وإنما أثبته المتأخرون، وأيضاً يجوز أن تكون سبعة بأن يفرض الثوابت ودائرة البروج على محدب ممثل زحل ويكون هناك نفسان تتصل إحداهما بمجموع السبعة وتحركها إحدى الحركتين الأوليين والأخرى بالكرة السابعة وتحركها الأخرى ولكن بشرط / أن تفرض دوائر البروج متحركة بالسريعة دون البطيئة كتحركها متوهمة على سطوح الممثلات بالسريعة دون البطيئة لينقل الثوابت بالبطيئة من برج إلى برج كما هو الواقع ونحن من وراء المنع فيما يرد على هذا الاحتمال، وأيضاً ذكر الإمام أنه لم لا يجوز أن تكون الثوابت تحت فلك القمر فتكون تحت كرات السيارة لا فوقها. وما يقال: من أنا نرى أن هذه السيارة تكسف الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة مدفوع بأن هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة دون القريبة من القطبين فلم لا يجوز أن يقال: هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوز في الفلك الثامن والقريبة من القطبين مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر. على أنه لم لا يجوز أن يقال: الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر ودون إثبات الامتناع خرط القتاد. وذكروا في استفادة نور القمر من ضوء الشمس إنه من الحدسيات لاختلاف أشكاله بحسب قربه وبعده منها وذلك كما قال ابن الهيثم لا يفيد الجزم بالاستفادة لاحتمال أن يكون القمر كرة نصفها مضيء ونصفها مظلم ويتحرك على نفسه فيرى هلالاً ثم بدراً ثم ينمحق وهكذا دائماً، ومقصوده أنه لا بد من ضم شيء آخر إلى اختلاف الأشكال حسب القرب والبعد ليدل على المدعى وهو حصول الخسوف عند توسط الأرض بينه وبين الشمس. وبعض المحققين كصاحب «حكمة العين» وصاحب «المواقف» نقلوا ما نقلوا عن ابن الهيثم ولم يقفوا على مقصوده منه فقالوا: إنه ضعيف وإلا لما انخسف القمر في شيء من الاستقبالات أصلاً وذلك كما قال العاملي عجيب منهم، وأنت تعلم أن لا جزم أيضاً وأن ضم ما ضم لجواز أن يكون سبب آخر لاختلاف تلك الأشكال النورية لكنا لا نعلمه كأن يكون كوكب كمد تحت فلك القمر ينخسف به في بعض استقبالاته. وإن طعن في ذلك بأنه لو كان لرؤي. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك الاختلاف والخسوف من آثار إرادة الفاعل المختار من دون توسط القرب والبعد من الشمس وحيلولة الأرض بينها وبينه بل ليس هناك إلا توسط الكاف والنون وهو كاف عند من سلمت عينه من الغين. وللمتشرعين من المحدثين وكذا لساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم كلمات شهيرة في هذا الشأن، ولعلك قد وقفت عليها وإلا فستقف بعد إن شاء الله تعالى. وقد استندوا فيما يقولون إلى أخبار نبوية وأرصاد قلبية وغالب الأخبار في ذلك لم تبلغ درجة الصحيح وما بلغ منها آحاد ومع هذا قابل للتأويل بما لا ينافي مذهب الفلاسفة والحق أنه لا جزم بما يقولونه في ترتيب الأجرام العلوية وما يلتحق بذلك وأن القول به مما لا يضر بالدين إلا إذا صادم ما علم مجيئه عن النبـي صلى الله عليه وسلم. هذَا وسمي القمر قمراً لبياضه كما قال الجوهري، واعتبر هو وغيره كونه قمراً بعد ثلاث. {وَقَدَّرَهُ} أي قدر له وهيأ {مَنَازِلَ} أو قدر مسيره في منازل فمنازل على الأول مفعول به وعلى الثاني نصب على الظرفية، وجوز أن يكون قدر بمعنى جعل المتعدي لواحد و {مَنَازِلَ} حال من مفعوله أي جعله وخلقه متنقلاً وإن يكون بمعنى جعل المتعدي لاثنين أي صيره ذا منازل، وإياماً كان فالضمير للقمر وتخصيصه بهذا التقدير لسرعة سيره بالنسبة إلى الشمس ولأن منازله معلومة محسوسة ولكونه عمدة في تواريخ العرب ولأن أحكام الشرع منوطة به في الأكثر، وجوز أن يكون الضمير له وللشمس بتأويل كل منهما، والمنازل ثمانية وعشرون وهي الشَّرَطان والبَطين والثريا والدَّبَران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزُّبرة والصَّرفة / والعواء. والسماك الاعزل والعفرة والزُّباني والإكليل والقلب والشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية وفرغ الدلو المقدم والفرغ المؤخر وبطن الحوت، وهي مقسمة على البروج الاثنى عشر المهشورة فيكون لكل برج منزلان وثلث، والبرج عندهم ثلاثون درجة حاصلة من قسمة ثلثمائة وستين أجزاء دائرة البروج على اثنى عشر، والدرجة عندهم منقسمة بستين دقيقة وهي منقسمة بستين ثانية وهي منقسمة بستين ثالثة وهكذا إلى الروابع والخوامس والسوادس وغيرها، ويقطع القمر بحركته الخاصة في كل يوم بليلته ثلاث عشرة درجة وثلاث دقائق وثلاثاً وخمسين ثانية وستاً وخمسين ثالثة، وتسمية ما ذكرنا منازل مجاز لأنه عبارة عن كواكب مخصوصة من الثوابت قريبة من المنطقة، والمنزلة الحقيقية للقمر الفراغ الذي يشغله جرم القمر على أحد الأقوال في المكان، فمعنى تزول القمر في هاتيك المنازل مسامتته إياها، وكذا تعتبر المسامتة في نزوله في البروج لأنها مفروضة أولا في الفلك الأعظم. وأما تسمية نحو الحمل والثور والجوزة بذلك فباعتبار المسامتة أيضاً. وكان أول المنازل الشرطين ويقال له النطح وهو لأول الحمل ثم تحركت حتى صار أولها على ما حرره المحققون من المتأخرين الفرغ المؤخر ولا يثبت على ذلك لأن للثوابت حركة على التوالي على الصحيح وإن كانت بطيئة وهي حركة فلكها، ومثبتو ذلك اختلفوا في مقدار المدة التي يقطع بها جزأ واحداً من درجات منطقته فقيل هي ست وستون سنة شمسية أو ثمان وستون سنة قمرية، وذهب ابن الأعلم إلى أنها سبعون سنة شمسية أو ثمان وستون سنة قمرية، وذهب ابن الأعلم إلى أنها سبعون سنة شمسية وطابقه الرصد الجديد الذي تولاه نصير الطوسي بمراغة، وزعم محيـى الدين أحد أصحابه أنه تولى رصد عدة من الثوابت كعين الثور وقلب العقرب بذلك الرصد فوجدها تتحرك في كل ست وستين سنة شمسية درجة واحدة، وادعى بطليموس أنه وجد الثوابت القريبة إلى المنطقة متحركة في كل مائة سنة شمسية درجة والله تعالى أعلم بحقائق الأحوال وهو المتصرف في ملكه وملكوته حسبما يشاء. {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ} التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية {وَٱلْحِسَابَ} أي ولتعلموا الحساب بالأوقات من الأشهر والأيام وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة، واللام على ما يفهم من «أمالي عز الدين بن عبد السلام» متعلقة بقدر. واستشكل هو ذلك بأن علم العدد والحساب لا يفتقر لكون القمر مقدراً بالمنازل بل طلوعه وغروبه كاف. وذكر بعضهم أن حكمة ذلك صلاح الثمار بوقوع شعاع القمر عليها وقوعاً تدريجياً، وكونه أدل على وجوده سبحانه وتعالى إذ كثرة اختلاف أحوال الممكن وزيادة تفاوت أوصافه أدعى إلى احتياجه إلى صانع حكيم واجب بالذات وغير ذلك مما يعرفه الواقفون على الأسرار؛ وأجاب مولانا سري الدين بأن المراد من الحساب حساب الأوقات بمعرفة الماضي من الشهر والباقي منه وكذا من الليل ثم قال: وهذا إذا علقت اللام ـ بقدره منازل ـ فإن علقته بجعل الشمس والقمر لم يرد السؤال. ولعل الأولى على هذا أن يحمل {ٱلسّنِينَ} على ما يعم السنين الشمسية والقمرية وإن كان المعتبر في التاريخ العربـي الإسلامي السنة القمرية، والتفاوت بين السنتين عشرة أيام وإحدى عشرة ساعة ودقيقة واحدة، فإن السنة الأولى عبارة عن ثلثمائة وخمسة وستين يوماً وخمس ساعات وتسع وأربعين دقيقة على مقتضى الرصد الايلخاني والسنة الثانية عبارة عن ثلثمائة وأربعة وخمسين يوماً وثماني ساعات وثمان وأربعين دقيقة، وينقسم / كل منهما إلى بسيطة وكبيسة وبيان ذلك في محله. وتخصيص العدد بالسنين والحساب بالأوقات لما أنه لم يعتبر في السنين المعدودة معنى مغاير لمراتب الأعداد كما اعتبر في الأوقات المحسوبة، وتحقيقه أن الحساب إحصاء ما له كمية انفصالية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها عدد معين له اسم خاص وحكم مستقل كالسنة المتحصلة من اثنى عشر شهراً قد تحصل كل من ذلك من أيام معلومة قد تحصل كل منها من ساعات كذلك والعد مجرد إحصائه بتكرير أمثاله من غير اعتبار أن يتحصل بذلك شيء كذلك، ولما لم يعتبر في السنين المعدودة تحصيل حد معين له اسم خاص غير أسامي مراتب الأعداد وحكم مستقل أضيف إليها العدد، وتحصل مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدي في تحصيل المعدود نفعاً، وحيث اعتبر في الأوقات المحسوبة تحصيل ما ذكر من المراتب التي لها أسام خاصة وأحكام مستقلة علق بها الحساب المنبىء عن ذلك، والسنة من حيث تحققها في نفسها مما يتعلق به الحساب وإنما الذي يتعلق به العد طائفة منها، وتعلقه في ضمن ذلك بكل واحدة من تلك الطائفة ليس من تلك الحيثية المذكورة ـ أعني حيثية تحصلها من عدة أشهر ـ قد تحصل كل واحد منها من عدة أيام قد حصل كل منها من عدة ساعات فإن ذلك وظيفة الحساب - بل من حيث إنها فرد من تلك الطائفة المعدودة من غير أن يعتبر معها شيء غير ذلك. وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيب بين متعلقيهما وجوداً وعلماً على العكس لأن العلم المتعلق بعدد السنين له علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا وإن لم تتحد الجهة أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصيل أمر آخر حسبما حقق آنفاً نازل من الحساب الذي اعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب قاله شيخ الإسلام. {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ} أي ما ذكر من الشمس والقمر على ما حكى سبحانه من الأحوال {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} استثناء من أعم أحوال الفاعل والمفعول، والباء للملابسة أي ما خلق ذلك ملتبساً بشيء من الأشياء إلا ملتبساً بالحق مراعياً فيه الحكمة والمصلحة أو مراعى فيه ذلك فالمراد بالحق هنا خلاف الباطل والعبث {يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ} أي الآيات التكوينية المذكورة أو الأعم منها ويدخل المذكور دخولاً أولياً أو نفصل الآيات التنزيلية المنبهة على ذلك. وقرىء {نُفَصّلُ} بنون العظمة وفيه التفات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} الحكمة في إبداع الكائنات فيستدلون بذلك على شؤون مبدعها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيف الآيات المنزلة فيؤمنون بها. وتخصيص التفصيل بهم على الاحتمالين لأنهم المنتفعون به، والمراد لقوم عقلاء من ذوي العلم فيعم من ذكرنا وغيرهم.

ابن عاشور

تفسير : هذا استئناف ابتدائي أيضاً، فضمير (هو) عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {أية : إن ربكم الله}تفسير : [يونس: 3]. وهذا استدلال آخر على انفراده تعالى بالتصرف في المخلوقات، وهذا لون آخر من الاستدلال على الإلهية ممزوج بالامتنان على المحجوجين به لأن الدليل السابق كان متضمناً لِعظيم أمر الخلق وسعة العلم والقدرة بذكر أشياء ليس للمخاطبين حظ في التمتع بها. وهذا الدليل قد تضمن أشياء يأخذ المخاطبون بحظ عظيم من التمتع بها وهو خلق الشمس والقمر على صورتهما وتقدير تنقلاتهما تقديراً مضبوطاً ألهم الله البشر للانتفاع به في شؤون كثيرة من شؤون حياتهم. فجَعْلُ الشمسِ ضياء لانتفاع الناس بضيائها في مشاهدة ما تهمهم مشاهدته بما به قوام أعمال حياتهم في أوقات أشغالهم. وجَعْل القمر نوراً للانتفاع بنوره انتفاعاً مناسباً للحاجة التي قد تعرض إلى طلب رؤية الأشياء في وقت الظلمة وهو الليل. ولذلك جُعل نوره أضعف ليُنتفع به بقدر ضرورة المنتفع، فمن لم يضطرَّ إلى الانتفاع به لا يشعرُ بنوره ولا يصرفه ذلك عن سكونه الذي جُعل ظلام الليل لحصوله، ولو جعلت الشمس دائمة الظهور للناس لاستووا في استدامة الانتفاع بضيائها فيشغلهم ذلك عن السكون الذي يستجدون به ما فتر من قواهم العصبية التي بها نشاطُهم وكمالُ حياتهم. والضياء: النور الساطع القوي، لأنه يضيء للرائي. وهو اسم مشتق من الضوء، وهو النور الذي يوضح الأشياء، فالضياء أقوى من الضوء. ويَاء (ضياء) منقلبة عن الواو لوقوع الواو إثر كَسرة الضاد فقلبت ياء للتخفيف. والنور: الشعاع، وهو مشتق من اسم النار، وهو أعم من الضياء، يصدق على الشعاع الضعيف والشعاع القوي، فضياء الشمس نور، ونور القمر ليس بضياء. هذا هو الأصل في إطلاق هذه الأسماء، ولكن يكثر في كلام العرب إطلاق بعض هذه الكلمات في موضع بعض آخر بحيث يَعسر انضباطه. ولما جعل النور في مقابلة الضياء تعين أن المراد به نورٌ مَّا. وقوله: {ضياء} و{نوراً} حالان مشيران إلى الحكمة والنعمة في خلقهما. والتقدير: جعل الأشياء على مِقدار عنْد صُنعها. والضمير المنصوب في (قَدَّره): إما عائد إلى النور فتكون المنازل بمعنى المراتب، وهي مراتب نور القمر في القوة والضعف التابعة لما يظهر للناس نيراً من كُرة القمر، كما في قوله تعالى: {أية : والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعُرجون القديم}تفسير : [يس: 39]. أي حتى نقص نوره ليلةً بعد ليلة فعاد كالعرجون البالي. ويكون {منازل} في موضع الحال من الضمير المنصوب في {قدَّره} فهو ظرف مستقر، أي تقديراً على حسب المنازل، فالنور في كل منزلة لَه قدَر غير قدره الذي في منزلة أخرى. وإما عائد إلى (القمر) على تقدير مضاف، أي وقدر سيره، فتكون {منازل} منصوباً على الظرفية. والمنازل: جمع منزل؛ وهو مكان النزول. والمراد بها هنا المواقع التي يظهر القمر في جهتها كل ليلة من الشهر. وهي ثمان وعشرون منزلة على عدد ليَالي الشهر القمري. وإطلاق اسم المنازل عليها مجاز بالمشابهة وإنما هي سُمُوت يلوح للناس القمرُ كل ليلة في سَمْت منها، كأنه ينزل بها. وقد رَصدها البشر فوجدوها لا تختلف. وعلم المهتدون منهم أنها ما وجدت على ذلك النظام إلا بصنع الخالق الحكيم. وهذه المنازل أماراتها أنجم مجتمعة على شكل لا يختلف، فوضع العلماء السابقون لها أسماء. وهذه أسماؤها في العربية على ترتيبها في الطلوع عند الفجر في فصُول السنة. والعرب يبْتدئون ذِكرها بالشَرَطَانِ وهكذا، وذلك باعتبار حلول القمر كل ليلة في سمت منزلة من هذه المنازل، فأول ليلة من ليالي الهلال للشَّرَطان وهكذا. وهذه أسماؤها مرتبة على حسب تقسيمها على فصول السنة الشمسية. وهي: العَوَّاء، السِّمَاك الاعْزل، الغَفْر، الزُّبَاني، الإكليل، القَلْب، الشَّوْلَةَ، النَعَائم، البَلْدَة، سَعْد الذَّابحٍ، سَعْدُ بَلَعٍ، سَعْد السُّعود، سَعْد الأخْبِيَة، الفَرْغ الأعلى، الفَرْغ الأسفل، الحُوت، الشَّرَطَانِ، البُطَيْن، الثُّرَيَّا، الدَّبَران، الهَقْعَة، الهَنْعَة، ذِرَاع الأسَد، النَّشْرَة، الطَّرْف، الجَبْهَة، الزُّبْرَة، الصَّرْفَة. وهذه المنازل منقسمة على البروج الاثني عشر التي تحل فيها الشمس في فصول السنة، فلكل برج من الاثني عشر بُرجاً مَنزلتان وثُلُث، وهذا ضابط لمعرفة نجومها ولا علاقة له باعتبارها مَنازل للقمر. وقد أنبأنا الله بعلة تقديره القمر منازل بأنها معرفة الناس عدد السنين والحساب، أي عدد السنين بحصول كل سنة باجتماع اثني عشر. والحساب: مصدر حسب بمعنى عد. وهو معطوف على {عدد}، أي ولتعلموا الحساب. وتعريفه للعهد، أي والحساب المعروف. والمراد به حساب الأيام والأشهر لأن حساب السنين قد ذكر بخصوصه. ولما اقتصر في هذه الآية على معرفة عدد السنين تعين أن المراد بالحساب حساب القمر، لأن السنة الشرعية قمرية، ولأن ضمير {قدره} عائد على {القمر} وإن كان للشمس حساب آخر وهو حساب الفصول. وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : والشمس والقمر حسبانا}تفسير : [الأنعام: 96]. فمن معرفة الليالي تعرف الأشهر، ومن معرفة الأشهر تعرف السنة. وفي ذلك رفق بالناس في ضبط أمورهم وأسفارهم ومعاملات أموالهم وهو أصل الحضارة. وفي هذه الآية إشارة إلى أن معرفة ضبط التاريخ نعمة أنعم الله بها على البشر. وجملة: {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} مستأنفة كالنتيجة للجملة السابقة كلها لأنه لما أخبر بأنه الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وذكر حكمة بعض ذلك أفضى إلى الغرض من ذكره وهو التنبيه إلى ما فيها من الحكمة ليستدل بذلك على أن خالقهما فاعل مختار حكيم ليستفيق المشركون من غفلتهم عن تلك الحكم، كما قال تعالى في هذه السورة [7] {أية : والذين هم عن آياتنا غافلون}. تفسير : والباء للملابسة. و(الحق) هنا مقابل للباطل. فهو بمعنى الحكمة والفائدة، لأن الباطل من إطلاقاته أن يطلق على العبث وانتفاء الحكمة فكذلك الحق يطلق على مقابل ذلك. وفي هذا رد على المشركين الذين لم يَهتدوا لما في ذلك من الحكمة الدالة على الوحدانية وأن الخالق لها ليس آلهتَهم. قال تعالى: {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا}تفسير : [ص: 27]. وقال: {أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين مَا خلقناهما إلا بالحق ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون}تفسير : [الدخان: 38 ـــ 39]. ولذلك أعقب هذا التنبيه بجملة {نُفصّل الآيات لقوم يعلمون}، فهذه الجملة مستأنفة ابتدائية مسوقة للامتنان بالنعمة، ولتسجيل المؤاخذة على الذين لم يهتدوا بهذه الدلائل إلى ما تحتوي عليه من البيان. ويجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله: {ما خلق الله ذلك إلا بالحق}. فعلى قراءة نفصل بالنون وهي لنافع والجمهور ورواية عن ابن كثير ففي ضمير صاحب الحال التفات، وعلى قراءة {يفصل} بالتحتية وهي لابن كثير في المشهور عنه وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب أمرها ظاهر. والتفصيل: التبيين، لأن التبيين يأتي على فصول الشيء كلها. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين}تفسير : في سورة [الأنعام: 55]. والإتيان بالفعل المضارع لإفادة التكرار. وجعل التفصيل لأجل قوم يعلمون، أي الذين من شأنهم العلم لما يؤذن به المضارع من تجدد العِلم، وإنما يتجدد لمن هو ديدنه ودَأبه، فإن العلماء أهل العقول الراجحة هم أهل الانتفاع بالأدلة والبراهين. وذكر لفظ (قوم) إيماء إلى أنهم رسخ فيهم وصف العلم، فكان من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله: {أية : لآيات لقوم يعقلون}تفسير : في سورة [البقرة: 164]. وفي هذا تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بتفصيل الآيات ليسوا من الذين يعلمون ولا ممن رسخ فيهم العلم.

الواحدي

تفسير : {هو الذي جعل الشمس ضياءً} ذات ضياءٍ {والقمر نوراً} ذا نورٍ {وقدَّره} وقدَّر له {منازل} على عدد أيام الشَّهر {ما خلق الله ذلك} يعني: ما تقدَّم ذكره {إلاَّ بالحق} بالعدل، أَيْ: هو عادلٌ في خلقه، لم يخلقه ظلماً ولا باطلاً {يفصِّل الآيات} يُبيِّنها {لقوم يعلمون} يستدلُّون بها على قدرة الله.

القطان

تفسير : الضوء والضياء: النور. والضوء اقوى من النور، لان الضوء من الشمس ذاتها، والنور في القمر مستمد من الشمس. قدّره منازل: جعله يتنقل بينها وهي ثمانية وعشرون منزلا. غافلون: ناسون، الغفلة النسيان. آخر دعواهم: آخر دعائهم. بعد ان ذكر الله الآيات الدالةَ على وجوده، ومنها خلقُ السماواتِ والأرض على ذلك النظام المحْكَم، ذَكَر هنا أنواعاً من آياته الكونية الدالة على ذلك. وهو تفصيلٌ لما تقدّم وبيان له على وجه بديع واسلوب عجيب. {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً}. إن ربكم هو الذي خلق السماواتِ والأرضَ وهذا الكونَ العجيب، وفيه جعل الشمس تشع ضياء، والقمر يرسل نورا. {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ}. وجعل للقمر منازلَ عددُها ثمانية وعشرون يتنقل فيها، فيختلف نورُه تبعاً لهذه المنازل، وذلك لتستعينوا به في تقدير مواقيتكم، وتعلموا عدَد السنين والحساب، فتحسِبوا الأشهرَ والأيام وتضبطوا فيها مواعيدَكم وعباداتكم ومعاملاتكم. {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. وما خلق الله ذلك إلا بالحكمة، وهو هنا يبيّن الدلائل ويبسط الآياتِ الدالةَ على ألوهّيته وكمالِ قدرته لِقومٍ يتدبرون بعقولهم. وقد قررت هذه الآيةُ الحقيقةَ العلمية التي لم يصل إليها العلم الا أخيراً، وهي ان الشمس جِرم ملتهب، ومصدرُ الطاقات، ومنها الضوء والحرارة، بينما القمر جِرم مظلم غير ملتهب. أما النور الذي يبدو منه فهو مستَمدٌّ من الشمس. ولذا عبّر الله تعالى عن الشمس بأنها ضِياء، يعين مصدراً للضوء، وأن القمر نورٌ منير فقط. كذلك اشارات الآيةُ الى حقيقة فلكية، وهي ان القمرَ يدور حول الأرض، فيحتل مكاناً خاصّا بالنسبة لها في كل يوم. وهو يُتم دورتَهُ في الشهر القمري، وبه تُعلم السنة القمرية. وعلى ذلك يمكن بطريق الرؤية الحِسْبَةُ لِمنازله ومعرفة السنين وحساب الأشهر. قراءات: قرأ ابن كثير برواية قنبل: ضِئاء بالهمزة. والباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وأهلُ البصرة وحفص: "يفصّل الآيات" بالياء والباقون: "نفصل" بالنون. {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}. ان في تعاقب الليل والنهار واختلافهما بالزيادة والنقصان، وفي خلق السماوات والأرض وما فيهما من الكائنات، لدلائلَ عظيمةً وبراهينَ بيّنة على وجود الصانع، وألوهيته، وقدرته لقومٍ يتّقون مخالفةَ سُننه تعالى. وتشير هذه الآية الى حقيقةٍ مشاهَدة، وهي اختلاف طول الليل والنهار على مدار العام في أي مكان على الأرض، وكذلك تعاقُب النهار والليل وكون النهار مبصراً، والليل مظلما. وتفسير ذلك أساسه دورانُ الأرض حول محورها وحول الشمس. وكل هذه دلائلُ على قدرة الخالق المبدِع، والعلمُ بها لم يكن البتّةَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على انه وحيٌ من الله إليه. {إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ}. لا يرجون لقاءنا: لا يريدون، لا يأملون، لا يتوقعون. ان الذين لا يتوقّعون لقاءَ الله في اليوم الآخر، إذا اعقتدوا أن الحياةَ الدينا هي منتهاهم ليس بعدها حياة، فقَصَروا كل همِّهم على الحصول على أغراضهم منها، واطمأنوا الى ذلك، ولم يعملوا لما بعدها، والّذين غفلوا عن آيات الله الدالة على البعث والجزاء - أولئك مأواهمُ النارُ بما كانوا يكسِبون. {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ}. ذلك جزاءُ الفريق المنحرِف الضال، اما الفريق المقابلُ وهم الذين آمنوا إيماناً صحيحا، وعملوا الصالحات في دنياهم بمقتضى هذا الايمان، فإن ربهم يثبتهم على الهداية، ويُدخلهم يوم القيامة جناتٍ تجري الأنهار خلالها، يتنعمون خالدين فيها ابدا. {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}. ليس في دار النعيم هموم ولا شواغل، فهم يتلذّذون بالدعاء الى الله وتسبيحه، وتنزيهه عما كان يقوله الكافرون في الدنيا، ونياجونه بقولهم: سبحانك اللهُمّ، ويحيّي بعضم بعضا بالسلام، فهي تحية المؤمنين. وآخرُ كل دعاءٍ يناجون به ربَّهم، ومطلب يطلبونه من احسانه وكرمه قولهم: "الحمد لله رب العالمين" على توفيقه إياهم بالايمان وفوزهم برضوانه عليهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلآيَاتِ} (5) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عُمَّا خَلَقَ مِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً، وَجَعَلَ القَمَرَ نُوراً، وَهَكَذا فَاوَتَ تَعَالَى بَيْنَ ضِيَاءِ الشَّمْسِ، وَبَيْنَ نُورِ القَمَرِ، وَقَدَّرَ لِلْقَمَرِ مَنَازِلَ (وَهِيَ 28 مَنْزِلاً)، لِيَعْرِفَ النَّاسُ عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ، وَلَمْ يَخْلُقِ اللهُ ذَلِكَ الخَلْقَ عَبَثاً وَبَاطِلاً وَتَسْلِيَةً، وَإِنَّمَا خَلَقَهُ بِالحَقِّ، وَهُوَ تَعَالَى يُفَصِّلُ الآيَاتِ الدَّالَةِ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ لِكَيْ يَتَدَبَّرَهَا الخَلْقُ. (وَقِيلَ إِنَّ الضَّوْءَ مَا كَانَ مِنْ ذَاتِ الشَّيءِ كَالشَّمْسِ وَالنَّارِ، وَالنُّورُ مَا كَانَ مُكْتَسَباً مِنْ خَارِجِ الشَّيءِ كَالقَمَرِ يَسْتَمِدُّ نُورَهُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ). قَدَّرَهُ مَنَازِلَ - صَيَّرَ القَمَرَ ذَا مَنَازِلَ يَسيرُ فِيها.

الثعلبي

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} بالنهار {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} بالليل. قال الكلبي: تضي وجوههما لأهل السموات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع. [قرأ الأكثرون: ضياءً بهمزة واحدة] وروي عن ابن كثير: ضياء بهمزت الياء، ولا وجه لها لأن ياءه كانت واواً مفتوحة، وهي عين الفعل أصله ضواء فسكنت وجعلت ياءً كما جعلت في الصيام والقيام {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} أي قدر له بمعنى هيأ له وسوى له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها. وقيل: جعل قدر مما يتعدى لمفعولين ولم يقل قدرهما، وقد ذكر الشمس والقمر وفيه وجهان: أحدهما أن يكون الهاء للقمر خاصة بالأهلة يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، والآخر أن يكون قد اكتفى بذكر أحدهما من الآخر،كما قال: {أية : وٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة: 62] وقد مضت هذه المسألة {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ} دخولها وانقضائها {وَٱلْحِسَابَ} يعني وحساب الشهور والأيام والساعات {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ} مثل ما في الفصل والخلق والتقدير، ولولا [وجود] الأعيان المذكور لقال: تلك {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} لم يخلقه باطلا بل إظهاراً لصنعه ودلالة على قدرته وحكمته، ولتجزى كل نفس بما كسبت فهذا الحق {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} يبيّنها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. قال ابن كثير وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: {يُفَصِّلُ} بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله قبله {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ} وبعده {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ} فيكون متبعاً له، وقرأ ابن السميقع بضم الياء وفتح الصاد ورفع التاء من الآيات على مجهول الفعل، وقرأ الباقون بالنون على التعظيم. {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُون} يوقنون فيعلمون ويقرّون. قال ابن عباس: قال أهل مكة: آتينا بآية حتى نؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية. {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} يعني لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا، والرجاء يكون بمعنى الهلع والخوف {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} فاختاروها داراً لهم {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} وسكنوا إليها. قال قتادة في هذه الآية: إذا شئت رأيت صاحب دنيا لها يفرح ولها يحزن ولها يرضى ولها يسخط. {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا} أدلتنا {غَافِلُونَ} لا يعتبرون. قال ابن عباس {عَنْ آيَاتِنَا} محمد والقرآن غافلون معرضون تاركون مكذبون {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من الكفر والتكذيب {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} فيه إضمار واختصار أي يهديهم ربهم بإيمانهم إلى مكان {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} قال أبو روق: يهديهم ربهم بإيمانهم إلى الجنة، قال عطية: يهديهم ويثيبهم ويجزيهم، وقيل ينجيهم. مجاهد ومقاتل: يهديهم بالنور على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نوراً يمشون به. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة [حسنة وبشارة حسنة] فيقول له. من أنت فو الله أني لأراك أمرء صدق؟ فيقول له: أنا عملك، فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيقول: من أنت فوالله إني لأراك امرء سوء؟ فيقول: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار. تفسير : وقيل: معنى الآية: بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه أي بتصديقهم هداهم تجري من تحتهم الأنهار لم يرد أنها تجري تحتهم وهم فوقها، لأن أنهار الجنة تجري من غير أخاديد. وإنما معناه أنها تجري من دونهم وبين أيديهم وتحت أمرهم كقوله تعالى: {أية : قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}تفسير : [مريم: 24] ومعلوم أنه لم يجعل السري تحتها وهي عليه قاعدة وإنما أراد به بين يديها، وكقوله تعالى مخبراً عن فرعون: {أية : أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ}تفسير : [الزخرف: 51]، أو من دوني وتحت أمري {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ} قولهم وكلامهم {فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ}. قال طلحة بن عبد الله سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبحان الله، فقال: هو تنزيه الله من كل سوء، وسأل ابن الكوّا علياً عن ذلك فقال: كلمة رضيها الله لنفسه. قال المفسرون: [هذه نعمة علم بين له وعين الخدام في] الطعام فإذا اشتهوا شيئاً من الطعام والشراب قالوا: سبحانك اللهم. فيأتوهم في الوقت بما يشتهون على مائدة، فإذا فرغوا من الطعام والشراب حمدوا الله على ما أعطاهم فذلك قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} قولهم {أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وما يريد آخر كلام يتكلّمون به ولكن أراد ما قبله. قال الحسن: بلغني بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين قرأ هذه الآية: "حديث : إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس"تفسير : . وذلك قوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا} في الجنة {سَلاَمٌ} يحيّي بعضهم بعضاً بالسلام وتأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام. قال ابن كيسان: يفتحون كلامهم بالتوحيد ويختمون بالتحميد. وقرأ العامة: {أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ} بالتخفيف والرفع، وقرأ بلال بن أبي بردة وابن محيصن أنّ مثقلا الحمد نصباً. {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ} فيه اختصار ومعناه: {وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ} الآية ذهابهم في الشرك استعجالهم بالإجابة في الخير {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} أي لفرض من هلاكهم ولماتوا جميعاً. قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب: [اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه] يتخذها الرجل على نفسه وولده وأهله وماله بما يكره أن يُستجاب له. شهر بن حوشب. قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملكين الموكلين: لا تكتبا على عبدي في حال ضجره شيئاً. وقرأ العامة: لقضي إليهم آجالهم برفع القاف واللام على خبر تسمية الفاعل، وقرأ عوف وعيسى وابن عامر ويعقوب: بفتح القاف واللام، وقرأ الأعمش: لقضينا، وكذلك هو في مصحف عبد الله، وقيل: أنها نزلت في النضر بن الحرث حين قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية يدل عليه قوله تعالى: {فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} لا يخافون البعث والحساب ولا يأملون الثواب { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَإِذَا مَسَّ} أصاب {ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ} الشدة والجهد {دَعَانَا لِجَنبِهِ} على جنبه مضطجعاً {أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً} فإنما يريد جميع حالاته لأن الإنسان لا يعدو أحد هذه الخلال {فَلَمَّا كَشَفْنَا} رفعنا وفرجنا {عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ} أي استمر على طريقته الأولى، قيل: أن يصيبه الضرّ ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء وترك الشكر والدعاء، قال الأخفش: كأن لم يدعُنا وكأن لم يلبثوا وأمثالها، كأن الثقيلة والشديدة كأنه لم يدعنا {كَذٰلِكَ} أي كما زيّن لهذا الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء كذلك {زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} الآية زين الجد في الكفر والمعصية {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعصية والإسراف يكون في النفس، وفي قراءة: ضيّع نفسه وجعلها عابد وثن وضيع ماله إذ جعله [سائباً بلا خير]، ومعنى الكلام أسرفوا في عبادتهم وأسرفوا في نفقاتهم. {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ} يعني الأمم الماضية. قال ابن عباس: بين القرنين ثمان وعشرون سنة. {لَمَّا ظَلَمُواْ} أشركوا {وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذٰلِكَ} أي كما أهلكناهم بكفرهم وتكذيبهم رسلهم {نَجْزِي} نهلك {ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} المشركين تكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم يخوّف كفّار مكة عذاب الأمم الخالية المكذبة {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم} أي من بعد القرون التي أهلكناهم {لِنَنظُرَ} لنرى {كَيْفَ تَعْمَلُونَ} وهو أعلم بهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله استخلفكم فيها فانظر كيف تعملون ". تفسير : قتادة: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلاّ لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار والسرّ والعلانية. وروى ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم كأنّ شيئاً دُلّي من السماء فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أُعيد فانتشط أبو بكر (رضي الله عنه) ثم ذرع الناس حول المنبر ففصّل عمر بثلاثة أذرع إلى المنبر، فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر قال: قل يا عوف رؤياك، قال: هل لك في رؤياي من حاجة؟ أو لم تنهوني؟ فقال: ويحك إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه. فقصّ عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس المنبر بهذه الثلاثة الأذرع. قال: أما إحداهن فأنّه كائن خليفة وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنّه شهيد، ثم قال: يقول الله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ} إلى قوله {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} فقد استخلفت يا ابن أم عمر فانظر كيف تعمل، وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله، وأما قوله: إني شهيد فأنّى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به، ثم قال: إن الله على ما يشاء لقدير.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن بيَّن الحق أنه خلق السماء والأرض وخلق الكون كله وسخره للإنسان جاء لنا بنعم من آياته التي خلقها لنا، والتي جعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لقوام الحياة؛ فالشمس هي التي تُنضج لنا كل شيء في الوجود، وتعطي لكل كائن الإشعاع الخاص به، كما أن الشمس تبخر المياه - كما قلنا من قبل - لينزل الماء بعد ذلك عذباً فراتاً، يرتوي منه الإنسان وتشرب منه الأنعام ونروي به الزرع. والشمس هي الأم لمجموعة من الكواكب التي تدور حولها، فدورة الأرض حول الشمس تمثل السنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثل اليوم. فيقول الحق سبحانه هنا: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً} ولو نظرت إلى المعنى السطحي في الشمس والقمر لقلت: إن الشمس تعطي نوراً وكذلك القمر، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن تفرِّق بين الاثنين؛ فالشمس تعطي ضياء، والقمر يعطي نوراً. والفرق بين الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء، والنور إنارة حليمة، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم؛ فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من حرارته، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها. إذن: فالنور هو ضوء ليس فيه حرارة، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيّاً من المضيء مثل الشمس. أما القمر فضوؤه غير ذاتي ويكتسب ضوءه من أشعة الشمس حين تنعكس عليه، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضاً من الضوء فهي تعكسه. إذن: القمر مضيء بغيره، أما الشمس فهي تضيء بذاتها. لذلك قال الحق هنا: {جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً}. وكلمة {ضِيَآءً} إما أن تعتبرها مفرداً مثل صام صياماً، وقام قياماً، وضاء ضياءً. وإما أن تعتبرها جمعاً، مثلها مثل حوض ـ جمعه: حياض، ومثل روض ـ جمعه رياض، وكذلك جمع ضوء هو ضياء. إذن كلمة {ضِيَآءً} تصلح أن تكون جمعاً وتصلح أن تكون مفرداً، وحين يجيء اللفظ صالحاً للجمع وللإفراد، لا بد أن يكون له عند البليغ ملحظ؛ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس وقبل تحليله، كنا نقول: إنه ضوء، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس، وجدنا أن ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر، وغيرها. إذن: فـ "ضياء" تعبر عن تعدد الألوان المخزونة في ضياء الشمس، فإن قلت: ضياء جمع ضوء، فهذا بتحليل الضوء إلى عناصره كلها، وإن قلت: ضياء مثل قيام، ومثل صيام، فهذا يصلح في المعنى العام. ولذلك كان القرآن ينزل بما تحتمله العقول المعاصرة لنزوله التي لا تعرف المعاني العلمية للظواهر. ولو قال القرآن هذه الحقائق، لقال واحد: إنني أرى الشمس حمراء لحظة الغروب، وأراها صفراء لحظة الظهيرة، وهو لا يعلم أن الحمرة وقت الغروب هي حمرة في الرؤية لطول الأشعة الحمراء، وهي لا تظهر إلى حين الغروب حيث تكون الشمس في أبعد نقطة، فلا يصل إلينا إلا الضوء الأحمر، أما بقية الأضواء فهي تشع في الكون ولا تصل إلينا. إذن: كلمة {ضِيَآءً}، إما أن تعتبرها جمع ضوء، مثل سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض، وإما أن تعتبرها مفردة. هذه صالحة للمعنى العام، وتلك صالحة للمعنى التحليلي؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تفسير : [الفرقان: 61]. والسراج هو ما يعطي الضوء والحرارة، وهو وصف مناسب للشمس. وهنا يقول الحق: {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ}، وكلمة {وَقَدَّرَهُ} تعود في ظاهر الأمر إلى القمر. لكن في الواقع أن الشمس لها منازل أيضاً، وقال الحق: {وَقَدَّرَهُ} لأن هناك شيئاً اسمه "الجعل"، فهو سبحانه جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نوراً. إذن: فالجَعْل جاء بأمرين اثنين؛ جعل للشمس ضياء وجعل للقمر نوراً، هذا الجعل نفسه جعله الله لنقدر به الزمن، فهو صالح للاثنين؛ للشمس وللقمر؛ لنعلم عدد السنين والحساب. وفي العبادات نحتاج إلى تحديد بداية شهر رمضان؛ لنمارس عبادة الصوم، ونحتاج إلى تحديد أشهر الحج، وكذلك تحتاج المرأة مثلاً إلى حساب شهور العدة، وكل هذه التقديرات تخضع للهلال، فهو علامة واضحة للكل، فهو يبدأ صغيراً ويكبر ثم يصغر. {أية : وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ} تفسير : [يس: 39]. و"العرجون" هو ما نسميه "السباطة" التي تحمل "شماريخ" البلح، وكانوا يصنعون منها قديماً المكانس التي يكنسون بها بيوت البادية والريف، وهكذا أعطانا الله تشبيهاً من البيئة التي عاش فيها العربي القديم. وفي أول كل شهر كلنا نرى الهلال كعلامة مخبرة عن ميلاد الشهر، وهكذا تعلَّم الإنسان أن يحسب الشهور بتقدير منازل القمر، وبالنسبة للسنة؛ فالحق سبحانه يقول: {أية : إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ...} تفسير : [التوبة: 36]. والتقدير هنا اثنا عشر شهراً هلاليّاً. أما اليوم فيقدر بالشمس؛ لذلك فهي تدخل في تقدير المنازل. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد شاء أن يجعل "الجعل" لأمرين؛ مجعول الشمس، ومجعول القمر، مصداقاً لقوله: {وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}. والحق - كما أوضحنا - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وحين نتأمل مسار الأفلاك، ومسار الشمس، ومسار القمر، لا نجد فيها خلافاً، بل نجد مراصد الكفار تعلن مواعيد تواجد القمر بين الأرض والشمس، وقد توجد الأرض بين القمر والشمس، ويتسبب هذا في ظاهرتي الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وكل هذه الأمور تجدها عندهم غاية في الدقة. {أية : وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40]. وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكماً يعتقدونه، ونفى حكماً آخر يعتقدونه، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار، بدليل أن تحديد الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم، وما داموا قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار، فلا بد من حكم مقابل؛ وهو أن النهار لا يسبق الليل. وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها، وهي أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب، ونفى القرآن أن يسبق الليل النهار. وكان المخاطب - إذن - يعتقد أن الليل يسبق النهار، ويصحح الله المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل. وهكذا عرض الحق سبحانه للكونيات عرضاً رمزيّاً في القرآن؛ لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي لذلك لكَذَّب العرب القرآن، فلو قال القرآن بصريح العبارة: إن الأرض كروية، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن، وما زلنا نجد من يعارض تلك الحقيقة في أواخر القرن العشرين؛ لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية، بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي البسيط لها. وما دام لا يسبق النهار، والنهار لا يسبق الليل، فكيف جاء هذا الأمر - إذن؟ ونقول: هل خلق اللهُ الشمسَ مواجهة لسطح الأرض أولاً، ثم غابت الشمس فجاء الليل؟ كان هذا الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة، ولكن الحق سبحانه خلق الأرض كروية، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد فيها الليل والنهار معاً، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية، فالنصف المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهاراً، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلاً، ثم تدور الأرض؛ فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلاً، ويأتي الليل للقسم الذي كان نهاراً. إذن: فالحق سبحانه حكى في القرآن الكريم عن الأمور الكونية - التي سوف تستكشفها العقول بعد نزول القرآن - وعالجها بحكمة ودقة، وعلى سبيل المثال نجد قوله الحق: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً...} تفسير : [الفرقان: 62]. ثم يأتي التعليل: {أية : لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62]. فالليل خلْفة النهار، ومعنى خلفة أي: يخلف غيره. والمثال من حياتنا نجده في دوريات الحراسة، نجد إنساناً يحرس موقعاً ما - مدّة ست ساعات مثلاً - وبعد انتهاء فترة الحراسة يسلم المهمة لحارس ثان، وبذلك يخلف واحدٌ الآخر، لكن من الذي بدأ المهمة الأولى في الحراسة قبل أن يأتي إنسان ليتسلم منه دورية الحراسة؟ وكذلك الأمر في الليل والنهار، فبيّن الحق سبحانه أن الليل والنهار خِلْفة، ومعنى ذلك أن كلا منهما كان موجوداً من البدء ولأن الأرض تدور جاء النهار في البلاد التي تشرق فيها الشمس، وجاء الليل في البلاد التي تغيب عنها الشمس، وتتابع الليل والنهار. هكذا فَصَّل الحق سبحانه آياته لنا، وقال سبحانه: {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ...}.

الجيلاني

تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً} ليكون دليلاً على كمال ظهوره وإشراقه، وجلائه وانجلائه {وَٱلْقَمَرَ نُوراً} منيراً في ظلمات الليل؛ ليكون دليلاً على إنارته وإضاءته سبحانه في مشكاة التعينات وظلمات الهوايات {وَقَدَّرَهُ} أي: للقمر {مَنَازِلَ} في السماوات؛ تسهيلاً لكم في أموركم {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ} التي تحتاجون إليها في معاملاتكم وتجاراتكم وحرثكم، كما قدر منازل نور النبوة والولاية في مشكاة الأنبياء والأولياء الوارثين منهم؛ لتقتبسوا أنوار الإيمان المزيحة لظلم الكفر والعصيان من مصابيح أولئك الأمناء الكرام، وتتوسلوا بهم إلى أن تستضيئوا بضياء الشمس الحقيقي التي لا أقول لها أصلاً. ثم قال سبحانه ترغيباً لعباده، وتنبيهاً لهم علىأصل فطرتهم: {مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي: ما أظهر وأوجد سبحانه ما أظهر في عالم الغيب والشهادة؛ حسب أسمائه وأوصافه إلا بالحق الثابت الصريح بلا احتياج إلى الدلائل والشواهد؛ إذ لا شيء أظهر من ذاته سبحانه حتى يجعل دليلاً عليه، وإنما {يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} المنبهة عليها {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [يونس: 5] يتحققون بمرتبة اليقين العلمي؛ ليترقوا منها إلى اليقين العيني والحقي، وأما المحجوبون فهم من عداد البهائم والأنعام، لا يرجى منهم الفلاح؛ لخباثة طينتهم ورداءة فطرتهم. {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ} وإيلاجه في النهار {وَٱلنَّهَارِ} وإيلاجه في الليل {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي} أوضاع {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} من الأمور المقتضية لاختلافهما {وَٱلأَرْضِ} من المكونات الكائنة فيها على مقتضى تربية العلويات وتدبيراتها {لآيَاتٍ} دلائل واضحات، وشواه لائحات دالة على قدرة القادر الحكيم المتقن في أمره وفعله {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] عن قهر الله، ويلتجئون إليه سبحانه عن غضبه وسخطه. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والوعيد: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} لإنكارهم إعادتنا إياهم في يوم الجزاء؛ لنجزيهم وفق ما عملوا {وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا} المستعار بلا التفات إلى دار القرار {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} أي: أسكنوا ووطنوا نفوسهم بلذاتها وشهواتها {وَ} بالجملة: {ٱلَّذِينَ هُمْ} لقساوة قلوبهم وغباوة فطنتهم {عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} [يونس: 7] ذاهلون مع وضوحها وظهورهها. {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء، المعزولون عن مقتضى العقل المستفاد من العقل الكل {مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يونس: 8] من الكفر والعصيان، ومخالفة الفعل المفاوض.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما قرر ربوبيته وإلهيته، ذكر الأدلة العقلية الأفقية الدالة على ذلك وعلى كماله، في أسمائه وصفاته، من الشمس والقمر، والسماوات والأرض وجميع ما خلق فيهما من سائر أصناف المخلوقات، وأخبر أنها آيات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } و { لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ }. فإن العلم يهدي إلى معرفة الدلالة فيها، وكيفية استنباط الدليل على أقرب وجه، والتقوى تحدث في القلب الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، الناشئين عن الأدلة والبراهين، وعن العلم واليقين. وحاصل ذلك أن مجرد خلق هذه المخلوقات بهذه الصفة، دال على كمال قدرة الله تعالى، وعلمه، وحياته، وقيوميته، وما فيها من الأحكام والإتقان والإبداع والحسن، دال على كمال حكمة الله، وحسن خلقه وسعة علمه. وما فيها من أنواع المنافع والمصالح -كجعل الشمس ضياء، والقمر نورا، يحصل بهما من النفع الضروري وغيره ما يحصل- يدل ذلك على رحمة الله تعالى واعتنائه بعباده وسعة بره وإحسانه، وما فيها من التخصيصات دال على مشيئة الله وإرادته النافذة. وذلك دال على أنه وحده المعبود والمحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يصرف خالص الدعاء إلا له، لا لغيره من المخلوقات المربوبات، المفتقرات إلى الله في جميع شئونها. وفي هذه الآيات الحث والترغيب على التفكر في مخلوقات الله، والنظر فيها بعين الاعتبار، فإن بذلك تنفتح البصيرة، ويزداد الإيمان والعقل، وتقوى القريحة، وفي إهمال ذلك، تهاون بما أمر الله به، وإغلاق لزيادة الإيمان، وجمود للذهن والقريحة.