Verse. 1370 (AR)

١٠ - يُونُس

10 - Yunus (AR)

اِنَّ فِي اخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّہَارِ وَمَا خَلَقَ اللہُ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ لَاٰيٰتٍ لِّقَوْمٍ يَّتَّقُوْنَ۝۶
Inna fee ikhtilafi allayli waalnnahari wama khalaqa Allahu fee alssamawati waalardi laayatin liqawmin yattaqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن في اختلاف الليل والنهار» بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان «وما خلق الله في السماوات» من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك «و» في «الأرض» من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها «لآيات» دلالات على قدرته تعالى «لقوم يتقونـ» ـه فيؤمنون، خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى استدل على التوحيد والإلهيات أولاً: بتخليق السموات والأرض، وثانياً: بأحوال الشمس والقمر، وثالثاً: في هذه الآية بالمنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار، وقد تقدم تفسيره في سورة البقرة في تفسير قوله: { أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [البقرة:164] ورابعاً: بكل ما خلق الله في السموات والأرض، وهي أقسام الحوادث الحادثة في هذا العالم، وهي محصورة في أربعة أقسام: أحدها: الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار والثلوج. ويدخل فيها أيضاً أحوال البحار، وأحوال المد والجزر، وأحوال الصواعق والزلازل والخسف. وثانيها: أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة. وثالثها: اختلاف أحوال النبات. ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } والاستقصاء في شرح هذه الأحوال مما لا يمكن في ألف مجلد، بل كل ما ذكره العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب. ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الدلائل قال: {لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } فخصها بالمتقين، لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل. وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي، ثم من ثواب وعقاب، ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد.

القرطبي

تفسير : تقدّم في «البقرة» وغيرها معناه، والحمد لله. وقد قيل: إن سبب نزولها أن أهل مكة سألوا آية فردّهم إلى تأمل مصنوعاته والنظر فيها؛ قاله ٱبن عباس. {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} أي الشرك؛ فأما من أشرك ولم يستدل فليست الآية له آية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } بالذهاب والمجيء والزيادة والنقصان {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ } من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك {وَ} في { ٱلأَرْضِ } من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها {لأَيـَٰتٍ } دلالات على قدرته تعالى {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } ـه فيؤمنون: خصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بها.

البقاعي

تفسير : ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال على فناء العالم بتغيره وإلى القدرة على البعث بإيجاد كل من الملوين بعد إعدامه في قوله - مؤكداً له لإنكارهم أن يكون في ذلك دلالة: {إن في اختلاف الليل} أي على تباين أوصافه {والنهار} أي كذلك {وما} أي وفيما {خلق الله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {في السماوات والأرض} من أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ذلك الخسف والزلازل والمعادن والنبات والحيونات وغير ذلك من أحوال الكل التي لا يحيط البشر بإحصائها؛ لما أشار إلى ذلك ختمها بقوله: {لآيات} أي دلالات بينة جداً {لقوم يتقون*} أي أن من نظر في هذا الاختلاف وتأمل تغير الأجرام الكبار كان جديراً بأن يخاف من أن تغير أحواله وتضطرب أموره فيتقي الله لعلمه قطعاً بأن أهل هذه الدار غير مهملين، فلا بد لهم من أمر ونهي وثواب وعقاب؛ والاختلاف: ذهاب كل من الشيئين في غير جهة الآخر، فاختلاف الملوين: ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك في جهة الظلام؛ والليل: ظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، هو جمع ليلة كتمر وتمرة؛ والنهار: اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ والخلق: فعل الشيء على ما تقتضيه الحكمة، وأصله التقدير؛ ونبه بما خلق في السماوات والأرض على وجوه الدلالات. لأن الدلالة في الشيء قد تكون من جهة خلقه أو اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم أمره أو غير ذلك. ولما أُشير بالآية إلى أنقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له، وقام الدليل القطعي على المعاد، ناسب تعقيبها بعيب من اطمأن إليها في سياق مبين أن سبب الطمأنينة إنكار الطمأنينة اعتقاداً أو حالاً؛ ولما كانت ختم تلك بـ {يتقون} لاح أن ثمّ من يتقي ومن لا يتقي؛ ولما كان الغرور أكثر، بدأ به تنفيراً عن حاله، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فقال مؤكداً لأجل إنكارهم: {إن الذين} ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة، وكان الرجاء أقرب إلى الحث على الإقبال، قال مصرحاً بالرجاء ملوحاً إلى الخوف: {لا يرجون لقاءنا} بالبعث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة {ورضوا} أي عوضاً عن الاخرة {بالحياة الدنيا} أي فعملوا لها عمل المقيم فيها مع ما إشتملت عليه مما يدل على حقارتها {واطمأنوا} إليها مع الرضى {بها} طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها {والذين هم} أي خاصة {عن آياتنا} أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال الدنيّة الفانية {غافلون} أي غريقون في الغفلة، وتضمن قوله تعالى استئنافاً: {أولئك} أي البعداء البغضاء {مأواهم النار بما} أي بسبب ما {كانوا} أي جبلة وطبعاً {يكسبون*} فإن كسبهم كله ضلال - أنه لا يعاجلهم بالعقاب على تأخير المتاب، وجعلت ملاقاة ما لا يقدر إلا الله ملاقاة الله تفخيماً لشأنها كما جعل إتيان جلائل آيات الله في قوله:{أية : إلا أن يأتيهم الله في ظِلل من الغمام}تفسير : [البقرة: 210] ونحوه، والاطمئنان: الركون إلى الشيء على تمكن فيه، فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيا فصار فرحهم وسخطهم لها؛ والغفلة: ذهاب المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه، واليقظة نقيضها. ولما أنقضى هذا القسم حالاً ومآلاً، أتبعه سبحانه القسم الآخر بقوله مؤكداً لإنكار الكفار هدايتهم: {إن الذين آمنوا} أي أوجدوا هذا الوصف بما لهم من القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة الله تعالى {وعملوا} أي وصدقوا دعواهم الإيمان بأن عملوا {الصالحات} بالقوة العملية التي سلطانها عبودية الله تعالى، والصالح: ما جاء بالحث عليه الأنبياء عليهم السلام {يهديهم} أي على سبيل التجدد والاستمرار {ربهم} أي المحسن إليهم {بإيمانهم} أي بسبب تصديقهم وإذعانهم لمعرفة الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا يرجون اللقاء، فقادتهم إلى دار السلام، وهذا كما كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم بعد إسلامهم يشتد تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام، وكما ترى أنك تخنق على بعض الكملة فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة، ثم أنك قد ترضى عنه فتراه كله محاسن. ولما ذكر أم مآل القسم الأول النار، ذكر مآل هذا القسم في معرض سؤال من يقول: ماذا تورثهم هدايتهم؟ فقيل له: {تجري} وأشار إلى قرب منال المياه وانكشافها عن كل ما ينتفع به في غير ذلك بإثبات الجار فقال: {من تحتهم} أي تحت غرفهم وأسرّتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى{أية : قد جعل ربك تحتك سرياً} تفسير : [مريم: 14] وكذا قول فرعون{أية : وهذه الأنهار تجري من تحتي}تفسير : [الزخرف: 51] {الأنهار} كائنين {في جنّات النعيم} أي التي ليس فيها من غيره.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن خليفة العبدي قال‏:‏ لو أن الله تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد، ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل إذا جاء فملأ كل شيء وغطى كل شيء، وفي مجيء سلطان النهار إذا جاء فمحا سلطان الليل، وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض، وفي النجوم، وفي الشتاء والصيف، فوالله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم تبارك وتعالى حتى أيقنت قلوبهم بربهم عز وجل، وكأنما عبدوا الله عن رؤية‏.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تنبـيهٌ آخرُ إجماليٌّ على ما ذكر أي في تعاقبهما وكونِ كل منهما خِلْفةً للآخر بحسب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعين لحركات السموات وسكونِ الأرضِ أو في تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبعداً بحسب الأزمنة، أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ إما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفية أقصرُ من أيام البلاد البعيدةِ منه ولياليها، وإما في أنفسها فإن كروية الأرضِ تقضي أن يكون بعضُ الأماكن ليلاً وفي مقابله نهاراً {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} من أصناف المصنوعات {لأَيَاتٍ} عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وجود الصانعِ تعالى ووحدتِه وكمالِ علمِه وقدرتِه وبالغِ حكمتِه التي من جملة مقتضياتِها ما أنكروه من إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزالِ الكتابِ والبعثِ والجزاء {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} خصّهم بذلك لأن الداعيَ إلى النظر والتدبر إنما هو تقوى الله تعالى والحذرُ من العاقبة فهم الواقفون على أن جميعَ المخلوقاتِ آياتٌ دون غيرِهم {أية : وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [يونس: 105].

القشيري

تفسير : اخْتُصَّ النهارُ بضيائه، وانفرد الليلُ بظلماته، من غير استيجاب لذلك، ومن غير استحقاق عقاب لهذا، وفي هذا دليلٌ على أَنَّ الردَّ والقبولَ، والمَنْعَ والوصولَ، ليست معلولةً بسبب، ولا حاصلةً بأمرِ مُكْتَسبٍ؛ كلاَّ... إنها إرادةٌ ومَشِيئَةٌ، وحُكْمٌ وقضية. النهارُ وقتُ حضورِ أهلِ الغفلة في أوطان كَسْبِهم، ووقتُ أربابِ القربة والوصلة لانفرادهم بشهود ربِّهم، قال قائلهم: شعر : هو الشمس، إلا أنَّ للشمس غَيبةً وهذا الذي نعنيه ليس يغيبُ تفسير : والليلُ لأحدِ شخصين: أمَّا للمُحِبِّ فَوقْتُ النَّجوى، وأَمّا للعاصي فَبَثُّ الشكوى.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان في اختلاف الليل والنهار} اي في اختلاف الوانهما بالنور والظلمة او فى اختلافهما بذهاب الليل ومجيئ النهار وبالعكس واختلف في ايهما افضل. قال الامام النيسابوري الليل افضل لانه راحة والراحة من الجنة والنهار تعب والتعب من النار فالليل حظ الفراش والوصال والنهار حظ اللباس والفراق. وقيل النهار افضل لانه محل النور والليل محل الظلام. يقول الفقير الليل اشارة الى عالم الذات وله الرتبة العليا والنهار اشارة الى عالم الصفات وله الفضيلة العظمى ويختلفان بان من ولد في الليل يصير اهل فناء في الله ومن ولد في النهار يصير اهل بقاء بالله ففيهما سر دار الجلال ودار الجمال وسر اهلهما {وما خلق الله في السموات} من انواع الكائنات كالشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح {والارض} من انواعها ايضا كالجبال والبحار والاشجار والانهار والدواب والنبات {لآيات} عظيمة او كثيرة دالة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته {لقوم يتقون} خص المتقين لانهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر الى النظر والتدبر وعن على رضى الله عنه من اقتبس علما من النجوم من حملة القرآن ازداد به ايمانا ويقينا ثم تلا {ان في اختلاف الليل والنهار} الى {لآيات} يقول الفقير اصلحه الله القدير هذا بالنسبة الى ما ابيح من تعلم النجوم وتوسل به الى معرفة الآيات السماوية واما قوله عليه السلام "حديث : من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر" تفسير : اى قطعة منه. فقد قال الحافظ المنهى عنه من علم النجوم هو ما يدعيه اهلها من معرفة الحوادث الآتية في مستقبل الزمان كمجيئ المطر ووقوع الثلج وهبوب الريح وتغير الاسعار ونحو ذلك ويزعمون انهم يدركون ذلك بسير الكواكب واقترانها وافتراقها وظهورها في بعض الازمان دون بعض وهذا علم استأثر الله به لا يعلمه احد غيره فاما ما يدرك من طريق المشاهدة من علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقى فانه غير داخل في النهى انتهى -وسمع- ذو النون المصرى شخصا قائما على الجبل وسط البحر يقول سيدى سيدى انا خلف البحور والجزائر وانت الملك الفرد بلا حاجب ولا زائر من ذا الذي انس بك فاستوحش من ذا الذي نظر الى آيات قدرتك فلم يدهش اما في نصبك السموات الطرائق ونظمك الفلك فوق رؤس الخلائق ورفعك العرش المحيط بلا عوائق واجرائك الماء بلا سائق وارسالك الريح بلا عائق ما يدل على فرد انيتك اما السموات فتدل على منعتك واما الفلك فيدل على حسن صنعتك واما الرياح فتنشر من نسيم بركاتك واما الرعد فيصوت بعظيم آياتك واما الارض فتدل على تمام حكمتك واما الانهار فتتفجر بعذوبة كلمتك واما الاشجار فتخبر بجميل صنائعك واما الشمس فتدل على تمام بدائعك: قال الشيخ المغربى قدس سره شعر : جمله نقش تعينات ويند هرجه هستتد در زمين وسما تفسير : وله شعر : مغربى زان ميكند ميلى بكلشن كاندرو هرجه رارنكى وبوبى هست رتك وبوى اوست

الطوسي

تفسير : الاختلاف ذهاب كل واحد من الشيئين في غير جهة الاخر، فاختلاف الليل والنهار ذهاب أحدهما في جهة الضياء والآخر في جهة الظلام. والليل عبارة عن وقت غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني، وهو جمع ليلة كتمرة وتمر. والنهار عبارة عن اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. والنهار واليوم معناهما واحد إلا أن في النهار فائدة اتساع الضياء. وقوله {وما خلق الله في السماوات والأرض} معناه ما قدر فيهما وفعله على مقدار تقتضيه الحكمة: من الحيوان والنبات وغيرهما ومن غير نقصان ولا زياد، وإن في رفعه السماء بلا عمد، وتسكينه الارض بلا سند، مع عظمها لأعظم آيات لمن تفكر في ذلك وتعقله، ويتقي مخالفته. والخلق مأخوذ من خلقت الأديم اذا قدرته. وإنما خص ما خلق في السموات والأرض بالذكر للاشعار بوجوه الدلالات إذ قد تكون الدلالة في الشيء من جهة الخلق، وقد تكون من جهة اختلاف الصورة ومن جهة حسن المنظر، ومن جهة كثرة النفع ومن جهة عظم الأمر، كالجبل والبحر. وقوله {لآيات لقوم يتقون} معناه ان في هذه الاشياء التي ذكرها دلالات على وحدانية الله لقوم يتقون معاصيه ويخافون عقابه، وخص المتقين بالذكر لما كانوا هم المنتفعين بها دون غيرهم.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} جواب لسؤالٍ ناشٍ عن السّابق وهكذا الجمل المذكورة فيما بعد الّتى لا عاطف فيها {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} لمّا كان الشّمس والقمر من الآيات الظّاهرة علّق كونهما آية على صفة العلم الّتى هى اوّل مراتب الانسانيّة بخلاف سائر المخلوقات وبخلاف اختلاف اللّيل والنّهار ولذلك علّق كونهما آيةً على التّقوى الّتى مرتبتها فوق مرتبة اصل العلم فانّ التّقوى عمّا يتّقى بعد العلم بما يتّقى.

اطفيش

تفسير : {إنَّ فى اخْتِلافِ اللَّيل والنَّهار} بالذهاب والمجىء، والزيادة والنقصان {وما خَلَق اللهُ فى السَّماواتِ} من شمس وقمر ونجوم، وملائكة وغير ذلك {والأرضِ} من حيوان وجبال، وبحار وأنهار وأشجار، وغير ذلك {لآياتٍ} دلائل على وجود الصانع ووحدته، وكمال علمه، وقدرته {لقِومٍ يتَّقونَ} يحذرون العواقب، وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ فِى اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} تخالفهما كاجتوروا بمعنى تجاوروا بالقصر والطول والذهاب والمجىءِ، وأَيام البلاد القريبة من القطب الشمالى فى الصيف ولياليها أَقصر من أَيام البلاد البعيدة منه ولياليها؛ ومقتضى كرية الأَرض أَن يكون بعض الأَوقات فى بعض الأَماكن نهارا وفى بعضها ليلا {وَمَا خَلَقَ اللهُ فِى السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ} من العقلاءِ وغيرهم وأَحوال ذلك وما يقع عليهم أَو منهم، فما تغليب لغير العقلاء أَو أَطلق ما متناولا للأَجناس فهو أَولى بإِرادة العموم، وعلى كل حال شملت الآيات الملائِكة والشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، والحيوان والجبال والبحار والعيون والأَشجار وسائِر الأَجسام كلها والأَعراض كلها {لآياتٍ} دلائل على وجوده تعالى وقدرته وعلمه وتنزهه عن صفات الخلق ووحدته {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} وغيرهم، وخصهم بالذكر لأَنهم المنتفعون بها، إِذ يتدبرون فيدركون.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} تنبيه آخر إجمالي على ما ذكر أي في تعاقبهما وكون كل منهما خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها التابعين عند أكثر الفلاسفة لحركة الفلك الأعظم حول مركزه على خلاف التوالي فإنه يلزمها حركة سائر الأفلاك وما فيها من الكواكب على ما تقدم مع سكون الأرض وهذا في أكثر المواضع وأما في عرض تسعين فلا يطلع شيء ولا يغرب بتلك الحركة أصلاً بل بحركات أخرى وكذا فيما يقرب منه قد يقع طلوع وغروب بغير ذلك وتسمى تلك الحركة الحركة اليومية وجعلها بعضهم بتمامها للأرض وجعل آخرون بعضها للأرض وبعضها للفلك الأعظم، والمشهور عند كثير من المحدثين أن الشمس نفسها تجري مسخرة بإذن الله تعالى في بحر مكفوف فتطلع وتغرب حيث شاء الله تعالى / ولا حركة للسماء وإلى مثل ذلك ذهب الشيخ الأكبر قدس سره. ويجوز أن يراد باختلاف الليل والنهار تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده وهو ناشىء عندهم من اختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قرباً وبعداً بسبب حركتها الثانية التي بها تختلف الأزمنة، وتنقسم السنة إلى فصول وقد يتساوى الليل والنهار في بعض الأزمان عند بعض وذلك إنما يكون إذا اتفق حلول الشمس نقطة الاعتدال عند الطلوع أو الغروب وكان الأوج في أحد الاعتدالين فإنه إذا تحقق الأول كان قوس النهار كقوس الليل وإذا تحقق الثاني كان الأمر بالعكس وهذا نادر جداً، ولا يمكن على ما ذهب إليه بطليموس من عدم حركة الأوج فلا يتساوى الليل والنهار عنده أصلاً. وقد يراد اختلافهما بحسب الأمكنة أما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة من القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وأما في أنفسهما فإن كرية الأرض على ما قالوا تقتضي أن تكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلاً وفي مقابله نهاراً. {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ} من المصنوعات المتقنة والآثار المحكمة {لأَيَـٰتٍ} عظيمة كثيرة دالة على وجود الصانع تعالى ووحدته وكمال قدرته وبالغ حكمته التي من جملة مقتضياته ما أنكروا من إرسال الرسول وإنزال الكتاب وتبيين طرائق الهدى وتعيين مهاوي الرد {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} الله تعالى ويحذرون من العاقبة، وخصصهم سبحانه بالذكر لأن التقوى هي الداعية للنظر والتدبر.

ابن عاشور

تفسير : استدلال آخر على انفراد الله تعالى بالخلق والتقدير. وهو استدلال بأحوال الضوء والظلمة وتعاقب الليل والنهار وفي ذلك عبرة عظيمة. وهو بما فيه من عطف قوله: {وما خلق الله في السماوات والأرض} أعم من الدليل الأول لشموله ما هو أكثر من خلق الشمس والقمر ومن خلق الليل والنهار ومن كل ما في الأرض والسماء مما تبلغ إليه معرفة الناس في مختلف العصور وعلى تفاوت مقادير الاستدلال من عقولهم. وتأكيد هذا الاستدلال بحرف {إنَّ} لأجل تنزيل المخاطبين به الذين لم يهتدوا بتلك الدلائل إلى التوحيد منزلة من ينكر أن في ذلك آيات على الوحدانية بعدم جريهم على موجب العلم. وتقدم القول في شبيهة هذه الآية وهو قوله: {أية : إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر}تفسير : الآية في سورة البقرة (164) وفي خواتم سورة آل عمران. وشمل قوله: {وما خلق الله} الأجسام والأحوال كلها. وجعلت الآيات هنا لقوم يتقون وفي آية البقرة (164) {أية : لقوم يعقلون}تفسير : وفي آية آل عمران (190) لأولي الألباب لأن السياق هنا تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بالآيات ليعلموا أن بعدهم عن التقوى هو سبب حرمَانهم من الانتفاع بالآيات، وأن نفعها حاصل للذين يتقون، أي يحذرون الضلال. فالمتقون هم المتصفون باتقاء ما يوقع في الخسران فيبعثهم على تطلب أسباب النجاح فيتوجه الفكر إلى النظر والاسْتدلال بالدلائل. وقد مر تعليل ذلك عند قوله تعالى: {أية : هُدى للمتقين}تفسير : في أول البقرة (2) على أنه قد سبق قوله في الآية قبلها{أية : يفصل الآيات لقوم يعلمون}تفسير : [يونس: 5]، وأما آية البقرة وآية آل عمران فهما واردتان في سياق شامل للناس على السواء. وذكر لفظ (قوم) تقدم في الآية قبل هذه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 6- إن فى تعاقب الليل والنهار واختلافهما بالزيادة والنقصان، وفى خلْق السموات والأرض وما فيهما من الكائنات، لأدلة واضحة وحُججاً بينة على ألوهية الخالق وقدرته لمن يتجنبون غضبه ويخافون عذابه. 7- إن الذين لا يؤمنون بالبعث ولقاء الله فى اليوم الآخر، واعتقدوا - واهمين - أن الحياة الدنيا هى منتهاهم وليس بعدها حياة، فاطمأنوا بها، ولم يعملوا لما بعدها، وغفلوا عن آيات الله الدالة على البعث والحساب. 8- هؤلاء مأواهم الذى يستقرون فيه هو النار، جزاء ما كسبوا من الكفر وقبيح الأعمال. 9- إن الذين آمنوا إيماناً صحيحاً، وعملوا الأعمال الصالحة فى دنياهم يثبتهم ربهم على الهداية بسبب إيمانهم، ويدخلون يوم القيامة جنات تجرى الأنهار خلالها، وينعمون فيها نعيماً خالداً.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱخْتِلاَفِ} {ٱلْلَّيْلِ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لآيَاتٍ} (6) - إِنَّ فِي تَعَاقُبِ الليْلِ وَالنَّهَارِ، إِذَا ذَهَبَ هَذا جَاءَ ذَاكَ، لاَ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، وَفِي تَقَارُضِهِمَا الطُّولَ وَالقِصَرَ، يَطُول هذا وَيَقْصُرُ ذَاكَ، وَفِيمَا خَلَقَ اللهُ فِي هذا الكونِ العَظِيمِ الوَاسِعِ ... لَدَلاَئلِ َعَظِيمَةً عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَحِكْمَتِهِ لِمَنْ يَخْشَوْنَ اللهَ، وَيَخَافُونَ سُخْطَهُ وَعِقَابَهُ (يَتَّقُونَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهكذا بيّن الحق اختلاف الليل عن النهار مما يؤكد أنهما وجدا معاً، وعطف عليها {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؛ لأنه سبحانه خلق الكون بما فيه من مقومات حياة من مأكل ومشرب وهواء، وغير ذلك، ثم سخَّر الكون كله؛ لخدمة السيد وهو الإنسان. ولو نظرتَ إلى مقومات الحياة لوجدت فيها احتياجات أساسية تتمثل في نفس هواء، وشراب ماء، وطعام؛ هذه أهم احتياجات الإنسان من مقومات الحياة. ويصبر الإنسان على المأكل أكثر مما يصبر على المشرب، ويصبر على المشرب أكثر مما يصبر على نَفَس الهواء، بل ولا يملك الإنسان الصبر على نَفَس الهواء مقدار شهيق وزفير. لذلك شاء الحق أن يملك قومٌ طعام غيرهم، لأن الجسم يمكنه أن يصبر على الطعام لمدة قد تصل إلى الشهر ويعتمد في ذلك على إذابة الدهن المتراكم بداخله، عكس ما اخترع البشر من آلات، فالسيارة لا يمكن أن تسير لمتر واحد دون وقود، أما الجسم فيتحمل لعل مَنْ يملك الطعام يخفف من القيود، أو لعل الإنسان الجائع يجد طريقه لينال ما يقتات به. أما الماء فقد شاء الحق أن يقلل من احتكار البشر له؛ لأن الإنسان أكثر احتياجاً للماء من الطعام. أما الهواء فسبحانه وتعالى لم يُملِّك الهواء لأحد؛ لأن الهواء هو العنصر الأساسي للحياة؛ ولذلك اشتق منه لفظ النّفس، ونَفْس ونَفَس. ولو نظرتَ إلى الهواء في الوجود كله لوجدته عامل صيانة لكل الوجود من ثبات الأرض، إلى ثبات المباني التي عليها، إلى ثبات الأبراج، إلى ثبات الجبال، كل ذلك بفعل الهواء؛ لأن تياراته التي تحيط بجوانب كل الأشياء هي التي تثبّتها، وإنْ تخلخل الهواء في أي ناحية حول تلك المباني والجبال فهي تنهدم على الفور. إذن: الهواء هو الذي يحفظ التوازن في الكون كله. ولذلك قلنا: إنك لو استعرضتَ ألفاظ القرآن لوجدت أن الحق سبحانه حينما يتكلم عن تصريف الرياح، فهو سبحانه يتكلم بدقَّةِ خالقٍ، بدقة إله حكيمٍ، فهو يرسل من الرياح ما فيه الرحمة، مثل قوله الحق: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ...} تفسير : [الحجر: 22]. لكن إذا جاء بذكر ريح ففي ذلك العقاب، مثل قوله: {أية : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} تفسير : [الحاقة: 6]. ومثل قوله: {أية : فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الأحقاف: 25]. لأن الرياح تأتي من كل ناحية، فتوازن الكائنات، أما الريح فهي تأتي من ناحية واحدة فتدهم ما في طريقها. وهنا يقول سبحانه: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: أنه جاء بالمخلوقات الأخرى مجملة بعد أن جاء بذكر الشمس والقمر كآيتين منفصلتين، ثم ذكر السماوات والأرض وما فيهما من آيات أخرى: من رعد، وبرق، وسحاب، ونجوم وعناصر في الكون، كل ذلك مجمل في قوله: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؛ لأنه لو أراد أن يفصِّل لَذَكَرَ كثيراً من الآيات والنعم، وهو القائل: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا...} تفسير : [إبراهيم: 34]. والقرآن ليس كتاباً لبسط المسائل كلها، بل هو كتاب منهج، ومن العجيب أنه جاء بـ "إن" وهي التي تفيد الشك في قوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : ؛ لأن أحداً مهما أوتي من العلم ليس بقادر أن يُحصي نعمَ الله في الكون؛ ولأن الإقبال على العَدّ فرض إمكان الحصر، ولا يوجد إمكان لذلك الحصر؛ لذلك لم يأت بـ "إذا"، بل جاء بـ "إنْ" وهي في مقام الشك. والأعجب من هذا أنك تجد أن العَدَّ يقتضي التكرار، ولم يقل الله سبحانه: وإن تعدوا نعم الله، بل جاء بـ "نعمة" واحدة، وإذا استقصيتَ ما في النعمة لوجدتَ فيها آلاف النعم التي لا تُحصَى. ويُنهي الحق الآية بقوله: {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ}، والآيات تطلق ثلاث إطلاقات: الإطلاق الأول آيات القرآن، والإطلاق الثاني على المعجزة الدالة على صدق الرسول، والإطلاق الثالث للآية أنها تحمل عجيبة من عجائب الكون الواضحة في الوجود الدالة على عظمة الله سبحانه. وهذه الآيات خلقها الله لتُلْفت إلى مُكَوِّن هذه الآيات، واللفتة إلى مُكوِّن هذه الآيات ضرورة لينشأ الإنسان في انسجام مع الكون الذي أنشىء من أجله، بحيث لا يأتي له بعد ذلك ما ينغّص هذا الانسجام، فهبْ أن إنساناً ارتاح في حياته الدنيا ثم استقبل الآخرة بشقاء وجحيم، فما الذي استفاده من ذلك؟ إذن: كل المسائل التي تنتهي إلى زوال لا يمكن أن تُعتبر نعمة دائمة؛ لأن النعمة تعني أن تتنعم بها تنعُّماً يعطيك يقيناً أنها لا تفارقك وأنت لا تفارقها، والدنيا في أطول أعمارها؛ إما أن تفوت النعمةُ فيها الإنسان، وإما أن يفوت هو النعمةَ. والحق - سبحانه وتعالى - يبقي الذين يريدون أن يتقوا الله؛ ليصلوا إلى نعيم لا يفوت ولا يُفَات، ويجب أن ينظروا في آيات الكون؛ لأنهم حين ينظرون في آيات الكون بإمعان يكونون قد أفادوا فائدتين: الفائدة الأولى أن يفيدوا مما خلق الله، والفائدة الثانية أن يعتبروا بأن هذا الكون الذي خلقه الله إنما جعله وسيلة ومَعْبراً إلى غيره، فقد خلق فيه الخلق ليعيش بالأسباب، ولكنه يريد أن يُسْلمه بعد ذلك إلى حياة يعيش فيها بالمسبِّب وهو الله. فالذين يتقون هم الذين يلتفتون، والذين لا يتقون لا يعتبرون بالنظر في الكون وتمر على الإنسان منهم الأشياء فلا يعتبرون بها، كما قال الله: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. إذن: فهم لا يلتفتون إلى ما في آيات الحق من الآيات الدالة على عظمة قدرة الله سبحانه؛ فهم غير حريصين على أن يَقُوا أنفسهم عذاب الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} [يونس: 6] ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية، {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [يونس: 6] سماوات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف الأخلاق، وتبدل بعضها ببعض واستيلاء بعضها على بعض، {لآيَاتٍ} [يونس: 6] دالة على المعرفة بالتوحيد، {لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] يحذرون عن الأخلاق الذميمة وتبدلها بالأخلاق الحميدة على قانون معالجة الشريعة والطريقة بالأمر لا بالطبع، {إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} [يونس: 7] أي: لا يعتقدون السير إلينا والوصول بنا لدناءة همتهم وخسة نفسهم وقعود نظرهم ما طلبونا {وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا} [يونس: 7] التمتعات الدنيوية والنفسانية الحيوانية. {وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا} [يونس: 7] ركنوا إلى مالها وجاهها وشهواتها، {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} [يونس: 7] وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها وكانوا أصحاب الرياضات والمجاهدات من أهل الأديان والملل والبراهمة والفلاسفة والإباحية، ولكن كانوا معرضين عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا من أهل الأهواء والبدع. {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} [يونس: 8] نار البعد والطرد والحسرة، {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يونس: 8] بأعمالهم الردية وأخلاقهم الدنية، {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [يونس: 9] أي: اعتقدوا طلبنا والوصول إلينا، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [يونس: 9] أي: العمل الذي يصلح أن يسلكوا به سبيلنا، {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] أي: بصدق اعتقادهم في الطلب، ووفور إخلاصهم في السير يهديهم ربهم إلى حضرة ربوبيته على طريق جنات القلب، {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ} [يونس: 9] أنهار الحكمة ومياه المعرفة. {فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} [يونس: 9] نعيم ملاطفات الحق ومشاهداته، {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} [يونس: 10] أي: دعاؤهم تنزيه تلك الحضرة عن دنس إدراكات العقول إياها ولوث وصول أهل الطبيعة إليها لما عاينوها وشاهدوها. {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [يونس: 10] أي: تحيتهم في الله سلامة بقائهم ببقائه، {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [يونس: 10] يُشير إلى نيل مقاصدهم وكمال مراتبهم وإتمام النعمة عليهم، فالحمد والشكر والثناء على النعم يكون وُرْدَ وقتهم، ولسان حالهم.